← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 14827

تيسير البيان لأحكام القرآن

ابن نور الدين

Полный текст (1 649 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

وروي عن الشافعيِّ -رحمه الله تعالى-: أنه قال: إنما سُمِّيَ الجُنُبُ جُنُباً من المخالطة، ومن كلامِ العربِ: أجنبَ الرجلُ: إذا خالَطَ أهلَه (١). فعلى قوله يكونُ لفظُ القرآنِ متناولاً لمن جامَعَ ولم يُنْزل، بطريقِ اللغة، مع البيانِ من النبي ﷺ . * إذا تقرر هذا، فهل يطلقُ الجنبُ على من خرجَ منه الماءُ بغير تَلَذُّذٍ، فيجب عليه الغسلُ، أو لا يطلق عليه إلا إذا خرج على الحالة المعتادة، فلا يجب عليه الغسل؟ اختلف فيه، فقال الشافعيُّ بالأول (٢)، وقال مالك وأبو حنيفة بالثاني (٣). * ثم قال الله ﷻ : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]. فقيدَ بعدمِ الماء بعد ذكرِ حالتي المَرَضِ والسَّفَر، فيجوزُ أن يكونَ التقييدُ متعلِّقاً بهما، فلا يجوزُ التيممُ إلا عندَ عدمِ الماء، ويجوز أن يكون [متعلقاً بحالة السفر فقط؛ لغلبة عدم الماء بالسفر دون المرض، وهو الظاهر من سياق الخطاب، فيجوز] (٤) له التيممُ، سواءٌ كانَ واجِداً للماء أو عادماً.

стр. 842

وبالثاني قال الجمهورُ. ويروى القولُ بالأولِ عن عطاءٍ والحَسَنِ (١). وهو بعيدٌ؛ لأنه لو جازَ تعلُّقُه بالمرضِ، لما كانَ لذكره فائدةٌ، لأنه إذا جازَ للصحيح التيمُّمُ عندَ عدمِ الماءِ، فالمريضُ أولى بالجواز، فذكره المرضَ حَشْوٌ لا فائدةَ له؛ وليس كذلك. * ثم مقتضى مفهومِ تخصيصِ التيمُّم بالحالتين أنه لا يجوزُ في غيرِهما، وهو كذلك عندَ أهلِ العلم، ولكنهم ألحقوا بالحالتين ما كان في معناهما؛ لبيانِ النبيِّ ﷺ (٢). روى جابرٌ -رضي الله تعالى عنه-: أنَّ رجلاً أصابه حَجَرٌ في رأسه، فَشَجَّهُ، ثم احتلمَ، فاغتسلَ، فمات، فقال النبي ﷺ : "إنَّما كان يَكْفيهِ أن يَتَيَمَّمَ ويَعْصِبَ على رَأْسِهِ خِرْقَةً يَمْسَحُ عليها، ويَغْسِلَ سائِرَ جَسَدِهِ" (٣) (٤). وروى عمرُو بنُ العاصِ -رضي الله تعالى عنه- قال: احتلمتُ في ليلةٍ

стр. 843

باردةٍ في غَزاةِ ذاتِ السلاسل، فأشفقت إن اغتسلتُ أن أهلكَ، فتيمَّمْتُ وصلَّيتُ بأصحابي صَلاةَ الصبح، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: "ياعَمْرُو! صَلَّيْتَ بأَصْحابكَ وأَنْتَ جُنُبٌ؟ " فقلت: سمعت اللهَ يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، فضحك رسولُ الله ﷺ ، ولم يقلْ شيئاً (١) (٢)، فاستدلوا بقوله وبإقراره على أن ذلك في معنى المَرَض؛ لوجود العلَّةِ فيهما، وهو الضررُ باستعمال الماء. * وجَوَّزوا التيمُّمَ عندَ العجزِ عن الوصولِ إلى الماء، إما لخوفِ عدوٍّ أو سَبُعٍ، أو عدمِ آلةٍ يغرفُ بها الماء؛ لوجود العلَّةِ، وهي العجزُ عن الماء، فهو كالذي لم يجدِ الماء (٣). * واختلفوا في الصحيحِ إذا عدم الماءَ في الحَضَرِ. فقال أبو حنيفة: لا يتيمَّمُ، ويقفُ إلى أن يجد الماء؛ عملاً بمفهوم التخصيص بالصفتين، ولمفهوم الشرط، وهو السفر (٤).

стр. 844

وقال مالكٌ، والشافعيُّ، والأوزاعيُّ: يتيمَّمُ (١)، إلا أن الشافعيَّ قال: عليه الإعادةُ (٢). فكأن هؤلاءِ لم يروا ذكرَ السفر للشرطِ والتقييدِ، وإنما ورد الحكمُ مقيداً به على (٣) الغالب في الوجود؛ إذ لا يعدم الماء غالباً إلا في السفر، وتكونُ الحالتان المقتضيتان للتقييد عندهم المرضَ وعدمَ الماء. والقولُ بعدمِ الإعادة عندي أقوى من القول بالإعادة؛ لما روى أبو هريرة -رضي الله تعالى عنه-: أن رجلاً قال للنبي ﷺ : إنا نكونُ بأرضِ الرمل، وفينا الجُنُبُ والحائضُ، ونبقى أربعةَ أشهرٍ لا نجدُ الماءَ، فقال النبيُّ ﷺ : "عَلَيْكُمْ بالأَرضِ" (٤) فهذا حاضرٌ وليس بمسافر، ولم يأمرْ بالإعادة، وهو في وقتِ الحاجة للبيان (٥). ولقوله ﷺ : "الصَّعيدُ الطَّيِّبُ وَضوءُ المُسْلِمِ، ولَوْ لَمْ يَجِدِ الماءَ إلى عَشْرِ حِجَجٍ (٦)، وهذا عامٌّ بصيغة المبالغة ليس معه مخصّص.

стр. 845

واختار القولَ بعدمِ الإعادة المزنيُّ، وهو قولٌ للشافعيِّ، وهو المختار من قولَيْ (١) مالِكٍ عند أصحابه -رحمهم الله تعالى (٢) -. * وقيد الله سبحانه جوازَ التيمُّم بعدمِ الوِجْدان، والوِجْدانُ اسمٌ للظَّفَرِ بالمطلوب بعد الطلب، يقال: وجدَ مطلوبَه، ووجد ضالَّتَه: إذا ظفر به (٣). ولهذا أوجبَ الشافعيُّ ومالكٌ الطَّلَبَ على فاقد الماء (٤). وقال أبو حنيفة: لا يجبُ عليه الطَّلَبُ؛ قياساً على سائرِ الأصول في أنَّ من فقدَ شرطاً في العبادةِ لا يجبُ عليه طلبُه؛ كمن فقدَ السُّتْرَةَ في الصلاة، والمالَ في الزكاة، والاستطاعةَ في الحج (٥). والفرقُ عند الآخرين ظاهرٌ، وهو تَيَسُّرُ تحصيل الماء، بخلاف غيره.

стр. 846

* فإن قال قائل: فما حَدُّ المَرَضِ والسفرِ المُبيحَيْنِ للتيمم؟ قلنا: أما السفرُ، فما يقع عليه اسمُ السفر ممّا يعدمُ فيه الماء كثيراً، وذلك يقعُ على السفرِ القصيرِ، وعلى مسافة العدو (١) (٢) على الصحيحِ عندَ الشافعية (٣). وأما المرضُ، فيجوزُ أن يُرادَ به عدمُ القُدرةِ على استعمالِ الماء لِخوفِ التلفِ في نفسٍ أو عضوٍ، استدلاً عليه بحكمِ قرينه، وهو السفرُ، فإن الله سبحانه شرطَ فيه عدمَ وجودِ الماء، وعدمُ وجوده هو عدمُ القدرةِ عليه، فكذلك المرضُ لا يتحققُ عدمُ القدرةِ على استعمال الماءِ معه إلا بخوفِ التلفِ (٤). واستدلالاً بتفسيرِ ابن عباس ﵄ قال: إذا كانتْ بالرجلِ جراحة في سبيلِ الله ، أو قُروحٌ، أو جُدَرِيٌّ، فَيُجْنِبُ،

стр. 847

فخافَ أن يغتسلَ فيموتَ؛ فإنه يتيمَّمُ بالصعيدِ (١)، وهذا أحدُ قولي الشافعي -رحمه الله تعالى (٢) -. ويجوز أن يُرادَ به مرضٌ يحصلُ معهُ المشقَّةُ والضررُ باستعمال الماءٍ؛ استدلالاً بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وهذا قولُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ، والصحيحُ من قَوْلَي الشافعي -رحمة الله عليهم (٣) -. وقال داود: ما يقع عليه اسمُ المرض (٤). وهو ضعيفٌ. * فإن قال قائل: فما الفرقُ عند الشافعيةِ بين السَّفَرينِ؛ حيثُ اعتبروا مسافةَ القَصْرِ في الفِطْرِ في رَمضانَ، ولم يعتبروها هنا، وما الفرقُ بين المَرَضين؛ حيثُ اكتفَوا هناكَ بوجودِ المشقةِ، ولم يكتفوا هنا إلا بخوفِ تلفِ نفسٍ أو عضو؟

стр. 848

قلنا: أما السفرُ، فإن الفرقَ بينَهما أن العذَر المُبيحَ هناك هو مشقةُ السفر، ولا تتحقق مشقتُه إلا بيومين، والعذرُ هنا عدمُ الماء في السفر، لا السَّفَرُ؛ إذ لا مشقةَ في استعمالِ الماءِ في السفر، فحيث عدمَ الماءُ في السفر، وُجِدَ العذرُ المبيحُ، وذلك يصدقُ بالسفرِ القصير. وأما المرضُ، فإن المبيح لتركِ الماءِ هنا هو عدمُ القدرةِ على الماءِ بالعجز؛ لعدم القدرةِ عليه بالعدم، وذلك لا يتحقَّقُ إلا بخوفِ التلفِ، ولأنهم لم يجدوا شيئاً يرجعون إليه في التَّحديدِ أقوى من تفسيرِ ابنِ عباسٍ، والمبيحُ هناك هو تيسيرُ المشقة المُشارِ إليه بقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. * وأوجب اللهُ سبحانه الوضوءَ والتيمُّمَ عندَ المجيء من الغائطِ، وعندَ ملامسةِ النساء. وكَنَّتِ العربُ بالغائط عنِ الخارجِ من الإنسان؛ لملازمتِه له؛ تأدُّباً، وتركاً للألفاظ المُسْتَهْجَنَةِ (١). * والإجماعُ منعقدٌ على وجوبِ الوضوءِ والتيمُّم عندَ الخارجِ المُعْتادِ من المَخْرَجِ المُعْتادِ؛ للآية (٢). * واختلف العلماء فيما وراءَ ذلك. فمنهم من قصَرَ نظرَه على ذلك، فقال: كلُّ ما خرج من الخارج

стр. 849

المُعتادِ (١)؛ كالبولِ والغائطِ والمَذْيِ والوَدْيِ والرِّيحِ، فهو ينقضُ الوضوءَ، وإن خرجَ من غيرِ المخرجِ المعتادِ؛ كالقيءِ والرُّعافِ، أو من المَخْرجِ المعتاد، لكنه نادرٌ؛ كالدودَةِ والحصاةِ والسَّلَسِ، فلا ينقضُ الوضوءَ. وهو قولُ مالكٍ وأصحابِه بناءً على أصلِهم من التقييدِ بالعادة (٢). ومنهم من لاحظَ المعنى الموجِبَ لذلك. ثم اختلفوا، فمنهم من رأى العلَّة فيها كونَها أنجاساً خارجةً من البدن، فهي مناقِضَةٌ للطَّهارة، فأوجبَ الوضوءَ من كلِّ نجاسةٍ تخرجُ من الجَسد؛ كالدم، والرُّعافِ الكثيرِ، والفَصْدِ، والحِجامة، والقَيء، وهو مذهبُ جماعةٍ من الصحابة ﵃ (٣). وبه قال أبو حنيفةَ وأصحابهُ، وأحمدُ (٤)، وإسحاقُ، والثوريُّ، وابنُ المبارك (٥). ومنهم من رأى العلة خُصوصَ المَخْرَجين، لا خُصوصَ الخارج، فأوجب الوضُوءَ من أيِّ (٦) شيءٍ خرجَ من دمٍ أو حَصاةٍ أو دودةٍ أو سَلَسٍ أو استحاضَة، ولم يوجبِ الوضوءَ في خروجِ الدمِ من غيرِ المَخْرج المُعْتاد، ولا من الرُّعافِ والحِجامة والقيء.

стр. 850

وبه قال الشافعيُّ وأصحابُه (١)، ومحمدُ بنُ عبد الحَكَم المالكيُّ (٢)؛ لأنهم اتفقوا على وجوبِ الوضوءِ بالريحِ الخارجةِ من أسفل، وعدمِ إيجابه إذا خرجتْ من أعلى، وكلاهما ريحٌ واحدةٌ خارجةٌ من الجَوْف، فدل على أن الاعتبارَ بالمَخْرَجِ لا بالخارج، وضُغِّفَ بأن الريحينَ مختلفتان في الصفةِ والرائحةِ، فلا دلالةَ. وقولُ أبي حنيفةَ وموافقتُه، أَقْيَسُ، وقولُ مالكٍ أقوى. فإن قال قائلٌ: فـ (أو) موضوعةٌ في لسانِ العربِ لأحدِ الشيئين، أو الأشياءِ، إما تخييراً، أو إباحةً، أو تقسيماً وتفريعًا (٣)، وغير ذلك (٤)، فما معنى (أو) في قوله تعالى ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦]؟ قلنا: معناها الجمعُ كالواو، فقد تأتي بمعنى الواو كثيراً في لسان العرب (٥)، قال الشاعر (٦) يصف السَّنَة: [البحر البسيط] وكَانَ سِيَّانِ أَلا يَسْرَحوا نَعَماً ... أَوْ يَسْرَحوهُ بِها واغْبَرَّتِ السُّوحُ

стр. 851

* واختلف الناسُ في حكم اللَّمْسِ والمُلامسة بحسبِ اختلافِهم في معناهما في الآية. ولا شَكَّ أنهُ يُكنى بِهما عن الجِماع في عُرْفِ الشرع. وأما حقيقةُ وَضْعِهما، فهي اللَّمْسُ باليدِ، ومنه نهيهُ ﷺ عن بَيْعِ المُلامَسةِ (١). فقال قومٌ: المُراد به في الآيةِ الجِماعُ، وهو قولُ ابن عباسٍ، والحسنِ، ومجاهدٍ، وقَتادةَ (٢)، فهو لا يلزمُ من قولهم جوازُ التيمُّمِ عن الجَنابة؛ كما هو مذهبُ الجمهور (٣)، ولا يلزمُ من قولهم عدمُ انتقاضِ الوضوءِ باللَّمْس باليدِ، ولكنه هو الظاهرُ عنهم؛ لكونِ الجنابةِ لم يتقدمْ ذكرُها إلا في حُكْم المُرور، ويجوز عنهم خلافُه. وبهذا المعنى قال أبو حنيفة، فلم يوجبِ الوُضوءَ من مَسِّ (٤) الرجلِ المرأةَ، إلا أن يكونَ معهُ انتشارُ (٥)؛ لما روى حبيبُ بنُ أبي ثابت، عن عروةَ، عن عائشةَ -رضي الله تعالى عنها- عن النبيِّ ﷺ أنه قَبَّلَ بعضَ

стр. 852

نسائِه، ثم خرجَ إلى الصلاة، ولم يتوضَّأْ (١). وقال ابنُ عبدِ البَرِّ: هذا الحديث وَهَّنَهُ الحجازيون، وصحَّحَهُ، الكوفيون، ومال هو إلى تصحيحه (٢). ويروى هذا الحديثُ من حديثِ معبدِ بنِ نُبَاتَةَ، والشافعيُّ قالَ: إن صَحَّ حديثُ معبدِ بنِ نباتَةَ في القبلة، لم أرَ فيها ولا في اللمس وضوءاً، فإن معبدَ بنَ نباتةَ يروي عن محمدِ بنِ عمرِو بن عطاءٍ عن عائشةَ -رضي الله تعالى عنها -: أن النبيَّ ﷺ كان يُقَبَّلُ، ثم لا يتوضَّأ، ولكني لا أدري كيفَ كان معبدُ بنُ نباتة هذا، فإن كان ثقةً فالحجَّةُ فيما روي عن النبي ﷺ ، ولكني أخافُ أن يكونَ غَلَطاً من قِبَلِ أنَّ عُروةَ إنما روى أَنَّ النبيَّ ﷺ قَبَّلَها صائِماً (٣). قال البيهقيُّ: معبدُ بنُ نُباتَةَ مجهول، ومحمدُ بنُ عمرِو بنِ عطاءٍ لم

стр. 853

يثبتْ له من عائشةَ شيءٌ، وأما عروةُ هذا فهو المُزَنِيُّ، لا عروةُ بنُ الزبير، قاله أهلُ العلمِ بالحديث (١) (٢). قال يحيى بنُ سعيدٍ القطان -وذكر حديثَ الأعمشِ عن حبيبٍ عن عروةَ- قال: أما إن سفيانَ الثوريَّ كانَ أعلمَ الناسِ بهذا، زعمَ أن حَبيباً لم يسمعْ من عروةَ -يعني: ابن الزبير- شيئاً (٣). وقال قومٌ: المرادُ به اللمسُ باليد، وهو قولُ عمرَ وابنِ مسعودٍ -رضي الله تعالى عنهما (٤) -، فهو لا يلزم من قولهم انتقاضُ الوضوء باللمسِ، ولا يلزمُ من قولهم منعُ التيمُّم عن الجنابة (٥)، وإن كانَ المشهورُ عنهما منعَ التيمم عن الجنابة، وهو الملزم لهما حملَ اللمسِ على لمسِ البشرة.

стр. 854

وبهذا المعنى قال مالكٌ، والشافعيُّ، والليثُ، والأوزاعيُّ، فأوجبوا الوضوءَ من لمسِ النساء (١). واستدلَّ له الشافعيُّ -بعدَ اعتمادِه على تفسيرِ عمرَ وابنِ مسعودٍ- بذكر الله سبحانه للملامسةِ موصولةً بذكرِ الغائطِ بعدَ ذِكْرِ الجنابة، فما أوجب الوضوء من الغائط، أوجبه من الملامسة، فأشبهتْ أن يكونَ اللمسَ الذي هو غيرُ الجنابة (٢)، إلا أن مالكاً قيده بوجود اللذَّةِ، أو بقصدِها، مع وجودِ الحائلِ ومع عدمِه؛ تخصيصاً لعمومه بمعناه (٣)؛ لما روت عائشةُ -رضي الله تعالى عنها - أن النبيَّ ﷺ كان يغمزُها عندَ سجودِه بيده (٤)، وضُعِّفَ بأنه إذا لمسَ من وراءِ حائلٍ فليسَ بِماسٍّ ولا بِمُلامِسٍ لها، وإنما هو لامسٌ لثوبها (٥). وقيده الشافعيُّ -في أحد قوليه- بمظنة اللذة، فلم ينقضِ الوضوءَ

стр. 855

بذواتِ المحارمِ والصغائرِ اللاتي لا يُشْتَهى مثلُهن؛ تقييداً بالمعنى أيضاً (١). وقيده الأوزاعيُّ باليدِ خاصَّةً (٢). والصحيح عندي هو المعنى الأولُ كما فسر ابنُ عباسٍ؛ لأن حمل خطابِ الشرعِ على عُرْفِ الشرعِ أولى من حَمْلِه على وَضْعِ اللغةِ وعُرْفها، ولم تردِ الملامسةُ والمُماسَّةُ في الكتِاب والسنة إلا للجماع، لا للمماسَّةِ باليد. وما استدلَّ به الشافعيُّ من تقدمِ ذكرِ الجنابة حتى يدلَّ على أن المُلامَسَةَ غيرُ الجنابة، فلا دلالة فيه؛ لأن هذه الآيةَ اشتملتْ حكمين: أحدهما: حكمُ محلِّ الصلاة، فبين الله سبحانه أن الجنبَ لا يَقْرَبه إلا عابرَ سبيل. والثاني: حكمُ الصلاة، فبين أن الحدثَ الذي جاء من الغائط، وأن الجُنُب المُلامِسَ لا يقربُها إلا متيمِّماً إذا لم يجدِ الماء. والراجحُ عندي عدمُ انتقاض الطُّهْرِ بمسِّ اليدِ؛ إذ ليسَ على وجوبِ الوضوءِ دليلٌ من السنَّةِ، بل السُّنَّة (٣) تدلُّ على خلافه. قالت عائشة -رضي الله تعالى عنها -: افتقدتُ رسولَ الله ﷺ في الفراش، فالتمستهُ، فوقعت يدي على أَخْمَصِ قدميه وهو يصلي (٤)، ولم يُنْقَلْ أنه قطعَ صلاته. وقالت: كان رسول الله ﷺ يصلي، وأنا معترضةٌ بين يديه،

стр. 856

فكان (١) إذا سجدَ غَمَزَني، وإذا قامَ مددتُ رِجلي (٢)، والأصلُ عدمُ الحائلِ بينَ كَفِّهِ وبَشَرَتِها، والظاهرُ أيضاً ملامَسَةُ كَفِّهِ لبشرتِها؛ إذ كانت بيوتُهم حينئذٍ لا مصابيحَ لها (٣)، ولا سيَّما في حالِ التَّهَجُّدِ، والله أعلم. * ثم أمر الله بقَصْدِ الصعيد الطَّيِّبِ، وقَيَّدَ الأمرَ به. وقد اختلفتْ عباراتُ أهل اللغةِ في الصَّعيد (٤)، فقال أبو عُبيدٍ والفَرَّاءُ: الصعيدُ: الترابُ. وقال ابنُ الأعرابيِّ: الصعيدُ: الأرضُ بعينها. وقال الخليلُ والزَّجّاجُ وثَعْلَبٌ: الصعيدُ: وَجْهُ الأرضِ؛ لقوله تعالى ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠]. * وكذلك اختلفَ الفُقهاء أيضاً: فذهبَ الشافعيُّ إلى أنه لا يجوز إلا بالترابِ الخالِصِ الذي له غُبار (٥)؛ لقوله ﷺ : "جُعِلَتْ لنَا الأَرْضُ مَسْجِداً، وجُعِلَتْ لنا تُرْبَتُها طَهوراً" (٦)، فنزل من عمومِ الأرضِ إلى خُصوصِ تربتها، ولقولِ ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما - في تفسيره: "فتعمدوا الأرضَ وتربتَها"، ولأنَّ الله سبحانه وصفَهُ بالطَّيِّبِ، والطَّيِّبُ: الخِالصُ الذي هو ترابُ الحَرْثِ؛ استدلالاً بقوله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ٥٨].

стр. 857

وبه قال أحمدُ (١)، وأبو يوسفَ، وداودُ، وابنُ المنذر، وأكثرُ الفقهاء (٢). وذهب مالكٌ وأبو حنيفةَ إلى جوازه بكلِّ ما صَعِدَ من الأرضِ من أجزائِها (٣)، لوقوع الاسمِ عليه، ووجود معنى الاشتقاق فيه، حتى أجاز مالكٌ في إحدى رواياته التيممَ بالحَشيشِ والأخشابِ والمِلْحِ؛ لوجود معنى الاشتقاق؛ لكونه متصاعداً على وجهِ الأرض (٤). وزاد أبو حنيفةَ، فجوَّزَ بما يتولَّدُ منَ الأرضِ مثلَ النُّورَةِ والزَّرنيخِ، واستدلُّوا بقوله ﷺ : "وجُعِلَتْ لِيَ الأرضُ مَسْجِداً وطَهوراً" (٥) (٦). وأجيب بأنَّ المراد بالطَّيِّبِ: الطاهرُ، أو الحلالُ؛ استدلالاً بقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [المؤمنون: ٥١]. والاستدلالُ والجوابُ ضعيفان؛ لأن هذا الحديثَ مُجْمَلٌ، وحديثُ الشافعيِّ مفسَّرٌ، والمفسَّر يُقضى به على المُجمل.

стр. 858

وأما الجوابُ، فإن الأصل والغالبَ على الأرض عدمُ النجاسةِ، ولاسيَّما في الفَيافي والقِفار، فَحَمْلُ الطيبِ على ما يناسبُه من جنسِه أولى من حَمله على ما لا يناسبُهُ، وحملُه على ما يُعْهَدُ في العادةِ أولى من حمله على ما لا يُقْصَدُ في العادة، لندوره، وهو المكانُ النجسُ في القِفار والخبوت (١). وضعف قولُهم في المتولِّد والمتصاعِد بأن اسمَ الصَّعيدِ لا يتناولُ ذلك بوضعِ اللُّغة، وإنما يتناوله قياساً، والأسماءُ لا تثبُتُ بالقياس. فإن (٢) قلت: فهل نجد في القرآنِ دليلاً على التخصيص بالتراب؟ قلت: نعم، قال الله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] و (من) موضوعةٌ للتبعيض، وذلك يقتضي أن يصيرَ على الوجهِ والأيدي شيءٌ من الصعيد، ولا يكون ذلك إلا في التراب. والمُخالفون يحملونها على تبيين الجنس، أي: من الذي هو الصعيد، والحَمْلُ على الحقيقةِ خيرٌ من الحَمْل على المجاز (٣)، وسيأتي الكلامُ على صفةِ التيمِّمِ -إن شاء الله تعالى-.

стр. 859

(من أحكام الإمامة) ٨٤ - (٢٦) قوله ﷻ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩]. * أمر الله سبحانه عباده بطاعتهِ وطاعةِ رسوله ﷺ ، روي عنه ﷺ أنه قال: "مَنْ أطاعَني فقدْ أطاعَ اللهَ، ومن يَعصْنِي فَقَدْ عَصى اللهَ، ومن يُطعِ الأميرَ فقدْ أطاعَني، ومن يَعْصِ الأميرَ فقدْ عَصاني" (١). وذلك واجبٌ شرعاً لا عقلاً، خلافاً للمعتزلة (٢). * وقد اختلفتِ الصحابةُ والتابعونَ -رضي الله تعالى عنهم - في أولي الأمر. فقال أبو هريرةَ، وابنُ عباسٍ في راويةِ عطاءٍ، وابنُ زيدٍ، والشافعيُّ، وجمُهورُ السَّلَفِ من المُحَدِّثين والفُقَهاء: هم الولاةُ والأمراءُ (٣).

стр. 860

وقال جابرٌ، وابنُ عباس -في رواية الوالِبي-، ومجاهدٌ، والحسنُ، والضحاكُ، ومالكٌ: همُ الفُقَهاءُ والعُلَماء الذين يُعَلِّمونَ الناسَ مَعِالِمَ دينهِم؛ استدلالاً بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (١) [النساء: ٨٣]. وأيَّ الأمرين كان، فهو واجبٌ إجماعاً. * فإن أجمعَ العُلماءُ على حُكْمٍ، وَجَبَ على العامَّةِ اتِّباعُه. وإنِ اختلفوا، وَجَبَ عليهمُ اتِّباعُ أحدِهم. وهل يجبُ عليهم اتِّباعُ الأفضل؟ فيه خلاف. * وإن كانَ خليفةٌ إما بإجماعٍ من ذوي الحَلِّ والعقدِ، أو باستخلافٍ، أو باستيلاءٍ وقهرٍ، وجبَ على الكافَّةِ طاعتُه. روى أنسٌ عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ لأبي ذر: "اسْمَعْ وأَطِعْ ولو لعبدٍ حَبِشيٍّ كانَّ رأسَهُ زَبيبةٌ" (٢). وأطلق الله سبحانه وجُوب طاعتهِ على أيِّ حالٍ كان، سواء كان عدلاً أو فاسِقاً، ظاهراً أو خامِلاً، عادِلاً أو جائِراً، قال رسول الله ﷺ : "ألاَ مَنْ وَلِيَ عليهِ والٍ، فرآه يأتي شيئاً منْ معصيةِ الله، فَلْيَكْرَهْ ما يَأْتى من مَعْصِيَةِ الله، ولا يَنْزِعنَّ يداً عن طاعةِ الله" (٣)، خرجه مسلم.

стр. 861

وهذا إجماعٌ، حتى قال: الفقهاءُ: يجبُ طاعتهُ ولو كانَ مأسوراً في يدِ العدوِّ، بل يجبُ على الكافة استِنْقاذُه، إما بِحَرْبٍ، أو مالٍ، وإن تعسَّرَ (١) عليهم أمرُه، أجمعوا على نائب له (٢). * وبيَّن النبيُّ ﷺ أنه لا يَجِبُ على المؤمن طاعةُ الأميرِ في معصيةِ الله سبحانه (٣). روى عبدُ الله بنُ عمرَ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "السَّمْعُ والطاعَةُ على المرءِ المُسلم فيما أَحَبَّ وكَرِهَ، ما لم يُؤْمَرْ بِمَعْصِيةٍ، فإذا أُمِرَ بَمعْصِيةٍ، فلا سمعَ ولا طاعةَ" (٤).

стр. 862

(من أحكام الجهاد) ٨٥ - (٢٧) قوله ﷻ : ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٧٥]. * حَرَّض الله سبحانه المؤمنين على القِتال؛ لأجلِ استنقاذِ المستضعفينَ من المؤمنين، واستنقاذُهم من أيدي العدوِّ واجبٌ إجماعاً، إما بقِتالٍ أو فداءٍ أو مُفاداة. ولنا في قتالِ الكُفار حالاتٌ: الأولى: أن نقاتلهمَ لتكونَ كلمةُ الله هيَ العليا، فنغزوهم، ونبدَأُهم بالقتال، فهذا في حَقِّنا فرضُ كِفايةٍ، فإذا قامَ بهِ من فيهِ الكفايةُ في قتالهم، سقطَ الفرضُ عن الباقين. الثانية: أن نقاتلَهُم للدفِعِ عن بلادِ الإسلام؛ كما إذا غَزَوْنا، وَوَطِئُوا بلادَنا -صانَها اللهُ عنهم وخَذَلَهم- فهذا فرضُ عَيْنٍ على أهلِ تلكَ البلدان إن قامت بهمُ الكفِايةُ، وإلاَّ فيجبُ على من يَليهمُ وجوباً مُعَيناً. الثالثة: أن نقاتَلهُمُ استنقاذاً للضُّعفاءِ والأَسْرى، فإن كانوا كَثيرينَ، فهو فرضُ عَيْنٍ، وإن كانوا قليلين كواحد أو اثنين، فوجهانِ عند الشافعية، أَصَحُّهما -وبه قالتِ المالكيةُ- التعيينُ (١).

стр. 863

(من أحكام السَّلام) ٨٦ - (٢٨) قولهُ ﷻ : ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦]. * أمرنا اللهُ سبحانه في هذه الآية بردِّ التحيَّةِ، فروى ابنُ وهبٍ وابنُ القاسِمِ عن مالكٍ: أنَّ التحيةَ هنا تشميتُ العاطِسِ، والردُّ على المُشَمِّتِ (١). ولا شكَّ في ضَعْفِه. وحكي عن الحنفيةِ أنَّ المرادَ بالتحية الهَديَّةُ، لقوله تعالى: ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ استدلالاً بأنَّ السلامَ لا يمكن رَدُّهُ بعينِه، بخِلاف الهِبَةِ والهَدِيَّةِ (٢).

стр. 864

والذي قاله الشافعيةُ وعامةُ أهلِ العِلْمِ أنها السلامُ؛ لقوله تعالى: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ (١) [النور: ٦١]. * ولا خفاء بأن الردَّ واجبٌ إجماعاً (٢). * واختلفوا في صفته. فقال الجمهور: هو واجبٌ على الكفِاية، فإذا ردَّ واحدٌ من الجميعِ، سقط الفرضُ عن الباقين (٣). وقال أبو يوسفَ: لا بدَّ منْ رَدِّ الجميع (٤). وهو مَحْجوجٌ بما أخرجه أبو داودَ، عن عليٍّ -رضي الله تعالى عنه-: أن النبيَّ ﷺ قال: "يُجْزِئُ عن (٥) الجَماعة إذا مَرُّوا أن يسلِّم أحدُهم، ويُجْزِئُ من الجلوس أن يردَّ أحدُهم" (٦)، ولكنه قد ضُعِّفَ (٧)، وبما خرجهُ مالكٌ في "مُوَطئِه" عن زيدِ بنِ أسلمَ: أن رسولَ الله ﷺ قال: "إذا

стр. 865

سلمَ واحدٌ من القومِ أَجْزَأَ عنهم" (١). وندب الله سبحانه إلى ابتداءِ التحية فقَال: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١]، والأمر محمولٌ على الاستحبابِ إجماعاً، نقله ابنُ عبدِ البَرِّ وغيرُه (٢). قالوا: وهو مستحبٌّ على الكِفاية، فإذا سَلَّمَ من الجميعِ واحدٌ، تأدَّتِ السنَّةُ بذلك (٣)؛ لقوله ﷺ : "يُسَلِّمُ الراكبُ على الماشي، وإذا سَلَّمَ واحد (٤) من القومِ، أَجْزَأَ عنهم". ولنتكلمْ فيه؛ إذ الموضعُ على الردِّ، ثم نؤخِّرُ الكلامَ على الابتداءِ إلى موضعه -إن شاء الله تعالى-. فنقول: أطلقَ الله سبحانه التحيةَ هُنا، وقَيَّدهَا في موضِعٍ آخرَ، فقال : ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١]، فخرج من الإطلاقِ تحيةُ العَرَبِ؛ كقولهم: أطالَ اللهُ بقاءَكَ، وأسعدَ مساءَكَ، وأبيتَ اللَّعْنَ، وما أشبهَ ذلك، فإنه لا يستحقُّ جواباً.

стр. 866

ثم أطلقَ اللهُ سبحانه صفَةَ المُحَيِّي، وأوجَبَ الردَّ عليه، سواء كان صغيراً أو كبيراً، ذكراً أو أنثى، مسلماً أو كافِراً، وها أنا أذكره مفصَّلاً -إن شاء الله تعالى-. - أما الصبيُّ، فهو على إطلاقِه، إلا ما نُقِلَ عن بعضِ الشافعيةِ من تخريج وجهٍ ضعيفٍ ورأى أنه لا يجبُ الردُّ عليه (١). وأما المرأةُ، فإن كانَ السلامُ من نِسْوَةٍ، فإنه يجبُ الردُّ عليهنَّ، كما يستَحَبُّ السلامُ عليهنَّ ابتداءً، قلته بحثاً وتخريجاً. وإن كانَ السلامُ من امرأةٍ، فإن كانتْ زوجةً أو مَحْرَماً، وَجَبَ الردُّ، وكذا إن كانت عَجوزاً لا يُشْتهى مثلُها. وإن كانت شابَّةً فسلامُ أحدِهما على الآخَرِ مكروهٌ، ولا يستحقُّ المُسَلِّمُ منهما جواباً، بل الجوابُ منها حرامٌ، ومنهُ مكروهٌ. وهذا تفصيلُ مذهبِ الشافعيِّ (٢). وبنحوهِ قالَ قتَادةُ، وعطاء (٣) (٤)، ومالكٌ (٥). ومنعَهُ الكوفيون في النِّساءِ غيرِ ذوي المحارم؛ قياساً على سُقوط الأذانِ والإقامةِ، فلا يُسَلِّمْنَ، ولا يجبُ عليهنَّ رَدٌّ (٦). ولكنه يردُّه ما رويناه في "صحيح البخاري" عن سَهْلِ بن سَعْدٍ قال:

стр. 867

كانت فينا امرأةٌ، وفي رواية: كانت لنا عجوزٌ، تأخذُ من أُصولِ السِّلْقِ، فتطرحُهُ في القِدْرِ، وتُكَرْكِرُ (١) عليه حَبَّاتٍ من شعير، فإذا صَلَّينا الجمعةَ، انصرفْنا، فنسلمُ عليها، فتقدمُه إلينا (٢). وما رويناه في "صحيح مسلم" عن أم هانئ بنتِ أبي طالبٍ -رضي الله تعالى عنها - قالت: أتيتُ النبيَّ ﷺ يومَ الفَتْحِ وهو يَغْتَسِلُ، وفاطمةُ تسترُهُ، فَسَلَّمْتُ، وذَكَرَتِ الحديثَ (٣)، وسيأتي ذكرُ أقوالِ العلماءِ عندَ الكلامِ على الابتداء بالتحية. - وأما الكافرُ، فإن كان كتابِيًّا، فحُكي عن مالكٍ وطائفةٍ من أهلِ العلمِ أنهم قالوا بعدم الردِّ (٤)، وظني أنهم أرادوا عَدَمَ وُجوبِ الرَّدِّ، وأما جوازُه فما أظنُّ فيه خلافاً؛ لصحةِ الأحاديثِ الواردةِ في ذلكِ من فِعْلهِ وقوله ﷺ . وذهبَ جُمهور السلفِ كابنِ عباس والشعبي وقتَادة إلى مشروعيَّةِ الردِّ عليهم (٥)، وبه قال الشافعيُّ (٦)، واحتج له بالأحاديثِ الواردةِ في صفةِ

стр. 868

جَوابِ النبيِّ ﷺ ، وأمرهم بذلك؛ كقوله: "فَقولوا: وعَلَيْكُمْ" (١). ولا دلالةَ في ذلك على الوجوب كما زعم بعضُ أصحابهِ الوجوب عنه (٢)؛ لأن النبيِّ ﷺ إنما أمرَ بصِفَةِ الردِّ عليهم على جِهَةِ الإرشادِ والتعليمِ، وإن حُمِلَ على غيرِ الإرشاد، فالأمرُ بالصفةِ لا يَقْتَضي إيجابَ المَوْصوفِ؛ لأنه قد يُؤْمَرُ بصفةِ ما هُو واجبٌ، وما هو نَدْبٌ، وما هو مباحٌ، ولأن الله سبحانه خَصَّ التحيةَ بالسَّلامِ، وهم لا يُسَلِّمونَ، وإنما يقولون: السَّامُ عليكم (٣). فإن قال قائل: فالعُموم متناولٌ لوجوبِ الردِّ عليهم، قال ابنُ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما -: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾، فإنْ كانتْ من مُؤْمِنٍ، فَحَيُّوا بأَحْسَنَ منها، وإن كانتْ من كافرٍ، فردوا على ما قالَ رسولُ الله ﷺ أنه يقال: وعليكم. قلنا: تحيتُهم غيرُ داخلةٍ في عُموم الآية؛ لأنها ليستْ بتحيةٍ ولا سلامٍ، قال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ اليهودَ إذا سَلَّمَ عليكُم أَحَدُهُم فإنَّما يقولُ: السامُ

стр. 869

عليكُمْ، فقلْ: عَلَيْكَ" (١) والرُّد عليهم ليسَ بردٍّ للتحيَّةِ، وإنما هو دعاءٌ عليهم مكافأةً لدُعائِهم علينا. قالت عائشةُ -رضي الله تعالى عنها - إن اليهودَ أَتَوُا النبيَّ ﷺ ، فقالوا: السَّامُ عليكَ، قال: وعليكُم، فقالت عائشةُ: السَّامُ عليكُمْ، ولعنَكُمُ اللهُ، وغَضِبَ الله عليكَم، فقال رسولُ الله ﷺ : "مَهْلاً يا عائشةُ! عَلَيْكِ بالرِّفْقِ، وإياكِ والعُنْفَ (٢) والفُحْشَ" قالت: أَوَ لَمْ تسمع ما قالوا؟ قال: "أَوَ لَمْ تَسْمَعي ما قُلْتُ؟ رَدَدْتُ عليِهْم، يسُتجابُ (٣) لَي فيهم، ولا يُستجابُ لَهُمْ فيَّ" (٤). وقد تنبه عطاء لفقهِ الآيةِ فقال: الآيةُ للمؤمنينَ خاصَّةً، ومَنْ سَلَّمَ مَن غيرِهم، قيل له: عليكَ؛ كما جاءَ في الحديث (٥)، وهذا يدلُّ على أنَّ قولَ ابنِ عبّاسٍ وغيرِه: إنَّما أُمِرْنا بالردِّ على الكافرِ أدباً لا وجوباً؟! وبهذا قال مالكٌ ﵀، فحينئذ يرتفعُ الخِلافُ (٦).

стр. 870

وكيف يجُب الردُّ عليهم، واللهُ يقولُ في أمثِالهم: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ [المجادلة: ٨]. ومعلومٌ أنَّ الشافعيَّ ما أرادَ إلا ما أرادَهُ ابنُ عباسٍ، لا حقيقةَ الوجوبِ كما توهَّمَهُ بعض (١) أصحابه. وصفةُ الردِّ عليهم ما قَدَّمنا من قوله ﷺ : "وعليكم" أو: "عليكم" (٢) (٣). وأما على المُسْلِم، فالأفضلُ أن يقولَ: (وعليكُم السلامُ ورحمةُ الله وبركاتُه) (٤)، وهذا هو الأحسنُ الذيَ ندب اللهُ إليهِ المؤمنين.

стр. 871

ولو اقتصرَ على قولِ: (وعليكم (١) السلامُ)، فهذا هو الواجُب؛ لأنه مثلُ تحيةِ المُسَلِّمِ، ولو اقتصرَ على قوله: وعليكم، فالصحيحُ عندَ الشافعيةِ واختيار إمامِ الحرمين أنه لا يكفي؛ لأنه ليسَ مثلَ سلامِهِ في اللفظِ والإيناسِ (٢). والصوابُ أنه يكفي؛ لِما ثبتَ في "صحيح مسلم" من اقتصاره في ردِّه ﷺ على أبي ذَرٍّ (٣) في حديثِ إسلامِه (٤) (٥). وعلى قياسِ هذا ما إذا قالَ المُسَلِّمُ: (السلامُ عليكُم ورحمةُ اللهِ وبركاتُه)، فقال الرادُّ: (وعليكم)، وينبغي أن يكونَ مَكْروهاً؛ لقلة إيناسِه، والله أعلم. ومقتضى عمومِ الآية أنَّ الكِتابيَّ إذا قال: (السلامُ عليكم) أَنَّهُ يجبُ الردُّ عليهِ؛ لأنه حيّانا بتحية اللهِ (٦)، ولستُ أعلمُ فيه نَقْلاً عنِ السَّلَفِ. وأما الغائبُ، فكذلك أيضاً يجبُ ردُّ السلامِ عليه (٧)، أَرْسَلَ بهِ، أو كَتَبَ به (٨).

стр. 872

وصِفَتُهُ الأَحْسَنُ (١) ما رويناه في "سُنَنِ أبي داودَ" عن غالبٍ القَطَّانِ عن رجلٍ قال: حدثني أبي عن جَدِّي قال: بعثَني أبي إلى رسولِ الله ﷺ ، فقال: ائتهِ فَأَقْرِئْهُ السلامَ، فأتيتُه، فقلتُ: إنَّ أبي يُقْرِئُكَ السَّلامَ، فقال: "عليكَ وعلى أبيكَ السلامُ" (٢). وأما المفارقُ فقد قالِ القاضي الحسينُ وصاحبُه المُتَولي من الشافعية: جرتْ عادَةُ بعضِ الناسِ بالسلامِ عندَ مفارقَةِ القومِ، وذلكَ دعُاءٌ يستحَبُّ جوابه، ولا يجبُ؛ لأنَّ التحيةَ إنما تكونُ عندَ اللقاء، لا عندَ الانصراف. وأنكر عليهما الإمامُ أبو بكرٍ الشَّاشِيُّ، وقال: هذا فاسِدٌ؛ لأن السلامَ سُنَّةٌ عندَ الانصرافِ، كما هو سُنَّةٌ عندَ الجلوس. قال أبو زكريا النوويُّ: وما قالهُ الشاشِيُّ هو الصوابُ (٣). وهو الحقُّ كما قالَهُ الشاشِيُّ والنواويُّ، قال النبيُّ ﷺ : "إذا انتهى أحدُكم إلى مَجْلِسٍ، فَلْيُسَلِّمْ، فإذا أرادَ أن يقومَ، فَلْيُسَلِّمْ، فَلَيَستِ الأُولى بأَحَقَّ منَ الآخِرَة" (٤) قال الترمذيُّ: حديثٌ حسنٌ.

стр. 873

فأمرَنا (١) بالسلامِ، وبينَ بأنَّ الأولى لَيْسَتْ بآكَدَ من الثانية، والله يقول: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦].

стр. 874

(من أحكام الجهاد) ٨٧ - ٨٩ (٢٩ - ٣١) قوله : ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٨٨ - ٩٠]. اختُلِفَ في سببِ نُزولها: روينا في "الصحيحين"، واللفظُ للبخاريِّ: عن زيدِ بنِ ثابتٍ -رضي الله تعالى عنه-: أنه لما خرَج النبيُّ ﷺ إلى أُحُدٍ، رجعَ ناسٌ مِمَّنْ خرجَ معهُ، وكانَ أصحابُ النبيِّ ﷺ فِرقتين: فرقةٌ تقولُ نقاتلِهم، وفرقةٌ تقول: لا نقاتلهم، فنزلت: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ [النساء: ٨٨]. وقال: "إنها طَيْبَةُ تَنْفي الذُّنوبَ كما تَنْفي النارُ خَبَثَ الفِضَّةِ" (١).

стр. 875

وقال مجاهدٌ: هم قومٌ خرجوا إلى المدينةِ، وأسلموا ثم ارتدوا (١)، فاستأذنوا رسولَ الله ﷺ في الرجوعِ إلى مكةَ ليأتوا ببضائِعَ لهم يَتَّجِرون فيها، فخرجوا، وأقاموا بمكة (٢)، فاختلف المسلمونَ فيهم، فقائل يقولُ: هم منافقون، وقائلٌ يقول: هم مؤمنون (٣). وقال بعضهم: هم قومٌ أسلموا بمكة، ثم لم يُهاجروا، وكانوا يُظاهرون المشركين (٤). وقال بعضُهم: نزلتْ في قومٍ من قريشٍ، قَدِموا المدينةَ وأسلموا، ثم نَدِموا على ذلك، فخرجوا كهيئة المُتَنَزِّهين حتى إذا تباعدَوا من المدينة، كتبوا إلى النبيِّ ﷺ : إنَّا على الذي فارقناك عليهِ من الإيمان، ولكنّا اجْتَوَيْنا (٥) المدينةَ، واشتقنا إلى أرْضِنا، ثم إنهم خرجوا في تجارةٍ لهم نحوَ الشامِ، فبلغَ ذلكَ المسلمين، فقال بعضهم: نخرجُ إليهم (٦) لنقتلَهُم ونأخذَ ما مَعَهُم؛ لأنهم رغَبِوا عن ديننا، وقالت طائفةٌ: كيف تقتلونَ قوماً على دينِكم لم يَذَروا ديارَهُمْ؟! وكانَ هذا بعَيْنِ النبيِّ ﷺ ، وهو ساكتٌ لا يَنْهى واحداً من الفريقين، فنزلتْ هذه الآيةُ (٧).

стр. 876

وجميعُ ما ذكروه من الأسباب مُحْكَمٌ في العَصْر الذي فيه النبيُّ ﷺ . فمن خرجَ من فِئَةِ المسلمين، والتحقَ بفئةِ المشركين، فُهو مُرْتَدٌّ. وكانَ منِ التحقَ بدارِ الحربِ مُرْتَدًّا غادِراً برسولِ الله ﷺ مُرْتَدًّا كافِراً، وكذا من ظاهرَ المُشركين على رسولِ اللهِ ﷺ والمؤمنين. فإن قال قائل: فالسببُ الرابعُ يقتضي أنَّ من خَرَج إلى دار الحرب مُسْتَوْطِناً لها، وهو معَ ذلك باقٍ على الإيمانِ غيرُ مظاهرٍ للمشركين أنهُ مرْتَدٌّ كافِرٌ كهؤلاء. قلنا: إنما كفروا، لخبرِ الله عنهم بأنهم كفروا، وأنهم يَوَدُّون كُفْرَ سائرِ المؤمنين، ولم يَكْفُروا بمجرَّدِ الاستيطانِ بدارِ الحرب، ويدلُّ على ذلكَ قولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [الأنفال: ٧٢]، فأوجب على المؤمنين نُصْرَتَهُمْ في دارِ الحربِ، وسَمَّاهم مؤمنين، ولا يجبُ إلا نصرةُ مؤمِنٍ، وأما المرتَدُّ، فلا تجبُ نصرتُهُ. ولأنَّ سَعْدَ بنَ خَوْلَةَ مِمَّنْ ماتَ بِمَكَّةَ ولم يُهاجر -كما قال عيسى بنُ دينارٍ وغيرُه (١) (٢) - أو هاجرَ ثم رجعَ بعد شهودِهِ وَقْعَةَ بَدْرٍ -كما قالَ البخاريُّ (٣)، وهو مؤمن بالاتفاقِ (٤)، ولكن النبيُّ ﷺ رَثى له، كما سيأتي قريباً إن شاء الله تعالى. فإن قال: فظاهرُ الآيةِ يقتضي أنهم ارتدُوا بتركِ الهجرةِ والرجوعِ عنها

стр. 877

فقط، وأنهم لا يُقْبل إسلامُهم إلا مع الهجرة؛ ولا يُقبل بدون الهجرة؛ لأن الله سبحانه نَهى عن مُوالاتهم حتى يهاجروا في سبيل اللهِ، وأمرَ بقتلهم عندَ امتناعهم عن الهجرة. ويدل على هذا الظاهرِ قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧]، فلم يعاتبهمُ الله إلا على تَرْكِ الهجرةِ، وجَعَلَها سبباً لمأواهم جهنمَ. ويدلُّ عليهِ قولُ النبيِّ ﷺ ، في حديثِ سعدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ المخرَّجِ في "الصحيحين": أنه لما مرضَ بمكَّةَ، عادَهُ النبيُّ ﷺ وقال: "اللَّهُمَّ أَمْضِ لأَصْحابي هِجْرَتَهُمْ ولا تَرُدَّهُمْ على أَعْقابِهِمْ" (١). قلنا: لأجلِ هذهِ الظواهرِ قال الواحديُّ والبَغَوِيُّ من الشافعيةِ في "تفسيريهما": لم يكنِ الله ليقبلَ بعدَ هجرةِ النبيِّ ﷺ إسلاماً إلا بهجرة، ثم زادَ البغويُّ فقال: ثم نُسِخَ ذلكَ بعدَ الفتح، فقال النبي ﷺ : "لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ" (٢) (٣). والذي قالاه غير صحيح؛ لما قدمته من دلالة قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [الأنفال: ٧٢]. وموضعُ الدلالةِ أنَّ الله سبحانه سَمّاهم مؤمنين، وأمرَ بِنُصْرتهم، ولا يأمرُ إلا بنصرةِ مؤمنِ، وأما المرتَدُّ، فلا تجوزُ نُصرته بحالٍ.

стр. 878

فإن قيل: فالمرادُ به المستضعفون غيرُ المستطيعين، فيكونُ عامًّا مَخْصوصاً بالمستضعفين؛ بدلالةِ هذه الآيات والظواهرِ. قلنا: نصرةُ المستضعفينَ واجبة على كلِّ قومٍ، سواءٌ كان بينَنا وبينَهُم ميثاقٌ، أم لا؛ لأن لهم حكمَ المؤمنين؛ لكمال إيمانهم؛ لأنهم معذورون، وأما غيرُ المستضعفين، فغير معذورين، فوجبتْ نصرتُهم على الحَرْبِيِّ؛ لإيمانهم، ولا تجب نُصرتُهم على المعاهَدِ؛ لنُقصان إيمانِهم. وأما الجوابُ عن الظواهرِ، فهو أن الهجرةَ كانت عُنواناً للإيمان، وميزاناً للإسلامِ في زمنِ النبِّي ﷺ ، يتبينُ فيها المؤمنُ من المنافقِ: فمنافقُ مكة تبينَ بتركِ المهاجَرَةِ من مكةَ إلى المدينة، وإذا أخبرَ اللهُ نبيَّه ﷺ بكفرِه، فهو كافرٌ. ومنافقُ المدينةِ يتبينُ بتركِ المُجاهدةِ في سبيلِ الله -سبحانه- مع رسوله، قال الله سبحانه: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٠]، فسماهم كَفَرَةَ. وكان الفرقُ بينهم أن منافقَ دارِ الحربِ تجري عليه أحكامُ المحاربين منَ القتلِ والأسرِ والاسترقاق، ومنافقَ دارِ الإسلام يُعْصَمُ دمُه ومالُه وولدُه بالإسلام، وتجري عليه أحكامُ المسلمين. وأما إذا لم يُهاجِرْ من مكةَ إلى المدينة، ولم يخبر اللهُ سبحانه بردَّتِهِ وكفرِه، فإنه باقٍ على إيمانِه (١).

стр. 879

ويدلُّ عليه قولهُ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] الآية، وكان العباسُ -رضي الله تعالى عنه- أقام بعد إسلامِه بمكةَ، ولم يقلِ النبيُّ ﷺ : إن إسلامَهُ لا يتمُّ مع الوقوفِ بدار الحربِ. وقد ذكرَ الشافعيُّ هذا الحُكْمَ كما ذكرتُه، واستدلَّ له بوقوفِ العباس كما ذكرته (١). وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [النساء: ٩٧] الآية، فإنها نزلتْ في قومٍ تكلَّموا بالإسلامِ، ثم خرجوا مع المشركينَ إلى بَدْرٍ مُكَثِّرينَ لِسَوادِهم، فقُتلوا يومَ بدرٍ، وأخبرَ اللهُ سبحانه بكفرِهم وظُلْمِهم لأنفسِهم (٢). فإن قيل: فإن الملائكةَ لم تعاتبْهم إلا على عَدَمِ الهجرة. قلنا: جعل الله سبحانه هذا قاطعاً لحجَّتِهم، وإلا فقدْ أخبرَ الله تعالى بظُلْمهم لأنفسِهم، والظلمُ هو الكفر (٣).

стр. 880

وأما حديثُ سعدٍ، فإنه لا يدلُّ إلا على تعظيمِ شأنِ الهجرةِ. * وقد اختلفَ أهلُ العلم في موتِ المُهاجِر بمكةَ: فقالَ بعضُهم: الموتُ بمكةَ والمُقام بها يُحْبطُ الهجرةَ، سواءٌ كانَ بالضرورةِ، أو بالاختيار، واستدلَّ بدعاءِ النبيِّ ﷺ لسعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ مع أصحابه، ولأنَّ سعدَ بنَ خولَةَ الذي رَثىَ له النبيِّ ﷺ ماتَ في حجَّةِ الوداعِ بعدَما شهدَ بدراً وغيَرها، على ما ذكره ابنُ شهاب (١). وقال بعضُهم: إنما يحبطُ الهجرةَ ما كانَ بالاختيارِ، وأما بالضرورةِ، فلا؛ لأن سعدَ بنَ خولةَ لم يهاجرْ من مكةَ حتى ماتَ بها؛ كما قال عيسى بنُ دينار وغيُره، أو ماتَ بمكةَ بعدَما هاجرَ وشهِدَ بدراً، وانصرفَ إلى مكة (٢)؛ كما قالهُ البخاري (٣). * فإن قال قائل: فما حكمُ الهجرةِ في زمنِ النبيِّ ﷺ وبعده؛ قلنا: أما في زمنه، فأجمعت الأمةُ على وجوبِ الهجرة من مكةَ إلى المدينِة -شَرَّفها اللهُ- حتى قال الواحديُّ والبَغَوِيُّ: إنها شرطٌ في الإسلام؛ كما قدمتُه عنهم.
следующие страницы →