← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 14827

تيسير البيان لأحكام القرآن

ابن نور الدين

Полный текст (1 649 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وقال ﷻ : ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ [النساء: ١٩]، والمراد: إذا جاءت بفُحْشٍ، أو نشُوزٍ، أو بفاحشة من زنى .... ، فهي لم تقم حدود الله، وهذا تخصيص يقيد إطلاق الآيتين. وقد جاءت السنة ببيان ذلك وتحليله أيضاً؛ كما روت عَمْرَةُ بنتُ عبد الرحمن، عن حَبيبةَ بنتِ سهل: أنها أتتِ النبيَّ ﷺ في الغَلَس، وهي تشكو شيئا ببدنها، وهي تقول: لا أنا ولا ثابتُ بنُ قَيْس، قال رسول الله ﷺ : "يا ثابتُ! خُذْ منها" فأخذ منها، وجلست (١). * واختلفوا فيما إذا كانت الحال مستقيمة بين الزوجين، وتراضيا على الخُلْع (٢). - فقال مالك والشافعيُّ وأبو حنيفةَ وأكثرُ أهل العلم: يصحُّ الخُلْع (٣)، ويحل له ما بذلَتْ له؛ لقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]، ولم يفرق. - وقال النخعيُّ والزهريُّ وعطاءٌ وداودُ وأهلُ الظاهرِ وبكرُ بنُ عبدِ اللهِ المُزَنيُّ: لا يصحُّ الخُلْعُ، ولا يحلُّ له ما بذلت، واختاره ابنُ المنذرِ (٤)؛ لما في الآيةِ من الحصر والتقييد.

стр. 492

وهذا المذهبُ وإن كان قويَّ الدِّلالة، فقولُ الجمهور أرجحُ دليلاً؛ لأن الله -سبحانه- حَرمَ الأخذَ من الأزواج مطلقاً، وقال: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢٠ - ٢١] وبيَّنَ أن الأخذَ إنما يكونُ حراماً إذا كان على سبيل العَضْل (١) والمنعِ، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساه: ١٩]، فدليلُ هذا التخصيص يقتضي جوازَ الأَخذ إذا كان على غير (٢) جهة المَنعْ والعَضْل، مع موافقةِ عموم (٣) قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]، ولأنه إذا جاز الأكلُ من الذي تهبه وتَصَّدَّقُ بهِ من صَداقها، ولم يحصل لها به عوضٌ، فَلأَنْ يجوزَ الأكلُ منهُ مع حصولِ العِوَضِ أولى. * ثم بيَّن الله سبحانه في سورة النساء أنه يجوزُ الأخذ على جهةِ العَضْل عندَ الإتيان بالفاحشة، فقال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩].

стр. 493

وبهذا الحصر أخذ الحسنُ وأبو قِلابةَ، فقالوا: لا يجوز الخُلْعُ حتى يراها تزني (١)، وجعلا الفاحِشَةَ المبينةَ هي التي يعلم بها تركُ إقامة حدود الله. والجمهور إما أن يحملوا الفاحشة المبينة على النشوز، أو يرون النشوز في معنى الفاحشة المبينة (٢)؛ لأن في الجميع ترك إقامة حدود الله تعالى؛ بدليل فعلِ النبيِّ ﷺ في امرأة ثابتِ بنِ قيسٍ، وسيأتي مزيد الكلام إن شاءَ اللهُ تعالى. * والخوف يحتمل أن يراد به حقيقةُ الخوفِ الذي هو الظَّنُّ والحُسبان، فيدل حينئذٍ على جواز الخُلْع، وإن كان الحالُ بينهما مستقيماً يقيمان حدود الله تعالى، يؤدّي حقها، وتؤدِّي حَقَّه، لكنها كارهةٌ لصحبته، ويخافُ أن تمنعَهُ بعضَ حقِّه؛ لكراهيةِ صحبتهِ؛ كما قال الجمهور. ويحتمل أن يُراد به العلمُ؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا﴾ [النساء: ٣٥]؛ أي: علمتم، فلا يدلُّ على جواز الخُلْع في الحال المستقيمة بينهما؛ كما اختاره ابن المنذر. * ثم يحتمل أن يكون قولُه تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] خِطاباً للمؤمنين، ويحتمل أن يكونَ خِطاباً للوُلاة؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥]، وذلك خطابٌ للولاة بالاتِّفاق، وبهذا قال الحسنُ وسعيدُ بنُ جُبير

стр. 494

وابنُ سيرين، فشرطوا في جواز الخُلْعِ حضورَ السلطان (١)، كما (٢) شُرِطَ في بَعْثِ الحَكَمينِ. والجمهورُ على خلافهم؛ قياساً على الطلاق. وبه قال عمر (٣) وعثمانُ وابنُ عمر وعامةُ الفقهاء (٤). * وأحلَّ الله للرجل أن يمسكَ امرأته بعدَ المَرَّتينِ، وهذا إجماع (٥)؛ لأنها كالزوجة، فيرثها وترثه (٦). ولم يكن في السنة -والله أعلم- ما يدلُّ على بيان صفة الإمساك. ولا شَكَّ أنه يحصل بالقول بأن يقول: رددتُها إليَّ، وأمسكتُها. وأمَّا بالفعل الذي هو الوَطْءُ. فذهب الشافعيُّ إلى أنه لا تحصل به الرجعة (٧). وذهب مالك وأبو حنيفةَ إلى حصولها بالوطء (٨).

стр. 495

واشترط مالكٌ النيةَ (١)، ولم يشترطْها أبو حنيفة (٢)، وجعله كالمُؤْلي، وسيأتي مزيدُ كلام على هذا -إن شاء الله تعالى- عندَ قوله في سورة الطلاق: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]. * وجعل الله سبحانه للرجل أن يسرِّحها، وقد أجمع أهلُ العلم (٣) أن الرجعيَّةَ يلحقُها الطلاقُ (٤). وجعل له أيضاً أن يخالعَها، وعلى هذا إجماعُهُمْ، نعم، للشافعيِّ قولٌ أنه لا يصحُّ خُلْعُها (٥). فإن قلتم: فترتيبُ الأحكام في هذه الآية يقتضي أن المُخْتَلِعَةَ يلحقها الطلاقُ؛ لأن الله سبحانه رتَّبَ بالفاء التي للترتيب الإمساكَ والتسريحَ على الطلاق، ورتَّب الافتداءَ على الطلاق، ورتب الطلاقَ على الافتداء، فقال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]. قلت: ما فهمتموه واستنبطتموه قد قالَ به قومٌ من أهل العلم، منهم أبو حنيفةَ والثوريُّ -رحمهما الله تعالى-، واستدلوا بآثار ضعيفةٍ منقطعةٍ لا تقومُ بمثلها حجَّةٌ (٦).

стр. 496

وقال قومٌ: لا يلحقها طلاق، كما لا يلحقها إيلاءٌ ولا ظهار، ولا ترث، ولا تنتقل إلى عدة الوفاة، واحتجوا بما رواه عطاءٌ عن ابن عباس وابن الزبير: أنهما قالا في المختلعة: لا يلزمها طلاق؛ لأنه طلاقُ ما لا يملك، وبه قال مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ وأبو ثور (١). فإن قلتم: فهذا الترتيبُ يقتضي أن المفاداةَ الواقعةَ بين الطلقتين لا تُحرِّم، ولا تجعل ثالثة؛ لأن الله سبحانه يقول: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، ولم يحرمها بالافتداء. قلنا: ما فهمتموه قد قال به -أيضًا- قومٌ من أهل العلم؛ كأحمدَ وداودَ، والشافعيِّ في أحد قوليه، وهو مذهبُ ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما - (٢). فعن إبراهيمَ بنِ سعدٍ بنِ أبي وقاص: أن رجلًا سألَ ابنَ عباس عن رجلٍ طلَّق امرأتَه طلقتين، ثم اختلعت منه، أيتزوجها؟ قال: نعم، لِينكحْها، ليس الخُلْعُ بطلاق، ذكرَ الله الطلاقَ في أولِ الآيةِ وآخرِها، والخلع فيما بين ذلك، فليس الخلعُ بشيء (٣)، ثم قال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ثم قرأ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ

стр. 497

حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (١) [البقرة: ٢٣٠]. قالوا: ولأنه لو كان طلاقًا لكان بعد ذكر الطلقتين ثالثًا، وكان قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ بعد ذلك رابعًا دالًا على الطلاق الرابع، فيكون التحريمُ متعلقًا بأربع تطليقات. واستدلوا بما رواه أبو داود والترمذي: أن النبيَّ ﷺ أمرَ امرأةَ ثابتِ بن قيسٍ حين اختلعتْ أن تعتدَّ بحيضة (٢)، ولو كان طلاقًا لاعتدَّتْ بثلاثة أقراء. وقال الترمذيُّ: وقد قالَ بعضُ أصحابِ النبيِّ ﷺ : عدةُ المُخْتلعةِ حيضةٌ (٣)، ولو كانَ طلاقًا لما اكتفي فيه بحيضة كسائر المطلقات، وكأنهم شبهوه بالإقالة وفسخِ العقود. وقال قوم: الخُلع طلاقٌ يُحْسَبُ من الثلاث، ولا يملك فيه الرجعة. وبه قال أبو حنيفةَ ومالكٌ والشافعيُّ (٤)، وأظنهُ الجديدَ من قوليه، ويروى عن عليٍّ وعثمانَ وابنِ مسعودِ -رضي الله تعالى عنهم- (٥).

стр. 498

وقال أبو ثور: إن كان بلفظ الطلاقِ، فهو طلاق، وإن كان بلفظ المفاداة، فهو فسخ (١). وأجابوا عن الحديث بأنه مُرْسَلٌ ومضطربٌ، فإنه يروى (٢) أنَّه جعل عدَّتها حيضةً ونصفًا (٣). وأما الجوابُ عن الآية، فسهل (٤). * وتخصيصُ اللهِ -سبحانَه- تحريم الأخذِ وحِلَّه بما آتيناهنَّ يحتمل أن يكون للتقييد، ويحتمل أن يكون للتعريف، وإنما ذكر على غالب الحال في الافتداء. وقد اختلف أهل العلم في ذلك. - فقال عطاءٌ وطاوسٌ والزهريُّ وأحمدُ وإسحاقُ والأوزاعيُّ: لا يجوز الخلع بأكثرَ من المهرِ المسمى (٥)، لتخصيص الأخذِ بالذي آتيناهُنَّ في

стр. 499

المواضع كلِّها، ولما روي أن امرأةَ ثابتِ بنِ قيسٍ كانت تبغضُه، وكان هو يحبُّها، فقال رسولُ الله ﷺ : "أَتّرُدّينَ عليه حَديقَتَهُ؟ "، قالت: نعم وزيادة، فقال النبي ﷺ : "أما الزِّيادَةُ، فَلا" (١). - وقال مالك والشافعيُّ وأبو حنيفةَ والثوريُّ وأبو ثورٍ وأكثرُ أهل العلم: يجوزُ الخُلع بأكثرَ من المَهْرِ المُسَمَّى (٢)؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيْمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ولما روى الدَّارَقُطْنِيُّ عن أبي سعيدٍ الخدريِّ أنَّه قال: كانتْ أختي تحتَ رجل من الأنصار، تزوجها على حديقةٍ، وكان بينهما كلامٌ، فارتفعا إلى رسول الله ﷺ ، فقال: "تَرُدِّين عليهِ حَديقتَهُ ويُطَلِّقُكِ؟ " قالت: نعم، وأزيده، قال: "رُدِّي عليه حديقته وزيديهِ" (٣).

стр. 500

ولما رُوي أنَّه اختلعَتْ رُبَيِّعُ بنتُ مُعَوِّذٍ ناشِزةً بما تملكه، فأجازه عثمان -رضي الله تعالى عنه - بما دون عِقاصِها (١). وحكي عن الشعبيِّ أنَّه إنما يجوز الافتداءُ ببعضِ المَهْر؛ لكون الباقي عوضَ الاستمتاع (٢)، وكأنه -والله أعلم- تمسَّكَ بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩] فعلق الذهاب بالبعض. فإن قلتم: فما التسريحُ بالإحسان؟ قلت: سيأتي بيانه - إن شاء الله تعالى (٣). فإن قلتم: فهل التسريحُ صريح كلفظ الطلاق، أو (٤) لا؟ قلت: لما ذكر الله - سبحانه - في كتابه العزيز، لِفُرقةِ الطلاق ثلاثةَ ألفاظٍ، وهي: الطلاقُ والسَّراحُ والفِراق، احتملَ أن يكون ذَكَرَها في القرآن تنبيهًا على أنها ألفاظٌ موضوعةٌ للفراق في عرف الشرع كلفظ الطلاق، ويحتمل أن يكون استعملَها (٥) على موضوعها اللغوي؛ بخلاف الطلاق؛ فإنه لفظ موضوع للفراقِ في وضعِ اللغة، وعُرْف اللسان، وعرف الشرع.

стр. 501

وبهذا قال أبو حنيفة ومالكٌ في أحد قوليه، فليس للطلاقِ عنده لفظٌ صريحٌ إلَّا لفظ واحدٌ، وهو الطلاق (١). وبالأول قال الشافعيُّ في قوله المشهور عنه (٢). وسيأتي الكلام على الكِنَايَةِ عند الكلام على التحريم - إن شاء الله تعالى-. * * * ٣٨ - (٣٨) قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٠]. شرع الله - سبحانه - أن الرجل إذا طلَّق امرأتَه ثلاثًا، لا تحلُّ له حتَّى تنكحَ زوجًا غيره، وحيث أُطْلِقَ النكاُح في كتاب الله - سبحانه -، فالمرادُ به العَقْدُ، إلا في هذا المقام؛ فإن النبيَّ ﷺ بيَّن عن الله سبحانه أن المراد به (٣) الوَطْء، لا العقد (٤).

стр. 502

روينا في "الصحيحين": أن امرأة رِفاعة القُرَظِيِّ جاءت إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: كُنْتُ عند رفاعةَ القرظيِّ، فطلَّقني فبتَّ طلاقي، فتزرجتُ بعده عبدَ الرحمنِ بنَ الزَّبيرِ، وإنما معه مثل هُدْبَةِ الثوبِ (١)، فتبسم النبيُّ ﷺ ، وقال: "أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتَّى تذوقي عُسَيْلَتَهُ ويذوقَ عُسَيْلَتَكِ" (٢). وبهذا قال عامة أهل العلم (٣)، إلَّا سعيدَ بنَ المسيِّب؛ فإنه حُكي عنه أنَّه قال: تحل لزوجها بنفسِ العقد، ولعلَّ الحديثَ لم يبلغ سعيدًا (٤). والمرادُ بالعُسيلة حصولُ اللذة بالتقاء الخِتانين عندَ عامةِ أهلِ العلم، إلا الحسن البَصْري، فإنه اشترطَ الإنزال (٥)، وأطلق العُسيلة على النطفة (٦).

стр. 503

وقد فهمنا من اشتراط كونِ النكاح من زوجٍ أن النكاحَ من غيرِ الزوجِ لا يُحلُّها، ويندرجُ في ذلك ثلاث مسائل: الأولى: وطءُ السيدِ لأمته لا يُحلها؛ لأنه ليس بزوج. وبهذا قالَ عامةُ أهلِ العلم (١)، إلا ما رُوي عن عثمان وزيد بن ثابت والزبير (٢). الثانية: السيِّد (٣) إذا وهب الجاريةَ المبتوتةَ لزوجها، أو باعَها منه، فلا (٤) تحلُّ للزوج، وبهذا قال زيدُ بن ثابت وعامةُ أهلِ العلم (٥)، إلا ما روي عن ابن عباسِ وعطاءٍ وطاوسٍ أنَّه إذا اشتراها حلَّتْ له بملك اليمين (٦). الثالثة: إذا تزوجَتْ ذِمِّيًّا، فهل يحلّها (٧) لزوجها المسلم (٨)؟

стр. 504

فقال الجمهور من أهل العلم: هو زوج، وبه قال أبو حنيفة والشافعي والثوري (١). وقال مالكٌ وربيعةُ: لا يحلُّها (٢). ومتى طلقها الزوج الثاني حلَّ للزوج الأول ارتجاعها (٣). * وقوله تعالى: ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ﴾، ذكره على سبيل التغليب، لا على سبيل الاشتراط (٤)، فيحق (٥) له نكاحُها وإن ظَنّا ألّا يقيما حدود الله - سبحانه -، وكان له عدد الطلاق (٦)، والله أعلم. * * *

стр. 505

(النَّهي عن مضارَّة المطلقة) ٣٩ - (٣٩) قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣١]. بلوغ الأجل هنا هو مقارَبَةُ انقضاء العدة (١)، وذلك معروف في اللسان. * نهى الله - سبحانه - المطلِّقين عن إمساك النساء عندَ قربِ انقضاء العِدَّة، ثم طلاقِهنَّ؛ ضرارًا لهن بتطويل العِدَّة عليهن إلا بالمعروف، فإن لم يكن لهم إليهن رغبةٌ، سرَّحوهن بالمعروف، وهو إبقاء التسريح الأول على حاله، لا استئنافُ تسريحٍ آخرَ؛ لأنه هو المنهيُّ عنه. فإن قِيل: فلِم جعلتَ بلوغَ الأجل مقاربَتَهُ، وهَلَّا حَمَلْتَهُ على حقيقتِه من البلوغ، ويكون للزوج الرجعةُ ما لم تغتسل عندَ من يقول: إن الأقراء الحيضُ، وقد ذهبَ إلى نحو هذا شريكٌ فقال: إذا فرَّطَتِ المرأةُ في الغُسْلِ عشرين سنة، فلزوجِها عليها الرجعةُ ما لم تغتسل (٢)؟

стр. 506

قلنا: لو حملناه على حقيقته، لوجب للزوج أن يوقعَ التسريحَ عليها بعد الأَجَل ما لم تغتسل، كما له أن يراجعها؛ لأن الله - سبحانه - سوّى بينهما، ولا قائل بذلك من أهل العلم. * - وفي الآية دليلٌ على أن المرأة إذا راجعها زوجُها، ثم طلَّقها مرة أخرى قبل الوَطْءِ أنها تستأنفُ العِدَّةَ من الطلاقِ الثاني؛ لوجودِ العلَّةِ التي نهى الله لأجلها، وهو الإضرار بطول العدة (١)، ولو كانتْ لا تستأنف لما أصابها ضررٌ، ولفقدت العلّةُ وبقيَ المعلولُ، ولا عذرَ، وهذا هو القولُ الجديدُ للشافعيِّ ﵁ (٢). وقال داودُ، والشافعيُّ في القديمِ: لا تستأنفُ العدَّ (٣)؛ لظاهرِ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، ولأنه لو عقد النكاح على المُخْتَلعَةِ في عِدَّتها، ثم طلَّقها، لم تستأنف العِدَّةَ. وهو ضعيف؛ لأنه لو كانت لا تستأنف العدة، لم يحصل بها ضررٌ ولم

стр. 507

يوجد المعنى الَّذي لأجله وردَ النهي، ولَخَلا المسبَّبُ عن سببه؛ فإنه روي أن الآية نزلت في ثابتِ بن يسار، طلَّقَ، فراجعَ، فطلق، لتطول العدةُ، إضرارًا (١)، والعملُ بالمسبَّبِ وإخراجُ سببه غيرُ جائز باتِّفاق أهلِ النظر والأصول. * وفيها دليلٌ على أنَّه إذا طلَّقها، ثم طلقها من غير مراجعة وإمساك أنها لا تستأنفُ العدَّةَ، بل تبني على العدَّةِ الأولى (٢)، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]، فدل (٣) على أن الضرر لا يحصل من غير إمساك، وفي ذلك خلافٌ عند الشافعية (٤).

стр. 508

* وفيها دليل على أن المطلقةَ قبلَ الدخولِ لا رجعةَ عليها (١)؛ لأنه لا عدَّةَ عليها، فلا أجل لها فتبلغه، والله أعلم. * * *

стр. 509

(النهى عن عَضْل المطلقات) ٤٠ - (٤٠) قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٢]. * الخطاب للمؤمنين، والأولياءِ منهم، وإن كان الأولياءُ لا يُطَلِّقون؛ فالمؤمنون كنفس واحدة. قال أبو الحسن الواحديُّ: وأجمع المفسرون على أن هذا الخطابَ للأولياء (١) وبلوغ الأجل هاهنا هو انقطاع العدة (٢)؛ لأن النكاح لا يكون إلا بعدها، فنهى اللهُ ﷻ الأولياء عن عَضْل النساء عن أن يَنْكِحْنَ أزواجَهن، وكذا غيرُ الأزواج في معنى الأزواج. والآية نزلت في مَعْقِل بنِ يسارٍ المُزَنِيِّ قال: كانت لي أختٌ اسمها جمل (٣) تُخْطَبُ إليَّ، وأنا (٤) أمنعها الناس، حتَّى ... ... ... ... ... ... ... ... ... .

стр. 510

أتاني (١) ابنُ عَمٍّ لها (٢)، فخطبها إليّ، فزوجتُها إياه، واصطحبا ما شاء الله أن يصطحبا، ثم طلَّقها طلاقًا له عليها رجعةٌ، ثم تركها حتَّى انقضتْ عِدَّتُها، فخطبها مع الخُطَّابِ، فقلت: يا لُكَعُ (٣)! خُطِبَتْ إليَّ أختي، فمنعتُها الناسَ، وخطبتَها إليَّ، فآثرتك بها، وأنكحتُكَ، فطلقتَها، ثم لم تخطِبْها حتَّى انقضت عدَّتُها، فلما جاءني الخاطب يخطبها، جئْتَ تخطبها! لا واللهِ الَّذي لا إله إلا هو ما أنكحتُكَها أبدًا. وقال: ففيَّ نزلت هذه الآية، فقلت: سمعًا وطاعة، فزوجتها إياه، وكَفَّرْتُ عن يمينى (٤). * فإن قلتم: فهل في الآية دليلٌ على أن أمر النكاح إلى الأولياء؛ لأن اللهَ سبحانَه نهاهم عن عَضْلهن، ولو تُصُوِّر نكاحٌ بدون وليٍّ، لم يتصور عَضْلٌ؟ قلنا: نعم، قال الشافعيُّ -رحمه الله تعالى-: إنما يؤمر بألّا يعضلَ المرأةَ من له سببٌ إلى العَضْل؛ بأن يتمَّ به نكاحُها، وهذا أبين ما في القرآنِ أنَّ للأولياءِ مع المرأةِ في نفسِها حقًا، وأن على الوليِّ ألَّا يعضلها إذا رضيت أن تنكَحَ بالمعروف (٥).

стр. 511

فإن قلتم: فقد قيل: إن هذه الآية لا دليلَ فيها؛ لأنه ليس فيها أكثر من نهي قرابة المرأة عن منعها النكاحَ، وذلك لا يقتضي اشتراط إذنهم في صحة العَقْد، بل يفهم من النهي أن الأولياء ليس لهم سبيلٌ على من يلونهم، فهل نجد في السنَّةِ دليلًا يبيِّن ما قلت؟ قلت: نعم، حديثُ مَعْقِلِ بنِ يسارٍ؛ لأنه لو كان بيدها عقدُ النكاح، لم يكن ليمينه فائدة، ولكان لها أن تزوج نفسها، ولم يحتجْ إلى الحِنْثِ والتكفير. فإن قلتم: فهل نجد في السنةِ دليلًا أبينَ من هذا؟ قلت: نعم، قال الشافعي: أنا سعيد بن سالم وعبد المجيدِ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن سليمانَ بنِ موسى، عن ابنِ شهاب، عن عروةَ بنِ الزبير، عن عائشةَ -رضي الله تعالى عنها -: أن رسول الله ﷺ قال: "أَيُّما امرأةٍ نكحتْ بغيرِ إذْنِ وليِّها فنكاحُها باطلٌ، فنكاحُها باطلٌ، فنكاحُها باطلٌ، فإنْ أصابَها، فلها الصَّداقُ بما استحلَّ من فرجها" (١). قال الشافعيُّ: قال بعضهم في الحديث: فإن اشتجروا، وقال غيره منهم: فإن اختلفوا، فالسلطان وليُّ مَنْ لا وليَّ له (٢)، فهذا حديثٌ رواته كلُّهم ثقات. قال شعيبُ بن أبي حَمْزَة: قال لي الزهريُّ: إن مكحولًا يأتينا،

стр. 512

وسليمان بن موسى، وايم الله! إن سليمانَ بنَ موسى لأَحفظ الرجلين (١). فإن قلتم: قد (٢) طعن في هذا الحديث قومٌ، وضعفوه بأنَ ابنَ عُلَيَّة حكى عن ابن جريج: أنَّه سأل الزهريَّ عنه، فأنكر معرفته (٣). قلنا: هذا الطعنُ غيرُ مقبولٍ مع عدالةِ رواة الحديث، ونسيانُ الراوي لا يَقْدَحُ في الحديث، وكذا فتواه بخلافه. وإن سلم، فقد قال جعفرٌ (٤) الطيالسيُّ: سمعتُ يحيى بنَ معينٍ يوهِّن رواية ابنِ عُلَيَّةَ، عنِ ابنِ جريجٍ، عن الزهريِّ: أنَّه أنكرَ معرفةَ سليمان بنِ موسى، ولم يذكر ذلك عن ابن جريج غيرُ ابن علية، وإنما سمعَ ابنُ عليةَ من ابنِ جريج سماعًا ليس بذاك، إنما صحَّح كتبه على كتب عبد المجيد بن عبد العزيز، وضعَّف (٥) يحيى بنُ معين روايةَ إسماعيلَ عن ابنِ جُريج جدًا، فقالَ يحيى بنُ معين أيضًا: ليس يصحُّ في هذا الباب شيء إلَّا حديثُ سليمانَ بنِ موسى (٦). وكذلك أحمدُ بنُ حنبل ضَعَّفَ حكايةَ ابنِ عليةَ هذهِ عن ابن جريج، وقال: ابنُ جريجٍ له كتبٌ مدونة، وليس هذا في كتبه (٧).

стр. 513

فإن قالوا: هذا أمر تعمُّ به البلوى، ولو كان الوليُّ شرطًا في صحة النكاح، لنُقِلَ عن النبي ﷺ بطريق التواتر، وهو لم ينقل، والأصل عدم الاشتراط حتَّى يقومَ الدليل. قلنا: اشتراط التواتر في مقام البلوى غير مُسَلَّمٍ، وإن سُلِّم، فالأصل تحريم الأبضاع إلا بشرطها، فلا يجوز الإقدامُ عليها إلا بشرطها، ولو أنكحت امرأة نفَسها بغير وفي، لنقل إلينا إما تواترًا أو آحادًا، ولم ينقل. نعم نقل إلينا أن امرأةً نكحتْ بغير وليٍّ، فردَّ نكاحَها عُمر -رضي الله تعالى عنه -. وعن مالك أنَّه بلغه أن ابن المسيِّبِ كان يقول: قال عمرُ بنُ الخَطَّاب: لا تُنْكَحُ (١) المرأةُ إلا بإذن وليِّها، أو ذي الرأي من أهلها، أو السلطان (٢). فإن قلتم: فهل نجدُ بيانًا في السنَّةِ يعضِدُ ما ذكرتَ؟ قلت: نعم، روينا في "الصحيحين" عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-: أن رسول الله ﷺ قال: "لا تُنْكَحُ الثَّيِّبُ حتَّى تُسْتَأْمَرَ، ولا البكْرُ حتَّى تُسْتأذَنَ" قيل: يا رسول الله! كيف إذنها؟ قال: "إذا سكتتْ فهو رضًا (٣) " (٤).

стр. 514

فلما نهى الأولياء عن الاستبداد عليهن حتَّى يؤامروهنَّ في أنفسهن دلَّ (١) ذلك بطريق الإشارة على أن للأولياء حقًّا في نكاحِهن عند إذنهن؛ إذ لا مُنْكِحَ لهن غيرُهم، ولا يجوز أن يُحمل على الخاطِب؛ لأنه لا يتصور منه بغير إذن المرأة بحال، فلم يتصور النهيُ عنه، ولا نفيه أيضًا. وثبتَ عن عائشةَ -رضي الله تعالى عنها -: أنها سألت رسول الله ﷺ عن الجارية يُنْكِحُها أهلُها، أتستأَمرُ أم لا؟ فقال لها رسولُ الله ﷺ : "نَعَمْ تُسْتأمَرُ"، قالت عائشة: فإنها تستحيي فتسكتُ، فقال رسول الله ﷺ : "إذنُها إذا سَكَتَتْ" (٢)، فأسندت الإنكاح إلى أهلها، ولم يعترضْ عليها رسول الله ﷺ بشيء. ومن استقرأ السُّنَنَ والسِّيَرَ، وجدَ ذلك أمرًا متقررًا من عادتهم، فقد أنكح أبو بكر وعمر -رضي الله تعالى عنهما- بنتيهما من رسول الله ﷺ ، وأقرَّهم رسولُ الله ﷺ على عادتهم؛ لكونها من مكارم أخلاقهم. فإن قلتم: لو كان الأمر كما قلتَ، لبيَّنَ النبيُّ ﷺ مراتب الأولياءِ ودرجاتِهم وصفاتِهم المعتبرة؛ فإن الحاجةَ داعيةٌ إلى ذلك، وتأخير البيانِ عن وقت الحاجةِ غيرُ جائز. قلت (٣): البيان في ذلك موجودٌ من فعلهِ ﷺ ، وإقرارهِ لما كانوا عليه، فمعلومٌ أنَّه لا يُنكحُ رجل منهم امرأةً، وهناك من هو (٤) أقربُ منه، فلا يُقْدِم الابنُ على نكاح أخته وهناك أبوه، ولا ابنُ العم مع وجود أبيه، ولا الأبعدُ

стр. 515

مع وجود الأقرب، كلُّ ذلك كان سبيلَهم في كلِّ (١) مقام عظيم؛ كوراثة الأموالِ وطلبِ الدماء، وقد أنكح خالدُ بنُ سعيدِ بنِ العاصِ بنِ أمية. أمَّ حبيبةَ بنتَ أبي سفيانَ بنِ حَرْبِ بن أُمَيَّةَ من رسول الله ﷺ (٢). وكذلك رُويَ عن عُمَرَ بنِ أبي سلمةَ بنِ عبدِ الأسدِ بنِ هلالِ بنِ عبد اللهِ بنِ عمرَ بنِ مخزوم: أنَّه أنكح أُمَّهُ أُمَّ سلمةَ هِنْدًا بنتَ أبي أميةَ بنِ المغيرةِ بنِ عبدِ الله بنِ عُمر بنِ مخزومٍ من رسول الله ﷺ ، مع صِغر سِنِّه؛ لكونهِ أقربَ الناسِ إليها (٣). فإن قلتم: فقد روى ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-: عن النبي ﷺ أنَّه قال: "الأَيِّمُ أحق بنفسها من وليِّها، والبِكْرُ تُسْتأذَنُ في نَفْسِها، وإذْنُها صُماتُها" (٤)، ففرق بين الثيّب والبكر، مع وجوب استئذانهما في حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-، فدلَّ على أن الَّذي تميَّزَتْ به الثيِّبُ هو الاستقلال بنفسها. قلت: قد أخذ بهذا الظاهرِ أهلُ الظاهر (٥)، وهو قويٌّ، لكنه يعارضُه قوله ﷺ : "أَيُّما امرأةٍ نكحتْ بغيرِ إذن وليِّها فنكاحُها باطل، فنكاحُها باطل،

стр. 516

فنكاحها باطل" (١)؛ فإنه لفظ عامٌّ مستغرق و (٢) مؤكَّد بما يقتضي أن يقع على جميع أفراد النساء، ولا يجوز حملُه على الأبكار فقط، فعلمنا أن أحقية الثيب هو ألا يُعْقَدَ النكاحُ عليها إلا بأمرها، ولا يجوز بغير أمرها في حال من الأحوال؛ بدليل أن البِكْرَ قد تنُكح بغير إذنها؛ كما أنكح أبو بكر -رضي الله تعالى عنه- عائشةَ -رضي الله تعالى عنها- من رسول الله ﷺ ، وهي بنتُ ست سنين (٣)، أو سبعِ سنين، وهي لا إذن لها حينئذِ، فعلمنا أن قوله: "والبِكْرُ تُسْتأذَنُ في نَفْسِها" أنَّه لفظ عامٌّ أريدَ به الخُصوص ببعض الأبكار؛ بدليل قوله ﷺ في بنتِ عثمانَ بنِ مَظْعون: "إنها يتيمةٌ، ولا تنكح إلا بإذنها" (٤)، فمفهومه أن غيرَ اليتيمة تنكحُ بغير إذنها. فإن قلتم: دلالته ضعيفة؛ لأنها: - إما تخصيصٌ لبعض أفراد العموم بالذكر، وهو لا يخصِّصُ العمومَ عند الجمهور؛ خلافًا لأبي ثور. - أو مفهوم خطاب، وقد خالف في دلالته بعضُ أهل العلم بالاستدلال، فلا يخصّ بهذا المفهوم العمومُ. قلنا: قد ثبت في بعض طرق حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- عن رسول الله ﷺ قال: "اليتيمة تُستأمرُ في نفسها، فإن سكتَتْ، فهو إذْنُها، وإن أبتْ، فلا جوازَ عليها" (٥).

стр. 517

وكذلك روي من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تُسْتَأُمَرُ اليتيمةُ في نَفْسِها، فإنْ سَكَتَتْ فقد أَذِنَتْ، وإن كَرِهَتْ، لم تُكْرَهْ" (١). وكذلك روي من حديث ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما- أن رسولَ الله ﷺ قال: "الأَيِّمُ أولى بأمرها، واليتيمةُ تُستأمر في نفسها، وإذنُها صُماتُها" (٢). فعلمنا بمجموع هذه السنن وما أشبهها: أن للوليِّ حقًّا مع الثيِّبِ؛ بدليل حديث أبي هريرة، وأن الثيِّبَ لا بدَّ من إذنها، ولا تُجبر بحالٍ من الأحوال؛ بدليل حديث ابنِ عباس، وأن اليتيمةَ لا بدَّ من استئذانها كالثيِّبِ؛ بدليلِ حديثِ بنتِ عُثمان بنِ مظعون، وأحاديث أبي هريرة، وأبي موسى، وابن عباس التي قدمتها قريبًا، وأن البكرَ الصغيرةَ التي ليست يتيمةً لا تستأذن أصلًا؛ بدليل زواج عائشةَ. واحتملت البِكْرُ البالغةُ التي لها أبٌ أن تلحق بالصغيرة، فلا يفتقر إلى إذنها؛ بدليل مفهومِ قوله ﷺ : "تُستأمر اليتيمةُ في نفسها"، وإن (٣) احتملت أن تلحق بالبالغة اليتيمة لكمالها، وفي هذا المقام وقفةٌ للمجتهد.

стр. 518

وأما ما رواه سُفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ في حديثِ ابنِ عباس -رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله ﷺ : "الثَّيِّبُ أحقُّ بنفسِها من وليِّها، والبِكْرُ يستأذنها أبوها في نفسِها، وإذنُها صُماتُها" (١)؛ فإنَّ الحافظَ أبا الحسنِ علي بنَ عُمرَ الدَّارَقُطْنِي قال: لا نعلمُ أحدًا وافق ابنَ عُيينةَ على هذا اللفظ، ولعله ذكرهُ من حفظِهِ، وسبقَ إليه لسانُه (٢). وقال أبو داود: "أبوها" ليسَ بمحفوظ (٣)، وهذا مسلكٌ سلكتُهُ في تقريرِ الوِلايةِ للرجلِ في النِّكاحِ، وفي الجَمْعِ بين حديثِ ابن عباسٍ الَّذي أخذ به أهل الظاهر وغيره. وسلك الشافعيُّ في الاستدلال مَسْلكًا آخر، فخصَّصَ الوليَّ المذكورَ في قوله ﷺ : "الثيِّبُ أَحَقُّ بنفسِها من وليِّها" بالأب، وحمل استئذان البكْرِ على الاختيار، لا على الفرض؛ لأجل استطابةِ نفسِها، قال: لأن النبي ﷺ فَرَّقَ بين الثَّيِّبِ والبِكْرِ، ولم أعلم أن أهلَ العلمِ اختلفوا في أنَّه ليسَ لأحدٍ من الأولياءٍ غير الأب أن يزوجَ بِكرًا ولا ثَيِّبًا إلا بإذنها، فإذا كانوا لم يفرِّقوا بين البكرِ والثيِّبِ البالِغَتَيْنِ -يعني: في غير الأب - لم يجز إلا ما وصفتُ (٤). ولكنَّ هذا الاستدلالَ يبطلُه قولُه ﷺ : "لا تُنْكَحُ الثيِّبُ حتَّى تُسْتَأمَرَ، ولا البِكْرُ حَتَّى تُسْتأذنَ" (٥)، وتخصيصهُ بالأب لا دليلَ عليه، وكذلك حملُهُ الاستئذانَ على الاختيارِ لا على الفرض قد ثبتَ الدليلُ على بطلانه. * * *

стр. 519

(من أحكام الرضاع) ٤١ - (٤١) قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. أقول: أنزل اللهُ -سبحانَه- في شأنِ المُرْضِعاتِ آيتين: إحداهما خاصَّة بالوالداتِ المُطَلَّقاتِ، وهي التي في سورة الطَّلاقِ (١)، وسيأتي الكلامُ عليها إن شاء الله تعالى. والأخرى هذه، ويحتملُ أن تكونَ عامَّةً في المطلقاتِ والمُزَوَّجاتِ، ويحتمل أن تكونَ خاصَّةً بالمزوَّجات، وهو أظْهر الاحتمالين (٢)، والله أعلم.

стр. 520

فإن قلتم: فما الدليلُ (١) على أن هذه في المزوَّجات؟ قلت: إيجابُه فيها ما يجبُ للزوجةِ من النفقةِ والكسْوَةِ؛ كما قال اللهُ تعالى: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥]، وقولِه تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فأباح الاسترضاع للآباءِ مُطْلَقًا، ولم يبحه في آيةِ الطلاق إلا عند التَّعاسرِ. وقد اشتملتْ هذه الآيةُ على جُمَلٍ من الأحكام: الجملة الأولى: قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فأوجب الله سبحانه على الوالدات أنْ يُرضعْنَ أولادهُنَّ، فورد الوجوب مصادمًا لهنّ. - فمنهم من أَخَذ بظاهرِ الخِطاب، فأوجبَ على الوالدةِ المزوَّجَةِ أن ترضعَ للزوجِ ولدَهُ، وهو قول أبي ثور (٢)، ومالكٍ في أحدِ قوليه (٣)، وأحسبه مذهبَ أبي حنيفة (٤)، وكان هذا من جملة منافعِها المستحقة للزوج؛ بدليل أنَّه لم يوجب على الزوج إلا النفقةَ والكُسوةَ التي هي من خصائص الزوجيَّةِ.

стр. 521

- ومنهم من حمل هذا الأمر على الاختيار، واستدلَّ عليه بآية الطلاق، وسوَّى بين المطلَّقة والمزوَّجة. فإما أنَّه جعل آية الطلاق مبيِّنةً لآية البقرة، أو (١) أنَّه رأى سياق الآية لبيانِ مدَّةِ الرَّضاعِ، لا لبيانِ إيجابه، وهو مذهب الشافعي (٢). وله أن يقول: إنما ذكرتِ (٣) النفقةُ والكسوةُ مَثَلًا وَتنبيهًا عَلى أن غالب كسب المرأة هو (٤) منفعة بُضْعِها، وإذا اشتغلت برضاع ولدها وحضانته انقطعتْ عن (٥) النكاحِ غالبًا، وفاتَ كَسْبُها؛ فضرب الله سبحانه هذا مثلًا يُحتذى به في تقدير الأجرة على ذوي اليَسار. - ومشهور مذهب مالكٍ أنَّه يجب على الدَّنِيَّةِ إرضاعُ ولدِ زَوْجها، ولا يجبُ على الشريفة (٦)؛ نظرًا إلى عادة الناس وعُرْفِهم، ولهذا وجه قويٌّ، وهو من المعاشرة والائتمار بالمعروف. الجملة الثانية: قوله تعالى: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]

стр. 522

* بيَّن الله - سبحانه - أن تمامَ مدةِ الرَّضاع حَوْلان كامِلان (١)، فلو أرادتِ الوالدةُ أن تُرْضِعَ الولدَ أكثرَ من حَوْلَيْنِ، لم تستحقَّ أجرةً، وإن كانت مُطَلَّقَةً؛ لأنه فوقَ تمامِ مُدَّةِ الرَّضاعِ، وإن أراد أَحَدُ الأبوين أن يفطمَه لدونِ الحولين، لم يجزْ إلا عن تشَاور (٢). * ثم ظاهرُ الخطابِ أنَّه عامٌّ في جميع الأولاد. - وبه قال عامَّةُ أهلِ العلم بالقرآن (٣). - وروي عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما -: أنَّه قال: هذه الآية في الولد يمكث في البطن ستة أشهر، فإن مكث سبعة أشهر، فرضاعُهُ ثلاثةٌ وعشرون شهرًا، فإن مكثَ ثمانيةَ أشهر، فرضاعهُ اثنان وعشرون شهرًا، فإن مكثَ تسعةَ أشهرٍ، فرضاعهُ أَحَدٌ وعشرون شهرًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (٤) [الأحقاف: ١٥]. [وقد استنبط أهل العلم من هذه الآية مع قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾: أن أقل مدة الحمل ستة أشهر] (٥).

стр. 523

قال (١) أَبو الأسود الدُّؤَلِيُّ: رُفِعَتْ إلى عُمَرَ ﵁ امرأةٌ ولدت لستة أشهر، فأمر برجمها، فأبى عليٌّ -رضي الله تعالى عنه- ذلك، فقال: لا رجمَ عليها، فبلغ ذلك عمرَ، فأرسل إلى عليٍّ فسأله عن ذلك، فقال: لا رجمَ عليها؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وقال (٢) الله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] ستة أشهر وحولان كاملان، لا رجم عليها، فخلَّى عنها عمر -رضي الله تعالى عنه - (٣). * وكذلك استنبطوا منها أن الرضاعَ المُحَرِّمَ ما كان في مدة الحولين (٤)، واستدلوا (٥) بقوله ﷺ : "إنَّما الرضاعةُ من المجاعة" (٦). وسيأتي الكلام على هذا في سورة النساء - إن شاء الله تعالى -. الجملة الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾

стр. 524

* أوجب الله سبحانه فيها للمرضِع على والد الطفل رزقَ المرضعةِ وكسوتَها (١): فيحتمل أن يكون ذلك لأجل الزوجية كما رآه (٢) مالك (٣). ويحتمل أن يكون لأجل الرضاع - كما رآه الشافعي - فهو أجرة المرضعة (٤). ويترجَّح قول مالك؛ لأن الأجر لا يقدَّرُ بالنفقة والكسوة، وإنما يقدر بالنفقة والكسوة حقوقُ الزوجية. ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥]. وقول النبي ﷺ : "وَلَهُنَّ عليكُم رزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بالمَعْروفِ" (٥). وقوله ﷺ : "خُذي ما يَكْفيكِ ووَلَدَكِ بالمَعْروفِ" (٦). وللشافعي أن يقول: إنما ضربه الله مثلَا يهتدى به في تقدير الأجرة كما قَدَّمْتُه، وإنما ذكرَ اللهُ -سبحانَهُ - النفقةَ؛ لأنَّ المرضعةَ تتغذَّى بالنفقة، والمولودُ يتغذى بِلِبانِها، فبتمامِ بِنْيَتهِا تتمُّ بِنيةُ المولود، وبصلاحِ جسدهِا

стр. 525

يصلُح جسدُه، والكِسوة من تمامِ صلاح الجسد، وتوابعِ النفقة، فجُحل قدرًا للاعتبار به (١). * وكما أوجبَ اللهُ سبحانه نفقةَ المولودين على الوالدين، أقاس أهل العلم وجوب نفقة الوالدين على المولودِين (٢) إذا احتاجوا وعجزوا عن الاستقلال بأنفسهم، وعلى هذا حصلَ الإجماعُ (٣)، والله أعلم الجملة الرابعة: قوله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. * نهى الله سبحانه الوالدِينَ عن المُضارَّةَ لبعِضهم بعضًا بالمَوْلودِ، فلا يجوزُ للوالدة أن تمتنعَ من رَضاعِه إذا لم يوجد غيرُها، أولم يَقبل إلا ثديَها، ولا يجوز للوالد أن ينزعَهُ عنها إلى مرضعةٍ غيرِها، ولا يسافرَ به عِنادًا، فهما فيه على السواء (٤)، ولهذا خَيَّرَ النبيُّ ﷺ غلامًا اختصم فيه أبوه وأمُّه، فقال: "هذا أبوكَ، وهذِه أمُّكَ، فاخْتَرْ أَيَّهُما شِئْتَ" (٥).

стр. 526

الجملة الخامسة: قولهُ : ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] * هذه الجملة مُشْكِلَةٌ من وَجْهين، وقد اختلفَ أهلُ العلمِ في المَعْنِيِّ بالإشارة، وفي المعنيِّ بالوارث. فقال قوم: المعنيُّ بالوارث كلُّ من يرثُ المولودَ، والمعنيُّ بالإشارة ما وجب على المولود له من النفقة. ويروى عن إبراهيمَ، والحسنِ، ومُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، وقَتَادَةَ، والسُّدِّي، وأحمدَ، وإسحاقَ. وروي عن مالكٍ، وسُفيَانَ، وأهلِ العراق أيضًا (١). ثم اختلفوا: فقالَ قتادةُ: هو وارثُ الصبيِّ، رجلًا كان أو امرأةً، ويلزمهم على قدر مواريثهم، وبه قال أحمدُ وإسحاقُ (٢). وقال غيرُه: يختص بالوارث من الرجال (٣)، واستدلوا بأن عمر ﵁ أجبر (٤) عَصَبَةَ صَبِيٍّ أن ينفقوا عليه، الرجالَ دونَ النساء (٥).

стр. 527

ولكن الحنفية خَصُّوا الوجوبَ بكل ذي رَحِمٍ محرمٍ، وإن لم يرثْ (١)، ويلزمُ منه أنَّ من ليس له ذو رَحِمٍ محرمٍ يتركُه ضائعًا، وإن كان له عَصَبَة وَرَثةٌ، ولا يجب عليهم شيء، فهم لم يوافقوا ظاهر القرآن، ولا ما فعل عمرُ ﵁ (٢). وقال مالكٌ في روايةِ ابن القاسم: إنها منسوخة (٣). قال النحاس: والذي يشبه أن يكون الناسخُ لهذا عنده -والله أعلم- أنَّه لما أوجب الله تعالى للمتوفَّى عنها زوجُها من مال المتوفَّى نفقةَ حولٍ والسُّكنى، ثم نسخ ذلك، ورفعه، فنسخ ذلك أيضًا عن (٤) الوارث (٥).

стр. 528

وهذا قولٌ باطل وتأويلٌ فاسد؛ فإن النسخَ لا يكونُ إلا بالتوقيف، ولا يجوز بالتأويل والقياس (١) على منسوخ آخر، وليته إذا (٢) لم يعلم سكتَ عمَّا لم يعلمْ؛ إذ السكوتُ بمن لم يعلمْ أوجبُ وأسلمُ (٣). - وقال قوم: المعنيُّ بالإشارة تركُ المضارَّة. قال ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾: [البقرة: ٢٣٣] على الوارثِ ألا يضارَّ والدةً بولدها (٤). وبه قال الشافعي، وكذا مالكٌ في روايةِ ابنِ وَهْب وأَشْهَبَ عنه (٥).

стр. 529

وهذا التأويلُ أرجحُ؛ لكون ابن عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما- أعلمَ بالقرآنِ وتأويلِه، ولكونِ الأمِّ وارِثَه، ولا يجبُ لها على نفسها شيءٌ من النفقةِ والكِسْوَةِ في مقابلة رَضاعِهِ، ولأن وجوبَ النفقة والكِسوةِ خاصٌّ بالزوج الَّذي هو أبو المولود، والوارثُ لا يجبُ عليه نفقةٌ ولا كِسوةٌ، وإنما يجب عليه الأجرةُ، وهي لا تقدَّرُ بالنفقة والكِسوة. - وذهب قومٌ إلى التأويل: فقالَ بعضُهم: الوارثُ هو الطفلُ، عليه نفقتهُ ونفقةُ الوالِدَيْنِ الفقيرينِ (١)، واختار هذا محمدُ بن جَريرٍ الطَّبَرِيُّ (٢). وقال بعضهم: هو وارثُ الوِلايةِ على الطفلِ، تكون نفقةُ الوالدةِ من ما المولود (٣). وهذان التأويلان ضعيفان. الجملة السادسة: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ [البقرة: ٢٣٣]. * أباح الله سبحانه للوالدين فِصالَ المولود قبل الحَوْلين، إذا أطاقَ، بعدَ التشاور من الوالدين، والتراضي منهما. ومفهوم هذا الخطاب يقتضي أن الوالدة، إذا فصلَتْ ولدَها من غير

стр. 530

مَشُورة على الأبِ أنَّه لا يجوزُ، وهو كذلك (١)، والله أعلم. الجملة السابعة: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. * أباح الله سبحانه للآباء أن يسترضعوا أولادهم، ولم يجعل ذلك من المضارَّةِ للوالدة، وهو كذلك في المزوَّجةِ؛ لأنها مستحقة المنفعةِ للزوج، والرضاعُ يقطع على الزوج منفعتَه، فله أن يجمع بين مصلحته ومصلحة ولده بما لا ضررَ فيه على الوالدة (٢). ومعنى الشرط: إذا سلمتم أجرةَ ما مضى بالمعروف (٣). وأما في المطلَّقة، فلا يسترضعُ الوالدُ الولَد إلا عند التعاسُر. وسيأتي الكلام عليه -إن شاء الله تعالى- (٤). * * *
следующие страницы →