← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 14827

تيسير البيان لأحكام القرآن

ابن نور الدين

Полный текст (1 649 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

الجملة الخامسة: قولهُ : ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] * هذه الجملة مُشْكِلَةٌ من وَجْهين، وقد اختلفَ أهلُ العلمِ في المَعْنِيِّ بالإشارة، وفي المعنيِّ بالوارث. فقال قوم: المعنيُّ بالوارث كلُّ من يرثُ المولودَ، والمعنيُّ بالإشارة ما وجب على المولود له من النفقة. ويروى عن إبراهيمَ، والحسنِ، ومُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، وقَتَادَةَ، والسُّدِّي، وأحمدَ، وإسحاقَ. وروي عن مالكٍ، وسُفيَانَ، وأهلِ العراق أيضًا (١). ثم اختلفوا: فقالَ قتادةُ: هو وارثُ الصبيِّ، رجلًا كان أو امرأةً، ويلزمهم على قدر مواريثهم، وبه قال أحمدُ وإسحاقُ (٢). وقال غيرُه: يختص بالوارث من الرجال (٣)، واستدلوا بأن عمر ﵁ أجبر (٤) عَصَبَةَ صَبِيٍّ أن ينفقوا عليه، الرجالَ دونَ النساء (٥).

стр. 527

ولكن الحنفية خَصُّوا الوجوبَ بكل ذي رَحِمٍ محرمٍ، وإن لم يرثْ (١)، ويلزمُ منه أنَّ من ليس له ذو رَحِمٍ محرمٍ يتركُه ضائعًا، وإن كان له عَصَبَة وَرَثةٌ، ولا يجب عليهم شيء، فهم لم يوافقوا ظاهر القرآن، ولا ما فعل عمرُ ﵁ (٢). وقال مالكٌ في روايةِ ابن القاسم: إنها منسوخة (٣). قال النحاس: والذي يشبه أن يكون الناسخُ لهذا عنده -والله أعلم- أنَّه لما أوجب الله تعالى للمتوفَّى عنها زوجُها من مال المتوفَّى نفقةَ حولٍ والسُّكنى، ثم نسخ ذلك، ورفعه، فنسخ ذلك أيضًا عن (٤) الوارث (٥).

стр. 528

وهذا قولٌ باطل وتأويلٌ فاسد؛ فإن النسخَ لا يكونُ إلا بالتوقيف، ولا يجوز بالتأويل والقياس (١) على منسوخ آخر، وليته إذا (٢) لم يعلم سكتَ عمَّا لم يعلمْ؛ إذ السكوتُ بمن لم يعلمْ أوجبُ وأسلمُ (٣). - وقال قوم: المعنيُّ بالإشارة تركُ المضارَّة. قال ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾: [البقرة: ٢٣٣] على الوارثِ ألا يضارَّ والدةً بولدها (٤). وبه قال الشافعي، وكذا مالكٌ في روايةِ ابنِ وَهْب وأَشْهَبَ عنه (٥).

стр. 529

وهذا التأويلُ أرجحُ؛ لكون ابن عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما- أعلمَ بالقرآنِ وتأويلِه، ولكونِ الأمِّ وارِثَه، ولا يجبُ لها على نفسها شيءٌ من النفقةِ والكِسْوَةِ في مقابلة رَضاعِهِ، ولأن وجوبَ النفقة والكِسوةِ خاصٌّ بالزوج الَّذي هو أبو المولود، والوارثُ لا يجبُ عليه نفقةٌ ولا كِسوةٌ، وإنما يجب عليه الأجرةُ، وهي لا تقدَّرُ بالنفقة والكِسوة. - وذهب قومٌ إلى التأويل: فقالَ بعضُهم: الوارثُ هو الطفلُ، عليه نفقتهُ ونفقةُ الوالِدَيْنِ الفقيرينِ (١)، واختار هذا محمدُ بن جَريرٍ الطَّبَرِيُّ (٢). وقال بعضهم: هو وارثُ الوِلايةِ على الطفلِ، تكون نفقةُ الوالدةِ من ما المولود (٣). وهذان التأويلان ضعيفان. الجملة السادسة: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ [البقرة: ٢٣٣]. * أباح الله سبحانه للوالدين فِصالَ المولود قبل الحَوْلين، إذا أطاقَ، بعدَ التشاور من الوالدين، والتراضي منهما. ومفهوم هذا الخطاب يقتضي أن الوالدة، إذا فصلَتْ ولدَها من غير

стр. 530

مَشُورة على الأبِ أنَّه لا يجوزُ، وهو كذلك (١)، والله أعلم. الجملة السابعة: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. * أباح الله سبحانه للآباء أن يسترضعوا أولادهم، ولم يجعل ذلك من المضارَّةِ للوالدة، وهو كذلك في المزوَّجةِ؛ لأنها مستحقة المنفعةِ للزوج، والرضاعُ يقطع على الزوج منفعتَه، فله أن يجمع بين مصلحته ومصلحة ولده بما لا ضررَ فيه على الوالدة (٢). ومعنى الشرط: إذا سلمتم أجرةَ ما مضى بالمعروف (٣). وأما في المطلَّقة، فلا يسترضعُ الوالدُ الولَد إلا عند التعاسُر. وسيأتي الكلام عليه -إن شاء الله تعالى- (٤). * * *

стр. 531

(عدة المتوفى عنها زوجها) ٤٢ - (٤٢) قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٤]. * الآية هذه ناسخة للآية التي بعدها (١)، ويبيِّن أنها ناسخةٌ لها الإجماعُ، وقولُ النبيِّ ﷺ : "إنما هي أربعة أشهر وعشرًا، وقد كانت إحداكنَّ في الجاهليةِ ترمي بالبَعْرَة (٢) عند رأسِ الحول" (٣). فدل هذا على أن أمر الحَوْلِ كان متقدمًا على الأربعة الأشهر والعشر (٤).

стр. 532

* ولفظ الآية عام يشمل الكبيرةَ والصغيرةَ، والحرةَ والأمَةَ، والمسلمةَ والكافرةَ، والمدخول بها وغيرها (١)، ومن انقطع دمُها لإياسٍ أو غيرهِ. وقد أخذ بعموم الآية عامة أهل العلم (٢). وعن مالك روايةُ قولٍ في المنقطع دمُها لعارض: أنَّها تنتظر الحيضَ؛ لأنها تكون مرتابةً (٣). * وكذلك لفظُ الآية أيضًا (٤) عامٌّ يشملُ الحاملَ وغير الحامل، لكنه يعارضه عموم قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].

стр. 533

فإن قلتم: هذه الآيةُ خاصَّةٌ بالمطلَّقات؛ لأن سياقَ الخطابِ في المطلقات. قلنا: قد قدمتُ في مقدمةِ كتابي هذا: أن المختارَ عندَ أكثرِ الأصوليين ألَّا يُخَصَّ آخرُ الآية بأولها (١)، وينبغي للمجتهد في مثل هذا المقام أن يفزع إلى الأدلة، ولا يقدم أحد العمومين؛ إذ لم يمكن الجمع بينهما إلا بدليل. وقد اختلف أهل العلم في هذا: فقال بعضُهم (٢): ذكر الله سبحانه في المطلقات: أن عدة الحوامل أن يضعن حملَهن، وذكر في المتوفَّى عنهنَّ أربعةَ أشهرٍ وعَشْرًا، فعلى الحامل المتوفَّى عنها أن تعتد أربعةَ أشهرٍ وعشرًا، وأن تضعَ حملَها؛ حتَّى تأتيَ بالعدَّتين معًا؛ إذ لم يكن انقضاء العدة بوضع الحمل نصًّا إلا في الطلاق. قال الشافعي - رحمه الله تعالى -: وكأنه يذهب إلى أن وضع الحمل براءة، وأن الأربعة الأشهر والعشر تَعَبُّدٌ؛ كما أن المتوفَّى عنها تكون غيرَ مدخولٍ بها، فتأتي بأربعة أشهر وعشر، ولأنه وجبَ عليها شيء من جهتين، فلا يسقط بإحداهما؛ كما لو وجب عليها حقان لرجلين، لم يُسْقِط أحدُهما حقَّ الآخر، وكما (٣) إذا نكحت في عدتها، وأُصيبت، اعتدَّتْ من الأول، ثم تعتدُّ من الثاني (٤).

стр. 534

ويروى هذا القول عن علي وابن عباسٍ -رضي الله تعالى عنهم (١). وبه قال سحنون المالكيُّ (٢)؛ لما فيه من العملِ بالآيتين، وعدمِ الإسقاط فيهما. - وقال جماهيرُ الصحابةِ وغيرُهمِ من فقهاء الأمصار: إذا وَضَعَتْ ما في (٣) بطِنها، فقدْ حَلَّتْ، وإن كان زوجُها على السريرِ (٤)؛ للحديثِ الثابت: أن سُبَيْعَةَ الأَسْلَميَّةَ كانت تحت سعدِ بنِ خَوْلَةَ، وهو من بني عامرِ بنِ لُؤَيٍّ، وكان ممَّنْ شَهِدَ بدرًا، فتوفِّي عنها في حجَّةِ الوَداع، وهي حاملٌ، فلم تنشَبْ (٥) أن وضعتَ حملَها بعد وفاته، فلما تعلَّتْ (٦) من نفاسها، تجمَّلتْ للخُطَّاب، فدخلَ عليها أبو السَّنابلِ بنُ بَعْكَكٍ (٧) - رجلٌ

стр. 535

من بني عبد الدار - فقال: ما لي أراك متجمِّلَةً، لعلكِ تَرْجِينَ النكاحَ؟ واللهِ ما أنتِ بناكحٍ حتَّى يمرَّ عليكِ أربعةُ أشهر وعشر، قالت سبيعة: فلما قال (١) ذلك، جمعتُ عليَّ ثيابي حين أمسيتُ، فأتيت رسولَ الله ﷺ ، فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حَلَلْتُ حين وضعت حَمْلي، وأمرني بالتزويج، إن بدا لي (٢). رَوينا في "صحيح البخاري" عن محمد بن سيرين قال: جلستُ إلى مجلسٍ فيه عُظْمٌ (٣) من الأنصار، وفيهم عبدُ الرحمن بنُ أبي ليلى، فذكرتُ (٤) حديثَ عبدِ الله بنِ عتبةَ في شأنِ سُبيعة بنتِ الحارث، فقال عبد الرحمن: ولكنَّ عَمَّهُ كان لا يقولُ ذلك، فقلتُ: إني لجريءٌ إن كذبت على رجل في جانب الكوفة، ورفع صوته، قال: ثم خرجتُ فلقيتُ مالكَ بنَ عامرٍ، ومالكَ بنَ عوفٍ، قلت: كيفَ كانَ قولُ ابن مسعود في المتوفَّى عنها زوجُها وهي حامل؟ فقالا: قال ابن مسعود أتجعلونَ عليها التغليظَ، ولا تجعلونَ لها الرخصةَ؟! أنزلتْ سورةُ النساء القُصْرى بعدَ الطُّولى (٥).

стр. 536

وروي عن الشعبيِّ، والحسنِ، وإبراهيمَ، وحَمَّادٍ: أنهم قالوا: لا يصحُّ زواجُها حتَّى تطهرَ من نِفاسها (١)، ولست أعلمُ لهم دليلًا مع قولها: "فأفتاني أني قد حللتُ حين وضعتُ حملي". * ثم اختلفوا في العشرِ. - فقال الأوزاعيُّ والأصمُّ (٢): تعتدُّ أربعةَ أشهرٍ وعشرَ ليال، دونَ اليومِ العاشرِ (٣)؛ لظاهر اللفظ (٤). - وقال سائرُ أهل العلم: هي عشرةُ أيام (٥)، وأثبت العشر لسبقِ الليالي على الأيام، وتغليبُ التأنيثِ في العددِ معروف في اللسان (٦). * وهذا في الزوجة الحرة، وأما الأَمَةُ، فتتربص شهرين وخمسةَ أيام (٧).

стр. 537

وقال أهلُ الظاهر: الأمةُ كالحرة، فتتربص أربعة أشهر وعشرًا (١)، وبه قال الشافعي في أحد قوليه (٢)، وقد مضى القولُ معه في عدة الطلاق. * فإن قلتم: فما الحكمُ في الأمة الموطوءة بملك اليمين إذا مات عنها سيدها؛ فإن الله سبحانه لم يذكر إلا حكمَ الأزواج، وتخصيصُ الأزواجِ يفهمُ أن غيرهم ليسوا كمثلهم في الحكم، فهل روي في ذلك سُنَّةٌ أو أثرٌ؟ قلت (٣): الأمةُ لا تخلو إما أن تكون أمَّ ولدٍ، أو لا. فأما غيرُ أمِّ الولد، فإن العلماء اتفقوا على وجوب استبراء رَحِمها بحَيضَةٍ (٤). وأما أمُّ الولد: - فمنهم من ألحقَها بالزوجة الحرةِ (٥)، واستُدل بحديثِ قَبيصةَ بن

стр. 538

ذُؤيبٍ، عن عمرِو بنِ العاص: أنَّه قال: لا تُلبِّسوا علينا سُنَّةَ نَبيِّنا، عِدَّةُ أمِّ الولد إذا تُوُفَّي عنها سيدُها أربعةُ أشهر وَعْشرٌ (١)، ولكنه ضعَفه أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ، وقال: هو مُنْكَرٌ (٢). - ومنهم من ألحقَها بالزوجة الأَمَةِ، فأوجب (٣) عليها شهرين وخَمْسَ ليالٍ، وبه قال طاوسٌ وقتادةُ (٤)، وهذا أضعفُ من الَّذي قبله. - وذهب سائر العلماء إلى عدم إلحاقها بالحرَّةِ، ثم اختلفوا: - فذهب مالكٌ، والشافعيُّ، وأحمدُ، والليثُ، وأبو ثَوْرٍ إلى أن الواجب استبراءُ رحمِها كالأمَةِ (٥)؛ لأنها ليست زوجةً (٦)، فتتربَّصَ

стр. 539

أربعةَ (١) أشهرٍ والعشرَ، وليست مطلَّقَةً فتتربصَ الأقراء، فلم يبق إلا براءةُ رحمِها. ويروى هذا القول عن ابنِ عمرَ -رضي الله تعالى عنهما - (٢). - وذهب أبو حنيفةَ، والثوريُّ، والنَّخَعِيُّ إلى أن عِدَّتها ثلاثُ حِيَضٍ (٣)؛ لأن العدةَ وجبت عليها وهي حُرّةٌ، وليست بزوجةٍ فتعتدَّ عِدَّةَ الوفاة، ولا بأمةٍ فتعتدَّ عدةَ الأمةِ، فوجب أن يُسْتبرَأَ رحِمها بعدَّةِ الحرائرِ. - ويروى هذا القول عن عليٍّ وابنِ مسعود -رضي الله تعالى عنهما - (٤). * ثم رفع الله سبحانه الجُناحَ عن المرأة إذا بلغتِ الأجلَ، وأحلَّ لها أن تفعل في نفسها ما شاءت بالمعروف. وقد تمسك بهذا من يقول باستقلالها بعَقْد النكاح على نفسها، إلا أن تفعلَ بغير المعروف من تزوجِ غير الأَكْفاء، وقد تقدمَ الكلامُ في ذلك. ومفهومُ هذا الخطاب يقتضي أن على المرأة الجُناح إذا فعلتْ في نفسها

стр. 540

قبلَ بلوغِ الأجلِ، ولا شك في ذلك، وقد ذكره الله سبحانه بعد هذا بلفظٍ أوضحَ من هذا فقال ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]. * وفي الآية دليل على إبطال قول شريك في أن للزوجِ الرجعةَ على زوجته ما لم تغتسلْ، وعلى إبطال قول إسحاقَ في أن المرأةَ المعتدَّةَ بالأقراء لا يحلُّ لها (١) أن تتزوج حتَّى تغتسلَ (٢) من حَيْضتِها (٣)؛ لأن الله سبحانه ضربَ الأَجَلَيْنِ أمدًا للعِدّتين، فلا فرق بين المعتدَّتينِ. ولستُ أعلمُ لقول إسحاقَ وجهًا إلا ما يروى أنَّه مذهبُ ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما - (٤). " ثم بَيَّنَ النبيُّ ﷺ صفةَ التَّربُّصِ، فنهى المعتدةَ عن مسِّ الطِّيبِ، وعن الكُحْل، وعن لبسِ المصبوغ، إلا ثوبَ عَصْبٍ (٥).

стр. 541

وسيأتي تمامُ أحكام عدة المعتدةِ في الآيةِ المنسوخةِ قريبًا - إن شاء الله تعالى -. * * *

стр. 542

(التعريض بخطبة المعتدَّة) ٤٣ - (٤٣) قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣٥]. * عفا اللهُ في هذه الآية عَمَّا يكتمه الرجل ويُكِنُّه في نفسه من نكاح المعتدَّةِ، وأحلَّ التعريضَ بخِطبة (١) النساء في حالِ العدَّةِ، وذلك عامٌّ فيهن، ما خلا الرجعيةَ؛ فإنه لا يجوز (٢) التعريضُ بخطبتِها؛ لأنها في معنى الزوجة (٣). فإن قلتم: فما دَلَّكَ على ذلك؟ ولعل الخطابَ خاصٌّ بالمتوفَّى عنهن (٤)؛ كما قاله الشافعي؛ حيث قال: العدةُ التي أذن الله سبحانه بالتعريض بالخطبة فيها العدةُ من وفاة الزوج، فلا أحب ذلك في العدَّة من

стр. 543

الطلاق (١)، احتياطًا (٢). ولعله استأنسَ بتعقيب ذكر الخِطْبة بعد ذكر عدتهنَّ. قلت: دلَّني في المبتوتة ما رويناه في "الصحيحين": أن فاطمةَ بنتَ قيسٍ طلقها زوجُها عمرُ بنُ حفصٍ البْتَّةَ، وهو غائبٌ، فأرسلَ إليها وكيلُه بشعيرٍ، فَسَخِطَتْهُ، فقال: واللهِ مالكِ علينا من شيء، فجاءت رسولَ الله ﷺ ، فذكرت ذلك له، فقال: "ليسَ لكِ عليهِ نفقة"، فأمرها أن تعتدَّ في بيتِ أم شريكٍ، ثم قال: "تلك امرأةٌ يغشاها أصحابي، اعتدِّي عندَ ابنِ أمِّ مَكْتومٍ، فإنه رجلٌ أعمى، تضعينَ ثيابَكِ عنده، فإذا حَلَلْتِ فآذِنيني"، قالت: فلما حللتُ، ذكرتُ له أن معاوية بن أبي سفيان، وأبا جَهْمٍ، خَطَباني، فقال رسولُ الله ﷺ : "أما أبو جَهْمٍ، فلا يَضَعُ عَصاهُ عن عاتِقِه، وأما معاويةُ فصُعْلوكٌ لا مالَ لهُ، انكِحي أسامةَ بنَ زيدٍ"، فكرهته، ثم قال: "انْكِحي أُسامَةَ"، فنكحتُه، فجعل الله فيه خيرًا، فاغتبطتُ (٣) (٤). * وأما البائنُ فالقياسُ على المَبْتوتَةِ (٥)، لانقطاع عصمة النكاح منها. وبهذا قال الشافعيُّ في أَصَحِّ قَوْلَيهِ (٦).

стр. 544

* والتعريضُ: أن يقول: رُبَّ راغب فيكِ، وإذا حَلَلْتِ فآذِنيني، وما أشبهه. * ونهى عن (١) مواعدتهنَّ سِرًّا. وقد اختلفَ أهلُ العلمِ في تفسيره؛ لتعارض المفاهيم: - فقال بعضهم: هو التصريحُ بالخِطبة، والمواعدةُ على النكاح بأخذِه ميثاقَها في خُفْيَةٍ على أن تنكحَه، ولا تنكِحَ غيره (٢)، فلا (٣) يصرح بخطبتها؛ لأن الله سبحانه أحلَّ التعريضَ، ورفعَ الجُناح (٤) فيه، فدلَّنا على أن التصريح غيرُ جائز (٥). ولكن هذا المفهومَ يعارضه مفهومُ قوله: ﴿سِرًّا﴾ فإنه يقتضي جوازَ المواعدةِ جَهْرًا، وبهذا (٦) فسره داود، فحرَّمَ الخِطبة سرًّا، وأباحها علانيةً (٧).

стр. 545

- وفسره الحسنُ، وقتادةُ، والضحاك، والربيعُ والنخعيُّ، بالزنى (١)، وربما أعطاه كلام الشافعي. - وذكر بعضُهم أن الشافعيَّ فسره بالجِماع مثل أن يصف نفسه به، فيقولَ: عندي جماعٌ يصلح لمَنْ جومِعَتْ، وأنشد فيه قولَ امْرِئ القيسِ: [البحر الطويل] لَقَدْ زَعَمَتْ بَسْباسَةُ اليَومَ أَنَّني ... كبِرْتُ وأَنْ لا يُحْسِنُ السِّرَّ أَمثْالي (٢) وكأنه أراد ذكره مع التصريح بالخِطبة، وأما مجردُ ذكرِه، فليس بحرامٍ، ولا مُواعَدَة. وأشهرُ هذه الأقوال هو الأولُ (٣)؛ لأن الله سبحانه حظرَ ذلك خشيةَ الحِرْصِ منها على الإخبارِ بانقضاء العدَّة قبل أَجَلِها، وهو تفسيرُ ابنِ عباس، وابنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهدٍ، وعِكرمةَ، والسدِّي، وبه قال الشعبيُّ ومالكٌ (٤)، ويكون الاستثناء من قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [البقرة: ٢٣٥]

стр. 546

على هذا متصلاً؛ لأن القولَ بالمعروفِ هو التعريضُ الذي أحلَّه الله تعالى. وأما على قول من فسره بالزنى، أو فسره بذِكْر الجماع، فيكون منقطعاً؛ لأنه ليس بقولٍ معروفٍ حتى يستثنى منه معروفٌ (١). * ثم حَرَّم الله سبحانه عقدَ النكاح حتى يبلغ الكتابُ أجله، فلا يجوز أن يعقدَ، ويعلق (٢) الإجازةَ على انقضاء الأجل، وهذا إجماع من المسلمين (٣). * فإن قلتم: فإذا خالفَ نهيَ الله سبحانه، وخطب في العِدَّة، ونكحَ بعدَها، أو نكحَ في العِدَّةِ، فما الحكمُ؟ قلنا: اختلفَ العلماء (٤) في ذلك. - أما إذا خطب في العِدَّة، ونكحَ بعدها، فالنكاحُ صحيحٌ عند الشافعيِّ وأبى حنيفةً (٥). وقال مالكٌ في روايةِ ابنِ وهبٍ: فراقُها أحبُّ إلي، دخلَ بها أو لم يدخلْ.

стр. 547

وقال في رواية أَشهبَ: إنه يفرَّقُ بينهما وجوباً (١)، وهذه قاعدة مَذْهبِه (٢)، فالنهيُ يقتضي الفسادَ عندَه مُطْلَقاً. - وأما إذا نكحها في العِدَّةِ، فيفرق بينَهما عند الشافعيِّ، حتى إذا انقضتْ عِدَّتُها، كان خاطباً من الخُطَّاب، وحلَّت له. وبه قال أبو حنيفةَ والثوريُّ (٣)، سواءٌ دخل بها، أو لا؛ قياساً على ما لو زنى بها، فإنه يحلُّ له نكاحها، وهو قولُ عليٍّ وابنِ مسعود -رضي الله تعالى عنهما- (٤). وقال مالك: إن دخل بها في العدَّة، فإنها لا تحلُّ له أبداً، وبه قال الليثُ والأوزاعيُّ وأحمدُ (٥)، واستدلوا يقول عمرَ -رضي الله

стр. 548

تعالى عنه-: لا يجتمعان أبداً (١). - وإن دخلَ بها بعدَ انقضاء العدةِ، فقال قومٌ بتأبيد التحريم، وقال آخرون: لا يتأبد، وعن مالك قولان (٢).

стр. 549

(طلاق المفوّضة) ٤٤ - (٤٤) قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾ [البقرة: ٢٣٦]. * هذه الآيةُ نزلتْ في رجلٍ من الأنصار تزوجَ امرأةً، ولم يُسَمِّ لها مَهْراً، ثم طلقها قبلَ أن يمسَّها (١). قال أهلُ المعاني وغيرُهم من أهل العلم بالقرآن: (أو) في الآية بمعنى الواو (٢)؛ كقول الشاعر يصف السَّنَة (٣): [البحر البسيط] وكانَ سِيّان ألا يسرحوا نعماً ... أو يسرحوهُ بها واغْبَرَّتِ السُّوحُ (٤)

стр. 550

وإنما حملوا (أو) على غير حقيقتها؛ لأن الله سبحانه جعل تعليقَ الحكم على أحدهما؛ بخلافه هنا، فقال: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٧]. * وقد دلت الآيةُ بطريقِ التضمُّنِ والالتزام على أن النكاحَ بغيرِ صَداقٍ جائز؛ لأنه لا يصحُّ الطلاقُ إلا من زوجٍ، ولا تجبُ المُتْعَةُ إلا لزوجةٍ، وهو إجماع (١)، إلا أنه يجب ألا يَخْلُوَ النكاح منه، فلم يكن ذلك إلا لرسول الله ﷺ (٢)، ولهذا اتفقوا -فيما أعلم- على (٣) أنه لا يجوز التواطؤ على تركه في المستقبل (٤)، ولم يخالف فيه إلا بعضُ أصحاب الشافعي، فقال: يصحُّ العقد، ويلغو الشرط، ويجب المهر (٥). ولأجل هذا المعنى ذهب الشافعيّ في أحد قوليه إلى أنه يجب بالعَقْدِ، والصحيح من قوليه أنه لا يجبُ إلا بالفرْضِ أو بالمَسيس (٦)؛ لأنه لو كان

стр. 551

واجباً، لما سقطَ بالطلاق (١)، ولقوله (٢) تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ولم يقل: فنصف المَهْرِ (٣). * فإن قلتم: فهل في الآية دلالة على سقوط المهر بالطلاق قبل الفرضِ والمَسيس أو لا؟ وما الحكمُ في ذلك؟ قلت: - أما الدلالةُ فموجودةٌ من طريق النظر، وهو أن الله سبحانه ذكرَ المفوِّضَةَ (٤)، وذكر لها حكماً مخصوصاً، وهو وجوبُ المُتْعَةِ. وذكرَ المفروضَ لها، وذكر لها حُكماً مخصوصًا، وهو وجوبُ نصفِ المفروض، فلما خالفَ بينَ تخصيص أحكامهن، استدللنا بذلك على اختلاف أحكامِهن. وأما من جهة الخطابِ فلا دلالةَ إلا على جواز طلاقِهنَّ قبلَ الفرضِ والمَسيسِ كسائر النساء، لأن رفع الجُناح يستعمل في رفع الحرج. - وأما الحكمُ، فقد اتفق أهلُ العلم على سقوط المهر بالطلاق قبل الفرضِ والمسيسِ، ولست أعلمُ فيه خلافاً لأحد (٥)، إلا فيما إذا طلقها بعد الطلب للفرض.

стр. 552

فمنهم من أوجب لها النصفَ، وأظنه قولَ أبي حنيفة. ومنهم من لم يوجب لها شيئًا، بل هو مُخَيرٌ بين أن يفرضَ، أو يطلِّقَ، وهو قول مالكٍ والشافعي (١)؛ لعموم الآية، ولأن أصل الفرض لم يكن في عقد النكاح. * فإن قلتم: فما الحكمُ فيما إذا توفي عنها قبل الفرض والمسيس، هل تُلْحَقُ الوفاةُ بالطَّلاقِ، أو لا؟ قلنا: ذهب مالكٌ، والزهريُّ، والأوزاعيُّ إلى إلحاق الوفاة بالطلاق، فأوجبا لها الميراثَ دون الصَّداقِ (٢).

стр. 553

واستدلوا بما رواه نافعٌ: أن ابنةَ عبيد الله بن عمر، وأمُّها ابنةُ زيدِ بنِ الخطاب، كانت تحت ابنٍ لعبدِ الله بن عمر، ومات ولم يدخل بها، ولم يسمِّ لها صداقاً، فبعثت إليه أمُّها تطلب صَداقَها، فقال ابنُ عمر: ليس لها صداق، ولو كان لها صداق لم نَمنَعكُموهُ، ولم نَظلمها، فأبتْ أن تقبلَ، فجعل بينهمْ زيدَ بنَ ثابت، فقضى ألاَّ صداق لها، ولها الميراثُ (١). وبما روي عن عليٍّ -رضي الله تعالى عنه- من نحو ذلك (٢). وذهب أبو حنيفةَ، وأحمدُ، وإسحاقُ إلى إيجاب الصداق (٣)، وهو المختار عندي من قولي الشافعي (٤). لما روي أن عبدَ الله بنَ مسعودٍ -رضي الله تعالى عنه- سئل عن رجل تزوجَ امرأة، فمات عنها، ولم يكنْ فرضَ لها شيئاً، ولم يدخل بها، فقال:

стр. 554

أقول فيها برأيي، فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأً فمني، أرى لها صداقَ امرأة من نسائِها، لا وَكْسَ ولا شَطَطَ، وعليها العدَّةُ، ولها الميراثُ، وقال مَعْقِلُ بنُ يَسارٍ (١) -: أشهدُ لقد قضيتَ (٢) فيها بقضاءِ رسول الله ﷺ في بَرْوَعَ بنتِ واشِقٍ، أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي، وصححه (٣). قال الشافعي في حديث بَرْوَعَ: فإن ثبتَ عن النبي ﷺ ، فهو أولى الأمور بنا، ولا حجَّةَ في قولِ أحدٍ دون النبيِّ ﷺ ، وإن كَثُروا، ولا قياسَ، ولا شيءَ في قوله إلاّ طاعةُ الله بالتسليم له (٤). * ثم أمرنا الله سبحانه بإمتاعهنَّ، على المُوسِعِ قَدَرُهُ، وعلى المُقْتِر قَدَرُ. وقد اتفق أهل العلم على تشريع المتعة، ولكن اختلفوا هل الأمر على الفرض، أو على الاستحباب؟

стр. 555

- فقال أكثر العلماء من الصحابة وغيرهم بوجوبها؛ لأمر الله سبحانه بها لهن هُنا، وفي سورة الأحزاب (١)، ولقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١]، فجعل ذلك ملكاً للمطلقات بلام التمليك، وسمَّاه حقاً، والحَقُّ الواجِبُ. وبه قال الشافعيُّ وأبو حنيفةَ وغيرُهما (٢). - وقال قوم: إنها مستحبةٌ، وليستْ بواجبةٍ، وبه قال مالك وشُرَيْح القاضي (٣)، قالوا: ولو كانت واجبةً، لم يخصَّ الله سبحانه المحسنين والمتقين دونَ غيرهم، ولكان يقول: حقاً عليكم، وكان شُرَيْحٌ يقول: مَتع إن كنت من المحسنين، ألا تحبُّ أن تكونَ من المتقين (٤)؟ واستدلوا بأنها غير محدودةٍ ولا مقدرة في كتاب ولا سُنَّةٍ ولا إجماع، وليس لها في الفروض (٥) نظيرٌ تُحْمَلَ عليه، فهيَ بالندبِ أولى منها بالفرض.

стр. 556

واستدلُّوا بأن المطلقةَ قبلَ الدخول لا تَضْرِبُ (١) مع الغُرماء بالمُتْعَةِ، سواءٌ كان قد فُرضَ لها، أو لم يُفْرَضْ، وتَضْرِبُ بنصفِ ما فُرض لها. وادَّعى بعضُ المالكية المتأخرين الإجماع على ذلك (٢). ولا حُجَّةَ فيما ذكروه، فقد ذكر اللهُ نظيرَ ذلك، ولم يقدرْه، ووَكَلَ تقديرَه إلى نبيّه محمد ﷺ ، وإلى أولي الاستِنْباطِ من أهل العلم، فقال : ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقال سبحانه: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧]، وقال : ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥)﴾ [النساء: ٥]. والمتعةُ تقديرها إلى الحاكم عند التشاجُرِ والتنازع. وأما المحسنون والمتقون، فأراد بهم المؤمنين المحسنين بالإيمان، المتقين للشّرك (٣).

стр. 557

* و (١) في الآية دليلٌ على أن قدرَ المتعةِ معتبرٌ بالزوجِ لا بالزوجة، وهو كذلك على المذهب الصحيح عند الشافعية (٢). واعتبر بعضُهم حالَ الزوجةِ (٣)، ففرق بين الشريفةِ والدَّنِيَّةِ، فقال: لو لم يعتبر حالُ الزوجة، لتساوت الشريفةُ والدَّنِيَّةُ، وهو خلافُ المعروف، وقد قال الله تعالى: ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، ولأنه يؤدي إلى أن تفوز الدنيةُ بمتعةٍ تزيد على مهر مثلها. وقالت الحنفيةُ: يُقدَّرُ بنصف (٤) مهر المثل (٥). وكل هذا خلاف القرآن (٦).

стр. 558

(حكم المطلقة قبل المس وبعد الفرض) ٤٥ - (٤٥) قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)﴾ [البقرة: ٢٣٧] الآية. * أوجب الله سبحانه في هذه الآية للمرأة إذا طُلِّقت بعد الفرض، وقبلَ المَسيس نصفَ المفروض (١). واختلفَ القائلون بوجوبِ المُتعة هلْ تجبُ لها المتعةُ مع نصفِ المفروض؟ - قال ابنُ عباسٍ وابنُ عمرَ -رضي الله تعالى عنهم-: لها نصفُ صَداقِها، ليس لها أكثرُ من ذلك (٢). وبه قال الشافعيُّ -رضي الله تعالى عنه - (٣).

стр. 559

- وقال بعضُ أهل الظاهر: لها المتعةُ (١)؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١]، وتخصيصُ بعضِ أفراد العموم بالذكرِ لتعليقِ حكمٍ آخرَ لا يكون تخصيصاً لعمومه، بل يجب لها نصفُ المفروضِ بهذه الآية، والمتعةُ بالآية (٢) الأُخرى. ولمخالفه أن يقول: ليس هذا تخصيصاً لبعض أفراد العموم [بالذكر مع السكوت عن باقيه، بل هو تخصيص لبعض أفراد العموم] (٣) بوجوبِ نصفِ المفروض. والمُفَوِّضَةُ التي لم يُفْرَضَ لها مخصوصةٌ بذكرِ وجوبِ المُتْعَةِ، وتَخَصصهما بحكمينِ مختلفين يدلُّ على تغايُرِهما (٤).

стр. 560

وتخصيصُ العموم بمن خالفه منهما. ومما يدل لبعض أهل الظاهر قولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ﴾ (١) [الأحزاب: ٤٩]، فذكر لهن المتعة في هذه الآية. إلا أن يصحَّ ما رُوي عن ابن المسيّبِ بتوقيفٍ عن رسولِ الله ﷺ ، وذلك أنه روي عنه: أنه قال: كانَتِ المتعةُ لمنْ لم يُدخَلْ بها من النساء؛ لقوله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]، فنسخ ذلك بقوله تعالى ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ (٢) [البقرة: ٢٣٧]، فيبطل هذا الدليل (٣). وبعيد أن يثبتَ مثلُ هذا النسخِ بتوقيفٍ عن رسول الله ﷺ (٤). فإن قلتم: فما الجوابُ عن آيةِ الأحزاب؟ قلنا: لا تَعارضَ بينها وبين آية البقرة؛ فإن آية الأحزاب عامة، والمرادُ

стр. 561

بها المُفَوِّضَةُ؛ إذا طُلِّقَتْ قبلَ الفَرْضِ والمَسيس؛ بدليلِ البيانِ والتقييدِ في آية البقرة، والمرادُ بآية البقرة مَنْ سُمِّي لها مَهرٌ أو فَرْضٌ (١). فإن قلتم: فما الحكمُ فيما إذا طُلِّقَتْ قبلَ المسيسِ، ولكنه قَدْ سمَّى لها مهراً صحيحاً، وفيما إذا طُلِّقَتْ بعدَ المسيس؟ قلنا: سيأتي الكلام عليها (٢) قريباً إن شاء الله تعالى. * وفي الآية دليلٌ على أن المهرَ يستقرُّ بالدخولِ والمَسيسِ، وذلك إجماعُ (٣)، وعلى أنه لا يستقرُّ قَبلَ المَسيسِ. * والمسيسُ يقع في وضع اللغة على المَسِّ (٤) مُطْلَقاً، ويقع في العرْفِ على الجِماع (٥). واختلفوا في المراد به: - فقال قوم: الخَلْوَةُ كالإصابَةِ. - وروي عن عمرَ -رضي الله تعالى عنه-: أنه قال: إذا أُرخيَ السترُ، وأُغلقَ البابُ، فقد وجبَ المَهْرُ، ما ذنبهنَّ إن جاءَ العجزُ من قِبَلِكم؟ (٦) وهو قول عليٍّ، وابنِ عمرَ، وزيدِ بنِ ثابتٍ -رضي الله تعالى عنهم- (٧)،

стр. 562

والزّهْرِيِّ، والأوزاعيِّ، وأبي حنيفةَ، والشافعيِّ في القديم (١). - وقال قوم: لا تأثيرَ للخَلْوَة، وهو قولُ ابن عباسٍ وابنِ مسعود، -رضي الله تعالى عنهم-. قال ابن مسعود: لها نصف الصَّداقِ ما لم يُجامِعها، وإن جَلَسَ بين رِجْليها (٢). وروى طاوسٌ عن ابن عباس: أنه قالَ في الرجل يتزوجُ المرأة، فيخلو بها، ولا يمسُّها، ثم يطلقُها: ليس لها إلا نصفُ الصَّداقِ؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ (٣) [البقرة: ٢٣٧]. قال الشافعي: وبهذا أقول (٤).

стр. 563

وهو ظاهرُ الكتاب. وصحَّ عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-: أنه قال: يُحْمَلُ اللمسُ والمسُّ في كتاب الله تعالى على الجماع (١). وهذا القولُ أختاره؛ لموافقته ظاهرَ القرآن، وشهادة الأصول، فإنه عاقدٌ لم يستوفِ المنفعةَ المقصودةَ بالعَقْدِ، فلم يجبْ عليه عِوَضُها (٢) كسائرِ العُقود. * ثم استثنى الله سبحانه من نصفِ المفروض، فقال: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾، وهنَّ النساء، ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. * وقد اختلفوا في الذي بيده عقدة النكاح: - فقال عليّ، وجُبَيْرُ بنُ مُطْعِمٍ وابن عَبّاسٍ في روايةِ عَمّارِ بنِ أبي عامرٍ، ومجاهدٌ، والضحاكُ، وابنُ سيرين، وسعيدُ بنُ المسيِّبِ، وابنُ جُبَيْرٍ، والشعبيُّ، ومقاتلُ بن حَيّانَ، وشُرَيْح، وأهلُ الكوفة، والشافعيَّ في الجديد: هو الزوجُ.

стр. 564

وروي (١) عن الحسنِ وطاوس (٢)؛ لأن الذي بيده إمساكُ العقدة وحلُّها بالطلاق هو الزوجُ، ولأن الوليَّ لا يعفو عن أموالها، فكذلك صداقُها، ولأنَّ الولي لو أُبْرِئَ من صَداقها قبل الطلاقِ، لم يَجُزْ، فكذلك بعدَه، ولأن في الأولياء مَنْ لا يجوز عفوُه؛ كابن العمِّ. * وعفوُ الزوجِ هو أن يعطيَها الصَّداقَ كاملاً من عَفْو المُساهلَة. وقيل: الذي بيده عُقدةُ النكاح هو الوليُّ، وبه قال ابنُ عباسٍ، والزهريُّ، وطاوسٌ، والحسنُ، وعطاءٌ؛ وعلقمةُ، وإبراهيمُ، وربيعةُ، ومالكٌ، وأحمدُ، والشافعيُّ في القديم؛ لأن ذكر العفو وردَ بعدَ الطلاق، والذي بيده عقدةُ النكاحِ عليها حينئذٍ هو الوليُّ دونَ الزوج (٣). * واتفقوا -واللهُ أعلمُ- أن قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧] خطابٌ للأزواج خاصَّةً (٤).

стр. 565

ويدلُّ له ما روي: أن جبيرَ بنَ مطعم طلق امرأةً تزوجَها، وأرسلَ إليها بالمَهْرِ تاماً، فقيلَ لهُ: ما دعاكَ إلى هذا، إنما عليكَ نصفُ المَهْرِ؟ فقال: وأينَ (١) قولُ اللهِ : ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. وفي رواية: أنا أولى بالعفو (٢).
следующие страницы →