← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 14827

تيسير البيان لأحكام القرآن

ابن نور الدين

Полный текст (1 649 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

* وأما مفهومُ قوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فهو يدلُّ على أن زوجةَ الابن من التبنيِّ لا تَحْرُمُ، وهي كذلك حَلالٌ بالإجماعِ (١). وقد ورد حِلُّه مبيَّنًا في موضعٍ آخرَ، قال الله ﷻ : ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [الأحزاب: ٣٧]، وهو المراد بمفهوم الآية، وأما حليلُة ابنِ الرَّضاع، فحرامٌ بالاتفاق (٢)؛ لقوله ﷺ : "يَحْرُمُ منَ الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ منَ النَّسَبِ" (٣). " ثم حرم الله سبحانه الجمعَ بين الأختين، فقال: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣]، وذلك إجماعٌ (٤)، سواءٌ كُنَّ معًا، أو مُتَرَتبِّاتٍ.

стр. 772

والحكمةُ إيقاعُ البُغْضِ (١) والتقاطعُ بين الأرحام. * وبَيَّنَ النبيُّ ﷺ أن الجمعَ بين المرأةِ وخالَتِها، وبينَ المرأةِ وعمَّتِها في معنى الجمعِ بين الأختين (٢)، وعلى هذا اتفق أهلُ العلم (٣). قال أبو عبد الله الشافعيُّ: وهو قولُ من لَقِيتُ من المُفْتين، لا اختلافَ بينهم فيما علمتُه (٤). والاستثناءُ في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ راجعٌ إلى الجملَةِ الأخيرة، قال ابنُ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-: كان أهلُ الجاهلية يُحَرِّمون ما حَرَّمَ اللهُ، إلا امرأةَ الأبِ، والجمعَ بين الأختين (٥). * ثم حرم الله سبحانه المزوَّجاتُ من النساءِ على غير أزواجهنَّ، فإنه أكبرُ الزنا وأعظمُه، فقال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، والمراد بالمُحْصنات هنا: المزوَّجات (٦). فإن قال قائل: فبيِّنْ لنا حقيقةَ الإحصان، والدليلَ على أن المرادَ به المزوجاتُ؛ فإنَّا رأينا الإحْصانَ يقعُ في كتابِ الله على معانٍ مختلفة.

стр. 773

قلنا: هو كما ذكرتَ يقعُ على معاني مختلفة، ولكنه إن وقعَ على معانٍ مختلفة، فإنه يجمعُها معنًى واحدٌ، وهو المنعُ. فالإحصانُ (١) مأخوذٌ من التحصين، وهو المنعُ، فكلُّ ما يَمْنَعُ فهو مُحْصِن -بكسر الصاد- وما مُنِع فهو مُحْصَنٌ -بفتح الصاد (٢) - قال الله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠]، وقال تعالى: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ﴾ [الحشر: ١٤]، يعني: ممنوعة، وقال تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [الأنبياء: ٩١]، أي: منعته عن الزنا. وهو يقعُ في القرآن على معانٍ. منها: العِفَّةُ؛ لأنها مانعةٌ؛ لقوله تعالى: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ [النساء: ٢٥]، أي: عفائفَ غيرَ زوانٍ. ومنها: الحرية؛ لأنها مانعةٌ، وذلك كقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، وكقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤]، وكقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وكقوله تعالى: ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]. ومنها: الإسلامُ؛ لأنه مانعٌ، وذلك كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ﴾، أي: أسلمْنَ (٣)، وهذا

стр. 774

تأويلُ الشافعيِّ -رحمه الله تعالى- المشهورُ عنه، ويروى عن عبدِ الله بن مسعود (١)، والدليلُ عليه قوله ﷺ : "إذا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَتَبَيِّنَ زِناها، فَلْيَحُدَّها" (٢). قال الشافعيُّ: ولمَّا (٣) لم يقلْ: محصنة، أو غير محصنة، استدلَلْنا على أن قولَ الله في الإماء: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ [النساء: ٢٥] إذا أسلمْنَ، لا إذا نكحن وأُصبن بالنكاح، ولا إذا أُعتقن، وإن لم يُصَبْنَ (٤). قال: وروينا عن ابن مسعود أنه قال: إحصانُها إسلامُها (٥)، وسيأتي الكلام على هذا قريبًا -إن شاء الله تعالى-. ومنها: النِّكاح؛ لأنه مانعٌ؛ وذلك كقوله (٦) تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤]. والدليل عليه ما روينا في "صحيح مسلم" عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ -رضي الله تعالى عنه-: أن رسولَ الله ﷺ يومَ حنينٍ بعثَ جيشًا إلى أَوْطاسٍ، فلقي عدوًا، فقاتلوهم، فظهروا عليهم، فأصابوا لهم سبايا، فكأنَّ ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ تَحَرَّجوا من غِشْيانِهِنَّ من أجلِ أزواجهنَّ من

стр. 775

المشركين، فأنزل عليه في ذلك: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، أي (١): فهنَّ لهم حلالُ إذا انقضتْ عِدَّتُهُنَّ (٢). فإن قال قائل: فعمومُ الاستثناء يقتضي أن كلَّ مزوجة تَحِلُّ بملكِ اليمين، سواءٌ كانت مَسْبيَّة أو غيرَ مَسْبِيَّةٍ، وثنيةً كانت أو كتابيةً، ويقتضي أن الأختينِ حَلالانِ بملكَ اليمين؛ لأنَّ العبرةَ بعُموم اللفظ لا بخُصوص السبب، ولأن الاستثناءَ راجعٌ إلى الجميعِ عند الأكثرين من أهل العلم بشرائطِ الاستدلال. قلنا: قد اختلفَ الناسُ في ذلك. فرأى أبو حنيفة حِلَّ المَسْبيَّةِ المزوَّجَةِ إذا سُبيت منفردةً عن زوجها، سواءٌ تقدّم سَبْيُها أو تأخر، ورأَى تحريمَها إذا سُبيت مع زوجها، وكذا رأى تحريمَ المزوَّجَة المُشْتراة، فحملَ عمومَ الآية على خصوصِ سببها (٣). ورأى الشافعيُّ حِلَّ المَسْبيةِ مطلقًا؛ إذ العبرةُ عنده بعُموم اللفظ لا بخُصوص السبب، ووافقَهُ في تحريمِ المزوَّجَةِ المشتراة (٤)؛ لأجلِ تخيير النبيِّ ﷺ بَريرَةَ بعد العتقِ (٥)؛ لأنها لو طَلُقَتْ بشراءِ عائشةَ، أو بعتقِها، لما خَيَّرَها النبيُّ ﷺ . وهذا قولُ عمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وعبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ، وابنِ

стр. 776

عُمر (١)، فعملَ الشافعيُّ بعمومِ الآيةِ، وبخصوصِ الحديث. ووافقهما مالكٌ في تحريم المزوَّجة المُشتراة؛ لحديث بَريرَةَ (٢). وعن مالكٍ في المَسْبية روايتان كالمذهبين (٣). * وخالف الجميعَ قومٌ في المزوَّجَةِ المُشْتراة، فرأوا حِلَّها، وأن بيعَها طلاقٌ، ويُروى عن ابن عباسٍ، وجابرٍ، وابنِ مسعودٍ، وأبيِّ بنِ كعبٍ، وعِمْرانَ بنِ حُصين (٤). وقال البخاري: قال أنس: لا نرى بأسًا أن ينزعَ الرجلُ جاريَته من عبدِه (٥)، فعملوا بعمومِ الآيةِ مُطلقًا. * وكذلك اختلف أهلُ العلم في الأَمَةِ الوثنيَّة. فقال جمهورُهم: لا يجوزُ وطْؤها؛ لأن من لا تحلُّ بملكِ النِّكاح، لا تحلُّ بملكِ اليمينِ، كالأمِّ والأخت (٦).

стр. 777

قال الشافعيُّ: وإذا حَرَّم رسولُ الله ﷺ على من أسلم أن يطأَ (١) امرأةً وثنيةً حتى تسلم في العِدَّةِ، دلَّ ذلك على أنه لا يَطَأُ من كانَت على دينها حتى تسلم من حرة أو أَمَةٍ (٢). وقال بجوازه طاوسٌ، ومجاهدٌ (٣). وهو قويُّ الدلالةِ عندي معَ اتفاقِ فُقهاء الأمصارِ وسائرِ العلماءِ على خلافه؛ لأنه ما هو في الدلالةِ أقوى من القياس لا يَخُصُّ من العموم محلَّ السبب. وقد أباح النبيُّ ﷺ وطء سبايا أَوْطاسٍ، وهنَّ أصحابُ أوثان، إلا أن يثبتَ أنهنَّ لم يوطأنَ إلا بعد إسلامهن، فحينئذٍ تتضحُ الحجةُ وتقوم (٤). ولكن لقائل أن يقول: السببُ هو الإحصانُ، لا الكفرُ، قال أبو عبد الله الشافعيُّ: ولا أحسبُ أحدًا من أصحابِ رسولِ الله ﷺ وَطِئَ مسبيَّةً عربيةً حتى أسلمت (٥).

стр. 778

* وأما الاستثناء، فقال أكثرُ الناس باختصاصه بالجملة الأخيرة، وأن الجمعَ بين الأختين بملكِ اليمينِ حرامٌ (١). قال عثمانُ -رضي الله تعالى عنه-: أحلَّتهما آية وحَرَّمتهما آية (٢)، والتحريمُ أولى (٣). وبهذا قال عامَّةُ أهلِ العلمِ بالقرآن. وخالف الناسَ أهلُ الظاهر، فقالوا: يجوزُ الجمعُ بينَهما كما يجوزُ ملكُهُما، ولا التفاتَ إليهم (٤). * وضابطُ الجمعِ المحرمِ ما قاله الشعبيُّ: كلُّ امرأتين إذا جَعَلْتَ موضعَ إِحداهما ذَكَرًا، لم يَجُزْ أن يتزوجَ الأخرى، فالجمعُ بينهما باطلٌ، فقيل له:

стр. 779

عَمَّنْ هذا؟ فقال: عن أصحابِ رسول الله ﷺ (١). " ولما ذكر اللهُ سبحانه الحرامَ من النساء، ذكر الحلالَ منهن بلفظٍ عامٍّ مترقٍّ في الظُّهور إلى رتبةِ النصوصِ، فقال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾، ثم بين شرطه فقال: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤] أي: ناكحين غيرَ زانين. " وبين النبيُّ ﷺ صفةَ النكاح، وشرائطَه، والحالةَ التي يحلُّ فيها أو يَحْرُم. * فإن قال قائل: فتقييدُ الابتغاء بالأموال يقتضي أنه لا يجوزُ بغيرِ أموالٍ (٢). قلنا: قد اختلف أهلُ العلم في مسائلَ: * فاختلفوا في جواز النكاح على المنفعة (٣). فجوزه الشافعيُّ وبعضُ أصحاب مالكٍ (٤)؛ قياسًا على الإجارة (٥). ومنعه أبو حنيفةَ إلا في حقِّ العبدِ، لما في الإجارةِ من مخالفةِ القياس، فلا يقاسُ عليها (٦).

стр. 780

ويروى عن مالكِ المنعُ مُطْلقًا، والمشهورُ عنه الكراهةُ (١)، وعنده فرقٌ بين المَمْنوع والمكروه، فالممنوعُ ما يُفْسَخُ به النكاحُ بعد الدخول، والمكروهُ ما يُفسخ به قبلَ الدخول، ولا يُفسخ به بعده. والخلافُ في هذه المسألةِ يرجعُ إلى أصل آخرَ، وهو هل شرع مَنْ قبلَنا شرعٌ لنا أو لا (٢)؛ فمن قالَ: شرعٌ لنا، جَوَّزَ النكاحَ على المنفعة؛ لفعلِ النبيِّ شعيبٍ ذلك مع النبيِّ موسى- صلوات الله وسلامهُ عليهما (٣) -. ومن لم يقلْ بشرعيته، منعَ هذا النكاحَ، لمخالفته القياسَ ونظمَ الآية (٤). والصحيحُ الجوازُ لقوله: "زَوَّجْتُكَها بِما مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ" (٥) وهذا إجازة.

стр. 781

الثانية: اختلفوا في النكاح على تعليم القرآن. فجوزه جمهورُ الفقهاء (١)، لقوله ﷺ : "زَوَّجْتُكَها بِما مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ". ومنعه قومٌ، وتأولوه على معنى السببية، أي: لسبب ما معك من القرآن (٢). وهذا بعيدٌ جدًا؛ لخروجه عن قصدِ الخطاب، ولخُلُوِّ النكاحِ عن الصَّداق. الثالثة: خَرَّجَ الشيخانِ عن أنسٍ -رضي الله تعالى عنه-: أن رسولَ الله ﷺ أعتقَ صَفِيَّةَ، وجعل عتقَها صَداقَها (٣). - فذهب الثوريُّ، والزهريُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وداودُ إلى أنه يجوز أن يعتقَها على أن تتزوج به، ويكون عتقُها صداقَها، ويلزمها ذلك، ويصحُّ الصداقُ عملًا بظاهر الحديث (٤).

стр. 782

- ومنعه مالكٌ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ؛ لمخالفتِه الأصولَ؛ لأن العتقَ إزالةُ ملكٍ، والإزالةُ لا تتضمنُ إباحةَ الشيء بوجه آخر، ولأنها إذا عتقت، ملكتْ نفسَها، فكيف يكون يلزمها النكاحُ (١)؟ وتأولوا قوله: وجعلَ عتقَها صداقَها، أي: قائمًا مقامَ صَداقِها، فسماهُ باسمه، إذا لم يكنْ ثَمَّ عِوَضٌ، ويكون ذلك من خصائصِه ﷺ ؛ استدلالًا بقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، واستئناسًا بكثرةِ خصائصِه في النكاح. وتأوله بعضهم على أنه جعلَ قيمتَها المقابلةَ لعتقها صداقَها، وتقديُره: وجعلَ عوضَ عتقها صداقَها، وهذا التأويلُ أقربُ من الأول؛ لأن الأصلَ مشاركةُ الأُمَّةِ للنبيِّ ﷺ (٢). واختصَّ بالهبةِ في النكاح، وهذه لم تهبْه، ولأنه لو كان مخصوصًا بهذا، لبيَّنَ الخُصوصية؛ كما قال تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. ويقوي هذا التأويلَ ما روي عن ابنِ عمر: أنه كانَ يكرهُ أن يُجعلَ عتقُ المرأة مَهْرَها حتى يُفْرَضَ لها صداق (٣). ثم تفصيلُ مذهب الشافعي أنها (٤): إذا كرهتْ زواجَهُ بعد العتق،

стр. 783

ضمنتْ له قيمتَها؛ لأنه لم يرضَ بعتِقها مَجّانًا، فكأنها أتلفت عليه رقبتَها، وإن رضيتْ ونكحها على قيمتها، فكانت معلومةً لهما، صحَّ الصَّداقُ، ولا يبقى له عليها قيمةٌ، ولا لها عليه صداقٌ. وإن كانتِ القيمة مجهولةً، فوجهان: أحدُهما: يصحُّ الصداقُ، ولا يبقى له (١)؛ للحديث (٢). والثاني: لا يصحُّ، وإنما (٣) يجب مَهْرُ المِثْل؛ عملًا بالقياس (٤). فإن قال قائل: فمقتضى قولك: إن عمومَ قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] يقاربُ النصَّ في الظهور: أنه لا يجوزُ تخصيصُه، فيحرم الجمعُ بين المرأةِ وخالتِها، وبينَ المرأةِ وعَمَّتِها، وإذا لم يجزْ خصيصه، اقتضى أنه حلالٌ، وهو خلافُ الإجماع (٥). قلت: هو كذلك، لا يجوز تخصيصه بذلك، ولا بغيره. وأما تحريمُ الجمعِ بين المرأة وخالتِها وعمتِها، فإنما هو لبيان الشارع ﷺ أنه في معنى بين الأختين؛ لوجود العلة المحرِّمة هناك، وليس

стр. 784

هو من باب التخصيص لعموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وإنْ كانَ قد تَوَهَّمه كثيرٌ من جِلَّةِ العُلماء، وغَفَلوا عن هذا التحقيقِ والقصدِ النفيسِ؛ فإنه ليسَ من التخصيصِ بالقياسِ؛ لورودِ السنَّةِ به، ولا من التخصيص بفردٍ غيرِ مذكورٍ في العموم، ولا في معنى المذكور في العموم (١). ولأجل هذا المأخَذِ رَدَدْنا إلحاقَ بعضِ السلف بهؤلاء مَنْ عداهُنَّ من المَحارم؛ حيث قالوا: يحرمُ الجمعُ بينَ كُلِّ امرأتينِ بينَهما رَحِمٌ محرِّمةٌ أو غيرُ محرمة، فمنعوا الجَمْعَ بين ابنتي عَمٍّ، وابنتي عَمَّةٍ، وبين ابنتي خالٍ، وابنتي خالةٍ، وبينَ المرأةِ وبنتِ بنتِ عَمِّها، أو بنتِ بنتِ عَمَّتِها، أو بنتِ بنتِ خالتِها، أو بنتِ بنتِ خالِها (٢). * واختلف أهلُ العلم في قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ [النساء: ٢٤]. فقال قومٌ: نزلت في نِكاح المُتْعَةِ، فكانَ ابنُ عباسٍ، وابنُ مسعودٍ، وأُبَيُّ بنُ كعبٍ، وابنُ جبيرٍ يقرؤون: (فما استمتعتُم بهِ منهنَّ إلى أجلٍ مُسَمًّى) (٣).

стр. 785

ثم افترقوا، فقال قومٌ؛ نَسخ الله ذلك بما جعل بين الزوجين من الطلاق في سورة البقرة (١)، وبما فرضَ من الميراث والعِدَّةِ والصَّداق (٢). فإن قال قائل: فما وجهُ التعارض والنسخ؟ فالجواب: أنه لما وجدنا سنةَ الله التي شَرَعَها بين الزوجين؛ من استمرارِ النكاحِ، ووقوعِ الطلاق، وفرضِ الميراث، ووجوبِ العِدَّةِ معارضًا لخصائصِ المُتعةِ؛ لأن المتعة قولُ الرجلِ للمرأة: أتزوجُك على كذا وكذا، إلى أجل كذا وكذا، على أن لا ميراثَ بيننا، ولا طلاقَ ولا عِدَّةَ، استدللنا على أن أحدَهما ناسخٌ للآخَرِ، فوجدنا الشرعَ استقرَّ على هذا، وبينتِ السنَّةُ تحريمَ نِكاح المُتعةِ (٣)، فجعلناها مبينةً للناسخ في القرآن، لا ناسخةً

стр. 786

للقرآن، وفي هذا الوجه (١) نظر (٢). فلقائل أن يقول: لا تعارُضَ بينَ نكاحِ المتعةِ والنكاحِ الصحيح؛ لأنَّ (٣) النكاحَ كان على نوعين. فحيث اشترط ذلكَ، كان متعةً كما شرط، وحيث ذكر الرجلُ المُسَمَّى ووقتَ النكاح، كان متعةً من خصائصِه تركُ الميراثِ وعدمُ الحاجةِ إلى الطلاق، وإن لم يشترطْ، ولم يسمَّ الأجلَ، كان نكاحًا تامًا مؤبدًا يترتَّبُ عليه أحكامُهُ من الطلاقِ والميراثِ والعدَّةِ. فيكون الراجحُ ما قال الآخرون: إن الآية مُحكمة، والمعنى: فما استمتعتم به منهن، أي: فما انتفعتم به، وتلذَّذْتُم من النساء بالنكاحِ الصحيحِ، فآتوهُن أجورَهُن، أي: مُهورَهُنَّ فريضةً (٤). ولكنه يُضَعِّفُ هذا الترجيحَ ويقوِّي تأويلَها بنكاحِ المُتعة قولُه تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ [النساء: ٢٤]. فإن قيل: معنى ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ [النساء: ٢٤، أي: لا إثمَ عليكم في أن تهبَ المرأةُ للزوجِ مهرَها (٥)، أو يهبَ

стр. 787

الرجلُ للمرأةِ تمامَ المَهْرِ (١) إذا طلقها قبل الدخول (٢). قلنا: رفعُ الجُناحِ لا يُستعمل في اللِّسانِ في أداء الفريضة، ولا في فعل البِرِّ، وإنما يَرِدُ فيما له أصلٌ في المنع (٣). فإن قيل: قراءةُ الصحابيِّ بطريق الآحاد لا تثبتُ قرآنًا (٤)، ولا تبلغ بيانَ السنةِ عندَ المحققين من أهل الاستدلال. قلنا: ينبغي أن يكون هذا بمنزلة التفسير، وتفسيرُ الصحابيِّ أولى من

стр. 788

تفسير غيره، على الصحيحِ عندهم في تفسير السنة بأحدِ الوجوه عندَ قيامِ احتِمالها، فكذلك ينبغي أن يرجِّحوا به أحدَ الوجوه عند احتمال القرآن لها، ولم أر هذا لأحدٍ من الأصوليين (١)، ولكنه متَّجِه عندي (٢). وأما ابنُ عباسٍ فيقول: إنها محكمة في إباحة المتعة، وقد اشْتُهر عنهُ

стр. 789

القولُ بها وتبعه أصحابُه من أهلِ مكة واليَمَن (١)، وربما فهم القول به من بعضِ الأحاديثِ عن ابن مسعود (٢)، وكان ابنُ عباس -رضي الله تعالى عنه- يحتجُّ بهذه الآية، وروى عنه ابنُ جُرَيْجٍ وعمرُو بنُ دينار: أنه كان يقول: ما كانتِ المتعةُ إلا رحمة من الله رَحِم بها أمةَ محمدٍ ﷺ ، ولولا نَهْيُ عُمَر عنها، ما اضطُرَّ إلى الزنا إلا شَقِيٌّ (٣). وخَرَّجَ مسلمٌ عن جابرِ بنِ عبدِ الله -رضي الله تعالى عنهما- قال: تَمَتَّعْنا على عهدِ رسول الله ﷺ ، وأبي بكرٍ، ونصْفًا من خلافةِ عُمَرَ، ثم نهى عنه عُمَرُ الناسَ (٤).

стр. 790

وبتحريمِ المتعةِ قال جمهورُ الصحابةِ -رضي الله تعالى عنهم (١) -، وأجمع عليه فقهاءُ الأمصارِ بعد الخلاف، ولم يخالف فيها إلا الرافضةُ، فمن قائلٍ بأنها منسوخة، ومن قائلٍ بأنها محكمة مؤولةٌ كما قدمنا (٢). فإن قال قائل: فكيف استمرَّتِ الإباحةُ بعدَ موتِ النبي ﷺ في زمنِ أبي بكرٍ، ونِصْفٍ من خلافةِ عمرَ -رضي الله تعالى عنهما- مع وجودِ النهي عنه ﷺ ؟ قلنا: يحتمل أمرين: أحدهما: أنه لم يظهرْ ويكثرْ بين الناس فعلُ المتعة، وينتشرْ إلى الخلفاء فعلُ من لم يعلمْ بنسخها، إلا في نصفِ خلافة عمر. والثاني: أن يكون توقفُ أبي بكر وعمر؛ لتكرار الإباحةِ والنسخ؛ فإنها أُبيحتْ، ثم نهى عنها النبي ﷺ عامَ خَيْبَرَ، خرجه الشيخانِ عن عليٍّ -رضي الله تعالى عنه (٣) -، وعامُ خيبرَ قبلَ فتحِ مكة (٤).

стр. 791

وقال سَبْرَةُ بنُ معبدٍ الجُهَنِيُّ: أمرَنا رسولُ الله ﷺ بالمتعةِ عامَ الفتحِ حينَ دخلنا مكةَ، ثم لم يخرجْ حتى نهانا عنها (١). وروى سَلَمَةُ بنُ الأَكْوَعِ ﵁ قال: رخَّصَ رسولُ الله ﷺ عامَ أَوْطَاسٍ في المتعةِ ثلاثًا، ثم نهى رسول الله ﷺ عنها (٢). وعامُ أَوْطاسٍ وعامُ الفتح واحدٌ، وهو بعدَ خيبر، فلما تقرر عنده أنه منسوخٌ أبدًا كما رواه سَبْرَةُ الجهنيُّ -رضي الله تعالى عنه-: أن رسولَ الله ﷺ قال: "يا أيُّها الناسُ! إنِّي قَدْ كُنْتُ أَذِنْتُ لَكُمُ في الاسْتِمْتاعِ من النِّساءِ، وإن اللهَ قَدْ حَرَّمَ ذلكَ إلى يومِ القيامَةِ، فمنْ كَانَ عنَدُه شَيْءٌ، فَلْيُخْلِّ سبيلَها، ولا تَأْخُذوا مِمَّا آتَيْتُموهُنَّ شيئًا" (٣)، علم أنه لا يجوز الإباحة بعدَه بوجه، نهى عنه. وقد روي عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-: أنه رجعَ عن القولِ بتحليلها (٤). وكذا روى الحَكَمُ بن عيينةَ، عن أصحابِ عبدِ الله، عن عبدِ الله بنِ مسعودٍ أنه قال: المتعةُ منسوخةٌ، نسخها الطلاقُ والصَّداقُ والعِدَّةُ والميراث (٥). وإن صحَّ ما رُوي عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-: أن

стр. 792

رسولَ الله ﷺ قال: "حَرَّمَ -أو هدم- المُتْعَةَ النكّاحُ والطَّلاقُ والعِدَّةُ والميراثُ" (١) فالحجَّةُ فيه، لا في قولِ أحدٍ غيرِه، والله أعلم (٢). وفي الآية دليل أن المهرَ لا يستقرُّ إلا بالاستمتاع، لا بالخلوة (٣). * * * ٧٨ - (١٩) قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ

стр. 793

فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)﴾ [النساء: ٢٥]. * أباحَ الله سبحانه في هذه الآية للحرِّ نِكاحَ الأَمَةِ بثلاثة شروط، فواحدٌ متفقٌ عليه عند أهل العلم، والآخران مختلَفٌ فيهما. فأما المتفق عليه، فهو نِكاحُها بإذن سَيِّدِها (١). وأما المختلَفُ فيهما: فأحدهما: عدمُ الاستطاعة على الطَّوْل، وهو المال الذي يحصلُ به نِكاح الحُرَّةِ المؤمنة. والثاني: خشيةُ العَنَتِ، وهو الزنا المتولدُ من شِدةَّ الشَّبَقِ والغُلْمَةِ (٢). - فذهب مالكٌ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ إلى اشتراطهما. ويروى عن عليٍّ، وابنِ عباسٍ، وابنِ عمرَ، وجابرٍ، وعطاءٍ، وطاوسٍ، والزهريّ، والحسن، والشعبيِّ، ومكحول (٣).

стр. 794

- وذهب قومٌ إلى تأويل الطَّوْلِ هنا بالقوة والجَلَدِ، فمن أحبَّ أَمَة وهَوِيَها حتى لا يستطيعَ أن يتزوجَ غيرها، فله أن يتزوج أَمَةً، وإن وجدَ سعةً من المال، فقوله تعالى: ﴿لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] يفسّرُ عدمَ الطَّوْلِ. ونسب هذا التأويل إلى قَتادةَ، والنخعي، والثوريِّ (١). وهو بمكانةٍ من البُعد والتعسُّف (٢). - وذهب قومٌ منهم ابنُ القاسم المالكي إلى عدمِ اشتراطه (٣). ولعلَّ هؤلاء رأوا هذا الشرطَ كالشرط في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣]، فكما يجوزُ له أن ينكحَ أربعاً معَ خوفَ عدمِ العدل، كذلك يجوزُ له هنا نِكاحُ الأَمَةِ مع الطَّول (٤). * وإذا علمتَ مذهبَ الجمهورِ، فهل عدمُ الطولِ شرطٌ في استدامة النكاحِ كابتدائه، أو لا؟

стр. 795

اختلف فيه السلفُ. - فذهب عطاءُ بن أبي رباح إلى عدمِ شَرْطيته (١)، فلو تزوج حرةً بعد الأمةِ، ولم تعلم الحرة بالأمة، فهو جائز ثابت، وبه قال الشافعي (٢). - وذهب النخعيُّ (٣) ومسروقٌ إلى فسخِ نكاحِ الأمةِ، لأنه أبيحَ للضرورة، وقد زالت (٤). - وذهب قومٌ إلى أن للحرة الخيارَ إذا لم تعلمْ بالأمة، إما أن تقيمَ معه، أو تفارقه (٥). - وقيل: إما أن تُقِرَّ نكاحَ الأمة، أو تفسخَه. وبه قال مالكٌ، وأحمدُ، وإسحاقُ (٦).

стр. 796

* وقد استنبط قومٌ من أهل العلم أنه إذا زال خوفُ العَنَتِ بنكاحِ أمةٍ واحدةٍ، فليس له نكاحُ أَمَةٍ أخرى. وبه قال الشافعيُّ (١) وأحمدُ (٢) وإسحاقُ، ويروى عن ابن عباس (٣). وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ (٤)، والزهريُّ: له أن ينكحَ أربعاً (٥). * وتقييدُ الفتياتِ بالمؤمناتِ يقتضي أنه لا يجوزُ نكاحُ الأمةِ الكتابيةِ. وبه قالَ مالكٌ، والشافعيُّ (٦) (٧)، والحسنُ، وسعيدٌ (٨).

стр. 797

وقال أبو حنيفةَ: يجوز نكاحُ الأمةِ الكتابيةِ (١)؛ لأن دليلَ الخطابِ (٢) عنده ليسَ بحجَّة، فلا يعارضُ عمومَ قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] إذا فسِّرَ الإحصانُ بالعِفَّةِ (٣)، وإن فُسِّرَ بالحرية؛ كما هو قولُ عمرَ وابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهم (٤) -، فقياسُ الأمةِ على الحرة عنده إما أنه مقدَّم، على مفهوم الخطاب، وإما أن يجاب على التقييد بأجوبة تقدمَتْ عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]. * ومفهومُ تقييد المُحْصَنات بالمؤمناتِ يقتضي أيضاً (٥) أنه لو قَدَرَ على

стр. 798

نكاحِ حرةٍ كتابية أنه لا يحلُّ له نكاحُ الأمة (١). وفي ذلك وجهان لأصحاب الشافعي، والصحيحُ عندهم، وهو مذهبُ أبي حنيفةَ، عدمُ الجواز (٢)؛ لأنه لا يخاف العنتَ بنكاحِ الحرةِ الكتابية، فغلب بالقياس على المفهوم (٣). والمختار عندي الجوازُ؛ تقديماً للمفهوم المعضود من قوله تعالى: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١] على القياس. * ولما بينَ اللهُ سبحانه لنا حِل نِكاح الإماء، أمرنا به أيضاً فقال: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥]. فيحتمل أن يكون الأمرُ على الحَتْم؛ كما قاله أهلُ الظاهر. ويحتمل أن يكون على الاختيار؛ كما قاله الجمهورُ (٤).

стр. 799

ويحتمل أن يكون على الحتم لأجل خشية العَنَت؛ كما أوجبه في هذه الحالة بعضُ متأخري المالكية، وهو في هذا المعنى أظهرُ اعتباراً بسائر الأصول، كما يجبُ عليه الأكلُ من الميتةِ عندَ خوفِ الهلاكِ، والفطرُ في رمضان، وغيرُ ذلك. والمر اد بأهلهنَّ ساداتهن. وقد أجمع أهل العلم على اعتبار هذا الشرط كما قدمتُه، فلا يحِلُّ نكاحُ أمةٍ إلا بإذن سيدها (١). وكذلك أجمعوا على أن العبدَ مثلُ الأمةِ، فلا يجوزُ نكاحُه إلا بإذن سيده (٢). * وأمرنا اللهُ سبحانه بإيتاء الإماءِ أجورَهُنَّ، وظاهرُه يقتضي اختصاصَهُنَّ دون ساداتهن، وبه قال مالكٌ (٣). وقال الشافعيُّ: هو للساداتِ دُونهنَّ؛ عملًا بالقياسِ على سائر

стр. 800

منافعهِنَّ، وإضافته إليهنَّ لأنهنَّ المحلُّ المعوض (١). فإن قال قائل: فما معنى الإحصان في الآية؟ قلنا: أما قوله: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ فالمرادُ به ناكحات غير زانيات (٢). وأما قوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ فالمراد به النكاحُ على قراءة بنائه للمفعول، ويجوز أن يراد به الإسلام عندَ من فسره به. وأما على القراءة بإطلاق الفعل للفاعل، فيحتمل النكاحَ والإسلامَ (٣). وبالنكاح فسره ابنُ عباس (٤)، وبالإسلام فسره ابنُ مسعود (٥) - رضي الله تعالى عنهم-. وعن الشعبى أنه قال: إحصانُ الأمةِ دخولُها في الإسلام (٦). وعن إبراهيمَ النخعى أنه كان يقرأ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ بفتح الهمزة (٧)،

стр. 801

واختار الشافعيُّ تفسيرَ ابنِ مسعود، وقد قدمتُ استدلاله لذلك. وعن يونسَ بنِ عبد الأعلى قال: قال الشافعيُّ في قوله تعالى: ﴿(٢٣) وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: ذواتُ الأزواجِ من النساءِ، ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤] مُحْصَناتٍ غيرَ مسافحاتٍ، عفائفَ غيرَ خبائثَ، ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾، قال: فإذا نكحن (١)، ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] غيرِ ذواتِ الأزواج (٢). وقال في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة:٥]: الحرائرُ من أهل الكتاب، ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤]، عفائفَ غير فواسقَ (٣). وحكى أيضا أبو علي الطبريُّ صاحب "الإفصاح" عن ابنِ عبد الحكمِ، عن الشافعيِّ: أنه قال: إحصانُها نكاحها (٤). * إذا تقرَّرَ هذا، فقد اتفقَ جمهورُ العلماء على أنه لا رَجْمَ على الأمةِ؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، والرجمُ لا يَتَنَصَّفُ، فاختص بالجلد (٥).

стр. 802

فذهب أبو ثورٍ إلى أنها إذا أحصنَتْ بالنكاح، وجبَ عليها الرجمُ كالحرِّةِ؛ قياساً على استواء الحرِّ والعبدِ في حدِّ السرقة (١). وهذا خطأ مخالفٌ للكتابِ والسنةِ. * وأجمعوا على أن جلدَها لا يزيدُ على خمسينَ جلدةً؛ لقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٢) [النساء: ٢٥]. * واختلفوا في حقيقةِ الجلدِ. - فقال قومٌ: لا حدَّ (٣) على الأَمَة، وإنما تُحَدُّ (٤) تعزيراً، ويروى عن عمرَ -رضي الله تعالى عنه (٥) - (٦). قال أبو هريرة -رضي الله تعالى عنه-: سمعت النَّبيَّ ﷺ يقول: "إذا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ، فَتَبَيَّنَ زِناها، فَلْيَجْلِدْها الحَدَّ، ولا يُثَرِّبْ عَلَيها، ثم إنْ زَنَتْ، فَلْيَجْلِدْها الحَدَّ، ولا يُثَرِّبْ عليها، ثم إن زَنَتِ الثالثةَ، فَتَبَيَّنَ زناها، فَلْيَبعْها ولو بِحَبْل مِنْ شَعرٍ" (٧). ولا يصح القولُ بهذا عن عمر؛ لما روي عن عبِد الله بِنُ عياشِ بنِ أبي ربيعة قال: أمرني عمرُ بنُ الخطابِ في فِتْيَةٍ من قريش، فجلدنا ولائِدَ

стр. 803

من ولائد الإمارة خَمسينَ خَمسين في الزنا (١). وقال كافَّةُ العلماء بوجوبِ الحَدِّ، وهو نصفُ حَدِّ الحرَّةِ؛ كما بينه اللهُ سبحانه (٢). واختلفوا في محلِّه. فروي عن ابن عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-: أنه قال (٣): لا يجبُ عليها الحَدُّ إلا بعدَ النكاح، وأما (٤) إذا لم تنكحْ، فلا حدَّ عليها؛ لعدم الإحصان (٥). وتمسكوا بمفهوم الشرط، وانحطاطِ دَرَجةِ البِكْرِ عن درجةِ المُحْصَن في باب الحَدّ. وبه قال طاوس وأبو عبيدةَ (٦)، وهو ضعيفٌ؛ لأن المفهومَ لا يقاوم النصّ. وقد روى أبو هريرةَ وزيدُ بنُ خالدٍ الجهني -رضي الله تعالى عنهما- قالا: سئل النبيُّ ﷺ عن الأمة إذا زنتْ ولم تحصنْ (٧)، قال:

стр. 804

"إذا (١) زَنَتْ فاجْلِدوها، ثُمَّ (٢) إذا زَنَتْ فاجْلِدوها، ثم إذا (٣) زَنَتْ فاجْلِدوها، ثم بِيعُوها ولو بظفر"، خَرَّجه الإمامان (٤). وبهذا الحديث قال أبو حنيفةَ والشافعيّ رحمهما الله تعالى (٥). فأوجب عليها الحدّ مطلقًا، سواءٌ أحصنت بالإسلام، أو بالنكاح، أم لم تحصنْ، وتمسَّكا بإطلاقِ هذا الحديثِ الذي تركَ فيه النبيُّ ﷺ اعتبارَ الإحصانِ بعدَ أن توهَّمَهُ السائل مؤثرًا. فإن قال قائل: فمذهبُ الشافعيِّ يخالفُ تفسيره؛ فإنه إن فسرَ إحصانَها بنكاحِها؛ كما حكاه ابنُ عبدِ الأعلى وابنُ عبد الحَكَمِ، وجب عليه أن يقولَ بسقوط الحَدِّ عنها قبلَ الإحصان؛ كما هو مذهبُ ابنِ عباسِ -رضي الله تعالى عنهما-، وإن فسره بإسلامها، وجبَ عليه أن يقولَ بسقوط الحَدِّ عنها قبلَ الإسلام، وإن كانت مزوجةَ؛ لأنه فائدة الاشتراط للإحصان، وهو لم يقل بشيء من ذلك. قلنا: لو لم تَرِدِ السنةُ بتركِ اعتبارِ تأثير الإحصانِ في وجوبِ الحدِّ وسقوطِه، كما توهمهُ السائل مؤثراً كما هو ظاهر (٦) القرآن، لقلنا بذلك،

стр. 805

ولَمَّا وردتِ السنَّةُ، عملنا (١) بها، وفهمنا أن فائدةَ الاشتراطِ والتقييدِ بالإحصان إنما هو التنبيهُ على سقوطِ الرَّجْمِ عنها في أكملِ حالاتها، بخلاف الحرة، لا لمخالفة ما قبل الإحصان ما بعده، وحينئذ فيدل القرآنُ على سقوطِ الرجم عنها من وجهين: أحدهما: نصاً، وهو هذا، إن حُمل الإحصانُ على الإسلام. والثاني: استنباطاً، وهو عدم تصور التنصيف في الرجم، إن حُمل الإحصانُ على النكاح. * إذا تمَّ هذا، فقد اختلفوا في قياسِ العبدِ على الأمةِ في تنصيفِ الحَدِّ، فأجازه فقهاءُ الأمصار (٢)، ومنعه أهلُ الظاهر؛ لأنهم لا يقولون بالقياس (٣). * * *

стр. 806

(من أحكام البيوع) ٧٩ - (٢٠) قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]. * نهانا الله سبحانه عن أكلِ أموالِ بعضِنا بعضاً بالباطل، والمراد بالأكل الأخذُ؛ لأن الأخذَ يُراد للأكل، فعبر بالمسبَّب عن سببِه، وأباحَ أكلَها بالتجارة إذا كانتْ عن تراضٍ (١). * ولما كان الرضا أمراً يتعلق بالباطن، لا يطَّلعُ عليه أحد في الظاهرِ إلا ببيانِ اللسان، اشترطنا النطقَ، واكتفينا به دليلاً على الرضا، صريحاً كان النطقُ أو كناية؛ لقيام الكنايةِ بالدلالةِ على الرضا (٢). ولأجل هذا اشترطنا (٣) كونَ اللفظِ ماضياً؛ كقول البائع: بِعْتُك بكذا، أو قول المشتري: اشتريتُ، و (٤) ابتعتُ منك بكذا؛ لتحقيق الدلالة.

стр. 807

ومنعنا انعقادَهُ بالألفاظ المستقبلة؛ لعدم تحقق الرضا، فإن اللفظ متردِّدٌ بين الوعد والإنشاء (١). * ولما كان البيعُ يقعُ عن بصيرةٍ ومعرفة، ويقع بغتة من غير تروٍّ ومعرفةِ حقيقته، بمنَ النبيُّ ﷺ مدةً تندفع بها معرةُ (٢) الندامة والخداع، ويستدرَكُ بها الغبنُ والظُّلامَةُ؛ لِيُتَحقَّقَ بهذه المدَّةِ الرضا الباطني. فروى ابنُ عمرَ -رضي الله تعالى عنهما- عن رسول الله ﷺ : أنه قال: "إذا تَبايعَ الرَّجُلانِ، فَكُلُّ واحِدٍ منهُما بالخِيارِ على صاحِبِه ما لم يَتَفَرَّقا، وكانا جَميعاً، أو يُخَيِّرْ أحدُهما الآخَرَ" (٣). وروى حكيمُ بنُ حزامٍ -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : "البيعانِ بالخِيارِ ما لم يَتَفرَّقا -أو قال: حَتّى يَتَفَرَّقا- فإنْ صَدَقا وصبيَنا، بورِكَ لهما في بَيْعِهما، وإن كتما وكَذَبا، مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهما" (٤). خرجهما الشيخان. وبه عمل ابنُ (٥) عمرَ وسائرُ الصحابة (٦)، وجمهورُ ... ... ...

стр. 808

الفقهاء (١) -رضي الله عن جميعهم-. وخالف في ثبوته أبو حنيفةَ، ومالكٌ، وربيعهُ (٢). وهم محجوجون بما تقدَّمَ من الأحاديثِ الصحيحةِ الموافقةِ لاعتبارِ الرِّضا الذي جعلهُ اللهُ سبحانه في حَقِّنا معياراً. وليس للمخالفين دليل مستقيمٌ، وإطلاقُ الآيةِ محمولٌ على ما بينه النبيُّ ﷺ من شروطِ البيع، والتجنبِ لمفسداته، والسلامةِ من البيوع المنهيِّ عنها، وإلا فذلك باطل وإن تراضى به المتبايعان. فإن قال قائل: فاشتراطُ التلفُّظِ في البيع أمرٌ زائدٌ على ما وردَ به القرآنُ الكريم؛ إذ لم يردْ إلا باشتراطِ التراضي، ولم تردِ السنة باشتراطه أيضاً، ومقتضى هذا أنه يجوزُ البيعُ بالمعاطاة إذا دَلتِ القرائنُ وشواهدُ الأحوال على الرضا. قلنا: التجارةُ والبيعُ أمرٌ معتاد في الوجود، وهو التعاوضُ، ومعلومٌ أنه لا ينفكُّ عن مساوَمَةٍ وخِطاب، فلما وجدنا النبيَّ ﷺ فَرَّقَ بين السَّوْمِ والبيعِ في قوله ﷺ : "لا يَسُمْ أَحَدُكُمْ على سَوْمِ أَخيهِ، ولا يَبعْ على بَيع أَخيهِ" (٣)،

стр. 809

علمنا أنَّ البيعَ هو التعاقدُ الناقلُ لملك أحدِهما إلى الآخر، وأن التساومَ من مقدِّمات البيعِ، ولما وجدْنا الإشارةَ إليه في الحديثِ كثيرةً؛ كما في قوله ﷺ لحبانَ بن مُنْقِذٍ: "إذا بِعْتَ، فَقُلْ: لا خِلابَةَ، وأنتَ بالخِيارِ ثَلاثاً" (١)، وكما قدمنا في حديثِ ابنِ عُمر -رضي الله تعالى عنهما- من قوله ﷺ : "أَوْ يُخَيِّرْ أَحَدُهما الآخَرَ" (٢)، وغير ذلك من الإشارات المستلزمةِ للتعاقد، فدل على أنه من عادِتهم، فخاطبهم اللهُ بلُغَتِهم الجاريةِ على عادتهم (٣). نعم جرتِ العادةُ بعدمِ التساومِ والتعاقدِ في المالِ الحقير، فينبغي أن يُكْتفى فيه التعاطي؛ لأنه يسمى بيعاً لغةً وعرفاً. واختاره جماعةٌ من الشافعيةِ (٤). وأما أبو حنيفةَ، فلم يشترطِ التعاقُدَ في التبايُعِ؛ أخذاً بظاهرِ الخطاب (٥).

стр. 810

* ثم حرم الله سبحانه علينا قتلَ النفسِ المؤمنة فقال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، وسيأتي الكلام عليه -إن شاء الله تعالى-. * * *
следующие страницы →