← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 14827

تيسير البيان لأحكام القرآن

ابن نور الدين

Полный текст (1 649 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

وجميعُ ما ذكروه من الأسباب مُحْكَمٌ في العَصْر الذي فيه النبيُّ ﷺ . فمن خرجَ من فِئَةِ المسلمين، والتحقَ بفئةِ المشركين، فُهو مُرْتَدٌّ. وكانَ منِ التحقَ بدارِ الحربِ مُرْتَدًّا غادِراً برسولِ الله ﷺ مُرْتَدًّا كافِراً، وكذا من ظاهرَ المُشركين على رسولِ اللهِ ﷺ والمؤمنين. فإن قال قائل: فالسببُ الرابعُ يقتضي أنَّ من خَرَج إلى دار الحرب مُسْتَوْطِناً لها، وهو معَ ذلك باقٍ على الإيمانِ غيرُ مظاهرٍ للمشركين أنهُ مرْتَدٌّ كافِرٌ كهؤلاء. قلنا: إنما كفروا، لخبرِ الله عنهم بأنهم كفروا، وأنهم يَوَدُّون كُفْرَ سائرِ المؤمنين، ولم يَكْفُروا بمجرَّدِ الاستيطانِ بدارِ الحرب، ويدلُّ على ذلكَ قولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [الأنفال: ٧٢]، فأوجب على المؤمنين نُصْرَتَهُمْ في دارِ الحربِ، وسَمَّاهم مؤمنين، ولا يجبُ إلا نصرةُ مؤمِنٍ، وأما المرتَدُّ، فلا تجبُ نصرتُهُ. ولأنَّ سَعْدَ بنَ خَوْلَةَ مِمَّنْ ماتَ بِمَكَّةَ ولم يُهاجر -كما قال عيسى بنُ دينارٍ وغيرُه (١) (٢) - أو هاجرَ ثم رجعَ بعد شهودِهِ وَقْعَةَ بَدْرٍ -كما قالَ البخاريُّ (٣)، وهو مؤمن بالاتفاقِ (٤)، ولكن النبيُّ ﷺ رَثى له، كما سيأتي قريباً إن شاء الله تعالى. فإن قال: فظاهرُ الآيةِ يقتضي أنهم ارتدُوا بتركِ الهجرةِ والرجوعِ عنها

стр. 877

فقط، وأنهم لا يُقْبل إسلامُهم إلا مع الهجرة؛ ولا يُقبل بدون الهجرة؛ لأن الله سبحانه نَهى عن مُوالاتهم حتى يهاجروا في سبيل اللهِ، وأمرَ بقتلهم عندَ امتناعهم عن الهجرة. ويدل على هذا الظاهرِ قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧]، فلم يعاتبهمُ الله إلا على تَرْكِ الهجرةِ، وجَعَلَها سبباً لمأواهم جهنمَ. ويدلُّ عليهِ قولُ النبيِّ ﷺ ، في حديثِ سعدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ المخرَّجِ في "الصحيحين": أنه لما مرضَ بمكَّةَ، عادَهُ النبيُّ ﷺ وقال: "اللَّهُمَّ أَمْضِ لأَصْحابي هِجْرَتَهُمْ ولا تَرُدَّهُمْ على أَعْقابِهِمْ" (١). قلنا: لأجلِ هذهِ الظواهرِ قال الواحديُّ والبَغَوِيُّ من الشافعيةِ في "تفسيريهما": لم يكنِ الله ليقبلَ بعدَ هجرةِ النبيِّ ﷺ إسلاماً إلا بهجرة، ثم زادَ البغويُّ فقال: ثم نُسِخَ ذلكَ بعدَ الفتح، فقال النبي ﷺ : "لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ" (٢) (٣). والذي قالاه غير صحيح؛ لما قدمته من دلالة قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [الأنفال: ٧٢]. وموضعُ الدلالةِ أنَّ الله سبحانه سَمّاهم مؤمنين، وأمرَ بِنُصْرتهم، ولا يأمرُ إلا بنصرةِ مؤمنِ، وأما المرتَدُّ، فلا تجوزُ نُصرته بحالٍ.

стр. 878

فإن قيل: فالمرادُ به المستضعفون غيرُ المستطيعين، فيكونُ عامًّا مَخْصوصاً بالمستضعفين؛ بدلالةِ هذه الآيات والظواهرِ. قلنا: نصرةُ المستضعفينَ واجبة على كلِّ قومٍ، سواءٌ كان بينَنا وبينَهُم ميثاقٌ، أم لا؛ لأن لهم حكمَ المؤمنين؛ لكمال إيمانهم؛ لأنهم معذورون، وأما غيرُ المستضعفين، فغير معذورين، فوجبتْ نصرتُهم على الحَرْبِيِّ؛ لإيمانهم، ولا تجب نُصرتُهم على المعاهَدِ؛ لنُقصان إيمانِهم. وأما الجوابُ عن الظواهرِ، فهو أن الهجرةَ كانت عُنواناً للإيمان، وميزاناً للإسلامِ في زمنِ النبِّي ﷺ ، يتبينُ فيها المؤمنُ من المنافقِ: فمنافقُ مكة تبينَ بتركِ المهاجَرَةِ من مكةَ إلى المدينة، وإذا أخبرَ اللهُ نبيَّه ﷺ بكفرِه، فهو كافرٌ. ومنافقُ المدينةِ يتبينُ بتركِ المُجاهدةِ في سبيلِ الله -سبحانه- مع رسوله، قال الله سبحانه: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٠]، فسماهم كَفَرَةَ. وكان الفرقُ بينهم أن منافقَ دارِ الحربِ تجري عليه أحكامُ المحاربين منَ القتلِ والأسرِ والاسترقاق، ومنافقَ دارِ الإسلام يُعْصَمُ دمُه ومالُه وولدُه بالإسلام، وتجري عليه أحكامُ المسلمين. وأما إذا لم يُهاجِرْ من مكةَ إلى المدينة، ولم يخبر اللهُ سبحانه بردَّتِهِ وكفرِه، فإنه باقٍ على إيمانِه (١).

стр. 879

ويدلُّ عليه قولهُ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] الآية، وكان العباسُ -رضي الله تعالى عنه- أقام بعد إسلامِه بمكةَ، ولم يقلِ النبيُّ ﷺ : إن إسلامَهُ لا يتمُّ مع الوقوفِ بدار الحربِ. وقد ذكرَ الشافعيُّ هذا الحُكْمَ كما ذكرتُه، واستدلَّ له بوقوفِ العباس كما ذكرته (١). وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [النساء: ٩٧] الآية، فإنها نزلتْ في قومٍ تكلَّموا بالإسلامِ، ثم خرجوا مع المشركينَ إلى بَدْرٍ مُكَثِّرينَ لِسَوادِهم، فقُتلوا يومَ بدرٍ، وأخبرَ اللهُ سبحانه بكفرِهم وظُلْمِهم لأنفسِهم (٢). فإن قيل: فإن الملائكةَ لم تعاتبْهم إلا على عَدَمِ الهجرة. قلنا: جعل الله سبحانه هذا قاطعاً لحجَّتِهم، وإلا فقدْ أخبرَ الله تعالى بظُلْمهم لأنفسِهم، والظلمُ هو الكفر (٣).

стр. 880

وأما حديثُ سعدٍ، فإنه لا يدلُّ إلا على تعظيمِ شأنِ الهجرةِ. * وقد اختلفَ أهلُ العلم في موتِ المُهاجِر بمكةَ: فقالَ بعضُهم: الموتُ بمكةَ والمُقام بها يُحْبطُ الهجرةَ، سواءٌ كانَ بالضرورةِ، أو بالاختيار، واستدلَّ بدعاءِ النبيِّ ﷺ لسعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ مع أصحابه، ولأنَّ سعدَ بنَ خولَةَ الذي رَثىَ له النبيِّ ﷺ ماتَ في حجَّةِ الوداعِ بعدَما شهدَ بدراً وغيَرها، على ما ذكره ابنُ شهاب (١). وقال بعضُهم: إنما يحبطُ الهجرةَ ما كانَ بالاختيارِ، وأما بالضرورةِ، فلا؛ لأن سعدَ بنَ خولةَ لم يهاجرْ من مكةَ حتى ماتَ بها؛ كما قال عيسى بنُ دينار وغيُره، أو ماتَ بمكةَ بعدَما هاجرَ وشهِدَ بدراً، وانصرفَ إلى مكة (٢)؛ كما قالهُ البخاري (٣). * فإن قال قائل: فما حكمُ الهجرةِ في زمنِ النبيِّ ﷺ وبعده؛ قلنا: أما في زمنه، فأجمعت الأمةُ على وجوبِ الهجرة من مكةَ إلى المدينِة -شَرَّفها اللهُ- حتى قال الواحديُّ والبَغَوِيُّ: إنها شرطٌ في الإسلام؛ كما قدمتُه عنهم.

стр. 881

* واختلفوا فيما عدا مكة. فقال أبو عبيدٍ: لا تجبُ عليه الهجرةُ؛ لأن النبي ﷺ لم يأمرْ من أسلمَ من العربِ بالمهاجرة إليه، ولم ينكرْ عليهم مُقامَهُمْ ببلدِهم، ولأنه ﷺ كان إذا بعثَ سريَّةً، قال لأميرها: "إذا لقيتَ عَدُوَّكَ منَ المُشْركينَ، فادْعُهُم إلى ثَلاثِ خِصالٍ -أو ثلاثِ خلالٍ- فَأيَّتَهُنَّ أَجابوكَ، فاقبلْ منهم، وكُفَّ عنهمُ: ادعُهم إلى الإسلامِ، فإن أجابوا (١)، فاقبلْ منهم، وكُفَّ عنهُم، ثم ادعُهُمْ إلى التحوُّلِ عن دارِهم إلى دارِ المهاجرين، وأَعْلِمْهم أنَّهم إن فَعلوا ذلك، أنَّ لهم ما لِلمْهاجرين، وأن عليهم ما عَلى المُهاجرين، فإن أَبْوا واخْتاروا ديارَهم (٢)، فأَعْلِمْهم أنهم يكونونَ كأعرابِ المُسلمين، يَجْري عليهم حُكْمُ اللهِ الذي يَجْري على المؤمنين، ولا يكونُ لهم في الفَيْءِ والغنيمةِ نصيبٌ إلا أن يُجاهِدوا مع المسلمين" (٣). وقال الجمهورُ: تجبُ الهجرةُ من سائرِ بلادِ الحَرْبِ إلى سائر (٤) بلادِ الإسلام على مَنْ لا يقدرُ على إظهارِ دينهِ، ولا تجبُ على من يَقْدِرُ على إظهارِ دينه، إما بعشيرةٍ أو رئاسة؛ كما جازَ ذلك للعباس -رضي الله تعالى عنه-، لكن تُستحبُّ له (٥) المهاجرةُ (٦).

стр. 882

* وكذا الحكمُ في الهجرة في زمننا تجبُ عليهِ إن كانَ لا يتمكنُ من إظهارِ دينه، ويُستحبُّ إن كان يتمكنُ من إظهار دينه. * والبدعة تجري مَجْرى الكُفْر في وجُوبِ الهِجْرةِ أو استحبابِها (١). * وأما سائرُ المعاصي، فتستحبُّ، ولا تجبُ الهجرةُ لأجلِها، إلا أن يغلبَ عليها الحرامُ، فإن طلبَ الحلالِ فرضٌ (٢). * ثم استثنى الله القومَ الذين يَصِلون إلى أهلِ العهدِ والميثاق، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ [النساء: ٩٠]. والذين بينهم وبينَ النبيِّ ﷺ ميثاقٌ همُ الأَسْلَمِيُّون، وذلكَ أن النبيِّ ﷺ وادع هلالَ بنَ عُوَيْمِرٍ الأَسْلَمِيَّ قبلَ خرُوجِه إلى مكةَ على ألاَّ يُعينَه ولا يُعينَ عليه، ومن وَصَلَ إلى هِلالٍ من قومِه وغيرِهم، ولجأ إليهم، فلهمْ من الجِوارِ مثلُ ما لِهلالٍ (٣). وقال الضحاك عن ابن عباس: أرادَ بالقومِ الذين بينكم وبينهم ميثاق:

стр. 883

بني بكر بن زيدِ مناةَ، كانوا في الصلحِ والهُدْنة (١). وقال مقاتل: هم خُزاعَةُ (٢). وأما الذيَن جاؤوه ﷺ ضَيِّقةً صدورهم من قتاله ومن قتال المشركين، فهم بنو مُدْلِجٍ (٣). ومعنى (يَصِلون): يَنْتَمون وينتسبون، قال الأعشى: [البحر الطويل] إذا اتصلتْ قالتْ لبكرِ بنِ وائلٍ ... وبكرٌ سَبَتْها والأنوفُ رَواغِمُ (٤) * والاستثناء مختصٌّ بالقتلِ دون المُوالاة؛ فإن موالاةَ الكافرِ لا تجوزُ بحالٍ، سواءٌ كان حربياً أو معاهداً أو منافقاً، قال الله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٢٨]، الآية، وإنما استثناهم اللهُ سبحانه لأجلِ الوفاءِ بالعهدِ والميثاق؛ كما أمر به في كتابه العزيز (٥).

стр. 884

* فإن قال قائل: فظاهرُ حكمِ الآية أن المرتدَّ إذا لجأ إلى أهلِ عهدٍ لا يُتعرَّض له، سواءٌ شُرِطَ ذلكَ في عَقْدِ الهُدْنَةِ أم لا؟ قلنا: قال أبو الحسنِ الواحديُّ والبغويُّ من الشافعية في "تفسيريهما": نهى الله سبحانه عن قتلِ هؤلاء المرتدِّين إذا اتَّصلوا بأهلِ عهد المسلمين؛ لأن من انضمَّ إلى قومٍ ذوي عهدٍ، فلهُ حكمُهم في حَقْنِ الدم (١) (٢). والمشهورُ من مذهبِ الشافعيِّ؛ حكايةُ قولين في جوازِ شرطهم تركَ من جاءهم من المسلمين مرتدًّا، والصحيحُ الجوازُ، وأما إذا لم يشترطوا (٣)، فيجب عليهم التمكينُ من رَدِّةِ لإقامة الحدِّ عليه (٤). وأما الآيةُ، فإنها محمولةٌ على أنهم لم يشرطوا ذلك كما تقدم في شرطِ الأسلميين الذين شَرَطوا دخولَ من اتصلَ بهم، أو (٥) لجأ إليهم في العهدِ والميثاقِ.

стр. 885

(من أحكام القصاص والديات) ٩٠ - (٣٢) قولهُ جَلَّ ثنَاؤه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٩٢]. * سبب نزولها ما رُوي أن عياشَ بنَ أبي ربيعةَ المَخْزوميَّ أسلمَ، فقدمَ المدينةَ، والنبيُّ ﷺ بمكةَ، فردَّه أخواه لأمه: أبو جَهْل، والحارثُ ابنا هشامٍ، ومعهما الحارثُ بنُ زيدٍ العامري، فَفَتَنَهُ أخواه حتى ارتدَّ، فعيَّرهُ الحارثُ بنُ زيدٍ، فقال له: لَئِنْ كانَ الذي كنتَ عليه هُدًى، لقد تركْتَ الهُدى، ولئن كانَ ضلالةً، لقد كنتَ عليها، فحلفَ عَيّاشٌ ليقتلنَّهُ حيثُ يلقاه، ثم عادَ مسلِماً إلى المدينة، فأسلمَ الحارثُ بنُ زيدٍ، وهاجر، فرآه عياشٌ بظاهرِ قُباء، فقتلَه، ثم عاد (١)، وهو لا يعلَمُ بإسلامه، فأخبرَ عياشٌ النبيَّ ﷺ ، فنزلت هذه الآية (٢) (٣).

стр. 886

ولا خِلافَ في أن حكمَها عامٌّ غيرُ مختصٍّ به. * فحرم اللهُ سبحانه فيها قتلَ المؤمنِ تَحْريماً مُغَلَّظاً لا يوجدُ في سائرِ المحرَّمات، فاْوجبَ الكَفَّارَةَ في خَطَئِه مع ضَمان متلفِهِ، وهو المقتولُ، وقال: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]. وهذا أمرٌ مُجْمَعٌ عليه بينَ الأمة. * وأوجبَ الشافعيُّ الكفارةَ في قتلِ العَمْدِ وشبه العَمْد؛ لأنه أولى وأحرى بالوجوب من الخطأ (١). وبه قال الزهريُّ (٢) ومالك (٣). وقال الثوريُّ (٤) ... ... ... ... ... ... ... ... ... .....

стр. 887

وأبو حنيفةَ (١) وأصحابهُ (٢): لا تجبُ الكَفَّارةُ بِقَتْلٍ غير الخَطَأ، واختارهُ ابنُ المنذر (٣). وهذا على أصلِهم من منع القياسِ في الكفاراتِ (٤)، وهو قول الباجِيِّ وابنِ القَصّار من المالكيَّة (٥). وظاهرُ الخطابِ أن وجوبَ الكَفَّارةِ والديةِ متعلِّقٌ بالقاتل، والمعنى: فعليه تحريرُ رقبةٍ مؤمنةٍ، وديةٌ مسلَّمَةٌ إلى أهله. ويحتمل أن يكونَ التقديرُ: فالواجبُ تحريرُ رقبةٍ مؤمنةٍ، وديةٌ مسلمةٌ إلى أهله. * وقد أجمع المسلمون على تَعَلُّقِ الكفارةِ بالقاتلِ وُجوباً وفِعلاً، وأما الدِّيَةُ، فقضى رسولُ الله ﷺ بوجوبها على العاقِلَةِ (٦) (٧)، وكذا فعلَ عمرُ

стр. 888

وعليٌّ (١)، ولم يخالفْهُما أحدٌ من الصحابة، فهو إجماع. ودليلُهُ مخصِّصٌ لعموِم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٢) [الإسراء: ١٥]. ولا التفاتَ إلى خلاف الأصَمِّ وابنِ عُلَيَّةَ والخوارِج في منعِ تَحَمُّلِ العاقِلَةِ، وتمسَّكوا بالآيةِ، وبالقياسِ، ولا دليلَ لهمْ معَ قِيام النصِّ والإجماع (٣). والحكمةُ في ذلك أن ديةَ المُسلم كثيرةٌ لا يطيقُها القاتلُ وحدَه إلا نادراً، ولا يمكنُ إهدارُ دمِ المقتولِ عندَ فقرِ القاتل، فكانتْ على عاقلته؛ حفظاً للدماء (٤).

стр. 889

* واختلف قولُ الشافعي في العاقِلة، هل تحملُ الديةَ ابتداءً، أو تجبُ على القاتل، ثم تحملُها العاقِلةُ، بحسبِ تقديرِ الإضْمارِ. فمن أضمرَ: (فعليهِ تحريرُ رقبةٍ مؤمنةٍ وديةٌ مسلمةٌ إلى أهله)، جعلهم مُتَحَمِّلين (١)، ومن أوجبَ عليهم ابتداءً تمسَّك بظاهرِ الحديثِ، وأضمر: (فالواجبُ تحريرُ رقبةٍ مؤمنةٍ وديةٌ مسلمة إلى أهله) (٢). * وأمر اللهُ سبحانه بتأدية الدية إلى أهله. فيجوزُ أن يريدَ بأهله أولياءه. ويجوز أن يريد به ورثَتَهُ (٣).

стр. 890

فبيَّنَ النبيُّ ﷺ أن المرادَ بأهل المقتول ورثتُه. روي أن عمرَ -رضي الله تعالى عنه- لم يُوَرِّثِ المرأةَ من ديةِ زوجِها، فقال له الضَّحّاكُ بنُ قيسٍ (١): كتبَ إليَّ رسولُ الله ﷺ أَنْ وَرِّثِ امرأةَ أَشْيَمَ الضّبابِيَّ من دية زوجِها، فرجعَ عمرُ رضي الله تعالى عنه (٢). * وعلق اللهُ سبحانه هذهِ الأحكامَ بقتلِ المؤمنِ، وأطلقه، فوقعَ على الذكرِ والأنثى، والصغيرِ والكبير، والحرِّ والعبد (٣). والحكمُ كذلكَ بإجماعِ المسلمين، إلا في العبدِ. فقال طائفةٌ من أهل الكوفة: تجبُ فيه الديةُ؛ لظاهر الآية، ولا يبلغ

стр. 891

بها ديةَ الحرِّ، بل ينقص منها شيء؛ اعتباراً بنقصانِه عن درجةِ الحُرِّ في الحَدِّ وغيره (١). وقال الشافعيُّ، ومالك، وأبو يوسفَ: تجبُ فيه القيمةُ، بالغةً ما بَلَغَتْ؛ قياساً على سائر الأموال، فقيدوا إطلاقَ الآيةِ بالقياس (٢). وقال أبو حنيفةَ: تجبُ فيه القيمةُ، ولا يُزاد بها على ديةِ الحرِّ (٣). * وبيَّن النبيُّ ﷺ أنَّ الجنينَ تجبُ فيه الديةُ، وأن ديتَهُ غُرَّةٌ؛ عَبْدٌ أو وَليدَةٌ. روى الشيخان عن أبي هريرةَ -رضي الله تعالى عنه- قال: اقتتلتِ امرأتانِ من هُذَيْلٍ، فرمَتْ إحداهُما الأخرى بحجرٍ، فقتلتها، وما في بطنها، فاختصموا إلى رسولِ الله ﷺ ، فقضى رسول الله ﷺ أن ديةَ جَنينِها غُرَّةٌ عبدٌ أو وليدةٌ (٤). * ثم بين حكمَ المؤمنِ الذي أهلُه كفار، فأوجبَ الكفارةَ بقتله، ولم يوجبِ الديةَ، سواء كانوا محارِبين أو معاهَدين، فقال: ﴿فَإِن كَانَ مِن

стр. 892

قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] , لأن الله سبحانه سكتَ عن الدية، ولم يوجبْها قبلُ. وبهذا قال الشافعيُّ، وأبو حنيفةَ (١)، والأوزاعيُّ وأبو ثورٍ (٢)؛ لأن أهلَه كفارٌ ليسوا له بأولياء. وعن مالك روايتان، والمشهورُ كمذهبِ الجماعةِ (٣). والمعروفُ من مذهبِ الشافعيّ (٤) وجوبُ ديتِه للمسلمين تُجْعَلُ في بيتِ المال (٥). * ثم بين اللهُ سبحانَه حُكْمَ الذي له ميثاقٌ، فأوجب فيه الكفارةَ والديةَ،

стр. 893

فقال: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]. ولكن الله سبحانه أطلقَ صفتَه، ولمْ يقيدْه بصفةِ الإيمان كما قيدَ غيرَه. فأخذَ جمهورُ أهل العلمِ كابنِ عباسٍ، والشعبيَّ، والنَّخَعيِّ (١) بإطلاقه (٢)، وبه قال الشافعيُّ (٣). فأوجبوا الكفارةَ في قتلِ الذَّمَّيِّ، والمعاهَد. ومنهم من قَيَّدَه بصفةِ الإيمان، وأعاد الضميرَ على المؤمنِ، ولم يوجبِ الكفارةَ في قتله، ونُسب إلى أهل الحجاز (٤). * وبين الله سبحانه أن الكفارةَ تحريرُ رقبةٍ مؤمنةٍ، فمن لم يجدْ فصيامُ شَهْرين متتابعين، ولم يَذْكُرِ الإطعامَ في حَقَّ العاجِزِ، فدلَّ على أنه لا يجب (٥).

стр. 894

وللشافعي قولٌ ضعيف أنه يجبُ إطعامُ ستينَ مسكيناً؛ قياساً على الظهار (١). * وأحكم الله سبحانه فرضَ الديةِ مُجْمَلاً، وجعل بيانَها إلى رسول الله ﷺ ، فبَّينَ أن الدية مِائةٌ من الإبلِ، وأن ديةَ المرأةِ على نصفِ ديةِ الرجل، وبيَّن أن ديةَ الجنين غُرَّة عبدٌ أو وليدَة، وأجمع المسلمون على ذلكَ (٢)، إلا ما حكي عن الأصَمّ وابن عُلَيَّةَ أنهما جعلا دِيَةَ المرأةِ كديةِ الرجلِ (٣). * واختلفوا في أهل الذمَّة: فذهب الشافعيُّ إلى أنه على الثلث من ديةِ المسلمِ، ذُكْرانُهم كذكرانهم، وإناثُهم كإناثهم (٤). وبه قال عمرُ وعثمانُ وجماعةٌ من التابعين (٥).

стр. 895

وذهبَ مالكٌ إلى أن ديتَه على النِّصْفِ من دِيَةِ المُسلم (١)، وبه قالَ عروةُ بنُ الزبيرِ وعمرُ بنُ عبدِ العزيز (٢). وذهب أبو حنيفةَ (٣) والثوريُّ (٤) إلى أن دِيَتَهُ كديةِ المسلم، وهو مروي عن عمرَ وعثمانَ أيضاً، وبه قالَ جماعةٌ من التابعين (٥). وتمسكوا في ذلك بآثارٍ. * واختلفوا في المجوسِيِّ أيضاً. فذهب الشافعيُّ ومالكٌ إلى أن ديتَه خُمْسُ ثُلُثِ ديةِ المسلم (٦)، وبه قال جماعةٌ منَ التابعين (٧).

стр. 896

وقال أبو حنيفة: ديتُه مثلُ ديةِ المسلم (١). وقال عمرُ بنُ عبدِ العزيز: هو كاليهوديَّ والنصرانيَّ، وهو النصفُ عنده (٢). واحتجَّ الشافعيةُ بأن ذلك رُوي عن عمرَ وعثمانَ وابنِ مسعود، ولم يُعْرَفْ لهم مُخَالِفٌ (٣). * وأما المعاهَدُ، فإن كان كتابياً، فهو كالذميَّ، وإن كان مجوسياً أو وثنياً، فهو كالمجوسيَّ (٤). وذهب قومٌ إلى أنه لا يجبُ في المعاهَدِ ديةٌ، إلا أن يكونَ كتابياً، فحملَ بعضُهم إطلاقَ المقتولِ في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء: ٩٢] على تقييد الإيمان في القتيلين الأوَلَيْن، فحمله على المؤمن الذي بين المعاهدين، أو المنتقلِ من المعاهدين إلى دارِ الإسلام. ومنهم من تركَه على إطلاقه، وذهبَ فيه إلى النسخ. قال (٥) ابنُ أبي أويسٍ: إن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء: ٩٢] منسوخٌ بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ

стр. 897

وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، فليس لأحد غير المسلم ديةٌ من الكفار غيرَ أهل الذمَّة؛ لأن رسولَ الله ﷺ لم يعاهدْ بعد نزول (براءة) أحداً من الناس. قال: وكانت هذه الآيةُ نزلتْ في المسلمَيْن اللَّذين قتلهما أصحابُ رسول الله ﷺ ، ثم نسخ بآية (براءة) (١). ونقل عن ابن شهابٍ عن عطاءٍ مثلُ ذلك في النسخِ والسببِ والحكمِ (٢). * إذا تمَّ هذا، فبينَ الفقهاءِ خِلافٌ في صفةِ أسنانِ الإبل (٣)، وتغليظِ الدية (٤)،

стр. 898

وتخفيفها (١)، وفي إبدالها (٢)، وتفصيلُ ذلك يطولُ، وموضعُه كتبُ الفقه. * * * ٩١ - (٣٣) قوله جَلَّ ثناؤه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣]

стр. 899

نزلت في مِقْيَسِ بنِ صبابةَ الكِنانيِّ، وقد كانَ أسلمَ هو وأخوه هشامٌ، فوجدَ أخاهُ قتيلاً في بني النجّار، فأرسلَ رسولُ الله ﷺ (١) زهيرَ بنَ عياضٍ الفهريَّ - وكانَ من المُهاجرينَ منْ أهل بدر - مع مِقْيَسٍ إلى بني النجار: أن رسولَ الله ﷺ يأمركم إن علمتُمْ قاتلَ هشامِ بنِ صبابَة أن تدفعوه إلى مقيسٍ، فيقتصَّ منه، وإن لم تعلموهُ أن تدفعوا إليه ديتَه، فقالوا: سَمْعاً وطاعةً للهِ ورسوِله، ما نعلمُ له قاتلاً، ولكنا نؤدي له ديتَه، فأعطَوْه مئة من الإبل، ثم انصرفا إلى المدينة راجعين، فتغفل مقيسٌ زهيراً، فرماه بصخرة، فشجَّه (٢)، ثم ركبَ بعيراً، وساق بقيتَها إلى مكة مرتدًّا، وقال في ذلك أبياتاً منها: [البحر الطويل] قتلتُ بهِ فهراً وحَمَّلْتَ عَقْلَهُ ... سَراةَ بني النَّجَّارِ أربابِ فارعِ فأدركتُ ثأري واضطَجَعْتُ مُوَسَّداً ... وكنتُ إلى الأوثانِ أولَ راجِعِ فنزل فيه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣]، وهو الذي استثناهُ النبي ﷺ يومَ فتحِ مكة عَمَّنْ أَمَّنَهُ، فقُتل وهو متعلقٌ بأستارِ الكعبة (٣). * وقد أجمعتِ الأمةُ على تعظيمِ شأنِ القتل؛ كما عظمه الله تعالى، ورسولُه ﷺ فهو أكبرُ الكبائرِ بعدَ الشركِ بالله تعالى. * ثم اختلفوا في توبتِه وتخليدِه في النار -نعوذ بالله الكريم من ذلك-.

стр. 900

فالمشهور عن ابن عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما - أنه: كان يقول: لا توبةَ له (١). ويقول (٢): إن آية الفرقان (٣)، وهي (٤) قولُه تعالى: ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا﴾ [الفرقان:٧٠] إلى آخرها نزلتْ في ناس من أهل الشركِ، وآيةُ النساء (٥) نزلتْ في الرجلِ إذا عرفَ الإسلامَ وشرائِعَهُ (٦).

стр. 901

وروى سعيد بنُ جبير عنه أنه قال في آية الفرقان: هذه آيةٌ مكيةٌ نسختها آيةٌ مدنيةٌ التي في "سورة النساء" (١). وروي عن زيد بن ثابتٍ - رضي الله تعالى عنه -: أنه قال: لما نزلتْ التي في الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا﴾ عَجِبْنا من لينها، فلبثنا سبعةَ أشهرٍ، ثم نزلتِ الغَليظةُ بعد اللينة، وأراد بالغليظة هذه الآية (٢). وسأل رجلٌ ابنَ عمرَ -رضي الله تعالى عنهما،- فقال: إني قتلتُ نفساً، فهل لي من توبةٍ؟ فقال له ابنُ عمرَ: أَكْثِرْ مِنْ شربِ الماءِ الباردِ. قال مالك: يريدُ أنه من أهلِ النار. ورويَ أن رجلاً سأل أبا هريرة، وابنَ عمر، وابنَ عباس -رضي الله تعالى عنهم- عن رجل قتل مؤمناً متعمداً، هل له من توبة؟ فكلهم (٣) يقول: هل تستطيع أن تحييه؟ هل تستطيع أن تبتغي نفقاً في الأرض (٤) أو سلماً في السماء (٥)؟ وبقول ابنِ عباس قالتِ المعتزلةُ (٦). وقال جمهورُ أهلِ العلمِ من الصحابةِ وغيرهم، وجميع أهل السنة: إن

стр. 902

له توبةً، وأمرُه إلى الله تعالى، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه (١). واختلفت بهم الطرقُ في الكلامِ على الآية. فمنهم من ذهبَ إلى النسخ (٢)، فقال: إنها منسوخةٌ بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠]. وروي عن عليٍّ أنها منسوخةٌ بآيتين: آيةٍ قبلَها، وآيةٍ بعدها في النظم (٣)، وهي قولُه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النساء: ٤٨] وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ إلى قوله: ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦)﴾ [النساء: ١١٦]. والقول بالنسخ بعيدٌ؛ لما سأذكره بعدُ -إن شاء الله تعالى- من عدم التعارضِ بينهما. وما روي عن عَليٍّ -رضيَ الله تعالى عنه - يجبُ حملُهُ على معنى قولِ ابنِ عمر -رضي الله تعالى عنهما -: كنا معشرَ أصحابِ رسول الله ﷺ لا نشكُّ في قاتلِ المؤمن وآكلِ مالِ اليتيمِ وشاهدِ الزورِ وقاطعِ الرحمِ حتى نزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦]، فأمسكنا عن الشهادة، يعني: الشهادة لهم بالنار (٤). ومنهم من ذهب إلى وقفِ حكمها على سَببها؛ فمن قتلَ مؤمناً متعمداً

стр. 903

مستحلاً لدمِه كمِقْيَسِ بنِ صُبابة، فهو مخلَّدٌ في النارِ إذا ماتَ على كفره، وهذا قولٌ قويٌّ حسنٌ (١). ومنهم من ذهبَ إلى التأويل، فحمل الخلودَ على طول المُقام؛ كقول الله تعالى: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣)﴾ [الهمزة: ٣]، وكقولهم: فلانٌ خالدٌ في السجن: إذا طالَ مُقامُهُ فيه (٢)، وهذا القولُ باطلٌ؛ لأنه يقتضي أنه لابدَّ من دخولهِ النار، ثم يطولُ مُقامهُ، ثم يخرجُ منها، وهذا لم يقلْ به أحدٌ من الفريقين. وقال جمهورُهم: تأويلُه: فَجَزاؤه ذلكَ إنْ جازاه، رواه عاصمُ بنُ أبي النجودِ عن ابنِ جبيرٍ عن ابنِ عباس- رضي الله تعالى عنهما - (٣): أنّه قال: هو جزاؤه إن جازاه (٤). وروي عن ابن سيرينَ عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - عن النبي ﷺ أنه قال في الآية: "هو جزاؤه إن جازاه" (٥).

стр. 904

وقال بهذا التأويل إبراهيم التيميُّ، وعَوْنُ بنُ عبدِ الله، وبَكْرُ بن عبد الله، وغيرُهم (١). وقد قال من اعتقد هذا: إن الله إذا وعد بالحسنى، وعدَ ولم يخلف، وإذا وعدَ بالعذابِ، جازَ أن يعفوَ (٢). ويشهد لهذا (٣) ما روى ثابتٌ البُنانيُّ، عن أنسِ بنِ مالكٍ -رضي الله تعالى عنه- أن رسولَ الله ﷺ قال: "من وَعَدَهُ اللهُ على عملهِ ثواباً، فهو مُنْجِزُهُ له، ومن وَعَدَهُ على عَمَلِهِ عِقاباً، فَهُوَ فيهِ بالخِيارِ" (٤). وهذا هو الوجهُ المختارُ عندي في الجمعِ بين الآياتِ المتعارِضَةِ الواردِة في القتلِ، وبيانُ صفةِ الجَمْعِ أن نقول: إن قوله تعالى: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣] مُطْلَقٌ في الأحوال. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [مريم: ٦٠] مقيِّدٌ لآية

стр. 905

النساء، ويجوزُ تقييدها بها، وإن كانتْ متقدمةً في النزول عليها (١). ولهذا قال مجاهدٌ: فجزاؤه جهنمُ خالداً فيها، إلا أن يتوبَ، لكن قولَهُ يقتضي أنه إذا لم يتبْ كان خالداً في النار، وليسَ الأمرُ كذلك عندَ أهلِ السنةِ (٢). والأولى أن يقيدَ إطلاقُها بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦]؛ فإنه سبحانه لم يقيدْ غفرانَه بالتوبة، وإنما قَيَّدَهُ بمشيئته سبحانه، ويكون المعنى: (فجزاؤه جهنم خالداً فيها إنْ جازاه، إلا أن يغفر اللهُ له)، فتعين حَمْلُ الآية على ما أَوَّلَها به السلفُ الصالحُ - رضي الله تعالى عنهم (٣) -. فإن قال قائل: فهلا خَصَصْتُمْ عمومَ قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ بقوله تعالى: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾، ويكون المعنى: ويغفرُ ما دونَ ذلك لمن يشاء، إلا أن يكونَ قاتلاً متعمِّداً؛ فإنه لا يَغْفِرُ له، وتكون آيةُ القتلِ بياناً منه سبحانه أنه لم يشأ المغفرة له. قلنا: إنما قيدنا آيهَ القتل بآية المغفرة؛ لوجوه دلَّت على ذلك: أحدها: قوةُ دلالتها وبُعْدُها من التأويل؛ فإنها جمعتْ في دَلالتها بين

стр. 906

دَلالةِ المَفهوم والمنطوق، فقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ يقتضي بمفهومه أن الله سبحانه يَغْفِرُ لمنْ لا يشركُ به، فهو كافٍ في دلالة التقييد، فزاده تأكيداً وبياناً، فقال: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. وثانيها: تظاهرُ الآياتِ والأحاديثِ المؤكدة بحكمها الواردة بمعناها؛ كقول الله ﷻ : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ [الأنبياء: ٩٤]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. ولا ينبغي أن يُذْهِبَ إثمُ القتلِ أجرَ الإيمانِ والتوحيد، وإلا لكانَ السيئاتُ يذهبْنَ الحسناتِ، والحسناتُ لا يذهبْنَ السيئاتِ، وذلك مخالف لنصَّ القرآن العزيز. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ (١) [الزلزلة: ٧ - ٨]. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "من لقِيَ اللهَ لا يُشْرِكُ بهِ شيئاً، لَمْ تَضُرَّهُ معهُ خَطيئةٌ، ومن لقيهُ يشركُ به شيئاً، لم ينفعْهُ معهُ حسنةٌ" (٢). وروى جابر بن عبد الله -رضي الله تعالى عنهما -: أن رجلاً أتى النبيَّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله! ما الموجبتان - فقال: "مَنْ ماتَ لا يُشْرِكُ باللهِ شَيْئاً، وَجَبَتْ لهُ الجَنةُ، ومَنْ ماتَ يُشْرِكُ باللهِ شَيْئاً، وجَبَتْ لهُ النارُ" (٣).

стр. 907

ويروي عُبادةُ بنُ الصامِتِ - رضي الله تعالى عنه -: أن رسولَ الله ﷺ قال- وحوله عصابةٌ من أصحابه -: "بايِعوني على ألاّ تُشْرِكوا باللهِ شيئاً، ولا تَسْرِقوا، ولا تَزْنوا، ولا تَقْتُلوا أولادَكم، ولا تأتوا ببهتانٍ تَفْتَرونَهُ بينَ أَيْديكُم وأَرْجَلِكُم، ولا تَعْصوا في معروفٍ، فَمَنْ وفَى منكم، فأجرُه على الله، ومن أصابَ من ذلكَ شيئاً، فعوقبَ به (١) في الدنيا، فهو كفَّارَةٌ له، ومن أصابَ من ذلكَ شيئاً، ثم سَتَرَهُ اللهُ، فهو إلى الله، إن شاءَ عَفَا عنه (٢)، وإن شاءَ عاقَبَهُ"، فبايعناه على ذلك (٣). وقال ابنُ عمر - رضي الله تعالى عنهما -: كنا معشرَ أصحابِ رسول الله ﷺ لا نشكُّ في قاتلِ المؤمنِ، وآكلِ مالِ اليتيم، وشاهدِ الزورِ، وقاطعِ الرحم، حتى نزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦]، فأمسكنا عن الشهادة (٤)، يعني: الشهادة لهم بالنار. وثالثها: دلالةُ الإجماعِ في نظائِرها على جوازِ التوبة منها؛ كالفرارِ من الزحف، والتعدِّي في المواريث. قال الله سبحانه في الفرار من الزحف: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ﴾ [الأنفال: ١٦].

стр. 908

وقال تعالى في المواريث: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى أن قال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: ١٣ - ١٤]. فقد توعَّدَ الموليَّ يومَ الزحف بأَنَّ مأواهُ جهنمُ، والمتعديَ في حدوده بالخلود في النار. وقد أجمعَ المسلمون على قَبول توبتِهم، فوجبَ بهذهِ الأدلَّةِ القضاءُ بآية المغفرةِ على آية العذاب. قال قريشُ بنُ أَنسٍ: كنتُ عندَ عَمُرِو بْنِ عُبَيْدٍ في بيته، فأنشأَ يقولُ: يؤتى بي يومَ القيامة، فأُقامُ بين يَدَي الله، فيقول: قلت: إن القاتلَ في النارِ، فأقول: أنتَ قلتَ، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣]، حتى فرغ منها، فقلتُ له -وما في البيت أصغرُ مني-: أرأيتَ إن قالَ لكَ: فإني قلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ (١١٦)﴾ [النساء: ١١٦] من أين علمتَ أني لا أشاءُ أن أغفرَ لهذا؟ قال: فما استطاعَ أن يردَّ عليَّ شيئاً (١). وأما ما روي عن ابن عباسٍ وغيرهِ من السَّلَفِ -رضي الله تعالى عنهم - من قولهم: لا توبةَ للقاتلِ، فمحمولٌ على التغليظِ وتنفيرِ الناس من هذِه الكبيِرةُ؛ فإن الأولى لأهل الفَتْوى سلوكَ سبيلِ التغليظِ، ولا سيَّما في القتل. يدلُّ على ذلك ما روي: أن سفيانَ بنَ عُيَيْنةَ سُئِلَ عن توبةِ القاتل،

стр. 909

فقال: كان أهل العلم إذا سئلوا، قالوا: لا توبة له، وإذا ابتليَ الرجل، قالوا له: تُبْ (١). وما روي عن عطاءٍ، عنِ ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما -: أن رجلاً سأله: ألقاتلِ المؤمنِ توبةٌ؟ فقال: لا، وسألهُ آخَرُ: ألقاتلِ المؤمن توبة؟ قال: نعم، فقيل له: قلت لذلك توبة، ولذلك لا توبةَ له، قال: جاءني ذلك، ولم يكنْ قتلَ، فقلت له: لا توبة لك؛ لكيلا يقتل، وجاءني هذا، وقد قَتلَ، فقلت له (٢): لكَ توبةٌ؛ لكيلا يلقيَ بيدهِ إلى التهلكة (٣). وروي عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما -: أنه قال: دعا اللهُ -جَلَّ ذكرُه- إلى المغفرةِ مَنْ زعَمَ أَنَّ عُزَيْراً ابنُ الله، ومن زعمَ أنَّ الله فقيرٌ، ومن زعم أن يدَ الله مغلولةٌ، ومن زعم أن اللهَ ثالثُ ثلاثة، يقول الله سبحانه لهؤلاء: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾ [المائدة: ٧٤]؟ قال: وقد دعا إلى توبةِ مَنْ هو أعظمُ جُرْماً من هؤلاء، مَنْ قالَ: أنا رَبُّكُمُ الأَعْلى، ومَنْ قال: ما علمتُ لكمْ من إله غيري، قال: ومن أيَّسَ العِبادَ مِن التوبةِ، فقد جَحَدَ كِتابَ الله، ومن تابَ إلى الله، تابَ الله

стр. 910

عليه، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨)﴾ (١) [التوبة: ١١٨]. قال ابنُ عباسٍ: فكما لا ينفعُ مع الشركِ إحسانٌ، كذلكَ نرجو أن اللهَ يغفرُ ذنوب المُوَحِّدين (٢). فإن قالَ قائل: فقد رويتُم النسخَ بآيةِ القتل (٣) لآية الفرقانِ (٤) عن ابنِ عباسٍ وزيدِ بن ثابتٍ رضي الله تعالى عنهم (٥). قلنا: أما قولُ زيدِ بنِ ثابتٍ، فمحمولٌ على أن الغليظة نسخت من اللينة، ليَّنَها الهنيء (٦) الذي لا نَكَدَ (٧) فيه، وأما حكمُها فلم تنسخه. وأما ابنُ عباس، فلم يقلْ بالنسخِ، وإنما حَمَل آيةَ الفرقانِ على المشركين، وحمل آيةَ النساءِ على المؤمنِ الذي التزمَ أحكامَ المؤمنين. وأما روايةُ سعيدِ بنِ جبير عن ابن عباس: أن هذه مكيةٌ، وتلكَ مدنيةٌ نسختها (٨).

стр. 911

فلعل قوله: نسختها، زيادةٌ من بعضِ الرواةِ عن ابن جبيرٍ. فالمشهورُ من روايةِ ابن جُبيرٍ ما ذكره البخاريُّ في "جامعه" عن ابن جُبَيرٍ قال: آية اختلفَ فيها أهلُ الكوفةِ، فرحلتُ فيها إلى ابنِ عباسٍ، فسألتُه عنها، فقال: نزلتْ هذه الآيةُ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء:٩٣]، هي آخر ما نزلَ، فما نسخَها شيء (١). وهذا ينفي أن تكونَ منسوخةً، ولا يثبتُ أن تكونَ ناسخة لآية الفرقان. وهو وإن صحَّ عنه، فليس على توقيفه عن النبي ﷺ دليلٌ، وإنما قالهُ ابنُ عباسٍ باجتهادِه، واستدلَّ بتأخُّرِ نزولِ آية النساء، وقد قامتِ الأدلةُ التي قدمتُها عندَ غيره على إحكام الآيتين، وأنه (٢) لا معارضة بينهما. وأنكر مَكَيُّ بنُ أبي طالب إمكانَ النسخِ في الآيتين؛ لأنهما خبرٌ من الله سبحانه عن حكمِه، وحكمُهُ يستحيلُ فيه النسخُ؛ لإفضائه إلى الكذبِ (٣). وهذا غَفْلَة منه؛ فإن الآيتين لَفْظُهُما لفظُ الخَبَرِ، ومعناهُما الحُكْمُ الذي يجوزُ وقوعُه على وجهينِ من التخليدِ وعدمِ التخليدِ، وكلُّ ما جازَ وقوعُهُ على وجهين، جاز الحكمُ بنسخِه، ولأنه لو كانَ الأمرُ على ما ذكر، لما جازَ

стр. 912

الغفرانُ عن الفرارِ من الزحفِ وأمثالهِ إذا لم يتبْ، وهذا لا يقولُهُ أحدٌ من أهل السُّنَّة. وجميعُ ما مضى في حكم اللهِ سبحانه في الدارِ الآخرة، وأما أحكامُ الله عليه في دارِ الدنيا، فإنه يجبُ عليهِ القصاصُ. * وهل تجبُ عليه الديةُ مع القصاص، أو لا تجب إلا برضاه واختياره؟ فيه خلافٌ سبقَ ذكرُه في سورة البقرة. * ومتى وجبتْ عليه الديةُ، وجبت عليهِ حالَّةٌ مُغَلَّظَةٌ، ولا تحملُ العاقلة منها شيئاً (١). * واختلفوا في وجوبِ الكَفَّارةِ عليه، وقد مضى ذكرُ ذلك. * إذا تقرَّرَ هذا، فقد قسمَ اللهُ سبحانه القَتْلَ إلى خَطَأٍ وعَمْدٍ، وذلكَ إجماعٌ. * واختلفَ أهلُ العلمِ هل بينَ العَمْدِ والخَطَأِ وَسَطٌ، أو لا؟ - فذهب جمهورُ فقهاءِ الأمصارِ إلى أن بينَهما وسَطاً يُسَمَّى شِبْهَ العَمْدِ، فلم يوجبوا فيه القِصاص (٢). - وذهبَ مالكٌ والليثُ إلى أنه لا واسطةَ بينَ القصدِ إلى القتلِ وعدمِ القصد، كما لا واسطةَ بينَ القيامِ والقُعودِ، فأوجبَ فيه القصاص (٣).

стр. 913

واحتجَّ الجمهورُ بأن عمرَ، وعثمانَ، وعليًّا، وزيدَ بن ثَابِتٍ -رضي الله تعالى عنهم -، وأبا موسى، والمغيرةَ بنَ شعبةَ -رضي الله تعالى عنهم - قالوا بإثبات ذلك، ولم يخالفْهُم منَ الصحابةِ أحدٌ، فكان إجماعاً فيه، أو كالإجماعِ (١). ومما رويَ أن النبيَّ ﷺ قال: "ألا إنَّ في قتيل الخطأ بالسَّوْطِ والعَصا مِئةً من الإبل مُغَلَّظَةً، منها أربعونَ خَلِفَةً" (٢)، إلا أنه حديثٌ مضطربٌ عندَ أهلِ

стр. 914

الحديث، لا يثبتُ من جهةِ الإسناد، وإن كان أبو داودَ قد خرجه، قاله ابنُ عبدِ البَرِّ (١). واحتجَّ الجمهورُ من طريقِ النظرِ بأنَ العَمْدَ هو القَصْدُ، والنيةُ لا يطَّلعُ عليها إلا اللهُ تعالى، وإنما الحكمُ بما ظهرَ. * فمن قصدَ ضرب أحدٍ بآلةٍ تَقْتلُ غالِباً، كان عامِداً، ومن قَصَدَ ضربَ رجلٍ بعينه بآلةٍ لا تقتلُ غالباً، كانَ حكمُه متردداً بينَ العمدِ والخطأ في حَقِّنا، لا في حقيقةِ الأمر عند الله سبحانه. * ثم اختلفَ الذين قالوا به في حقيقته. فقال أبو حنيفة: كلُّ ما عدا الحديدِ من القصبِ والنارِ والحجرِ، فهو شبهُ العمد (٢). وقال أبو يوسفَ: شبهُ العَمْدِ ما لا يَقْتلُ مثلُه (٣). وقال الشافعيُّ: هو ما كان عَمْداً في الفِعْل، خَطَأً في القتلِ، أي: لم يقصدْ به القتلَ، فتولد عنه القتلُ، والخطأُ ما كان خَطَأً فيهما، والعَمْدُ ما كانَ عَمْداً فيهما (٤). وهذا تحقيقٌ حسن، فالحنفيةُ نظروا إلى الآلةِ التي حَصلَ بها القتلُ، والشافعيُّ نظرَ إلى الآلةِ والأحوالِ التي كانَ من أجِلها القتلُ، ولكُلٍّ متمسَّكٌ

стр. 915

من الحديثِ والقياس، وموضعُهُ كتبُ الفقه والخلاف. * * * ٩٢ - (٣٤) قوله جَلَّ ثنَاؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)﴾ [النساء: ٩٤] * أمرَ اللهُ سبحاَنُه الغُزاة في سبيلهِ أَنْ يَتبَيَّنوا، أي: يتأنَّوا، ويتعرَّفوا، قال الأعشى: [البحر المتقارب] تَبَيَّنَ ثُمَّ لرْعَوَى أو قَدِمْ (١) * وبين النبيُّ ﷺ صفةَ التبيُّنِ بفِعْله وقولِه، فكان إذا غزا قوماً، فإنْ سمعَ أَذاناً، كَفَّ عنهم، وإن لم يسمعْ، أغارَ عليهم (٢). وروي أنهُ ﷺ كانَ إذا بعثَ سَرِيِّةً قال: "إذا رأيْتُمْ مَسجِداً، أو سمِعْتُمْ مُؤَذِّناً، فلا تَقْتُلوا أحداً" (٣).
следующие страницы →