← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 14827

تيسير البيان لأحكام القرآن

ابن نور الدين

Полный текст (1 649 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

(من أحكام البيوع) ٧٩ - (٢٠) قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]. * نهانا الله سبحانه عن أكلِ أموالِ بعضِنا بعضاً بالباطل، والمراد بالأكل الأخذُ؛ لأن الأخذَ يُراد للأكل، فعبر بالمسبَّب عن سببِه، وأباحَ أكلَها بالتجارة إذا كانتْ عن تراضٍ (١). * ولما كان الرضا أمراً يتعلق بالباطن، لا يطَّلعُ عليه أحد في الظاهرِ إلا ببيانِ اللسان، اشترطنا النطقَ، واكتفينا به دليلاً على الرضا، صريحاً كان النطقُ أو كناية؛ لقيام الكنايةِ بالدلالةِ على الرضا (٢). ولأجل هذا اشترطنا (٣) كونَ اللفظِ ماضياً؛ كقول البائع: بِعْتُك بكذا، أو قول المشتري: اشتريتُ، و (٤) ابتعتُ منك بكذا؛ لتحقيق الدلالة.

стр. 807

ومنعنا انعقادَهُ بالألفاظ المستقبلة؛ لعدم تحقق الرضا، فإن اللفظ متردِّدٌ بين الوعد والإنشاء (١). * ولما كان البيعُ يقعُ عن بصيرةٍ ومعرفة، ويقع بغتة من غير تروٍّ ومعرفةِ حقيقته، بمنَ النبيُّ ﷺ مدةً تندفع بها معرةُ (٢) الندامة والخداع، ويستدرَكُ بها الغبنُ والظُّلامَةُ؛ لِيُتَحقَّقَ بهذه المدَّةِ الرضا الباطني. فروى ابنُ عمرَ -رضي الله تعالى عنهما- عن رسول الله ﷺ : أنه قال: "إذا تَبايعَ الرَّجُلانِ، فَكُلُّ واحِدٍ منهُما بالخِيارِ على صاحِبِه ما لم يَتَفَرَّقا، وكانا جَميعاً، أو يُخَيِّرْ أحدُهما الآخَرَ" (٣). وروى حكيمُ بنُ حزامٍ -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : "البيعانِ بالخِيارِ ما لم يَتَفرَّقا -أو قال: حَتّى يَتَفَرَّقا- فإنْ صَدَقا وصبيَنا، بورِكَ لهما في بَيْعِهما، وإن كتما وكَذَبا، مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهما" (٤). خرجهما الشيخان. وبه عمل ابنُ (٥) عمرَ وسائرُ الصحابة (٦)، وجمهورُ ... ... ...

стр. 808

الفقهاء (١) -رضي الله عن جميعهم-. وخالف في ثبوته أبو حنيفةَ، ومالكٌ، وربيعهُ (٢). وهم محجوجون بما تقدَّمَ من الأحاديثِ الصحيحةِ الموافقةِ لاعتبارِ الرِّضا الذي جعلهُ اللهُ سبحانه في حَقِّنا معياراً. وليس للمخالفين دليل مستقيمٌ، وإطلاقُ الآيةِ محمولٌ على ما بينه النبيُّ ﷺ من شروطِ البيع، والتجنبِ لمفسداته، والسلامةِ من البيوع المنهيِّ عنها، وإلا فذلك باطل وإن تراضى به المتبايعان. فإن قال قائل: فاشتراطُ التلفُّظِ في البيع أمرٌ زائدٌ على ما وردَ به القرآنُ الكريم؛ إذ لم يردْ إلا باشتراطِ التراضي، ولم تردِ السنة باشتراطه أيضاً، ومقتضى هذا أنه يجوزُ البيعُ بالمعاطاة إذا دَلتِ القرائنُ وشواهدُ الأحوال على الرضا. قلنا: التجارةُ والبيعُ أمرٌ معتاد في الوجود، وهو التعاوضُ، ومعلومٌ أنه لا ينفكُّ عن مساوَمَةٍ وخِطاب، فلما وجدنا النبيَّ ﷺ فَرَّقَ بين السَّوْمِ والبيعِ في قوله ﷺ : "لا يَسُمْ أَحَدُكُمْ على سَوْمِ أَخيهِ، ولا يَبعْ على بَيع أَخيهِ" (٣)،

стр. 809

علمنا أنَّ البيعَ هو التعاقدُ الناقلُ لملك أحدِهما إلى الآخر، وأن التساومَ من مقدِّمات البيعِ، ولما وجدْنا الإشارةَ إليه في الحديثِ كثيرةً؛ كما في قوله ﷺ لحبانَ بن مُنْقِذٍ: "إذا بِعْتَ، فَقُلْ: لا خِلابَةَ، وأنتَ بالخِيارِ ثَلاثاً" (١)، وكما قدمنا في حديثِ ابنِ عُمر -رضي الله تعالى عنهما- من قوله ﷺ : "أَوْ يُخَيِّرْ أَحَدُهما الآخَرَ" (٢)، وغير ذلك من الإشارات المستلزمةِ للتعاقد، فدل على أنه من عادِتهم، فخاطبهم اللهُ بلُغَتِهم الجاريةِ على عادتهم (٣). نعم جرتِ العادةُ بعدمِ التساومِ والتعاقدِ في المالِ الحقير، فينبغي أن يُكْتفى فيه التعاطي؛ لأنه يسمى بيعاً لغةً وعرفاً. واختاره جماعةٌ من الشافعيةِ (٤). وأما أبو حنيفةَ، فلم يشترطِ التعاقُدَ في التبايُعِ؛ أخذاً بظاهرِ الخطاب (٥).

стр. 810

* ثم حرم الله سبحانه علينا قتلَ النفسِ المؤمنة فقال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، وسيأتي الكلام عليه -إن شاء الله تعالى-. * * *

стр. 811

(من أحكام القضاء) ٨٠ - (٢١) قوله جَلَّ ثناؤه: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١]. * هذه الآية أصل في العَدالةِ والفِسْقِ عندَ أهلِ العلم، فمنِ اجتنبَ الكَبائرَ، فهو عَدْلٌ، ومن ارتكبها، فهو فاسقٌ (١). * وقسم الله سبحانه المَنْهِيّاتِ إلى كبائرَ، وغيرِها. والإشارةُ إلى هذا التقسيم ظاهرةٌ في قوله تعالى: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: ٧]. وبظاهرِ التقسيم إلى الصغائرِ والكبائرِ قال جمهورُ العلماء من السَّلَفِ والخَلَفِ (٢). وقال بعضُ أهلِ العلم: ليس في الذنوبِ صغائرُ؛ نظراً إلى مَنْ عُصِيَ بها، وهو اللهُ الكبيرُ المتعال، فمخالفَةُ الكبيرِ ليس بصغيرٍ، وإنما هي صغائرُ بالإضافة إلى ما هو أكبرُ منها.

стр. 812

وروي هذا القولُ عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما (١) -، واختاره القاضي أبو بكير الباقِلاّنيُّ، والأستاذُ أبو إسحاقَ الإسفرايينيُّ، وإمامُ الحرمين (٢). والجوابُ عن الآيتين ممكنٌ شائعٌ، والخلافُ في التسمية، وإلا فالاتفاقُ حاصلٌ على أن العدالَةَ لا تبطُل بكلِّ الذنوب. * ثم اختلفوا في تعريفِ الكبائرِ. - فمنهم من ذهب إلى تعريفِها بالتَّعْدادِ، وهم جمهورُ الصَّحابة -رضي الله تعالى عنهم-. واختلفت رواياتُهم وعباراتُهم في تَعْدادها على أقوالٍ كثيرةٍ مذكورة في كتبِ الحديث، وقولُ بعضِهم داخل في قولِ بعضٍ، وينبغي أن يُحْمَلَ قولُ من اقتصرَ منهم في العَدَدِ على أربع أو سبع ونحوِ ذلك على أكبرِ الكبائرِ؛ كما وردَ التلفُّظُ بأكبرِ الكَبائر في بعضِ الروايات (٣). - ومنهم من ذهب إلى تعريفها بالضوابط الكُليَّةِ (٤). قال سعيدُ بنُ جُبيرٍ: قال رجلٌ لابنِ عباس: الكبائرُ سبعٌ؟ قال: هي إلى السبع مئةٍ أقربُ منها إلى سَبْعٍ، غيرَ أنه لا كبيرةَ مع استغفارٍ، ولا صغيرةَ مع إصرارٍ (٥).

стр. 813

- ثم اختلفوا على أقوالٍ كثيرةٍ، وأقوالُ بعضِهم قريبةٌ من بعض. فقال زيدُ بنُ أسلمَ: الكبائرُ ما لا تصلحُ معه الأعمالُ (١). وكأنه يشيرُ إلى الشِّرْك، وجمعهُ لاخْتِلاف أنواعِ الكفر. وقال الحسينُ بنُ الفضلِ: ما سماه اللهُ في القرآنِ كبيراً أو عظيمًا، نحو قولهِ تعالى ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢]، ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٣١]، ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]، ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ (٢) [الأحزاب: ٥٣]. وقال سفيان الثوريُّ: الكبائرُ ما كان فيه تَظالُمُ العِباد فيما بينهم، والصغائرُ ما بينهم وبينَ الله ؛ لما روي عنه ﷺ أنه قال: "يُنادي مُنادٍ من بُطْنانِ (٣) العَرَّشِ يومَ القيامة: يا أمةَ مُحَمَّدٍ! إنَّ اللهَ -قَدْ عفا عَنْكُمْ جَميعاً، المؤمنين والمؤمناتِ، تَواهَبوا المَظالِمَ، وادخُلوا الجنةَ بِرَحْمَتي" (٤)، ولأن الكريمَ لا يتعاظَمُه شيءٌ (٥). وقال مالِكُ بنُ مِغْوَلٍ: الكبيرةُ ذنبُ المُبْتَدِع، والصغيرةُ ذنبُ السُّنِّيِّ (٦).

стр. 814

وقال الحسنُ وسعيدُ بنُ جبير: الكبائرُ ما جاء مقرونًا بذكرِ الوعيد (١). وقال عليُّ بنُ أبي طلحةَ، وابنُ عباسٍ فيما حُكيَ عنه: الكبيرةُ كلُّ ذنبٍ ختمهُ اللهُ سبحانه بنارٍ، أو غَضَبِ، أو لَعْنَةٍ، أو عذابٍ (٢). وقال الضحاكُ: ما أوعدَ الله عليه حَدًّا في الدنيا، أو عذاباً في الآخرة (٣). وقال المحاسِبِيُّ: الكبائرُ ذنوبُ المستحلِّين؛ كذنب إبليسَ -لعنه الله سبحانه-، والصغائرُ ذنوبُ المستغفرين؛ كذنب آدمَ ﵊ (٤) -. وقال السُّدّيُّ: الكبائرُ: ما نهى الله عنهُ من الذنوبِ الكبارِ، والسيئاتُ: مقدماتُها وتوابعُها ما يجتمع فيه الصالحُ والفاسقُ مثل النظرةِ واللمسةِ والقُبْلَةِ (٥). وقال بعضُهم: ما تَوَعَّدَ عليه الشارعُ بخصوصه.

стр. 815

قال الرافعي: وهو أكثر ما يوجد للشافعية (١). وقال بعضُ الشافعية: كل ما وجبَ فيه الحَدُّ، فهو كبيرة (٢). وقال أبو سعد الهَرَوِيُّ منَ الشافعية: الكبيرةُ كلُّ فعل نَصَّ الكتابُ العزيزُ على تحريمه، وكل معصيةٍ يجبُ في جنسها حَدٌّ، وتركُ كلِّ فريضةٍ مأمورٍ بها على الفور، والكذبُ في الشهادة والرواية واليمين (٣). ولما رأى المتأخرون اضطرابَ هذه الأقوال، وفسادَ كيبرٍ منها، اختلفوا: فذهب بعضهم إلى أن الكبيرةَ ليس لها حَدّ معروفٌ، وإنما وردَ الشرعُ بوصفِ أنواع من المعاصي بأنها كبائرُ، وأنواع بأنها صغائرُ، وأهمل أنواعاً مشتملَةً على معنى الصغيرةِ والكبيرةِ، فلم يصفها، ولم يبينْها حكمُهُ؛ لزجر العِباد عن ارتكابها؛ مخافةَ أن تكونَ من الكبائر، فهذه شبيهة بإخفاء ليلةِ القَدْرِ وساعَة الجمعةِ، وبهذا قال أبو الحسنِ الواحديُّ (٤). ومنهم من لاحظَ المعنى الذي لأجله سُميت كبيرةً. فمنهم من نظرَ إلى تأثيرِ المعصيةِ في نفسها، فقال: كلُّ ما وردَ في الكتابِ العزيزِ وفي السُّنَّةِ الطاهرة لَعْنُ فاعلهِ، أو التشديدُ في الوعيد عليه، فهو كبير، ثم يُنظر فيما وقع من غيرِ ذلك، ويعتبر بالنسبة إليه، فإن ساواه

стр. 816

في المَفْسَدة، حُكِمَ بأنه كبيرة، وما سوى القبلةِ في المفسدة، حُكمَ بأنه صغيرة (١). ومنهم من لاحظَ تأثيرَها في المُتَّصِفِ بها. فقال إمامُ الحَرَمين: الكبيرةُ كلُّ معصيةٍ تُؤْذِنُ بِقِلَّةِ اكتراثِ مُرتكبها بالدِّين، ورقَّةِ الديانة؛ كالقتلِ، والزنا، واللِّواطِ، وشربِ الخمر، ومطلَقِ السُّكرِ، والسرقةِ، والقذفِ، وشهادةِ الزورِ، واليمينِ الفاجرةِ، وقطيعةِ الرحمِ، والعُقوقِ، والفِرارِ، وأكلِ مالِ اليتيم، وخيانةِ الكيلِ والوزن، وتقديمِ الصلاة على وقتها وتأخيرِها عنه، والكذبِ على النبيِّ ﷺ ، وضربِ المسلمِ، وسَبِّ الصحابة، وكِتْمانِ الشهادة، والرشوةِ، والدياثة، والقِيادة، والسِّعاية (٢)، ومنعِ الزكاة، واليأسِ من رَوْح الله، والأمنِ من مكرِ الله، والظِّهار (٣)، وأكلِ لحمِ الخنزير والميتة، وكفطرِ رمضانَ، والغلولِ، والمحاربةِ، والسحرِ، والربا، والإصرارِ على الصغيرة (٤). وقد عُلم من هذا التعريف حَدُّ الإصرار على الصغيرة، قال الشيخُ الإمامُ

стр. 817

عزُّ الدين بنُ عبد السلام -رحمه الله تعالى- في حَدِّ الإصرار: أن تتكررَ منه الصغيرةُ تكرراً يشعرُ بقلَّةِ مبالاته بدينه إشعارَ مرتكبِ الكبيرة. قال: وكذلك إذا اجتمعتْ صغائرُ مختلفةُ الأنواع بحيثُ يُشْعر مجموعُها بما يُشعر أصغرُ الكبائر (١). وقال الشيخُ أبو عمرِو بنُ الصلاح -رحمه الله تعالى-: المُصِرُّ من تلبَّس من أضدادِ التوبةِ باستمرارِ العزم على المُعاوَدَةِ، أو باستدامةِ الفعل بحيثُ يدخلُ به في حَيِّزِ ما يُطْلقُ عليه الوصف (٢) كبيراً عظيماً (٣)، وليس لزمان ذلك وعدده حصر معلوم (٤) (٥). * * *

стр. 818

(من أحكام المواريث) ٨١ - (٢٢) قولهم جَلَّ ثناؤه: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٣٣]. * جعل الله سبحانه لكلٍّ من الرجالِ والنساء مَواليَ. وهم العَصَبَةُ في قولِ ابنِ عباسِ ومجاهدٍ وقتادةَ (١)، أو جميعُ الورثة في قول السديِّ وابنِ عباسٍ في روايةِ سعيدِ بنِ جُبير (٢). * وجعل لهم حقاً فيما تركَ الوالدانِ والأقربون، وذلك الحَقُّ مجهولٌ هنا، مبيَّنٌ في أول السورة، بين الله تعالى قَدْرَهُ وشَرْطَهُ، ونَسَخَ بها -في قولِ ابن عباس- ما كانوا يتوارثون به في صدرِ الإسلام من المؤاخاة والمعاقدة (٣). روى البخاريُّ عن سعيدِ بن جُبير، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه: كان المهاجرون لمّا قدِموا المدينة، يرثُ المهاجريُ الأنصاريَّ دونَ ذوي

стр. 819

رَحِمِه؛ للأُخُوَّةِ التي آخى النبيُّ ﷺ بينهم، ولما نزلتْ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾، نُسِخَتْ. ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] منَ النُّصرةِ والرِّفادَةِ (١) والنصيحةِ (٢) (٣). ومنهم من قال: إنها نازلة في الحليف، وكان له السُّدُسُ في صَدْرِ

стр. 820

الإسلام، ثم نسخ الله سبحانه ذلك بقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ (١) [الأحزاب: ٦]. وقيل: إنها في نصيب الزوجين؛ لأنه يبذُلُ يمينَهُ في عقد النكاح، فليستْ بمنسوخة، والله أعلم (٢). * * *

стр. 821

(من أحكام النكاح) ٨١ - (٢٣) قوله جَلَّ ثَناؤه: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤]. [قوامون]؛ أي: مسلَّطونَ على تأديبهنَّ. والقَوَّام والقَيِّم بمعنى واحد، وهو القائمُ بالمصالحِ والتدبيرِ والتأديبِ. والآية نزلت في سعدِ بن الربيع وامرأتهِ، وذلك أنها نَشَزَتْ عليه، فلَطَمَها، فانطلقَ أبوها معها إلى النبيِّ ﷺ ، فقال: أفرشته (١) كريمتي (٢) فلطمَها، فقال النبيُّ ﷺ : "لتَقْتَصَّ منْ زَوْجِها"، فذهبت مع أبيها لتقتصَّ منه، فقال النبيُّ ﷺ : "ارْجِعُوا، هذا جِبْريلُ أَتانِي"، فأنزل الله هذه الآية، فقال النبيُّ ﷺ : "أَردَنْا أَمْرًا، وأرادَ اللهُ أَمْرًا، والذي أرادَ اللهُ خَيْرٌ" (٣).

стр. 822

* ثم أمر الله سبحانه الرجالَ بوعظِ الأزواج عند خوفِ نُشوزِهِنَّ، وذلك يكون بظُهور أَماراتِ النُّشوز، إما بالخُشونة وسوءِ الخُلُق، وإما بإخلافِ عادتِها في حسنِ طاعتِها ولينِ عِشْرَتها. وأمرهم بهجرهنَّ وضربهنَّ، وذلك يكون عندَ ظهورِ النشوزِ وتحقُّقِه والإصرارِ عليه، لا عندَ خوفِه؛ فإنَّ ظهورَ أَماراته لا يُبيحُ الضربَ؛ لاحتمال خُلْفِ الأَماراتِ والخطأ فيها، فقد يكونُ ذلك منها لِغَمٍّ وضيق صدرٍ (١) (٢). ونُقل عن بعضهم جوازُ الجمع بين الوعظِ والهجرانِ والضربِ؛ لأن الواو تقتضي الجمعَ، لا الترتيب (٣)، وحمل خَوْف النشوزِ على ظهورهِ والعلمِ به تَجَوُّزاً؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٨٢].

стр. 823

والأول (١) أصحُّ من ثلاثةِ أوجه: أحدها: استعمالُ الخوفِ في حقيقتِه دونَ مَجازه؛ فإن الخوفَ لا يقع حقيقةً إلا على الخشيةِ للشيء دون الوقوعِ فيه، وأما التجوزُ بالواو إلى الترتيب؛ فإنه أكثرُ استعمالاً من هذا، فمجازه أرجحُ. وثانيها: استغراقه (٢) بجميع الحالاتِ المفتقرة إلى التأديب، وعلى هذا القول تخرج حالةُ مبادئ النشوز من التأديب، وهي أولى بالتأديب؛ لما فيها من استدراكِ المفسدةِ قبلَ انتشارِها بما هو أوفقُ وأرفقُ. وثالثها: صدقُ الاعتبار بنظائره في دفع الصائل (٣). نعم للشافعيِّ قولٌ أنه يجمع بين الهجرانِ والضرب بظُهور النشوز منها، وإن لم تُصِرَّ عليه (٤)، وهو الصحيحُ عند بعض الشافعية (٥). * والأمرُ بالوعظِ محمولٌ على الاستحبابِ، وبالهجرانِ محمولٌ على

стр. 824

التأديب، وبالضربِ محمولٌ على الإباحة. " وبين النبيُّ ﷺ صفةَ الضرب أنه غَيْرُ مُبَرِّحٍ (١). * وقيدَ اللهُ سبحانه هجرانَهُنَّ في المَضاجِع، فدلَّ على أنهم لا يهجرونَهُنَّ في الكلام (٢)، ويدل عليه ما روى أبو هريرةَ -رضي الله تعالى

стр. 825

عنه- أن النبيَّ ﷺ قال: "لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخْاهُ فَوْقَ ثَلاثةِ أَيِّامٍ" (١). * ثم نهى الله سبحانه الرجالَ أن يبغوا عليهن سبيلاً (٢)، فقال: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٣٤]. * * * ٨٢ - (٢٤) قوله جل ثناؤه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٥]. أخفتم،؛ أي: علمتم شقاقَ بينهما؛ كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٨٢] وكقول الشاعر (٣): [من الطويل] ولا تَدْفِنَنِّي في الفَلاةِ فإنَّني ... أَخافُ إذا ما مِتُّ أَلَّا أَذوقُها

стр. 826

* فأمر الله سبحانه الوُلاة عندَ العلم بالشِّقاق بينهما، وإشكالِ الظالمِ منهما بأن يبعثوا حَكَماً من أهله، وحَكَماً من أهلها، ليطَّلعا على باطنِ أحوالهما، وحقيقةِ أمرِ هما، فيحكما بينهما. * والتقييدُ بكونهما من أهلهما يقتضي أنه لا يجوزُ أن يكونا من غير أهلِهما، وهو كذلك عند المالكية (١)، حتى ادَّعى بعضهم أنه إجماعٌ، إلا ألاّ يكونَ في أهلِهما من يصلُحُ لذلك، فيرسل من غيرِهما (٢). ودعوى الإجماع ممنوعة، فذلك مستحبٌّ غيرُ واجبٍ عند الشافعية (٣). * وأجمع العلماءُ على أن قولَهما في الإصلاح نافِذٌ، وإن كانَ بغيرِ توكيلٍ من الزوجين؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا﴾ [النساء: ٣٥] فقرنَ الله سبحانه بينهما في الإرادة، ولهذا أجمعوا على أنه لا ينفذُ قولُهما إن اختلفا (٤). * واختلفوا في الحَكَمين إذا أرادا التفريق: فأخذَ مالكٌ بظاهرِ الآية، وجعل إلى الحَكَمَين التفريقَ بغير رضا الزوجين، إن رأياه، فيبذلُ الذي من أهلها العِوضَ، ويطلِّقُ الذي من أهله،

стр. 827

وهو أحدُ قولَي الشافعي -رحمه الله تعالى (١) -. واحتج أيضاً بما روى عَبيدةُ السَّلْمانيُّ قال: جاء رجل وامرأةٌ إلى عليِّ بنِ أبي طالبٍ -رضي الله تعالى عنه- مع كل واحدٍ منهما فِئَامٌ (٢) من الناس، فأمرهم علي، فبعثوا حكماً من أهله، وحكماً من أهلها، ثم قال للحكمين: أتدريان ما عليكما؟ إن (٣) رأيتُما أن تجمعا فاجمعا، وإن رأيتما أن تفرقا ففرِّقا، فقالت المرأةُ: رضيتُ بكتابِ الله بما فيه لي وعَلَيَّ، وقال الرجلُ: أما الفرقةُ، فلا، فقال عليّ: كذبتَ، واللهِ لا تنفكُّ حتى تقِرَّ بمثلِ الذي أقرَّتْ به المرأةُ، فجعلَ علَى الحكمين التفرقةَ (٤). وقال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ في القول الآخر: ليس لهما أن يفرقا إلا أن يجعل الزوجُ إليهما التفريق (٥). واحتجا بالقياس؛ إذ الأصل أن الطلاق ليسَ بيد أحدٍ سوى الزوج، أو مَنْ يوكِّلُه الزوجُ.

стр. 828

واحتجا أيضًا بقولِ عليٍّ للرجلِ: والله لا تنفكُّ حتى تقرَّ بمثلِ ما أقرَّتْ به المرأةُ، فاعتبرا إذنَ الرجل في ذلك (١). ولا حجةَ لهما في ذلك؛ فإن علياً إنما واخذه بسوء (٢) أدبه؛ حيثُ لم يقبلْ ما لَه وعليه في كتاب الله سبحانه كما قبلتِ المرأةُ، ولذا قال له: كذبتَ، واللهِ لا تنفَك حتى تقرَّ بمثلِ الذي (٣) أقرتْ به المرأة، ولم يقل: حتى تأذن للحَكَم وتُحَكِّمَهُ، ولأنَّ المرأة لم يوجد منها سوى القَبول، ولم يوجد منها التوكيلُ (٤). وقولُ مالكٍ أرجحُ وأولى؛ لأن الله سبحانه سَقاهما حَكَمين، وقد جعل الله سبحانه إلى الحُكامِ التفريقَ، وإن لم يرض الزوج؛ كالملاعِن والعِنِّين (٥). * * *

стр. 829

(من أحكام الطهارة والصلاة) ٨٣ - (٢٥) قوله ﷻ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣]. * نهانا الله سبحانه عن قُربانِ الصلاة في حالِ السُّكْرِ، وبَيَّنَ لنا العِلَّةَ المانعةَ أنها عدمُ عِلْمِ المُصَلّي بما يقولُ. "والإجماعُ منعقدٌ على أن السُّكْرَ إذا بلغَ بالشاربِ إلى حَدِّ التخليطِ، لا تصحُّ صلاتُه، وفعلُها حرامٌ؛ لوجودِ العِلَّةِ الموجِبَةِ للفساد (١). * وأما الشاربُ إذا صَلَّى في مبادِئِ النشوة ودبيبِ السكر؛ بحيث يعلمُ ما يقولُ، فصلاتهُ جائزةٌ صحيحة، وجميع أعماله (٢) وأقواله كذلك؛ لعدم العلة، ولأنه لا يُسَمَّى سَكْرانَ، ولأنه داخلٌ في جُملة المكلفين (٣). وسواءٌ حملنا كلمةَ (حتى) على التعليل، أو على الغاية؛ فإن وجود

стр. 830

العلمِ من الشارب بما يقولُ، وعدَم العلم به، علَّةٌ لصحةِ الصلاةِ وفسادِها طرداً وعكساً؛ لأن الغايةَ بمنزلةِ العِلَّةِ للحُكْم المعيَّن. * وإن صلَّى في حالِ اختلاطِ عقلهِ، فلا تصحُّ صلاتُه اتفاقاً؛ للآية. * واختلفوا هل يلحقُ بها سائرُ أقواله أو لا؟ فذهب قومٌ إلى الإلحاق، فقال الليث: كلُّ ما كان من منطقِ السكرانِ، فموضوعٌ عنه، ولا يلزمهُ طلاقٌ ولا عتقٌ ولا نكاحٌ ولا بيعٌ ولا حَدٌّ في قذف، وكلُّ ما جَنَتْهُ جوارحُه، فلازم له، فيُحَدُّ في الشربِ والقتلِ والزنا والسرقةِ (١). وبه قال داودُ، وأبو ثورٍ، وإسحاقُ، وجماعة من التابعين؛ كالقاسمِ بنِ محمدٍ، وطاوسٍ، وعطاءٍ، وأبانَ بنِ عثمان (٢). وثبتَ عن عثمانَ أنه كان لا يرى طلاقَ السكران (٣)، وبه قالَ الشافعيُّ في قولهِ القديم، واختاره المزنيُّ، وابنُ سُريج، وأبو سهلٍ الصعلوكيُّ، وابنُه من الشافعية (٤).

стр. 831

- وذهب مالك، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ في الجديدِ إلى عدم الإلحاقِ، يروى عن عمرَ، ومعاويةَ، وجماعةٍ من التابعين (١). ثم اختلفوا، فقال أبو حنيفة: يلزمه كلُّ شيءٍ (٢). وقال مالكٌ: يلزمه الطلاقُ والعتقُ والقَوَدُ، ولا يلزمهُ النكاحُ ولا البيع (٣). وللشافعيةِ اختلافٌ وتفصيلٌ طويلٌ (٤).

стр. 832

* ويلحق بالسُّكْر ما في معناه من الحالةِ التي تقتضي اختلاطَ العقل وجهلَ المصلي بما يقول؛ كتخبيطه بأكل قليلٍ للأفيونِ (١) والبَنْجِ (٢) والحَشائِشِ -نسأل الله سبحانه العافية لنا ولسائر المسلمين- وكالمغلوبِ بالنُّعاس؛ لوجودِ العلَّةِ المقتضية للنهيِ والفساد (٣)، ولما روت عائشةُ

стр. 833

-رضي الله تعالى عنها- عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وهو يصلي، فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عنهُ النومُ؛ فإنَّ أَحَدَكُمْ إذا صَلَّى وهو يَنْعُسُ، لَعَلَّهُ يَذْهَبُ فَيَسْتَغْفِرُ، فيَسُبُّ نَفْسَهُ" (١). * وحرمِ سبحانه علينا أيضاً قُربان الصلاة في حالِ الجَنابةِ حتى نَغْتسلَ، إلا أن نكون مُسافرين عادِمين للماء؛ فإنه أباحَ لنا قُربانَها إذا تيمَّمْنا صعيداً طيباً، فقال: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]، والتقدير: ولا جُنُباً حتى تغتسلوا، إلا عابري سبيل، فتقربونها، وإن لم تغتسلوا. ثم قربانُها بغيرِ اغتسالٍ مطلقٌ في هذه الجملة، مقيدٌ بقَصْدِ الصعيدِ الطيبِ في الجملة التي بعدَ هذه. فإن قال قائل: فهذا يقتضي أن الجنبَ لا يقرب الصلاة في الحضر إذا عدم الماءَ، ولا يجوز له التيممُ؛ لما في الاستثناء من الحَصْر. قلنا: - يحتمل أن يريد به الحصرَ في الإباحة؛ كما ذكرت، فدلَّ على أنه لا يجوز له في غير ذلك الحال؛ كما هو قولُ أبي حنيفة (٢). - ويحتمل أن يكونَ الاستثناءُ ورَد على الغالب في الوجود؛ فإنَّ الماءَ لا يعدمُ غالباً إلا في السفر، وعدمُه في الحَضَر نادر، فلا يدلُّ على عدم

стр. 834

الجواز، فيلتحق به ما في معناه من حالاتِ العدمِ؛ كما هو قولُ مالكٍ، والأوزاعيِّ، والشافعي (١). إلا أن الشافعيَّ قالَ: إذا قدرَ على الماء، فعليه الإعادةُ (٢). وما ذكرتُه من الأحكام هو على قولِ جماعةٍ من الصَّحابةِ والتابعينَ والمفسرين أن المرادَ بالنهي عن قُربان الصلاةِ نفسُها (٣). وقال فريقٌ منهم: المرادُ بالنهيِ مَوْضِعُ الصلاة الذي هو المَسْجِدُ، فالصلاةُ على هذا داخلة في النهيِ من باب الأولى (٤). قال عطاءُ بنُ يسارٍ عن ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهم- في قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٣٤]: لا تقربِ المسجدَ وأنتَ جنب إلا أنْ يكونَ طريقُك فيه، فتمرَّ ماراً (٥). وروى الليثُ، عن يزيدَ بنِ أبي حبيب: أن رجالاً من الأنصار كانت

стр. 835

أبوابُهم في المسجدِ، فتصيبهم جنابةٌ، ولا ماءَ عندهم، فيريدون الماءَ، ولا ممرَّ لهم إلا في المسجد، فأنزل الله هذه الآية (١). وقد اختلف أهلُ العلم في ملابسةِ الجنبِ المسجد، فقال جمهورُ السلفِ: يجوزُ له العبورُ دونَ القَرار (٢)، وبه أخذ الشافعيُّ (٣). فهؤلاء منهم من يقول بهذا التأويل؛ كابنِ عباسٍ، فجرى على تأويله (٤). ومنهم من يقول بالقول الأول أن المرادَ بالنهي عينُ الصلاة، وإنما وافقه لدليلٍ آخرَ مثل قوله ﷺ : "لا أُحِلُّ المَسْجِدَ لِجُنُبٍ ولا لِحائِضٍ" (٥) (٦). وربما ظنَّ ظانٌّ أن كلَّ من قال بجواز العبور للجنب أنه قائل بالمعنى الثاني؛ لموافقته للقائل به في الحكمِ، وليس كذلك؛ إذ لا يلزمُ من القَول بإيقاع النهيِ عن الصلاة القولُ بتحريم العبور. وقال قوم: لا يقربُ المسجدَ بحالٍ، وهو قولُ مالكٍ، واحتجَّ له بما روت عائشةُ -رضي الله تعالى عنها-: أن رسولَ الله ﷺ قال: "وَجِّهوا هذهِ البيوتَ (٧)

стр. 836

عن المَسْجِدِ؛ فإنِّي لا أُحِلُّ المَسْجِدَ لِجُنُبٍ ولا لحِائِضٍ" (١) (٢). وقال أحمدُ، وإسحاقُ، والمزنيُّ (٣)، وأصحابُ الرأي (٤)، وأهلُ الظاهر (٥): يجوزُ مطلقًا، إلا أن أحمدَ وإسحاقَ شرطا الوضوء (٦)؛ أخذاً بظاهر قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ٤٣] ولأن الأصلَ عدمُ التحريم. ولا حجةَ في الحديث لمالكٍ؛ لأنه مُجْمَلٌ لا يُحتجُّ به عند أكثر المحققين من الأصوليين (٧).

стр. 837

نعم يبقى فيه الاحتجاجُ للفريقِ الأول؛ فإن تحريمَ اللُّبْثِ مُتيَقَّنٌ بكلّ حال؛ لأنه إن كانَ المرادُ بالتحريم العبورَ، فاللبثُ داخلٌ فيه من طريق الأولى، وإن كان التحريمُ خاصًّا باللُّبثِ، فهو المقصودُ بالحكم. وأما الحديثُ -وإن سلم الاحتجاج به- فقد ضَعَّفه أحمدُ؛ لأن راويَهُ مجهول (١). فإن قال قائل: فأيُّ القولين أرجحُ وأولى: وقوعُ النهيِ على الصلاة، أو على موضعها؟ قلنا: الأولُ أولى من ثلاثة أوجه: أحدها: أن فيه حملَ اللفظ على حقيقته، وعدمَ الإضمار، وحملُ اللفظِ على حقيقته أولى من المجاز (٢). ثانيها: سياق آخر الآية حكُمهُ مختصٌّ بالصلاة، ولا يجوز أن يتعلق بموضِعِ الصَّلاة، فهذا يدل على أن أولَ الكلام كآخره؛ لما بينهما من الربط بحرف النَّسَق (٣).

стр. 838

ثالثها: ما حكاه المفسرون من سببها، وذلك أن عبدَ الرحمن بنَ عوفٍ -رضى الله تعالى عنه- صنعَ طعامًا، ودعا ناساً من أصحابِ محمد ﷺ ، فَطَعِموا وشربوا، وحضرت صلاةُ المغربِ، فتقدمَ بعضُ القوم فصلَّى بهم المغرب، فقرأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١]، ولم (١) يتمَّها، فأنزلَ الله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (٢) [النساء: ٤٣]، وحملُ ذلكَ على موضعِ الصلاة حَمْل لها على غير سببها، وحملُ اللفظِ على غير سببه، وإخراجُ سببه غيرُ جائز. فإن قيل: فقد روى بعضُهم نزولهَا في الذين كانت أبوابهم في المسجدِ (٣)، مع اتفاقِهم على أن صدرها نازلٌ في السُّكارى، فكيف يتفق لها سببان؟ قلنا: يمكن أن يقال: إن قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا

стр. 839

الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] فزل في هذا السبب، وأن قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] نزل في الذين كانت أبوابُهم في المسجد، ونيةُ العاملِ والمعمول في حرف العطف جائر، فهو معطوف على الجملة الحالية. وقد بينتُ في أول كتابي هذا أنه يجوزُ أن ينزلَ بعضُ الآية دونَ بعضٍ، ثم ينزلَ البعضُ الآخرُ في زمنٍ آخر، وإن كانَ قد تَوَهَّمَ الإمامُ أبو عبد الله الشافعيُّ خلافَ ذلك. وهذا التأويلُ عندي متعينٌ في هذا المقام؛ لما سيأتي بيانه -إن شاء الله تعالى- من كونِ عمرَ وابنِ مسعودٍ -رضي الله تعالى عنهما- لا يُجَوِّزان التيممَ عن الجنابة (١)، ولو كان نزولُ هذه الجملة في الصلاة كالجملة الأولى، لما خالفوا في ذلك. * فإن قال قائل: فما حقيقة الجُنُبِ؟ قلنا: الجُنُبُ في الأصلِ موضوع لمعنى البُعْد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦]، سمي بذلك لبعده عن حالة التقرب إلى الله تعالى، وهو مأخوذٌ من الجنابة. والجنابةُ تطلق على خروج الماء بالتلذُّذ، وقد تطلق على الماءِ نفسِه؛ لأنه سببٌ للبعد (٢)، قالت عائشةُ -رضي الله تعالى عنها-: كنت أغسلُ الجنابةَ من ثوبِ رسولِ الله ﷺ فيخرج إلى الصلاة وبقع الماء على ثوبه.

стр. 840

خرجه الشيخان، ولفظ مسلم: "وقد كنت أفركه من ثوب رسول الله ﷺ فركاً، فيصلي فيه" (١). وبين النبيُّ ﷺ أن التقاءَ الختانَيْن من غيرِ إنزالٍ كمثله مع الإنزال، فقال: "إذا الْتَقَى الخِتانانِ، وَجَبَ الغُسْلُ" (٢)، وقال أيضاً: "إذا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِها الأَرْبَعِ، وجَهَدها، فَقْدَ وَجَبَ الغُسْلُ، وإنْ لم يُنْزِلْ" (٣)، خرجه الشيخان. * وبيَّنَ أن إنزالَ المرأةِ الماءَ من غيرِ جِماع كَهُوَ مع الجِماع، فقال ﷺ لأمِّ سُلَيْمٍ امرأةِ أبي طلحةَ لمّا سألتْهُ: هل على المرأةِ من غسل إذا هي احْتَلَمَتْ؛ قال: "نَعَمْ، إذا رَأَتِ الماءَ" (٤)، خرجه الشيخان أيضاً، ولم يخالف فيه إلا النخعيُّ؛ فإنه قال: لا غُسْلَ عليها (٥).

стр. 841

وروي عن الشافعيِّ -رحمه الله تعالى-: أنه قال: إنما سُمِّيَ الجُنُبُ جُنُباً من المخالطة، ومن كلامِ العربِ: أجنبَ الرجلُ: إذا خالَطَ أهلَه (١). فعلى قوله يكونُ لفظُ القرآنِ متناولاً لمن جامَعَ ولم يُنْزل، بطريقِ اللغة، مع البيانِ من النبي ﷺ . * إذا تقرر هذا، فهل يطلقُ الجنبُ على من خرجَ منه الماءُ بغير تَلَذُّذٍ، فيجب عليه الغسلُ، أو لا يطلق عليه إلا إذا خرج على الحالة المعتادة، فلا يجب عليه الغسل؟ اختلف فيه، فقال الشافعيُّ بالأول (٢)، وقال مالك وأبو حنيفة بالثاني (٣). * ثم قال الله ﷻ : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]. فقيدَ بعدمِ الماء بعد ذكرِ حالتي المَرَضِ والسَّفَر، فيجوزُ أن يكونَ التقييدُ متعلِّقاً بهما، فلا يجوزُ التيممُ إلا عندَ عدمِ الماء، ويجوز أن يكون [متعلقاً بحالة السفر فقط؛ لغلبة عدم الماء بالسفر دون المرض، وهو الظاهر من سياق الخطاب، فيجوز] (٤) له التيممُ، سواءٌ كانَ واجِداً للماء أو عادماً.

стр. 842

وبالثاني قال الجمهورُ. ويروى القولُ بالأولِ عن عطاءٍ والحَسَنِ (١). وهو بعيدٌ؛ لأنه لو جازَ تعلُّقُه بالمرضِ، لما كانَ لذكره فائدةٌ، لأنه إذا جازَ للصحيح التيمُّمُ عندَ عدمِ الماءِ، فالمريضُ أولى بالجواز، فذكره المرضَ حَشْوٌ لا فائدةَ له؛ وليس كذلك. * ثم مقتضى مفهومِ تخصيصِ التيمُّم بالحالتين أنه لا يجوزُ في غيرِهما، وهو كذلك عندَ أهلِ العلم، ولكنهم ألحقوا بالحالتين ما كان في معناهما؛ لبيانِ النبيِّ ﷺ (٢). روى جابرٌ -رضي الله تعالى عنه-: أنَّ رجلاً أصابه حَجَرٌ في رأسه، فَشَجَّهُ، ثم احتلمَ، فاغتسلَ، فمات، فقال النبي ﷺ : "إنَّما كان يَكْفيهِ أن يَتَيَمَّمَ ويَعْصِبَ على رَأْسِهِ خِرْقَةً يَمْسَحُ عليها، ويَغْسِلَ سائِرَ جَسَدِهِ" (٣) (٤). وروى عمرُو بنُ العاصِ -رضي الله تعالى عنه- قال: احتلمتُ في ليلةٍ

стр. 843

باردةٍ في غَزاةِ ذاتِ السلاسل، فأشفقت إن اغتسلتُ أن أهلكَ، فتيمَّمْتُ وصلَّيتُ بأصحابي صَلاةَ الصبح، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: "ياعَمْرُو! صَلَّيْتَ بأَصْحابكَ وأَنْتَ جُنُبٌ؟ " فقلت: سمعت اللهَ يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، فضحك رسولُ الله ﷺ ، ولم يقلْ شيئاً (١) (٢)، فاستدلوا بقوله وبإقراره على أن ذلك في معنى المَرَض؛ لوجود العلَّةِ فيهما، وهو الضررُ باستعمال الماء. * وجَوَّزوا التيمُّمَ عندَ العجزِ عن الوصولِ إلى الماء، إما لخوفِ عدوٍّ أو سَبُعٍ، أو عدمِ آلةٍ يغرفُ بها الماء؛ لوجود العلَّةِ، وهي العجزُ عن الماء، فهو كالذي لم يجدِ الماء (٣). * واختلفوا في الصحيحِ إذا عدم الماءَ في الحَضَرِ. فقال أبو حنيفة: لا يتيمَّمُ، ويقفُ إلى أن يجد الماء؛ عملاً بمفهوم التخصيص بالصفتين، ولمفهوم الشرط، وهو السفر (٤).

стр. 844

وقال مالكٌ، والشافعيُّ، والأوزاعيُّ: يتيمَّمُ (١)، إلا أن الشافعيَّ قال: عليه الإعادةُ (٢). فكأن هؤلاءِ لم يروا ذكرَ السفر للشرطِ والتقييدِ، وإنما ورد الحكمُ مقيداً به على (٣) الغالب في الوجود؛ إذ لا يعدم الماء غالباً إلا في السفر، وتكونُ الحالتان المقتضيتان للتقييد عندهم المرضَ وعدمَ الماء. والقولُ بعدمِ الإعادة عندي أقوى من القول بالإعادة؛ لما روى أبو هريرة -رضي الله تعالى عنه-: أن رجلاً قال للنبي ﷺ : إنا نكونُ بأرضِ الرمل، وفينا الجُنُبُ والحائضُ، ونبقى أربعةَ أشهرٍ لا نجدُ الماءَ، فقال النبيُّ ﷺ : "عَلَيْكُمْ بالأَرضِ" (٤) فهذا حاضرٌ وليس بمسافر، ولم يأمرْ بالإعادة، وهو في وقتِ الحاجة للبيان (٥). ولقوله ﷺ : "الصَّعيدُ الطَّيِّبُ وَضوءُ المُسْلِمِ، ولَوْ لَمْ يَجِدِ الماءَ إلى عَشْرِ حِجَجٍ (٦)، وهذا عامٌّ بصيغة المبالغة ليس معه مخصّص.

стр. 845

واختار القولَ بعدمِ الإعادة المزنيُّ، وهو قولٌ للشافعيِّ، وهو المختار من قولَيْ (١) مالِكٍ عند أصحابه -رحمهم الله تعالى (٢) -. * وقيد الله سبحانه جوازَ التيمُّم بعدمِ الوِجْدان، والوِجْدانُ اسمٌ للظَّفَرِ بالمطلوب بعد الطلب، يقال: وجدَ مطلوبَه، ووجد ضالَّتَه: إذا ظفر به (٣). ولهذا أوجبَ الشافعيُّ ومالكٌ الطَّلَبَ على فاقد الماء (٤). وقال أبو حنيفة: لا يجبُ عليه الطَّلَبُ؛ قياساً على سائرِ الأصول في أنَّ من فقدَ شرطاً في العبادةِ لا يجبُ عليه طلبُه؛ كمن فقدَ السُّتْرَةَ في الصلاة، والمالَ في الزكاة، والاستطاعةَ في الحج (٥). والفرقُ عند الآخرين ظاهرٌ، وهو تَيَسُّرُ تحصيل الماء، بخلاف غيره.
следующие страницы →