стр. 666
← Улюм аль-Кур’ан следующие страницы →
Улюм аль-Кур’ан · id 14827
تيسير البيان لأحكام القرآن
ابن نور الدين
Полный текст (1 649 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 667
* إذا تَمَّ هذا، فالخطابُ عامٌّ في الأحرارِ والعبيد، وقد قدمتُ اندراجَ العبيدِ في خطاب الأحرارِ في قولِ أكثرِ أهل العلم. وعارضَ العمومَ قياسُ تشطيرِ العددِ على تشطير الحَدِّ.
وبالعموم أخذَ مالكٌ، وأبو ثورٍ، وأهلُ الظاهر (١).
وذهب الشافعيُّ وأبو حنيفةَ، وأحمدُ، وإسحاقُ، والليثُ، ومالكٌ -في روايةِ ابنِ وَهْبٍ-، وجمهورُ أهلِ العلم إلى تخصيص هذا العمومِ، فلم يجوِّزوا للعبدِ إلا اثنتين، وهو قول عُمر، وعليٍّ، وعبدِ الرحمن بنِ عوفٍ (٢).
* ثم بيَّن الله سبحانه أن الاقتصارَ على واحدة، أو على ملكِ اليمين أولى وأفضل؛ لخلوِّه من الجَوْر، فقال: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾؛ أي: لا تَميلوا ولا تَجوروا، قاله مجاهد وغيرُه (٣)، وهو المعروف في اللغة، قال
стр. 668
стр. 669
وقال الشافعي: أي لا يكثر عيالُكم (١). ونُسِبَ إلى الشذوذ (٢)، أو خَرْقِ اللغة (٣).
وليس كما قيل.
أما الشذوذُ: فقد أسنده (٤) الدَّارقُطْنِيُّ في "سننه" عن زيد بن أسلم (٥)، ويروى عن جابر بن زيد (٦).
وأما اللغة: فلقوله وجهٌ في اللغة، يقال: عالَ عِيالَهُ يعولُهم، أي: قاتَهُمْ وأنفقَ عليهم، ومنه قوله ﷺ : "ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنْ تَعولُ" (٧).
قال الكُميتُ:
стр. 670
كما خامَرَتْ في حِصْنِها أُمُّ عامرٍ ... لدى الحَبْلِ حتى عالَ أوسٌ عيالَها (١)
يقول: إن الضَّبُعَ إذا صادَها الصائدُ ذو الحَبْلِ المتعلقِ بعُرْقوبها (٢)، ولها وَلَدٌ من الذئبِ، لم يزلِ الذئبُ بطعمُ ولدها إلى أن يكبر.
فتأويلُ الشافعىِّ من باب التعبير عن الشيء بسببه، فإنَّ من كثرَ عيالُه، كثر عَوْلُهُ، أي: نفقته.
وقد حكى هذه اللغةَ الكسائيُّ، وابنُ الأعرابى، وأبو عمرو الدُّوريُّ.
قال الكسائي: العربُ تقول: عالَ يعولُ، وأَعال يعيلُ، أي: كثر عيالُه.
وسئل الدوريُّ عن هذا، فقال: هو لغةُ حِمْيَرٍ، وأنشدَ: [البحر الوافر]
وإن الموتَ يأخُذُ كُلَّ حَيٍّ ... بلا شَكٍّ وإنْ أمشى وعالا
أي: وإن كثرتْ ماشيتُه وعيالُهُ (٣).
فإن قيل: سياقُ الخطابِ يمنعُ من هذا، أو يدلُّ على أن المرادَ الجَوْرُ؛ بدليل قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾.
قلت: فللشافعيِّ أن يقول: فإن خفتم ألا تعدلوا في اكتسابكم، أو في ولايتِكُم أمرَ الأيتام إن وَلِيتُموهم.
стр. 671
فإن قيل: فقوله يبطُلُ بقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، فإن التَّسَرِّيَ (١) غير محصورِ فإنه إذا تسرى ما أبيح له، كان أكثر عَوْلًا.
قلت: ليس الأمر كذلك؛ فإن الإماء أموالٌ يُسْتَغنى عنهنَّ، فإنهنَّ متى شاء يبيعُهُنَّ، واستمتاعُه بهنَّ رِبْحٌ؛ إذْ لا مُهورَ لهنَّ، ولا إخدامَ.
وهذا قلتُه على سبيل الردِّ لمن نسبَ إمامَ الأئمة إلى الشذوذِ وخَرْقِ اللغةِ، وهو أعرفُ بها وبمَقاصدِها، وأعلمُ بوجوه التأويل، ولا يُظَنُّ بأبي عبد الله أنه يَجْزم أنَّ ما ذَكَرَهُ مُرادُ الله -سبحانه- فقط، بل ذَكَرَه على وجه التأويل؛ لاحتمال اللفظ له، ولم يزل العلماء يبدون من التأويلات التي يحتملُها الخِطاب في المآل بضربٍ من النظرِ والاستدلال ما لا تُحصى كثرتُه على تعاقُب الدهور والأعصار، ولا حَجْرَ إلا في التفسير المنصوص الذي بيَّنَ الشارعُ ﷺ مرادَ اللهِ ﷻ (٢).
ولا شكَّ أَنَّ قولَ الجَماعةِ أرجَحُ من قولِ الشافعيِّ، ورُجحانُ غيرِه لا يمنعُ من ذكره (٣).
* ثم أمرَ (٤) اللهُ سبحانه بإيتاءَ النساءِ صَدُقاتِهِنَّ.
стр. 672
فقيل بتخصيص الخطابِ للأزواج، وهو الظاهرُ؛ لسياقِ الخطاب معهم (١).
وانتصبَ (نِحلَةً) على المصدر؛ لأن النَّحْل في معنى الإيتاء (٢)، أي: عَطِيَّةً من الله سبحانه.
ويظهرُ لي انتصابُه على التمييز لنسبة الإيتاء؛ فإن النِّحْلَةَ: العطاءُ بغيرِ عِوَضٍ عن طيبِ نفسٍ من غيرِ مطالبةٍ، فالزوجُ مأمورٌ بإيتاءِ الصَّداقِ عن طيبِ نَفْسٍ، ومن غيرِ مطالَبةٍ، فإذا فعلَ ذلك، فكأنه أَنْحَلَها إيّاه، وأما ما يؤخذ بالخِصام، فلا يقال له: نِحْلة.
ويحتمل انتصابُه على المفعول لأجله، فالنِّحْلَةُ: الدِّيانَةُ، أي: تديُّنًا؛ لأجل الدِّينِ.
ويحتمل انتصابه على هذا التأويل على التمييز (٣)، ولهذا قال ابنُ عباس وغيرُه -رضي الله تعالى عنهم- في قوله: نِحْلَةً: فريضةً (٤).
стр. 673
وقيل: إن الخطابَ مختصٌّ بالأولياء (١)؛ لأن العربَ كانتْ لا تعطي النساءَ من المهورِ شيئًا إن كان الزوجُ من القبيلة، وإن كان غريبًا حملوها على بعيرٍ فقط، حتى يُمدَحَ كِرامُهم بتركِ الأخذِ، فقال: [من بحر الرجز]
لا يأخذُ الحُلْوانَ من بَناتِنا (٢)
والأمرُ يقتضي الوجوبَ على كل من التقديرات، فلا يجوزُ المواطأة على تركِه (٣).
* ثم أباحَ اللهُ لنا ما طابتْ عنهُ نفوسهُنَّ، وجعلَهُ هنيئًا مريئًا، فقال: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤].
قال عليٌّ -رضي الله تعالى عنه-: إذا اشتكى أحدُكم، فليسألِ امرأتَهُ ثلاثةَ دراهِمَ منْ صَداقِها، ثم لْيَشْتَرِ بها عَسَلًا، فيشربُه بماءِ السماءِ، فيجعلُه الله هنيئًا مريئًا وشفاءً مباركًا (٤).
стр. 674
ثم قال شريحٌ القاضي فيما رويَ عنه: إن المرأة إذا وهبتْ صداقَها لزوجها، ثم رجعتْ، أنه لا يحلُّ للزوج أن يأكلَهُ، وينفذُ رجوعُها؛ لأنها لم تطبْ به نفسًا (١).
وخالفه عامةُ أهلِ العلم (٢).
* * *
٦٢ - (٣) قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥)﴾ [النساء: ٥].
* أرشد الله سبحانه ذوي الكمال من عباده إلى ما تقوم به مصالحُهم، فنهاهم عن إيتاءِ أموالِهِمُ السفهاءَ؛ من النساءِ والصِّبيانِ والبالغينَ المُفْسدين (٣)؛ تحذيرًا لهم من الاسترسالِ معهم، وتركِ الحَزم منهم، مع كَثْرِ مُلابستهم، وشدَّةِ الميل إليهم.
وقال في موضع آخر: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤].
* وأوجب الله سبحانه عليهم رزقَهُم وكِسْوَتَهم، فأمرهم بذلك أمرًا
стр. 675
مُجْمَلًا غيرَ مبيَّن الوقتِ والمقدار، فالواجبُ ما يقتضيه حالُ الرجل، ويَخْتلفُ ذلك بحسبِ اختلاف الأزمنةِ والأمكنةِ والأحوال؛ كقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧].
* وقد اتفق أهل العلم على عدم تحديدِ الكِسْوَةِ.
* وأما النفقةُ، فاختلفوا في تحديدها:
فذهب مالكٌ وأبو حنيفة إلى تركِ التقديرِ كما هو ظاهرُ الكتاب (١).
وذهب الشافعيُّ إلى تقدير النفقة اعتبارًا بالكَفّارة في اليمين (٢)؛ حيث قَدَّرَ فيها الإطعام، ولم يقدرِ الكِسوةَ.
وقد قدمتُ (٣) كيفية هذا الاعتبار في مقدمةِ هذا الكتاب، والمختارُ عندي تركُ التقديرِ، والرجوعُ فيه إلى العرف والعادة؛ لقوله ﷺ لهِنْد بنتِ عُتْبَةَ: "خُذِي ما يَكْفِيك ووَلَدَكِ بالمَعْروفِ" (٤)، فَحَكَم النبيُّ ﷺ في أمرها المعروف، وذلك يختلفُ باختلافِ الأحوال والأماكن والأزمان (٥).
стр. 676
* ثم نَدَبهم إلى حسنِ الخُلُق معهم، وطيبِ المعاشرة لهم، فقال: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ أي: عِدَةَ واعتذارًا (١).
* * *
٦٣ - (٤) قوله : ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦)﴾ [النساء: ٦].
الابتلاء: الاختبارُ، مُقْتَصٌّ من قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧]، ومن قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٢٤].
فأمر اللهُ سبحانه بابتلاء اليتامى؛ ليُعْلَم رُشْدُهُم، والأمرُ للوجوب، ومحلُّه قبلَ البلوغِ عند المالكية (٢)، وهو الصحيحُ عند الشافعية (٣)؛ للآية.
стр. 677
وقد ذكروا في كتبهم كيفيتَهُ وتفصيلَه (١).
* وجعل اللهُ سبحانه في هذه الآية ميقاتَ دفعِ أموالهم إليهم بلوغَ النكاح مع إيناسِ الرشد، وجعلَه في آية أخرى بلوغَ الأَشُدِّ، فقال سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾، وفي قوله تعالى: ﴿بَلَغُواْ النِّكَاحَ﴾ حذفٌ وإضمارٌ، تقديره: حالَ النكاح، وذلك مُجْمَلٌ يؤخذُ بيانُه من قوله سبحانَه في موضع آخر: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٩]، وقال : ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الإسراء: ٣٤]؛ أي: قُوَّتهُ.
* وبيَّن النبيُّ ﷺ وقتَ الأَشُدِّ الذي لم يفهم من لفظه: أن المراد به أدنى درجاته أو أقصاها: أنه خَمْسَ عَشْرَةَ سنةً.
روينا في "الصحيحين" عن ابنِ عمرَ -رضي الله تعالى عنهما- قال: عُرِضْتُ على النبيِّ ﷺ عامَ بَدْرٍ، وأنا ابنُ ثلاثَ عَشْرَةَ سنةً، فردَّني، وعرضتُ عليه عامَ أُحُدٍ، وأنا ابن أَرْبَعَ عَشْرَةَ سنةً، فردَّني، وعرضتُ عليه عامَ الخندق، وأنا ابنُ خَمْس عَشْرَةَ سنةً، فأجازني في المُقَاتِلَة (٢).
стр. 678
ونقل عن عمر بن عبد العزيز أنه جعلَ هذا حدًّا لَمَّا بلغَهُ هذا الحديثُ (١).
وبيانُ الدليلِ منه أنه لا يُعْرَضُ للقتال في ثلاثَ عَشْرَةَ سنةً، وأَرْبَعَ عَشْرَةَ سنةً، إلا من فيه قدرة على القتال، ولَمَا ردَّهُ النبيُّ ﷺ في هذا الحال، وأجازه وهو ابنُ خمسَ عَشْرَةَ سنةً، دلَّ أن العبرة بِالسِّنِّ المذكورةِ، ولو كان - العبرةُ بغير السن، لنقله ابنُ عمرَ صاحبُ القصة.
وبهذا البيانِ أخذَ الشافعيُّ، وأحمدُ، وصاحبا أبي حنيفة، وبعضُ أصحابِ مالك (٢).
وقال أبو حنيفة: هو ابن سَبْعَ عَشْرَةَ سنةً، وروي عنه: ثماني عشرة سنة (٣)، وهو تفسيرُ أهل اللغة.
стр. 679
وقال مالكٌ: هو أن يَغْلُظَ صوتُهُ، وتَنْشَقَّ أَرْنَبَتُهُ (١).
وقال أهلُ الظاهرِ: ليس لسنٍّ حدٌّ في البلوغ، فلا يبلغُ حتى يحتلمَ، ولو بلغَ أربعين سنةً (٢).
واختلفوا في نباتِ العانةِ:
فقال الشافعيُّ في أحدِ القولين: هو دلالة على البلوغ، وهو الصحيحُ عند أصحابه، وبه قالَ أحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ، وروي عن مالك (٣).
стр. 680
وقال في القول الثاني: هو نفسُ البلوغ، وبه قالَ مالكٌ (١).
ويظهر لي قُوَّتُه؛ لقول النبيِّ ﷺ لسعدِ بنِ مُعاب -رضي الله تعالى عنه-: "لقد قضيتَ بحكم الله"؛ حيثُ قضى في بني قريظة بقتل مقاتلتهم، وسبيِ ذراريهم (٢)، مع رواية عطية القرظي قال: عُرِضْنا على رسول الله ﷺ ، فمن كان مِنّا مُحْتَلِمًا، أو نَبَتَتْ عانتُه، قُتل (٣).
ففرق سعا بين الذرارِيِّ والمقاتِلة، وبيَّنَ النبيُّ ﷺ بفعلهِ أنَّ من نبتَتْ عانتُه من المقاتِلة، لا من الذراري، وأنه حكمُ الله، ولو لم يكنْ بالغًا لما قتله.
стр. 681
وقال أبو حنيفةَ: ليس ببلوغٍ، ولا بدليلٍ عليه (١).
* وإيناسُ الرشدِ؛ علمُه وتحققُه، مُقْتَصٌ من قوله تعالى: ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ [القصص: ٢٩]، أي: أَبْصَرَ، فلا يُدفَع إليه المالُ مع ظَنِّ الرشد دون تيقُّنه، والرشدُ هو الصَّلاحُ، ويقع على الصلاحِ في العقلِ وحفظِ المال، ويقع على الصلاحِ في الدينِ والمال، ويقع على الصلاحِ في المالِ فقط، ويقع على الصلاح في الدين فقط، وبكلِّ واحدٍ قال ناسٌ (٢) من المفسرين (٣).
وقيل: الرُّشْدُ -بالضم- يقع على الصلاح في المال، والرَّشَدُ (٤) -بالفتح- يقع على الصلاح في الدين، ونقل عن أبي عمرو (٥).
أما الفقهاءُ، فاختلفوا في المعنى المرادِ به، فقال أبو حنيفةَ ومالكٌ:
стр. 682
المرادُ: الصلاحُ في المال فقط (١).
وقال الشافعي: الصلاحُ في المال والدين (٢).
ولا شكَّ أنه أحوطُ، ولكنه أضيقُ وأَحْرَجُ؛ لقلة الصلاحِ في الدين في أكثرِ الناس من قديمِ الزمان، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
فإن قيل: فقد أمرنا الله سبحانه أن ندفعَ إليهم أموالَهم عند إيناسِ رشدٍ منهم، وذلك يقع على رشدٍ ما، فما وجه اشتراطِ الشافعي الرُّشْدَ في الدينِ والمال؟
قلنا: إن الله عَلَّقَ الدفعَ على إيناسِ رشدٍ ما، وكان ينبغي أن يُدفع إليه المالُ عند وجود الشرط، سواءٌ كان رشيدًا في ماله دون دينه، أو في دينه دون ماله، ولما اتفقوا على أنه لا يُدفع إليه في هذه الحالة، وهي إذا رَشَدَ في دينه دون ماله، جعل الشافعيُّ الحالةَ الأخرى مثلَها؛ إذ ليس إحدى الحالتين أَوْلى من الأخرى، ولِما فيه من حملِ اللفظِ المشتَركِ على جميع معانيه؛ إما لغةً، وإما احتياطًا.
ولكن يردُّ هذا الاستدلالَ مذهبُ مالكٍ وأبي حنيفة أن الخطابَ مع الأولياء جاء بصدد المال، ولم يُقصد به شيءٌ بلا من أمر الدين، فينبغي أن يصرفَ الرشدُ إلى الصلاح في المال؛ لقرينة القصد.
وقد بيَّنتُ أن القصدَ قرينةٌ قوية تخصُّ الأسماء ببعض مُسَمَّياتها، بل
стр. 683
يُعْدَلُ بها عن حقائقها إلى مجازاتها، ولأجل هذا أقولُ بقول مالك وأبي حنيفةَ، وأفتي به.
* ثم مفهومُ هذا الخطاب أنه إذا لم يبلغ النكاحَ، لا يُدفع إليه المالُ، وذلك إجماعُ المسلمين (١).
* ومفهومُه أيضًا أنه إذا بلغَ النكاح غيرَ رشيدٍ أنه لا يُدفع إليه المالُ، وهو كذلك عند الشافعي ومالك وغيرهما.
قال سعيدُ بن جبير: إن الرجلَ لَيَأْخُذَ بلحيته، وما بلغ رشده، فلا يدفع إليه مالُهُ، وإن كان شيخًا، حتى يُعلم منه إصلاحُ ماله (٢).
وقال الضَحَّاك نحوه.
وقال أبو حنيفة: إذا بلغ خمسًا وعشرين سنةً، يُعطى المال، وإن كان غيرَ رشيد (٣).
وهو استحسانٌ لا دليلَ عليه.
* ثم عمومُ اللفظ يتناول ذكورَ اليتامى وإناثَهم، ولا خلاف بين أهل العلم في أن الأمر فيهم واحد (٤)، لكنْ مالكٌ خالفَ في سن رشدِ المرأة،
стр. 684
فقال: لا يُتصور إيناسُ الرشدِ من المرأةِ إلا بعد اختبار الرجل (١)، فهي في حِجْر وليِّها، وإن بلغت حتى تتزوجَ ويدخلَ بها زوجُها، ويؤنسَ رشدَها، فهو موافقٌ لهم في الشرط، مخالف في التفصيل (٢).
وروي عنه مثلُ قول الجمهور (٣).
* وحرَّم الله سبحانه على الأولياء أكلَ أموالِهم مسرفين متجاوزينَ الحدَّ ومُبادرة لبلوغهم، وأباحه بالمعروفِ للفقير دونَ الغني (٤)، فقال: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
فأخذ الشافعيُّ بظاهر الآية، وحقق التأويلَ بالنظر من القياس، فأوجبَ العفَّةَ على الغني، وإن عمل في مال اليتيم عملًا لمثلِهِ أجرةٌ، وأباحَ للفقير إذا عملَ عملًا له أجرٌ أن يأخذ أقلَّ الأمرين من أجرةِ عملِه أو كفايتِه، فذلك الأكل بالمعروف (٥).
* واختلف قوله هل يجبُ ردُّ البدلِ إذا أيسرَ، أو لا؛ لأنه في مقابلة عمله؛ وهو الصحيح (٦).
стр. 685
أما إذا لم يعمل على مال اليتيم، فلا يجوز له الأكلُ، وإن كان فقيرًا؛ لأنه أكل بغير المعروفِ (١).
فإن قيل: إنما أبيح له الأكلُ لأجل الفقر، لا لأجل العمل، ولو كان لأجل العمل، لجاز للغنيِّ (٢)، ولم يجب عليه الاستعفافُ، ولَمَا كان لذكر الفقر فائدةٌ.
قلت: وإنما لم يأخذ الغنيُّ في مقابلة عمله؛ لبيان النبيِّ ﷺ ، فقد روينا في "صحيح البخاري" عن عائشة -رضي الله تعالى عنها-: أنها نزلت في والي اليتيم إذا كان فقيرًا أنه يأكلُ منه مكانَ قيامِه عليه بالمعروف (٣) (٤)،
стр. 686
ولأن القيامَ على مال اليتيم فرضُ كفايةٍ لإصلاح حاله، وفرضُ الكفاية لا يجوزُ أخذ الرزق عليه إلا للفقير دون الغني؛ كولاية القضاء (١).
* إذا تمَّ هذا، فقد انقسم العلماء في هذه الآية على ضربين:
فقال بعضهم: هي منسوخةٌ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠]، ويروى عن ابن عباسٍ وزيدِ بنِ أسلم (٢).
وهذا ضعيفٌ باطلٌ لا يصحُّ عنهما؛ فإن الله سبحانه حرم أكلَ أموالِهم بالظلم، وأباحه (٣) بغير الظلم، والمعروفُ غيرُ الظلمِ؛ لأنه في مقابلة عمله، فلا تعارض بينهما، فلا نسخ.
وقال جمهورهم: هي محكمةٌ (٤).
стр. 687
واختلفوا في تفسير المعروف، فقيل: هو الأكل قرضًا يؤديه إذا أَيْسَرَ.
* وقوله تعالى: ﴿فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾؛ معناه: في رَدِّ ما استقرضتُم من أموالهم، ويروى هذا القولُ عن عمر، وابن عباسٍ، والشعبيِّ، ومجاهدٍ، وابن جبيرٍ، وأبي العالية، والأوزاعيِّ، وهو أحد قولَي الشافعي.
وقيل: هو ما يسدُّ جوعه إذا احتاج، وليس عليه ردُّه، وهو القولُ الصحيحُ للشافعيِّ، ويروى عن الحسنِ، وقتادةَ، والنخعيِّ، وعطاءِ بنِ أبي رباح.
وقيل: هو الأكلُ من الغَلَّةِ والربحِ، دونَ الأكلِ من الناضِّ (١)، ويروى عن الشعبيِّ، والضَّحّاكِ، وأبي العاليةِ أيضًا.
وقيل: هذا خاصٌّ بالسفرِ من أجلِ مالِ اليتيم، وأما في الحَضر، فيمتنع مطلقًا، قاله أبو حنيفةَ وصاحباه (٢).
وأمر الله سبحانه الأولياءَ بالإشهادِ على الدفع إليهم إرشادًا لا إيجابًا (٣)؛ خوفًا من الاختلاف فيما بعد.
стр. 688
стр. 689
(من أحكام المواريث)
٦٤ - (٥) قوله ﷻ : ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧)﴾ [النساء: ٧].
* بيَّن الله سبحانه في هذه الآية أن للرجالِ وللنساء نصيبًا، ولم يبينْ مقداره.
فروي عن يونسَ بنِ عبدِ الأعلى قال: قال لي الشافعي في قوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ نُسخ بما جعل للذكر والأنثى من الفرائض (١).
وهذا القولُ ضعيفٌ؛ لأن الحكمَ لم يتقررْ بالنصيب، ومقداره لم يَرِدْ حكمٌ آخرُ يناقضه، وإنما هو مجملٌ في المقدار، ثم بَيَّنه الله تعالى في آية المواريث (٢).
стр. 690
قال ابن عباسٍ في رواية الوالبي: إن أوسَ بنَ ثابتٍ الأنصاريَّ تُوفي وتركَ ثلاثَ بناتٍ وامرأةً يقال لها أم كُجَّة، فقام رجلان من بني عمه، فأخذا المالَ ولم يعطيا امرأته ولا بناته شيئًا، فجاءت أُمُّ كُجَّةَ (١) إلى رسول الله ﷺ ، وذكرت له ذلك، فنزلت هذه الآية (٢).
ويروى: أن النبيَّ ﷺ قال: "لا تُفَرِّقا مالَهُ حَتَّى يَنْزِلَ بَيانُ النَّصيب"، فنزل: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ (٣).
* * *
٦٥ - (٦) قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٨].
* لمَّا أمرنا اللهُ سبحانه برزق ذَوي القربى واليتامى والمساكين إذا حضروا القسمةَ رزقًا غيرَ مقدَّرٍ، اختلف العلماء في العملِ بهذه الآيةِ والجوابِ عنها، وتشعبت بهم الطرقُ:
١ - فقال قوم: هي منسوخة (٤)، واختلفوا في الناسخ لها:
стр. 691
- فقيل: إنها منسوخةٌ بآية المواريث (١).
وقيل: نسختها آيةُ المواريثِ والوصية (٢)، ويروى عن ابنِ عباسٍ، وعطاءٍ، والضَّحَّاكِ، والسُّدِّيِّ، وعكرمةَ، وابنِ المسيِّب.
- وقيل: نسختها آية (٣) الزكاةُ، ويروى (٤) عن الحسنِ (٥).
والقولُ بالنسخ ضعيفٌ؛ لعدم العلم بتقدم هذه الآية على الناسخ الذي ذكروه (٦)، وتقدمُه في الترتيبِ لا يوجبُ تقدمَه في التنزيل، ولعدمِ المعارضَةِ بينهما وبين الناسخ (٧) الذي ذكروه (٨)، نعم إن ثبت النسخُ بنقلٍ عن الشارع ﷺ ، فحينئذ يعلم أن الأمرَ على الوجوب، وأنه قد استقرَّ حكمُه حتى ورد عليه ما نسخه.
٢ - وقال جمهورُهم؛ كعائشةَ وأبي موسى: هي محكَمَةٌ غيرُ منسوخة (٩).
стр. 692
وهو الصحيحُ في النقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
روينا في "صحيح البخاري" عن عكرمةَ عن ابنِ عباس قال: هي محكمةٌ وليست بمنسوخة، وتابعه سعيدٌ عن ابنِ عباسٍ (١).
ثم اختلف هؤلاءِ:
- فذهب قومٌ إلى التأويل: عن ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-: أنه قال: هي مخاطبة للمُوصي يقسم وصيته بيده على الندب والترغيب في ذلك (٢).
- وتركه قومٌ على ظاهره.
ثم اختلف هؤلاء أيضًا:
فحمله قومٌ على الوجوب بظاهرِ الأمرِ، فقالوا: تجب الصلةُ بما طابتْ به أنفسُ الورثةِ عند القسمة، وروي عن مجاهدٍ، والحسنِ، والزهري (٣).
وروي أن ابن عُلَيَّةَ نُصِّبَ وصياً ليتيم، فذبح لمن حضره شاةً، وقال: لولا هذه، لكانت في مالي (٤).
стр. 693
وهذا القولُ ضعيفٌ؛ لأن ما يجب لا يشترط فيه طيبةُ أنفسِ الوَرَثَةِ، فقد لا تطيبُ أصلًا، وقد يكونون أيتاماً لا يتصور طيبُ أنفُسِهم، بل هذا من خصائصِ المندوبِ إليه.
والذي ذهب إليه مالكٌ والشافعيُّ وأكثرُ أهل العلم أن الآيةَ مُحكَمَة محمولةٌ على الندبِ والاستحبابِ، لا الحَتْم والإيجاب، وهو قولُ ابنِ جُبير وعطاءٍ، ويروى عن ابنِ عباسٍ ومجاهدٍ -رضي الله تعالى عنهم (١) -.
والدليل على صحته إجماعُ الأمةِ على أنهم إذا لم يحضروا القسمة لا يُرزقونَ شيئًا؛ كما اقتضاهُ الخطابُ في الآية، ولو كان واجبًا لوجبَ لهم، وإن لم يحضروا؛ كسائر الفرائضِ الواجباتِ، ولأنه لو كان واجبًا لكان مُقَدَّرًا محدودًا؛ كسائر الفرائض، فدلَّنا ذلك أنه على الندب (٢).
стр. 694
(من أحكام الوصية)
٦٦ - (٧) قوله : ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: ٩].
* أمر الله سبحانه حاضرَ المُوصي أن يعدلَ في تلقينه بالوصية كما يعدل هو في وصيته لو كان هو الموصي (١) يورثُ ولدَه، وليتقِ الله سبحانه، فلا يتجاوزِ الثلثَ، وليقلْ قولًا سديداً، أي: صوابًا، وهو التلقين (٢) بما دونَ الثلث، فالمقصودُ بالخطابِ الحاضرون (٣).
стр. 695
قال ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- في رواية عطاء: كان الرجلُ إذا حضرته الوفاةُ، قعدَ عنده أصحابُ رسولِ الله ﷺ ، فقالوا: انظر لنفسك؛ فإن ولدك لا يغنون عنك من الله شيئًا، فيقدم جُلَّ ماله، ويحجُبُ ولدَه، وهذا قبل أن تكونَ الوصيةُ في الثلث، فكرهَ اللهُ ذلك منهم، فأنزل: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾ (١).
فإن قلتم: إذا كان الخطابُ مع حاضري الموصي، والنهيُ لهم، فمقتضى هذا أن الموصيَ إذا جاوزَ الثلثَ بوصيته لا إثم عليه؛ لأن النهي لم يواجهه، وإن وصيته صحيحة؛ إذ لو لم يصحَّ لما حذر الحاضرين من ذلك.
قلنا: إذا فعل ذلكَ، فهو مأثومٌ، ووصيتُه غيرُ صحيحة؛ لبيان النبي ﷺ .
روينا في "الصحيحين" عن سعد بن أبي وَقّاصٍ قال: جاءني رسولُ الله ﷺ يعودُني عامَ حجةِ الوداع من وَجَعٍ (٢) اشتدَّ بي، فقلت: يا رسول الله! قد بلغَ بي من الوجَعِ ما ترى، وأنا ذو مالٍ، ولا يرثنُي إلا ابنةٌ، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: "لا" قلت: فالشطر يا رسول الله؟ فقال (٣): "لا"، قلت: فالثلث؟ قال: "الثُّلُثُ، والثلُثُ كثير، إنكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِياءَ خير مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عاَلة يَتكفَّفُونَ النَّاسَ" (٤).
стр. 696
والنهي يقتضي التحريمَ والفسادَ على قولِ أكثرِ الأصوليين، ولأنه ﷺ لما بلغ الثلث، وأجازه مع استكثاره له وكراهته الوصية به، ومحبته لِما هو دونه؛ حيث قال: "الثلثُ، والثلثُ كثيرٌ، إنك أن تذرَ ورثتكَ أغنياءَ خيرٌ من أن تذرهم (١) عالَه يتكففُونَ الناسَ"، دلَّ ذلك على أنه محلُّ الجَواز، وأن ما فوقه غيرُ مَحَل للجواز، ولأنه روي عن ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-: أن الخطابَ واردٌ مع الموصي أيضًا.
فإن قلتم: هذا الحكمُ قيده الله سبحانه بوصفين، فما الحكمُ لو لم يترك ذريةً (٢)، أو ترك ذريةً بالِغينَ غيرَ ضعفاءَ؟
فالجواب:
* أنه اختلفَ أهلُ العلم فيما إذا لم يتركْ ورثةً:
فمنعه مالكٌ، والشافعيُّ، وأهلُ المدينة، والأوزاعيُّ، وأحمدُ في أحد قوليه (٣).
وجوّزَه أبو حنيفةَ، وإسحاقُ، وأحمدُ في قوله الآخر (٤).
стр. 697
وروي عن عبد اللهِ بن مسعود (١) رضي الله تعالى عنه.
ويدلُّ لهؤلاء (٢) المفهومُ من الآيةِ والحديث؛ لذكر الذريةِ والورثةِ فيهما.
ومُخالِفُهُ (٣) لا يسلِّم أنَّه مفهومٌ مخالفٌ للنطق، بل يقول: هو مسكوتٌ عنه، موافقٌ للمنطوقِ به بالنظرِ والقياس؛ لأنَّ المسلمينَ ورثتُه، وفيهم الأيتامُ والضعفاءُ، فلا يجوزُ له الحَيْفُ عليهم، والتخصيصُ بأحدهم.
وأما إذا كان ورثتُه بالغينَ غيرَ ضعفاء، فقد اتفق أهلُ العلم على منعه أيضًا كالضعفاء؛ لحديث سعدٍ -رضي الله تعالى عنه -.
وذكرُ الضعفِ جاءَ على سبيل الترقيقِ لقلوبِهم، والتلطفِ بهم في تركِ الحَيْفِ؛ بدليل المخاطبةِ بالذريَّةِ، والذريَّةُ وسائرُ الورثةِ في ذلكَ سواءٌ؛ لحديثِ سعدٍ، ولأجلِ الاتفاقِ على مَنعْ الحَيْف.
قال الشيخُ أبو حامد الإسفرايينيُّ من الشافعية: لا تَصِحُّ الوصيةُ بما زادَ على الثلث، قولًا واحدًا، فإن أجازه الورثةُ، فهل يكونُ ذلك تنفيذًا لما فعله المُوصي، أو ابتداءَ عطية من الورثة؟ على قولين.
وقال غيره: هل تصحُّ الوصية؟ فيه قولان.
أحدهما: أنها باطلة.
والثاني: أنها صحيحةٌ؛ لمصادفتها ملكه، وتعلقُ حقِّ الوارثِ لا يمنع الصِّحَّةَ؛ كالشُّفْعَةِ (٤).
стр. 698
(من أحكام المواريث)
٦٧ - (٨) قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١١].
* ذكر اللهُ سبحانه في هذه الآية ميراثَ الأولادِ الذكورِ والإناثِ، فإن كانتْ واحدة، فلها النصفُ، وإن كنَّ فوق اثنتين، فلهنَّ ثُلُثَا ما تركَ، وقد علم بهذا ميراثُ المذكور إن تمحَضوا، فإن كانَ ابنا واحدًا فله الكلُّ؛ لأنه مثلُ حظِّ الأنثيين عند انفرادهما بأبوين، وإن كانوا أكثرَ من ذلك، فالمالُ بينهم بالتَّعْصيب، وهذا إجماعٌ من الأمة (١).
ويزيدُه بياناً ما رويناه في "الصحيحين" عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-، عن النبي ﷺ قال: "أَلْحِقُوا الفَرائِضَ بأَهْلِها، فما بقِيَ فهو لأوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ" (٢).
стр. 699
فالبنون (١) أولى الرجال بالميت (٢).
* وأجمعتِ الأمةُ أيضًا على أن للبنتين الثُّلُثين (٣)، إلا ما رُوي عن ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-: أنه قال: للبنتين النصفُ، والثلثان مختصٌّ بالثَّلاثِ، فصاعداً؛ أخذاً بَظاهر قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ (٤) [النساء: ٦]، وأقلُّ الجمع عنده وفي لسانِ قومه ثلاثٌ، ولهذا لم تُحجَبُ الأمُّ من الثلثِ إلى السدسِ بالأخوين؛ لأنهما ليسا عنده بإخوة.
فإن قلتم: فكيف المَخْلَصُ من شبهته؟
قلت (٥): يكون المخلصُ من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن المراد بالنساء الاثنتين إما حقيقةً، وإما (٦) مجازاً، وكلمة (فوق) صلة و (٧) زيادةٌ (٨)؛ لما روى عبدُ الله بنُ محمدِ بن عقيلٍ، عن جابر
стр. 700
-رضي الله تعالى عنه -: أن رسولَ الله ﷺ أعطى البنتين الثلثين (١).
وثانيها: أنه من مجاز التقديم، والتقدير (٢): (فإن كنَّ نساءً اثنتين فما (٣) فوقَ ذلك)، و (فوق) كلمة تستعمل في ذلك كثيرًا؛ كقوله تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: ١٢]، أي: فاضربوا الأعناق فما فوقها، فأرشدَ إلى ضربِ الرأسِ والعنقِ؛ لما فيه من النكاية فيهما؛ لضعفهما، واجتماعِ العروق فيهما، وخفةِ لباسهما، وسكونِ العقل فيهما، وهذا أحسنُ مِنْ مجازِ الزيادةِ والصلة؛ لما ذكرتُه، ولما فيه من الدلالةِ على حكمِ الثلاث.
وثالثها: وهو أسدُّها -إن شاء الله تعالى-، وهو أن الألفاظَ باقية على حقائقِها من وقوعِ جميع النساءِ على الثلاث، ومن استعمال كلمة (فوق)
стр. 701
فيما زاد على اثنتين من غيرِ تقديم وتأخير، وأن حكم الثنتين (١) مأخوذٌ من فَحوى الخطاب، لا من نصِّ الخطاب، فذكر (٢) الله سبحانه أن فرضَ البنتِ الواحدة النصفُ، وذكر أن فرض البنات اللاتي هن فوق الاثنتين الثلثانِ، وأكد جَمْعَ النساء بقوله: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾؛ لئلا يَظُنَّ ظانٌّ أن المرادَ بالجمعِ اثنتان فقط، فيتوهم أن للثلاثِ والأربعِ وما زادَ كلَّ المال؛ لكونهم زادوا على ضعف الواحدة، ولقوة البنوة، ولهذا قدَّمه في الذِّكر على الواحدة، اهتمامًا به، ولم يقصد به مخالفةَ حكمِ الثلاثِ حكمَ الاثنتين في مقدار النصيب، بل حكمُ اثنتين ملحقٌ بحكمِ الثلاثِ؛ لمفهوم قوله: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾؛ فإنَّه يدلُّ على أن الاثنتين لهما أكثرُ من النصف، فألحقنا الاثنتين بالثلاث؛ كالأخوات، بل البنتين (٣) أولى بأخذ الثلثين من الأختين، ولأن إلحاقَ البنتينِ (٤) بالثلاثِ أولى من إلحاقهما بالواحدة؛ لمشاركتهما في وقوع الجمع عليهما، إما مجازًا، وإما حقيقة كالثلث.
وهذا أحسنُ جوابٍ؛ لما فيه من إبقاء الألفاظ على حقائقها، والسلامةِ من الوقوع في المجاز من غير ضرورة، ولما فيه من العمل بالمفهوم المعضود بالقياس، ولا شك أنَه خيرٌ من المجاز في الاستعمال، وأقوى في الاستدلال.
وظنِّي أن هذا النقلَ عن ابن عباسٍ غيرُ صحيحٍ (٥)؛ فإنّ لا يُظَنُّ به أن
стр. 702
يجعل نصيبَ البناتِ دونَ نصيبِ الأَخَوات، ولا أنه يجعلُ إلحاقَ الاثنتين بالواحدة أولى من الثلاث، ولكنه لما كان مذهبُه في الإخوة في نقصان الأم أنهم لا يقعون على الاثنتين؛ لكونهما ليسا بجمعٍ عنده وفي لسان قومه، اعتقد من اعتقد أن مذهبه هنا كذلك؛ لكون النساء جمعًا لا (١) يقعُ على الاثنتين؛ فنقل مَذْهباً له، وليس كذلك، فالطريق هنا غير الطريق هناك، والله أعلم.
* ثم ذكر الله سبحانه ميراث الأبوين، ففرض لهما السدس عند وجود الولد، وفرضَ للأم وحدَها الثلثَ عند عدم (٢) الولد، وسكت عن الأب، ولا شك أنه يفهم من سياق ذلك أن له الباقي، مع ما روينا في "الصحيحين" عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "اقْسِموُا المالَ بَيْنَ أَهْلِ الفَرائِضِ على كتابِ اللهِ تَعالى، فما تَرَكَتْ فَلأِوْلى رَجُلٍ ذَكَرٍ" (٣).
فإن قلتم: فإذا كانَ الولد بنتاً، فإنَّه يقتضي أنه ليس للأب إلا السدسُ فقط، وهو يأخذ الجميع.
فالجواب: أنه يأخذ الجميع بجهتين مختلفتين، يأخذُ السدسَ بالفرضِ المذكور في الآية، والباقي بالتعصيب؛ للحديث السابق (٤).
стр. 703
ولهذا قال رجل للشعبيِّ لَمّا سأله عن رجل ماتَ وخلَّفَ بِنْتًا وأبًا، فقالَ: للابنةِ النصفُ، والباقي للأب: أصبتَ المعنى، وأخطأتَ العبارةَ، قل: للأبِ السدسُ، وللابنةِ النصفُ، والباقي للأب (١).
فإن قلتم: فهذا يؤدي إلى أن الأب لا يأخذ مِثْلَيْ ما تأخذ الأمُّ فيما إذا تركَ زوجةً وأَبَوَيْنِ، بل يؤدِّي إلى أنها تأخذُ أكثر من الأبِ فيما إذا تركتْ زوجًا وأبوين (٢)، وجميعُ ذلك مخالفٌ لقياسِ الأصول.
والجوابُ (٣) أن هذا سؤال قويٌّ ظاهرٌ، وقد أخذ به ابنُ عباس، فجعل (٤) في الأولى للزوجة الربع، وللأم الثلث من رأس المال؛ لأنهن ذواتُ الفرض، وللأب ما بقي؛ لأنه ذو تعصيب، وجعل في الثانية للزوجِ النصف، وللأمِّ الثلث من رأس المال، وللأب ما بقي (٥)، وتابعه شريحٌ القاضي، وداودُ، وابنُ شُبْرُمَةَ، وجماعةٌ، واختاره ابنُ اللَّبّان.
والذي عليه جمهورُ الصحابةِ وسائرُ الفقهاء أن للأمِّ ثُلُثَ الباقي بعدَ فرضِ الزوجِ والزوجة بالفرض، والثلثان للأب بالتعصيب؛ لشهادة الأصول
стр. 704
بذلك؛ كالابن والابنة، والأخ والأخت إذا انفردوا، للذكر مثلُ حَظ الأنثيين، وكذلك إذا اجتمعا مع الزوج والزوجة (١)، ونهاية ما استدلوا به أن يكون مطلقاً، وتقييدُ المطلَقِ جائزٌ في القياس والاستدلال؛ بشهادة الأصول.
روى (٢) عكرمةُ قال: أرسل ابنُ عباسٍ إلى زيدِ بنِ ثابتٍ، فسأله عن امرأة تركَتْ زوجَها وأبويها، فقال: للزوجِ النصفُ، وللأم ثلث ما بقي، قال: تجدُه في كتاب الله، أو تقوله برأي؟ قال: لا أُفَضلُ أُمّا على أب (٣) (٤).
стр. 705
وهذه عبارةُ أهلِ العلمِ من الخلفِ والسلف؛ اتباعًا لكتاب الله، وعملًا بالأصول.
ولقد أخطأ القاضي أبو الفتوح بنُ أبي عقامة حيث قال: لا يُقال: للأم ثلثُ ما بقي، وإنما يقال: لها سدسُ جميع المال، أو ربُعه؛ لمخالفة عبارة