← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 14827

تيسير البيان لأحكام القرآن

ابن نور الدين

Полный текст (1 649 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

فلعل قوله: نسختها، زيادةٌ من بعضِ الرواةِ عن ابن جبيرٍ. فالمشهورُ من روايةِ ابن جُبيرٍ ما ذكره البخاريُّ في "جامعه" عن ابن جُبَيرٍ قال: آية اختلفَ فيها أهلُ الكوفةِ، فرحلتُ فيها إلى ابنِ عباسٍ، فسألتُه عنها، فقال: نزلتْ هذه الآيةُ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء:٩٣]، هي آخر ما نزلَ، فما نسخَها شيء (١). وهذا ينفي أن تكونَ منسوخةً، ولا يثبتُ أن تكونَ ناسخة لآية الفرقان. وهو وإن صحَّ عنه، فليس على توقيفه عن النبي ﷺ دليلٌ، وإنما قالهُ ابنُ عباسٍ باجتهادِه، واستدلَّ بتأخُّرِ نزولِ آية النساء، وقد قامتِ الأدلةُ التي قدمتُها عندَ غيره على إحكام الآيتين، وأنه (٢) لا معارضة بينهما. وأنكر مَكَيُّ بنُ أبي طالب إمكانَ النسخِ في الآيتين؛ لأنهما خبرٌ من الله سبحانه عن حكمِه، وحكمُهُ يستحيلُ فيه النسخُ؛ لإفضائه إلى الكذبِ (٣). وهذا غَفْلَة منه؛ فإن الآيتين لَفْظُهُما لفظُ الخَبَرِ، ومعناهُما الحُكْمُ الذي يجوزُ وقوعُه على وجهينِ من التخليدِ وعدمِ التخليدِ، وكلُّ ما جازَ وقوعُهُ على وجهين، جاز الحكمُ بنسخِه، ولأنه لو كانَ الأمرُ على ما ذكر، لما جازَ

стр. 912

الغفرانُ عن الفرارِ من الزحفِ وأمثالهِ إذا لم يتبْ، وهذا لا يقولُهُ أحدٌ من أهل السُّنَّة. وجميعُ ما مضى في حكم اللهِ سبحانه في الدارِ الآخرة، وأما أحكامُ الله عليه في دارِ الدنيا، فإنه يجبُ عليهِ القصاصُ. * وهل تجبُ عليه الديةُ مع القصاص، أو لا تجب إلا برضاه واختياره؟ فيه خلافٌ سبقَ ذكرُه في سورة البقرة. * ومتى وجبتْ عليه الديةُ، وجبت عليهِ حالَّةٌ مُغَلَّظَةٌ، ولا تحملُ العاقلة منها شيئاً (١). * واختلفوا في وجوبِ الكَفَّارةِ عليه، وقد مضى ذكرُ ذلك. * إذا تقرَّرَ هذا، فقد قسمَ اللهُ سبحانه القَتْلَ إلى خَطَأٍ وعَمْدٍ، وذلكَ إجماعٌ. * واختلفَ أهلُ العلمِ هل بينَ العَمْدِ والخَطَأِ وَسَطٌ، أو لا؟ - فذهب جمهورُ فقهاءِ الأمصارِ إلى أن بينَهما وسَطاً يُسَمَّى شِبْهَ العَمْدِ، فلم يوجبوا فيه القِصاص (٢). - وذهبَ مالكٌ والليثُ إلى أنه لا واسطةَ بينَ القصدِ إلى القتلِ وعدمِ القصد، كما لا واسطةَ بينَ القيامِ والقُعودِ، فأوجبَ فيه القصاص (٣).

стр. 913

واحتجَّ الجمهورُ بأن عمرَ، وعثمانَ، وعليًّا، وزيدَ بن ثَابِتٍ -رضي الله تعالى عنهم -، وأبا موسى، والمغيرةَ بنَ شعبةَ -رضي الله تعالى عنهم - قالوا بإثبات ذلك، ولم يخالفْهُم منَ الصحابةِ أحدٌ، فكان إجماعاً فيه، أو كالإجماعِ (١). ومما رويَ أن النبيَّ ﷺ قال: "ألا إنَّ في قتيل الخطأ بالسَّوْطِ والعَصا مِئةً من الإبل مُغَلَّظَةً، منها أربعونَ خَلِفَةً" (٢)، إلا أنه حديثٌ مضطربٌ عندَ أهلِ

стр. 914

الحديث، لا يثبتُ من جهةِ الإسناد، وإن كان أبو داودَ قد خرجه، قاله ابنُ عبدِ البَرِّ (١). واحتجَّ الجمهورُ من طريقِ النظرِ بأنَ العَمْدَ هو القَصْدُ، والنيةُ لا يطَّلعُ عليها إلا اللهُ تعالى، وإنما الحكمُ بما ظهرَ. * فمن قصدَ ضرب أحدٍ بآلةٍ تَقْتلُ غالِباً، كان عامِداً، ومن قَصَدَ ضربَ رجلٍ بعينه بآلةٍ لا تقتلُ غالباً، كانَ حكمُه متردداً بينَ العمدِ والخطأ في حَقِّنا، لا في حقيقةِ الأمر عند الله سبحانه. * ثم اختلفَ الذين قالوا به في حقيقته. فقال أبو حنيفة: كلُّ ما عدا الحديدِ من القصبِ والنارِ والحجرِ، فهو شبهُ العمد (٢). وقال أبو يوسفَ: شبهُ العَمْدِ ما لا يَقْتلُ مثلُه (٣). وقال الشافعيُّ: هو ما كان عَمْداً في الفِعْل، خَطَأً في القتلِ، أي: لم يقصدْ به القتلَ، فتولد عنه القتلُ، والخطأُ ما كان خَطَأً فيهما، والعَمْدُ ما كانَ عَمْداً فيهما (٤). وهذا تحقيقٌ حسن، فالحنفيةُ نظروا إلى الآلةِ التي حَصلَ بها القتلُ، والشافعيُّ نظرَ إلى الآلةِ والأحوالِ التي كانَ من أجِلها القتلُ، ولكُلٍّ متمسَّكٌ

стр. 915

من الحديثِ والقياس، وموضعُهُ كتبُ الفقه والخلاف. * * * ٩٢ - (٣٤) قوله جَلَّ ثنَاؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)﴾ [النساء: ٩٤] * أمرَ اللهُ سبحاَنُه الغُزاة في سبيلهِ أَنْ يَتبَيَّنوا، أي: يتأنَّوا، ويتعرَّفوا، قال الأعشى: [البحر المتقارب] تَبَيَّنَ ثُمَّ لرْعَوَى أو قَدِمْ (١) * وبين النبيُّ ﷺ صفةَ التبيُّنِ بفِعْله وقولِه، فكان إذا غزا قوماً، فإنْ سمعَ أَذاناً، كَفَّ عنهم، وإن لم يسمعْ، أغارَ عليهم (٢). وروي أنهُ ﷺ كانَ إذا بعثَ سَرِيِّةً قال: "إذا رأيْتُمْ مَسجِداً، أو سمِعْتُمْ مُؤَذِّناً، فلا تَقْتُلوا أحداً" (٣).

стр. 916

فمتى رأى الغزاةُ شِعارَ الإسلامِ في حيٍّ أو بلدٍ، وجبَ عليهمُ الكَفُّ عنهم؛ كما فعل رسول الله ﷺ . * ثم بين صِفَةَ التبيُّنِ في الذين لم تبلغْهُمُ الدعوةُ، أو بلغتْهُم ولم يَبْلُغْهم إنزالُ الحَرْبِ بهم، فكانَ إذا بعثَ سرية قال لأميرها: "إذا لقيتَ عَدُوَّكَ من المُشركين، فادْعُهُمْ إلى ثلاثِ خصال - أو: خِلالِ - فأيتهنَّ أجابوكَ، فاقبلْ منهم، وكُفَّ عنهم، ادْعُهُم إلى الإسلامِ، فإنْ أجابوكَ، فاقبلْ منهم، وكُفَّ عنهم، ثم ادْعُهم إلى التَّحَوُّلِ عن دارِهم إلى دارِ المُهاجرين، وأَعْلِمْهم أنهم إن فَعَلوا ذلكَ أَنَّ لهم ما لِلْمُهاجِرين، وأَنَّ عليهم ما على المُهاجرين، فإنْ أَبَوا، واختاروا دارَهم، فأعلمْهم أنهم يكونونَ كأعرابِ المُسلمين، يجري عليهم حكمُ الله الذي يَجْري على المؤمنين، ولا يكونُ لهم في الفَيْءِ والغَنيمَةِ نصيبٌ، إِلَّا أن يُجاهِدوا مع المُسلمين، فإن هُمْ أَبَوا، فادْعُهُم إلى إعطاءِ الجِزْيَةِ، فإنْ همْ أَجابُوا، فاقبلْ منهمْ، وكُفَّ عنهم، وإن أَبَوا، فاسْتَعِنْ باللهِ، وقاتِلْهم" (١). فمتى وقع الغزاةُ إلى قومٍ لم تبلغْهُم الدعوةُ، فعلوا بهم ما أمرَ النبيُّ ﷺ . * فإن قال قائل: فقد ثبتَ أنه ﷺ كان يُبَّيتُ العدوّ (٢) على بني المُصْطَلِقِ وهمْ غازُّون (٣).

стр. 917

قلنا: اختلفَ أهلُ العلمِ في ذلكَ على ثلاثةِ مذاهبَ. - منهم من ذهبَ إلى الجَمْعِ، وهمُ الجمهورُ، فحملَ أمر النبيِّ ﷺ بالدعاءِ لهم إلى الثلاث الخِصال على الاستحباب، وحَمَلَ فعلَه على الجواز، والحكمُ عندَهُ أنه لا يَجِبُ تكرارُ الدعوةِ إلى المشركين بعدَ بلوغِها إليهم، ولكنها تستحبُّ (١). - ومنهم من ذهبَ إلى التعارضِ، فذهب جمهورُهم إلى النسخ، فقال: إنَّ فِعْلَهُ ناسخٌ لقوله، وإن ذلك إنما كانَ في أولِ الإسلامِ قبلَ أن تنتشر الدعوةُ، والحكمُ عندهم: أنه لا يجبُ تكرارُ الدعوةِ، ولا يستحبُّ. - وذهبَ بعضُهم إلى الترجيح، فرجَّحَ قولَه على فعلهِ ﷺ ، فأوجبَ تكرارَ الدعوة (٢). ولو جُمعَ بين الحديثين بان قولَه في الذين لم يتحققْ منهمُ العِناد، وفِعْلَهُ في الذين قد علمَ منهم مَحْضَ العِناد، لكان أولى وأحسن (٣)، ولم أقفْ عليه لأحدٍ (٤).

стр. 918

* وحرم الله سبحانه قتلَ الرجلِ إذا أظهرَ الإسلامَ، وان غلَب على الظَّنِّ أنه فَعَلَهُ تَقِيّهً، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا (٩٤)﴾ [النساء: ٩٤]. وسببُ نزولها ما رواهُ البخاريُّ عن عطاءٍ عن ابن عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما - قال: كان رجلٌ في غُنَيْمَةٍ لَهُ، فلحقه المُسلمون، فقال: السلامُ عليكم، فقتلوهُ، وأخذوا غُنَيْمَتهُ، فأنزل اللهُ إلى قوله: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (٩٤)﴾ (١) [النساء: ٩٤]. وقال ابنُ عباسٍ أيضًا - في رواية أبي صالح: - نزلت هذه في رجلٍ من بني مُرَّةَ بنِ عوف، يقال له: مِرْداسُ بنُ نَهيك، وكانَ من أهلِ فَدَكَ، وكان مُسْلمًا لم يُسْلِمْ من قومِه غيرُه، فسمعوا بِسَريَّةٍ لرسولِ الله ﷺ تريدُهم، وكانَ على السريةِ رجلٌ يقالُ له: غالبُ بنُ فَضالةَ الليثيُّ، فهربوا، وأقامَ الرجلُ؛ لأنه كانَ على دين المسلمين، فلما رأى الخيلَ، خاف أن يكونوا من غيرِ أصحابِ رسولِ الله ﷺ ، فألجأَ غَنَمَهُ إلى عاقولٍ (٢) من الجبلِ، وصَعِد هو إلى الجبل، فلما تلاحقتِ الخيلُ، سمعهم يكبِّرون، فلما سمعَ التكبيرَ، عرفَ أنهم من أصحابِ رسولِ الله ﷺ ، كَبَّرَ ونزلَ وهو يقولُ: لا إلَه إلا اللهُ محمدٌ رسولُ اللهِ، السلامُ عليكم، فتغشَّاهُ أسامةُ بنُ زيدٍ فقتله، واستاقَ غَنَمَهُ، ثم رَجَعوا إلى رسولِ الله ﷺ ، فأخبروه، فَوَجَدَ رسولُ الله ﷺ من ذلك وَجْداً شديداً، وقد كانَ سبقَهم قبل ذلك الخبرُ، فقال رسولُ ﷺ : "قَتَلْتُموهُ إرادَةَ ما مَعَهُ! "، ثم قرأ هذه الآيةَ على

стр. 919

أسامةَ بنِ زيدٍ، فقال: يا رسول الله! استغفر لي، فقال: "فكيفَ بلا إلهَ إلا اللهُ؟ "، فقالها رسول الله ﷺ ثلاثَ مراتٍ، فقال أسامةُ: فما زال رسولُ الله ﷺ يعيدُها حتى وَدِدْتُ أني (١) لمْ أكنْ أسلمتُ إلا يَوْمَئِذٍ، ثم إن رسولَ الله ﷺ استغفرَ لي بعدُ ثلاثَ مراتٍ، وقالَ: "أَعْتِقْ رَقَتة" (٢). وروى أبو ظبيانَ عن أسامةَ قال: قلتُ: يا رسولَ الله! إنما قالها خوفاً منَ السلاح، قال: "أَفَلا شَقَقْتَ عن قلبِه حتى تعلَم أَقالها أم لا؟ " (٣). والسَّلاَمُ والسَّلَمُ بمعنى، وهو تحيةُ الإسلام. فإن قيل: فما حكمُ القاتلِ اليومَ إذا فعلَ مثل هذا؟. قلنا: يقتلُ قِصاصاً. فإن قيل: فلمَ لمْ يقتلِ النبيُّ ﷺ أسامةَ بنَ زيدٍ وغيرَهُ؟ قلنا: إنما قتلَهُ أسامةُ متأوِّلًا، فظنَّ أنهُ قالَها تَقيَّةً، وكانَ هذا التأويلُ منه في صَدْرِ الإسلامِ، قبل أن تَسْتَقِرَّ الشريعةُ وتنتشرَ (٤). * * *

стр. 920

٩٣ - (٣٥) قولُه : ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥)﴾ [النساء: ٩٥]. * فيها دليلٌ على أن الجهادَ يسقطُ عن أولي الضررِ، معَ بقاءِ فضل المُجاهدين لهم إذا نَوَوُا الجِهاد لو كانوا سالِمين من الضرَرِ (١). * وفيها دليل على أن الجِهاد لا يجبُ على جميعِ أعيان المُسلمين (٢)؛ إذ قدْ (٣) وعدَ اللهُ القاعدين بالحُسْنى كما وعدَ المجاهدين (٤) (٥). * * * ٩٤ - (٣٦) قولُه عَزَّ جَلَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٩٧ - ٩٨]. قد تقدَّم الكلُام على حكمِهما في الهِجْرَةِ.

стр. 921

تيسير البيان لأحكام القرآن تأليف الإمام الفقيه الموزعي محمد بن علي بن عبد الله بن إبراهيم بن الخطيب اليمني الشافعي المشهور بـ «ابن نور الدين» (المتوفى سنة ٨٢٥ هـ) - رحمه الله تعالى - بعناية عبد المعين الحرش [المجلد الثالث]

стр. 922

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 923

تَيْسِيْرُ البَيَانِ لِأَحْكَامِ القُرْآنِ [٣]

стр. 924

جَمِيعُ الحقُوُقِ مَحْفُوظَة الطَّبْعَةُ الأُولَى ١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م ردمك: ٣ - ٤١ - ٤٥٩ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨: ISBN دَارُ النَّوادِرِ سورية - لبنان - الكويت مُؤسَّسة دَار النَّوادِرِ م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوادِر الكُوَيْتِيَة ذ. م. م - الكُوَيْت سورية - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ - هَاتِف: ٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١) لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٥١٨٠ - هَاتِف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١) الكويت - الصالحية - برج السَّحَاب - ص. ب: ٤٣١٦ حَولي - الرَّمْز البريدي: ٣٢٠٤٦ هَاتِف: ٢٢٢٧٣٧٢٥ - فاكس: ٢٢٢٧٣٧٢٦ (٠٠٩٦٥) www.daralnawader.com into@daralnawader.com أسَّسَهَا سَنَة: ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٦ م نُورُ الدِّيْن طَالِب المُدِير العَام وَالرَّئيسْ التَّنفِيْذِي

стр. 925

(من أحكام الصلاة) ٩٦ - ٩٥ (٣٧ - ٣٨) قولُه : ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١) وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٠١] * رحمَ اللهُ سبحانه عبادَه المؤمنين، فرفعَ عنهم الجُناح في تركِ إتمامِ الصلاةِ، فرخَّصَ لهم في قَصْرِها في السَّفَرِ إذا كانوا خائفين، فقال: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١]. وبين النبيُّ ﷺ ذلك كما شرعَهُ الله، فقصَرَ في السفرِ في الخوفِ، وهذا إجماعٌ من المسلمين. * واختلف الناسُ في شَرْطِ الخَوْفِ، هل جيءَ به للتعليقِ، أو للتغليب. فاخذ قومٌ بظاهرِه، واعتقدوهُ للتغليبِ؟ واختلفتْ بهم الطرقُ. - فذهب عطاءٌ، وطاوسٌ، والحَسَنُ، ومجاهدٌ، والضَّحّاكُ، وإسحاقُ

стр. 926

إلى أنه يجوزُ القَصْرُ في السفرِ في الخَوْفِ إلى رَكْعَةٍ، وأما رَكْعَتا المسافرِ فليستا مَقْصورَتين، بل هيَ أصلُ فريضةِ السفر (١). ويروى هذا القولُ عن جابرٍ، وكعبٍ، وابن عمرَ -رضي الله تعالى عنهم (٢) -، وفعلهُ حُذيفةُ بِطَبَرِسْتانَ، وهي صلاة رسولِ الله ﷺ بذي قَرَدٍ كما سيأتي. فإن صحَّ عن النبي ﷺ أنه قَصَرَ الصلاةَ في السفرِ في الخوف إلى ركعة، فهو مذهبٌ قويٌّ نذهبهُ ونختارُه (٣)، وإن لم يثبتْ عنه ﷺ ، فهو مردودٌ؛ لأنه لا بُدَّ أن يكونَ للنبيَّ مع كتاب الله سُنَّة تبينُه كما فرضَ الله تعالى ذلك عليه. ويدلُّ له ما خرَّجَهُ مسلمٌ عن بكيرِ بنِ الأخنسِ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما - قال: فرضَ اللهُ تعالى الصلاةَ على لسانِ نبيكم في الحَضَرِ أربعاً، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف رَكْعَة (٤). وتأويله بعيدٌ (٥).

стр. 927

لكن قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: بُكَيْرُ بنُ الأخنس ليس بحجَّةٍ فيما يتفردُ بهِ (١). وحكيَ عن ابنِ عباس - رضي الله تعالى عنهما - أنَّ المراد بالقَصْر هو الإيماءُ عندَ الخوفِ راكباً (٢). - وذهب قومٌ إلى أنه شرطٌ للتعليقِ بالحكم الذي بعدَهُ، فهو ابتداءُ كلامٍ مُتَّصِلٍ بما بعدَهُ، منقطعٍ عما قبله (٣). وروي عن أبي أيوبَ الأنصاريِّ - رضي الله تعالى عنه -: أنه قال: نزل قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاة (١٠١)﴾ [النساء: ١٠١] هذا القَدْرُ، ثم بعدَ حَوْلٍ سألوا رسولَ الله ﷺ عن صلاةِ الخَوْفِ فنزل (٤): ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ

стр. 928

يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [النساء:١٠١] ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ (١) [النساء:١٠٢]. وروي مثلُه عن عليِّ بنِ أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - قال: نزل قولُه: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ بعدَ قوله: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء:١٠١] بسنةٍ في غزوةِ بني أسَد حينَ صلَّى رسولُ الله ﷺ الظهر، قال بعضهم: هَلاً شددتُم عليهم، وقد أمكنوكُم من ظُهورهم، فقالوا: بعدَها صلاةٌ هي أَحَبُّ إليهم من آبائِهم وأولادِهم، فنزل: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابًا مُهِينًا﴾ (٢) (٣) [النساء:١٠١ - ١٠٢]. وروي نحوهُ عَن ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما - أيضاً (٤). - وذهب الجمهورُ من الصحابةِ وغيرِهم -رضيَ الله تعالى عنهم- إلى أن الشرطَ للتغليبِ، خرجَ على غالبِ الوجود، وأن المرادَ بالقصرِ التشطيرُ؛ فإن أسفارَ النبيِّ ﷺ وأصحابِه المواجَهين بالخطاب لا تنفكُّ عن الخوف

стр. 929

غالباً، ويدل على ذلكَ بيانُ النبيِّ ﷺ بقوله، أنَّ الشرطَ ليسَ للاعتبارِ والتعليق. قال يَعْلَى بنُ أُمَيَّةَ: قلتُ لعمرَ بنِ الخَطَّاب - رضي الله تعالى عنه -: إنما قالَ الله تعالى: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء:١٠١]، فقد أمنَ الناسُ، فقالَ عمرُ: عجبتُ من الذي عجبتَ منه، وسألتُ النبيَّ ﷺ , فقال: "صَدَقةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بها عليكُمْ، فاقْبَلُوا صَدَقَتهُ" (١). وقال ابنُ عباسٍ - رضي الله تعالى عنهما -: سافرنا معَ رسولِ الله ﷺ بينَ مكةَ والمدينة آمنينَ لا نخافُ إلا اللهَ تعالى، نُصَلِّي ركعتين (٢) ورفعُ الجُناح عن المُصَلِّي إذا قَصَرَ الصلاةَ يدلُّ على جواز القصرِ، ولا يدلُّ على وجوبه، لأن رفعَ الجُناح موضوعٌ لإباحة الشيء، لا لوجوبه. * وقد اختلفَ الفقهاءُ في القصر، هل هو رخصة، أو عزيمة؟ ١ - فقال الشافعيُّ: هو رخصةٌ، إما على تقدير أنها رخصةٌ جائزةٌ، أو مستحبةٌ؛ كما هو المشهورُ عند أصحابه كما سيأتي -إن شاء الله تعالى (٣) -. واستدلَّ بظاهرِ اللفظِ في الآيةِ، وبحديثِ يَعْلَى بنِ أميةَ، وبقولِ عائشةَ -رضي الله تعالى عنها -: كُلَّ ذلكَ قدْ فعلَ رسولُ اللهِ ﷺ , أتمَّ في السفر،

стр. 930

وقصرَ (١)، وبإتمامِ عثمانَ وعائشةَ -رضي الله تعالى عنهما (٢) -، وبما ثبتَ أنَّ الصحابةَ -رضي الله تعالى عنهم - كانوا يسافرونَ مع رسولِ الله ﷺ ، فمنهم القاصرُ، ومنهمُ المُتِمُّ، ومنهمُ الصائِمُ، ومنهُمُ المُفْطِرُ، لا يَعيبُ بعضُهم على بعض (٣). ٢ - وذهبَ أبو حنيفةَ وأصحابهُ إلى أنهُ عزيمةٌ (٤). واستدلّوا بما رواهُ الزهريُّ عن عُروةَ عن عائشةَ - رضي الله تعالى عنها - قالت: أَوَّلَ ما فُرِضَتِ الصَلاُة رَكْعَتينِ رَكْعَتين، فزيدَ في صلاةِ الحَضَرِ، وأُقِرَّتْ صلاةُ السفر (٥). وبما روى عِمرانُ بنُ الحُصَينِ -رضي الله تعالى عنه- قال: حَجَجْتُ مع رسولِ الله ﷺ ، فكان يصلَّي رَكْعتين، وسافرتُ مع أبي بكرٍ - رضي الله تعالى عنه -، فكانَ يصلَّي ركعتين حتى ذهب، وسافرتُ مع عُمَر -رضي الله تعالى عنه-، فكان يصلَّي رَكعتين حتى ذهب، وسافرتُ مع عثمانَ -رضي الله تعالى عنه-، فكان يصلِّي رَكعتين ستَّ سنين، ثم أتمَّ بنا (٦).

стр. 931

وأجابوا عن إتمامِ عُثمان، بأن ابنَ مسعودٍ عابَهُ على عثمانَ. وعن إتمامِ عائشةَ، بأنَّ الزهريَّ قال لعروةَ لمّا روى له الحديثَ السابق: وما شأنُ عائشةَ كانت تُتِمُّ؟ قال: إنها تأولت ما تأولَ عثمان. وما استدلَّ به الكوفيون، فلا حجةَ فيه: أما حديثُ عمرانَ، فليس فيه أكثرُ من فعلِ النبيِّ ﷺ ، فإن كانَ بياناً للقرآنِ، وهو الظاهرُ، فهو بيانٌ لما ظهرَ فيه قصدُ الإباحةِ والرخصةِ، فإن كانَ ابتداءَ حُكمٍ، وهو خلافُ الظاهرِ، فالفعلُ بمجربٍ لا يدلُّ على الوجوب. وأما عَتْبُ ابنِ مسعودٍ - رضي الله تعالى عنه -، ففيه الحجَّةُ عليهم؛ لأنه قامَ وصَلَّى بأصحابه في منزله، وأتمَّ، فقيل له: عِبْتَ الإتمامَ وأَتْمَمْتَ! فقال: الخلافُ شَرٌّ (١)، فلو كانَ القصرُ حَتْماً، لَما أتَمَّ، ولعلَّهُ إنَّما عابَ على عُثمانَ تركَ الأخذِ بالرُّخْصَةِ (٢). وأما حديثُ عائشةَ، فلا دلالةَ لهم أيضاً من وجهين:

стр. 932

أحدهما: أنها عملتْ بخِلافِ ما رَوَتْ، وعملُ الصَّحابيّ مقدَّم على روايتهِ عندهم (١). الثاني: أنها رَوَتْ - أيضاً - أنَّ النبيَّ ﷺ قَصَرَ وأَتَمَّ (٢)، فدلَّ على أن المرادَ بقولها: وأُقرَّتْ صلاةُ السفرِ لمن شاءَ القصرَ؛ بدليلِ روايتها الأخرى، ولأنه ما اجتمعَ فيه روايتُها وعملُها، كان أقوى مما اختلف فيه عملها وروايتُها. قال الشافعيّ: وإنما عَمِلَتْ بما رَوَتْ عن النبي ﷺ ، ولم تعملْه تأوُّلاً كما قالَهُ عُروةُ (٣). ٣ - وذهب قومٌ إلى أن القصرَ سُنَّةٌ ليسَ بِرخْصةٍ، ولا حتماً (٤). وهو المشهورُ عن مالكٍ، والمشهورُ عندَ الشافعية؛ لما فيه منَ الجَمْع بين الأدلةِ، والاقتداءِ برسولِ الله ﷺ .

стр. 933

٤ - وذهبتِ البغداديةُ المالكية (١) إلى أن القصرَ والإتمامَ فَرضان، فأيَّهما فَعل، فقد فَعَلَ الواجبَ؛ كالواجبِ المُخَيَّر (٢). ونقله بعضُ المصنفين (٣) عن بعضِ الشافعيةِ، وهذا القولُ غيرُ معروفٍ عندهم، وإن كان القولُ به غير ممتنع. * وعلق اللهُ سبحانه القصرَ على الضربِ في الأرض، وذلك مطلقٌ غيرُ مقيدٍ. ١ - فأخذَ بإطلاقه آخرون، وهم أهلُ الظاهر، فجوزوا القصرَ، في كلَّ سفرٍ، طويلاً أو قصيراً (٤). ٢ - وقيده الجمهورُ من أهل العلمِ بالمعنى الذي أُبيحَ له القصرُ، وهو المشقةُ الزائدَةُ على مشقةِ الحَضَر. ثم اختلفوا. - فذهبَ ابنُ مسعودٍ، وعثمانُ، وغيرُهما -رضي الله تعالى عنهم - إلى أن المسافةَ المُبيحةَ للقَصْر هي ثلاثةُ أيام (٥)، وبه قال أبو حنيفةَ وأصحابهُ (٦).

стр. 934

- وذهبَ ابنُ عمرَ، وابنُ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهم - إلى أنها أربعةُ بُرُدٍ، وذلك يومانِ (١). وبه قالَ مالكٌ، والشافعيُّ، وأحمدُ (٢)، وجَمْعٌ كثير (٣)، ولأن المشقةَ المعتبرةَ توجد في ذلك غالباً. ومذهبُ أهلِ الظاهر قويٌّ. لَما رواهُ مسلمٌ عن عُمر -رضي الله تعالى عنه-: أن النبيَّ ﷺ كان يقصُرُ في السَّبْعَةَ عَشَرَ ميلاً (٤). * إذا تقرَّرَ هذا، فقد رُوي عن النبَّي ﷺ أحاديثُ صحيحةٌ أنه جمعَ بينَ الظُّهر والعَصْرِ، والمغربِ والعِشاء في السفر. * فأجمعَ أهلُ العلم على جوازِ الجَمْع بينَ الظهر والعصر بعرفةَ، وبينَ المغربِ والعِشاء بمُزْدَلِفَةَ (٥).

стр. 935

واختلفوا في غيرِهما من الأمكنة. فجوزه الجمهورُ (١)، ومنعه أبو حنيفةَ وأصحابُه (٢). لأن الأفعالَ يتطرقُ إليها من الاحتمالِ ما لا يتطرقُ إلى الأقوالِ. واحتجوا بأنَّ ابنَ مَسعودٍ -رضي الله تعالى عنه- قال: والذي لا إله غيره! ما صلَّى رسولُ الله ﷺ صلاةً قَطُّ إلا في وقتِهما، إلا صلاتين: جمعَ بين الظهرِ والعصرِ يومَ عرفةَ، وبين المغربِ والعشاءِ بِجَمْعٍ (٣). وتمسكوا بدليل الإجماع على أنه لا يجوزُ الجَمْعُ في الحَضَرِ، واستمرَّ الحكمُ في السفر. وحملوا الأحاديثَ على أنه أخرها إلى آخرِ وقتها؛ بحيث يفرغ منها ثم يدخلُ وقتُ الصلاةِ التي بعدَها، بدليلِ بيانِ جبريلَ ﵊ في المرةِ الثانيةِ (٤). واستمسكوا بأنَّ الأصلَ عدمُ جوازِ الجَمْعِ إِلا بيقينٍ، وليس فيما رُوي من أفعالِه ﷺ على ذلك نَصٌّ لا يحتملُ التأويل. * * *

стр. 936

٩٧ - (٣٩) قوله جَلَّ ثَناؤه: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٠٢)﴾ [النساء: ١٠٢]. * لمَّا شرَّفَ اللهُ هذهِ الأمةَ وكرَّمها ورحِمَها، جمعَ لها بينَ فضيلةِ امتثالِ أمرهِ بأداءِ فرائضِه في حالِ الشدةِ والبأسِ، وبينَ استعمالِ الحذرِ فيها من عدوَّهم، فشرع لهم صلاةَ الخوفِ، وبينَها النبيُّ ﷺ . * وأجمع المسلمونَ على وجوبِ الصلاةِ في حالِ الخوفِ، وجوازِها كما شرعَ اللهُ سبحانَه في كتابه وبيَّنَ رسولُ الله ﷺ (١). إلا ما يُحْكى عن طائفةٍ من فُقهاء الشامِ من المالكيَّةِ أنه يجوزُ تأخيُرها عن وقتِ الخَوْف إلى وقتِ الأمنِ (٢)؛ كما فعلَ رسولُ الله ﷺ يومَ الخندق (٣).

стр. 937

والجمهورُ على أنه منسوخ بصلاةِ الخوف؛ لأن صلاةَ الخوفِ أولَ ما شُرِعَتْ بذاتِ الرِّقاعِ، وهي أولُ سنةِ خَمْسِ قبل خَيْبرَ، وأَنَّ خَيْبَرَ في سنةِ سَبْعٍ، هكذا ذكره النوويُّ في "الروضة" (١). وذكر البخاريُّ في "صحيحه": أن ذاتَ الرقاعِ بعدَ خَيْبَر (٢). واستدلَّ بأنَّ أبا موسى شهدَ ذاتَ الرقاعِ، ومجيئُهُ كانَ بعدَ خيبرَ، وأما يومُ الخَنْدَقِ، فكان في سنةِ أربعٍ في شَوَّال، ذكرهُ البُخاريُّ (٣) وغيره، وهو الصحيحُ (٤). وقيل: في سنة خَمْسٍ؛ كما قالهُ ابنُ إسحاقَ (٥). وأما أول ما شُرعتْ صلاةُ الخوفِ، فإن ذلك كان بِعُسْفانَ، لا بِذاتَ الرِّقاعِ، كما سيأتي في روايةِ أبي عياشٍ الزُّرقِيِّ -رضي الله تعالى عنه-. * وقد صلاَّها النبيُّ ﷺ بصفاتٍ مختلفةٍ بحسبِ اختلافِ المَواطنِ والأحوالِ، يبلغُ مجَموعها ستةَ عَشَرَ وَجْهاً، وسنبين مُعْظَمَها بذكرِ أربع صفات: الصفة الأولى: صلاةُ النبيِّ ﷺ بعُسْفانَ. قال أبو عياشٍ الزرقيُّ -رضي الله تعالى عنه- كنا معَ رسولِ الله ﷺ بعسفانَ، وعلى المشركين خالدُ بنُ الوليد، فصلينا الظهرَ، فقال

стр. 938

المشركونَ: لقد أَصَبْنا غفلة، لو كُنَا حَمَلْنا عليهمْ وهم في الصلاة، فنزلتْ آيةُ القَصْرِ بين الظهرِ والعصرِ، فلما حضرتِ صلاة العصر (١)، قام رسولُ الله ﷺ مستقبلَ القبلةِ، والمشركون أمَامهُ، فصفَّ خلفَ رسولِ الله ﷺ صَفٌ واحدٌ، وصفَ بعدَ ذلك صَفٌّ آخرُ، فركعَ رسولُ الله ﷺ , وركعوا جميعًا، ثم سجدَ الصفُّ الذي يليه، وقام الآخَرُ يحرس لهم، فلما صَلَّى هؤلاء السجدتين، وقاموا، سجدَ الآخرونَ الذين كانوا خلفَه، ثم تأخرَ الصفُّ الذي يليهِ إلى مَقامِ الآخرينَ، وتقدم الصفُّ الآخرُ إلى مَقام الصفَّ الأولِ، ثم ركعَ رسولُ الله ﷺ ، وركعوا جميعاً، ثم سجدَ وسجَد الصفُّ الذي يليه، وقام الآخرونَ يحرسونهم، فلما جلسَ رسولُ الله ﷺ والصفُّ الذي يليهِ، سجدَ الآخرون، ثم جلسوا جميعًا، ثم سلم بهم جميعاً (٢). وخرجه مسلم عن جابر بنِ عبد الله -رضي الله تعالى عنهما (٣) -. وروى ابنُ عباس -رضي الله تعالى عنهما - نحوَ حديثِ جابرٍ وأبي عياشٍ، إلا أنه ليس في روايته تقدُّمُ الصف الثاني، وتأخرُ الصفِّ الأول (٤). والعملُ بظاهره جائز عند الشافعية (٥).

стр. 939

وهل الأفضلُ التقدُّمُ والتأخُّرُ كما وردَ في روايةِ جابرٍ وأبي عياشٍ، أو بقاء الصفينِ على حالِهما كما هو ظاهرُ رواية أبي عياش؟. فيه وجهانِ عند الشافعية. وينبغي أن يقطع بفضيلة التقدم والتأخر (١). ويحملُ إطلاقُ ابنِ عباسٍ على تقييدِ غيرهِ، وإن كانتْ أكثرَ أفعالاً؛ ففي كثرةِ الأفعالِ حكمةٌ حسنةٌ، وهو قطعُ طمعِ العدوِّ. وبهذه الرواياتِ أخذَ الشافعيُّ، والثوريُّ، وابنُ أبي ليلى، وأبو يوسفَ، وجماعةٌ من أصحاب مالكٍ (٢). إلا أن الشافعيَّ قال في "المختصر": يسجدُ معه الصفُّ الثاني، ويحرسُ الصفُّ الأولُ (٣). فأخذ بها الخُراسانيون من أصحابهِ حتى ادَّعى بعضُهم أنها منقولةٌ عن فعل رسول اللهِ ﷺ بعُسْفان (٤). ودعواهُ ضعيفةٌ. وقال العراقيون: الشافعيُّ عكسَ ما ثبتَ في السُّنَّةِ، والمذهبُ ما ثبتَ فيها؛ لأنه قال: إذا رأيتم قولي مخالفاً للسنِة، فاطَّرحوه (٥).

стр. 940

وأجاب النوويُّ من متأخِّري الشافعيةِ بأنَّ الشافعي إنما ذكرَ هذا ليبين جوازَهُ؛ فإنه ذكرَ الحديثَ كما ثبتَ في "الصحيحين" (١)، ثم ذكرَ الكيفيةَ المذكورةَ، فأشار إلى جوازِها (٢). وهو جوابٌ حسنٌ. الصفة الثانية: صلاة النبيَّ ﷺ بذاتِ الرَّقاعِ من نَخْلِ (٣) أرضِ غَطَفان، وفيها ثلاثُ رواياتٍ: الأولى: رواية صالح بنِ خَوَّاتِ بِنِ جُبيرٍ عَمَّنْ صَلَّى مع النبيِّ ﷺ يومَ ذاتِ الرقاعِ، وهو سَهْلُ بنُ أبي حَثْمة، قال: إن طائفةً صفَّتْ معُه، وصفَّتْ طائفةٌ وِجاهَ العدِّو، فصلى بالتي معه ركعةً، ثم ثبتَ قائماً، وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا وِجاهَ العدوَّ، وجاءت الطائفةُ الأخرى، فصلى بهم الركعةَ التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالساً، وأتموا لأنفسِهم، ثم سلم بهم (٤). الثانيةُ: رواية عبدِ الله بنِ عمرِ -رضي الله تعالى عنهما - قال: صلى رسولُ الله ﷺ صلاةَ الخوفِ في بعض أيامه، فقامت طائفة معه، وطائفةٌ بإزاءِ العدوِّ، فصلى (٥) بالذين معه ركعةً، ثم ذهبوا، وجاء الآخرون، فصلى

стр. 941

بهم ركعة، وقضت الطائفتان ركعةً ركعةً (١). ثم اختلفَ أهلُ العلمِ في روايته. فقيل: إن الطائفتين قضوا ركعتَهم الثانيةَ جميعاً، وهو قولُ الشافعيِّ في "كتاب اختلاف الحديث" (٢). وقيل: قَضَوْها متفرِّقين، وهو ظاهرُ نقلِ البخاريِّ (٣).

стр. 942

قال النوويُّ: وهو الصحيحُ (١). الثالثة: خَرَّجها أبو داودَ عن ابنِ مسعودٍ -رضي الله تعالى عنه- قال: صَلى رسولُ الله ﷺ صلاةَ الخوفِ بطائفةٍ، وطائفة مستقبلي العدوِّ، فصلى (٢) بالذين معه ركعةً وسجدتين، وانصرفوا ولم يسلموا، فوقفوا بإزاءِ العدو، ثم جاء الآخرون فقاموا معه، فصلى بهم ركعة، ثم سلم، فقام هؤلاء فقضوا لأنفسهم ركعةً، ثم سلموا وذهبوا، فقاموا مقام أولئك مستقبلي العدو، ورجع أولئك إلى مراتبهم، فصلوا لأنفسهم ركعةً ثم سلموا (٣). فأخذ أبو حنيفةَ بهذه الروايةِ، إلا أنه قال: تتم الطائفةُ الثانيةُ الركعةَ التي عليها بعدَ أن تذهبَ إلى وَجْهِ العدو، وتأتي الطائفةُ الأولى وتتم ركعتها، ثم تذهب إلى مقامِ العدو، ثم تأتي الطائفة الثانية، فحينئذٍ تتمُ ركعتَها (٤). وقد أُنكرتْ عليهِ هذهِ الزيادةُ، وقيل: إنها لم تردْ في حديثٍ (٥). وأخذ الأوزاعيُ وأشهبُ المالكي بروايةِ ابنِ عُمَر، ورُجِّحَتْ بأنها وردتْ بنقلِ أهلِ المدينة، وهم الحجةُ في النقلِ على مَنْ خالفهم (٦).

стр. 943

وبرواية صالحِ بنِ خَوّاتٍ أخذَ مالكٌ، والشافعيُّ، وأحمدُ، وأبو ثور، ورجحوا بأنه أحوطُ للصلاة؛ لقلةِ الأفعالِ فيها (١). قال الشافعيُّ: ولأنهُ أكثرُ موافقةً للقرآن؛ لأن اللهَ سبحانه ذكرَ صلاةَ الطائفتين معه، وإذا أتموا لأنفسِهم، لم تكنْ جميعُ صلاتِهم معه، ولأن اللهَ سبحانه لم يذكرْ على الإمامِ ولا على واحدةٍ من الطائفتين قضاءً، ولأنَّ اللهَ سبحانه وصفَ الطائفةَ الآتية أنها لم تصلِّ، ولو صلَّتْ ركعةً ثم انصرفتْ ورجعتْ لم يقعْ عليها الوصفُ بأنَّها لم تصلِّ، ولأنه أبلغُ في الحِراسةِ ومَكيدةِ العدوِّ، ومعلومٌ أن منْ هو خارجَ الصلاة أكملُ في الحراسةِ ممَّن هو فيها؛ لأن غيرَ المصلي يتكلمُ بما يَرى من حركةِ العدوِّ وإرادته، ويخبر عنه بالمَدَدِ وغيره، فيخففُ الإمامُ والمصلون لذلك، أو يأخذون حِذْراً أبلغَ من الأولِ، أو يخبر الإمامَ أن حركةَ العدو حركةٌ لا خوفَ فيها، فيتمكن من صلاته، فلا يعجل فيها. وفي غيرها من الروايات: تُصَلِّي الطائفتانِ مع الإمامِ بعضَ الصلاة، ولا يكون لهما (٢) حارس إلا الإمام (٣). ولم يأمرِ اللهُ سبحانه إلا بحراسةِ إحدى الطائفتين [للأخرى]. وكان الأخذُ بروايةِ صالحِ بنِ خَوَّاتٍ أبلغَ في الحذر، وأقوى في المكيدة، وأحوطَ للصلاة، وأكثرَ موافقةً للقرآن (٤). ولهذا قال فيه مالكٌ:

стр. 944

وهذا أحسنُ ما سمعت في صلاةِ الخوف (١). إلا أن مالكاً رواهُ في "الموطأ" موقوفاً على سَهْلِ بن أبي حثمة، وفيه أنه لما قضى الركعة بالطائفةِ الثانية سَلَّم، ولم ينتظرهم (٢) حتى يفرغوا من الصلاة (٣). واختار هو وأبو ثورٍ هذه الصفة؛ لموافقتها الأصولَ؛ لأن الإمامَ متبوعٌ لا تابع ولا مختلَف عليه (٤). واختار الشافعيُّ العمل بالرواية المسندة، وهي أن ينتظرَهم ويسلمَ بهم؛ لأنه أقوى؛ لاتصاله، واختاره أحمدُ مع إجازتهِ لجميعِ صلاةِ الخوف (٥). ولمالكٍ قول كمذهبِ الشافعيِّ (٦). ثم ذهب قوم إلى أن هذا اختلاف من جهةِ المُباح، فيجوزُ للإمام أن يصليَ بهم بأيِّ روايةٍ وردتْ في السنة. قال الإمامُ أحمدُ: كلُّ حديثٍ رُوي في أبوابِ صلاةِ الخوفِ فالعملُ به جائز (٧).

стр. 945

وعند أصحابِ الشافعيِّ خلافٌ فيما إذا صلى بما رُوي عن ابن عمرَ هل تصح الصلاة أو لا؟ (١). الصفة الثالثة: صلاةُ النبيِّ ﷺ ببطْنِ نَخْلٍ في غزوةِ ذاتِ الرقاعِ أيضاً: وهي أنه ﷺ صلى بكلِّ طائفةٍ ركعتينِ، خَرَّجها الشيخانِ عن جابرٍ (٢)، وأبو داودَ في "سننه" عن أبي بكرة -رضي الله تعالى عنه (٣) -، فكانتِ الطائفةُ الثانيةُ مُفْترِضين خلفَ مُتَنَفِّلِ، وبه أخذَ الشافعيُّ (٤)، وكان يفتي به الحسنُ البصريُّ (٥)، وادَّعى الطَّحاوِيُّ أنه منسوخٌ (٦)، ودعواهُ مردودةٌ؛ إذْ لا دليلَ عليها. الصفة الرابعة: ويقالُ إنها: صلاةُ النبيِّ ﷺ بذي قَرَد. روي عنْ (٧) حُذيفةَ -رَضيَ اللهُ تعالى عنهُ: أنَّ النبيَّ ﷺ -صَلَّى بإحدى الطائفتينِ ركعةً، وبالأخرى ركعةً، ولم يقضوا شيئاً (٨).

стр. 946

ورويَ أيضاً عن زيدِ بنِ ثابت، وقال: كانتْ للقومِ ركعة ركعة، وللنبي ﷺ ركعتان (١). وتأوله قومٌ على صلاة شدةِ الخوفِ، وقالوا: الفرضُ في هذه الحالة ركعةٌ واحدة (٢). قال الشافعيُّ: وإنما تركناه؛ لأن جميعَ الأحاديثِ في صلاةِ الخوف مجتمعةٌ على أنَّ على المأمومين من عددِ الصَّلاة ما على الإمامِ، وكذلك أصلُ الفرض في الصلاةِ على الناسِ واحدٌ في العدد، ولأنه لا يثبتُ عندَنا مثلُه لشيءٍ في بعضِ إسناده، ولا يثبتُ أهلُ العلمِ بالحديثِ مثلَه (٣). * إذا تقرر هذا، فقد اتفقَ جُمهور أهلِ العلم على جَواز صلاةِ الخوفِ بعدَ النبي ﷺ (٤)، ولم يخالفْ إلا بعضُ فُقهاءِ الشام، والمزنيُّ، وأبو يوسفَ. فأما أهلُ الشامِ والمزنيُّ (٥)، فادعَوا نسخَها، وقد بَيَّنّا بُطلانَه.

стр. 947

وأما أبو يوسفَ، فزعم أنها من خصائِصِ النبي ﷺ ، وأنها لا تجوزُ بعدَهُ إلا بإمامينِ، يصلي كلُّ واحدٍ منهما بطائفةٍ ركعتين. وتمسك بالمفهومِ والنظرِ: أما المفهومُ، فاعتقد أن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ [النساء: ١٠٢] يقتضي تخصيصَه. وأما النظُر، فإنها صلاةٌ على خِلافِ المُعْتادِ من هيئةِ الصلاة، وفيها أفعال كثيرة مباينة لصفةِ الصلاةِ تقتَضي إخلالَها، فجاز أن تكونَ المسامحةُ بسببِ فضيلةِ إمامةِ رسولِ الله ﷺ ، وذلك مخير حالَ صلاةِ المؤتمين به (١). ورُدَّ ذلك بأن الصحابةَ -رضي الله تعالى عنهم- لم يزالوا على فِعْلِها بعدَ رسول الله ﷺ ، ولا منكرَ فيهم، فكان إجماعاً، ولأنه قال: "صَلُّوا كما رأيتُموني أصَلِّي" (٢)، والأصلُ وجوبُ التأسي، وعدمُ التخصيص، فالشرط المذكور في الآية لذِكْرِ الحال، لا للتعليق، فدل على أن فعلَها على خلافِ صفتها المعتادةِ؛ لِخُصوصِ الضرورةِ الموجودةِ في وقته ﷺ ، لا بخصوص وقته، والضرورةُ موجودة بعده ﷺ ، فجازَ أن تُفعل، ولأنه لو كانَ من خصائِصه، لبينَهُ ﷺ ؛ لِما فرضَ اللهُ عليه من بيانِ كتابِه العزيز (٣). * ثم أمر اللهُ سبحانه عبادَه بالحذرِ وأخذِ السلاح، وهذا الأمرُ للوجوبِ.

стр. 948

وبينَ (١) وجوبَه قولُه تعالى في آخر الآية: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] وهذا الوجوب متفق عليه بينَ المسلمين. فيجب عليهم الحذرُ من عدو الله سبحانه، ومراقبةُ غَدْرِه ومَكْرِه، ويجب عليهم حملُ السلاحِ إن خافوا بأسَهُمْ وكيدَهُمْ، ولا يجوزُ لهم تمكينُهم من غارَتهم والاستسلامُ لهم بنيةِ الطلبِ للشهادةِ، بل يجبُ ذلك وجُوباً مُطْلقاً. وليس المرادُ بأخذِ السلاح ملازمةَ حملِه وتناوله، بل المرادُ إما حملُه أو وضعُه قريباً بحيثُ يمكنُ المجاهد تناولُه على قرب وسهولة، ويكون حذراً، كما قالَ الله تعالى عندَ وضعِ السلاح للعذرِ: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]. ويختلفُ ذلكَ باختلافِ مواطنِ الحربِ ومواقفه. * واختلف أهلُ العلمِ في المُجاهدِ هل يجبُ عليه حملُ السلاح (٢) حالَ الصلاة؟ - فقال أبو حنيفةَ، والشافعي -في أحدِ قوليه (٣) -: لا يجبُ، ويكونُ الضميرُ في قوله تعالى: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] عائداً على الضمير الذي قبلَه، والمرادُ به الطائفةُ التي لم تُصَلِّ،

стр. 949

وكانت وراءهم، فالضمير في قوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ عائدٌ على الطائفةِ التي قد صَلَّتْ. ويروى هذا التأويلُ عن ابنِ عباسٍ - رضي الله تعالى عنهما (١) -. - وقال غيرُه: المرادُ بالأمرِ الطائفةُ المُصَلِّية، وبه قالَ داودُ، والشافعيُّ في قوله الآخر (٢). وهو الصحيحُ عندي -إن شاء الله تعالى-؛ لأن عَوْدَ الضميرِ على الأقربِ أولى وأرجَحُ، ولأن اللهَ سبحانه لم يرخِّصْ في تركِ السلاحِ إلا في حالتِي المَطَرِ والمَرَضِ خاصَّةً، فدلَّ على أنه لا يَخُصُّه في تركه في غيرِ الحالتين، ولأن إحدى الطائفتين تحرُسُ الأخرى، إما في سجودها كصلاةِ عُسْفان، أو بالخروج إلى وجهِ العدو في حالِ الصلاةِ كما في روايةِ ابنِ عمرَ وابنِ مسعود -رضي الله تعالى عنهما- في صلاةِ ذاتِ الرقاع، ولا معنى للحراسة بغيرِ سلاح، والله أعلم. وقد تقدمَ الكلامُ على الصلاةِ في شدةِ الخوف. * وأمر الله سبحانه بالقيامِ مع النبيِّ ﷺ ، فيحتمل أن يكونَ للاستحباب، فلو أرادوا أن يصلُّوا منفردين، جاز لهم؛ بدليل قوله: "صلاةُ الجماعَةِ أَفضَلُ من صَلاة الفَذِّ بِسَبْعٍ وعِشْرينَ دَرَجَة" (٣)، وبه قالَ جمهورُ

стр. 950

الفقهاءِ؛ كمالكٍ، والشافعي، وأبي حنيفة (١). ويجوزُ أن يكونَ للوجوبِ، وهو الظاهرُ، بدليل فعلِه ﷺ ، فلم يصلِّ صلاةً إلا في الجَماعة، وبدليلِ قوله ﷺ : "أثقلُ صلاةٍ على المنافقينَ صلاةُ العشاء وصلاةُ الفَجْر، ولَو يَعْلَموا ما فيهما، لأتوْهُما ولو حَبْواً، ولقد هَمَمْتُ أن (٢) آمرَ بالصلاةِ فَتُقامَ، ثم آمرَ رجلاً فيصلي بالناسِ، ثم أنطلقَ معي برجالٍ معهم حُزَم من حَطَبٍ إلى قومٍ لا يَشْهدونَ الصلاةَ، فأحرقَ عليهِمْ بيوتَهُمْ بالنارِ" خرجه الشيخان (٣). وبدليل ما خرَّجه مسلم عن أبي هريرةَ -رضي الله تعالى عنه- قال: أتى النبي ﷺ رجل أعمى، فقال: يا رسولَ الله! إنه ليسَ لي قائد يقودُني إلى المسجدِ، فسأل رسولَ اللهِ ﷺ أن يرخصَ له فيصليَ في بيتِه، فرخَّص له، فلما وَلَّى، دعاهُ فقال: "هل تسمعُ النداءَ بالصلاة؟ "، فقال نعم، قال: "فأجب" (٤). * ثم افترق القائلون بالوجوب. فقالَ قومٌ: هيَ فرضٌ على الكِفاية، وهو قولٌ يروى للشافعيِّ ومالِكٍ (٥).
следующие страницы →