← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 14827

تيسير البيان لأحكام القرآن

ابن نور الدين

Полный текст (1 649 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

ورويَ أيضاً عن زيدِ بنِ ثابت، وقال: كانتْ للقومِ ركعة ركعة، وللنبي ﷺ ركعتان (١). وتأوله قومٌ على صلاة شدةِ الخوفِ، وقالوا: الفرضُ في هذه الحالة ركعةٌ واحدة (٢). قال الشافعيُّ: وإنما تركناه؛ لأن جميعَ الأحاديثِ في صلاةِ الخوف مجتمعةٌ على أنَّ على المأمومين من عددِ الصَّلاة ما على الإمامِ، وكذلك أصلُ الفرض في الصلاةِ على الناسِ واحدٌ في العدد، ولأنه لا يثبتُ عندَنا مثلُه لشيءٍ في بعضِ إسناده، ولا يثبتُ أهلُ العلمِ بالحديثِ مثلَه (٣). * إذا تقرر هذا، فقد اتفقَ جُمهور أهلِ العلم على جَواز صلاةِ الخوفِ بعدَ النبي ﷺ (٤)، ولم يخالفْ إلا بعضُ فُقهاءِ الشام، والمزنيُّ، وأبو يوسفَ. فأما أهلُ الشامِ والمزنيُّ (٥)، فادعَوا نسخَها، وقد بَيَّنّا بُطلانَه.

стр. 947

وأما أبو يوسفَ، فزعم أنها من خصائِصِ النبي ﷺ ، وأنها لا تجوزُ بعدَهُ إلا بإمامينِ، يصلي كلُّ واحدٍ منهما بطائفةٍ ركعتين. وتمسك بالمفهومِ والنظرِ: أما المفهومُ، فاعتقد أن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ [النساء: ١٠٢] يقتضي تخصيصَه. وأما النظُر، فإنها صلاةٌ على خِلافِ المُعْتادِ من هيئةِ الصلاة، وفيها أفعال كثيرة مباينة لصفةِ الصلاةِ تقتَضي إخلالَها، فجاز أن تكونَ المسامحةُ بسببِ فضيلةِ إمامةِ رسولِ الله ﷺ ، وذلك مخير حالَ صلاةِ المؤتمين به (١). ورُدَّ ذلك بأن الصحابةَ -رضي الله تعالى عنهم- لم يزالوا على فِعْلِها بعدَ رسول الله ﷺ ، ولا منكرَ فيهم، فكان إجماعاً، ولأنه قال: "صَلُّوا كما رأيتُموني أصَلِّي" (٢)، والأصلُ وجوبُ التأسي، وعدمُ التخصيص، فالشرط المذكور في الآية لذِكْرِ الحال، لا للتعليق، فدل على أن فعلَها على خلافِ صفتها المعتادةِ؛ لِخُصوصِ الضرورةِ الموجودةِ في وقته ﷺ ، لا بخصوص وقته، والضرورةُ موجودة بعده ﷺ ، فجازَ أن تُفعل، ولأنه لو كانَ من خصائِصه، لبينَهُ ﷺ ؛ لِما فرضَ اللهُ عليه من بيانِ كتابِه العزيز (٣). * ثم أمر اللهُ سبحانه عبادَه بالحذرِ وأخذِ السلاح، وهذا الأمرُ للوجوبِ.

стр. 948

وبينَ (١) وجوبَه قولُه تعالى في آخر الآية: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] وهذا الوجوب متفق عليه بينَ المسلمين. فيجب عليهم الحذرُ من عدو الله سبحانه، ومراقبةُ غَدْرِه ومَكْرِه، ويجب عليهم حملُ السلاحِ إن خافوا بأسَهُمْ وكيدَهُمْ، ولا يجوزُ لهم تمكينُهم من غارَتهم والاستسلامُ لهم بنيةِ الطلبِ للشهادةِ، بل يجبُ ذلك وجُوباً مُطْلقاً. وليس المرادُ بأخذِ السلاح ملازمةَ حملِه وتناوله، بل المرادُ إما حملُه أو وضعُه قريباً بحيثُ يمكنُ المجاهد تناولُه على قرب وسهولة، ويكون حذراً، كما قالَ الله تعالى عندَ وضعِ السلاح للعذرِ: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]. ويختلفُ ذلكَ باختلافِ مواطنِ الحربِ ومواقفه. * واختلف أهلُ العلمِ في المُجاهدِ هل يجبُ عليه حملُ السلاح (٢) حالَ الصلاة؟ - فقال أبو حنيفةَ، والشافعي -في أحدِ قوليه (٣) -: لا يجبُ، ويكونُ الضميرُ في قوله تعالى: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] عائداً على الضمير الذي قبلَه، والمرادُ به الطائفةُ التي لم تُصَلِّ،

стр. 949

وكانت وراءهم، فالضمير في قوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ عائدٌ على الطائفةِ التي قد صَلَّتْ. ويروى هذا التأويلُ عن ابنِ عباسٍ - رضي الله تعالى عنهما (١) -. - وقال غيرُه: المرادُ بالأمرِ الطائفةُ المُصَلِّية، وبه قالَ داودُ، والشافعيُّ في قوله الآخر (٢). وهو الصحيحُ عندي -إن شاء الله تعالى-؛ لأن عَوْدَ الضميرِ على الأقربِ أولى وأرجَحُ، ولأن اللهَ سبحانه لم يرخِّصْ في تركِ السلاحِ إلا في حالتِي المَطَرِ والمَرَضِ خاصَّةً، فدلَّ على أنه لا يَخُصُّه في تركه في غيرِ الحالتين، ولأن إحدى الطائفتين تحرُسُ الأخرى، إما في سجودها كصلاةِ عُسْفان، أو بالخروج إلى وجهِ العدو في حالِ الصلاةِ كما في روايةِ ابنِ عمرَ وابنِ مسعود -رضي الله تعالى عنهما- في صلاةِ ذاتِ الرقاع، ولا معنى للحراسة بغيرِ سلاح، والله أعلم. وقد تقدمَ الكلامُ على الصلاةِ في شدةِ الخوف. * وأمر الله سبحانه بالقيامِ مع النبيِّ ﷺ ، فيحتمل أن يكونَ للاستحباب، فلو أرادوا أن يصلُّوا منفردين، جاز لهم؛ بدليل قوله: "صلاةُ الجماعَةِ أَفضَلُ من صَلاة الفَذِّ بِسَبْعٍ وعِشْرينَ دَرَجَة" (٣)، وبه قالَ جمهورُ

стр. 950

الفقهاءِ؛ كمالكٍ، والشافعي، وأبي حنيفة (١). ويجوزُ أن يكونَ للوجوبِ، وهو الظاهرُ، بدليل فعلِه ﷺ ، فلم يصلِّ صلاةً إلا في الجَماعة، وبدليلِ قوله ﷺ : "أثقلُ صلاةٍ على المنافقينَ صلاةُ العشاء وصلاةُ الفَجْر، ولَو يَعْلَموا ما فيهما، لأتوْهُما ولو حَبْواً، ولقد هَمَمْتُ أن (٢) آمرَ بالصلاةِ فَتُقامَ، ثم آمرَ رجلاً فيصلي بالناسِ، ثم أنطلقَ معي برجالٍ معهم حُزَم من حَطَبٍ إلى قومٍ لا يَشْهدونَ الصلاةَ، فأحرقَ عليهِمْ بيوتَهُمْ بالنارِ" خرجه الشيخان (٣). وبدليل ما خرَّجه مسلم عن أبي هريرةَ -رضي الله تعالى عنه- قال: أتى النبي ﷺ رجل أعمى، فقال: يا رسولَ الله! إنه ليسَ لي قائد يقودُني إلى المسجدِ، فسأل رسولَ اللهِ ﷺ أن يرخصَ له فيصليَ في بيتِه، فرخَّص له، فلما وَلَّى، دعاهُ فقال: "هل تسمعُ النداءَ بالصلاة؟ "، فقال نعم، قال: "فأجب" (٤). * ثم افترق القائلون بالوجوب. فقالَ قومٌ: هيَ فرضٌ على الكِفاية، وهو قولٌ يروى للشافعيِّ ومالِكٍ (٥).

стр. 951

وقال فريقٌ: هي فرضٌ على الأعيان، وبه قال داودُ وأحمدُ (١)، وبعض الشافعية (٢). * ثم اختلفوا في صِفَةِ هذا الوُجوب. فقال داود: هي شرطٌ في صِحَّةِ الصلاةِ؛ كالجماعَةِ في الجُمعةِ، وقيل: إنها روايةٌ عن أحمدَ أيضاً، والمشهورُ خلافُه (٣). * * * ٩٨ - (٤٠) قولُه : ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]. * المرادُ بقضاء الصلاةِ في هذهِ الآيةِ الأداءُ، أي: أَدَّيْتُمُ الصَّلاةَ، لا حقيقةُ القضاء الذي هو استدراكٌ، لِما فاتَ، وذلك مُقْتَصٌّ من قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠]، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠]. * وأما الذكرُ المأمورُ به في الأحوالِ المذكورةِ. فيحتمل أن يكون المرادُ به الحَثَّ على مُطْلَقِ الذكرِ لله تعالى، ولا شكَّ في أنهُ مُسْتَحَبٌّ عقيبَ قضاءِ الصلاةِ (٤).

стр. 952

فقد روى الشيخان في "صحيحهما" عن ابن عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-: أن رفعَ الصوتِ بالذكرِ حينَ ينصرفُ الناسُ من المكتوبةِ كانَ على عهد رسول الله ﷺ ، قال ابن عباس: كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعتُه (١). ويحتمل أن يكونَ المرادُ بالذكرِ ذكراً مخصوصاً، وهو الصلاةُ، وهذا المعنى هو الظاهرُ من سياقِ الخطاب (٢). ويدلُّ عليه قولُه تعالى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٣]. وما رُوي عن ابنِ مسعود -رضي الله تعالى عنه-: أنه رأى الناسَ يَضِجُّونَ في المسجد، فقال: ما هذه الضجة؟ فقالوا: أليس اللهُ تعالى يقول: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣]، فقال: إنما تعني هذه الآيةُ الصلاةَ المكتوبةَ، إن لم تستطعْ قائماً فقاعداً، فإن لم تستطعْ فعلى جنبك (٣). فبين اللهُ سبحانه فيها حُكْمَ أصحابِ الضرورةِ القائمةِ بهم بعدَ بيانِ حكمِ أصحابِ المشقةِ من أولي السفرِ والقتال، وذو الضرورة أولى بالجوازِ منهم.

стр. 953

وقد بين النبيُّ ﷺ ذلك؛ كما وردَ في الآية الكريمة، فقال لعِمْرانَ بن الحصين -رضي الله تعالى عنه-: "صَلِّ قائماً، فإنْ لمْ تَسْتَطعْ، فقَاعِداً، فإنْ لم تَسْتَطعْ، فعلى جَنْبٍ" (١). * وقد أجمع أهلُ العلم على أن المريض مخاطَبٌ بأداءِ الصلاة، وعلى أنه يسقط عنهُ فرضُ القيامِ والقعود إذا لم يستطعهما. ومذهبُ الشافعيِّ أنه إذا عجزَ عن القعودِ، صَلَّى مضطجعاً على جنبه مستقبلَ القبلةِ، إلا إذا لم يمكنْه، ذلكَ فيصلي مستلقياً، ورجلاهُ إلى القبلَةِ كما ورد في الكتابِ والسنة (٢). وبه قال أحمدُ بنُ حنبل، واختاره ابنُ المنذر (٣)، ورويَ عن عمرَ -رضيَ الله تعالى عنه (٤) -. وقال قوم: إذا عجزَ عن القعودِ، صلَّى مستلقياً، ورجلاه إلى القبلة.

стр. 954

وبه قالَ بعضُ الشافعية (١)، وزعموا أنه أكملُ في استقبالِ القبلة، ويروى عن ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما (٢) -. وقال بعض الشافعية: يضطجعُ على جنبه، ويستقبل القبلةَ برجليه (٣). * واختلفوا في صفةِ العُذرِ المبيح للقعود، أو الاضطجاع. فقال قوم: هو الذي لا يستطيع القيامَ والقعودَ بحال، وتمسكوا بظاهرِ قوله ﷺ : "فإنْ لمْ تَسْتَطَعْ". وقال قومٌ: هو الذي يشقُّ عليه ذلك، وهو مذهبُ مالكٍ والشافعيِّ (٤)، واعتبروه بتخفيف الشرع في نظائره من المواطن؛ كالفِطْر للمسافرِ، والتيمُّم

стр. 955

للمريض؛ استدلالاً بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. * ولما ذكر الله سبحانه حكمَ أصحابِ الضرورات، أمرهم بإقامةِ الصلاة على وَجْهِها عندَ زوالِ ضرورتهم، وهو وقتُ اطمئنانِهم واستقرارِ حالهم. فالمسافرُ إذا أقام واطمأنَّ أقامَها أربعاً، والخائف إذا أمنَ يُقيمُ سكينتها وطُمَأنينتَها، ولا يَخْتَلِفُ على الإمام فيها، والمريضُ إذا شُفِي يقيمُ قيامَها وركوعَها واعتدالَها وسجودَها. * ثم عرَّفنا الله سبحانه تأكيدَ فرضِها وصفتها، فقال: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، أي: مكتوباً مقدراً، فالمصدر بمعنى المفعول، والمقدَّر هو المؤقَّتُ (١). فقد يكونُ في أَعدادِها، وقد يكون في مواقيتها، وكلُّ ذلك قد بينه النبيُّ ﷺ قولاً وفعلاً. وأجمعَ المسلمون على أن للصلاة أوقاتاً مؤقتة هي شرطٌ في صحتها، وأن منها أوقاتَ فضيلة، وأوقاتَ توسعة، واختلفوا في تحديد أوقات الفضيلةِ وأوقاتِ التوسعة؛ لتعارُضِ الأحاديثِ الواردِة في ذلك، وموضعُ تفصيلِه كتب الفقه (٢). * * *

стр. 956

(من أحكام النكاح) ٩٩ - (٤١) قوله جَلَّ ثَناؤه: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٢٧]. * قال الكلبيُّ عنْ أبي صالحٍ عنِ ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-: نزلتْ هذه الآية في بَناتِ أُمِّ كُجٍّ وميراثِهنَّ من أبيهنَّ (١). وقال عروةُ عن عائشةَ -رضي الله تعالى عنها-: نزلت في اليتيمةِ تكونُ في حِجْرِ الرجلِ، وهو وليها، فيرغبُ في نكاحِها (٢)، وقد مضى ذكرُ القصتين في أولِ السورة. ولا اختلاف بينَ قولِ عائشةَ وابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهم-، بل يجوزُ أن يكونَ صدرُ الآية إلى قوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ في اليتيمة، ويكونَ عجزُها من قوله: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾ في بناتِ أُمِّ كُجٍّ. * والاسم الموصول في قوله تعالى: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ في موضع

стр. 957

رفعٍ بالعطف (١)، إما على المبتدأ، وإما على الفاعل في ﴿يُفتِيكُمْ﴾، ومعناه: "وما يُتلى عليكم في الكتابِ يفتيكم"، أو: "ويُفتيكم ما يُتلى عليكم في الكتاب" (٢). * * * ١٠٠ - ١٠١ (٤٢ - ٤٣) قوله ﷻ : ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٢٨]. * ذكر الله سبحانه حُكْمَ الرجلِ مع نسائهِ، وندبَ كُلَّ واحدٍ من الزوجِ والزوجةِ إلى إسقاطِ حَقِّهِ عندَ نشوزِ صاحِبه؛ لما فيه من البقاء على حُسْنِ العهد. فبين اللهُ سبحانه أنه يجبُ عليه العَدْلُ بينَ أزواجه فيما يستطيعه من الواجبات؛ كالنفقةِ والكسوةِ والإيناسِ بالمبيت، ولا يجب عليه العدلُ فيما لا يدخلُ تحتَ استطاعته؛ كالمحبة والوِداد، فأيُّهما أسقطَ حَقَّهُ، وغلبَ نَفْسَه، كانَ محسناً. فإن أرادَ فِراقها، إما لِكِبَرٍ أو دَمامةٍ، ورضيتْ بالصُّلحِ على إسقاطِ حَقِّها، وتسليمِ شيءٍ منْ مالِها؛ لبقاءِ قَسْمِها، كانت محسنةً، ولا جُناح على الرجلِ في قَبول ذلك، بل هو أفضلُ من تفارُقِهما، وإن صبرَ على كبرِها، وأوفاها حَقَّها، كان مُحْسناً (٣).

стр. 958

وقد بين النبيُّ ﷺ ذلك (١) عن الله سبحانَه. روى هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه قال: قالت عائشة: يا بنَ أختي! كان رسول الله ﷺ لا يُفَضِّلُ بَعْضنا على بَعضٍ في القَسْمِ منْ مُكْثِه عندَنا، وكان قَلَّ يومٌ إلا وهو يطوفُ علينا جَميعاً، فيدنو من كلِّ امرأة من غير مَسيس، حتى يبلغَ التي هو في يومها، فيلبَثُ عندَها، ولقد قالَتْ سَوْدَةُ بنتُ زَمْعَةَ حينَ أَيِسَتْ (٢) وفَرِقَتْ أن يفارقَها رسولُ الله ﷺ : يا رسول الله! يومي لعائِشةَ، فقبلَ ذلكَ رسولُ الله ﷺ ، وقالت: تقول: في ذلكَ أنزلَ اللهُ، وفي أشباهها، أراهُ قال: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: ١٢٨] الآية (٣). وقد عُلِم هذا من بيانِ الآيةِ التي قبلها. وأما قولُه تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ١٢٩]، فالمراد به العدلُ بينهنَّ بميلِ القلبِ والمحبَّةِ، فذلك غيرُ داخلٍ تحتَ

стр. 959

الاستطاعة، ولو حَرَصَ عليهِ الرجلُ، ولهذا تجاوزَ الله عنه (١). وإنما نهى عن موافقةِ ميلِ القلب بميلِ الفعلِ، فهذا لا يجوز؛ كما نهى الله تعالى عنه، وكما بينه رسولُ الله ﷺ ، فقد كان يقسمُ لنسائه في المرض، ولا يسافرُ بامرأةٍ إلا بقُرْعَةٍ، وكان يقسمُ ويعدلُ ويقولُ: "الَّلهُمَّ هذا قَسْمي فيما أَمْلِكُ، فلاَ تُلْمني فيما تَمْلِكُ ولا أَمْلِكُ" (٢). وبين النبيُّ ﷺ مع كتابِ الله سبحانه أنَّ من العدلِ أن يُقيمُ الرجلُ إذا تزوَّج جديدةً عندَها سَبْعاً إنْ كانَتْ بِكْراً، أو ثَلاثاً إن كانت ثيِّباً (٣)، ولا يفتقرُ إلى رِضا أزواجِه، ولا قضاءَ عليه في ذلك (٤). * * *

стр. 960

(من أحكام الشهادات) ١٠٢ - (٤٤) قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء:١٣٥]. * أمر الله سبحانه في هذه الآية وفي غيرها من الآيات عبادَه المؤمنينَ بالقِيام بالقِسْطِ والعَدْلِ في الشَّهادَةِ، ولو على أنفُسِهم، وهي الإقرارُ. ونهاهم عن العدولِ عنِ القِسْطِ واتباعِ الهوى، والإعراضِ عن القيامِ بأدائها، سواءٌ كان المشهودُ عليه غَنِياً أو فَقيراً، قريباً أو بعيداً. وهذا أمرٌ مجمَعٌ عليه بينَ المسلمين (١). والآية نزلتْ في مقيسٍ الأنصاريِّ حين قالَ: إن على أبي خَمْسَ أواقٍ، وهو مُعسرٌ، أَفَلي أن أكتم الشهادة؟ (٢). * وقد أجمع العلماءُ على إجازةِ شهادةِ الولدِ على والدِه، وكذلك الوالدِ

стр. 961

على ولدِه (١)، وأما شهادَةُ أحدِهما للآخر، فقد أجازَها ابنُ شهابٍ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيز وإسحاقُ، والمزنيُّ (٢). ومنعها مالكٌ، والشافعيُّ، وأحمدُ (٣). ويروى عن الحسنِ والنَّخَعِيِّ وشُريحٍ (٤). * * *

стр. 962

(من أحكام المواريث) ١٠٣ - (٤٥) قولُه : ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٧٦]. * وتسمى آيةَ الصيف؛ لأن الله سبحانه أنزلَ في الكلالةِ آيتين: آيةً في الشتاء، وهي الأولى (١)، وآيةً في الصيف (٢)، وهي هذه (٣).

стр. 963

* والمرادُ بالكَلالةِ في الآيةِ الأولى هو مَنْ لا وَلَدَ لهُ ولا ولدَ ابنٍ، ولا أبَ ولا جَدَّ، أو مَنْ عَدا الولدَ وولدَ الابنِ والأبَ والجدَّ. وما أعلم في ذلك خِلافاً بينَ أهلِ العلمِ (١). وأما المرادُ بها في هذهِ الآية، فقدِ اختلفوا فيها اختلافاً عظيماً، وعظمَ شأنُ ذلكَ عليهم (٢). قال مَعْدانُ بنُ أبي طلحةَ: خطبَ عمرُ بنُ الخَطَّاب -رضي الله تعالى عنه- يومَ جمعةٍ، فذكر نبيَّ اللهِ ﷺ ، وذكرَ أبا بكرٍ -رضي الله تعالى عنه- ثم قال: لا أدعُ بعدي شيئاً أهمَّ عندي من الكَلالَةِ، ما راجَعْتُ رسولَ الله ﷺ في شيءٍ ما راجَعْته في الكَلالَة، وما أَغْلَظَ لي في شيءٍ ما أغلظَ لي فيه،

стр. 964

حتى لقد (١) طَعَنَ بأصبُعِهِ في صَدْري، وقال: "يا عمرُ! ألا تكفيكَ آيةُ الصَّيْفِ التي في آخِر سورة النساء"، وإني إن أعشْ أَقْضِ فيها بقضيَّةٍ يقضي بها من يقرأُ القرآنَ ومَنْ لا يقرأُ القرآن (٢). وقال عمرُ -رضي الله تعالى عنه-: ثلاثٌ لأَنْ يكونَ النبيُّ ﷺ بيَنَهُنَّ لنا أَحَب إلينا منَ الدنيا وما فيها: الكلالةُ، والخلافةُ، وأبوابُ الربا (٣). وسأل رجلٌ عقبةَ عن الكَلاَلةِ فقال: ألا تعجبون من هذا يسألُني عن الكَلالةِ، وما أعضلَ بأصحاب النبي ﷺ شيء ما أعضلَتْ بهمُ الكلالَةُ (٤). والذي عليه أكثرُ الصحابة -رضي الله تعالى عنهم-، وادَّعى بعضُ أهلِ العلمِ الإجماعَ عليه: أن الكلالةَ ما عدا الوالدَ والولدَ (٥). وهو قولُ أبي بكر وعمرَ، رضي الله تعالى عنهما. قال الشعبيُّ: سُئل أبو بكر عن الكَلالة، فقال: إني سأقولُ فيها قولاً برأي، فإن كانَ صواباً فمن الله، وإن كان خطأ فمنِّي ومنَ الشيطان، أراهُ ما خلا الولدَ والوالدَ. فلما استُخلفَ عمرُ فقال: إني لأَستحيي من الله تعالى أن أرد شيئاً قالَهُ أبو بكرٍ (٦).

стр. 965

وروي عن ابنِ عمرَ وابنِ عباس -رضي الله تعالى عنهم- في إحدى الروايتين عنه: أنه مَنْ ليسَ لهُ ولد (١). وإليه ذهبَ طاوسٌ (٢)، والشيعة (٣). واستدلُّوا بقوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦]، فلم يشترط إلا (٤) فُقْدانَ الوالد. وأجيبَ بأنَّ الوالدَ، وإن كانَ محذوفاً من اللفظ، فهو مُقَدَّرٌ فيه، ويدل عليه أن الآيةَ نزلتْ في شأنِ جابرِ بنِ عبد الله -رضي الله تعالى عنهما-، ولم يكن له يومئذ وَلَدٌ ولا والدٌ. قال جابرٌ: عادني رسولُ الله ﷺ وأنا مريضٌ لا أعقلُ، فتوضَّأَ وصَبّوا (٥) عليَّ وَضوءَهُ، فعقلتُ، فقلت: يا رسول الله! لمن الميراث؟ إنما يرثنُي كلالَةٌ، فنزلتْ آية الميراث، يريد: قولَه تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ (٦) [النساء: ١٧٦]. فإن قالَ قائلٌ: فما معنى قولِ من قالَ: إنَّ الكلالَةَ من لا ولدَ لَهُ، فإنه يقتضي أن الإخوة يرثونَ معَ الأبِ، وقدِ انعقدَ الإجماعُ على أن الأبَ

стр. 966

يحجُب الإخوة (١)، فإن كانَ فائدَتُه توريثَ الإخوة مع الأبِ؛ كما رويَ عنِ ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-، وذهبَ (٢) إليه الشيعةُ، فقد قالَ القاضي عِياض: الروايةُ بهذا باطِلَة، والصحيحُ عنه موافقةُ جماعةِ أهل العلم؟ (٣) قلنا: الظاهرُ أنه أراد: من لا ولدَ له ولا والدَ، وإنما سكتَ عن ذكره؛ لئلا يدخلَ فيه الجَدُّ، والله أعلم. * إذا تقررَ هذا، فقد أجمعَ المسلمون على حُكْم هذه الآيةِ، وعلى تنزيل الإخوة للأب مع الأخوة للأبوين منزلةَ بني الابن مع بني الصلْب، فلا يرثُ الإخوة للأب مع الإخوة للأب والأم شيئاً، ولا ترثُ الأخواتُ للأبِ مع الأخواتِ للأبِ والأم إذا استكملْنَ الثلثينِ شيئاً؛ كبناتِ الابنِ مع بناتِ الصُّلْبِ. واختلفوا إذا كانَ معهنَّ ذَكَرٌ. - فقالَ الجُمهور: يعصبُهُنَّ كما يعصِبُ ابنُ الابنِ بناتِ الابن (٤). - وقال أبو ثور: المالُ للأخ دونَهُن (٥). - وقال ابنُ مسعودِ -رضي الله تعالى عنه-: إذا استكملَ الأخواتُ الشقائقُ الثلثينِ، فالباقي للذكر، ولا يعصبُهن، وإن لم يستكملْن الثلثين،

стр. 967

فإنه يقاسمهُنَّ، للذَّكَرِ مثلُ حَظِّ الأنثيين، إلا أن يكونَ الحاصِلُ للأخواتِ أكثرَ من السُّدُسِ، فلا يزدْن على السدسِ؛ كما فعلَ في بناتِ ابنِ الابنِ مع أخيهنَّ مع بناتِ الصُّلب (١). * وأجمعوا على أن الإخوة للأبِ والأمِّ مقدَّمون على الإخوة للأبِ (٢). * واختلفوا فيما لو تركَ بنتاً وأختاً لأبوين، وأخاً لأب. فذهب الجُمهور إلى أن للبنتِ النِّصْفَ، والباقي للأختِ، ولا شيء للأخ. وقال ابنُ عباسٍ: للبنتِ النصفُ، والباقي للأخ دونَ الأختِ (٣)، وسيأتي مأخذُه قريباً -إن شاء الله تعالى-. * وأجمعوا على أن الإخوة للأب يقومون مقامَ الإخوة للأبوين عندَ فقدهم، كما يقومُ بنو الابن عندَ فقدِ بني الصُّلْب (٤). * وأجمعوا على أن الأخ يَعْصِبُ أخواته، فيأخذْنَ ما بقيَ بعدَ الفرض (٥).

стр. 968

* واختلفوا في موضع واحد، وهو إذا توفيتِ امرأةٌ، وتركتْ زوجَها وأمَّها وأخوينِ لأمها، وإخوةً لأبيها وأمها (١). فكان علي، وأبيُّ بنُ كعبٍ، وأبو موسى -رضي الله تعالى عنهم- يعطون الفرائضَ أهلَها، فلا يبقى للإخوة شيءٌ (٢). وبه قال ابنُ أبي ليلى، وأحمدُ (٣)، وأبو ثورٍ، وداودُ (٤). وكان عمرُ وعثمانُ وزيد -رضي الله تعالى عنهم- يقسمونه بينهم (٥). وبه قالَ مالكٌ، والشافعيُّ والثوريُّ (٦)؛ لأنهم ... ... ... ...

стр. 969

يشاركونهم (١) النَّسبَ الذي يرثون به، فوجبَ أن يشاركوهم في الميراث. واحتجَّ الأولون بقوله ﷺ : "اقْسِموا المالَ بينَ أَهْلِ الفَرائِضِ على كتابِ اللهِ، فما تَرَكَتْ فَلأِوَلْى رَجُلٍ ذَكَرٍ" (٢). وتعرف هذه المسألةُ بالمُشَرِّكة (٣). فإن قال قائل: فإطلاقُ الآيةِ يقتضي أن الأخَ والأختَ لا يرثان مع وجود الولدِ على كل حال. قلنا: المرادُ بالولدِ الذكُر. فإن قالَ: فما دليلُك على ذلك، وعلى (٤) أن الأخَ يرثُ مع البنت؟ قلنا: إجماعُ عامةِ أهلِ العلمِ على أن الابنَ يحجُبُ الأَخَ، وأما ميراثُه مع البنتِ، فالدليل عليه قولُه ﷺ : "اقسموا المالَ بين أهلِ الفرائضِ على كتابِ الله، فما تركت فلأَولى رجلٍ ذكر". فإن قال: فهذا الحديثُ يقتضي أن الأختَ لا ترثُ مع البنتِ شيئاً، فيدلنا ذلك على (٥) أن المرادَ بالولدِ الذكرُ والأنثى، فحينئذ يتفقُ مفهومُ الكتابِ والسنَّةِ على أن الأختَ لا ترثُ مع البنتِ شيئاً.

стр. 970

قلنا: الحديثُ يدلُّ على ما ذكرتَ من عدمِ ميراثِ الأختِ مع البنت، وعلى عُموم الولدِ للذكرِ والأنثى. ولهذا ذهب داودُ وطائفةٌ إلى أنها لا ترثُ مع البنتِ شيئاً، وهو قولُ ابنِ عَبّاسٍ -رضي الله تعالى عنهما (١) -. ولكن العمومَ لا تقومُ دلالتُه إلا إذا لمْ يعارضْهُ ما هو أقوى منه. وهذا العمومُ والإطلاقُ قد عارضَهُ ما روى ابنُ مسعودٍ -رضي الله تعالى عنه-: أن النبي ﷺ قال في ابنةٍ وابنةِ ابنٍ وأختٍ: للبنتِ النصفُ، ولابنةِ الابنِ السُّدُسُ تكملة الثلثين، وما بقيَ فللأخت (٢). فذهب الجمهورُ إلى هذا النص، وخَصُّوا به العمومَ، ودلَّهم على أن المرادَ بالولدِ الذكرُ، لا عمومُ الذكرِ والأنثى، فالخلافُ آيِلٌ إلى أن الوراثةَ مع البنتِ هل هيَ كَلاَلة أو لا؟ فعند الجمهورِ كلالة (٣). وعندَ ابنِ عباسٍ وداودَ ليسَ بكلالةٍ، وكانَ ابنُ الزبير يقولُ في هذه المسألةِ بقولِ ابنِ عباسٍ حتى أخبرَهُ الأسودُ بنُ زيدٍ أنَّ معاذاً قَضى في بنتٍ وأختٍ، فجعل المالَ بينهنَ نصفين (٤). فإن قلت: فالكلالةُ هل المرادُ بها الوارثُ أو الميت؟

стр. 971

قلت: أما في اللغةِ؛ فإنَّها تقعُ على الوارثِ، قال ابنُ الأعرابيِّ: الكلالةُ هم بنو العَمِّ الأباعدُ (١)، قال الفرزدق: [البحر الطويل] وَرِثْتُمْ قَناةَ المَجْدِ لا عَنْ كَلالَة ... عَنِ ابْنَي مَناتٍ عَبْدِ شَمْسٍ وهاشِمِ (٢) ومنه قولُ جابر -رضي الله تعالى عنه-: وإنما يرثنُي كلالَةٌ (٣)، وحكيَ عن أعرابى أنه قال: مالي كثيرٌ، ويرثنُي كلالةٌ مُتَراخٍ نَسَبُه (٤). وقد يقعُ على الميتِ، يقال منه: كَلَّ الرجُلُ يَكَلَّ كَلاَلةً، وهي مأخوذَةٌ من التكلُّلِ، وهو الإحاطةُ بالميتِ، فإذا ذهب أبوه وولدُه، فالعَصَبَةُ محيطون به، متكللون نَسَبَهُ، ومنه سُمِّيَ الإكليل (٥). وأما المرادُ بها في القرآن، فالمراد بها هنا -والله أعلم- الوارثُ. لما رويناه في "صحيح مسلم" من حديثِ جابرٍ (٦)، فإنه إنَّما سألَ عنِ الوارثِ منَ الكَلالة، فأنزل الله سبحانه الآيةَ بياناً لسؤالِه، واستوفى (٧) حُكْمَ الكلالَةِ منَ الذكورِ والإناثِ. وهذه الكلالَةُ هي التي عَظُمَ على الصَّحابةِ أمرُها.

стр. 972

لأن منهم منْ يورثُ الكَلالَةَ معَ الجَد؛ لأن اللهَ سبحانه قال في توريثها: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]، ولم يشترط عدمَ الوالِد والجَدّ صريحًا (١). فأما الوالدُ فاشتراطُه واجبٌ بالإجماع، وبقيَ الجَد على عدِم الاشتراط. ومنهم من لمْ يُوَرثْها؛ كأبي بكر -رضي الله تعالى عنه (٢) -. ولما رأى الإجماعَ قامَ باشتراطِ الأبِ، وهو غيرُ مذكورٍ، وجعلَ الجَدَّ مثلَه، وهو لا يجوز أن يقعَ عندهم الكلالةُ على الميتِ، ولا يمتنع أن يقعَ على الوارثِ أيضاً، فمن أجل تحرجهم في الجَد، تحرجوا في الكلالة، -رضي الله تعالى عنهم-. وأما المراد بالكلالةِ في آيةِ الشتاء. فيجوزُ أن يُراد بها المَيتُ، لأن ولدَ الأم لا يرثُ مع الجَد شيئاً بالإجماع. ويجوز أن يرادَ بها الوارثُ، ولهذا قرئ (وإن كانَ رجلٌ يُورِثُ كلالة) (٣) بفتح الراء وكسرها، فمن كسَرها أوقعها على الوارِث، ومن فتحَها فيجوزُ أن يقعَ على الوارثِ أيضاً، ويكونُ التقديرُ: وإن كانَ رجلٌ يورثُ ذا كلالة، ويجوز أن يقعَ على الميتِ، وينتصب كلالة على الحالِ،

стр. 973

وهو الظاهرُ، وهذا ما انتهى إليه فَهْمي وبَحْثي في الكلالةِ، والله أعلمُ، فإن كان صواباً فمنَ الله، وإن كان خَطَأً فمنِّي، وأستغفرُ اللهَ الغفورَ الرحيمَ (١). * * *

стр. 974

سُورَةُ المَائِدَةِ

стр. 975

(من أحكام المعاملات) ١٠٤ - (١) قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة: ١]. أقول: أصلُ العَقْدِ في اللُّغَةِ: الشَّدُّ والرَّبْطُ (١). ثم استُعمل استعمالاً غالِباً في عُهود الحِلْفِ، وأُطلقَ مَجازاً على عُهود اللهِ من التحليلِ والتحريمِ؛ بدليلِ قولهِ تعالى ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠]. فيحتمل أن يكونَ المرادُ بالعُقودِ هُنا عُهودَ الله تعالى؛ بدليل تعقيبه بذكرِ التحليلِ والتحريمِ، وهذا قول ابنُ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما (٢) -.

стр. 976

ويحتمل أن يكونَ (١) المرادُ ما غلبَ عليه الاستعمالُ، وهذا قولُ قَتادة (٢). ويحتمل أن يرادَ به الأمرانِ جميعاً (٣). * ولا شكَّ أن الوفاءَ بجميع ذلكَ واجبٌ (٤). فأما عقودُ الحلفِ؛ فلقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١]، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء: ٩٠]، وقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [الأنفال: ٧٢]، وقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨]، وغير ذلك من الآيات والآثار. والعلمُ يحيط بأن الوفاءَ بالعهدِ من مَعالم الدينِ، ومَكارِم الأخلاق، وقيامِ السياساتِ، فيجب على كل مؤمن من إمامٍ وغيرِه الوفاءُ بما عاهدَ (٥) عليهِ، ما لم يكنِ الشرطُ حراماً. وخرج مسلمٌ في "صحيحه" عن حذيفةَ بن اليمانِ -رضي الله تعالى عنه- قال: ما منعني أن أشهدَ بَدْراً إلا أني خرجْتُ أنا وأبو حلسٍ، قال: فأَخَذَنا كُفّارُ قريش، فقالوا: إنكم تريدون محمداً؟ قلنا: ما نريدُه، وما نريدُ إلا

стр. 977

المدينةَ، فأخذوا منا عهدَ اللهِ وميثاقَهُ لننصرفنَّ إلى المدينة، ولا نقاتلُ معه، فأتينا رسولَ الله ﷺ ، فأخبرناه الخبرَ، فقال: "انْصَرِفا، نَفي لَهُمْ بِعَهْدِهم، ونستعينُ اللهَ عليهم" (١). ولهذا ذكر علماؤنا أنه ينبغي للأسيرِ أن يفيَ ببذلِ المالِ الذي عاقدَ عليه الكفارَ أو البغاةَ، وإن استعانوا به على البغيِ والضلال. * * *

стр. 978

(من أحكام الأطعمة) * ثم أحلَّ الله سبحانه في هذه الآيةِ، وفي "سورة الحجِّ" (١)، بَهيمةَ الأنعام، وهي الثمانيةُ الأزواجِ التي ذكرَ تفصيلَها في كتابه العزيز (٢). وقيل: بهيمةُ الأنعام: الأَجِنَةُ التي في بُطون الأمَّهات، فهي تؤكلُ من (٣) دونِ ذَكاة، وروي عن ابنِ عمرَ وابنِ عباس -رضي الله تعالى عنهم (٤) -. والمشهور الأولُ (٥). * ثم أحلها اللهُ سبحانه حلالاً مطلقاً، واستثنى منها شيئاً مبهَماً موعوداً

стр. 979

ببيانه حتى يعظمَ موقعُه في النفوس، فتتوفر الدواعي على علمه ومعرفته، فقال: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١]، ثم بينه وتلاه في هذه السورة بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] الآية. * ثم أحلَّ الله سبحانه بهيمةَ غيرِ الأنعامِ من الصيدِ بقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]. * وبين النبيُّ ﷺ حكمَ غير ذلك من البهائم، فنهى عن كُلِّ ذي ناب من السباعِ، وذي مِخْلبٍ من الطير (١)، وحَرَّمَ لحومَ الحُمُرِ الأهليةِ، وأَذِنَ في لُحوم الخيلِ (٢). * وحرم اللهُ سبحانه الصيدَ في حالةِ الإحرام، وذلك شيء مُجْمَلٌ؛ إذ لا يُدرى هل المرادُ أكلُه أو اصطياده؟ وسيأتي بيانه -إن شاء الله تعالى-. * * *

стр. 980

(من أحكام المعاملات) ١٠٥ - (٢) قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢]. * نزلت في الحُطَم، وهو شُريحُ بن ضُبيعةَ بنِ هندٍ البكريُّ حينَ وصلَ حاجاً في بَكْرِ بن وائلِ، وقد قلدوا جمالَهم وَهَمَّ (١) المؤمنون بالإغارة عليه، وذلكَ أنه جاءَ وحدَهُ إلى رسولِ الله ﷺ ، وخَلفَ خيلَه خارجَ المدينةِ، فقال لرسولِ الله ﷺ : ما تدعو إليه؟ قال: "شهادةُ أن لا إله إلا اللهُ، وإقامُ الصلاةِ، وإيتاءُ الزكاةِ" فقال: حَسَنْ، غيرَ أن لي أمراءَ لا أقطعُ أمرًا دونَهم، فلعلي أُسْلِمُ وأرجعُ بهم، فانصرف، فقالَ ﷺ : "دخل بوجهِ كافرٍ، وخرجَ بَعقِبِ غادِر"، فمرَّ بسرحِ المدينةِ (٢)، فاستاقَه وهو

стр. 981

يَرْتَجِزُ ويقول: [من بحر الرجز] باتوا نِياماً وابنُ هِنْدٍ لمْ يَنَمْ ... باتَ يقاسِيها غُلامٌ (١) كالزَّلَمْ خَدَلَّجُ السَّاقَيْنِ خَفَّاقُ القَدَمْ ... قَدْ لَفَّها الليلُ بِسَوّاقٍ حُطَمْ ليسَ بِراعي إبِلٍ ولا غنَمْ ... ولا بِجَزَّارٍ على ظَهْرِ وَضَمْ هذا أوانُ الشَّدِّ فاشْتدِّي زِيَمْ (٢). فِنهى الله المؤمنين أن يفعلوا كما فعلَ المشركون عامَ الحُدَيْبَيةِ معَ رسولِ الله ﷺ وأصحابِه حيثُ أَحَلُّوا شعائِرَ الله، ومنعوا الهديَ أن يبلغَ مَحِلَّهُ، وصَدُّوهُمْ عن البيتِ الحَرام؛ تعظيماً لشعائرِ الله ﷻ وتفخيماً لهذه الحُرُماتِ الخَمْسِ، وقد ذكرَها في غيرِ موضعٍ من كتابهِ العزيز، وعَظَّمَ أمرَها، وها أنا أفصلُها حُكماً حُكماً: الحكم الأول: الشهر الحرام: وقد كانت الجاهليةُ تحرِّمُه وتعظّمُهُ، ثم وردَ الشرعُ بذلكَ. فقالَ اللهُ سبحانه في هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [لمائدة: ٢]. وقال في موضع آخر: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [التوبة: ٣٦]. وقال أيضاً: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤].

стр. 982

وقال أيضًا: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧]. وقال أيضًا: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٩٧]. واستمر الحكمُ على ذلكَ في صدرِ الإسلامِ باتِّفاقِ أهلِ العلم. ثم اختلفوا في بقاِئه: فقال ببقاءِ حُرْمته ومَنْعِ القتال (١) فيه طاوسٌ، ومجاهدٌ (٢). وخالفهما الباقون، وزعموا نسخَ هذه الآية وما أشبهها (٣)، ولم أقفْ لهم على دليلٍ يدلُّ على ما ادَّعوه، وقد قدمتُ ما قالوه في "سورة البقرة"، ودعوى النسخ بعيدٌ؛ لأن "سورة المائدةِ" من آخرِ ما نزل. قالت عائشةُ -رضي الله تعالى عنها-: إنها آخرُ سورةٍ نزلتْ، فما وجدتُم فيها من حَلالٍ فاستَحِلّوه، وما وجدتم فيها من حَرَامٍ فحرّموه (٤)، ولأن "سورة براءة" من آخر ما نَزَل أيضاً؛ كما سيأتي بيانه قريباً -إن شاء الله تعالى-.

стр. 983

(من أحكام الحج) الحكم الثاني: الهَدْيُ: وهو الأنعامُ تُهْدَى إلى البيت العتيق. وقد ذكره الله سبحانه في مواضع (١) من كتابه العزيز، وجعلها من شعائره، فقال: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٣٣]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة:١٩٦]. وقال تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]. وسيأتي الكلامُ عليه -إن شاء الله تعالى-. الحكم الثالث: القلائد: يحتمل أن يكونَ المرادُ بها الهَدْيَ المُقَلَّدَةَ، وإنما أفردَها بالذكرِ إما (٢) تفخيماً وتعظيماً لشأنها، وإما أن التقليدَ يقومُ فعلُه مقامَ النطقِ في خروجها عن ملكِ مالكِها كالنذر. وبهذا أخذَ مالكٌ، فمتى قَلَّدَ هَدْيَهُ وأَشْعَرَهُ، وجبَ عليه ذبحُه، حتى لو

стр. 984

تعيَّبَ وخرَج عن (١) الإجزاءِ وجبَ عليه إبدالُه، ووجب عليه ذبُحه أيضاً (٢). ويحتمل أن يكون المرادُ بها أصحابَ القلائد، على حذف المضاف (٣). قال قَتادةُ: كان الرجلُ إذا خرجَ إلى الحجِّ يقلِّدُ بَدَنته من لِحاء شجرِ الحرمِ، فلا يعرض له (٤) أحد (٥). وحكي عن مجاهد أنه قال: لم يُنْسَخْ من المائدةِ إلا القلائدُ، نسخها قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٦) [التوبة: ٥]. قال بعضُ المتأخرين: وفي هذا نظرٌ؛ فإن أكثرَ أهلِ العلم على أن المائدَة نزلَتْ بعد (براءة)، والمتقدمُ لا ينسخُ المتأخِّرَ. وهذا الذي ذكره عن (٧) أهلُ العلمِ من التاريخ غيرُ مُسَلمٍ، فقد روى البخاريُّ في "جامعه" عن البراءِ -رضي الله تعالى عنه-: أنه قال: آخرُ آيةٍ نزلَتْ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]، وآخرُ سورةٍ

стр. 985

نزلت (براءة) (١)، ولأن (براءة) نزلت في سنةِ تسعٍ. وبعث رسولُ الله ﷺ علياً -رضي الله تعالى عنه- بعشرِ آياتٍ من أولِها إلى مكة؛ ليقرأها على أهلِ المَوْسِمِ بعدَما بعثَ أبا بكرٍ -رضي الله تعالى عنه - أميراً للموسم، وقال: "لا يُبَلِّغُ عَنِّي إلا رَجُلٌ منْ أهلِ بيتي"، فقرأها عليهم يومَ النَّحْرِ، ثم نادى: ألا لا يطوفَنَّ بالكعبةِ عُرْيانُ، ولا يطوفَنَّ بعدَ عامِنا هذا مُشركٌ (٢). و"سورةُ المائدة" فيها تحريمُ الخمرِ، وكان تحريمُه في السنةِ الثالثةِ، وفيها آيةُ التيمُّم، وكان نزولها في سنةِ أربعٍ، وفيها (٣) قولُه تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وكان نزولُها بعرفاتٍ في حجَّةِ الوَداع في سنةِ عَشْرٍ كما ثبت ذلكَ في "الصحيحين" (٤) والله أعلم (٥).
следующие страницы →