← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 14827

تيسير البيان لأحكام القرآن

ابن نور الدين

Полный текст (1 649 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

بها المُفَوِّضَةُ؛ إذا طُلِّقَتْ قبلَ الفَرْضِ والمَسيس؛ بدليلِ البيانِ والتقييدِ في آية البقرة، والمرادُ بآية البقرة مَنْ سُمِّي لها مَهرٌ أو فَرْضٌ (١). فإن قلتم: فما الحكمُ فيما إذا طُلِّقَتْ قبلَ المسيسِ، ولكنه قَدْ سمَّى لها مهراً صحيحاً، وفيما إذا طُلِّقَتْ بعدَ المسيس؟ قلنا: سيأتي الكلام عليها (٢) قريباً إن شاء الله تعالى. * وفي الآية دليلٌ على أن المهرَ يستقرُّ بالدخولِ والمَسيسِ، وذلك إجماعُ (٣)، وعلى أنه لا يستقرُّ قَبلَ المَسيسِ. * والمسيسُ يقع في وضع اللغة على المَسِّ (٤) مُطْلَقاً، ويقع في العرْفِ على الجِماع (٥). واختلفوا في المراد به: - فقال قوم: الخَلْوَةُ كالإصابَةِ. - وروي عن عمرَ -رضي الله تعالى عنه-: أنه قال: إذا أُرخيَ السترُ، وأُغلقَ البابُ، فقد وجبَ المَهْرُ، ما ذنبهنَّ إن جاءَ العجزُ من قِبَلِكم؟ (٦) وهو قول عليٍّ، وابنِ عمرَ، وزيدِ بنِ ثابتٍ -رضي الله تعالى عنهم- (٧)،

стр. 562

والزّهْرِيِّ، والأوزاعيِّ، وأبي حنيفةَ، والشافعيِّ في القديم (١). - وقال قوم: لا تأثيرَ للخَلْوَة، وهو قولُ ابن عباسٍ وابنِ مسعود، -رضي الله تعالى عنهم-. قال ابن مسعود: لها نصف الصَّداقِ ما لم يُجامِعها، وإن جَلَسَ بين رِجْليها (٢). وروى طاوسٌ عن ابن عباس: أنه قالَ في الرجل يتزوجُ المرأة، فيخلو بها، ولا يمسُّها، ثم يطلقُها: ليس لها إلا نصفُ الصَّداقِ؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ (٣) [البقرة: ٢٣٧]. قال الشافعي: وبهذا أقول (٤).

стр. 563

وهو ظاهرُ الكتاب. وصحَّ عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-: أنه قال: يُحْمَلُ اللمسُ والمسُّ في كتاب الله تعالى على الجماع (١). وهذا القولُ أختاره؛ لموافقته ظاهرَ القرآن، وشهادة الأصول، فإنه عاقدٌ لم يستوفِ المنفعةَ المقصودةَ بالعَقْدِ، فلم يجبْ عليه عِوَضُها (٢) كسائرِ العُقود. * ثم استثنى الله سبحانه من نصفِ المفروض، فقال: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾، وهنَّ النساء، ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. * وقد اختلفوا في الذي بيده عقدة النكاح: - فقال عليّ، وجُبَيْرُ بنُ مُطْعِمٍ وابن عَبّاسٍ في روايةِ عَمّارِ بنِ أبي عامرٍ، ومجاهدٌ، والضحاكُ، وابنُ سيرين، وسعيدُ بنُ المسيِّبِ، وابنُ جُبَيْرٍ، والشعبيُّ، ومقاتلُ بن حَيّانَ، وشُرَيْح، وأهلُ الكوفة، والشافعيَّ في الجديد: هو الزوجُ.

стр. 564

وروي (١) عن الحسنِ وطاوس (٢)؛ لأن الذي بيده إمساكُ العقدة وحلُّها بالطلاق هو الزوجُ، ولأن الوليَّ لا يعفو عن أموالها، فكذلك صداقُها، ولأنَّ الولي لو أُبْرِئَ من صَداقها قبل الطلاقِ، لم يَجُزْ، فكذلك بعدَه، ولأن في الأولياء مَنْ لا يجوز عفوُه؛ كابن العمِّ. * وعفوُ الزوجِ هو أن يعطيَها الصَّداقَ كاملاً من عَفْو المُساهلَة. وقيل: الذي بيده عُقدةُ النكاح هو الوليُّ، وبه قال ابنُ عباسٍ، والزهريُّ، وطاوسٌ، والحسنُ، وعطاءٌ؛ وعلقمةُ، وإبراهيمُ، وربيعةُ، ومالكٌ، وأحمدُ، والشافعيُّ في القديم؛ لأن ذكر العفو وردَ بعدَ الطلاق، والذي بيده عقدةُ النكاحِ عليها حينئذٍ هو الوليُّ دونَ الزوج (٣). * واتفقوا -واللهُ أعلمُ- أن قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧] خطابٌ للأزواج خاصَّةً (٤).

стр. 565

ويدلُّ له ما روي: أن جبيرَ بنَ مطعم طلق امرأةً تزوجَها، وأرسلَ إليها بالمَهْرِ تاماً، فقيلَ لهُ: ما دعاكَ إلى هذا، إنما عليكَ نصفُ المَهْرِ؟ فقال: وأينَ (١) قولُ اللهِ : ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. وفي رواية: أنا أولى بالعفو (٢).

стр. 566

(الصلاة الوسطى، وصلاة الخوف) ٤٧ - ٤٦ (٤٧ - ٤٦) قوله ﷻ : ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٨، ٢٣٩]. وفيها جملتان: الأولى: أمرنا الله سبحانه بالمحافظة على الصلوات، والمحافظةُ عليها تأديتُها في أوقاتها بأركانها على الدوام. وخصَّ الوسطى بالذكر والتأكيد لشرفِها، وسماها الله (الوسطى) إما من التوسُّطِ بين الشيئين، أو من الوَسَط الذي هو بمعنى الخِيار (١). * واختلف الناس في تعيينها: ١ - فقال عليٌّ، وابنُ عباسٍ، وابن عُمَرَ، وجابرٌ، ومعاذٌ، وطاوسٌ، وعكرمةُ، وعطاءٌ، ومجاهدٌ، والربيعُ بنُ أَنسٍ: هي صلاةُ الفَجْر (٢).

стр. 567

وهو اختيارُ مالكٍ والشافعيِّ (١)، واستدلوا بما ورد عن النبيِّ ﷺ في فضلِ صلاة الصبحِ (٢). ولأنها تأتي في وقتِ مشقَّةٍ بسبب بردِ الشتاءِ، وطيبِ النومِ في الصيفِ (٣)، وفتورِ الأعضاء، فخصَّتْ بالمحافظةِ؛ لأنها معرَّضَةٌ للضَّياع. ولأنها توسَّطَتْ بين صلاتيَ الليلِ وصَلاتيَ النَّهار، فَتُصَلَّى (٤) في سَوادٍ من (٥) الليل، وبيَاضٍ من النهارَ. ولأن الله سبحانه أمرَ فيها بالقُنوتِ، ولا قنوتَ إلا في الصبح. وقال أبو رجاء: صلى ابنُ عباس بالبصرةِ صلاةَ الغداةِ، فقنتَ قبلَ الركوعِ، ورفعَ يديه، فلما فرغَ قال: هذَّة الصلاةُ الوسطى التي أمرنا أن نقوم فيها قانتين (٦). ٢ - وقال زيدُ بن ثابت، وأسامةُ بن زيد، وأبو سعيدٍ الخدريُّ، وعائشةُ، وعبدُ الله بنُ عمرَ، وعبدُ الله بنُ شداد: إنها الظهر (٧).

стр. 568

وبه قال أبو حنيفةَ في رواية عنه (١). وروي أن زيدَ بن ثابت احتج في ذلك بأن النبيَّ ﷺ كان يصلي الظهر بالهجيرِ (٢)، فلا يكون وراءَه إلا الصفُّ والصفّانِ، والناسُ في قائِلَتِهم وتِجارَتهم، فأنزل الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (٣)، ولأنها تُفْعَلُ في وسَطِ النهار. ٣ - وقال أيضاً عليُّ بنُ أبي طالب -في أصحَّ الرواياتِ عنه-، وابنُ مسعودٍ، وأبو أيوبَ، وأبيُّ بنُ كعبٍ، وعبد الله بنُ عمرِو بنِ العاص، وأبو هريرةَ، وابنُ عمرَ، وابنُ عباس، وكذا أبو سعيد الخدريُّ، وعائشةُ (٤): إنها العصرُ. وبه قال النخعيُّ، وقتادةُ، والحسنُ، والضحاك، والكلبيُّ، ومقاتلٌ. وهو اختيارُ أبي حنيفةَ، وأحمدَ، وابنِ المنذر، ومتأخِّري الشافعية (٥)؛

стр. 569

لقوله ﷺ يومَ الخندق، وقد فاتتهُ صلاةُ العصر: "حَبَسونا عن الصَّلاةِ الوُسْطى صَلاةِ العَصرِ، مَلأَ اللهُ قُبورَهم وبُيوتَهُم وأجوافَهُم ناراً" (١). واحتجوا بأن حفصةَ قرأت: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وهي العصر) (٢). وبما روى ابنُ مسعودٍ -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : "الصلاةُ الوُسْطَى صَلاةُ العَصرِ" (٣)، أخرجه الترمذي، وقال: حسن صحيح، ولأنها تأتي في وقت اشتغال الناس بمعاشِهم وأعمالهم، ولأنها قد توسطت صلاتي ليلٍ، وصلاتَيْ نهارٍ.

стр. 570

٤ - وقال قَبيصةُ بن ذُؤيب في جماعة: إنها المَغْرِبُ (١)؛ لأنها وَسَطٌ في الطولِ والقِصَر من بينِ الصلاة، ولأنها لا تقصَرُ في السفر، ولأنها تُفعل في وقت واحد، ولم تؤخرْ عن وقتها بحال، ولأنها متوسطة بين صلاتي سِرٍّ وصلاتي جَهْر (٢). وروي عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- عن النبي ﷺ أنه قال: "إن أفضلَ الصلاةِ عندَ الله صلاةُ المَغْرِبِ، لم يَحُطها عن مُسافِرٍ ولا مُقيم، فَتَحَ اللهُ بها صَلاةَ اللَّيْلِ، وخَتَمَ بها صلاةَ النَّهارِ، فَمَنْ صَلَّى المَغْرِبَ، وصَلى بعدَها رَكعَتَيْنِ، بَنَى اللهُ لَهُ قصراً في الجَنةِ، ومَنْ صَلَّى بعدها أَربَعَ رَكَعاتٍ، غَفَرَ اللهُ لهُ ذُنُوبَ عِشْرينَ سَنَةً، أو أَربعينَ سَنَةً" (٣). ٥ - وقيل: إنها صلاةُ العشاء، ولعلَّه يستدلّ (٤) بما ورد في فضلِ صلاةِ العشاءِ، ولأنها بين صلاتينِ لا تقصَرانِ، ولأنها توسَّطتْ وِتْرينِ، وهو ضعيف (٥).

стр. 571

٦ - وقال سعيدُ بنُ المُسَيِّبِ، والربيعُ بنُ خُثَيْمِ: هي مُبْهمَةٌ كيرُ مُعَيَّنَةٍ (١)؛ كليلةِ القدرِ، وساعةِ الجمعةِ؛ ليحفظوا الكلَّ (٢). ويروى عن ابن عمر أيضاً -رضي الله تعالى عنهما- (٣)، واختاره بعضُ المتأخرين (٤)، واستدلوا بما رواه مسلمٌ عن البَراءِ بن عازِبٍ قال: نزلت هذه الآية: (حافظوا على الصلواتِ والصلاةِ الوُسطى صلاةِ العصرِ)، فقرأناها ما شاء الله تعالى، ثم نسخها الله، فنزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] فقال رجل: هي إذاً صلاةُ العصر، فقال البراءُ: أخبرتُكَ كيف نزلَتْ، وكيف نسخَها اللهُ (٥). قالوا: ووجه الدلالةِ أن الله سبحانه نسخَ التعيينَ إلى الإبهام، والجوابُ عن قراءة حفصةَ أنها جاءَتْ تفسيراً لا قرآناً (٦)، والقرانُ لا يَثْبُتُ بخبر الواحد، وسيأتي مزيدُ الكلامِ على مثلِ (٧) هذا في سورة النساء، وبأنها

стр. 572

يروى عنها مضطرباً، فروي: (وصلاة العصر)، كما روي عن عائشة (١)، ويروى (٢) بغير واو. والراجح عندي أنها صلاة العصر؛ لما قدمناه من بيان النبيِّ ونصِّه على أنها صلاة العصر، ولما رواه البَراءُ من أنها كانت معينةً في كتاب الله سبحانه، ثم نُسِخَ تعيينُها، وإخبارُ الصحابي بمثلِ هذا النسخِ مقبولٌ. وما ذكروه من وَجْهِ الدَّلالَةِ باطلٌ؛ فإن هذا مِمَّا نُسخ لفظُه، وبقيَ حكمُه (٣)، ألم تر إلى قولِ القائلِ للبراءِ: فهي إذاً (٤) صلاةُ العصر، كيف فهم أن التعيينَ باقٍ لم يَزُلْ، وكيف لم يردَّ عليه البراءُ مقالته، وإنما قال: أخبرتُك كيف نزلَتْ، وكيف نسخها الله. * وأما قولُه تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] فقال البخاري: أي: مطيعين (٥)، وخرَّجَ عن زيدِ بنِ أرقم -رضي الله تعالى عنه- قال (٦): كنا نتكلمُ في الصلاة، يكلمُ أحدُنا أخاه في حاجته، حتى نزلت هذه الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فأُمرنا بالسُّكوتِ (٧). والظاهرُ أن نزول هذه الآية كان بالمدينة (٨)؛ لما فيها من ذكر صلاة

стр. 573

الخوف، وصلاةُ الخوف لم تُشْرَعْ إلا بعدَ الخَنْدَقِ. ويُشْكِلُ عليهِ قولُ الشافعيِّ -رحمه الله تعالى-: تحريم الكلام كان بمكة (١)، وروى حديثَ عبد الله بن مسعودٍ -رضي الله تعالى عنه- قال: كنا نسلمُ على رسول الله ﷺ ، وهو في الصلاةِ قبل أن نأتيَ أرضَ الحبشة، ويردُّ علينا وهو في الصلاة، فلما رجعنا من أرض الحبشة، أتيته لأسلمَ عليه، فوجدتُهُ يصلِّي، فسلمتُ عليه فلم يردَّ، فأخذني ما قَرُبَ وما بَعُدَ، فجلست، حتى إذا قضى صلاتَهُ، أتيتُهُ، فقال: "إن الله يُحْدِثُ منْ أمْرِهِ ما يَشاءُ، وإنَّ مِمَّا أحدَثَ أَلأَ تَتَكَلَّموا في الصَّلاةِ" (٢). قال: المحفوظُ في حديث ابنِ مسعود هذا أن ابنَ مسعودٍ مرَّ على النبيِّ ﷺ بمكةَ، فوجده يصلي في فِناء الكعبة، وأن ابنَ مسعودٍ هاجرَ إلى الحبشةِ، ثم رجعَ إلى مكةَ، ثم هاجر إلى المدينة، وشهد بدراً، وأهلُ الحبشةِ لم يقدَموا إلا أيامَ خيبر (٣). والجوابُ عن هذا الإشكال ممكنٌ، وذلك أنه يجوز أن يكون التحريمُ للكلام كان متقدِّماً على نزول الآية، ولم يعلف به (٤) ابنُ أَرْقَمَ، واستصحَبَ

стр. 574

حالةَ حِلِّ الكلام حيث قال: وكان أحدُنا يكلمُ أخاه في حاجته حتى نزلتْ هذه الآيةُ، وقد كانت بعضُ الأحكام تثبُتُ بقولِ النبيِّ ﷺ ، ثم تنزلُ الآية على وفْقِ قَوْلهِ ﷺ ؛ تأكيداً؛ كما كان فرضُ الوضوء ثابتاً زماناً من دَهْرْ، ثم نزلت الآية تأكيداً (١). الجملة الثانية: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]. * أمرنا الله سبحانه بالمحافظة على الصلوات، ولم يبح تأخيرَها عن وقتها لعذر الخوف على النفس، بل قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ أي: مشاة على أقدامكم، ورُكباناً على ظهور دَوابَكُمْ. وروى نافع عن ابنِ عمرَ -رضي الله تعالى عنهما-: أنه ذكر صلاة الخوف، فقال: فإنْ كان خوفٌ أشدُّ من ذلك، صَلُّوا رِجالاً قِياماً على أَقْدامِكم، أو رُكْباناً، مُسْتَقْبِلي القبلةِ وغيرَ مستقبليها. قال نافع: لا أرى عبدَ الله ذكرَ ذلك إلا عَنْ رسولِ اللهِ ﷺ (٢). وأكثرُ العلماء على العملِ بتفسير ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- (٣). وخالف أبو حنيفة فقال: لا يصلِّي الخائفُ إلا إلى القبلة (٤)، ولا يصلِّي

стр. 575

في حال المسايَفَة (١)؛ لمخالفة الأصول. وفي قوله نظر؛ لأن صلاة الخوف إنما جازت مخالفتُها للأصولِ للضرورة، والضرورة موجودةٌ في شدة الخوف، بل أقوى، ولأن الأصول شاهدةٌ بأنه لا يجوزُ تأخيرُ العبادة عن وقتها المعيَّن لها؛ كما فعل في منع الجمع بين الصلاتين. والحجةُ في بيانِ النبيِّ ﷺ عن الله ، فإن كانَ ابنُ عمرَ -رضي الله تعالى عنهما- قال ذلك عن رسول الله ﷺ ، كما ظنه نافعٌ، فالحجةُ في قوله ظاهرةٌ، وإن كان من تفسير ابن عمرَ -رضي الله تعالى عنهما-، فتفسير الصحابيِّ مقبولٌ معمولٌ به؛ لأنه أعرَفُ بمواردِ كتابِ الله . * ثم عندي إشكالٌ آخرُ، وهو أن أهل العلم بالحديث والسِّيَرِ اتفقوا، أو أكثرُهم، على أن صلاةَ الخوف إنما فرضَتْ بعدَ الخندق (٢)؛ كما سيأتي ذكر ذلك وإيضاحُه -إن شاء الله تعالى- في "سورة النساء".

стр. 576

وقد ثبت في الحديثِ الصحيحِ المتفق على صحته: أن النبيَّ ﷺ قال يوم الخندق: "شَغَلُونا عن الصَّلاةِ الوُسْطى صَلاةِ العَصرِ، مَلأَ اللهُ قُبورَهُمْ وبُيوتَهم ناراً" (١)، وهذا يدل دلالةً واضحةً على أن بيانَ (٢) الصلاةِ الوسطى معروفٌ عندهم، وهي لم يذكرها في كتابه إلا في هذه الآية، وقد ذكر فيها حكم صلاةِ شدةِ الخوف، فقال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]. ثم يُقال حينئذٍ: لِمَ أَخَّرَ رسولُ الله ﷺ الصلاةَ يومَ الخندقِ مع بيانِ الله سبحانه لصلاةِ الخوف (٣)؟ فإن قيل: إنما بيَنَ اللهُ سبحانه صلاةَ شدةِ الخَوْفِ، ولم يكنْ يومَ الخندقِ إلا مُجَرَّدُ الخوف؟ قلنا: إذا أباح الله سبحانه صلاةَ شدةِ الخوف مع كثرة مخالفتها لصورة الصلاة، فأولى أن يبينَ النبي ﷺ حكمَ اللهِ سبحانَهُ في صلاة الخَوْفِ؛ لأنه كان يمكِنُهم في الخَنْدَقِ التَّناوُبُ. فلم يبقَ إلا أن يقال: لعلَّ الصلاةَ الوسطى كانت معروفةً عندهم، وموقعُ شرفها موجود في صدورهم قبلَ نزولِ الآية، ثم أَمَرَهُم اللهُ سبحانَهُ بالمحافظة على ما هو مَعهودٌ عندهم، ومتقرَّر في نفوسِهم من النبيِّ ﷺ ؛ تأكيداً لشأنِها؛ كما أجبنا بمثل هذا في الجمع بين حديثي عبدِ الله بنِ مسعود، وزيدِ بن أَرقَمَ -رضي الله تعالى عنهما-. أو يقال: لعلَّ قولَه تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] نزل عند الخندق، وقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]

стр. 577

قبل الخندق، ونزولُ بعضِ الآية دونَ بعضٍ جائزٌ؛ كما قدمت ذلك (١). وإن كان أبو عبد الله الشافعيُّ -رحمه الله تعالى- قال: إنه لا يجوز، وبينتُ (٢) وَهْمَهُ في ذلك، وأن السنَّةَ دالَّة على خلافه. والأولُ أقرب الجوابين، والقولُ بكلِّ واحد منهما عسيرٌ. * ثم امتثلَ النبيُّ ﷺ أَمرَ الله بالمحافظة، وبيَّنَ المحافظةَ على الصَّلاةِ في حالِ الخوفِ على اختلافِ أحواله، وسيأتي بيانه في سورة النساء إن شاء الله تعالى. * ثم ندب ﷺ إلى تعجيلها، فسئل: أَيُّ الأعمالِ أَفْضَلُ؟ فقالَ: "الصَّلاةُ في أَوَّلِ وَقْتِها" (٣). * ثم أمر الله سبحانه عندَ الأمنِ بعدَ (٤) الخوف أن نصليَ كما علمنا، ولو ظفرْنا بالعدو، وأمكنَنا الله سبحانه منه، فلا نغير هيئةَ الصلاةِ لغيرِ ضرورةٍ، والله أعلم.

стр. 578

(عدَّةُ المتوفَّى عنها) ٤٨ - (٤٨) قوله ﷻ : ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٠]. * فرض الله سبحانه في هذه الآية في المتوفَّى عنها زوجُها (١) حكمين: أوجبَ عليها التربصَ حولاً كاملًا. وأوجبَ لها الوصيةَ بالمتاع إلى آخرِ ما أوجب عليها من المدة. والمتاعُ يقع على النفقةِ والكسوة والسُّكنى. * ثم بَيَّنَ اللهُ سبحانه أنها إذا خرجتْ من المنزل وأبطلَتْ حقَّها، فلا جُناح على الوارثِ في ترك النفقةِ، فَفُهِمَ من هذا أن النفقةَ تابعة للسُّكنى كما وجبتْ للزوجةِ وللرجعيةِ (٢)، ولهذا المعنى قال قومٌ بوجوب النفقةِ للمَبْتوتَةِ لمَّا وجبتْ لها السُّكْنى (٣).

стр. 579

فإن قلتم: فهل كان الخروجُ لها جائزاً، فَعِدَّتُها على التخيير؟ قلت: نعم؛ لقوله تعالى: ﴿فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠]. قال عطاء: إن شاءت اعتدَّتْ عندَ أهلهِ، وسكنتْ في وَصِيتَّهِا، وإن شاءت خرجتْ؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ (١) [البقرة: ٢٣٤]. ودلَّنا هذا على أن كلَّ من وجب له حقّ، ثم تركه، فلا جُناحَ عليه. * إذا تمَّ هذا، فقد اتفقَ أهلُ العلم بالقرآن على أن الحَوْلَ منسوخٌ بالآية الأولى (٢)، إلَّا ما يروى عن مجاهدٍ (٣). روينا في "صحيح البخاري" عن ابن الزبير: قلتُ لعثمانَ بنِ عَفَّانَ -رضي الله تعالى عنه-: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٤٠] قد نسختها الأخرى، فَلِمَ تكتُبها، أو تَدَعُها (٤)؟ قال: يا ابْنَ أَخي!

стр. 580

لا أُغَيِّرُ شيئاً من مَكانِه (١). وروينا فيه أيضاً عن أبي نَجيح عن مجاهدٍ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] قال: كانت هذه العِدَّةُ عندَ أهلِ زَوْجها واجب، فأنزل الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ قال: جعل الله لها (٢) تمامَ السنة سبعة أَشْهُرٍ وعِشرين ليلةً، وَصِيَّةً، إن شاءتْ سكنتْ في وَصِيّتِها، إن شاءتْ خرجتْ، وهو قول الله : ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، فالعِدَّة كما هي واجب عليها. ثم قال البخاري: زعم (٣) ذلك عن مُجاهدٍ (٤). وكلامُ مجاهدٍ هذا يقتضي أن هذه الآية نزلت بعد الأولى، فهي بعدَها في النزول، كما هي بعدها في الترتيب، وأن الأربعةَ الأشهرِ والعَشْر حَتْمٌ، وأنَّ ما زاد عليها إلى تمام الحولِ مشروعٌ على التخيير، لم يُنْسَخْ، فهذه الآيةُ إما ناسخةٌ لِحَتْمِ الآيةِ الأولى، أو مبيِّنَةٌ لِما زاد من تمامِ السُّنةِ بعدَ الحَتْم. ولكنَّ ما قاله لم يتابعْه عليه أحدٌ من أهل العلم (٥).

стр. 581

وقد روي عن ابن جُرَيْج عن مجاهدٍ مثلُ ما عليه الناس، فهو إِمَّا رجعَ إلى أهل الإجماع (١)، وإلَّا فقدِ اضطربتِ الروايةُ عنهُ، وسقطتْ. * وأما المَتاعُ، فليس في الآية الأولى دَلالةٌ صريحةٌ على نَسْخِ المَتاع، وإنما تعارضُه آيةُ الميراث. قال ابن عباس في رواية عِكْرِمَةَ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، فنسخ ذلك بآية الميراث بما فرض الله لهن من الرُّبُعِ أو الثُّمُنِ، ونُسخ أَجَلُ الحَوْل بأن جُعِلَ أَجَلُها أربعةَ أشهر وعشراً (٢). وكلامُ ابن عباس هذا يحتمل أن يدلَّ على نسخ السُّكنى. قال عطاء: ثم جاء الميراثُ، فنسخ السكنى، فتعتدُّ حيث شاءت، ولا سكنى لها (٣). وروي عن ابن أبي نجيح عن مجاهد مثلُ هذا (٤). ويحتمل أن يكونَ النسخُ خاصًّا بالمتاع دونَ السكنى، ويدل له ما روى

стр. 582

مالك عن سعيدِ بنِ إسحاقَ بنِ كعبِ بن عُجْرَةَ عن عَمَّتِهِ زينبَ بنتِ كعبٍ: أن الفُرَيْعَةَ بنتَ مالكِ بنِ سنانٍ أخبرتها: أنها دخلتْ إلى النبي ﷺ تسألهُ أن ترجعَ إلى أهلها في بني خُدرَةَ؛ فإن زوجَها خرج في طلبِ أَعْبُدٍ له أَبَقوا، حتى إذا كان بطرف (١) القدُّوم، لحقهم، فقتلوه، فسألتُ رسولَ الله ﷺ أن أرجعَ إلى أهلي في بني خُدرَةَ؛ فإن زوجي لم يتركْني في مسكن يملكُه، ولا نفقةٍ، قال: فقال رسول الله ﷺ : "نعم"، قالت: فانصرفتُ حتى إذا كنت في الحجرة ناداني رسول الله ﷺ ، أو أمرَ بي فنوديت (٢)، فقال: "كيف قلت؟ "، فرددت عليه القصةَ التي ذكرتُ له من شأن زوجي، فقال: "امكثي في بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الكِتابُ أَجَلَهُ"، قالت: فاعْتَدَدتُ فيه أربعةَ أشهرٍ وعَشْراً، قالت: فلما كان عثمانُ بنُ عفانَ، أرسل إليَّ، فسألني عن ذلك، فأخبرتُه، فاتبَّعه، وقضى به (٣). وقال الشافعي: -رحمه الله تعالى-: ثم حَفِظْتُ عَمَّنْ أرضى (٤) من أهل العلم: أن نفقةَ المتوفَّى عنها زوجُها وكسوتَها حولاً منسوخةٌ بآية الميراث، ولم أعلم مخالفاً فيما وصفتُ من نَسْخِ نفقةِ المتوفَّى عنها زوجُها وكسوتها سنةً أو أقلَّ من سنة.

стр. 583

ثم قال: ثم احتمل سكناها إذا كان مذكوراً مع نفقتها بأنه (١) يقع عليه اسمُ المتاع أن يكونَ منسوخاً في السُّنةِ وأقلَّ منها، كما كانت النفقةُ والكسوةُ منسوختين في السَّنَةِ وأقلَّ منها، واحتملت أن تكونَ نُسخَت في السَّنة، وأثبتت في عِدَّة المتوفَّى عنها حتى تنقضي بآخر هذه الآية، يعني قولَه: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، وأن تكون داخلةً في جملة المُعْتَدّات؛ فإن الله تعالى يقولُ في المطلقات: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١]، فلما فرضَ اللهُ سبحانَه في المتعدَّة من الطلاقِ السكنى، وكانت المعتدَّةُ من الوَفاة في معناها، احتملت أن يكونَ جعلَ لها السكنى، لأنها في معنى المعتدَّات، فإن كان هذا هكذا، فالسكنى لها في الكتابِ منصوصٌ، أو في معنى من نُصَّ لها السكنى، وإن لم يكن هذا، ففرضُ السكنى لها في السُّنةِ (٢). وهذا أصحُّ قوليه -رحمه الله تعالى-، وإيَّاه أختارُ، لأن السُّكْنىَ ثابتة في الكتاب، فلا يجوزُ نسخُها بالاحتمال والتجويز لأجل نسخِ ما جاورها من الأحكام، فنسخُ المدةِ من حول إلى ما دونه لا يدلُّ على نسخِ السكنى فيما دون الحول، ونسخُ المتاعِ بايةِ الميراثِ على روايةِ ابنِ عباسٍ يحتملُ أن تعود الإشارة في قوله: فنسخ ذلك إلى (٣) المَتاع دونَ الإخراج، ويحتمل أن يعودَ إلى المتَاع والإخراجِ، ولكنَّ الاحتمالَ الأولَ متعيِّن؛ لحديث الفُرَيْعَةِ بنتِ مالكٍ. وهذا هو مذهبُ عمرَ، وابنِ عمر، وابنِ مسعودٍ، وبهِ قال فقهاءُ الحجازِ

стр. 584

والعراقِ وأكثرُ فقهاءِ الأمصار؛ كمالكٍ، وأبي حنيفة، وأحمدَ (١). قال الشافعيُّ في كتاب "العِدَد": الاختيارُ لورثته أن يُسكنوها، وإن لم يفعلوا، فقد ملكوا المال دونه (٢). وقول النبيِّ ﷺ : "امكُثي في بيتِكِ" يحتملُ: ما لم تُخْرَجي منه إن كان لغيرك؛ لأنها قد وصفتْ أن المنزلَ ليس لزوجها، وهذا التأويل حُجَّة لمن أوجب السُّكنى؛ لأنه إذا أمرها النبي ﷺ أن تمكُثَ في بيتٍ ليسَ لزوجِها ما لم تُخْرَجُ عنه، فأولى أن تمكُثَ في بيتٍ لزوجِها لا تخرج عنه. وروي عن عليٍّ -رضي الله تعالى عنه-: أنه كان يُرَحِّلُ المتوفَى عنها، لا ينتظر لها، ونقل أمَّ كُلْثومٍ بعدَ قتلِ عمرَ بسبعِ (٣) ليال (٤). وعن عائشة: أنها كانت تُرحِّلُ المرأةَ وهي في عِدَّتِها من وفاةِ زوجها (٥).

стр. 585

وبه قال أهلُ الظاهر، وعطاءٌ، والحسنُ (١)، ويروى عن ابن عباسٍ (٢)، وجابرٍ (٣)، رضي الله تعالى عنهم.

стр. 586

(متعة المطلقة) ٤٩ - (٤٩) قوله ﷻ : ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١]. * لفظُ هذه الآيةِ عامٌّ في إيجاب المُتعةِ لكلِّ مُطَلَّقة، سواءٌ كانتْ مدخولاً بها، أو لا، طُلِّقت قبلَ الفرض والمَسيس، أو بعدَ الفرضِ وقبلَ المسيس. وقد مضى حكمُ التي طُلقت قبلَ الفرض والمَسيس، وأنها مرادةٌ في العموم (١)، ومضى حكم التي طُلقت بعد الفرض وقبلَ المسيس، وأنها غيرُ داخلة في العموم، إلا على قولِ بعضِ أهل الظاهر، ومثلُها التي طُلِّقت قبل المسيس، وكان قد سُمِّي لها مهرٌ صحيحٌ؛ لعدم الفرقِ بينهما، وبقي حكمُ المدخول بها. * وقد اختلف أهلُ العلم في إيجاب المتعة لها. فقال عمرُ، وعليٌّ، والحسنُ بنُ عليٍّ، وابنُ عمرَ، والقاسمُ بن محمدٍ وابنُ شهابٍ، وسعيدُ بنُ جبير، وأبو العاليةِ، والحسنُ -رضي الله تعالى عنهم-: لها المتعة (٢)؛ لهذه الآية، ولقوله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ

стр. 587

سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨]، وأزواجُه ﷺ مدخولٌ بهن. وبهذا قال الشافعيُّ في الجديد (١)، وكذا أحمدُ في إحدى الروايتين (٢)،وبه أقول. - وقال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ في القديم: لا متعةَ لها (٣)؛ قياساً على المفروضِ لها. وهذا فاسدٌ، لأنه لا يجوز قياسُ المدخولِ بها على غيرِ المدخول بها، ولا يجوز القياسُ مع وجود النصّ. فإن قيل: النصُّ في إمتاعه ﷺ خاصٌّ به. قلنا: دعوى التخصيص بغير دليل مردودةٌ، بدليلِ حديث أمِّ سلمةَ -رضي الله تعالى عنها- الذي قدمته في تقبيلِ الصائم (٤). فإن قيل: محمولٌ على الاستحباب (٥). قلنا: خلاف الظاهر، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١].

стр. 588

(من أحكام الجهاد) ٥٠ - (٥٠) قولُه ﷻ : ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦]. هذه الآية (١) وما شابهها من آيات الصفح والإعراض عن المشركين منسوخاتٌ بآية السيف بالاتفاق (٢)، وآيةُ السيف مثل قوله تعالى: ﴿فَاَقتُلُوا

стр. 589

الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥].

стр. 590

(من أحكام الزكاة) ٥١ - (٥١) قولُه ﷻ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)﴾ [البقرة: ٢٦٧]. * تمسكَ الحنفيةُ بهذهِ الآيةِ في وُجوب الزكاة ممَّا أخرجت الأرضُ من غير المُقْتات (١). وسيأتي الكلام معهم في سورة الأنعام -إن شاء الله تعالى-. وللجمهور أن يتمسكوا بها في إيجاب الزكاةِ في عُروض الكَسْبِ؛ خلافاً لداود (٢). * وحرم الله الإنفاق من الخبيث. فروي أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن لونين من التَّمرِ: الجعرورِ (٣)، ولونِ

стр. 591

الحُبَيْقِ (١). قال الراوي: وكان أناس يَتيمَّمُونَ سَرَّ ثمارِهم، فيخرجونها في الصدقة، فَنُهوا عن لونين من التمر، ونزلت: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (٢) [البقرة: ٢٦٧]. * ولمّا أمرنا اللهُ سبحانه بالإنفاق من طيبات ما كسَبْنا، ونهانا عن تَيَمُّمِ الخبيث، استدلَلْنا بهذا على أن كل خَبيث ومَعيبٍ لمرضٍ أو هُزال أو غيرِه لا يجوزُ إنفاقه، إلا أن يكون جميعُ المال المزكَّى خبيثاً، أو مَعيباً؛ فإنَّا ننفق منه؛ لأنَّا لم نتيمَّمِ الخبيثَ للنفقة، وإن كانَ المالُ طيباً وخبيثاً، فلا يجوزُ لنا أن ننفق إلا من الطيِّبِ، لأمر الله سبحانه بالإنفاق منه، لكن يجبُ مراعاة العدلِ والقسط (٣). وتفصيلُ ذلك مذكورٌ في كتبِ الفقه.

стр. 592

(صدقة التطوع) ٥٢ - (٥٢) قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٧١]. * فضَّل الله سبحانَه في هذه الآية الإخفاءَ في الصدقةِ على الإبداء، وفي كُلٍّ خَيْرٌ، وهذا في صدقةِ التطوُّع (١)، وأما صدقةُ الفرضِ، فإظهارُها أفضلُ من إخفائِها (٢). * وفيها دليل على جواز الصدقة على الأغنياء، وذلك جائزٌ في التطوع (٣).

стр. 593

* وجوز اللهُ سبحانه في تِلْوِ هذه الآية الصدقةَ على الكافر (١)، وذلك جائزٌ (٢) في التطوع، وأما الفرض، فلا يجوز صرفُه إلى الكافر (٣)؛ لقوله ﷺ : "أُمِرْتُ أن آخذَ الزكاةَ من أغنيائِكم، وأَرُدَّها على (٤) فُقَرائِكم" (٥).

стр. 594

(تحريم الرِّبا) ٥٣ - (٥٣) قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. أقول: * أحلَّ اللهُ سبحانه البيعَ لعباده، وبينَ رسولُ الله ﷺ أشياءَ من البيع أنّها لا تجوزُ، فنهى عن بَيع وشرْطٍ (١)، وعن بيعِ حَبَلِ الحَبَلَةِ (٢)، وعن بيع المُلامَسة والمُنابَذَةِ (٣)، وعن بيعِ الغَرَر (٤)، وغير ذلك.

стр. 595

وسيأتي الكلام على البيع في "سورة النساءِ" -إن شاء الله تعالى-. * والربا في اللغة هو الزيادةُ (١)، وهو يقع على ضربين: أحدهما: ربا الجاهلية، وسيأتي ذكره قريباً -إن شاء الله تعالى-. والثاني: ربًّا بيَنَهُ الشارعُ ﷺ ، وهو على ضربين أيضاً: أحدهما: ربا الفَضْل، كبيعِ الدينار بالدينارين، والدرهمِ بالدرهمين. والثاني: ربا النَّسِيئَةِ، كبيع دينارٍ ناجزاً بدينارٍ غائباً (٢)، فهذا متفق عليه بين المسلمين (٣). * وأما ربا الفَضْل، فخالف فيه (٤) ابنُ عباسٍ وابنُ عمر -رضي الله تعالى عنهم- (٥)، وكانا لا يريان بأساً في بيع الدرهم بالدرهمين ناجزاً، ويروى عن عروة بنِ الزبير -رضي الله تعالى عنهما- (٦)، واحتج ابنُ عباس فقال: أخبرني أسامةُ بنُ زيدٍ عن النبيِّ ﷺ قال: "إنَّما الربا (٧) في النَّسيئَةِ" (٨).

стр. 596

وروي عن أبي الجَوزاء، عن ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-: أنه قال: كنت أُفتي بذلك حتى حدثني أبو سعيدٍ عن النبيِّ ﷺ ينهى (١) عنه، فأنا أنهاكم عنه (٢). وكذلك رجعَ ابنُ عمرَ -رضيَ الله تعالى عنهما (٣). والذي عليه أمرُ الصحابةِ وسائرِ السَّلَف، واستقرَّ عليه أمرُ المسلمين تحريمُ رِبا الفَضل (٤)؛ لثبوتِ ذلك عن رسول الله ﷺ من رواية عمر، وأبي سعيد الخدريِّ، وعثمانَ، وأبي هريرةَ، وأبي الدرداء، وعبادةَ بنِ الصامت، وغيرهم -رضي الله تعالى عنهم-. روينا في "صحيح مسلم" عن أبي الأشعث الصَّنعْانيِّ قال: كُنا في غَزاةٍ علينا معاويةُ، فأصبنا ذهبًا وفضةً، فأمر معاويةُ رجلًا أن يبيعَها الناسَ في

стр. 597

أعطانهم (١)، فتسارع الناس فيها، فقام عُبادةُ بنُ الصامتِ، فنهاهم، فردُّوها، فأتى الرجلُ مُعاوية، فشكا إليه، فقامَ معاويةُ خطيبًا، فقال: ما بالُ رجالٍ يحدِّثونَ عن رسول الله ﷺ أحاديثَ يكذبون عليه فيها، ولم يسمعوها؟ فقامَ عبادةُ فقال: والله لنحَدِّثَنَّ (٢) عن رسولِ الله ﷺ ، وإن كرهَ معاوية، قال (٣) رسولُ الله ﷺ : "لا تَبيعوا الذَّهَبَ بالذَّهَبِ، ولا الفِضَّةَ بالفضَّةِ، ولا البُرَّ بالبُرِّ، ولا الشَّعيرَ بالشَّعيرِ، ولا التَّمْرَ بالتَّمْرِ، ولا المِلْحَ بالمِلْحِ إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ، سَواءً بِسَواءً"، وفي بعض الروايات: "يَدًا بيِدٍ، عَيْنًا بِعيْنٍ"، وفي بعض الروايات: "فَمَنْ زادَ أَوِ اسْتَزادَ فَقَدْ أَرْبى"، وفي بعض رواياته: "فَإِنِ اخْتَلَفَتْ هذهِ الأصنافُ (٤)، فَبيعُوا كيفَ شِئْتمُ، إذا كانَ يَدًا بِيدَ" (٥). فنصّ في حديث عبادة -رضي الله تعالى عنه- على ستة أعيان، فحرم فيها النَّساءَ تحريمًا مطلقًا، وحرم فيها التفاضُلَ إذا اتفقَ الجنسانِ، وأحلَّه إذا اختلف الجِنْسان. وعلى هذا اتفق أهلُ العلم، إلا ما حكيَ عن ابنِ عُلَيَّةَ أنه قال: إذا اختلفَ الصِّنفانِ، جاز التفاضُلُ والنسيئةُ، ما عدا الذهبَ والفضةَ في النسيئة (٦).

стр. 598

وقد اتفق أهلُ العلم على العمل بحديث عبادةَ، إلا ما ذهب إليه مالكٌ، والليثُ، والأوزاعيُّ، ومعظمُ علماءِ المدينة والشام: أن البُرَّ والشعيرَ جنسٌ واحدُ، فلا يجوز فيهما التفاضُلُ (١). واحتج بعَمَل أهل المدينة (٢). وفي بعض رواياتِ حديثِ عبادة: "فَبِيعُوا الذَّهَبَ بالفِضَّةِ كَيْفَ شِئْتُمْ، والبُرَّ بالشَّعيرِ كَيْفَ شِئْتُمْ"، وصححها التِّرمذيُّ (٣). * ثم اختلف أهلُ العلم. - فمنهم من قَصَرَ صِنْفَيِ الربا الفَضْل والنسيئة على هذه الأعيان الستة، ولم يُلْحِقْ بها غيرَها، فمهما اتفقَ الجنسان، حَرُمَ الفضلُ والنسيئةُ، ومهما اختلف الجنسانِ، حَرُمَ النسيئةُ، وجازَ الفضلُ. وبهذا قال أهلُ الظاهر (٤)، وذلك لمنعهم القولَ بالقياس.

стр. 599

- وذهب الجمهورُ إلى إلحاق غيرها بها (١)، فنظروا في الأعيانِ الستةِ، فوجدوها ترجعُ إلى شيئين: نَقْدٍ وغيرِ نقدٍ. واختلفوا في عِلَّةِ النقدين. - فذهبَ مالك والشافعيُّ إلى أن علةَ صِنْفي الربا فيهما كونُهما قيمَ الأشياء، فمعناهُما قاصر عليهما لا يتعدَّاهما، بل يمنع أن يلحقَ بهما غيرُهما (٢). - وذهب أبو حنيفةَ إلى أن علةَ الربا كونُهما موزونَيْنِ (٣)، فلا يجوز التفاضُلُ ولا النساء في مُتَّحِدِ الصنفِ، كالحديد بالحديد، ولا يجوز النَّساءُ في مختلف الصنف؛ كالحديد بالرصاص وإن جاز التفاضل، إلا في الذهب والفضة مع غيرهما، فإنه يجوز فيهما النَّساء والتفاضُل، لانعقاد الإجماع على جواز إسلامهما في غيرهما من الموزونات، فالمعنى عنده متعدّ، لكنه مخصوصٌ. ثم اختلفوا في علة غيرِ النَّقْد. - فقال سعيدُ بن المسيِّب: لا ربا إلا في ذهب أو فضة، أو ما يكال أو يوزَن ممّا يؤكل أو يشرب (٤)، فجعل العلةَ في النقدين قاصرةً، والعلةَ في غيرهما معتبرةً بوصفين: الطُّعْم مع الكيل أو الوزن.

стр. 600

وبه قال أحمدُ، والشافعيُّ في القديم (١). - وقال الشافعي في الجديد: العِلَّةُ لِصِنْفَي الربا من الفَضْلِ والنسيئةِ، وَصْفٌ واحدٌ، وهو الطُّعْمُ فقط (٢)، فتعدَّتْ علتُه إلى المطعوم الذي لا يُكال ولا يوزن، واستدل بقوله ﷺ : "لا تَبيعُوا الطَّعامَ بالطَّعامِ إلا مِثْلًا بمِثْل" (٣)، فعلق الحكم باسم الطعام، فدل على أنه علَّة الحكم. - وقال أبو حنيفة: العلة لصنفي الربا وَصْفٌ واحدٌ، وهو الكَيْلُ (٤). ويدل له ما روي في حديث عبادة -رضي الله تعالى عنه-: "والبُرَّ بالبُرِّ كَيْلًا بِكَيْلٍ، والشَّعيرَ بالشَّعيرِ كَيْلًا بكَيْلٍ" (٥) وقولُ عمرَ -رضي الله تعالى عنه-: الدينارُ بالدينارِ، والدرهُم بالدرهمِ، والصَّاعُ بالصَّاع (٦). - وأما مالكٌ، فجعل الطُّعْمَ عِلَّةً لتحريم النَّساء، وجعلَ القوتَ والادِّخارَ علةً للتفاضُل، فإذا اتحد الصنفُ المُقتاتُ، حَرُمَ فيه صِنْف الربا من الفَضْل والنسيئة، وإذا اختلفا، جاز فيه (٧) التفاضلُ، وحَرُمَ النَّساءُ، وإذا اتَّحَدَ الصنفُ من المطعومِ غيرِ المُقْتاتِ كالفاكهة، حَرُمَ النَّساءُ، وجازَ التفاضُلُ (٨).
следующие страницы →