← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 14827

تيسير البيان لأحكام القرآن

ابن نور الدين

Полный текст (1 649 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

ينقصَ منهما، أو أن يمتنع الشاهدُ من إقامةِ الشهادة، أو يشهدَ بما لم يُستشهدْ عليه. وهذا تأويل طاوسٍ، والحسن، وقَتادة، وابنِ زيد (١)، ودليلهُ قراءة عمرَ -رضي الله تعالى عنه-: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ (٢). - وروي عن ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما- في هذه الآية قال: أن يجيء فيدعو الكاتبَ والشهيدَ، فيقولان: إنا على حاجة، فيضارَّ بهما، فقال: قد أُمِرْتما أن تجيبا، فلا يضارهما (٣). وقيل: أن يُكَلَّفا ما لا يَحِلُّ (٤)، ودليله قراءة أُبَيِّ: (ولا يضارَرْ) (٥).

стр. 632

(الرَّهن) ٥٦ - (٥٦) قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. * أمر الله سبحانه بالرَّهْنِ وقَبْضِه عندَ عدمِ الكاتبِ في السفر. وعلى هذا اتفق أهلُ العلم (١). ولكنهم اختلفوا في شَرْطَيِ السفرِ وعَدَمِ الكاتب، هل جاءَ على التغليب؛ فإن السفرَ مَظِنَّةُ عَدَمِ الكاتبِ في الغالبِ، أو جاء على التقييد؟ - فذهب أهلُ الظاهر إلى أنهما للتقييد، ولا يجوز الرهنُ عندَ وجودِ الكاتب، ولا يجوزُ في الحضر (٢).

стр. 633

ويروى اشتراطُ السفر عن مجاهدٍ والضَّحّاك (١). - وخالفهم الجمهورُ في ذلك (٢)، وتمسكوا بما وردَ: أن النبيَّ ﷺ رَهَنَ في الحَضَرِ. وهذا يدلُّ على أنَّ الشرطَ للتغليب، وأنَّ ذِكْرَ هذهِ الخِصال: الكتابةِ والإشهادِ والرهنِ، على سبيل الإرشاد والحَزْمِ، لا على سبيل العَزْمِ، وإلَّا لَما جازَ الرهنُ في الحَضَر. * واتفق أهلُ العلم على اشتراط قبضِ الرهن (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾، فيصحُّ الرهنُ حيثُ يتصورُ القبضُ من المرتهن، ويبطُلُ حيثُ يمتنعُ القبضُ؛ كرهن المُصْحفِ والعبدِ المُسْلِمِ من الكافر (٤)، حتى قال أبو حنيفة: لا يصحُّ رهنُ المَشاع (٥)؛ لأنه لا يتصَوَّرُ عندَه قبضُه، وخالفه الشافعيُّ ومالكٌ (٦).

стр. 634

* ثم اختلفوا في وجه الاشتراط. - فذهب الشافعيُّ وأبو حنيفةَ وغيرُهما إلى أنه شرط في لزومِ الرهنِ وصحتِه (١). - وذهب مالكٌ إلى أن الرهنَ صحيحٌ لازمٌ، ولكنه لا يتمُّ إلا بالقبض، فيُجبر السلطانُ الراهنَ على الإقباض عندَ الامتناع (٢)، وهو خلاف الظاهر. قال الشافعي: لم يجعل الله تعالى الحكم إلا برهن موصوف بالقبض، فإذا عُدمت الصفةُ، وجب أن يعدم الحكم (٣). ثم عمل مالكٌ بظاهر الآية، فأوجب استدامةَ القبضِ، فمتى خرجَ إلى يدِ الراهن بعاريَّةٍ أو غيرها، خرج الرهنُ عن اللزوم (٤). ولم يشترطِ الشافعيُّ استدامةَ القبض (٥).

стр. 635

* ويستنبطُ (١) من الآية أن صاحبَ الدَّينِ إذا لم يكن له شاهدٌ أنه يجوزُ له أخذُ حقِّه من الرهنِ من غيرِ إذن السلطان، سواءٌ كان الرهن من جنس حقِّه، أو من غيرِ جنس حقه؛ إذ هو فائدة الرهن، لا فائدة له في هذا المكان غير الاستيفاء (٢). * إذا تمَّ هذا، فقد ذكر الله سبحانه الرهن في آية المُداينة، ووصله بدين السَّلَم، وألحقَ أهلُ العلم بدين السّلَم كلَّ دينٍ ثابت في الذمة (٣)، إلا أهلَ الظاهر، فإنهم خَصُّوا جوازَ الرهنِ بدين السَّلَم (٤)، وذلك لمنعهم القياس. * * *

стр. 636

سُورَةُ آلَ عِمْرَانَ

стр. 637

(النَّهي عن اتخاذ الكافرين أولياء) ٥٧ - (١) قوله : ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨]. * نهى الله سبحانه المؤمنين أن يتخذوا الكافرين الذين هم أعداءُ الله أولياءَ أصدقاءَ وأَخِلّاءَ وأنصارًا وحلفاءَ من دون المؤمنين، في هذه الآية، وفي آيات كثيرة من كتابه العزيز، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١] الآية، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ﴾ [التوبة: ٢٣] الآيتان. * ولم يُحِلَّ اللهُ تعالى ولايةَ المؤمنينِ للكافرين إلا في حالةٍ واحدةٍ، وهو أن يَتقوا منهم تُقاةً، فيخافوا من كيدهم إن لم يُوالوهم، وهذا من لطف الله سبحانه بالمؤمنين، فما جعل عليهم في الدين من حَرَج (٢).

стр. 638

وسيأتي -إن شاء الله تعالى- بيانُ الإكراهِ وأحكامُهُ في "سورة النحل". وبين الله سبحانه الولايةَ التي نَهى الله عنها في "سورة المودَّة" (١)، وبين ما يَحِلُّ منها، وما يَحْرُمُ، وسيأتي الكلام على ذلك هناك -إن شاء الله تعالى-. * * *

стр. 639

(فَرضُ الحجِّ) ٥٨ - (٢) قوله : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]. أقول: * أوجب الله سبحانه في هذه الآية على الناس حَجَّ البيتِ (١). ولا خَفاءَ في (٢) أنه ركنٌ من أركان الإسلام، فمن جحدَ وُجوبَهُ فهو كافرٌ مرتَدٌّ (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. قال ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-: المعنى: ومَنْ كفر بفَرْضِ الحج، ولم يَرَهُ واجبًا (٤).

стр. 640

ويؤخذ من هذا (١) أن كُل من جَحَدَ حُكْمًا معلومًا من (٢) دينِ الله ضَرورةً، فهو كافرٌ. وأما من ترك الحجَّ مع الاستطاعةِ تَهاوُنًا أو بُخْلًا أو تسويفًا، فهو عاصٍ بفعله، وليس بكافرٍ، بإجماع المسلمين، إلا الحسنَ؛ فإنه قال بتكفيره (٣)، واستدل بقوله ﷺ : "مَنْ مَلَكَ زادًا وراحِلَةً تُبْلِغُهُ إلى بَيْتِ اللهِ، ولم يَحُجَّ، فَلا عليهِ أَنْ يَموتَ (٤) يَهودِيًا أو نَصْرانِيًا، وذلك لأن الله سبحانه يقول في كتابه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ " (٥). وأجيبَ عن الحديث بأنه ضعيف، وإن صحَّ فهو متروكُ الظاهر،

стр. 641

محمولٌ على الغالب؛ فإن المؤمن إذا استطاع الفريضةَ لا يترُكها، ولا سيما إذا كانتْ من دعائمِ الإسلامِ، إلا إذا اتصف باليهودية والنصرانية من عدم الإيمان، منافقًا بالإسلام، وقد كان المؤمنون في العصرِ الأول خيرُهم محضٌ، إلا المنافقين؛ فإنهم يشوبون الحقَّ بالباطل، فجعلَ تَرْكَ الحجِّ عنوانًا لهم، وخَصَّ اليهود والنصارى بالذكر؛ لأنهم لا يُعَظِّمونَ المسجدَ الحرامَ، وإنما يعظِّمونَ المسجدَ الأقصى خاصَّةً، بخلاف مشركي العرب. * وذكر الله سبحانه في هذه الآية الحَجَّ مُجْمَلًا، وذكر أركانَهُ مفرَّقَةً. فقال في الإحرام: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ [البقرة: ١٩٧]. وقال في الطواف: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]. وقال في السعي: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]. وقال في الوقوف: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]. وبين النبيُّ ﷺ كيفية هذه الأركان، ومواقيتَها وواجباتِها ومسنوناتِها، وما يحلُّ في الحج وما يحرُم. ثم خصَّ اللهُ سبحانه عمومَ أولِ الآية في آخرِها، فشرطَ الاستطاعةَ في وُجوبِ الحج؛ لطفًا بعباده، ورحمة لهم؛ لأنه يجمع فيه مشقة الأبدان، وبذل الأموال. والاستطاعةُ تقع على حالين: استطاعة مباشرة، واستطاعة نيابة. فأما المباشرة، فقد اتفق عليها أهلُ العلم، واختلفوا في تفصيلها،

стр. 642

فخصها الشافعيُّ وأبو حنيفةَ وأحمدُ بالزاد والراحلة (١)، ولم يوجبوا الحج على المستطيع بالمشي، أو بالاكتساب في الطريق؛ لما روى ابنُ عمرَ -رضي الله تعالى عنهما- قال: قام رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: ما يوجبُ الحَجَّ؟ قال: "الزاد والراحلة" (٢)، خَرَّجَهُ الترمذيُّ وحَسَّنه. وعمَّمَ مالكٌ وُجوبَ الحَجِّ على كل مستطيع بالقوةِ والاكتساب، ولو بالسؤال (٣)، وتمسَّكَ بعُموم الآيةِ، وجعله مخصِّصا لعُموم الحديثِ، فخصَّه بمنْ لا يستطيع المشيَ أو الاكتسابَ؛ بدليلِ عموم قوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. وهذا ضعيف؛ فإن العُمومَيْنِ إذا تعارضا، وأمكن أن يُخَصَّ بكل واحدٍ منهما عُمومُ الآخر، لم يجز أن يخص بأحدِهما الآخرُ إلا بدليلٍ آخر،

стр. 643

والأولى أن يخصَّ بالحديث عمومُ الآية؛ لأنه لو كان الزادُ والراحلة مختصين بغير المستطيع، لبيَّنه النبيُّ ﷺ عندَ السؤال، لأن تأخير البيان في هذه الحالة غيرُ جائز. ولهم أن يقولوا: الحديثُ ضعيفٌ عندُ جمهورِ أهل العلم بالحديث، فتضعفُ معارضتهُ لعمومِ الآية. ويحكى القولُ بمثل مذهبِ مالك عن عبد الله بن الزبير، والشعبيِّ. وقال الضحاك: إن كان شابًا قويًّا صحيحًا، ليس له مال، فعليه أن يُؤَاجِرَ نفسَهُ بأَكْلِهِ أو عَقِبهِ (١)، حتى يقضيَ حَجَّهُ، فقال له مقاتل: كلفَ اللهُ الناسَ أن يمشوا إلى البيت؟، فقال: لو أن (٢) لبعضِهم ميراثاً بمَكَّة (٣)؟ أكانَ تارِكَهُ؟ بل ينطلقُ إليه ولو حَبْوًا، كذلك يجبُ عليه الحجُّ (٤). وقولُ الشافعيِّ وأبي حنيفةَ عندي أولى؛ لوجوه: أحدها: لما فيه من التيسير والسماحة الموافق لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ولقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، ولقوله ﷺ : "بُعِثْتُ بالحنيفيةِ السَّمْحَةِ السَّهْلَة" (٥).

стр. 644

ثانيها: فتوى ابنِ عباس وابنِ عمرَ -رضي الله تعالى عنهم-، وهي مقبولة في مثل هذا المَقام التعبديِّ اتفاقًا. ثالثها: موافقة سائر أصول العبادات؛ كالطهارة والصلاة والصيام؛ فإن المشاقَّ والسَّفرَ يبيح فيها التأخير والتخفيف. ٢ - وأما استطاعة النيابة، وذلك في حقِّ المعضوب (١) إذا وجد قريبًا أو أجيرًا يحج عنه، وفي حقِّ المَيِّتِ إذا مات وقد وجب عليه الحجُّ. - فأوجب الشافعيُّ معها الحج (٢)؛ لبيان النبيِّ ﷺ . روينا في "صحيح البخاري" عن ابن عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما - قال: جاءت امرأةٌ من خَثْعَمٍ، فقالت: يا رسول الله! إن فريضةَ الله على عباده في الحجّ أدركَتْ أبي شيخًا كبيرًا، لا يَثْبُتُ على الراحلة، أَفَأَحُجُّ عنه؟ قال: "نعم"، وذلك في حجة الوداع (٣).

стр. 645

وروينا فيه -أيضًا- عن ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما -: أن امرأة من جُهينةَ جاءت إلى النبي ﷺ ، فقالت: إنَّ أمي نذرت أن تحجَّ، فلم تَحُجَّ حتى ماتَتْ، أفأحجُّ عنها؟ فقال: "حُجِّي عَنْها، أَرَأَيْتِ لَوْ كانَ على أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قاضِيَتَهُ؟ اقْضُوا اللهَ؛ فإنَّ اللهَ (١) أَحَقُّ بالوفاء" (٢). - وقال مالكٌ وأبو حنيفةَ: لا يجبُ الحَجُّ على المستطيع بغيرهِ (٣)؛ أخذًا بالقياسِ على سائر الأصولِ في منع النيابة في العبادات، والخبرُ مخصوصٌ بحالةِ الموتِ، ومقصورٌ عليها؛ ولأن الخبرَ إذا خالفَ القياسَ أو قياسَ الأصول، فهو مردودٌ عندَ أبي حنيفةَ ومالكٍ (٤). واختلف قولُ الشافعيِّ -رضي الله تعالى عنه- في جواز النيابة في حَجِّ

стр. 646

التطوُّعِ، والأصحُّ الجواز (١). * وفي الآيةِ عندي دليلٌ على وجوب الحَجِّ على الكافرِ المستطيعِ؛ لتناولِ العُموم له، وظهوره فيه، وتعقيبه بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. وقد قدمت الخلاف فيه في مقدمة هذا الكتاب، والصحيحُ وقوعُ التكليفِ عليه (٢)، ولا خلافَ بينَ أهلِ العلم أنَّ الإسلامَ شرطٌ للصحة، وإن اختلفوا في كونِه شَرْطًا للوجوب؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾، فخطابه سبحانه بكونه غنيًا عن عباده في مَعْرِضِ الإهانةِ والتوبيخ دليلٌ على بطلانها (٣). * وتمسكَ بعضُ أهل الظاهر في وجوب الحجِّ على العبد بالآية (٤)، وخالفهم (٥) عامة أهلِ العلم؛ لأنه غير مستطيع، بدليل قوله: ﴿لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥]، وللإجماع (٦).

стр. 647

* ولا خلافَ في تناولِ العمومِ للمرأة الحرَّة (١)، وإنما اختلفوا في حقيقةِ استطاعتها. - فجعل مالكٌ والشافعيُّ -في أحد قوليه- استطاعَتَها كاستطاعة الرجل، فيجب عليها الحجُّ إذا وجدت رُفْقَةً تأمنُ معها على نفسها (٢). - وشرطَ أبو حنيفةَ وأحمدُ للوجوب مصاحبةَ زَوْجٍ أو مَحْرَمٍ (٣)، واحتجوا بما رويناه في "صحيح البخاري" من قوله ﷺ : "لا يحلُّ لامرأةٍ تؤمنُ بالله واليومِ الآخِرِ أنْ تسافرَ مسيرةَ يومٍ إلا مع ذي مَحْرَمٍ" (٤). ويظهر ترجيحُ قولِ مالكٍ وصاحبه؛ لأن الدليلين إذا تعارضا، وكان كلُّ واحد منهما عامًّا من وجه، وخاصّا من وجه، وأمكن أن يخصَّ بكل واحد منهما عمومُ الآخر، كان الحكم للدليل الخارجي. وبيان ذلك أن قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾ عامٌّ في الرجال والنساء،

стр. 648

وقوله تعالى: ﴿حِجُّ الْبَيْتِ﴾ خاص في السفر الواجب إلى البيت، وقوله ﷺ : "لا يحل لامرأة" خاصٌّ بالنساء، وقوله: "أن تسافر مسيرة يوم" عامٌّ في سفرِ الحج وغيره، فيفزع الناظر حينئذ إلى الأدلة الخارجة؛ إذ ليس أحدُ التخصيصين أولى من الآخَرِ. فنظرنا فوجدنا حديثًا رواه عديُّ بنُ حاتمٍ -رضي الله تعالى عنه-: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "لَتوشِكُ الظعينةُ (١) أن تَخْرَجَ مِنْها- أي: الحِيْرةِ (٢) - بغير جِوارٍ حَتَّى تَطوفَ بالكَعْبَةِ"، قال عديٌّ: فلقد رأيتُ الظعينةَ تخرجُ من الحيرةِ حتى تطوفَ بالكعبةِ بغير جوارٍ (٣). وتأوله مخالفُهما على أن ذلك شرطٌ للجواز، لا للوجوب، والمعنى يردُّ هذا التأويلَ؛ لأنه إنما نهى النبي ﷺ عن سفرها بغير محرم؛ للخوفِ عليها، فإذا أمنتْ على نفسها، وزال خوفُها، جاز لها السفرُ، ووجب عليها الحجُّ. فإن قلت: فما حكمُ السفر الجائزِ عندَ الأمنِ، هل يكونُ كسفرِ الحجِّ الواجبِ أو لا؟

стр. 649

قلت: قد سوى بعضُهم بينهما، فجوَّزَ لها السفرَ عندَ الأمنِ (١). وجمهورُ أهل العلمِ على إيجاب المَحْرَمِ في السفرِ الجائزِ دون السفرِ الواجبِ؛ جمعًا بين الآية والأحاديث (٢). وادعى القاضي عياضٌ الاتفاقَ عليه (٣). وأما سفرُ الهجرةِ فيجبُ على المرأةِ بكلِّ حالٍ؛ لما في الوقوف من فساد الدينِ (٤)، والله أعلم. * وخص الله سبحانه الوجوبَ بالحجِّ، وأطلقهَ، فبيَّنَ النبيُّ ﷺ بقوله: "إنَّهُ لِلأبَدِ" (٥)، فلا يجب أكثر من مرة، وذلك إجماع (٦). وبَيَّنَ بفعلِه أن وجوبَهُ على التراخي؛ لأنه لم يحجَّ إلا بعد سنتين من

стр. 650

فريضة الحج، ولو كان تأخيرُه لعذرٍ، لَبَيَّنَهُ ونُقِل إلينا، وبه أخذ الشافعي (١)، واختلف قولُ مالكٍ وأبي حنيفة. والصحيحُ عند الحنفيةِ أنه على الفَوْرِ (٢). والصحيحُ عند متأخري المالكية أنه على التراخي (٣). وأما تخصيصُ الوجوب بالحجِّ دون العُمْرَةِ، فقد مضى الكلامُ عليه. * * *

стр. 651

(الشوري) ٥٩ - (٣) قوله : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩]. أقول: * أمر الله نبيَّه محمدًا ﷺ بمشاورة ذوي الأحلام والنّهَى، ومدح اللهُ سبحانه المؤمنينَ بالمشاورة، فقال: ﴿وَأَمْرُهُم شُورَى بَيْنَهُم﴾ (١) [الشورى: ٣٨]، ولا خلاف في استحبابِها في حقِّ الرعيَّة (٢)؛ لما فيها من البحث وزيادةِ النظرِ في عواقب الأمور، وحصول البركة، ففي الحديث: "ما شقِيَ عَبْدٌ قَطٌّ بَمَشورَةٍ، وما سَعِدَ باسْتِغْناءٍ بِرَأْيٍ" (٣). وقد كان عمرُ -رضي الله تعالى عنه- يجمع الصحابةَ، ويستشيرُهم في الأحكام وغيرها. * وإنما اختلفوا في وجوبها على النبيِّ ﷺ ، وعلى ولاة المسلمين.

стр. 652

- فذهب المالكية إلى وجوبِها على النبيِّ ﷺ وعلى غيرِه من الوُلاة، قال ابن عطيةَ منهم: والشورى من قواعدِ الشريعةِ وعزائمِ الأحكام، ومن لا يستشيرُ أهلَ الدين والعلمِ فعزلُه واجبٌ (١). وعن (٢) ابن خُويزمِنْداد مثلُه (٣)، وذهبت الشافعيةُ إلى استحبابه في حَقِّ الوُلاة (٤). وأَمّا في حَقِّ النبيِّ ﷺ ؛ فقيلَ بوجوبها؛ حَمْلًا لمطلقِ الأمر على ظاهره، ولما في تخصيصِه ﷺ بالوجوب مِنْ رَفْعِ درجته، وتكثيرِ ثوابه، وتكريمِه، وهو الصحيح عند الشافعية. وقيل باستحبابها قياسًا على الأُمة، والأمرُ محمولٌ على الاستحباب (٥)، ونُقل هذا عن نص الشافعي- رحمه الله تعالى (٦).

стр. 653

ونُدِبَ ﷺ إلى مشاورتهم، مع كمالِ عقله، وجزالةِ رأيه، وعصمةِ الله سبحانه له؛ تطييبًا لقلوبِ أصحابه -رضي الله تعالى عنهم-؛ كما روي عن قتادةَ والشافعيِّ (١). وقيل: بل نُدِبَ حَثًّا لهم على الاقتداء به (٢). قال الحسنُ: علم اللهُ سبحانه أنه ما بهِ إليهم من حاجة، ولكن أرادَ أن يَسْتَنَّ به مَنْ بعده (٣). ونحو هذا قال الشافعي أيضًا (٤). وقيل: تحصيلًا لبركة التشاور (٥). * * *

стр. 654

سُورَةُ النِّسَاءِ

стр. 655

(من أحكام اليتامي) ٦٠ - (١) قوله ﷻ : ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢]. أقول: * لمَّا علم اللهُ ﷻ ضعفَ اليتامى وعجزَهُمْ عن دفعِ بأس الظالمين لهم، نهى العبادَ عن أخذ أموالهم، وتواعدَ على ذلك بما لم يتواعدْ به على غيره، فجعل آكلَها إنما يأكلُ نارًا، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠]. وسماها في هذه الآية (خبيثة)؛ لتنفر القلوبُ عن تناولها؛ استقذارًا لها من (١) خبثها، ولا ينبغي أن يُحمل الطَّيِّبُ والخبيثُ على حقيقتهما؛ إذ لو حمل على ذلك، لكان قد زادهم خيرًا حين أخذ الزيف بالجيد، والمهزولَ بالسمين، ولَكَان معارضًا لقوله تعالى: ﴿إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢) [الإسراء: ٣٤].

стр. 656

والمعنى (١) -والله أعلم-: ولا تتبدلوا الخبيث الحرام، الذي ترونه بزعمكم طيبًا سمينًا، بالطيب الحلال من أموالكم، الذي ترونه بزعمكم رديئًا مهزولًا (٢). * وأمر بإيتائهم أموالهم: وذلك يقع على حقيقة الإيتاء؛ ببذل مُؤَنِهم، والإنفاقِ عليهم. ويقع على الإيتاء الذي هو الحِفْظُ مجازًا؛ فإنه إذا حَفِظَ أموالَهم حقَّ حفظِها، فكأنه قد آتاها أربابَها. ولا يجوز أن يُحمل على حقيقةِ دفعِ جُمْلَةِ المال إليهم؛ فإن الله سبحانه لم يأمرْ به إلا عند بلوغِ النكاح، وإيناسِ الرُّشْد. نعم يجوز أن يرادَ بهِ حقيقةُ الإيتاءِ والدفعِ، ويكونُ إطلاقُ اليتامى على البالغين مجازًا من باب تسميةِ الشيء بما كان عليه؛ كقوله تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ (٣) [طه: ٧٠]، وهذا أولى؛ لأنه سبب الآية، في قول الكلبي ومقاتل (٤). * ثم من لُطْفِ الله تعالى بهم (٥) أن أباحَ مخالطَتَهم ومبايعتَهم، فقال

стр. 657

سبحانه: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٣٤]، فعلَ اللهُ تعالى ذلك بهم لئلاً يتعطَّلِ تثميرُ أموالهم، وحَفِظَها بالبيع والشراءِ لئلَّا يتحرَّج القُوَّامُ عليها (١)، وجَوَّز للقيِّم أن يأكلَ منها إن كانَ فقيرًا، وأمرَهُ بالاستعفاف إنْ كان غنيًا، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى-. * وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾. قيل: منسوخ (٢) بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ (٣) [البقرة: ٢٢٠]، والصحيحُ عدم النسخُ. ثم قيل (٤): إن (إلى) بمعنى (مع)، أي: ولا تأكلوا أموالَهُم مع أموالكم ظلمًا. وهو مذهبُ نحاة الكوفةِ، وبعض أهل (٥) البصرة، قال امرؤ القيسِ يصفُ فرسًا: [البحر الطويل] لَهُ كَفَلٌ كالدِّعْصِ لَبَّدَهُ النَّدَى ... إلى حَارِكٍ مِثْلِ الغَبيطِ المُذَأَبِ (٦) ويحتمل عندي ثلاثَ تأويلات أُخَرَ:

стр. 658

أحدها: أن يكون بمعنى (إلى): ولا تأكلوا أموالهم مقترضين لها إلى حصول أموالكم؛ فإنه ليس قُرْبا بالتي هي أحسن؛ لفوات تنميتِها وتثميرها. ثانيها: أن تكون بمعنى (في)؛ فإنه إذا خلطَ (١) بمالِه مُفْسِدًا، كان الجميعُ حرامًا، وشاهد هذا المعنى قولُ النابغة: [البحر الطويل] فلا تَتْرُكَنِّي بالوَعيدِ كَأَنَّنِي ... إلى الناسِ مَطْلِيٌّ بهِ القارُ أَجْرَبُ (٢) ثالثها: وهو أرجحُها، أن تكون بمعنى (إلى)، ويكون المعنى: ولا تأكلوا أموالهم ضامِّين لها إلى أموالكم؛ لأنهم إذا أكلوها، فقد ضمُّوها إلى أموالهم التي يأكلونها (٣). * ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾؛ أي: إثمًا (٤)، وقيل: ظلمًا كبيرًا (٥). * * * ٦١ - (٢) قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ [النساء: ٣]. روينا في "صحيح البخاري" عن عروةَ بنِ الزبير: أنه سألَ عائشةَ-

стр. 659

رضي الله تعالى عنها -، فقال: يا أُمَّتاه (١)! قولُ اللهِ : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾؛ قالت: يا بنَ أُختي! هذه اليتيمةُ تكونُ في حِجْرِ وليِّها، فيرغبُ في جمالها ومالها، ويريد أن يَنْتَقِصَ صَداقَها، فنُهوا عن نكاحِهِنَّ إلَّا أن يُقْسِطوا لهنَّ في إكْمالِ الصَّداقِ، وأُمروا بنِكاحِ من سِواهُنَّ من النساءِ. قالتْ عائشةُ: استفتى الناسُ رسولَ الله ﷺ بعدَ ذلكَ، فأنزلَ اللهُ : ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]، فأنزل اللهُ لهم في هذه الآيةَ: أنَّ (٢) اليتيمة إذا كانت ذاتَ مالٍ وجَمال، رغبوا في نِكاحها، وسنتها في الصَّداق (٣)، وإذا كانت مرغوبًا عنها في قلة المالِ والجمالِ، تركوها وأخذوا غيرَها. قالتْ: فكما يتركونها حين يرغبون عنها، فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها إلَّا أن يُقْسطوا لها، ويُعطوها حَقَّها الأوفى من الصَّداق (٤). * ومضمونُ الآيةِ والأَثَر تجويزُ نكاح اليتيمةِ عندَ حصولِ القِسْط. وقد اختلف أهلُ العلم بالفتوى في نكاحِها (٥). - فجوَّزَه أبو حنيفة مُطْلَقًا (٦)، وله من الدليل ما قدمتهُ.

стр. 660

- ومنعه مالكٌ مطلقًا إلا عند خوفِ الضَّيْعَةِ والفَسادِ. - ومنعه الشافعيُّ إلا عندَ وجودِ الجدّ (١). وحَمَلا ظاهر الآية والأثر على البالغة التي أطلق عليها اسم اليتيمة تجوُّزًا؛ بدليل ما روى ابنُ عمر -رضي الله تعالى عنهما- قال: زوجني خالي قدامةُ بن مَظْعونٍ ابنةَ أخيهِ عثمان بن مظعون، فجاء المغيرة بن شعبة إلى أمِّها، فأرغَبها في المالِ، فمالَتْ إليه (٢)، وزَهِدَتْ فيَّ، فقالتْ أُمُّها: يا رسول الله! بنتي تكره ذلك (٣)، فقال قدامةُ: يا رسولَ الله! أنا عمُّها، ووصيُّ أبيها، وقد زوجتُها من عبد الله بنِ عمرَ، وقد عرفتَ فضلَهُ وقرابته، وما نَقِموا منه إلا أنه لا مالَ له، فقال ﷺ : "إنَّها يتيمةٌ، ولا تُنْكَحُ إلا بإذنِها" (٤)، وفي رواية: "ولا تُنْكِحُوا اليتامى حتى تَسْتأْمِروهُنَّ، فإن سكتْنَ، فهو إذن (٥) " (٦)، وموضعُ الدليل قوله ﷺ : "ولا تنكح إلا بإذنها"، "ولا

стр. 661

تنكحوا اليتامى حتى تستأمروهن"؛ فإن الصغيرة ليستْ من أهلِ الاستئمار بالاتّفاقِ، والبالغةُ من أهلِ الاستئمار بالاتفاق (١)، والبلوغ هو الفارق بينَ الحدَّين، فيكون السنُّ الذي قبلَ البُلوغِ كحالِ الصِّغَرِ، فحينئذٍ يمتنعُ النكاحُ؛ لفقدان الاستئمار (٢). ويظهر لي قوةُ قول أبي حنيفة؛ لما فيه من حمل اللفظ على حقيقته، والحقيقةُ خيرٌ من المجاز (٣). وأما حديثُ ابنِ عمرَ، فلا دلالةَ فيه، فللحنفيةِ أن يقولوا: الحديثُ وارد في اليتيمةِ الكارهةِ للنكاح، فالحديثُ مختصٌّ بسببه في اليتيمةِ التي من أهلِ الاستئمار، فلا تزوجُ حتى تستأمَرَ، والعبرةُ عندَ قومٍ منهم بخصوصِ السببِ، لا بعموم اللفظ. وأما إذا لم تكنِ اليتيمةُ من أهل الاستِئْمار، فهي في مَحَلِّ السكوت، فلا يتناولُها الحديثُ الوارد على سببٍ مخصوص، أو لأن الخطابَ ورد عنه ﷺ على الغالب؛ فإن الغالبَ أنه لا تُنْكَح إلا من قد صارت من أهل الاستئمار، والله أعلم. فإن قيل: مفهومُ الشرط يقتضي أنه لا يجوز نكاحُهنَّ إلا عندَ وجودِ القسطِ والعدلِ؛ لأن الله سبحانه أمر بنكاح مَنْ سواهُنَّ عند خوفِ الجَوْرِ عليهن.

стр. 662

قلت: لا مفهومَ له (١)؛ فإنه لو كان كذلك؛ لما جاز لنا أن ننكحَ ما طابَ لنا من النساء مثنى وثُلاثَ ورُباع عند عدمِ خَوفِ الجَوْرِ، ولا يجوزُ القولُ بذلك، بل ذلك إرشادٌ من الله للمتَّصفين بذلك إلى ما فيه صلاحُهم من فراقِ اليتيمة والتزوجِ بسواها. يدلُّ على ذلك ما روينا (٢) في "صحيح البخاري" عن عروةَ عن عائشةَ -رضي الله تعالى عنها-: أن رجلًا كانت له يتيمة، فنكحها، وكان لها عَذْقٌ (٣)، وكان يُمْسِكُها عليه (٤)، ولم يكن لها من نفِسه شيءٌ (٥)، فنزلت فيه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ (٦). * وفي الآية والحديث دَلالةٌ من طريق التضمُّن والمفهوم أنَّ للوليِّ إذا أقسط في اليتيمة، أن يُنْكِحَها من نفسه؛ إذ لو كان الأمرُ في ذلك إلى غيره، لما كان لنهيه عمّا هو إلى غيره معنى، وبهذا قال أبو حنيفةَ، والأوزاعيُّ،

стр. 663

والثوريُّ، وأبو ثورٍ، والليثُ (١). وقال الشافعيُّ: لا يجوزُ أن يزوِّجَها منهُ إلا وليٌّ آخرُ من سلطانٍ أو عَصَبَة (٢). والخلاف بينهم في بيعهِ مال اليتيمِ من نفسِه؛ كما في النكاح، إلا أن أبا حنيفة وافقَ الشافعيَّ (٣). * وأمر الله سبحانه في هذه الآية بنكاح ما طابَ لنا من النساء: فحمل أهلُ الظاهر الأمرَ في هذا على الوجوب (٤). وحمله جمهورُ أهل العلم على الاستحباب مطلقًا (٥). وذهب بعضُ متأخِّري المالكية إلى تقسيمه إلى: واجبٍ، ومستحبٍّ،

стр. 664

ومباحٍ؛ بحسب ما يخشى من العَنَتِ. * وأحل الله سبحانه أربعًا من النساء (١)، وأما الزيادة فممنوعةٌ؛ لبيانه ﷺ في غَيْلانَ لَمّا أسلم وتحته عَشْرُ نِسْوَةٍ: "أَمْسِكْ أَرْبَعًا، وفارِقْ سائِرَهُنَّ" (٢). وقال (٣) الشيعةُ: يجوز نكاحُ تِسعِ نِسْوَةٍ؛ لأن الواو موضوعةٌ للجمع. وقد تمسك بهذا الظاهرِ بعضُ أهل الظاهر، فأباحَ ثماني عَشْرةَ (٤)، وذلك زيادة على ما خصّ به المصطفى المكرَّم ﷺ ، فلا التفاتَ إليه. فقيل: لا متمسكَ لهم؛ لأن معنى (مَثْنى مَثْنى): ثنتان ثنتان إلى ما لا نهاية له؛ كما تقولُ: جاء القومُ مَثْنى مَثْنى، إذا جاؤوا اثنين اثنين، وإن كانوا ألفًا، وكذا معنى (ثُلاثَ ورُباع)، فهذا اللفظ موضوعٌ لتفريق الأعداد، فوقفهم على هذا العدد تَحَكُّم يُخالِفُ لسانَ العرب. وهذا الجوابُ ضعيفٌ؛ فإن ذلك ليس من خصائص هذا اللفظِ، بل لو قال: ادخلوا واحدًا واحدًا، لفُهم منه التفريقُ أيضًا، وليس هذا المثالُ محلَّ النزاع؛ لخلوِّه عن (٥) الواو، وإنما مثاله لو قال: خُذْ من الدراهم ثلاثَ

стр. 665

وثلاثَ، وهذا مما يجوز حملُه على الجمع، وليس موضوعًا للتفريق. والذي أراه مَخْلَصًا (١) من شُبْهَتهم: أنَّ (مثنى وثلاث ورباع) أحوالٌ من قوله تعالى: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٢) [النساء: ٣]، والحال لا يتعدَّدُ مع واوِ العطف الموضوعةِ للجمع، وإنما يتعدد بدونها، ومتى دخلت الواو على الأحوال المتعددة، كان من باب النعت؛ كقوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا﴾ (٣) [آل عمران: ٣٩] والنعت غير متصوَّرٍ هاهنا، فتعين حينئذ مجيءُ الواو للتخيير (٤)؛ كقولِ

стр. 666

الشاعر (١): [من الطويل] وقالوا نأَتْ فاخْتَرْ بها الصبر والبُكا أو للتقسيم كقولك: الكلمةُ اسمٌ وفعلٌ وحرفٌ، وكقول الشاعر (٢): [من الطويل] كما الناسُ مَجْرومٌ عليه وجارِمُ

стр. 667

* إذا تَمَّ هذا، فالخطابُ عامٌّ في الأحرارِ والعبيد، وقد قدمتُ اندراجَ العبيدِ في خطاب الأحرارِ في قولِ أكثرِ أهل العلم. وعارضَ العمومَ قياسُ تشطيرِ العددِ على تشطير الحَدِّ. وبالعموم أخذَ مالكٌ، وأبو ثورٍ، وأهلُ الظاهر (١). وذهب الشافعيُّ وأبو حنيفةَ، وأحمدُ، وإسحاقُ، والليثُ، ومالكٌ -في روايةِ ابنِ وَهْبٍ-، وجمهورُ أهلِ العلم إلى تخصيص هذا العمومِ، فلم يجوِّزوا للعبدِ إلا اثنتين، وهو قول عُمر، وعليٍّ، وعبدِ الرحمن بنِ عوفٍ (٢). * ثم بيَّن الله سبحانه أن الاقتصارَ على واحدة، أو على ملكِ اليمين أولى وأفضل؛ لخلوِّه من الجَوْر، فقال: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾؛ أي: لا تَميلوا ولا تَجوروا، قاله مجاهد وغيرُه (٣)، وهو المعروف في اللغة، قال

стр. 668

أبو طالبٍ: [البحر الطويل] بميزانِ صِدْقٍ ما يعولُ شعيرةً ... ووزَّانِ صدقٍ وَزْنُه غيرُ عائِلِ (١) وقال آخر: [البحر البسيط] إنا تَبِعْنا رسولَ الله واطَّرَحوا ... قولَ الرسولِ وعالُوا في المَوازينِ (٢) ولا شك أن العدلَ بين الأزواجِ واجبٌ بالإجماع (٣)، وتفاصيلُه مذكورةٌ في كتب الفقه.

стр. 669

وقال الشافعي: أي لا يكثر عيالُكم (١). ونُسِبَ إلى الشذوذ (٢)، أو خَرْقِ اللغة (٣). وليس كما قيل. أما الشذوذُ: فقد أسنده (٤) الدَّارقُطْنِيُّ في "سننه" عن زيد بن أسلم (٥)، ويروى عن جابر بن زيد (٦). وأما اللغة: فلقوله وجهٌ في اللغة، يقال: عالَ عِيالَهُ يعولُهم، أي: قاتَهُمْ وأنفقَ عليهم، ومنه قوله ﷺ : "ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنْ تَعولُ" (٧). قال الكُميتُ:

стр. 670

كما خامَرَتْ في حِصْنِها أُمُّ عامرٍ ... لدى الحَبْلِ حتى عالَ أوسٌ عيالَها (١) يقول: إن الضَّبُعَ إذا صادَها الصائدُ ذو الحَبْلِ المتعلقِ بعُرْقوبها (٢)، ولها وَلَدٌ من الذئبِ، لم يزلِ الذئبُ بطعمُ ولدها إلى أن يكبر. فتأويلُ الشافعىِّ من باب التعبير عن الشيء بسببه، فإنَّ من كثرَ عيالُه، كثر عَوْلُهُ، أي: نفقته. وقد حكى هذه اللغةَ الكسائيُّ، وابنُ الأعرابى، وأبو عمرو الدُّوريُّ. قال الكسائي: العربُ تقول: عالَ يعولُ، وأَعال يعيلُ، أي: كثر عيالُه. وسئل الدوريُّ عن هذا، فقال: هو لغةُ حِمْيَرٍ، وأنشدَ: [البحر الوافر] وإن الموتَ يأخُذُ كُلَّ حَيٍّ ... بلا شَكٍّ وإنْ أمشى وعالا أي: وإن كثرتْ ماشيتُه وعيالُهُ (٣). فإن قيل: سياقُ الخطابِ يمنعُ من هذا، أو يدلُّ على أن المرادَ الجَوْرُ؛ بدليل قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾. قلت: فللشافعيِّ أن يقول: فإن خفتم ألا تعدلوا في اكتسابكم، أو في ولايتِكُم أمرَ الأيتام إن وَلِيتُموهم.
следующие страницы →