← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 14827

تيسير البيان لأحكام القرآن

ابن نور الدين

Полный текст (1 649 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

- ويحتمل أن يكون جَرى التقييدُ بالمؤمنين لمواجهته (١) إياهم بالخطاب. وبالأول قال أبو حنيفةَ (٢) ومالكٌ (٣)، فاشترطا الإِسلامَ في المحدودِ (٤) بالرجم والجلدِ الذي استقر حكمًا مبينًا لهذه الآية، فيكون إطلاقهُ أيضًا مبيَّنًا بتقييدِ المبيَّنِ بنساءِ المؤمنين، فأنه (٥) إذا كان اللفظ مفتقرًا إلى البيان لإجماله، فهو مقيدٌ بحالٍ أو صفةٍ، فورد لفظٌ مُبَيِّنٌ لذلك الإجمال (٦)، وهو حالٌ من ذلك التقييد، حمل على التقييد، وصار مبيِّناً (٧). ويشهد للتقييد التقييدُ في الآية التي تليها، وهو قوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٦]. ويشهد له أيضًا الاعتبارُ بالتقييد؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٥]. وبالاحتمال الثاني قال الشافعيُّ (٨)، ويشهدُ له ما رويناه في "الصحيحين" من حديث ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- قال: إن اليهودَ

стр. 737

جاؤوا إلى رسول الله ﷺ ، فذكروا (١) أن امرأةً منهم ورجلا زَنَيا، فقال لهم رسول الله ﷺ : "ما تجدونَ في التَّوراةِ في شأنِ الرَّجْمِ؟ "، فقالوا: نفضحهم، ويجلدون، قال عبدُ الله بنُ سَلامٍ: كذبتم، فيها آية الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضعَ أحدُهم يدَه على آية الرجم، فقرأ ما قبلها، وما بعدَها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفعْ يدكَ، فرفعِ يدَهُ، فإذا فيها آيةُ الرجمِ، فقال: صدقتَ يا محمَّد، فأمر بهما النبي ﷺ ، فرُجِما (٢). واعتذر الحنفيةُ: أنَّ النبي ﷺ رجمهما بحكمِ التوراةِ، وأن ذلكَ عندَ قدومِ النبيِّ ﷺ المدينةَ (٣)، وادَّعَوا أن آيةَ الرجمِ نزلتْ بعد ذلك، فكانَ (٤) الحديثُ منسوخاً (٥). وهذا خطأ؛ لقوله ﷺ : "ما تَجِدُونَ في التوراةِ في شَأنِ الرَّجْمِ؟ "، فدلَّ على أن ذلكَ بعدَ نزولِ الرجمِ وتقرُّرهِ عندَ رسولِ الله ﷺ ، والنسخُ يحتاج إلى تاريخٍ، وبعيدٌ أن يجدوه منقولاً. ولو اعتذروا بكونِ ذلك عقوبة كليَّة جاءت خصيصًا لنبيه ﷺ مؤاخذةً لهم من عند الله سبحانه بنقيضِ قصدِهم؛ حيث قصدوا الرخْصَةَ معَ وجُودِ حكمِ اللهِ عندَهم الذي استُحفظوه، وكانوا

стр. 738

عليه شهداءَ، فأوجبَ ذلكَ عليهم عقوبة وانتِقاماً لإعراضهم عن قبولِ حكمٍ يعتقدونه إلى حكم يَجْحدونه ويكفرون به = كان أقربَ من دعوى النسخ. ولا شكَّ أن قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٥] لفظٌ ظاهرهُ العُموم، فيجوز أن يكونَ أُريد به التخصيصُ، إما بالأبكارِ من النساءِ، أو بالثَّيّبات منهن، ويجوزُ أن يكونَ على عمومهِ فيعمَّ البكْرَ والثَّيِّبَ، هذا هو المُتَعَينُ عندي؛ لإطلاق اللفظِ على حقيقةِ عمومهِ، وليَس هنا دليلٌ على التخصيص بالأبكار أو بالثيّبات. فإن قلتم: فهل نجد بياناً يعضد قولك؟ قلت: قوله ﷺ : "خُذوا عني، خُذوا عني، قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُن سَبيلًا، البِكْرُ بالبِكْرِ جَلْدُ مِئةٍ وتَغْريبُ عامٍ، والثَّيِّبُ بالثيِّبِ جَلْدُ مِئَةٍ والرَّجْمُ" (١)، فذكر البكرَ والثيّبَ بعدَ أن ذكر الضميرَ العائدَ عليهنَّ بقوله ﷺ : "قد جعلَ اللهُ لهنَّ سبيلًا"، وضم إلى بيانهن بيانَ حكمِ المذكور الذي في الآية الثانية، فدَّل على أنه على عمومه. إذا تقرَّرَ هذا، فقد قال بعض المفسرين، وبعض مؤلفي الناسخ والمنسوخ: إن هذه الآيةَ في البِكْرين (٢) تردُّ التي بعدَها في المُحصَنين (٣)، وقال أكثرُهم: هذه في المحُصَنيَن (٤)، والتي بعدَها في البِكرين (٥) (٦). ولقد أخطؤوا خطأ فاحشًا من جهة اللغة؛ حيث أطلقوا اللفظَ المختصَّ

стр. 739

بالإناثِ، وهو قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ﴾ على الذكور؛ إذ لا يُعرف في اللسان أن جمعَ الإناثِ يتناولُ الذكورَ، لا منفردينَ ولا مجتمعين مع الإناث، نعم يجوزُ في لغةٍ شاذةٍ إطلاقُ جمعِ المؤنثِ على جمع (١) المذكر مَجازًا في جمع الموصولِ خاصَّة؛ كقولِ الشاعر: [البحر الوافر] فَما آباؤُنا بأمنَّ مِنْهُ ... عَلَينا اللائي قَدْ مَهَدُوا الحُجُورَا (٢) ولا يجوزُ تنزيلُ قولهم على هذا؛ لأن القرآن لم يردّ باللغة الشاذة، ولو لم تكن شاذةً، لَمّا جازَ؛ لقولهِ تعالى: ﴿يَأْتِينَ﴾، ولو كانَ المرادُ به اللغة المذكورة لقال: يأتون؛ كقوله: مهدوا الحُجورا، وللتقييد بالنساء؛ كقوله تعالى: ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾، فليس على تخصيصهم إحدى الآيتين بإحدى الصفتين دليلٌ، وإنما هو تحكُّمٌ باطل. * ثم اختلف أهلُ العلم: - فقال بعضهم: هذه الآيةُ منسوخةٌ بآية الجَلْد (٣) (٤)؛ بدليل قوله ﷺ : "قد جعلَ اللهُ لهنَّ سبيلًا"، وأضاف البيانَ إلى اللهِ تعالى. - وقال بعضُهم (٥): ليست منسوخةً؛ لأن الله سبحانه علقَ البيانَ بوقتٍ،

стр. 740

وقد بيَّنَ اللهُ سبحانه السبيلَ بالحُدود، وضعفه بعضهُم بأن الوقتَ غيرُ معلومٍ ولا محدودٍ [وإنما كان يمتنعُ من النسخِ لو قال: (حتى يتوفاهنَّ الموتُ)، أي: يبلغن إلى وقتِ كذا] (١). وهذا التضعيفُ ضعيفٌ، بل الصوابُ أنها ليستْ بمنسوخةٍ؛ لأن النسخَ لا يكون إلا بعد استقرارِ حكمٍ متقدّمٍ، وهذه الآية لم يبين الله فيها حُكْمًا، وإنما وعدَ عباده ببيانِ الحكم في الوقت الذي يريدُه، وأمرهم بإمساك الزواني؛ حفظًا لهم من الزنا؛ وانتظاراً لوعده وقضائه، ثم منَّ اللهُ على عبادِه ببيانه وشرعِه في الوقتِ الذي أراده، فهذا بيانٌ لا نسخٌ، ونظيرُه إذا قَالَ السيدُ من العربِ لعبدِه: سالمُ احبسْ عبدَكَ غانِمًا الذي أساء (٢) حتى يموتَ، أو يأتيكَ قضائي فيه، فلا يقال: إن السيدَ حكمَ في غانمٍ بحكمٍ، وإنما حبسَهُ لأجلِ القضاء. وبهذا يتبيَّنُ (٣) لكَ أن آيةَ السيفِ (٤) نسخَتْ كلَّ عفوٍ وصَفحٍ عن المشركين، وإن كان قد علَّق قضاءه بوقتٍ غير معلوم؛ كقوله تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: ١٠٩]، وقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٨٧]؛ لأن العفو والصفح والصبر حكمٌ مستقرٌّ، وهو الكفُّ عن قتالِهم، والاستسلامُ معهم.

стр. 741

٧٠ - (١١) قوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٦]. * قد بينتُ أن هذه الآيةَ مختصةٌ بالذكور، وأن الآيةَ الأولى خاصَّةٌ بالإناث عامَّةَّ فَي أنواعهن، ثم كذلك هذه عامَّةٌ في أنواعِ الذكورِ من الِبْكرين والثَّيبين (١)، وإنما قلت هذا؛ لأن الله سبحانه ذكرَ الإناثَ بلفظ يخصُّهُنَّ، وذكر الذكورَ بلفظٍ يخصُّهم، وقيدَ لفظَ الإناثِ بقوله: ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٥]، وقيدَ لفظَ الذكور بقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٦]، ففي التقييد دلالتان: التقييد بالنساء، والتقييد بكونهن من نساء المؤمنين. * ثم أمر اللهُ -سبحانه- بإيذاء الذَّكَرَيْنِ إذا زنيا، والإيذاءُ أمر مُجْمَلٌ لا يُعرفُ المُرادُ منه، فيجوز أن يُرادَ به التوبيخُ والضربُ (٢)، فبين هذا المجملَ مع بيان السبيلِ الذي وعدَ به اللهُ سبحانه النبيُّ ﷺ بقوله: "خُذوا عَنِّي، [خُذُوا عَنِّي"، الحديث. فآيةُ الجلد مبينةٌ لجنسِ الإيذاءِ في حقِّ البِكْرِ، وآيةُ الرجمِ ناسخةٌ للأذى

стр. 742

في حقِّ الثيّبِ؛ إذ لا يجوزُ في اللسانِ إطلاقُ الأذى على الرجمِ والقتلِ حتى تكون مبينة لمُجْمَلِه، وإنما يُطلق الأذى على ما دون ذلك. فهذه الآيةُ بعضُها مبيَّنٌ وبعضُها منسوخٌ، إلا أن يثبتَ تعيينُ الإيذاءِ بنوعٍ معلومٍ مستقرٍّ في الشرع، فتكون هذه الآيةُ منسوخةً في حقِّ البكرِ والثيِّبِ، وثبوت ذلك طريقه] (١) [النقل الصحيح، ولقد أخطأ من خصَّ الأنثيين بالبكرين (٢)، حتى تحكم. ونسخُ الأولى بالثانية من وجهين] (٣): من طريق اللغة والنقل. أما اللغة، فَلِمَا قدمتُ، فلا يجوز أن يجعل المذكر ناسخًا لخطابِ المؤنث الذي لا يجوزُ إطلاقهُ على المذكَّرَ (٤) بحالٍ. وأما النقلُ، فلقوله ﷺ : "خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبيلًا، البِكْرُ بالبِكْرِ جَلْدُ مِئَةٍ وتَغْريبُ عامٍ، والثَّيِّبُ بالثَّيِّبِ جَلْدُ مئةٍ والرَّجْمُ" (٥) ولم يقل: [خذوا عني] (٦)، خذوا عني (٧)، قد جعل الله لهن سبيلًا هو الأذى، فدلَّ على بطلانِ قوله. * وفي الآية دليلٌ على أن الزانيَ إذا تابَ سقطَ عنُه الحَدُّ؛ لأن اللهَ سبحانه أمرنا بالإعراضِ عنه، ولو كانَ واجبًا لم يسقطْ، ولَما أَمَرنَا بالإعراض،

стр. 743

وهذا أحدُ قولَي الشافعيِّ -رحمه الله تعالى- (١). وقال أبو حنيفةَ ومالكٌ -رحمهما الله تعالى- والشافعيُّ في القول الجديد: إن الحدَّ لا يسقطُ بالتوبةِ (٢). واستدلَّ قائلوه بإطلاقِ قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢]، ولا دليلَ فيه؛ لأنه مطلقٌ، وهذا مقيدٌ بالتوبة، والمقيدُ قاضٍ على المطلقِ باتفاقِ أهل العلمِ بشروط الاستدلال. وهذا عندي أقوى دليلًا، وبه أقول؛ للنص المذكور في الآية، ولقوله ﷺ في ماعز: "هَلَّا تَرَكتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ فَيتُوبَ اللهُ عَلَيْهِ" لَمَّا أخبروه أنه قال: رُدُّوني إلى رسول الله ﷺ لَمّا مَسَّهُ ألمُ الحجارة (٣). * وعطفُ الإصلاحِ على التوبة: - يحتملُ أن يُرادَ به الإصلاحُ بنفسِ التوبة، أي (٤): فإن تابا وأصلحا بالتوبة. - ويحتمل أن يرادَ به: فإن تابا وأصلَحا العمل، وهو الظاهر؛ لأن

стр. 744

العطفَ يقتضي الغَيْرِيَّةَ، ولأن به تتبيَّنُ التوبةُ الخالصةُ لله -تعالى- من التوبةِ للتَّقِيَّةِ. * وقد اختلفَ الشافعيةُ في اشتراطِ الإصلاح، والصحيحُ اشتراطهُ (١). * وينبغي أن يُعْلَمَ أن الإصلاحَ شرطٌ لمسقط الحَدِّ، لا أنه مُسْقِطٌ للحدِّ بنفسِه، وقد وهم بعضُ الشافعية، فجعل نفسَ الإصلاح مسقطًا للحدِّ، وليس كذلك. * ولما أطلقَ الله سبحانه الإصلاحَ في الأزمانِ، ولم يقيِّدْه لنا، نظرْنا في بيانه، وفي (٢) الدلالة عليه، فوجدنا الشرعَ قد قَدَّر حولًا في فراقِ الأمرِ المألوفِ امتحانًا للإنسان، فغرَّبَ البِكْر إذا زنى عامًا؛ عقوبةً له بفراقِ وطنهِ المألوف المحبوبِ، فاستدللنا بذلكَ على أنه (٣) من ادَّعى نفي نفسِه عن مألوفها وشهواتِها، فلا بدَّ من امتحانِه بعامِ، كتغريبِ البكرِ إذا زنى، وهذا الاعتبارُ أحسنُ من الاعتبار بحولِ الزكاةِ والجزية؛ فإن ذلكَ من باب الرفقِ بالأموال. ولما رأى إمامُ الحرمين والغزاليُّ، -رحمهما الله تعالى- مباينةَ هذا الحولِ للزكاةِ (٤) والجزية، وأن اعتبارَهُ به غيرُ مطابقٍ (٥)، رجعا إلى الأمر

стр. 745

المقصودِ به، وهو الدلالةُ على صدقِه في توبته، فوجداه يحصل بمضيِّ مدة يغلب على الظنِّ صدقُه فيما ادعاه، ويختلف ذلك بأمارات الصدق، وقُوَّتِها وضعفها. والأولُ قولُ أكثر الشافعيةِ، وهو الأولى؛ لما بينتُه. ومنهم من قدر ستةَ أشهرٍ، وحُكي عن نصِّ الشافعيِّ -رحمه الله تعالى- (١). وظاهر إطلاق الآية أن التوبةَ تسُقط الحدَّ، سواء تابَ قبلَ الوصول إلى القاضي، أو بعده، وفيه خلافٌ (٢)، واتِّباعُ الظاهر أولى وأليقُ بباب الحدِّ. * * *

стр. 746

(من أحكام التوبة) ٧١ - (١٢) قوله : ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٧ - ١٨]. * بيَّن الله -سبحانه- في هذه الآية مدةَ انتهاءِ التوبة التي أوجبها على نفسه بفضله وكرمه، ووسَّعَ مُدَّتَها بلطفِه ورحمته، فقال: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾. وبيَّن الله سبحانه هذا الزمنَ القريبَ أنه ما لم يحضرْهُ الموتُ، وتتعلقْ به مبادئُه، فقال: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾. وبيَّن النبيُّ ﷺ هذا الحكم بمثل ما بينه الله سبحانه، فقال: "مَنْ تابَ قَبْلَ أن تُغَرْغِرَ نَفْسُهُ في حَنْجَرَته، قَبِلَ اللهُ تَوْبَتَهُ" (١).

стр. 747

قال أهلُ العلم (١): فمن صارَ بهذه الحال، فلا تصحُّ توبتُه ولا إسلامه، ولا كفره، ولا وصيته، ولا قَوَدَ ولا دِيةَ ولا كَفَّارَةَ على قاتله؛ لأن الحياة التي فيه غيرُ مستقرة، فهو كالميت، وهذه الحالةُ التي آمن فيها فرعون فلم ينفعه إيمانُه. وإذا لم يحضرْهُ الموتُ، ولكنهُ مَيْئوسُ الحياة، فإنه تصحُّ توبتُه ووصيتُه؛ لأن حياتَه مُستقرةٌ، وهذه الحالةُ التي أوصى فيها عمرُ بنُ الخطاب -رضي الله تعالى عنه- لما طُعِنَ وخرجَ اللبنُ من جوفِه، وأجمعتِ الصحابةُ على صِحَّةِ وصيَّتِهِ. * * *

стр. 748

(من أحكام النكاح) ٧٢ - ٧٤ (١٣ - ١٥) قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩) وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ١٩ - ٢١]. قال الربيعُ: قال الشافعيُّ: يقال -والله أعلمُ-: نزلت في الرجل يمنعُ المرأةَ حقَّ اللهِ تعالى عليه في عشرتِها بالمعروفِ من غير طيبة نفسِها، ويحبسُها لِتموت، فيرثُها ويذهبُ ببعض ما آتاها، واستثنى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ﴾ وهي الزنا (١). وساق الكلام حتى قال: قيل (٢): إن هذه الآيةَ منسوخةٌ وهي في معنى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ

стр. 749

سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥] بآية الحدود: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]. وقال رسول الله ﷺ : "خُذوا عني، خُذوا عني (١)، قد جعلَ الله لهنَّ سبيلًا، البكرُ بالبكر جلدُ مئةٍ وتغريبُ عامِ، والثيبُ بالثيبِ جلدُ مئة والرجمُ" (٢)، فلم يكن على المرأة (٣) حَبْسٌ تُمْنعُ به حَقَّها على الزوج، وكان عليها الحدُّ. قال: وما أشبه ما قيل من هذا بما قيل -والله أعلم- لأن لله أحكامًا بين الزوجين بأن يجعلَ له عليها أن يطلقَها مُحسنةً ومُسيئةً، ويحبسَها محسنةً ومسيئةً، وكارهًا لها وغير كاره، ولم يجعلْ له منعَها حقَّها في الحال (٤). هذا قولُ أبي عبدِ الله، وما اختارَهُ من النسخِ بالاحتمالِ والقياس ممنوعٌ غيرُ جائزٍ (٥)، والذي عليهِ عامَّةُ أهلِ العلمِ بالقرآن القولُ بأنها محكمةٌ (٦). قال ابن عبَّاسٍ، والمفسرون (٧): كان في الجاهلية أولياءُ الميتِ أحقَّ بامرأته، إن شاءَ بعضُهم تزوجها، وإن شاؤوا زوجوها، وإن شاؤوا لم

стр. 750

يزوجوها، فأعلم الله سبحانه أن ذلكَ حرامٌ (١). * ثم حرَّم على الأزواجِ إمساكَهُنَّ على جهة المُضارَّةِ، فقال: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩]، فإن خالعَها على وجهِ المُضارَّةِ فقد عصى، ولم يصحَّ خُلْعُه، ولم يجزْ له أخذُ ما بذلَتْهُ لهُ بالإجماع (٢). وشذ بعضُهم (٣) فقال: الخلع في هذه الحالة جائزٌ ماضٍ، وهو آثمٌ، ثم لا يحلُّ له ما صنعَ، ولا يُجْبَرُ على ردِّ ما أخذ (٤). وروى ابنُ القاسمِ نحوَ هذا عن مالكٍ (٥). قال ابنُ المنذر: وهو خلافُ ظاهرِ كتاب الله تعالى (٦)، وخلافُ ما أجمعَ عليه عوامُّ أهلِ العلمِ من ذلك.

стр. 751

ثم قال: ولا أحسب أنه لو قيل لأحَدٍ: اجهدْ نفسَكَ في طلب الخطأ، ما وجدَ أمرًا أعظمَ من أن يَنطقَ الكتابُ بتحريم شيءٍ، ثم يقابله بالخلافِ نصًّا، و (١) يقول: بل يجوزُ ذلك، ولا يُجبر على ردِّ ما أخَذ (٢). وأباح ذلك على جهة المضارة عند إتيانهنّ بالفاحشة المبينة ليفتدين منهم، فقال: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾؛ لأن المستثنى نقيضُ المستثنى منه، فيكون المعنى: إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فاعضلوهن لتذهبوا ببعضِ ما آتيتموهُنَّ. * فالفاحشةُ قيل: هي الزنا. قال أبو قِلابةَ: إذا زنتِ امرأةُ الرجلِ، فلا بأسَ أن يضارَّها حتى تفتديَ منه (٣). وقال السديُّ: فإذا (٤) فعلنَ ذلك، فخذوا مهورَهُنَّ (٥). ونحوه عن ابن سيرين (٦).

стр. 752

وقيل: الفاحشةُ: البغضُ والنشوزُ، ورويَ عن ابن عباسٍ وابنِ مسعودٍ (١). فأحلوا أخذَ مالِها عندَ نشوزِها. وبه قال مالكٌ (٢) والشافعيُّ (٣)، فحلَّ (٤) الخلعُ في هذه الحالةِ بهذه الآية، وحلَّ في غيرِها إذا كانَ النشوزُ منهما بآية البقرة (٥). * فإن قيل: فقد بينَ الله سبحانه أنه لا يحلُّ للأزواجِ أن يذهبوا ببعض ما آتوا النساءَ على جهة العَضْلِ والمُضارَّةِ إلا عندَ الإتيانِ بالفاحشةِ، فهل يَحِلُّ للأزواج أن يذهبوا ببعضِ ما آتَوْهُنَّ على غيرِ جهةِ المُضارة؟ قلنا: - أما إذا أتينَ بالفاحشةِ، فيحل لهمُ الأخذُ؛ لأنه إذا حلَّ مع العَضْلِ بالمُضارَّةِ، فمع عدمِها أولى. - وأما إذا لم يأتينَ بالفاحشةِ، فيحلُّ أيضًا إذا خافا ألا يقيما حدودَ الله، كما مضى في "سورة البقرة" (٦).

стр. 753

- وأما إذا لم يأتين بالفاحشة، ولم يخافا ألا يقيما حدود الله، فلا يحلُّ للأزواجِ الأخذُ؛ كما بينه اللهُ سبحانه في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾، فحرمه الله تحريمًا مطلقًا، وقد علمنا أن اللهَ سبحانه إنَّما أراد تحريمَ ذلك إذا لَمْ يأتينَ بالفاحشةِ المبيِّنة، وإذا لم يخافا أَلَّا يقيما حدودَ الله، فإطلاقُ هذه الآيِة مقيَّد بالتي قبلها، وبآية البقرة (١). " ثم ذمَّ اللهُ سبحانَه فاعِلي ذلك، ووبَّخَهُم بقوله: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾. * إذا تمَّ هذا، فإن قوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ كناية عن الجِماع والمباشَرَةِ، وهو تفسيرُ ابنِ عباسٍ رضي الله تعالى عنهما (٢). قال في "الصِّحاح" يقال: أفضى الرجلُ إلى امرأته: إذا باشَرَها وجامَعَها (٣). ويقعُ على الوُصولِ، أي: وُصولِ بعضِهم إلى بعض. ويقع على المُخالطة، أي: خالطَ بعضُهم بعضًا (٤).

стр. 754

* فإن قيل: مفهومُ هذا الخطابِ يدلُّ على أنه يجوزُ الخُلْعُ قبل الإفضاءِ (١)، وقبلَ الدخولِ، على قول الشافعي (٢)، وقبلَ الخَلْوةِ بها، على قولِ أبي حنيفةَ (٣) ومالكٍ (٤)؛ لأن الله سبحانه عَيَّرهم بالإفضاء، فدلَّ على أنه إذا لم يفضِ بعضهم إلى بعض، يجوزُ لهم الأخذ ممَّا آتوهم، وإن لم يأتوا بفاحشة مُبَيِّنَةٍ. فالجوابُ: أنه لا مفهومَ له؛ لأن الله سبحانه قصد بذكره تنفيرهم بما يستقبحونه في نفوسهم، ويسترذلونه في عقولهم من قبحِ العهدِ ورذيلة الخلق، ولم يقصد به التعليل بالإفضاء من بعضهم إلى بعض، وعلى تقدير أنه يفهم ذلك، فلا دلالةَ له؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فإنها حاصرةٌ مقيدةٌ بجميع الحالات والصفات. * فإن قيل: فقوله تعالى في الآية الأولى: ﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ هل التقييد ببعضِ ما آتاهُنَّ الأزواجُ للتخصيص، فلا يجوزُ الافتداءُ إلا ببعضِ المهرِ، أولا، فيجوزُ بكلِّ المَهْر؟ فالجوابُ: أن ظاهره للتخصيص، وبه قال الشعبيُّ، ويجوز أن يكونَ لغيرِ التخصيص، ولكنه جرى على الغالب في الوجود، فإن المرأةَ لا تختلع

стр. 755

إلا بدون ما تأخذ غالبًا، وهو خلافُ الظاهر، ولكنا عدلْنا إليه للدليلِ الذي قدمناه في سورة البقرة (١). * * * ٧٥ - (١٦) قوله : ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٢٢]. * حرم الله سبحانه على الرجل نكاحَ أربعٍ بالمُصاهرة، فحرَّم عليه نكاحَ منكوحَةِ أبيه، وعفا عَمّا قد سلفَ في الجاهلية، وأطلق التحريمَ، ولم يفرِّق بين أن يكونَ الأبُ قد دخلَ بها أو لم يدخلْ بها، والحكم كذلكَ بإجماع المسلمين (٢)، وألحقوا بمنكوحَتِهِ موطوءَتَهُ بملك اليمين، وبنكاح الشُّبْهَةِ بطريق التنبيهِ والأَوْلى، وهو إجماعٌ منهم أيضًا. * والنكاحُ في وضعِ اللغة هو الضَّمُّ (٣)، وذلك حقيقةٌ في الجِماع، ويقعُ على العَقْدِ، وهو المستعملُ في عُرْفِ الشرعِ (٤)، وحَمْلُ ألفاظِ الشرعِ على عُرْفِ الشَّرعِ أولى من حملها على وَضْعِ اللغة، ولهذا حمله الشافعيُّ على العُرْفِ، فلم يُحَرِّمْ موطوءَةَ الأبِ بالزنا (٥)، وحمله أبو حنيفةَ على أصلِ

стр. 756

الوضع، فحرَّمها (١)، وعن مالكٍ راويتان (٢). * * * ٧٦ - ٧٧ (١٧ - ١٨) قوله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣) وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٢٣ - ٢٤]. * حرم الله سبحانه في هذه الآية سَبْعًا من ذَوي النسب، وأجمعَ المسلمونَ على تحريمهنَّ، وهنَّ: الأُمهاتُ، والبناتُ، والأَخَواتُ، والعمَّاتُ، والخالاتُ، وبناتُ الأخِ، وبناتُ الأختِ. - واتفقوا على أن الأمهاتِ هاهنا كلُّ أنثى لها عليكَ وِلادَةٌ؛ من جِهةِ الأُمِّ، أو من جِهَةِ الأب. - وأن البناتِ كلُّ أنثى لك عليها ولادةٌ؛ من قِبَلِ الابنِ، أو من قِبَلِ البنتِ.

стр. 757

- وأن الأختَ كلُّ أنثى شاركتكَ في أحدِ أصلابِكَ. - وأن العَمَّةَ كلُّ أختٍ لذكرٍ له عليكَ وِلادةٌ؛ كأختِ الأبِ وأختِ الجدِّ من جِهة الأب، وأختِ الجدِّ من جهةِ الأم. - وأنَّ الخالةَ كلُّ أختٍ لأنثى لها عليك ولادةٌ، كأختِ الأمِّ، وأختِ الجَدَّةِ من قِبَلِ الأمِّ، وأختِ الجَدَّةِ (١) من قبلِ الأبِ. - وبناتُ الأخِ وبناتُ الأخت كلُّ أنثى لأخيكَ أو لأختِكَ عليها ولادةٌ من قِبَلِ أُمِّها، أو من قِبَلِ أبيها (٢). * وحرم الله سبحانه اثنتين بالرَّضاعِ: الأُمَّ والأَخَواتِ، فقال: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]، وأجمع عليه المسلمون (٣). * وأطلق الله سبحانه الإرضاعَ، ولم يقيدْهُ بصفةٍ: - فيحتمل أن يكونَ له مقدارُ عددٍ معلومٍ ووقتٍ معلومٍ. - ويحتملُ غير ذلك، وهو الظاهرُ من إطلاقِ الخطابِ الذي لا يُعْدَلُ عنه

стр. 758

إلا بدليل، فعدل الشافعيُّ وجماعة قليلون عن الظاهر (١). * أما في العدد، فلِما خَرَّجَهُ مسلم من حديثِ عائشةَ -رضي الله تعالى عنها- أن النبيَّ ﷺ قال: "لا تُحَرَّمُ الإمْلاجَةُ والإمْلاجَتانِ" (٢). وخرَّج عن عائشة أيضًا (٣) -رضي الله تعالى عنها- أنها قالت: كان فيما نزل من القرآن: (عشر رضعات معلومات يحرمن)، ثم نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلوماتٍ، فتوفي رسولُ الله ﷺ وهُنَّ فيما (٤) يُقْرَأ في القرآن (٥). وأخذ بظاهر الإطلاق أكثرُ أهلِ العلم: عليٌّ، وابنُ مسعودٍ، وابنُ عُمَرَ، وابنُ عباس -رضيَ الله تعالى عنهم-، وعطاءٌ، وطاوسٌ، وابنُ المسيّبِ، ومكحولٌ، والحسنُ، والزهريُّ، وقتادةُ، والحكمُ، ومالكٌ، والليثُ، والأوزاعيُّ، والثوريُّ، وأبو حنيفةَ رحمهم الله تعالى (٦). ولا أعلمُ لهم جوابًا صحيحًا عن الأحاديثِ الواردةِ بالتحديد. ثم اختلفَ القائلون بالتحديدِ، فقال الشافعيُّ: لا يُحَرِّم إلا خمسُ

стр. 759

رَضَعاتٍ؛ لقول عائشةَ رضي الله تعالى عنها: ثم نُسِخْنَ بخمسٍ معلوماتٍ (١). وقال أحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ: تحرمُ الثلاثُ، ولا يُحَرِّم ما دونهنَّ (٢)؛ لقوله ﷺ : "لا تُحَرِّمُ المَصَّةُ ولا المَصَّتانِ" (٣). فقد تعارضَ مفهومُ الخطابِ في الدلالتين، وعلى المجتهدِ أن ينظر في ترجيحِ أحدهما، وإنما عدلنا إلى التحريمِ، وإنْ كانَ التحريمُ (٤) بالثلاث أحوطَ؛ لأنه لما عدل بالتحريم من العشر إلى الخمس، دلَّ دلالةً ظاهرةً بينةً أنها حدٌّ فاصلٌ بين التحريمِ والتحليل، بخلاف (٥) قوله: "لا تُحَرِّمْ الإمْلاجَةُ والإمْلاجَتانِ"؛ فإنه لا ينفي أن الثلاثَ والأربعَ لا يُحَرِّمْنَ، ولا يكونُ العدولُ والنسخُ إلا بعدَ استقرارِ الحُكْم (٦).

стр. 760

فإن اعترضَ معترضٌ علينا (١) بأنَّ القرآنَ لا يَثْبُتُ بخبر الواحدِ، وإذا لم يثبتْ بخبر الواحد، بطلَ العملُ، ولا يتنزلُ منزلةَ خبر الواحد، كما هو قولُ المحققينَ من أهلِ النظرِ؛ لأنه إنما رواه على أنه قرآنٌ، فإذا لم يثبتْ قرآنًا، لم يثبتْ غيرُه. ولأنَّ خبرَ الواحد إذا توجَّه إليه قادحٌ، وجبَ التوقُّفُ عن العملِ به، وهذا لم يجئْ إلا بآحاد -مع أن العادة مجيئُه متواترًا- يوجبُ ريبةً في صحةِ الخبر.

стр. 761

قلنا: هذا ليس مَحَلَّ النزاعِ، فإن صورةَ المسألةِ المختَلَفِ فيها إذا روى الصحابيُّ شيئًا على أنه من القرآنِ ثابتٌ غيرُ منسوخٍ؛ كقراءةِ ابنِ مسعود: (فصيامُ ثلاثة أيامٍ متتابعات) (١)، (والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم) (٢). وأما إذا روى الصحابيُّ أنه كان من القرآن ثم نسخ، فهذا يُقبل فيه خبرُ الواحد؛ لأنه لم ينقلْه على أنه قرآنٌ الآنَ، وإنما نقله على أنه كان قرآنًا، وقد نُسخ، وهذا يُقبل فيه خبرُ الواحد؛ لعدم توفُّر الدواعي من الأمة على نقله، فلا يوقع ريبةً، فيجوز لنا أن نقول: من القرآن شيءٌ نُسخ لفظُه على الجملة لِنَقْلِ أهلِ العلمِ ذلكَ بالتواتُرِ من طريق المعنى، لا من طريقِ اللفظ (٣). روي عن أنس -رضي الله تعالى عنه-: أنه قال: نزلت (٤) في شأن الذين قُتلوا ببئر معونة: (بَلِّغوا قومَنا أنا قد لقينا رَبَّنا، فرضيَ عنا ورضينا عنه)، قال أنس: فكان ذلك قرآنًا قرأناه (٥).

стр. 762

وروي عن أبي موسى الأشعري: أنه قال: نزلتْ سورةٌ نحوٌ من (براءة)، ثم رفعت، وذَكر أنه حَفِظَ منها شيئًا (١). وروي عن بعضهم أنه كانتْ سورةُ الأحزابِ تعدلُ سورةَ البقرة (٢). وروي عن عائشةَ -رضي الله تعالى عنها-: أنها قالت: نزلت: (فصيامُ ثلاثةِ أيام متتابعات)، فسقطت متتابعات (٣). قال الدَّارَقُطْنِيُّ: إسنادُه صحيح. ومثل ما روي: (الشيخُ والشيخةُ إذا زنيا) (٤)، ولأنه لا يسمى قرآنًا إلا مجازًا، وليسَ له حرمةُ القرآن، فيجوز للجنب والحائض قراءةُ مثلِه، ولا يجوز لنا أن نقول: في القرآن شيء ثابت بنقل الواحد؛ لتوفر دواعي الأمة على نقله، فإذا نقل بعضُهم شيئًا شاذًا، رَدَدْناه، ودلَّ على بطلانه مخالفة الإجماعِ من المسلمين، بخلاف ما قدمناه؛ فإنه ليس فيه مخالفةٌ لإجماع المسلمين، فينزل منزلةَ السُّنَنِ؛ لاتفاقهما في أن الدواعيَ لا تتوفرُ من المسلمين على نقل أفرادِهما كما تتوفرُ على نقل أفراد القرآن،

стр. 763

ولاتفاقهما على أنهما لا يخرجان عن رتبة الظنِّ، ولا يتعديان إلى رتبةِ القطع (١). نعم قد يكونُ في السنن أشياءُ متواترةٌ من طريقِ المعنى، وهي يسيرة جدًا، والله أعلمُ، وبه العصمةُ والتوفيق. " وأما الوقتُ: فذهبَ جمهورُ أهل العلم من الصحابة والتابعين وفُقهاءِ الأمصار إلى اعتبارِه؛ لما خَرَّجَهُ مسلم عن عائشةَ -رضي الله تعالى عنها- قالت: دخلَ رسولُ الله ﷺ ، وعندي رجلٌ، فاشتدَّ ذلك عليه، فرأيتُ الغضبَ في وجهه، فقلت: يا رسول الله! إنه أخي من الرضاعة، فقال ﷺ : "انْظُرْنَ مَنْ إخْوانُكُنَّ؛ فإنَّما الرَّضاعَةُ من المَجاعَةِ" (٢)، أي: إن الرضاعةَ إنما تثبُتُ في حَقِّ من يقوم له الرَّضاعُ مقامَ الغِذاء عندَ الجوع (٣). وأخذ داودُ بظاهر إطلاق الآية، فرضاعُ الكبير عنده يُحَرِّمُ (٤).

стр. 764

وهو مذهبُ عائشة -رضي الله تعالى عنها- وكانتْ إذا أحبتْ أن يدخلَ عليها أحدٌ من الرجالِ، أمرتْ أُخْتَها أُمَّ كُلثومٍ وبناتِ أختها يرضعْنَه (١). وخرَّجَ مسلم عن عائشةَ رضي الله تعالى عنها: أن سالِمًا مولى أبي حُذَيفةَ كان مع أبي حذيفة وأهلِهِ في بيتهم، فأتت سهلة (٢) بنتُ سُهَيلٍ النبيَّ ﷺ ، فقالت إنَّ سالمًا قد بلغَ ما يبلغُ الرجالُ، وعقلَ ما عَقَلوا، وإنهُ يدخل علينا، وإني أظنُّ أنَّ في نفسِ أبي حُذَيفةَ من ذلك شيئًا، فقال لها النبيُّ: "أَرْضِعيهِ تَحْرُمي عليهِ، ويَذْهَب الذَّي في نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ" (٣). وأجيب عنه بأنه نازلة في عينٍ (٤)، فلا تعمُّ. وهذا الجوابُ ضعيفٌ؛ لما رُوي عنه ﷺ أنه قال: "حُكْمِي في الواحِدِ حُكْمِي في الجَماعَةِ" (٥). وبأنه كان يراها سائرُ أزواجِ النبي ﷺ رُخْصَةً لسالمٍ وسَهْلَةَ. وقالت أمُّ سلمةَ رضي الله تعالى عنها: أبى سائرُ أزواجِ النبيِّ ﷺ أن

стр. 765

يُدْخِلْنَ عليهنَّ أحدًا بتلكَ الرضاعة، وقلن لعائشة: واللهِ ما نرى هذا إلا (١) رخصةً رخَّصها رسولُ الله ﷺ لسالم خاصَّةً، فما هو بداخل علينا أحدٌ بهذه الرضاعة (٢). * ثم اختلفَ القائلون بالتوقيت: فمنهم من قَيَّدَهُ بافتقارِ الأطفالِ إلى اللَّبَنِ، فمتى استغنى عن اللبن، فلا أَثَرَ لرضاعه، وإن وقعَ قبل انقضاءِ الحَوْلين، وهو قولُ الأوزاعي (٣)؛ أخذًا بقوله ﷺ : "إنَّما الرَّضاعَةُ من المَجاعَةِ" (٤). ومنهم من وَقَّتَهُ بالزمان، وهو حولانِ عند الشافعيِّ (٥)؛ استئناسًا بقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. وحولانِ وستةُ أشهرٍ عند أبي حنيفة (٦). وحَوْلانِ وشهرٌ ونحوُه عند مالك (٧).

стр. 766

وعمل داودُ بأصله في اتباعِ الظاهر، وترك المعنى، فلم يحرمْ بالوُجور (١) واللُّدود (٢). ووافقه عطاءٌ في الحُكم (٣). وخالفهما سائرُ أهلِ العلم؛ لأن المعنى في لبن المرضعة هو ممازجةُ لبنِها لِلَحْمِ الطفل وعروقِه، فنباتُ لحمِه ودمِه من لبنها، فصار كبَضْعَةٍ منها، وهذا المعنى موجودٌ في الوجور واللدود (٤). * فإن قيل: فهل تخصيصُ الله سبحانه الأمهاتِ والأَخَوات بالذِّكْرِ يدلُّ على أن مَنْ عداهُنَّ مِمَّنْ يُدْلي بجهةٍ غيرِ جهةِ الأمِّ بخلافهن، أو لا يَدُلُّ (٥)؟ فالجواب: أنه بمجردِ ذكرِه لا يدلُّ؛ لأنَّ الاسمَ من غير ذكر صفتِه لا يدلُّ؛ على أنَّ ما عَداهُ بخلافه، باتفاق الأصوليين، إلا أبا بكرٍ الدَّقَّاقَ، وإنما يدلُّ عليه قولهُ تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] بعدَ ذكرهِ لهذهِ المُحَرَّماتِ المَعْدودات، فيجوز أن يكونَ في التخصيصِ بذكرهنَّ دلالةٌ على أَنَّ مَنْ عداهُنَّ بخلافِهِنَّ، فلا حُرْمَةَ بينَ الرضيعِ والفَحْلِ، ومن يدلي به؛ كأخيه، فيجوزُ للرضيعِ أن يتزوَّجَ عَمَّته، ويجوز للفَحْلِ ولأخيهِ أن يتزوجَ المُرْضَعَةَ بلِبانه، ويجوز أن يكونَ هذا التخصيصُ للتنبيهِ على حكمِ

стр. 767

أصل الرَّضاع، ثم يلحق به سائرُ المحرمات بالنسبِ، وهو خلاف الظاهر الذي لا يُعْمَدُ (١) إليه إلا بدليل. فقال بالأول قومٌ منهم ابنُ عمر، وابنُ الزبير، وابنُ المسيّب، وإبراهيمُ، وأبو سلمةَ بنُ عبد الرحمن؛ لما قررتُه من الظاهر، ولأن المعنى المُحَرِّمَ للأمِّ هو نباتُ لحمِه وانتشارُ عظمِه بِلبِانها مفقودٌ في الفحل. وذهبَ كثيرٌ من أهلِ العلم إلى إثباتِ الحُرمةِ بين الفحلِ والرضيعِ، وبه قالَ الأئمةُ الأربعةُ (٢)؛ لما أخرجه الشيخان من حديث عائشةَ: أنه جاءَ أَفْلَحُ أخو أبي القُعَيْسِ يستأذنُ عليها بعدما نزلَ الحِجابُ، وكانَ أبو القُعَيْسِ أبا عائِشَةَ منَ الرضاعةِ، قالت عائشة: فقلت: واللهِ لا آذنُ لأفلحَ حتى أستأذنَ رسولَ الله ﷺ ؛ فإن أبَا القُعَيْسِ ليسَ هو أَرْضَعَني، ولكنْ أرضعَتْني امرأتهُ، قالت عائشةُ: فلمّا دخلَ رسولُ الله ﷺ ، قلت: يا رسول الله! إن أفلحَ أخا أبي القعيس جاءني يستأذن عليَّ، فكرهتُ أن آذنَ لهُ حتى أستأذنكَ، قالت: فقال النبيُّ ﷺ : "ائذَنِي لَهُ" (٣).

стр. 768

وفي بعض طرقه: "إنَّهُ عَمُّكِ فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ" (١)، ولأنه سببُ اللبنِ، فلا يخرجُ السببُ عن حكمِ المسبّب، ولهذا قال ابن عباس: اللقاحُ واحد، لمَّا سئل عن رجل كان له امرأتان، فأرضعت إحداهُما غلامًا، والأخرى جارية، هل يتزوجُ الغلامُ الجارية؟ فقال: لا، اللَّقاحُ واحدٌ (٢). * وحرم الله سبحانه في هذه الآية ثلاثًا بالمُصاهرة، وهي: أمهاتُ الزوجات، وبناتُ الزوجات، وزوجاتُ الأبناء، فقال: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. وهذا إجماعٌ من الأمة. * وأطلق الله سبحانه تحريم أمهاتِ الزوجات وزوجاتِ الأبناء، وقيدَ تحريمَ بناتِ الزوجات بالدُّخول. وقد اتفق المسلمون على تحريم زوجات الأبناءِ بالعَقْدِ؛ كما أطلقه الله سبحانه، وعلى أن الربائبَ لا يحرمْنَ إلا بالدخول على أمهاتهن؛ كما قيد الله سبحانه، ونصَّ عليه (٣).

стр. 769

* واختلفوا في أمهاتِ الزوجاتِ هل يحرمْنَ بالعَقْدِ أو بالدخول؟ - فذهب جمهورُ أهل العلم من كافة فُقهاء الأمصار إلى أنها تحرم بالعَقْدِ على البنت. - وذهب قومٌ إلى أنها لا تحرمُ إلا بالدخول؛ كالبنت. قيل: ويروى عن عليٍّ وابنِ عباسٍ من طرق ضعيفة (١). وظنَّ بعضُ المتأخرين (٢) أن منشأ اختلافِ الفريقين هو الأصلُ المشهورُ في الصفة إذا تعقبت جُملًا عُطِفَ بعضُها على بعض، هل يعود إلى الجميع، أو يختصُّ بالأخيرة؟ واعتقد (٣) أن قوله تعالى: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] عائدٌ إلى الجميع على قول، وغير عائد على قول، وليس كذلك، بل تقييد الصفة خاصٌّ بالربائب (٤).

стр. 770

وإنما اختلفوا في إلحاقِ الأمهات بالبنات في التقييد: فمنهم من ألحقها بالبنت، فاشترطَ الدخولَ، ولم يرَ بينهما فرقًا. ومنهم من لم يُلْحقها بها، ورأى أن الأمَّ لا يُصيبها نُفْرَةٌ، ولا يلحقها (١) غَيْرَةٌ على ابنتها، بخلاف البنتِ، كما هو المعهودُ من طباعِ الناس، فرآه فارقًا من محاسن الشريعة. فإن قيل: فتقييدُ (٢) الربائب بكونهن في الحُجور يدلُّ على أنهن إذا لم يكنَّ في الحُجور لا يَحْرُمْنَ. فالجوابُ: أن هذا الخطابَ لا مفهومَ له، وإنما ورد استعمالهُ على غالبِ الوجود؛ فإن الموجودَ من أحوال الناس أن الربائبَ لا يَكُنَّ إلا في حُجورِ أزواجِ أمهاتهن، وهذا قولُ جمهورِ أهل العلم. وخالف داودُ، فجعلَه مفهومًا، وأباحَ الربيبةَ التي لم تكنْ في حجرِ الرجل، وهذا من ظواهره البعيدة (٣).

стр. 771

* وأما مفهومُ قوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فهو يدلُّ على أن زوجةَ الابن من التبنيِّ لا تَحْرُمُ، وهي كذلك حَلالٌ بالإجماعِ (١). وقد ورد حِلُّه مبيَّنًا في موضعٍ آخرَ، قال الله ﷻ : ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [الأحزاب: ٣٧]، وهو المراد بمفهوم الآية، وأما حليلُة ابنِ الرَّضاع، فحرامٌ بالاتفاق (٢)؛ لقوله ﷺ : "يَحْرُمُ منَ الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ منَ النَّسَبِ" (٣). " ثم حرم الله سبحانه الجمعَ بين الأختين، فقال: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣]، وذلك إجماعٌ (٤)، سواءٌ كُنَّ معًا، أو مُتَرَتبِّاتٍ.

стр. 772

والحكمةُ إيقاعُ البُغْضِ (١) والتقاطعُ بين الأرحام. * وبَيَّنَ النبيُّ ﷺ أن الجمعَ بين المرأةِ وخالَتِها، وبينَ المرأةِ وعمَّتِها في معنى الجمعِ بين الأختين (٢)، وعلى هذا اتفق أهلُ العلم (٣). قال أبو عبد الله الشافعيُّ: وهو قولُ من لَقِيتُ من المُفْتين، لا اختلافَ بينهم فيما علمتُه (٤). والاستثناءُ في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ راجعٌ إلى الجملَةِ الأخيرة، قال ابنُ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-: كان أهلُ الجاهلية يُحَرِّمون ما حَرَّمَ اللهُ، إلا امرأةَ الأبِ، والجمعَ بين الأختين (٥). * ثم حرم الله سبحانه المزوَّجاتُ من النساءِ على غير أزواجهنَّ، فإنه أكبرُ الزنا وأعظمُه، فقال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، والمراد بالمُحْصنات هنا: المزوَّجات (٦). فإن قال قائل: فبيِّنْ لنا حقيقةَ الإحصان، والدليلَ على أن المرادَ به المزوجاتُ؛ فإنَّا رأينا الإحْصانَ يقعُ في كتابِ الله على معانٍ مختلفة.

стр. 773

قلنا: هو كما ذكرتَ يقعُ على معاني مختلفة، ولكنه إن وقعَ على معانٍ مختلفة، فإنه يجمعُها معنًى واحدٌ، وهو المنعُ. فالإحصانُ (١) مأخوذٌ من التحصين، وهو المنعُ، فكلُّ ما يَمْنَعُ فهو مُحْصِن -بكسر الصاد- وما مُنِع فهو مُحْصَنٌ -بفتح الصاد (٢) - قال الله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠]، وقال تعالى: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ﴾ [الحشر: ١٤]، يعني: ممنوعة، وقال تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [الأنبياء: ٩١]، أي: منعته عن الزنا. وهو يقعُ في القرآن على معانٍ. منها: العِفَّةُ؛ لأنها مانعةٌ؛ لقوله تعالى: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ [النساء: ٢٥]، أي: عفائفَ غيرَ زوانٍ. ومنها: الحرية؛ لأنها مانعةٌ، وذلك كقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، وكقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤]، وكقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وكقوله تعالى: ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]. ومنها: الإسلامُ؛ لأنه مانعٌ، وذلك كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ﴾، أي: أسلمْنَ (٣)، وهذا

стр. 774

تأويلُ الشافعيِّ -رحمه الله تعالى- المشهورُ عنه، ويروى عن عبدِ الله بن مسعود (١)، والدليلُ عليه قوله ﷺ : "إذا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَتَبَيِّنَ زِناها، فَلْيَحُدَّها" (٢). قال الشافعيُّ: ولمَّا (٣) لم يقلْ: محصنة، أو غير محصنة، استدلَلْنا على أن قولَ الله في الإماء: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ [النساء: ٢٥] إذا أسلمْنَ، لا إذا نكحن وأُصبن بالنكاح، ولا إذا أُعتقن، وإن لم يُصَبْنَ (٤). قال: وروينا عن ابن مسعود أنه قال: إحصانُها إسلامُها (٥)، وسيأتي الكلام على هذا قريبًا -إن شاء الله تعالى-. ومنها: النِّكاح؛ لأنه مانعٌ؛ وذلك كقوله (٦) تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤]. والدليل عليه ما روينا في "صحيح مسلم" عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ -رضي الله تعالى عنه-: أن رسولَ الله ﷺ يومَ حنينٍ بعثَ جيشًا إلى أَوْطاسٍ، فلقي عدوًا، فقاتلوهم، فظهروا عليهم، فأصابوا لهم سبايا، فكأنَّ ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ تَحَرَّجوا من غِشْيانِهِنَّ من أجلِ أزواجهنَّ من

стр. 775

المشركين، فأنزل عليه في ذلك: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، أي (١): فهنَّ لهم حلالُ إذا انقضتْ عِدَّتُهُنَّ (٢). فإن قال قائل: فعمومُ الاستثناء يقتضي أن كلَّ مزوجة تَحِلُّ بملكِ اليمين، سواءٌ كانت مَسْبيَّة أو غيرَ مَسْبِيَّةٍ، وثنيةً كانت أو كتابيةً، ويقتضي أن الأختينِ حَلالانِ بملكَ اليمين؛ لأنَّ العبرةَ بعُموم اللفظ لا بخُصوص السبب، ولأن الاستثناءَ راجعٌ إلى الجميعِ عند الأكثرين من أهل العلم بشرائطِ الاستدلال. قلنا: قد اختلفَ الناسُ في ذلك. فرأى أبو حنيفة حِلَّ المَسْبيَّةِ المزوَّجَةِ إذا سُبيت منفردةً عن زوجها، سواءٌ تقدّم سَبْيُها أو تأخر، ورأَى تحريمَها إذا سُبيت مع زوجها، وكذا رأى تحريمَ المزوَّجَة المُشْتراة، فحملَ عمومَ الآية على خصوصِ سببها (٣). ورأى الشافعيُّ حِلَّ المَسْبيةِ مطلقًا؛ إذ العبرةُ عنده بعُموم اللفظ لا بخُصوص السبب، ووافقَهُ في تحريمِ المزوَّجَةِ المشتراة (٤)؛ لأجلِ تخيير النبيِّ ﷺ بَريرَةَ بعد العتقِ (٥)؛ لأنها لو طَلُقَتْ بشراءِ عائشةَ، أو بعتقِها، لما خَيَّرَها النبيُّ ﷺ . وهذا قولُ عمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وعبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ، وابنِ
следующие страницы →