← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 14827

تيسير البيان لأحكام القرآن

ابن نور الدين

Полный текст (1 649 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

فيما زاد على اثنتين من غيرِ تقديم وتأخير، وأن حكم الثنتين (١) مأخوذٌ من فَحوى الخطاب، لا من نصِّ الخطاب، فذكر (٢) الله سبحانه أن فرضَ البنتِ الواحدة النصفُ، وذكر أن فرض البنات اللاتي هن فوق الاثنتين الثلثانِ، وأكد جَمْعَ النساء بقوله: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾؛ لئلا يَظُنَّ ظانٌّ أن المرادَ بالجمعِ اثنتان فقط، فيتوهم أن للثلاثِ والأربعِ وما زادَ كلَّ المال؛ لكونهم زادوا على ضعف الواحدة، ولقوة البنوة، ولهذا قدَّمه في الذِّكر على الواحدة، اهتمامًا به، ولم يقصد به مخالفةَ حكمِ الثلاثِ حكمَ الاثنتين في مقدار النصيب، بل حكمُ اثنتين ملحقٌ بحكمِ الثلاثِ؛ لمفهوم قوله: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾؛ فإنَّه يدلُّ على أن الاثنتين لهما أكثرُ من النصف، فألحقنا الاثنتين بالثلاث؛ كالأخوات، بل البنتين (٣) أولى بأخذ الثلثين من الأختين، ولأن إلحاقَ البنتينِ (٤) بالثلاثِ أولى من إلحاقهما بالواحدة؛ لمشاركتهما في وقوع الجمع عليهما، إما مجازًا، وإما حقيقة كالثلث. وهذا أحسنُ جوابٍ؛ لما فيه من إبقاء الألفاظ على حقائقها، والسلامةِ من الوقوع في المجاز من غير ضرورة، ولما فيه من العمل بالمفهوم المعضود بالقياس، ولا شك أنَه خيرٌ من المجاز في الاستعمال، وأقوى في الاستدلال. وظنِّي أن هذا النقلَ عن ابن عباسٍ غيرُ صحيحٍ (٥)؛ فإنّ لا يُظَنُّ به أن

стр. 702

يجعل نصيبَ البناتِ دونَ نصيبِ الأَخَوات، ولا أنه يجعلُ إلحاقَ الاثنتين بالواحدة أولى من الثلاث، ولكنه لما كان مذهبُه في الإخوة في نقصان الأم أنهم لا يقعون على الاثنتين؛ لكونهما ليسا بجمعٍ عنده وفي لسان قومه، اعتقد من اعتقد أن مذهبه هنا كذلك؛ لكون النساء جمعًا لا (١) يقعُ على الاثنتين؛ فنقل مَذْهباً له، وليس كذلك، فالطريق هنا غير الطريق هناك، والله أعلم. * ثم ذكر الله سبحانه ميراث الأبوين، ففرض لهما السدس عند وجود الولد، وفرضَ للأم وحدَها الثلثَ عند عدم (٢) الولد، وسكت عن الأب، ولا شك أنه يفهم من سياق ذلك أن له الباقي، مع ما روينا في "الصحيحين" عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "اقْسِموُا المالَ بَيْنَ أَهْلِ الفَرائِضِ على كتابِ اللهِ تَعالى، فما تَرَكَتْ فَلأِوْلى رَجُلٍ ذَكَرٍ" (٣). فإن قلتم: فإذا كانَ الولد بنتاً، فإنَّه يقتضي أنه ليس للأب إلا السدسُ فقط، وهو يأخذ الجميع. فالجواب: أنه يأخذ الجميع بجهتين مختلفتين، يأخذُ السدسَ بالفرضِ المذكور في الآية، والباقي بالتعصيب؛ للحديث السابق (٤).

стр. 703

ولهذا قال رجل للشعبيِّ لَمّا سأله عن رجل ماتَ وخلَّفَ بِنْتًا وأبًا، فقالَ: للابنةِ النصفُ، والباقي للأب: أصبتَ المعنى، وأخطأتَ العبارةَ، قل: للأبِ السدسُ، وللابنةِ النصفُ، والباقي للأب (١). فإن قلتم: فهذا يؤدي إلى أن الأب لا يأخذ مِثْلَيْ ما تأخذ الأمُّ فيما إذا تركَ زوجةً وأَبَوَيْنِ، بل يؤدِّي إلى أنها تأخذُ أكثر من الأبِ فيما إذا تركتْ زوجًا وأبوين (٢)، وجميعُ ذلك مخالفٌ لقياسِ الأصول. والجوابُ (٣) أن هذا سؤال قويٌّ ظاهرٌ، وقد أخذ به ابنُ عباس، فجعل (٤) في الأولى للزوجة الربع، وللأم الثلث من رأس المال؛ لأنهن ذواتُ الفرض، وللأب ما بقي؛ لأنه ذو تعصيب، وجعل في الثانية للزوجِ النصف، وللأمِّ الثلث من رأس المال، وللأب ما بقي (٥)، وتابعه شريحٌ القاضي، وداودُ، وابنُ شُبْرُمَةَ، وجماعةٌ، واختاره ابنُ اللَّبّان. والذي عليه جمهورُ الصحابةِ وسائرُ الفقهاء أن للأمِّ ثُلُثَ الباقي بعدَ فرضِ الزوجِ والزوجة بالفرض، والثلثان للأب بالتعصيب؛ لشهادة الأصول

стр. 704

بذلك؛ كالابن والابنة، والأخ والأخت إذا انفردوا، للذكر مثلُ حَظ الأنثيين، وكذلك إذا اجتمعا مع الزوج والزوجة (١)، ونهاية ما استدلوا به أن يكون مطلقاً، وتقييدُ المطلَقِ جائزٌ في القياس والاستدلال؛ بشهادة الأصول. روى (٢) عكرمةُ قال: أرسل ابنُ عباسٍ إلى زيدِ بنِ ثابتٍ، فسأله عن امرأة تركَتْ زوجَها وأبويها، فقال: للزوجِ النصفُ، وللأم ثلث ما بقي، قال: تجدُه في كتاب الله، أو تقوله برأي؟ قال: لا أُفَضلُ أُمّا على أب (٣) (٤).

стр. 705

وهذه عبارةُ أهلِ العلمِ من الخلفِ والسلف؛ اتباعًا لكتاب الله، وعملًا بالأصول. ولقد أخطأ القاضي أبو الفتوح بنُ أبي عقامة حيث قال: لا يُقال: للأم ثلثُ ما بقي، وإنما يقال: لها سدسُ جميع المال، أو ربُعه؛ لمخالفة عبارة

стр. 706

القرآن، فهو نظر إلى المتحصَّل، ولم ينظر إلى الطريق المؤدية إليه. * ثمَّ بيَّن اللهُ سبحانه أن فرضَ الأم مع الأخوة السدسُ، وذلك إجماعٌ من الأمة (١). * واختلفوا في مقدار الإخوة. فقال ابنُ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-: هم ثلاثة؛ لأن الأخوين ليسا بإخوةٍ. وقال سائرُ الصحابةِ وغيرُهم من الفقهاء: مقدارهم اثنان، إما لأنهما أقلُّ الجمعِ حقيقةً، وإما لأنه محمول عليهما مجازًا للدليل. روي أن أبنَ عباسٍ دخل على عثمانَ -رضي الله تعالى عنهم-، فقال له: قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ وليس الأخوان إخوةً بلسانِ قومك، فقال له عثمانُ: لا أستطيع أن أردَّ ما كان قبلي، وانتشرَ في الأمصار، وتوارثَ به الناس (٢). فاعتذرَ منهُ بالإجماع (٣). * إذا تمَّ هذا، فالإخوةُ في الآية تقع على الذكور والإناث، إلا عند بعض المتأخرين ممَنْ لا يرى دخولَ الإناث في خطاب الذكور، فقال: لا تنقصُ

стр. 707

الأم بالأخوات، إلا أن يكون معهنَّ أخ؛ لتغليب العربِ المذكرَ على المؤنث (١). * وبيَّن الله سبحانه أنه لا يرثُ ولا يورث إلَّا من كانَ موافقًا في الدين، ولم يكنْ عبدًا، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ (٢) [الأنفال: ٧٣]. وروى أسامةُ بنُ زيدٍ: أَنَّ النبي ﷺ قال: "لا يَرِثُ الكافِرُ المُسْلِمَ، ولا المُسْلِمُ الكافِرَ" (٣)، وقال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥]، ولأن توريثه يؤدي إلى توريثِ الأجنبي؛ لأنَّ السيدَ يملك العبدَ واكتسابَه، والأجنبيّ لا يرثُ مَنْ لا نسبَ بينَه وبينَه، ولا زوجية، وقد يكونُ الأجنبيُّ مالكُ العبدِ قاتلًا، فيؤدي إلى توريث القاتل، وقد قطعَ اللهُ الموالاة بينهما، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣]، فجعل وليَّ المقتول غيرَ القاتل (٤).

стр. 708

وروى ابنُ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-: أن النبي ﷺ قال: "لا يَرِثُ القاتِلُ شيئًا" (١). * ثمَّ بيَّن الله سبحانه أن التوريثَ المذكور إنما يكون من بعدِ وصيةٍ يوصي بها، أو دينٍ. فيحتمل أن يريد منهم أنهمِ لا يرثون شيئًا من التركة إلا بعدَ أداءِ الدَّين، وهو ظاهرُ الخطاب، وبه أخذ أبو سعيدٍ الإصطخريُّ من الشافعيةِ، فروي عنه منعُ الإرثِ بالدَّيْنِ مطلقًا، وروي عنه التفريقُ بين المستغرِق وغيرِه، فإن لم يكن مستغرِقًا، منع الإرث في القَدر (٢) الذي يقابله (٣). ويحتملُ أن يريدَ أنه ليسَ لهم قسمةُ التركةِ والأخذُ منها إلا بعد أداءِ الوصيةِ والدَّيْنِ، وأما الملكُ فينتقلُ إليهم، ويكونُ من بابِ التعبيرِ عن المسبَّبِ بالسببِ؛ لأن القسمةَ مسببةٌ، وسببُها الإرثُ، والدليلُ على ذلك الإجماعُ فيما إذا خلفَ اثنين، فماتَ أحدُهما قبلَ قضاءِ الدين، وخلفَ ابناً، ثم أبرأ (٤) من له الدينُ، فإن التركةَ تنقسمُ بين الابنِ وابنِ الابنِ، فلو لم يملكِ الابنُ الهالكُ، لما ورثَ ابنُه. والدليل أيضًا أن من أسلمَ، أو أعتقَ بعد الموتِ وقبلَ قضاءِ الدين،

стр. 709

لا يرثُ إجماعًا، ولو لم يورَّث قبل ذلك، لورثه هؤلاء. والدليلُ أيضًا كونُ الوصيةِ الشائعةِ لا تمنعُ الإرثَ اتفاقًا، وإنما تمنعُ قسمةَ التركةِ، وهي قرينةُ الدَّيْنِ في الحكم الذي فرق بينهما لشأنه، فلا يجوز أن يختلفا في الحكم اتفاقًا، فيفوتُ بيانُ الحكم الذي قرن بينهما لأجله، ولأنه يؤدي إلى حملِ اللفظِ الواحدِ على معنيين مختلفين، وذلك غيرُ جائزٍ عندَ أكثر الأصوليين، ولا شكَّ في أن غيرَ المشترَكِ خيرٌ منه. فإن قلت: الصحيحُ عند أهل العلم بالأصول أن المقارِنَ ليسَ له حكمُ قرينه، فكيف ادَّعيتَ الاتفاقَ (١) هنا؟ قلت: إن ذلك فيما إذا قَرَنَ بين أمرين في الذِّكر، وخَصَّ أحدَهما بالحكم دونَ الآخر، وأما إذا قَرَنَ بينهما، وقَصد بالحكم قصدًا إجمالياً، ثم بيَّن في أحدهما، فإن للآخر حُكْمَ قرينه، وهذا تحقيق حسنٌ لم يتنبَّهْ أحد عليه (٢)، والحمدُ للهِ على نعمِه ومِنَنه. وبعدم المنع للإرث قال سائرُ الشافعية (٣). وقال أبو حنيفة: إن كان الدَّيْنُ يستغرقُ التركةَ، منعَ الإرثَ، وإلا فلا يمنعُ من الإرث شيئاً (٤). فإن قلتم: الوصيةُ والدَّيْنُ مطلقان، وذلك يقتضي تقديمَ أيِّ وصيةٍ كانت، وأيِّ دينٍ كان لله سبحانه، أو للآدميين. قلنا: أما الوصيةُ فهي مقيدَةٌ في قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: ١٢]،

стр. 710

وفي قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾ [النساء: ٩]، ولا يبطل حكمُ المقيدِ بتأخرِ المطلَقِ عنه، بل يقضى به عليه، وكذلك (١) التقييدُ مذكورٌ في حديثِ سعدِ بنِ أبي وقاص أيضًا (٢). وأما الدينُ، فإنَّه في عُرْفِ اللسانِ مختصٌّ بدين الآدميين، وأما الواجباتُ الشرعيةُ، فلا تسمى في اللغة دَيْناً، ولهذا ألحقها مالكٌ وأبو حنيفةَ بجنس الوصايا، فقالا: إن أوصى بها، أُخرجتْ من الثلث، وإن لم يوص، لم يلزم الورثةَ إخراجُها، وألحقها الشافعيُّ بدين الآدميين (٣)؛ لقوله ﷺ : "أَرَأَيْتِ لَوْ كانَ على أمكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قاضِيتهُ؟ اقْضُوا اللهَ، فاللهُ أَحَق بالوَفاءِ" (٤)، فهي لاحقة بالدينِ بالاستدلالِ، لا بالعموم. * إذا تَمَّ هذا، فالدَّين مقدَّم على الوصية عندَ اجتماعهما، والدينُ معتبرٌ من رأسِ المالِ، والوصيةُ من الثلثِ اتفاقاً، وكلمة (أو) معناها التفصيل والتقسيم. * ولم يذكر اللهُ سبحانه الكَفَنَ وتجهيزَ الميتِ؛ لوضوحِه عندَ الناس كما جرتْ عادتُهم بتقديمه على كل شيء، ولا شك أنَّه مقدَمٌ على الدِّيْنِ أيضًا بإجماعِ المسلمينِ، وإنما اختلفوا في مَحَلِّه، فقال بعضُ السَّلَف: محلُّه الثلثُ؛ لأنَّ المالَ ينتقلُ بالموت إلى الورثة، ولم يجعلِ اللهُ للميتِ إلا

стр. 711

الثلثَ، فاختصت به مُؤْنتُهُ، ولم يجزِ التضييقُ عليهم في ملكهم. وقال الزهريُّ: إن كان الميتُ موسِرًا، فمحلُّه رأسُ المال، وإن كان مُعْسِرًا، فالثلثُ (١). وقال جمهورُ أهل العلم: محلُّه رأسُ المالِ مطلقًا، وبه قَالَ مالكٌ وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ (٢)؛ لأنَّ النبي ﷺ قال في المحُرِمِ الذي خَرَّ من بعيره: "كفِّنوهُ في ثَوْبَيْهِ اللَّذَيْنِ ماتَ فيهما" (٣)، وكُفِّنَ مصعبُ بنُ عميرٍ في نَمِرَة ليس لهُ غيرُها (٤)، ولم يسأل عن الثلث، ولو كان يختصُّ بالثلث، لسألَ وَبيَّنَ؛ لأنه موضع الحاجة، ولأن المالَ إنما نقل إلى الورثة؛ لاستغناء الميتِ عنه، وهو غيرُ مستغنٍ عن كفنه ومُؤْنَةِ تجهيزِه. وهذا التعليلُ ضعيف، فللمخالفِ أن يقول: لا أسلِّمُ أنَّ المالَ إنما انتقل إلى الوارثِ (٥) لذلك، بل إنما انتقل إلى الوارث؛ لأنه لا يتصور لمن

стр. 712

هو من أهل الآخرة أن يملك شيئًا من أغراض الدنيا، ولو قالوا: إذا كانَ الدينُ محلُّه رأس المال؛ فلا يكون (١) الكفنُ محلّه رأسُ المال (٢)، لأنه مقدم عليه في الحياة قطعاً، ولو جاز أن يكون محلُّه الثلثَ، لما جاز أن يتقدم على الدين الذي محلُّه رأسُ المال؛ وهو خلاف الإجماع. * * * ٦٨ - (٩) قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٢]. * بين الله سبحانه فيها ميراثَ الأزواج، فجعلَ للزوج النصفَ عندَ عدمِ الولد، والرُّبُعَ عندَ وجوده، وجعل لجنسِ الزوجاتِ نصفَ ذلكَ عندَ وجودِ الولد، وعندَ عدمه، وأجمع المسلمون على أنهم لا ينقصون عن النصفِ والربعِ والثمنِ، ولهذا خُصَّ النقصانُ بجانبِ الأُمّ في مسألة زوج وأبوين، وزوجةٍ وأبوين. وبيَّن اللهُ سبحانه أن للأخِ أو الأختِ من الأم السدسَ في ميراثِ الكلالة، فقال: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾.

стр. 713

وأجمع أهلُ العلم بالقرآن (١) أن المرادَ إخوةُ الأم (٢)، وكان سعدُ بنُ أبي وَقّاصٍ -رضي الله تعالى عنه- يقرأ: (وله أخٌ أو أختٌ من أُمٍّ) (٣). فإن قيل: قراءةُ الصحابيِّ لا يقومُ بها حجة في التقييدِ لمطلَقِ القرآن، ولا تبلغُ رتبةَ خبرِ الواحدِ عند الشافعية، فهل نعلم للإجماع دليلًا أحسن (٤)؟ قلنا: نعم، لمّا ذكرَ الله سبحانه في آيةِ الكَلالَةِ أن ميراثَ الأختِ الواحدةِ النصفُ، والبنتينِ الثلثان، وأن الأخَ يرثُها (٥)، وبَيَّنَ في هذه الآية أن للأخ أو الأختِ السدسَ، فإن كانوا أكثرَ من ذلك، فهم شركاءُ في الثلث، علمنا أن المرادَ بالإخوة هنا غيرُ الإخوة هناك، وإلَّا لكانت إحدى الآيتين ناسخة للأخرى، والتشريكُ (٦) بينهم في الثلثِ مُقتضاه التسويةُ بين الذكرِ والأنثى، وذلك إجماعٌ، وإنما استووا؛ لأنهم يُدلون بالرَّحِم، وسيأتي بيانُ الكَلالةِ -إن شاء الله تعالى-. * وحرم الله سبحانه المضارَّةَ فقال: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾.

стр. 714

قال ابنُ عباسِ -رضي الله تعالى عنهما-: الإضرارُ بوصيةِ الله تعالى من الكبائر (١). وروي عن أبي هريرةَ عن رسولِ الله ﷺ : "إن الرجلَ لَيَعْمَلُ، أو المَرأَةَ، بطاعةِ اللهِ سِتِّينَ سَنَةً، ثمَّ يَحضُرُهما المَوْتُ، فَيضارّانِ في الوَصِيةِ، فَتَجِبُ لَهُمُ النارُ"، ثمَّ قرأ أبو هريرة: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ إلى قوله: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ (٢). وقال عبدُ الله: هما المُرَتانِ: الإمساكُ في الحياة، والتبذيرُ عند الموت (٣). * وقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾: يحتمل أن يريدَ غيرَ مضارٍّ في الوصيةِ والدَّيْنِ، فلا يزيدُ على الثلث، ولا يوصي بَديْنِ ليس عليه، فيكون دليلًا على تحريمِ الوصيةِ بما زاد على الثلث. - ويحتمل أن يريد غيرَ مضارِّ في الدَّيْنِ فقط، وهذا يرجعُ إلى قاعدةٍ أصولية، وهي الصفة إذا تعقبت جُملاً، فهل تعمُّها، أو تختصُّ بالأخير؟

стр. 715

والأولُ مذهبُ مالكٍ والشافعيِّ وأصحابِهما، والثاني مذهبُ أبي حنيفةَ وأصحابِه (١)، ولكن قد دلَّ حديثُ سعدٍ على رجوعِه إلى الوصية أيضًا (٢). * * * فصل وها أنا أذكر نُبذةً نافعة في علم المواريث؛ لشدة الحاجة إليها، وليتمَّ بها نفعُ كتابي هذا -إن شاء الله تعالى-، فنقول: * أجمعَ أهلُ العلم على أن الابنَ يأخذ جميعَ المالِ عندَ الانفراد. * وأجمعوا على إقامةِ ابنِ الابنِ مقامَ الابن، يرثُ كما يرثُ، ويَحجُبُ كما يَحجُبُ، إلا ما رُوي عن مجاهدٍ أنه قال: ولدُ الابنِ لا يحجُبُ الزوجَ من النّصفِ إلى الربع، ولا الزوجةَ من الرُّبُعِ إلى الثُّمُنِ، ولا الأمَّ من الثُّلُثِ إلى السُّدُسِ (٣).

стр. 716

* وأجمعوا على أنه ليسَ لبناتِ الابنِ مع البنتِ أكثرُ من السُّدُس تكملةَ الثلثين (١). وقالت الشيعة: لا ترثُ بنتُ الابنِ مع بنتِ الصُّلْب شيئًا كابنِ الابنِ لا يرثُ مع (٢) الابنُ شيئًا (٣). * وأجمعوا على أنَّه ليسَ لبناتِ الابنِ ميراثٌ بعد استكمالِ بناتِ الصُّلْبِ الثلثين، إلا أن يكونَ معهن ابنُ ابنٍ في درجتهن أو أسفلَ منهن؛ فإنه يعصبُهن، ويقتسمون (٤) المالَ، للذكر مثلُ حظَ الأنثيين عندَ جمهور العلماء. وهو قولُ علي وزيدِ بنِ ثابتٍ رضي الله تعالى عنهم (٥). وقال ابن مسعودٍ: يرثن معُه للذكرِ مثلُ حظ الأنثيين، إلا أن يكونَ الحاصلُ لهنَّ (٦) أكثرَ من السدس، فلا يعطَيْنَ إلا السدسَ (٧)؛ لأنهن لا يرثْنَ أكثرَ من السدسِ مع البنتِ عندَ عدمِ ابنِ الابنِ، فلا يَزيدونَ (٨) عليه عند

стр. 717

تعصيبه لهن، فإن كانت واحدةً، فالمقاسمة أحظُّ لابنِ الابن، وإن كنَّ ثلاثًا تعينَ لهنَّ السدسُ، وإن كنَّ اثنتين، استوى السدسُ والمقاسمةُ (١). وقال أبو ثور (٢) وداودُ (٣): المال لابنِ الابن، دونَهن؛ لعموم قوله ﷺ : "اقْسِمُوا المالَ بَيْنَ أَهْلِ الفَرائِضِ عَلى كِتابِ اللهِ، فَما تَرَكَتْ فَلأِوْلى رَجُلٍ ذَكرٍ" (٤) (٥). وحجةُ الجمهورِ عمومُ قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، [فقد تعارض حينئذ عموم الآية وعموم الحديث، فيحتمل أن يريد: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾] (٦) فيما عدا هذه الصورة؛ بدليل قوله ﷺ : "فما تركت فلأولى رجلٍ ذكرٍ". ويحتمل أن يريد: فما تركت فلأولى رجلٍ ذكر فيما عدا هذهِ الصورةَ؛ بدليل قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾، فيحتمل أنَّ يرجحه عمومُ الحديثِ بالقياسِ على كونهنَّ لم يرثْنَ في الانفراد، فأولى ألَّا يرثْنَ في حال

стр. 718

الاجتماع، ويرجحُ عمومُ الآية بالقياسِ على كون ابن الابن يُعَصِّبُهُنَّ في حال حِيازةِ جملةِ المال، فأولى أن يعصبهنَ في حيازَةِ الفاضلِ. ثمَّ يرجَّحُ هذا القياسُ بشهادةِ الأصول له في إقامةِ ابنِ الابنِ مقامَ الابن في التوريث والحَجْبِ؛ كتوريثِ الواحدةِ النصفَ، والبنتينِ الثلثين، وتكميلِ النصفِ بالسدسِ ممَنْ هو أسفلَ منهن، وكحَجْبِ الأمِّ والأبِ والزوجِ والزوجةِ، ومثلُ هذا المقام تتقاومُ فيه الأدلةُ، وتتعارضُ فيه الظنونُ، وهذا نهايةُ ما يصل إليه نظرُ المجتهِد. * وأجمعوا على أن الأب يأخذُ جميعَ المالِ عند الانفراد، والباقي بعد الثلثِ مع وجود الأم. * وأجمعوا على إقامةِ الجدَّ مقامَ الأبِ في حِيازة جميعِ المال عند انفراده، وفي فرَض السدس مع الابنِ وابنِ الابن، وفي حجب الإخوةِ لأمٍّ (١) (٢). * واختلفوا في إقامته مقامه في حَجْبِ الأخوة والأخوات، وفي كيفيةِ توريثه اختلافًا كثيرًا، وتحرَجَ الصحابةُ -رضي الله تعالى عنهم- من الكلام فيه. فروي عن عليٍّ -رضي الله تعالى عنه -: أنه قال: من أحبَّ أن يقتحمَ جراثيمَ جهنمَ (٣)، فليقضِ بين الجَدَّ والإخوة (٤).

стр. 719

وعن ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه-: أنه قال: سلونا عن كل شيء، ودَعونا عن الجَدِّ، لا حَيَّاهُ اللهُ ولا بيَّاه. فذهبَ أبو بكرٍ، وابنُ عباسٍ، وعائشةُ، وأبو الدّرداءِ، وابنُ الزبير -رضي الله تعالى عنهم- إلى أنه يقوم مقامه في حَجْبِهم (١). وبه قال أبو حنيفةَ، وداودُ، وإسحاقُ، واختارَهُ المزني وابنُ سُريج (٢). وذهب عمرُ، وعثمانُ، وعليٌّ، وزيدُ بنُ ثابتٍ، وابنُ مسعودٍ -رضي الله تعالى عنهم- إلى توريثِ الإخوة معه (٣). وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأحمدُ، والأوزاعيُّ، وأبو يوسفَ ومحمدُ بنُ الحسن (٤). واختلفوا في كيفيةِ التوريثِ، فذهب زيدٌ -رضي الله تعالى عنه- إلى أنه يُعْطى الأفضلَ من المقاسمة، أو ثلثَ جميع المالِ إن لم يكن هناك ذو فَرضٍ، فإن كان معهم ذو فرضٍ، فيُعطى الأَفضلَ من ثلاثةِ أشياءَ: ثلثِ ما يبقى بعدَ الفرض، أو سدسِ جميعِ المال، أو المقاسمة.

стр. 720

وبقوله أخذ مالكٌ، والشافعيُّ (١). وذهب على وابنُ مسعودٍ -رضي الله تعالى عنهما- إلى أنه يُعطى الأَحَظَّ من شيئين: المقاسمةِ، أو سدسِ جميع المال مطلقاً (٢). وسنبين حكمه بسِتّ مسائل -إن شاء الله تعالى-؛ لأنه لا يخلو من ثلاثةِ أحوالٍ (٣): ١ - إما أن يجتمعَ مع الإخوة الذكور فقط. ٢ - أو مع الإخوة والأخواتِ. ٣ - أو مع الأخوات. ومع ذلك فلا يخلو: إما أن يجتمعَ مع ذي فرضٍ أو لا، وذلك قسمان: القسم الأول: إذا لم يكن معهم ذو فرض، وفيه (٤) ثلاثُ مسائلَ: المسألة الأولى: أن يجتمعَ مع الأخوة الذكورِ: فذهب زيدُ بنُ ثابتٍ -رضي الله تعالى عنه- إلى أن له الأوفرَ من المقاسمةِ، أو ثلثَ جميعِ المال.

стр. 721

وبه قال الشافعيُّ (١). وذهبَ عليٌّ (٢) إلى أنَّ له الأحظَّ من المقاسمة، أو سدَس جميع المال (٣). وعنه رواية غير مشهورة: أن له الأحظَّ من المقاسمةِ، أو سبعَ جميعِ المال (٤). المسألة الثانية: أن يجتمعَ مع الإخوة والأخوات، والحكمُ فيها كالتي قبلها. المسألة الثالثة: أن يجتمعَ مع الأخواتِ: فذهب زيدٌ -رضي الله تعالى عنه- إلى أن الحكم فيها كالتي قبلها، له الأحَظُّ من ثُلُثِ جميع (٥) المال، أو المقاسمةُ، وإذا قاسمهنَّ كانَ له مثلُ حظ الأنثيين، ولا يفرض لهن مع الجَدِّ أصلًا. وذهبَ عليٌّ وابنُ مسعودٍ -رضي الله تعالى عنهما- إلى أنَّه يفرضُ للأخواتِ فروضُهُنَّ، ويكونُ الباقي للجدِّ. القسم الثاني: أن يكونَ معهم ذو فرضٍ، وفيه مسائل: المسألة الأولى: أن يجتمعَ الجدُّ والأخوةُ الذكورُ مع ذوي الفروضِ: فذهب زيدٌ -رضي الله تعالى عنه- إلى أنه يُعطى صاحبُ الفرضِ فرضَه،

стр. 722

ويعطى الجَدُّ الأوفرَ من ثلاثة أشياءَ: المقاسمةِ، أو ثلثِ ما بقيَ، أو سدسِ جميع المال، إلا أَلَّا يبقى بعد الفروض إلا السدسُ، فإن الجدَّ يأخذُه (١)، ويسقط الإخوة. كما إذا ماتتِ المرأةُ وتركتْ زوجاً وأماً وأخاً وجداً، فإنَّ للزوجِ النصف، وللأمِّ الثلث، وللجدِّ السدس، ويسقط الأخ؛ لأنه ذو تعصيب. وبقوله أخذَ الشافعيُّ -رحمه الله تعالى-. وقياسُ مذهبِ علي -رضي الله تعالى عنه- أن له الأحظَّ من المقاسمةِ أو سدسِ جميع المال. ومثالُ ذلك إذا ترك زوجة وأماً وأخاً وجَدًّا، فإنَّ للزوجة الربعَ، وللأم الثلث، وللأخ والجد ما بقي، وهو خمسةٌ من اثني عشرَ، وتصحُّ من أربعةٍ وعشرين. وقال ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه- في هذه المسألة: للزوجة الربعُ، وللأم ثلثُ ما بقي، وللجد والأخ سهمان. المسألة الثانية: أن يجتمع الجدُّ والإخوةُ والأخواتُ مع ذوي الفروض، فالحكمُ كالمسألة التي قبلها. ومثالُه: إذا ترك زوجة وأماً وأخاً وأختاً وجَداً، فإن للزوجة الربعَ، وللأمِّ السدس، والباقي بين الجدَّ والأخ والأخت، للذكرِ مثلُ حَظِّ الأنثيين، وتصحُّ من ستين، للزوجة خمسةَ عَشَرَ، وللأم عشرةٌ، وللأخت سبعةٌ، وللجدّ أربعةَ عَشَرَ، وللأخ أربعةَ عَشَرَ. المسألة الثالثة: أن يجتمع الجدُّ والأخوات مع ذوي الفروض. فمذهبُ زيدٍ -رضي الله تعالى عنه-: أن للجدَّ الأحظَّ من الأمورِ الثلاثة

стр. 723

بعد عطاءِ ذوي الفروض فروضَهم، إلا ألا يبقى بعدَ سِهام ذوي الفروض إلا السدسُ، وكان في ذوي الفروض بنتٌ للبنت، فإنه لا شيِءَ للأخوات؛ لأنهن مع البناتِ عَصَبَةٌ، وقد استغرقَ ذَوو الفروض فروضهم؛ كما إذا تركتْ زوجًا وأماً وبنتًا وأختًا وجدًا، فأصلُها من اثني عشر، للزوج الربعُ، وللبنت النصفُ، وللأم السدسُ، وللجدِّ السدسُ، ولا شيءَ للأخت (١). ومذهبُ عليٍّ -رضي الله تعالى عنه- بُيِّن فيما مضى، وفيما يأتي. * وفي هذه المسألة صورٌ اختلفَ فيها الصحابةُ -رضي الله تعالى عنهم-: الأولى: إذا ترك زوجة وأختًا وجدًا: فذهب زيدٌ -رضي الله تعالى عنه- إلى أن للزوجة الربع، والباقي بين الجدّ والأخت، للذكرِ مثلُ حظ الأنثيين، ويصحُّ من أربعة. وبه أخذ الشافعيُّ رحمه الله تعالى (٢). وذهب عمرُ وابنُ مسعود -رضي الله تعالى عنهما- إلى أن للزوجة الربعَ، وللأخت النصف، وللجدِّ ما بقي، وتعرفُ هذه المسألة بالمربَّعة؛ لأنهم اتفقوا على أنها من أربعة (٣). واختلفوا في كيفية التوريثِ، وقياسُ مذهبِ عليٍّ -رضي الله تعالى عنه- كمذهب ابن مسعود؛ لأنه يفرضُ للأخوات مع الجدِّ.

стр. 724

الصورة الثانية: إذا ترك أماً وأختاً (١) وجدًّا. فذهبَ زيدُ بنُ ثابت -رضي الله تعالى عنه- إلى أن للأم الثلثَ، والباقي بين الجدِّ والأخت، للذكرِ مثلُ حَظ الأنثيين، وأصلها من ثلاثة، وتصحُّ من تسعة. وبه قال الشافعي رحمه الله تعالى. وقال عمر -رضي الله تعالى عنه- في إحدى الروايتين عنه: للأختِ النصفُ، وللأم السدسُ، والباقي للجدّ وقال في الرواية الأخرى: للأخت النصفُ، وللأم ثلثُ ما بقي، والباقي بين الجد والإخوة نصفين، أي: إن كانوا. وقال ابنُ مسعود -رضي الله تعالى عنه-: للأخت النصفُ، والباقي بين الجدَّ والأم نصفين. وعنه روايتان كروايتي عمرَ رضي الله تعالى عنهما. وقال عثمانُ رضي الله تعالى عنه-: يقسم المال على ثلاثة أسهم، للأمِّ سهمٌ، وللجدِّ سهمٌ، وللأخت سهمٌ. وقال علي -رضي الله تعالى عنه-: للأم الثلثُ، وللأخت النصفُ، وللجدّ السدسُ. وهذه المسألة تسمى الخرقاءَ؛ لتخرُّقِ أقوالِ الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- فيها؛ فإنها تبلغ تسعةً بقول أبي بكرٍ وابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهم (٢) -.

стр. 725

الصورة الثالثة: إذا تركت زوجًا وأمًا وأختًا وجدًا، وهذه التي تسمى بالأكدريّة (١)، فكان (٢) عمرُ وابنُ مسعود -رضي الله تعالى عنهما- يقولان: للزوجِ النصفُ، وللأختِ النصفُ، وللأمِّ السدسُ، وللجدِّ السدسُ، ويعولُ إلى ثمانية. وكان عليّ وزيدٌ -رضي الله تعالى عنهما- يقولان: للزوج النصفُ، وللأخت النصفُ، وللأم الثلثُ، وللجد السدسُ، ويعول إلى تسعة. إلا أن زيدًا كان يجمعُ الثلاثةَ التي للأختِ، والسهمَ الذي للجد، فيصير أربعة، يقسمها بينهم للذكر مثلُ حظ الأنثيين، وتصح من سبعة (٣) وعشرين، للزوج تسعةٌ، وللأم ستة، وللجد ثمانيةٌ، وللأخت أربعةٌ. وبه أخذ الشافعيُّ -رحمه الله تعالى-؛ لأنه لا سبيل إلى إسقاط الأخت؛ لأنه ليس هنا بنت تسُقطها، ففُرض لها النصفُ، ولا يمكن أن تأخذَ جميعَه؛ لأنه لا يجوز تفضيلُها على الجَدّ، فوجبَ أن يُجمع نصيبهما، فيقسمانِهِ.

стр. 726

وضعف الجميعُ التشريكَ الذي قال به زيدٌ في هذه الفريضة، حتى زعمَ بعضُهم أنه ليسَ من قولِ زيدٍ. روي عن الأعمش أنه قال: إنما سميت الأَكْدَرِيَّةَ؛ لأن عبدَ الملكِ بنَ مروانَ سأل عنها رجلًا يقال له: أَكْدَرُ، فذكر لهُ اختلافَ الصحابةِ فيها (١). وقيل: سميت أكدرية؛ لأنَّ امرأةَ تسمى أكدرية ماتت وخلفت هؤلاء، فسميت أكدريةَ (٢). وقيل: لأنها كَدَّرَتْ على زيدٍ أصلهَ؛ لأنه لا يفرض للأخواتِ مع الجَدّ، وقد فرض، ولا يعيل مسائلَ الجد، وقد أعالها هنا (٣). ثم اختلفوا أيضًا: فذهب زيدٌ -رضي الله تعالى عنه- إلى أن الإخوة للأب وللأم يعادون الجد بالأخ للأب، فيمنعونه بهم أكثر الميراث، ثم (٤) يأخذونه من الأخ للأب، قياسًا على الأخ للأب والأم، والأخِ للأب؛ حيث ينقصون الأمَّ من الثلث إلى السدس، ويأخذ الأبُ ما في أيديهم، وبه أخذ الشافعيُّ رحمه الله تعالى. وذهب على وابنُ مسعود -رضي الله تعالى عنهما- إلى عدم اعتبارهم؛ لأنهم محجوبون، والاحتسابُ بمن لا يرثُ مخالفٌ الأصولَ.

стр. 727

واختلفوا -أيضًا- (١) في إقامته مقامَ الأبِ في مسألةِ زوجٍ وأبوينِ، وزوجةٍ وأبوينِ، فإذا تركت زوجًا وأمًا وجدًا، فذهب زيدٌ -رضي الله تعالى عنه- إلى أن للزوج النصفَ، وللأم الثلث، وللجدِّ السدس. وإن كان بدل الزوج زوجةٌ، كان للجدّ الباقي بعد الربع والثلث. وبه أخذ الشافعيُّ رحمه الله تعالى. واختلف أصحابه في العبارةِ، فقال بعضهم: للزوجةِ الربعُ، وللأمِّ الثلثُ، وللجدِّ السدسُ، وما بقي للجدِّ؛ لأنه أخذه بجهتين: جهةِ الفرض، والتعصيب. وقال بعضهم: يجوز أن يُقال: والباقي للجدِّ. وروي عن عمر -رضي الله تعالى عنه-: أن للزوج النصفَ، وللأمّ ثلث ما يبقى، والباقي للجدِّ، وأقامه مقامَ الأبِ. وروي عنه أن للزوج النصفَ، وللأم السدس، والباقي للجدّ. وتظهر فائدة العبارتين إذا كان بدلَ الزوجِ زوجةٌ. وروي عن ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه-: أن للزوج النصفَ، والباقي بين الجد والأم، وهذه من مربَّعاتِ ابن مسعود، وعنه روايتان كروايتي عمر رضي الله تعالى عنه. * وأجمعوا على توريثِ الجدةِ للأم (٢) السدسَ عندَ عدمِ الأم (٣) (٤)،

стр. 728

ولا يقيمونها مقامَها، إلا ما شذَّ عنِ ابنِ عباسٍ: أنَّه جعلَ الجدةَ كالأمِّ، فورثَها الثلثَ (١). * وأجمعوا على توريثِ الجدةِ أُمّ الأبِ السدسَ عندَ عدمِ الأبِ (٢). * وأجمعوا على أن السدسَ بينهما عندَ اجتماعِهما؛ لما رَوى قَبيصَةُ بنُ ذُؤيب: أن جَدَةً جاءتْ إلى أبي بكرٍ -رضي الله تعالى عنه- تسأله عن ميراثها، فقال أبو بكر: مالك في كتاب الله شيءٌ، وما علمتُ لكِ في سُنَّةِ رسولِ الله ﷺ شيئًا، فارجعي حتى أسألَ الناسَ، ثمَّ سألَ الناسَ، فقال المُغيرةُ بنُ شُعبةَ: شهدتُ رسولَ الله ﷺ وقدْ أعطاها السُّدُسَ، فقال أبو بكر: من يشهدُ معك؟ فقام محمدُ بنُ مسلمةَ، فشهد بما شهدَ به المغيرةُ، فأنفذَهُ أبو بكر -رضي الله تعالى عنه- لها. ثم جاءت الجدَّةُ الأخرى إلى عمرَ -رضي الله تعالى عنه- تطلب ميراثها، فقال: ما لكِ في كتابِ الله شيءٌ وما كان ذلكَ القَضاءُ الذي قُضي به إلَّا لغيركِ، ولستُ بزائدٍ في الفرائض؛ لأنما هو ذلك السدس، وإن (٣) اجتمعتُما فهو بينَكُما، وأيتكما خَلَتْ به، فهو لها (٤). * واختلفوا في توريث مَنْ عدا هاتين الجدتين إذا اجتمعْنَ، كما إذا

стр. 729

ارتفعْنَ إلى المنزلة الثانية، فاجتمع اثنتان من جهةِ الأمِّ، وهما أمُّ (١) أمِّ الأمِّ، وأمُّ أب الأم، واثنتان من جهة الأب، وهما أمُّ أمِّ الأب، وأمُّ أبِ الأب، فكانَ زيدٌ وأهلُ المدينة لا يُوَرِّثون الاثنتين، وهما أمُّ أمِّ الأمِّ، وأمُّ أمًّ الأبِ، وإن عَلَوْنَ. وبه قال مالكٌ والشافعيُّ في أحد قوليه؛ للحديث السابق. وكان عليٌّ وابنُ عباس وزيدٌ -في إحدى الروايتين عنه- يورثون معها (٢) أُمَ أبِ الأبِ. وبه قال أهلُ الكوفة، وأبو حنيفةَ، والثوريُّ، والأوزاعيُّ، وأحمدُ، والشافعيُّ في أحد قوليه؛ لأنها تُدلي بوارثٍ، فهي كأمِّ الأمِّ، ولما روى ابنُ عيينة، عن منصورٍ عن إبراهيمَ: أن النبي ﷺ وَرَّثَ ثلاثَ جَدّات: اثنتين من قِبَلِ الأبِ، وواحدةً من قِبَلِ الأم (٣). وكان ابنُ مسعود يورِّث الأربعَ، وبه قال الحسنُ وابنُ سيرينَ؛ تشبيهًا لجدةِ الأمِّ بجدةِ الأبِ. ثم اختلفوا في صفةِ توريثهنَّ، فكان ابن مسعودٍ -رضي الله تعالى عنه- يُشْرِك بين الجدات في السدسِ؛ دُنياهُنَّ وقُصواهُنَّ، ما لم يحجُبْها ابنُ

стр. 730

ابِنها، وبنتُ بنتِها، وروي عنه أنه كان يُسقط القُصوى بالدُّنيا، إذا كانتا من جهة واحدة (١). والذي عليه سائرُ الناسِ من الصَّحابة وغيرِهم أن البُعْدى تَسقط بالقربى عند اتِّحاد جهتهما، وعند اختلافهما إذا كانتِ القُربى من جهة الأمِّ، والبُعدى من جهة الأب. * واختلفوا في ما إذا كانت القربى من جهة الأب، والبعدى من جهة الأم، فكان عليٌّ -رضي الله تعالى عنه- يسقط البُعْدى بالقُرْبى. وقال به أهلُ الكوفة، ورووه عن زيدٌ -رضي الله تعالى عنه-؛ لأنهن أمهاتٌ، فكما يقدم من الآباء أقربُهم، وكذلك هنَّ، واختاره ابن المنذر. والرواية الثانية التي رواها المدنيون عنه أنه كان لا يُسقطها بها، وبه قَالَ مالكٌ والشافعيُّ في الأصحَّ من قوليه (٢)؛ لأنَّ الأبَ لا يُسقط أُمَّ الأُمِّ، وهو أقربُ منها، فأولى ألَّا يسقط القُربى من جهة البُعدى من جهةِ الأم. * واتفقوا على أنه لا ترثُ جدةٌ مع وجود الأمّ من أيّ جهةٍ كانت (٣)، فالأم تحجُب أُمَّ نفسِها وأمَّ الأبِ؛ لأنها أقربُ منهن، ولا يحجُب الأبُ أمَّ الأمِّ لأنه لا يحجُبُ الأمَّ، فلم يحجُب أمَّها، كما لا يحجُبُ الأبُ ابنَ الابن.

стр. 731

* واتفقوا على أن الجدَّ لا يحجُب أمَّ الأبِ؛ لاستوائِهما في الدرجة (١). * واختلفوا في الأبِ هل يحجبُ أمَّ نفسه؟ -فذهب زيدٌ، وعثمانُ، وعليّ -رضي الله تعالى عنهم- إلى أنَّه يحجُبُها. وبه قال شريحٌ، والأوزاعيُّ، والليثُ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأبو حنيفة وأصحابه؛ قياسًا على الأمِّ، ولأنه لما كان الجدُّ محجوباً بالأب، أوجبَ أن تكونَ الجَدَّةُ أولى. - وذهبَ عمرُ بنُ الخطاب، وابنُ مسعودٍ، وأبو موسى، وعمرانُ بن الحصينِ إلى أنه لا يحجُبُها. وبه قَالَ عطاءٌ، وابنُ سيرينَ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وابنُ المنذرِ، وبعضُ أصحاب مالكٍ؛ لما روى محمدُ بنُ سالمٍ، عن الشعبيِّ، عن مسروقٍ، عن عبدِ الله -رضي الله تعالى عنه -قال: أولُ جدَّةٍ أطعمها رسولُ الله ﷺ جَدَّةٌ مع ابنِها (٢)، ولأنه لما كانتِ الأمُّ وأمُّ الأمِّ لا يُحجَبْنَ بالذكور، كُنَّ جميعُ الجداتِ كذلك. وأجابوا عن الخبر بأنّه إنما رُوي منقطعاً عن الحسنِ بنِ أبي الحسن، ومحمد بنِ سيرين، وإنما تفرد بوصله هكذا محمدُ بن سالم، وهو غير محتجّ به، وبأنه يجوزُ أن يكون ابنُها الوارثَ من ابنِ أخته التي ورثت السدسَ منه، والله أعلم (٣).

стр. 732

(من أحكام الحدود) ٦٩ - (١٠) قوله : ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]. الفاحشة هنا: الزنا، مقتصٌّ من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]، ومن قوله: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]. * وبين اللهُ سبحانه أن نصابَ الشهادةِ على هذهِ الفاحشة أربعةٌ من المؤمنين (١)، فقال هنا: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥]، وقال في موضع آخر: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤] وقال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٦]، وقال: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٨].

стр. 733

* وقيد الشهداءَ (١) بالإضافة إلى المؤمنين، وأطلقَ صفتَهم هنا، وقيدَها في موضع آخرَ فقال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقال أيضًا: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]. فإن قلتم: فقد تميزت هذه الشهادةُ عن سائرِ الشهاداتِ بالحقوقِ، فهل تلحق بها شهادة المرءِ على نفسه، فلا بد من أربع شهادات (٢) في الإقرار؛ كسائر الأصول المختصة بالزنا، أو يكفي مرة واحدة كسائر الأصول في الإقرار بالحقوق؟ فالجوابُ أنه يحتملُ الأمرين. وبالأول: قال أبو حنيفة (٣)، وأحمدُ (٤)، وإسحاقُ (٥). وبالثاني: قال الشافعيُّ (٦) ومالكٌ (٧).

стр. 734

والراجح إلحاقُ أبي حنيفةَ؛ لأن إلحاقَ الشيء بالأصول التي من جنسه أولى من غير جنسه، ويَعْضِدُه الحديثُ وظاهرُ القرآن. أما الحديث، فما روينا في "الصحيحين" من حديثِ أبي هريرةَ -رضي الله تعالى عنه- قال: أتى رجلٌ من المسلمين رسولَ الله ﷺ ، وهو في المسجد، فناداه: يا رسول الله إني زنيت، فأعرضَ عنه، فتنحَّى تِلقاءَ وجهه، فقال: يا رسول الله! إني زنيت، فأعرض عنه حتى عَدَّ (١) أربع مراتٍ، فلما شهدَ على نفسه أربعَ شهادات (٢)، دعاهُ رسول الله ﷺ ، فقال: "أَبكَ جُنونٌ؟ " قال: لا، قال: "فَهَلْ أَحصَنْتَ؟ " قال: نعم، فقال رسول الله ﷺ : "اذْهَبُوا بِهِ فارْجمُوُهُ" (٣). وأما ظاهرُ القرآن العزيز، فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥]، فسمى الإقرارَ شهادةً، وقد (٤) اشتركا في التسمية، فاعتبر فيها العددُ؛ كشهادة الغير. وأما إطلاقُ قوله ﷺ : "واغْدُ يا أنيْسُ عَلى امْرَأَةِ هذا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ، فَارجُمْها" (٥)، محمولٌ على تقييد حديث أبي هريرةَ -رضي الله تعالى

стр. 735

عنه -، فلا دليل فيه على خلاف أبي حنيفة. * ثم أمر الله سبحانه بإمساكهِنَّ في البيوت حتى يتوفاهُنَّ الموتُ، أو يجعلَ اللهُ لهنَّ سبيلًا، وإمساكُهن حفظٌ لهنَّ عن الزنا، وليس بحكمٍ ولا حَد، وقد اعتقده كثيرٌ من الناس حكمًا، وسمَّوه حَدًّا، ولعلهم سَمَّوْهُ تجوزاً، أو ملاحظةً للوضع اللغويِّ؛ فإن الحدَّ في اللغة هو المنعُ (١)، وأما أنه حَدّ حقيقيٌّ شرعيٌّ، فلا (٢). * وقيَّد الله سبحانه اللاتي يأتينَ الفاحشةَ بكونهنَّ من نساءِ المؤمنين. - فيحتمل (٣) أن يكونَ أرادَ حقيقةَ التقييدِ، فلا يتناولُ الحكمُ غيرَ نساءِ المؤمنين.

стр. 736

- ويحتمل أن يكون جَرى التقييدُ بالمؤمنين لمواجهته (١) إياهم بالخطاب. وبالأول قال أبو حنيفةَ (٢) ومالكٌ (٣)، فاشترطا الإِسلامَ في المحدودِ (٤) بالرجم والجلدِ الذي استقر حكمًا مبينًا لهذه الآية، فيكون إطلاقهُ أيضًا مبيَّنًا بتقييدِ المبيَّنِ بنساءِ المؤمنين، فأنه (٥) إذا كان اللفظ مفتقرًا إلى البيان لإجماله، فهو مقيدٌ بحالٍ أو صفةٍ، فورد لفظٌ مُبَيِّنٌ لذلك الإجمال (٦)، وهو حالٌ من ذلك التقييد، حمل على التقييد، وصار مبيِّناً (٧). ويشهد للتقييد التقييدُ في الآية التي تليها، وهو قوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٦]. ويشهد له أيضًا الاعتبارُ بالتقييد؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٥]. وبالاحتمال الثاني قال الشافعيُّ (٨)، ويشهدُ له ما رويناه في "الصحيحين" من حديث ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- قال: إن اليهودَ

стр. 737

جاؤوا إلى رسول الله ﷺ ، فذكروا (١) أن امرأةً منهم ورجلا زَنَيا، فقال لهم رسول الله ﷺ : "ما تجدونَ في التَّوراةِ في شأنِ الرَّجْمِ؟ "، فقالوا: نفضحهم، ويجلدون، قال عبدُ الله بنُ سَلامٍ: كذبتم، فيها آية الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضعَ أحدُهم يدَه على آية الرجم، فقرأ ما قبلها، وما بعدَها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفعْ يدكَ، فرفعِ يدَهُ، فإذا فيها آيةُ الرجمِ، فقال: صدقتَ يا محمَّد، فأمر بهما النبي ﷺ ، فرُجِما (٢). واعتذر الحنفيةُ: أنَّ النبي ﷺ رجمهما بحكمِ التوراةِ، وأن ذلكَ عندَ قدومِ النبيِّ ﷺ المدينةَ (٣)، وادَّعَوا أن آيةَ الرجمِ نزلتْ بعد ذلك، فكانَ (٤) الحديثُ منسوخاً (٥). وهذا خطأ؛ لقوله ﷺ : "ما تَجِدُونَ في التوراةِ في شَأنِ الرَّجْمِ؟ "، فدلَّ على أن ذلكَ بعدَ نزولِ الرجمِ وتقرُّرهِ عندَ رسولِ الله ﷺ ، والنسخُ يحتاج إلى تاريخٍ، وبعيدٌ أن يجدوه منقولاً. ولو اعتذروا بكونِ ذلك عقوبة كليَّة جاءت خصيصًا لنبيه ﷺ مؤاخذةً لهم من عند الله سبحانه بنقيضِ قصدِهم؛ حيث قصدوا الرخْصَةَ معَ وجُودِ حكمِ اللهِ عندَهم الذي استُحفظوه، وكانوا

стр. 738

عليه شهداءَ، فأوجبَ ذلكَ عليهم عقوبة وانتِقاماً لإعراضهم عن قبولِ حكمٍ يعتقدونه إلى حكم يَجْحدونه ويكفرون به = كان أقربَ من دعوى النسخ. ولا شكَّ أن قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٥] لفظٌ ظاهرهُ العُموم، فيجوز أن يكونَ أُريد به التخصيصُ، إما بالأبكارِ من النساءِ، أو بالثَّيّبات منهن، ويجوزُ أن يكونَ على عمومهِ فيعمَّ البكْرَ والثَّيِّبَ، هذا هو المُتَعَينُ عندي؛ لإطلاق اللفظِ على حقيقةِ عمومهِ، وليَس هنا دليلٌ على التخصيص بالأبكار أو بالثيّبات. فإن قلتم: فهل نجد بياناً يعضد قولك؟ قلت: قوله ﷺ : "خُذوا عني، خُذوا عني، قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُن سَبيلًا، البِكْرُ بالبِكْرِ جَلْدُ مِئةٍ وتَغْريبُ عامٍ، والثَّيِّبُ بالثيِّبِ جَلْدُ مِئَةٍ والرَّجْمُ" (١)، فذكر البكرَ والثيّبَ بعدَ أن ذكر الضميرَ العائدَ عليهنَّ بقوله ﷺ : "قد جعلَ اللهُ لهنَّ سبيلًا"، وضم إلى بيانهن بيانَ حكمِ المذكور الذي في الآية الثانية، فدَّل على أنه على عمومه. إذا تقرَّرَ هذا، فقد قال بعض المفسرين، وبعض مؤلفي الناسخ والمنسوخ: إن هذه الآيةَ في البِكْرين (٢) تردُّ التي بعدَها في المُحصَنين (٣)، وقال أكثرُهم: هذه في المحُصَنيَن (٤)، والتي بعدَها في البِكرين (٥) (٦). ولقد أخطؤوا خطأ فاحشًا من جهة اللغة؛ حيث أطلقوا اللفظَ المختصَّ

стр. 739

بالإناثِ، وهو قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ﴾ على الذكور؛ إذ لا يُعرف في اللسان أن جمعَ الإناثِ يتناولُ الذكورَ، لا منفردينَ ولا مجتمعين مع الإناث، نعم يجوزُ في لغةٍ شاذةٍ إطلاقُ جمعِ المؤنثِ على جمع (١) المذكر مَجازًا في جمع الموصولِ خاصَّة؛ كقولِ الشاعر: [البحر الوافر] فَما آباؤُنا بأمنَّ مِنْهُ ... عَلَينا اللائي قَدْ مَهَدُوا الحُجُورَا (٢) ولا يجوزُ تنزيلُ قولهم على هذا؛ لأن القرآن لم يردّ باللغة الشاذة، ولو لم تكن شاذةً، لَمّا جازَ؛ لقولهِ تعالى: ﴿يَأْتِينَ﴾، ولو كانَ المرادُ به اللغة المذكورة لقال: يأتون؛ كقوله: مهدوا الحُجورا، وللتقييد بالنساء؛ كقوله تعالى: ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾، فليس على تخصيصهم إحدى الآيتين بإحدى الصفتين دليلٌ، وإنما هو تحكُّمٌ باطل. * ثم اختلف أهلُ العلم: - فقال بعضهم: هذه الآيةُ منسوخةٌ بآية الجَلْد (٣) (٤)؛ بدليل قوله ﷺ : "قد جعلَ اللهُ لهنَّ سبيلًا"، وأضاف البيانَ إلى اللهِ تعالى. - وقال بعضُهم (٥): ليست منسوخةً؛ لأن الله سبحانه علقَ البيانَ بوقتٍ،

стр. 740

وقد بيَّنَ اللهُ سبحانه السبيلَ بالحُدود، وضعفه بعضهُم بأن الوقتَ غيرُ معلومٍ ولا محدودٍ [وإنما كان يمتنعُ من النسخِ لو قال: (حتى يتوفاهنَّ الموتُ)، أي: يبلغن إلى وقتِ كذا] (١). وهذا التضعيفُ ضعيفٌ، بل الصوابُ أنها ليستْ بمنسوخةٍ؛ لأن النسخَ لا يكون إلا بعد استقرارِ حكمٍ متقدّمٍ، وهذه الآية لم يبين الله فيها حُكْمًا، وإنما وعدَ عباده ببيانِ الحكم في الوقت الذي يريدُه، وأمرهم بإمساك الزواني؛ حفظًا لهم من الزنا؛ وانتظاراً لوعده وقضائه، ثم منَّ اللهُ على عبادِه ببيانه وشرعِه في الوقتِ الذي أراده، فهذا بيانٌ لا نسخٌ، ونظيرُه إذا قَالَ السيدُ من العربِ لعبدِه: سالمُ احبسْ عبدَكَ غانِمًا الذي أساء (٢) حتى يموتَ، أو يأتيكَ قضائي فيه، فلا يقال: إن السيدَ حكمَ في غانمٍ بحكمٍ، وإنما حبسَهُ لأجلِ القضاء. وبهذا يتبيَّنُ (٣) لكَ أن آيةَ السيفِ (٤) نسخَتْ كلَّ عفوٍ وصَفحٍ عن المشركين، وإن كان قد علَّق قضاءه بوقتٍ غير معلوم؛ كقوله تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: ١٠٩]، وقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٨٧]؛ لأن العفو والصفح والصبر حكمٌ مستقرٌّ، وهو الكفُّ عن قتالِهم، والاستسلامُ معهم.
следующие страницы →