← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 14827

تيسير البيان لأحكام القرآن

ابن نور الدين

Полный текст (1 649 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وروي عن أبي الجَوزاء، عن ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-: أنه قال: كنت أُفتي بذلك حتى حدثني أبو سعيدٍ عن النبيِّ ﷺ ينهى (١) عنه، فأنا أنهاكم عنه (٢). وكذلك رجعَ ابنُ عمرَ -رضيَ الله تعالى عنهما (٣). والذي عليه أمرُ الصحابةِ وسائرِ السَّلَف، واستقرَّ عليه أمرُ المسلمين تحريمُ رِبا الفَضل (٤)؛ لثبوتِ ذلك عن رسول الله ﷺ من رواية عمر، وأبي سعيد الخدريِّ، وعثمانَ، وأبي هريرةَ، وأبي الدرداء، وعبادةَ بنِ الصامت، وغيرهم -رضي الله تعالى عنهم-. روينا في "صحيح مسلم" عن أبي الأشعث الصَّنعْانيِّ قال: كُنا في غَزاةٍ علينا معاويةُ، فأصبنا ذهبًا وفضةً، فأمر معاويةُ رجلًا أن يبيعَها الناسَ في

стр. 597

أعطانهم (١)، فتسارع الناس فيها، فقام عُبادةُ بنُ الصامتِ، فنهاهم، فردُّوها، فأتى الرجلُ مُعاوية، فشكا إليه، فقامَ معاويةُ خطيبًا، فقال: ما بالُ رجالٍ يحدِّثونَ عن رسول الله ﷺ أحاديثَ يكذبون عليه فيها، ولم يسمعوها؟ فقامَ عبادةُ فقال: والله لنحَدِّثَنَّ (٢) عن رسولِ الله ﷺ ، وإن كرهَ معاوية، قال (٣) رسولُ الله ﷺ : "لا تَبيعوا الذَّهَبَ بالذَّهَبِ، ولا الفِضَّةَ بالفضَّةِ، ولا البُرَّ بالبُرِّ، ولا الشَّعيرَ بالشَّعيرِ، ولا التَّمْرَ بالتَّمْرِ، ولا المِلْحَ بالمِلْحِ إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ، سَواءً بِسَواءً"، وفي بعض الروايات: "يَدًا بيِدٍ، عَيْنًا بِعيْنٍ"، وفي بعض الروايات: "فَمَنْ زادَ أَوِ اسْتَزادَ فَقَدْ أَرْبى"، وفي بعض رواياته: "فَإِنِ اخْتَلَفَتْ هذهِ الأصنافُ (٤)، فَبيعُوا كيفَ شِئْتمُ، إذا كانَ يَدًا بِيدَ" (٥). فنصّ في حديث عبادة -رضي الله تعالى عنه- على ستة أعيان، فحرم فيها النَّساءَ تحريمًا مطلقًا، وحرم فيها التفاضُلَ إذا اتفقَ الجنسانِ، وأحلَّه إذا اختلف الجِنْسان. وعلى هذا اتفق أهلُ العلم، إلا ما حكيَ عن ابنِ عُلَيَّةَ أنه قال: إذا اختلفَ الصِّنفانِ، جاز التفاضُلُ والنسيئةُ، ما عدا الذهبَ والفضةَ في النسيئة (٦).

стр. 598

وقد اتفق أهلُ العلم على العمل بحديث عبادةَ، إلا ما ذهب إليه مالكٌ، والليثُ، والأوزاعيُّ، ومعظمُ علماءِ المدينة والشام: أن البُرَّ والشعيرَ جنسٌ واحدُ، فلا يجوز فيهما التفاضُلُ (١). واحتج بعَمَل أهل المدينة (٢). وفي بعض رواياتِ حديثِ عبادة: "فَبِيعُوا الذَّهَبَ بالفِضَّةِ كَيْفَ شِئْتُمْ، والبُرَّ بالشَّعيرِ كَيْفَ شِئْتُمْ"، وصححها التِّرمذيُّ (٣). * ثم اختلف أهلُ العلم. - فمنهم من قَصَرَ صِنْفَيِ الربا الفَضْل والنسيئة على هذه الأعيان الستة، ولم يُلْحِقْ بها غيرَها، فمهما اتفقَ الجنسان، حَرُمَ الفضلُ والنسيئةُ، ومهما اختلف الجنسانِ، حَرُمَ النسيئةُ، وجازَ الفضلُ. وبهذا قال أهلُ الظاهر (٤)، وذلك لمنعهم القولَ بالقياس.

стр. 599

- وذهب الجمهورُ إلى إلحاق غيرها بها (١)، فنظروا في الأعيانِ الستةِ، فوجدوها ترجعُ إلى شيئين: نَقْدٍ وغيرِ نقدٍ. واختلفوا في عِلَّةِ النقدين. - فذهبَ مالك والشافعيُّ إلى أن علةَ صِنْفي الربا فيهما كونُهما قيمَ الأشياء، فمعناهُما قاصر عليهما لا يتعدَّاهما، بل يمنع أن يلحقَ بهما غيرُهما (٢). - وذهب أبو حنيفةَ إلى أن علةَ الربا كونُهما موزونَيْنِ (٣)، فلا يجوز التفاضُلُ ولا النساء في مُتَّحِدِ الصنفِ، كالحديد بالحديد، ولا يجوز النَّساءُ في مختلف الصنف؛ كالحديد بالرصاص وإن جاز التفاضل، إلا في الذهب والفضة مع غيرهما، فإنه يجوز فيهما النَّساء والتفاضُل، لانعقاد الإجماع على جواز إسلامهما في غيرهما من الموزونات، فالمعنى عنده متعدّ، لكنه مخصوصٌ. ثم اختلفوا في علة غيرِ النَّقْد. - فقال سعيدُ بن المسيِّب: لا ربا إلا في ذهب أو فضة، أو ما يكال أو يوزَن ممّا يؤكل أو يشرب (٤)، فجعل العلةَ في النقدين قاصرةً، والعلةَ في غيرهما معتبرةً بوصفين: الطُّعْم مع الكيل أو الوزن.

стр. 600

وبه قال أحمدُ، والشافعيُّ في القديم (١). - وقال الشافعي في الجديد: العِلَّةُ لِصِنْفَي الربا من الفَضْلِ والنسيئةِ، وَصْفٌ واحدٌ، وهو الطُّعْمُ فقط (٢)، فتعدَّتْ علتُه إلى المطعوم الذي لا يُكال ولا يوزن، واستدل بقوله ﷺ : "لا تَبيعُوا الطَّعامَ بالطَّعامِ إلا مِثْلًا بمِثْل" (٣)، فعلق الحكم باسم الطعام، فدل على أنه علَّة الحكم. - وقال أبو حنيفة: العلة لصنفي الربا وَصْفٌ واحدٌ، وهو الكَيْلُ (٤). ويدل له ما روي في حديث عبادة -رضي الله تعالى عنه-: "والبُرَّ بالبُرِّ كَيْلًا بِكَيْلٍ، والشَّعيرَ بالشَّعيرِ كَيْلًا بكَيْلٍ" (٥) وقولُ عمرَ -رضي الله تعالى عنه-: الدينارُ بالدينارِ، والدرهُم بالدرهمِ، والصَّاعُ بالصَّاع (٦). - وأما مالكٌ، فجعل الطُّعْمَ عِلَّةً لتحريم النَّساء، وجعلَ القوتَ والادِّخارَ علةً للتفاضُل، فإذا اتحد الصنفُ المُقتاتُ، حَرُمَ فيه صِنْف الربا من الفَضْل والنسيئة، وإذا اختلفا، جاز فيه (٧) التفاضلُ، وحَرُمَ النَّساءُ، وإذا اتَّحَدَ الصنفُ من المطعومِ غيرِ المُقْتاتِ كالفاكهة، حَرُمَ النَّساءُ، وجازَ التفاضُلُ (٨).

стр. 601

ولم يتبين (١) لي دليلُ التفرقة بين صِنْفَي الربا (٢). * وبيَّنَ النبيُّ ﷺ أن التفرُّقَ من المجلس قبل القَبْض في معنى (٣) النَّساء. روينا في "صحيح البخاري ومسلم" عن عمرَ بنِ الخطابِ -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : "الذَّهَبُ بالوَرِقِ رِبًا، إلا هاء وهاء، والبُرُّ بالبرِّ ربًا، إلا هاءَ وهاءَ، والشَّعيرُ بالشَّعير رِبًا، إلا هاءَ وهاءَ" (٤).

стр. 602

واقتصرت على هذا القدر، فإنه كافٍ في معرفة أصول الربا، وهو اللائق بكتابي هذا. * وفي الآية دليل على أن من استحل ما حَرَّمَ اللهُ سبحانه ممَّا اتفقتْ عليه الأمةُ، وشاع تحريمُه فيها: أنه يكفُر بذلك (١)، وهو قوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. ولا يخلد في النار إلا من هو كافرٌ (٢). * وفيها دليل على أنه إذا استحل ذلك جاهلًا، فلا يَكْفُر؛ فإن الخطابَ يدلُّ على أن من لم تأتِهِ موعظةٌ من ربه، فلا حَرَجَ عليه. * * *

стр. 603

(وجوبُ تركِ التَّعامُل بالرِّبا) ٥٤ - (٥٤) قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨]. * المراد بالربا هنا هو ربا الجاهلية. روى جابرٌ -رضي الله تعالى عنه-: أن النبيَّ ﷺ قال في خطبته بعرفات: "وربا الجاهِليةِ مَوْضوعٌ، وأَوَّلُ رِبًا أضعُه رِبا العَبَّاسِ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ، فإنَّهُ مَوْضوعٌ كلُّه" (١). وكان من ربا الجاهلية أن يكونَ للرجل على الرجل الدَّيْنُ، فَيَحُلُّ الدَّيْنُ، فيقولُ له صاحبُ الدَّيْنِ: تقضيني (٢) أو تُرْبي؟ فإنْ أَخَّرَه، زاد عليه وأَخَّرَهُ (٣)، فَأبطلهَ اللهُ سبحانه، وردَّ الناسَ إلى رؤوس أموالهم، فإن كانت باقية بعينها أخذوها، وإن كانت تالفةً أخذوا من الغريم عِوَضَها إن كان موسِرًا، وإن كان ذا عُسْرَةٍ وجب إنظارهُ إلى مَيْسَرَةٍ، وحَرُمَ مطالبتُه وملازمته

стр. 604

البَتَّة (١)، والصَّدَقَةُ أفضلُ من الصَّبْر، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٠]. وقد اتفق المسلمون على إبطال هذا الربا كما أبطله اللهُ سبحانه (٢)، وأنا أظنه أنه المَعْنِيُّ بقوله ﷺ : "إنَّما الرِّبا النَّسِيئةُ" (٣)؛ أي: معظمُ الرِّبا وأَغْلَظُه (٤)؛ كقوله ﷺ : "الحَجُّ عَرَفَةُ" (٥). ونكتةُ التحريمِ أنَّ المُرْبيَ جعلَ للزمانِ عِوَضًا منَ المالِ، فَحَرَّمَ الشرعُ أن يُقابَلَ الزمانُ بعوضٍ في عَقْدٍ ابتداءً، وإن جازَ أن يُقابل به تَبَعًا؛ كما إذا باعه سِلْعةً تساوي ألفًا ناجزًا بألفين نَسيئةً (٦).

стр. 605

* واختلفَ أهلُ العلم في قول المديونِ لصاحبِ المالِ: ضَعْ من مالِك، وتعجل قبل الأَجَلِ. - فمنعه قومٌ؛ لأنه جعلَ للزمانِ عوَضًا من المال، فهو كما لو أَخَّرَ عليه الأجلَ، وزادَه في المال. وجوَّزه ابنُ عباس -رضي الله تعالى عنهما-، ومالكٌ، وزُفَرُ، وبعضُ الشافعية (١). واحتجوا بما روى ابنُ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-: أن النبيَّ ﷺ لما أَمَر بإخراج بني النَّضيرِ، جاء ناس منهم فقالوا: يا نبيَّ الله! إنك أمرتَ بإخراجِنا، ولنا على الناس ديونٌ لم تَحُلَّ، فقال رسول الله ﷺ : "ضَعُوا وتَعَجَّلُوا" (٢). * * *

стр. 606

(المُداينة) ٥٥ - (٥٥) قولُه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)﴾ [البقرة: ٢٨٢]. أقول: * أحَلَّ اللهُ سبحانَهُ المُدايَنَةَ إلى أَجَل مُسَمًّى. والمداينةُ من الدَّيْنِ المُفاعَلَة (١)، وهي اسمٌ لكل دَيْنٍ في الذِّمَّةِ، فيدخلُ

стр. 607

في ذلك بيعُ السِّلْعَةِ المُعَيَّنَةِ بثمنٍ إلى أجلٍ مُسَمًّى، وبيعُ السلعةِ في الذمةِ إلى أجل مُسَمًّى، وهو السَّلَمُ والسَّلَفُ (١). وقد بين ابنُ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-: أنه (٢) مرادُ الله سبحانه، فقال: أشهدُ أن السَّلَفَ المضمونَ إلى أجل مُسَمًّى قد أحلَّه اللهُ في كتابه، وأَذِنَ فيه، ثم قرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٣) [البقرة: ٢٨٢].

стр. 608

* وقد اتفقَ على جواز السَّلَمِ جميعُ أهلِ العلم (١)؛ لثبوته عن رسول الله ﷺ . روى ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-: أن النبيَّ ﷺ قدم المدينة، وهم يُسْلِفون في التَّمْرِ السنةَ والسنتينِ، وربما قال: السنتينِ والثلاثَ، فقال: "مَنْ أَسْلَفَ فَلْيُسْلِفْ في كَيْلٍ مَعلوم ووَزْنٍ مَعْلومٍ إلى أَجَلٍ مَعْلومٍ" (٢). فإن قيل: فقد قال النبيُّ ﷺ لحَكيم بنِ حزامٍ: "لا تَبعْ ما لَيْسَ عِنْدَكَ" (٣). قلنا (٤): يحتمل أن يكون المعنى: لا تبعْ ما ليس عندك، أي: ما ليسَ مُلْكَكَ، ويحتمل أن يكونَ المعنى: ما ليس عندك، أي: ما كان غائبًا عنك؛ مِمَّا ليسَ يُسْلَمُ (٥)، ويكون الحديثُ مرتبًا على الآية، ومخصوصًا بها.

стр. 609

وبيَّن النَّبي ﷺ أنه يجبُ إحضار الثمنِ (١) المُسْلَفِ، فنهى عن بيع الكالِئِ بالكالِئِ (٢)، وعلى هذا أيضًا أجمعَ أهلُ العلم (٣). * وفي الآية تنبيهٌ على أنه لا يجوز المداينةُ إلا إلى أجل مُسَمًّى، فأما الأجلُ المجهولُ، فلا يُكْتَبُ؛ لعدم صِحَّته؛ لما فيه من الغَرَرِ العظيم، وعلى هذا اتفق أهلُ العلم (٤). * وإنَّما اختلفوا في التوقيتِ بالأوقاتِ المعلومةِ الوقتِ، المجهولةِ المقدارِ (٥)؛كالتأجيل بالحَصاد والعَطاء والمَوْسم، فمنعه أبو حنيفةَ والشافعيُّ (٦)، وجَوَّزَه مالكٌ (٧)، ورأى غَرَرَهُ يسيرًا؛ كنقصان الشهور.

стр. 610

* وأمر الله سبحانه بكتابةِ الدين إلى أجل مُسَمّى: ١ - فتركه قومٌ على ظاهره، وحملوه على الوجوب والحَتْم، فيجب (١) على من له أو عليه الدين أن يكتبَهُ إذا وجدَ كاتبًا، وأن يُشْهِدَ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ولقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فلما رخَّص في ترك (٢) الكتابة عند حضورِ التجارةِ برفع الجُناح، دلَّ على أن الأمر على الحَتْم (٣). ثم اختلف هؤلاء: فقال قومٌ: الحتمُ منسوخ بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، وحكى هذا مَكِّيُّ بنُ أبي طالبٍ عن الحسنِ والحكمِ والشعبيّ ومالك (٤). وروي أن أبا سعيد الخدريَّ تلا: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ حتى بلغ: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [البقرة: ٢٨٢ - ٢٨٣] الآية، فقال: هذه الآيةُ نسختْ ما قبلها (٥).

стр. 611

- وقال قومٌ: الأمرُ محكَمٌ غيرُ منسوخ بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾؛ لأنه إنما ذلك عندَ عدمِ الكاتبِ والشهودِ في السفر. وحكى هذا القولَ مكيُّ بنُ أبي طالبٍ عن ابنِ عمرَ، وابن عباسٍ، وأبي موسى، وابنِ سيرينَ، وأبي قِلابةَ، والضحاكِ، ومجاهدٍ، والشعبيِّ، وبه قال داودُ والطبريُّ (١). ٢ - وقال أكثر أهل العلم: الكتابةُ والإشهادُ بالدَّيْنِ غيرُ واجبَيْن، ورُوِي (٢) عن ابن عباس أيضًا، والأمر في ذلك على النَّدْبِ والإرشادِ (٣). والدليلُ على ذلكَ: قولهُ تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾، وهذا إرشاد إلى دفع التظالم، وحفظ المال، وعدم الرِّيْبَةِ في حفظِه بالشهادةِ، وتقويم الشهادة على وجهها، وقوله تعالى:

стр. 612

﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾. والجوابُ عَمّا قاله الأولون (١): أن الأمر بالرهن عند عدم الإشهاد محمولٌ على الندب والإرشاد أيضًا لأصحاب الأموال إلى حفظ أموالهم، فهو كالكتابة (٢)، وأما حصولُ الجُناح إذا لم يُكْتَبْ، فليس على حقيقته، بل قد يُستعمل الجُناح في تركِ قبول الإرشاد (٣)، كما يقول القائل: إن قبلتَ مشورتي فلا جناح عليك، ومفهومه إنْ تركتَ قبولَها فعليك الجُناح. فإن قلتم: هل (٤) نجد على هذا دليلًا من السُّنَةِ غيرَ هذا؟ قلت: نعم، روي أن النبيَّ ﷺ ابتاعَ فَرَسًا من أعرابيٍّ، فاستتبعَهُ النبيُّ ﷺ ليقضيَه ثمنَ فرسِه، فأسرعَ رسولُ الله ﷺ ، وأبطأ الأعرابي، فطفقَ رجالٌ يتعرَّضونَ للأعرابيِّ، فيساومونه بالفَرَسِ، لا يشعرون أن النبي ﷺ ابتاعه، فنادى الأعرابي النبي ﷺ ، فقال: إن كنتَ مُبتاعًا هذا الفرسَ، وإلا

стр. 613

بعتُهُ، فقال (١) النبيُّ ﷺ : "أَوَليسَ قَدِ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ؟ "، فقال الأعرابي: لا واللهِ ما بعتُكهُ، فقال النبيُّ ﷺ : "بَلْ قَدِ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ"، فطفق الأعرابيُّ يقول: هَلُمَّ شهيدًا، فقال خُزَيْمَةُ: أنا أشهد أنكَ قد بايعته، فأقبل النبيُّ ﷺ على خزيمةَ وقال: "بمَ تَشْهَدُ؟ " فقال: بتصديقك يا رسول الله! فجعلَ رسولُ الله ﷺ شهادةَ خُزَيْمَةَ شهادَةَ رجلين (٢). فلو كان الإشهادُ واجبًا، لما بايع رسولُ الله ﷺ من غيرِ شهود، ولَبَيَّنَ ذلك بفعله. * ثم كرر اللهُ سبحانه الأمرَ بالكتابة، ونهى الكاتبَ عن الامتناع من أن يكتبَ كما علَّمه الله، فقال: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾. ولا يخفى أن القيامَ بالكتابة للصُّكوك وحفظ الحقوق فرضٌ على الكفاية؛ كالقيام بالشهادة (٣)، وقد جعلها الله سبحانه قرينةً للشهادة، وإن

стр. 614

كانتِ الشهادةُ آكَدَ؛ بدليل شَرْطِيتِها في النِّكاح، وبأنه يجبُ على الحاكم الإشهادُ بما تقرر عنده من الحقّ. * وفي وجوبِ الكتابة خلافٌ، والأَصَحُّ عند الشافعية عدمُ الوجوب (١). * وأوجب اللهُ سبحانَه على الكاتبِ العدلَ فيما يكتبُ (٢)، وبيَّنَ اللهُ سبحانه طريقَ العدل، فأمر الرشيدَ الكاملَ أن يُمْلِيَ بنفسِه ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾، وأمر الوليَّ أن يُمِلَّ عن المُوَلَّى عليه إذا كان سفيهًا مبذِّرًا مفسِدًا للمال، أو ضعيفًا غبيًّا أَحْمَقَ، أو لا يستطيع الإملاء؛ لجنونٍ أو صِغَرٍ أو عِيٍّ (٣)، وأقام القَيِّمَ عليهم مقامَهم.

стр. 615

* وهذا الخطابُ ظاهرٌ في أن السفيهَ الذي لا يصلح للمال يكونُ أَمْرُهُ إلى وَلِيِّه، وأنه يَرِدُ عليه الحَجْرُ بعدَ البلوغ، إما ابتداءً، أو دواما مع حَجْر الصِّبا. وبهذا قال مالك والشافعيُّ، وهو قولُ ابنِ عباس وابنِ الزبير -رضي الله تعالى عنهم (١). وذهب أبو حنيفةَ وجماعةٌ من أهل العراق إلى أنه لا يبتدأ عليه الحَجْرُ بعدَ البلوغ رشيدًا، وإن بذَّرَ (٢).

стр. 616

واستدلوا بحديث حَبَّان بنِ مُنْقِذٍ، وكان يُخْدَعُ في البيع والشراء، فقال له رسول الله ﷺ : "قُلْ: لا خِلابةَ، وأَنْتَ بالخِيار ثَلاثًا" (١)، ولم يمنعْه من التصرُّف (٢). وسيأتي الكلام على استدامةِ الحَجْر على السفيه في أوائل "سورة النساء" -إن شاء الله تعالى-. * ثم أمرنا الله سبحانه بالاستشهاد (٣)، وبيَّنَ لنا صفتَهُ، فقال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾. وقد اشتملت هذه الجملة على ثمانِ مسائلَ: الأولى: الأمرُ بالاستشهاد (٤)، هل هو على الوجوب والحَتْم، أو على النَّدْبِ والإِرشاد؟ فيه ما مضى من الاختلاف في الكتابة. الثانية: تخصيصُ الشهادةِ برجالنا يقتضي أنه لا يجوزُ شهادةُ غيرِ رجالنا. * وقد اتفقَ أهلُ العلم على أن شهادةَ الكافر غيرُ جائزة في الديونِ والمعاملاتِ (٥).

стр. 617

لكنهم اختلفوا في جوازِ شهادةِ أهل الذمَّةِ على مثلهم. فأجازها شُرَيْحٌ القاضي، ويروى عن عليٍّ -رضي الله تعالى عنه- (١). وكذلك (٢) اختلفوا في قبولها في حقِّ المسلمين في الوصية في السفر خاصَّةً، وسيأتي ذكرُ ذلك في آخر "سورة المائدة" -إن شاء الله تعالى-. الثالثة: تخصيصُ الشهادة بالرجال، يقتضي أن الصبيانَ لا تجوزُ شهادتُهم. وعلى هذا اتفق أهل العلم إلَّا (٣) في شهادةِ بعضِهم على بعضٍ في القتلِ والجراح. فإن ابن الزبير أجازه (٤) ما لم يتفرقوا، وبه قال قومٌ من التابعين، وإليه ذهب مالكٌ (٥).

стр. 618

وردها ابنُ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-، روى ابنُ أبي مُلَيْكَةَ، عنِ ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما- في شهادةِ الصبيان لا تجوز؛ لأن الله سبحانه يقول: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (١)، وبهذا أخذ الشافعيُّ -رضي الله تعالى عنه- (٢). الرابعة: تخصيص الشهادة بالمَرْضِيِّ من الشهداء يقتضي أنه لا يجوز غيرُه. * وقد أجمع أهل العلم على قبول شهادة العدلِ؛ لهذه الآية، ولقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وعلى ردِّ شهادة الفاسق (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]. * وإنما اختلفوا في تفصيل العدالة. - فذهب الجمهورُ إلى أنها امتثالُ أوامرِ الله ، واجتنابِ نواهيه (٤).

стр. 619

- وذهب أبو حنيفةَ إلى أنها ظاهرُ الإسلامِ ما لم يُعْلَمْ جَرْحُه وفِسْقُهُ (١). وهو محجوج بهذه الآية؛ لأن الله سبحانه شرطَ في الشهيدين من رجالِنا أن يكونا ممَّنْ نرضاهُما، والرضا صفةٌ زائدةٌ عليهما، فلا بدَّ من اشتراطها (٢)، ثم ناقض أبو حنيفةَ أصلَه، وجَوَّزَ انعقادَ النكاحِ بشهادة الفاسِقَيْن (٣)، وكان هذا أولى بعدم الجواز (٤). الخامسة: تخصيصُ الشهادةِ بالرجلين، أو المرأتين مع الرجل يقتضي حَصْرَ الحُجَّةِ في ذلك، وأن اليمينَ مع الرجل الواحد لا يقوم بها الحقُّ.

стр. 620

وبهذا قال أبو حنيفةَ وأصحابُه، والثوريُّ، والنخعيُّ، والأوزاعيُّ، والزهريُّ، والحَكَمُ، والليثُ، وأهلُ الأندلس من أصحاب مالكٍ، فلا يحكم بالشاهد واليمين عندهم في شيء (١). وعُمْدَتُهم هذا التقسيمُ المُؤْذِنُ بالحصر. وما خرَّجه البخاريُّ ومسلم عن الأشعثِ قال: كان بيني وبين رجلٍ خصومةٌ في شيء فاختصمنا إلى النبيِّ ﷺ ، فقال: "شاهِداكَ أو يَمينُهُ"، فقلت: إذًا يحلفُ ولا يبالي، فقالَ النبيُّ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ على يمينٍ يَسْتَحِق بِها مالًا، وهُوَ فاجِر، لقيَ اللهَ وهُوَ عَلَيْهِ غضْبانُ" (٢). قالوا: ولا يجوزُ عليه ﷺ ألاَّ يستوفي أقسامَ الحُجَّةِ للمدَّعي؛ لأنه وقتُ البيان (٣). - وذهبَ جمهورُ أهلِ العلم من الصحابة والتابعين إلى إثبات الحقِّ

стр. 621

بالشاهدِ واليمينِ في المال، وما يقصد به المالُ، فقال به أبو بكرٍ، وعليّ، وعمرُ بنُ عبد العزيز، وفقهاءُ المدينة، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأحمدُ، وأبو ثورٍ، وسائرُ فقهاء الحجاز (١). واستدلُوا بحديثِ ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما- المُخَرَّجُ في "صحيح مسلم": أن رسولَ الله ﷺ قضى باليمين مع الشاهد (٢). وبما أرسله جعفرُ بنُ محمدٍ عن أبيه: أن رسولَ الله ﷺ قضى باليمين مع الشاهد (٣). * ثم اختلف مالكٌ والشافعيُّ في القضاء باليمين مع الامرأتين: فجوزه مالكٌ؛ لأنهما قد أقيمتا (٤) مقام الرجل الواحد (٥)، ومنعه الشافعيُّ (٦)، ورأى أنهما إنما أقيما مقامَ رجلٍ آخرَ؛ بدليل أنَّ الأربعَ لم يقمن مقامَ الرجلين (٧).

стр. 622

* فإن قيل: فترتيبُ المرأتين على الرجلين يقتضي أنه لا يجوزُ شهادةُ النساء إلا بعد عَدَمِ الرجال. قلت: قد قال بذلك قومٌ، والحقُّ الذي عليه الجمهورُ أن الشرطَ للتقسيم لا للترتيب، والمعنى: فإن لم تستشهدوا رجلين، فلتستشهدوا رجلًا وامرأتين، فقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ﴾، ولم يقل: فإن لم تجدوا، ولو كان الترتيب مرادًا لقال: فإنْ لم تجدوا (١). * فإن قيل: إذا كان الشرطُ لبيان التقسيمِ لا للترتيب، فيجب ألَّا تكون حجة الرجلين أقوى من حُجَّةِ رجل وامرأتين. قلت: الأمرُ كذلك على المذهبِ الصحيح عند الشافعية (٢)، لأنهما حجتان مذكورتان في كتابِ الله ﷻ ، فلم تُسْقِط إحداهما الأخرى، بخلاف حجة اليمين مع الشاهد مع حجة الشاهدين، فإن حجة الشاهدين أقوى وأقدم؛ لذكرها في كتاب الله تعالى، والإجماع عليها دون الأخرى (٣).

стр. 623

السادسة: تعميم الخِطاب يقتضي أن العبيدَ تُقبل شهادتُهم، وبه قال محمدُ بنُ سيرين، وشُرَيْحٌ، وأهلُ الظاهر (١)؛ كما قالوا بدخول العبيدِ (٢) في خطاب الأحرار. وروى ابنُ المنذر قبولَ شهادة العبيد (٣) عن عليٍّ -رضي الله تعالى عنه- (٤). وقاله أنسُ بن مالكٍ، وقال: ما علمتُ أحدًا ردَّ شهادةَ العبيد (٥). والجمهورُ؛ كمجاهدٍ، والحسنِ، والنخعيِّ، والزهريّ، وعطاءٍ، وسائرِ فقهاءِ الأمصار على خلافهم، وروي عن علي -رضي الله تعالى عنه- (٦).

стр. 624

السابعة: تعميمُ الخطاب يقتضي قبولَ شهادة العدل معَ قيام التهمة؛ كشهادة الوالدِ لولده، والعدوِّ على عدوه، وبالتعميمِ قال داودُ، وأبو ثورٍ، وشريحٌ القاضي، فقبلوا شهادةَ الوالدِ لولدهِ (١)، والجمهورُ على خلافهم (٢). * نعم اختلفوا في شهادةِ العدوِّ على عدوِّه، فقبلها أبو حنيفةَ (٣)، وردَّها مالكٌ والشافعيُّ (٤)؛ لما روى عمرُو بنُ شُعيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّهِ: أنَّ رسولَ الله ﷺ ردَّ شهادةَ الخائنِ والخائنةِ، وذي الغِمْرِ (٥) على أخيهِ (٦).

стр. 625

* واختلفوا في شهادةِ أحدِ الزوجين لصاحبه، فردَّها مالكٌ وأبو حنيفةَ (١)، وقبلها الشافعيُّ (٢). * وأجاز قومٌ شهادةَ الزوجِ لزوجته (٣)، ومنعوا شهادتَها له، وبه قال النخعي (٤). الثامنة: وَرَدَ تحديدُ نصابِ الشهود في الزنا بأربعة في غير موضع من كتاب الله تعالى. وورد تحديدُه في التحليل والتحريم فيما لا مال فيه ولا يقصدُ به المالُ شاهدين، فقال تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وعنه ﷺ : "لا نِكاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ وشاهِدَيْ عَدْلٍ" (٥).

стр. 626

وورد تحديدهُ هنا برجلين، أو رجل وامرأتين، فالحق به أهلُ العلم كلَّ ما كانَ من بابِ الأموال (١)، حتى ألحق بها الجمهور إثباتَ القتلِ (٢)، وألحقَهُ الحسنُ بالزنا، وجعلَ النصابَ فيه أربعةً (٣). ومنع (٤) الجمهورُ أن تُلحقَ الحدودُ بالمداينات (٥)، وجوَّزها أهلُ الظاهر (٦). فإن قلتم: فقد جعل الله سبحانه النصابَ في الوصية شاهدين (٧)، وهو

стр. 627

يقتضي المعارضةَ لآيةِ المداينات. قلت: لا تعارضَ بينهما؛ لأنها في إثبات الوصاية والولاية، وهي ليست من جنسِ الأموال والمداينات، ولأن آية الوصية نزلت في أمر مخصوص، وسيأتي الكلام عليها هنالك -إن شاء الله تعالى-. * ثم أجمع أهل العلم على أن شهادة النساء وحدهُنَّ في الولادةِ وعيوبِ النساء جائزةٌ (١). وإنما اختلفوا في نصابهنَّ، فقال الجمهورُ: أربعُ نسوة (٢)، وأجاز بعضُهم شهادةَ المرأة وحدَها، واحتجَّ بأن علياً -رضي الله تعالى عنه- قبل شهادة القابلة وحدَها (٣) (٤)، ورُدَّ بأنه أثرٌ غيرُ ثابت عندَ أهل النقل. * قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾. - يحتمل أن يكون المرادُ إذا ما دُعوا لتحمُّل الشهادة؛ كقوله تعالى:

стр. 628

﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾، وسُمُّوا شهداء تجوُّزًا باسمِ ما يؤولون إليه. والتحمُّل فرضٌ على الكفاية، فيجب (١) على المسلمين أن يتحمَّلوا الشهادة، فإن أَبَوا ذلك كلُّهم أَثِموا (٢). - يحتمل أن يكون المراد: إذا ما دُعوا لأداءِ الشهادة، وذلك فرضُ عينٍ إذا كانوا اثنين (٣)، وسُمُّوا شهداءَ على سبيلِ الحقيقة. قال الشافعي: وهذا أشبه معانيه (٤)، والله أعلم. - ويحتمل أيضًا أن يريد المعنيين جميعًا، ويكون منْ بابِ حمل المُشْتَرَكِ على جميع معانيه. قال الحسن: جمعت هذه الآيةُ أمرين، وهُمَا: أَلَّا تأبى إذا دعيتَ إلى تحصيلِ الشهادة، ولا إذا دُعيتَ إلى أدائها، وقد حصلت عندك (٥). وأسند النَّقاشُ هذا التفسيرَ إلى النبي ﷺ (٦). * قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ

стр. 629

أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾، فيه دليل على أن الرجل لا يُرجع في الشهادة إلى خَطِّهِ ويُعتمدُ عليه إلَّا إذا تَيَقَّنَهُ، ولم يَرْتَبْ فيه؛ لأن الله سبحانه إنما ندب إلى الكتاب لإقامة الشهادةِ ودفعِ الرِّيْبَةِ. وعلى هذا جمهورُ أهل العلم. قال ابنُ المنذر: أكثرُ مَنْ نحفظُ عنه من أهلِ العلم يمنعُ أن يشهدَ الشاهدُ على خَطِّهِ إذا لم يذكر الشهادة (١). وذهب مالكٌ إلى جواز الشهادة اعتمادًا على الخَطّ (٢). وروى ابن المبارك عن مَعمرٍ، عن ابنِ طاوس، عن أبيه: في الرجل يشهد على شهادة، فينساها، قال: لا بأس أن يشهد إن وجدَ علامتَهُ في الصَّكِّ، أو خطَّ يده، واستحسنه ابنُ المبارك (٣). * قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾، رفع الله سبحانه عنا الجُناح في هذه الآية إذا كانتِ الحالةُ هذه، ومفهومُ الخطاب أنَّ علينا الجُناحَ في غيرِ هذه الحالة إذا لم نكتب. وقد قدمتُ الجوابَ عن هذا. * ومفهومُ الخطابِ يقتضي أن التجارةَ الحاضرةَ إذا كانت لا تُدار بيننا؛ كالدُّورِ والضِّياعِ، ألا نتركَ الكتابةَ فيها، وأنها تلحقُ بالدَّيْن، وهو كذلك؛

стр. 630

لما فيه من حفظ الأموالِ والقلوبِ من التشاجرِ والتنازع (١). وروي أن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- كان إذا باعَ بنقدٍ أشهدَ، وإذا باعَ بنسيئةٍ كتب (٢). * قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾. أمر الله سبحانه بالإشهاد عند التبايع مرَّةً أخرى، وفيه ما مضى من الاختلاف. قال عطاء: أَشْهِدْ إذا بعتَ وإذا شَرَيْتَ (٣) بدرهمٍ أو بنصفِ درهمٍ أو بثلثِ درهمٍ (٤). وبه قال داودُ وابنهُ، ويروى عن أبي موسى الأشعري، وابنِ المُسَيِّبِ، والضَّحّاكِ، وجابر بنِ زيدٍ ومُجاهدٍ. وذهب جمهورُ أهلِ العلم إلى (٥) أن الأمرَ للنَّدْبِ والإرشاد، لا للحتم، وقد مضى الدليلُ عليه قريبًا. * ثم نهى الله سبحانه عن مضار الكاتِب والشاهدِ، فقال: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾. فيحتمل أن يكونَ إسنادُ الفعل إليهما حقيقةً، فيكون قد نهى الله سبحانه الكاتبَ والشهيدَ عن المضارَّةِ، وهو أن يزيدَ الكاتبُ في المالِ والأَجَل، أو

стр. 631

ينقصَ منهما، أو أن يمتنع الشاهدُ من إقامةِ الشهادة، أو يشهدَ بما لم يُستشهدْ عليه. وهذا تأويل طاوسٍ، والحسن، وقَتادة، وابنِ زيد (١)، ودليلهُ قراءة عمرَ -رضي الله تعالى عنه-: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ (٢). - وروي عن ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما- في هذه الآية قال: أن يجيء فيدعو الكاتبَ والشهيدَ، فيقولان: إنا على حاجة، فيضارَّ بهما، فقال: قد أُمِرْتما أن تجيبا، فلا يضارهما (٣). وقيل: أن يُكَلَّفا ما لا يَحِلُّ (٤)، ودليله قراءة أُبَيِّ: (ولا يضارَرْ) (٥).

стр. 632

(الرَّهن) ٥٦ - (٥٦) قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. * أمر الله سبحانه بالرَّهْنِ وقَبْضِه عندَ عدمِ الكاتبِ في السفر. وعلى هذا اتفق أهلُ العلم (١). ولكنهم اختلفوا في شَرْطَيِ السفرِ وعَدَمِ الكاتب، هل جاءَ على التغليب؛ فإن السفرَ مَظِنَّةُ عَدَمِ الكاتبِ في الغالبِ، أو جاء على التقييد؟ - فذهب أهلُ الظاهر إلى أنهما للتقييد، ولا يجوز الرهنُ عندَ وجودِ الكاتب، ولا يجوزُ في الحضر (٢).

стр. 633

ويروى اشتراطُ السفر عن مجاهدٍ والضَّحّاك (١). - وخالفهم الجمهورُ في ذلك (٢)، وتمسكوا بما وردَ: أن النبيَّ ﷺ رَهَنَ في الحَضَرِ. وهذا يدلُّ على أنَّ الشرطَ للتغليب، وأنَّ ذِكْرَ هذهِ الخِصال: الكتابةِ والإشهادِ والرهنِ، على سبيل الإرشاد والحَزْمِ، لا على سبيل العَزْمِ، وإلَّا لَما جازَ الرهنُ في الحَضَر. * واتفق أهلُ العلم على اشتراط قبضِ الرهن (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾، فيصحُّ الرهنُ حيثُ يتصورُ القبضُ من المرتهن، ويبطُلُ حيثُ يمتنعُ القبضُ؛ كرهن المُصْحفِ والعبدِ المُسْلِمِ من الكافر (٤)، حتى قال أبو حنيفة: لا يصحُّ رهنُ المَشاع (٥)؛ لأنه لا يتصَوَّرُ عندَه قبضُه، وخالفه الشافعيُّ ومالكٌ (٦).

стр. 634

* ثم اختلفوا في وجه الاشتراط. - فذهب الشافعيُّ وأبو حنيفةَ وغيرُهما إلى أنه شرط في لزومِ الرهنِ وصحتِه (١). - وذهب مالكٌ إلى أن الرهنَ صحيحٌ لازمٌ، ولكنه لا يتمُّ إلا بالقبض، فيُجبر السلطانُ الراهنَ على الإقباض عندَ الامتناع (٢)، وهو خلاف الظاهر. قال الشافعي: لم يجعل الله تعالى الحكم إلا برهن موصوف بالقبض، فإذا عُدمت الصفةُ، وجب أن يعدم الحكم (٣). ثم عمل مالكٌ بظاهر الآية، فأوجب استدامةَ القبضِ، فمتى خرجَ إلى يدِ الراهن بعاريَّةٍ أو غيرها، خرج الرهنُ عن اللزوم (٤). ولم يشترطِ الشافعيُّ استدامةَ القبض (٥).

стр. 635

* ويستنبطُ (١) من الآية أن صاحبَ الدَّينِ إذا لم يكن له شاهدٌ أنه يجوزُ له أخذُ حقِّه من الرهنِ من غيرِ إذن السلطان، سواءٌ كان الرهن من جنس حقِّه، أو من غيرِ جنس حقه؛ إذ هو فائدة الرهن، لا فائدة له في هذا المكان غير الاستيفاء (٢). * إذا تمَّ هذا، فقد ذكر الله سبحانه الرهن في آية المُداينة، ووصله بدين السَّلَم، وألحقَ أهلُ العلم بدين السّلَم كلَّ دينٍ ثابت في الذمة (٣)، إلا أهلَ الظاهر، فإنهم خَصُّوا جوازَ الرهنِ بدين السَّلَم (٤)، وذلك لمنعهم القياس. * * *
следующие страницы →