← Книги сунны

Книги сунны · id 148486

السنن الكبرى - البيهقي - ت التركي

أبو بكر البيهقي

Полный текст (12 450 стр.). Показаны 10081–10120 · переход к 10086.

стр. 10081

أبو الحَسَنِ الدّارَقُطنِىُّ الحافظُ: لَم يُتابِعْ سُفيانَ بنَ حُسَينٍ على قَولِه: "الرِّجلُ جُبارٌ". أحَدٌ، وهو وهْمٌ؛ لأنَّ الثِّقاتِ خالَفوه ولَم يَذكُروا ذَلِكَ (١). أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ وأبو بكرٍ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ محمدِ بنِ إبراهيمَ الأُشْنَانِىُّ وأبو عبدِ الرَّحمَنِ السُّلَمِىُّ قالوا: حدثنا أبو الحَسَنِ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ عَبدوسٍ قال: سَمِعتُ عثمانَ بنَ سعيدٍ الدّارِمِىَّ يقولُ: سألتُ يَحيَى بنَ مَعينٍ عن سُفيانَ بنِ حُسَينٍ فقالَ: ثِقَةٌ، وهو ضَعيفُ الحَديثِ عن الزُّهرِىِّ (٢). وأمّا الحَديثُ الَّذِى: ١٧٧٥١ - أخبرَنا أبو عبدِ الرَّحمَنِ السُّلَمِىُّ وأبو بكرِ ابنُ الحارِثِ الفَقيهُ قالا: أخبرَنا علىُّ بنُ عُمَرَ الحافظُ، حدثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الفارِسِىُّ، حدثنا جَعفَرٌ القَلانِسِىُّ، حدثنا آدَمُ، حدثنا شُعبَةُ، عن محمدِ بنِ زيادٍ، عن أبي هريرةَ قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "الدّابَّةُ جُرحُها جُبارٌ، والرِّجلُ جُبارٌ، والبِئرُ جُبارٌ، والمَعدِنُ جُبارٌ، وفِي الرِّكازِ الخُمُس" (٣). فقَد قال أبو الحَسَنِ الدّارَقُطنِىُّ: كَذا قال، وهو وهْمٌ ولَم يُتابِعْه عَلَيه أحَدٌ عن شُعبَةَ (٤).

стр. 10082

قال الشيخُ ﵀: قَد رَوَى هذا الحديثَ عن شُعبَةَ محمدُ بنُ جَعفَرٍ غُندَرٌ - وهو الحَكَمُ في حَديثِ شُعبَةَ - ومُعاذُ بنُ مُعاذٍ العَنبَرِىُّ ومُسلِمُ بنُ إبراهيمَ وأبو عُمَرَ الحَوضِىُّ وغَيرُهُم دونَ هذه الزّيادَةِ (١). وكَذَلِكَ رَواه الرَّبيعُ بنُ مسلمٍ عن محمدِ بنِ زيادٍ دونَ هذه الزّيادَةِ (٢). وأمّا الحَديثُ الَّذِى: ١٧٧٥٢ - أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ، أخبرَنا أبو العباسِ السَّيَّارِىُّ، حدثنا محمدُ بنُ موسَى الباشانِىُّ، حدثنا علىُّ بنُ الحَسَنِ بنِ شَقيقٍ، حدثنا أبو حَمزَةَ، عن الأعمَشِ، عن عبدِ الرَّحمَنِ بنِ ثَرْوانَ (ح) وأخبرَنا أبو بكرِ ابنُ الحارِثِ الفَقيهُ الأصبَهانِىُّ، أخبرَنا علىُّ بنُ عُمَرَ الحافظُ، حدثنا عبدُ المَلِكِ بنُ أحمدَ الزَّيّاتُ، حدثنا حَفصُ بنُ عمرٍو، حدثنا عبدُ الرَّحمَنِ، حدثنا سفيانُ، عن أبى قَيسٍ، عن هُزَيلِ بنِ شُرَحبيلَ قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "المَعدِنُ جُبارٌ، والبِئرُ جُبارٌ، والسّائمَةُ جُبارٌ، والرِّجلُ جُبارٌ، وفِي الرِّكازِ الخُمُسُ". لَفظُ حَديثِ الثَّورِىِّ، وفِي رِوايَةِ الأعمَشِ: "العَجماءُ جُبارٌ، [والبِئرُ جُبارٌ، والمَعدِنُ جُبارٌ، والرِّجلُ جُبارٌ] (٣)، وفِي الرِّكازِ الخُمُسُ" (٤). فهَذا مُرسَلٌ لا تَقومُ به حُجَّةٌ.

стр. 10083

ورَواه قَيسُ بنُ الرَّبيعِ مَوصولًا بذِكرِ: عن (١) عبدِ اللَّهِ بنِ مَسعودٍ. فيهِ (٢). وقَيسٌ لا يُحتَجُّ بهِ (٣). ١٧٧٥٣ - وحَدَّثَنا أبو حازِمٍ الحافظُ، حدثنا أبو الحَسَنِ محمدُ بنُ أحمدَ بنِ زَكَريّا، حدثنا أبو عبدِ اللَّهِ محمدُ بنُ إبراهيمَ العَبدِىُّ، حدثنا أبو نَصرٍ التَّمّارُ، حدثنا أبو جَزِىٍّ نَصرُ بنُ طَريفٍ، عن السَّرِىِّ بنِ إسماعيلَ، عن الشَّعبِىِّ، عن نُعمانَ بنِ بَشيرٍ قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "مَن أوقَفَ دابَّةً في سَبيلٍ مِن سُبُلِ المُسلِمينَ أو في أسواقِهِم، فأوطَت بيَدٍ أو رِجلٍ فهو ضامِنٌ" (٤). أبو جَزِىٍّ والسَّرِىُّ بنُ إسماعيلَ ضعيفانَ (٥). بابُ عِلَّةِ الحَديثِ الَّذِى رُوِىَ فيه: "النّارُ جُبارٌ " ١٧٧٥٤ - أخبرَنا أبو طاهِرٍ الفَقيهُ، أخبرَنا أبو بكرٍ محمدُ بنُ الحُسَينِ القَطّانُ، حدثنا أحمدُ بنُ يوسُفَ السُّلَمِىُّ، حدثنا عبدُ الرَّزّاقِ، أخبرَنا مَعمَرٌ،

стр. 10084

عن هَمّامِ بنِ مُنَبِّهٍ قال: هذا ما حدثنا أبو هريرةَ عن النَّبِيِّ ﷺ قال: "العَجماءُ جُرحُها جُبارٌ، والمَعدِنُ جُبارٌ، والنّارُ جُبارٌ، وفِي الرِّكازِ الخُمُسُ" (١). ١٧٧٥٥ - وأخبرَنا أبو عبدِ الرَّحمَنِ السُّلَمِىُّ وأبو بكرِ ابنُ الحارِثِ قالا: أخبرَنا علىُّ بنُ عُمَرَ الحافظُ، حدثنا أبو بكرٍ النَّيسابورِىُّ، حدثنا أحمدُ بنُ مَنصورٍ الرَّمادِىُّ، حدثنا عبدُ الرَّزّاقِ بهَذا الحَديثِ مُختَصَرًا في النّارِ. قال الرَّمادِىُّ: قال عبدُ الرَّزّاقِ: قال مَعمَرٌ: لا أُراه إلا وَهْمًا (٢). ١٧٧٥٦ - وأخبرَنا أبو الحُسَينِ ابنُ بِشْرانَ ببَغدادَ، أخبرَنا أبو عمرِو ابنُ السَّمَّاكِ، حدثنا حَنبَلُ بنُ إسحاقَ قال: سَمِعتُ أبا عبدِ اللَّهِ أحمدَ بنَ حَنبَلٍ يقولُ في حَديثِ أبي هريرةَ: حَديثُ عبدِ الرَّزّاقِ يُحَدِّثُ به: "النّارُ جُبارٌ". لَيسَ بشَئٍ؛ لَم يَكُنْ في الكُتُبِ، باطِلٌ لَيسَ بصَحيحٍ (٣). أخبرَنا أبو عبدِ الرَّحمَنِ السُّلَمِىُّ وأبو بكرِ ابنُ الحارِثِ قالا: أخبرَنا علىُّ بنُ عُمَرَ الحافظُ، حدثنا محمدُ بنُ مَخلَدٍ، حدثنا أبو إسحاقَ إبراهيمُ بنُ هانِئٍ قال: سَمِعتُ أحمدَ بنَ حَنبَلٍ يقولُ: أهلُ اليَمَنِ يَكتُبونَ النّارَ النّيرَ، ويَكتُبونَ البيرَ - يَعنِى مِثلَ ذَلِكَ - فهو تَصحيفٌ (٤).

стр. 10085

بابُ أخذِ الوَلِىِّ بالوَلِىِّ ١٧٧٥٧ - أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ، حدثنا علىُّ بنُ حَمشاذَ العَدلُ، حدثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضِى، حدثنا أبو الوَليدِ، حدثنا عُبَيدُ اللَّهِ بنُ إيادِ بنِ لَقيطٍ، حَدَّثَنِى إيادُ بنُ لَقيطٍ، عن أبي رِمثَةَ قال: انطَلَقتُ مَعَ أبى نَحوَ رسولِ اللَّهِ ﷺ فسَلَّمَ عَلَيه أبى، وجَلَسْنا ساعَةً فتَحَدَّثْنا، فقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ لأبِى: "ابنُكَ هَذا؟ ". قال: إى ورَبِّ الكَعبَةِ. قال: "حَقًّا؟ ". قال: أشهَدُ بهِ. قالَ: فتَبَسَّمَ رسولُ اللَّهِ ﷺ ضاحِكًا مِن ثَبَتِ شَبَهِى بأبِى، ومِن حَلِفِ أبى على ذَلِكَ. قال: ثُمَّ قال: "أما إنَّ ابنَكَ هذا لا يَجنِى عَلَيكَ ولا تَجنِى عَلَيه". قال: وقَرأ رسولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. إلَى قَولِه: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾ (١) [النجم: ٣٨ - ٥٦]. ١٧٧٥٨ - أخبرَنا أبو الحُسَينِ ابنُ الفَضلِ القَطّانُ، أخبرَنا عبدُ اللَّهِ بنُ جَعفَرٍ، حدثنا يَعقوبُ بنُ سُفيانَ، حدثنا قَبيصَةُ، حدثنا سفيانُ، عن أشعَثَ بنِ أبى الشَّعثاءِ، عن الأسوَدِ بنِ هِلالٍ، عن ثَعلَبَةَ بنِ زَهدَمٍ الحَنظَلِىِّ قال: قَدِمْنا على النَّبِيِّ ﷺ نَفَرٌ مِن بَنِى تَميمٍ، فانتَهَينا إلَيه وهو يقولُ: "يَدُ المُعطِى العُليا، ابدأْ بمَن تَعولُ، أُمَّكَ وأباكَ وأُختَكَ وأخاكَ، ثُمَّ أدناكَ أدناكَ". فقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنصارِ: يا رسولَ اللَّهِ، هَؤُلاءِ بَنو ثَعلَبَةَ بنِ يَربوعَ الَّذينَ أصابوا

стр. 10086

فُلانًا في الجاهِليَّةِ. فهَتَفَ النَّبِىُّ ﷺ : "ألا إنَّها لا تَجنِى نَفسٌ على أُخرَى" (١). ١٧٧٥٩ - أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ، حدثنا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، أخبرَنا الرَّبيعُ بنُ سُلَيمانَ، أخبرَنا الشّافِعِىُّ، أخبرَنا سفيانُ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن عمرِو بنِ أوسٍ قال: كان الرَّجُلُ يُؤخَذُ بذَنبِ غَيرِه حَتَّى جاءَ إبراهيمُ ﵇، فقالَ اللَّهُ تَعالَى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: ٣٧، ٣٨]. قال الشّافِعِىُّ: والَّذِى سَمِعتُ - واللَّهُ أعلمُ - في قَولِ اللَّهِ : ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ألَّا يُؤخَذَ أحَدٌ بذَنبِ غَيرِه؛ لأنَّ اللَّهَ جَزَى العِبادَ على أعمالِ أنفُسِهِم (٢)، وكَذَلِكَ أموالُهم لا يَجنِى أحَدٌ على أحَدٍ في مالٍ إلا حَيثُ خَصَّ رسولُ اللَّهِ ﷺ بأنَّ جِنايَةَ الخَطإِ مِنَ الحُرِّ مِنَ الآدَميِّينَ على عاقِلَتِهِ (٣). تم بحمدِ اللَّهِ ومَنِّه الجزءُ السابعَ عشرَ ويتلوه الجزءُ الثامنَ عشرَ وأوله: كتابُ السِّيرِ

стр. 10087

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتابُ السِّيَرِ بابُ مُبتَدإِ الخَلقِ ١٧٧٦٠ - أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ، أخبرَنا أبو العباسِ محمدُ بنُ أحمدَ المَحبوبِىُّ، حدثنا سعيدُ بنُ مَسعودٍ، حدثنا عُبَيدُ اللَّهِ بنُ موسَى، حدثنا شَيبانُ، عن الأعمَشِ، عن جامِعِ بنِ شَدّادٍ، عن صَفوانَ بنِ مُحرِزٍ، عن عِمرانَ بنِ حُصَينٍ قال: إنِّي لَجالِسٌ عِندَ النَّبِيِّ ﷺ إذ جاءَه قَومٌ مِن بَنِى تَميمٍ فقالَ: "اقبَلوا البُشرَى يا بَنِى تَميمٍ". قالوا: قَد بَشَّرتَنا فأَعطِنا يا رسولَ اللَّهِ. قال: فدَخَل عَلَيه أُناسٌ مِن أهلِ اليَمَنِ فقالَ: "اقبَلوا البُشرَى يا أهلَ اليَمَنِ إذ لَم يَقبَلْها بَنو تَميمٍ". قالوا: قَد قَبِلنا يا رسولَ اللَّهِ، جِئنا لِنَتَفَقَّهَ في الدّينِ ونَسأَلَكَ عن أوَّلِ هذا الأمرِ ما كان. قال: "كان اللَّهُ ولَم يَكُنْ شَئٌ قَبلَه، وكانَ عَرشُه على الماءِ، ثُمَّ خَلَقَ السَّماواتِ والأرضَ، وكَتَبَ في الذِّكرِ كُلَّ شَئٍ". قال: وأَتاه رَجُلٌ فقالَ: يا عِمرانَ بنَ حُصَينٍ راحِلَتَكَ، أدرِكْ ناقَتَكَ، فقَد ذَهَبَت. فانطَلَقتُ في طَلَبِها، فإِذا السَّرابُ يَنقَطِعُ دونَها، وايمُ اللَّهِ لَوَدِدتُ أنَّها ذَهَبَت وأَنِّى لَم أقُمْ (١).

стр. 10088

١٧٧٦١ - أخبرَنا أبو الحُسَينِ ابنُ الفَضلِ القَطّانُ، أخبرَنا عبدُ اللَّهِ بنُ جَعفَرٍ، حدثنا يَعقوبُ بنُ سُفيانَ، حدثنا عُمَرُ بنُ حَفصٍ، حدثنا أبى، حدثنا الأعمَشُ، حدثنا جامِعُ بنُ شَدّادٍ، عن صَفوانَ بنِ مُحرِزٍ أنَّه حَدَّثَه عن عِمرانَ بنِ الحُصَينِ قال: دَخَلتُ على رسولِ اللَّهِ ﷺ . فذَكَرَ الحديثَ، قال فيه: قالوا: جِئناكَ نَسأَلُكَ عن هذا الأمرِ. قال: "كان اللَّهُ ولَم يَكُنْ شَئٌ غَيرُه، وعَرشُه على الماءِ، وكَتَبَ في الذِّكرِ كُلَّ شَئٍ، وخَلَقَ السَّماواتِ والأرضَ" (١). رَواه البخاريُّ في "الصحيح" عن عُمَرَ بنِ حَفصِ بنِ غِياثٍ (٢). والمُرادُ به واللَّهُ أعلمُ: ثُمَّ خَلَقَ الماءَ، وخَلَقَ العَرشَ على الماءِ، وخَلَقَ القَلَمَ وأَمَرَه، فكَتَبَ في الذِّكرِ كُلَّ شَئٍ. ١٧٧٦٢ - أخبرَنا أبو القاسِم زَيدُ بنُ أبى هاشِمٍ العَلَوِىُّ بالكوفَةِ، أخبرَنا أبو جَعفَرٍ محمدُ بنُ عليِّ بنِ دُحَيمٍ، حدثنا إبراهيمُ بنُ عبدِ اللَّهِ العَبسِىُّ، أخبرَنا وكيعُ بنُ الجَرّاحِ، عن الأعمَشِ، عن أبي ظَبيانَ، عن ابنِ عباسٍ قال: إنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَئٍ القَلَمُ، فقالَ: اكتُب. قال: يا رَبِّ وما أكتُبُ؟ فقال: اكتُبِ القَدَرَ. قال: فجَرَى بما هو كائنٌ مِن ذَلِكَ اليَومِ إلَى قيامِ السّاعَةِ. قال: ثُمَّ خَلَقَ النُّونَ، فدَحا الأرضَ عَلَيها، فارتَفَعَ بُخارُ الماءِ، ففَتَقَ مِنه السَّماواتِ، واضطَرَبَ النُّونُ فمادَتِ الأرضُ، فأُثبِتَت بالجِبالِ، وإِنَّ

стр. 10089

الجِبالَ لَتَفخَرُ على الأرضِ إلَى يَومِ القيامَةِ (١). ١٧٧٦٣ - أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ، أخبرَنا أبو بكرِ ابنُ إسحاقَ الفَقيهُ، أخبرَنا محمدُ بنُ أيّوبَ الرّازِىُّ، أخبرَنا أحمدُ بنُ جُميلٍ (٢) المَروَزِىُّ، حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ المُبارَكِ، عن رَباحِ بنِ زَيدٍ، عن عُمَرَ بنِ حَبيبٍ، عن القاسِمِ بنِ أبي بَزَّةَ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ أنَّه كان يُحَدِّثُ أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "إنَّ أوَّلَ شَئٍ خَلَقَ اللَّهُ جلَّ ثناؤُه القَلَمُ، وأَمَرَه فكَتَبَ كُلَّ شَئٍ يَكونُ" (٣). ورُوِىَ ذَلِكَ أيضًا في حَديثِ عُبادَةَ بنِ الصّامِتِ مَرفوعًا (٤). ١٧٧٦٤ - أخبرَنا أبو الحُسَينِ علىُّ بنُ محمدِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ بِشْرانَ ببَغدادَ، أخبرَنا أبو بكرٍ أحمدُ بنُ سَلمانَ بنِ الحَسَنِ الفَقيهُ قال: قُرِئَ على يَحيَى بنِ جَعفَرِ بنِ الزِّبْرِقانِ وأَنا أسمَعُ: أخبرَنا حَجّاجُ بنُ محمدٍ الأعوَرُ قال: قال ابنُ جُرَيجٍ: أخبرَنِى إسماعيلُ بنُ أُمَيَّةَ، عن أيّوبَ بنِ خالِدٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ رافِعٍ مَولَى أُمِّ سلمةَ، عن أبي هريرةَ قال: أخَذَ رسولُ اللَّهِ ﷺ بيَدِى فقال: "خَلَقَ اللَّهُ التُّربَةَ يَومَ السَّبتِ، وخَلَقَ فيها الجِبالَ يَومَ الأحَدِ، وخَلَقَ الشَّجَرَ يَومَ الاثنَينِ، وخَلَقَ المَكروهَ يَومَ الثُّلاثاءِ، وخَلَقَ النّورَ يَومَ الأربِعاءِ، وبَثَّ فيها

стр. 10090

الدَّوابَّ يَومَ الخَميسِ، وخَلَقَ آدَمَ بَعدَ العَصرِ مِن يَومِ الجُمُعَةِ، [آخِرَ الخَلقِ] (١) في آخِرِ ساعَةٍ مِن ساعاتِ الجُمُعَةِ، فيما بَينَ العَصرِ إلَى اللَّيلِ" (٢). رَواه مسلمٌ في "الصحيح" عن سُرَيجِ بنِ يونُسَ وهارونَ بنِ عبدِ اللَّهِ عن حَجّاجِ بنِ محمدٍ (٣). ١٧٧٦٥ - أخبرَنا أبو مَنصورٍ أحمدُ بنُ علىٍّ الدّامَغانِىُّ، أخبرَنا أبو بكرٍ الإِسماعيلِىُّ، أخبرَنِى جَعفَرُ بنُ محمدِ بنِ الأزهَرِ الطُّوسِىُّ ببَغدادَ، حدثنا وهبُ بنُ بَقيَّةَ، حدثنا خالِدٌ، عن الشَّيبانِيِّ، عن عَونِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ عُتبَةَ، أظُنُّه عن أخيه عُبَيدِ اللَّهِ، قال أبو هريرةَ: سَمِعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: "إنَّ في الجُمُعَةِ لَساعَةً لا يَسأَلُ اللَّهَ فيها عبدٌ شَيئًا إلا أعطاه إيّاه". قال: وقالَ عبدُ اللَّهِ بنُ سَلامٍ: إنَّ اللَّهَ تَعالَى بَدأ الخَلقَ فخَلَقَ الأرضَ يَومَ الأحَدِ ويَومَ الاثنَينِ، وخَلَقَ السَّماواتِ يَومَ الثُّلاثاءِ ويَومَ الأربِعاءِ، وخَلَقَ الأقواتَ وما في الأرضِ مِن شَئٍ يَومَ الخَميسِ ويَومَ الجُمُعَةِ، فرَغَ مِن ذَلِكَ عِندَ صَلاةِ العَصرِ، فتِلكَ السّاعَةُ ما بَينَ العَصرِ إلَى غُروبِ الشَّمسِ (٤). ١٧٧٦٦ - وأخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ، أخبرَنِى محمدُ بنُ عليٍّ الصَّنعانِىُّ بمَكَّةَ، حدثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، أخبرَنا عبدُ الرَّزّاقِ، أخبرَنا

стр. 10091

مَعمَرٌ (١)، أخبرَنِى عَوفٌ، عن قَسامَةَ بنِ زُهَيرٍ، عن أبي موسَى الأشعَرِىِّ، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: "خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مِن أديمِ الأرضِ كُلِّها، فخَرَجَت ذُرّيَّتُه على حَسَبِ ذَلِكَ؛ مِنهُمُ الأبيَضُ والأسوَدُ والأسمَرُ والأحمَرُ، ومِنهُم بَينَ ذَلِكَ، ومِنهُمُ السَّهلُ والخَبيثُ (٢) والطَّيِّبُ" (٣). ١٧٧٦٧ - أخبرَنا أبو الحُسَينِ ابنُ بِشْرانَ، حدثنا إسماعيلُ بنُ محمدٍ الصَّفّارُ وأبو جَعفَرٍ الرزازُ قالا: حدثنا سَعدانُ بنُ نَصرٍ، حدثنا إسحاقُ الأزرَقُ، عن عَوفٍ الأعرابِىِّ، عن قَسامَةَ بنِ زُهَيرٍ، عن أبي موسَى قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : " [خلقَ اللهُ] (٤) آدَمَ مِن قَبضَةٍ قَبَضَها مِن جَميعِ الأرضِ، فجاءَ بَنو آدَمَ على قَدرِ الأرضِ؛ مِنهُمُ الأحمَرُ والأسوَدُ، والسَّهلُ والحَزْنُ، وبَينَ ذَلِكَ، والخَبيثُ والطَّيِّبُ" (٥). ١٧٧٦٨ - أخبرَنا أبو الحَسَنِ محمدُ بنُ الحُسَينِ العَلَوِىُّ، أخبرَنا أبو حامِدِ ابنُ الشَّرْقِىِّ، حدثنا محمدُ بنُ يَحيَى وأبو الأزهَرِ وحَمدانُ السُّلَمِىُّ

стр. 10092

قالوا: حدثنا عبدُ الرَّزّاقِ، أخبرَنا مَعمَرٌ، عن الزُّهرِيِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ قالَت: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "خُلِقَتِ المَلائكَةُ مِن نورٍ، وخُلِقَ الجانُّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ، وخُلِقَ آدَمُ مِمّا وُصِفَ لَكُم" (١). رَواه مسلمٌ في "الصحيح" عن محمدِ بنِ رافِعٍ عن عبدِ الرَّزّاقِ (٢). قال الشّافِعِىُّ ﵀: قال اللَّهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] قال الشّافِعِىُّ: خَلَقَ اللهُ الخلقَ لِعِبادَتِه (٣). يَعنِى مَن (٤) شاءَ مِن عِبادِه، أو ليأمُرَ مَن شاءَ مِنهُم بعِبادَتِه ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥]. ١٧٧٦٩ - أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ إسحاقُ بنُ محمدِ بنِ يوسُفَ السّوسِىُّ، حدثنا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، أخبرَنا العباسُ بنُ الوَليدِ بنِ مَزيَدٍ، أخبرَنِى أبى قال: سَمِعتُ الأوزاعِىَّ، حَدَّثَنِى رَبيعَةُ بنُ يَزيدَ ويَحيَى بنُ أبى عمرٍو السَّيبانِىُّ قالا: حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ فيروزَ الدَّيلَمِىُّ قال: دَخَلتُ على عبدِ اللَّهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ. فذَكَرَ الحديثَ إلَى أن قال: قال عبدُ اللَّهِ: سَمِعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: "إنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلقَه في ظُلمَةٍ، ثُمَّ ألقَى عَلَيهِم مِن نورِه، فمَن أصابَه مِن ذَلِكَ النّورِ يَومَئذٍ شَئٌ اهتَدَى، ومَن أخطأه ضَلَّ، فلِذَلِكَ أقولُ:

стр. 10093

جَفَّ القَلَمُ على (١) عِلمِ اللَّهِ" (٢). قال الشّافِعِىُّ ﵀: ثُمَّ أبانَ جلَّ ثناؤُه أن خِيرَتَه مِن خَلقِه أنبياؤُه فقالَ: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣] فجَعَلَ نَبيَّنا (٣) ﷺ مِن أصفيائه دونَ عِبادِه، بالأمانَةِ على وحيِه، والقيامِ بحُجَّتِه فيهِم (٤). ١٧٧٧٠ - حدثنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ، حدثنا أبو الحَسَنِ علىُّ بنُ الفَضلِ بنِ إدريسَ السّامَرِّىُّ ببَغدادَ، حدثنا الحَسَنُ بنُ عَرَفَةَ العَبدِىُّ، حَدَّثَنِى يَحيَى بنُ سعيدٍ السَّعيدِىُّ البَصرِىُّ، حدثنا عبدُ المَلِكِ بنُ جُرَيجٍ، عن عَطاءٍ، عن عُبَيدِ بنِ عُمَيرٍ، عن أبي ذَرٍّ قال: دَخَلتُ على رسولِ اللَّهِ ﷺ وهو في المَسجِدِ. فذَكَرَ الحديثَ إلَى أن قال: فقُلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، كَمِ النَّبيّونَ؟ قال: "مِائَةُ ألفِ نَبِىٍّ وأَربَعَةٌ وعِشرونَ ألفِ نَبِىٍّ". قُلتُ: كَمِ المُرسَلونَ مِنهُم؟ قال: "ثَلاثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ" (٥). تَفَرَّدَ به يَحيَى بنُ سعيدٍ السَّعيدِىُّ (٦).

стр. 10094

١٧٧٧١ - أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ، حدثنا أبو عبدِ اللَّهِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، حدثنا محمدُ بنُ شاذانَ وأَحمَدُ بنُ سلمةَ قالا: حدثنا قُتَيبَةُ بنُ سعيدٍ، حدثنا اللَّيثُ، عن سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "ما مِنَ الأنبياءِ مِن نَبِىٍّ إلَّا وقَد أُعطِىَ مِنَ الآياتِ ما مِثلُه آمَنَ عَلَيه البَشَرُ، وإِنَّما كان الَّذِى أوتيتُ وحيًا أوحاه اللَّهُ إلَىَّ، فأَرجو أن أكونَ أكثَرَهُم تابِعًا يَومَ القيامَةِ" (١). رَواه البخاريُّ في "الصحيح" عن عبدِ اللَّهِ بنِ يوسُفَ وغَيرِه عن اللَّيثِ، ورَواه مسلمٌ عن قُتَيبَةَ (٢). قال الشَّافِعِىُّ ﵀: ثُمَّ ذَكَرَ مِن خاصَّتهِ صفوَتَه فقالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣]. وساقَ الشّافِعِىُّ الكَلامَ عَلَيه إلَى أن قال: ثُمَّ اصطَفَى محمدًا ﷺ مِن خَيرِ آلِ إبراهيمَ، وأَنزَلَ كُتُبَه قبلَ إنزالِه الفُرقانَ على محمدٍ ﷺ [بصِفَةِ فضيلَتِه] (٣) وفَضيلَةِ مَن تَبِعَه فقالَ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ﴾ الآيَةَ (٤) [الفتح: ٢٩].

стр. 10095

١٧٧٧٢ - أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ وأبو عبدِ اللَّهِ إسحاقُ بنُ محمدِ بنِ يوسُفَ السُّوسِىُّ قالا: حدثنا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، حدثنا الرَّبيعُ بنُ سُلَيمانَ المُرادِىُّ وسَعيدُ بنُ عثمانَ قالا: حدثنا بشرُ بنُ بكرٍ، عن الأوزاعِيِّ، حَدَّثَنِى أبو عَمّارٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ فرّوخَ، عن أبي هريرةَ قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "أنا سَيَّدُ بَنِى آدَمَ يَومَ القيامَةِ، وأَوَّلُ مَن تَنشَقُّ عنه الأرضُ، وأَوَّلُ شافِعٍ، وأَوَّلُ مُشَفَّعٍ" (١). أخرَجَه مسلمٌ في "الصحيح" مِن حَديثِ الأوزاعِيِّ (٢). ١٧٧٧٣ - وأخبرَنا أبو عليٍّ الرُّوذبارِىُّ وأبو عبدِ اللَّهِ ابنُ بَرهانٍ وأبو الحُسَينِ ابنُ الفَضلِ القَطّانُ وغَيرُهُم قالوا: أخبرَنا إسماعيلُ بنُ محمدٍ الصَّفّارُ، حدثنا الحَسَنُ بنُ عَرَفَةَ، حدثنا القاسِمُ بنُ مالكٍ المُزَنِىُّ، عن المُختارِ بنِ فُلفُلٍ، عن أنَسِ بنِ مالكٍ قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "أنا أوَّلُ شَفيعٍ يَومَ القيامَةِ، وأَنا أكثَرُ الأنبياءِ تَبَعًا يَومَ القيامَةِ، إنَّ مِنَ الأنبياءِ لَمَن يأتِى يَومَ القيامَةِ ما مَعَه مُصَدِّقٌ غَيرُ واحِدٍ" (٣). أخرَجَه مسلمٌ مِن أوجُهٍ عن المُختارِ (٤). ١٧٧٧٤ - أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ، حدثنا محمدُ بنُ يَعقوبَ الشَّيبانِىُّ، حدثنا جَعفَرُ بنُ محمدِ بنِ الحُسَينِ، حدثنا يَحيَى بنُ يَحيَى، أخبرَنا

стр. 10096

هُشَيمٌ (ح) وأخبرَنا أبو الحَسَنِ علىُّ بنُ محمدٍ المُقرِئُ، أخبرَنا الحَسَنُ بنُ محمدِ بنِ إسحاقَ، حدثنا يوسُفُ بنُ يَعقوبَ، أخبرَنا أبو الرَّبيعِ، حدثنا هُشَيمٌ، أخبرَنا سَيّارٌ، حدثنا يَزيدُ الفَقيرُ، أخبرَنا جابِرُ بنُ عبدِ اللَّهِ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "أُعطيتُ خَمسًا لَم يُعطَهُنَّ أحَدٌ قَبلِى؛ نُصِرتُ بالرُّعبِ مَسيرَةَ شَهرٍ، وأُحِلَّت لِىَ الغَنائمُ ولَم تَحِلَّ لأحَدٍ قَبلى، وجُعِلَت لِىَ الأرضُ مَسجِدًا وطَهورًا، فأَيُّما رَجُلٍ مِن أُمَّتِى أدرَكَته الصَّلاةُ فليُصَلِّ، وأُعطيتُ الشَّفاعَةَ، وكُلُّ نَبِيٍّ يُبعَثُ إلَى قَومِه خاصَّةً وبُعِثتُ إلَى النّاسِ عامَّةً" (١). لَفظُ حَديثِ أبى الرَّبيعِ. رَواه مسلمٌ في "الصحيح" عن يَحيَى بنِ يَحيَى، ورَواه البخاريُّ عن محمدِ بنِ سِنانٍ عن هُشَيمٍ (٢). ١٧٧٧٥ - أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ، أخبرَنا أبو زَكَريّا العَنبَرِىُّ، حدثنا محمدُ بنُ عبدِ السَّلامِ، حدثنا إسحاقُ، أخبرَنا جَريرٌ، عن الأعمَشِ، عن خَيثَمَةَ قال: قرأَ رَجُلٌ على عبدِ اللَّهِ سورَةَ الفَتحِ، فلَمّا بَلَغَ: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩]. قال: ليَغيظَ اللَّهُ بالنَّبِيِّ وبِأَصحابِه الكُفّارَ، ثُمَّ قال عبدُ اللَّهِ: أنتُمُ الزَّرعُ وقَد دَنا حَصادُه (٣). قال الشّافِعِىُّ: وقالَ لأُمَّتِه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ الآية [آل عمران: ١١٠].

стр. 10097

ففَضَّلَهُم بكَينونَتِهِم مِن أُمَّتِه دونَ أُمَمِ الأنبياءِ قَبلَه (١). ١٧٧٧٦ - أخبرَنا أبو طاهِرٍ الفَقيهُ، أخبرَنا أبو حامِدِ ابنُ بلالٍ، حدثنا إبراهيمُ بنُ عبدِ اللَّهِ، أخبرَنا يَزيدُ بنُ هارونَ، أخبرَنا بَهْزُ بنُ حَكيمِ بنِ مُعاويَةَ القُشَيرِىُّ، عن أبيه، عن جَدِّه قال: سَمِعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: "إنَّكُم تُوفُونَ سبعينَ أُمَّةً، أنتُم خَيرُها وأَكرَمُها على اللَّهِ " (٢). قال الشّافِعِىُّ: ثُمَّ أخبَرَ جلَّ ثناؤُه أنَّه جَعَلَه فاتِحَ رَحمَتِه عِندَ فترَةِ رُسُلِه، فقالَ: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩]. وقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢]. وكانَ في ذَلِكَ ما دَلَّ على أنَّه بَعَثَه إلَى خَلقِه؛ لأنَّهُم كانوا أهلَ الكِتابِ وأُمّيّينَ، وأنَّه فتَحَ به رَحمَتَه وخَتَمَ به نُبوَّتَه فقالَ: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٣) [الأحزاب: ٤٠]. ١٧٧٧٧ - أخبرَنا أبو الحَسَنِ علىُّ بنُ محمدٍ المُقرِئُ، أخبرَنا الحَسَنُ بنُ محمدِ بنِ إسحاقَ، حدثنا يوسُفُ بنُ يَعقوبَ، حدثنا أبو الرَّبيعِ، حدثنا إسماعيلُ بنُ جَعفَرٍ، حدثنا العَلاءُ بنُ عبدِ الرَّحمَنِ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ،

стр. 10098

أن النَّبِىَّ ﷺ قال: "فُضِّلتُ على الأنبياءِ بسِتٍّ؛ أُعطيتُ جَوامِعَ الكَلامِ (١)، ونُصِرتُ بالرُّعبِ، وأُحِلَّت لِىَ الغَنائمُ، وجُعِلَت لِىَ الأرضُ طَهورًا ومَسجِدًا، وأُرسِلتُ إلَى الخَلقِ كافَّةً، وخُتِمَ بى النَّبيّونَ" (٢). رَواه مسلمٌ في "الصحيح" عن يَحيَى بنِ أيّوبَ وغَيرِه عن إسماعيلَ (٣). ١٧٧٧٨ - أخبرَنا أبو الحَسَنِ محمدُ بنُ الحُسَينِ بنِ داودَ العَلَوِىُّ ﵀، أخبرَنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ الحَسَنِ الحافظُ، حدثنا محمدُ بنُ يَحيَى الذُّهلِىُّ، حدثنا عَفّانُ بنُ مُسلِمٍ، حدثنا سَلِيمُ بنُ حَيّانَ قال: سَمِعتُ سعيدَ بنَ مِيناءَ قال: سَمِعتُ جابِرَ بنَ عبدِ اللَّهِ قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ (ح) قال: وحَدَّثَنا إبراهيمُ بنُ عبدِ اللَّهِ، حدثنا يَزيدُ بنُ هارونَ، حدثنا سَليمُ بنُ حَيّانَ قال: سَمِعتُ سعيدَ بنَ مِيناءَ قال: سَمِعتُ جابِرَ بنَ عبدِ اللَّهِ قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "مَثَلِى ومَثَلُ الأنبياءِ قَبلِى كَمَثَلِ رَجُلٍ ابتَنَى دارًا - وقالَ يَزيدُ: بَنَى دارًا - فأَحسَنَها وأَكمَلَها إلَّا مَوضِعَ لبِنَةٍ، فجَعَلَ النّاسُ يَدخُلونَها ويَتَعَجَّبونَ مِنها ويَقولونَ: لَولا مَوضِعُ هذه اللَّبِنَةِ". قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "فأَنا مَوضِعُ تِلكَ اللَّبِنَةِ، جِئتُ فخَتَمتُ الأنبياءَ" (٤). رَواه البخاريُّ في "الصحيح" عن محمدِ بنِ سِنانٍ عن سَليمٍ، ورَواه مسلمٌ عن أبي بكرِ ابنِ أبي شَيبَةَ وأَبِى كُرَيبٍ عن عَفّانَ (٥).

стр. 10099

قال الشَّافِعِىُّ ﵀: وقَضَى أنْ أظهَر دينَه على الأديانِ فقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ الآية [التوبة: ٣٣، والفتح: ٢٨، والصف: ٩]. قال: وقَد وصَفنا بَيانَ كَيفَ يُظهِرُه على الدّينِ كُلِّه في غَيرِ هذا المَوضِعِ (١). ١٧٧٧٩ - أخبرَنا أبو زَكَريّا ابنُ أبي إسحاقَ المُزَكِّى، أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، حدثنا أبو أحمدَ محمدُ بنُ عبدِ الوَهّابِ، أخبرَنا جَعفَرُ بنُ عَونٍ، أخبرَنا إسماعيلُ بنُ أبى خالِدٍ، عن قَيسِ بنِ أبي حازِمٍ، عن خَبّابٍ قال: شَكَونا إلَى رسولِ اللَّهِ ﷺ وهو مُتَوَسِّدٌ بُردَةً له في ظِلِّ الكَعبَةِ فقُلنا: ألا تَدعو اللَّهَ لَنا؟ ألا تَستَنصِرُ اللَّهَ لَنا؟ قال: فجَلَسَ مُحْمارًّا وجهُه ثُمَّ قال: "واللَّهِ إنَّ مَن كان قَبلَكُم لَيُؤخَذُ الرَّجُلُ فيُحفَرُ له الحُفرَةُ (٢) فيوضَعُ الميشارُ (٣) على رأسِه فيُشَقُّ باثنَينِ (٤)، ما يَصرِفُه عن دينِه، أو يُمشَطُ بأَمشاطِ الحَديدِ ما بَينَ عَصَبِه ولَحمِه، ما يَصرِفُه عن دينِه، ولَيُتَمِّمَنَّ (٥) اللَّهُ هذا الأمرَ، حَتَّى يَسيرَ الرَاكِبُ مِنكُم مِن صَنعاءَ إلَى حَضرَمَوتَ، لا يَخشَى إلَّا اللَّهَ أوِ الذِّئبَ على غَنَمِه، ولَكِنَّكُم تَعجَلونَ" (٦).

стр. 10100

أَخرَجاه في "الصحيح" مِن حَديثِ إسماعيلَ (١). بابُ مُبتَدإِ البَعثِ والتَّنزيلِ ١٧٧٨٠ - أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ، أخبرَنا أبو عمرٍو المُقرِئُ، أخبرَنا الحَسَنُ بنُ سُفيانَ، حدثنا أبو الطّاهِرِ أحمدُ بنُ عمرٍو، حدثنا ابنُ وهبٍ، أخبرَنِى يونُسُ، عن ابنِ شِهابٍ، حَدَّثَنِى عُروَةُ بنُ الزُّبَيرِ أن عائشةَ ﵂ زَوجَ النَّبِيِّ ﷺ أخبَرَته قالَت: كان أوَّلُ ما بُدِئَ به رسولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الوَحىِ الرُّؤيا الصّالِحَةَ في النَّومِ، فكانَ لا يَرَى رُؤيا إلَّا جاءَت مِثلَ فلَقِ الصُّبحِ، ثُمَّ حُبِّبَ (٢) إلَيه الخَلاءُ، فكانَ يَخلو بغارِ حِراءٍ (٣) فيَتَحَنَّثُ فيه - وهو التَّعَبُّدُ - اللَّيالِىَ أولاتِ العَدَدِ قبلَ أن يَرجِعَ إلَى أهلِه، ويَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرجِعُ إلَى خَديجَةَ فتُزَوِّدُه بمِثلِها، حَتَّى فجِئَه الحَقُّ وهو في غارِ حِراءٍ، فجاءَه المَلَكُ فقالَ: اقرأْ. فقالَ: "ما أنا بقارِئٍ". قال: "فأَخَذَنِى فغَطَّنِى (٤) حَتَّى بَلَغَ مِنِّى الجَهْدَ، ثُمَّ أرسَلَنِى فقالَ: اقرأْ. فقُلتُ: ما أنا بقارِئٍ فأَخَذَنِى فغَطَّنِى الثّانيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّى الجَهْدَ، ثُمَّ أرسَلَنِى فقالَ: اقرأْ. فقُلتُ: ما أنا بقارِئٍ فأَخَذَنِى فغَطَّنِى الثّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّى الجَهْدَ، ثُمَّ أرسَلَنِى فقالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ " [العلق: ١ - ٥].

стр. 10101

فرَجَعَ بها رسولُ اللَّهِ ﷺ تَرجُفُ بَوادِرُه (١) حَتَّى دَخَلَ على خَديجَةَ ﵂ فقالَ: "زمِّلونِى زَمِّلونِى". فزَمَّلوه حَتَّى ذَهَبَ عنه الرَّوعُ، ثُمَّ قال لِخَديجَةَ: "أىْ خَديجَةُ، مالِى؟ ". وأَخبَرَها الخَبَرَ، قال: "لَقَد خَشِيتُ على نَفسِى". قالَت له خَديجَةُ: كَلا، أبشِرْ فواللَّهِ لا يُخزيكَ (٢) اللَّهُ أبَدًا؛ واللَّهِ إنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وتَصدُقُ الحديثَ، وتَحمِلُ الكَلَّ، وتَكسِبُ المَعدومَ، وتَقرِى الضَّيفَ، وتُعينُ على نَوائبِ الحَقِّ. فانطَلَقَت به خَديجَةُ ﵂ حَتَّى أتَت به ورَقَةَ بنَ نَوفَلِ بنِ أسَدِ بنِ عبدِ العُزَّى بنِ قُصَىٍّ - وهو ابنُ عَمِّ خَديجَةَ ابنُ أخِى أبيها، وكانَ امْرَأً تَنَصَّرَ في الجاهِليَّةِ، وكانَ يَكتُبُ الكِتابَ العَرَبِىَّ، ويَكتُبُ مِنَ الإنجيلِ بالعَرَبيَّةِ ما شاءَ اللَّهُ أن يَكتُبَ، وكانَ شَيخًا كَبيرًا قَد عَمِىَ - فقالَت له خَديجَةُ: أىْ عَمِّ، اسمَعْ مِنِ ابنِ أخيكَ. قال ورَقَةُ بنُ نَوفَلٍ: ابنَ أخِى، ماذا تَرَى؟ فأَخبَرَه رسولُ اللَّهِ ﷺ خَبَرَ ما رأى، فقالَ له ورَقَةُ: هذا النّاموسُ الَّذِى أُنزِلَ على موسَى، يا لَيتَنِى فيها جَذَعًا (٣)، يا لَيتَنِى أكونُ حَيًّا حينَ يُخرِجُكَ قَومُكَ. قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "أوَمُخرِجِىَّ هُم؟ ". قال ورَقَةُ: نَعَم، لَم يأتِ رَجُلٌ قَطُّ بما جِئتَ به إلَّا عُودِىَ، وإِن يُدرِكْنِى يَومُكَ أنصُرْكَ نَصرًا مُؤَزَّرًا (٤). رَواه مُسلِمٌ في "الصحيح" عن أبي الطّاهِرِ، وأَخرَجَه البخاريُّ مِن

стр. 10102

وجهٍ آخَرَ عن يونُسَ (١). ١٧٧٨١ - أخبرَنا أبو الحُسَينِ ابنُ بِشْرانَ ببَغدادَ، أخبرَنا عبدُ الصَّمَدِ بنُ عليِّ بنِ محمدِ بنِ مُكرَمٍ، حدثنا عُبَيدُ بنُ عبدِ الواحِدِ، حدثنا يَحيَى بنُ بُكَيرٍ، حدثنا اللَّيثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهابٍ قال: سَمِعتُ أبا سلمةَ بنَ عبدِ الرَّحمَنِ يقولُ: أخبرَنِى جابِرُ بنُ عبدِ اللَّهِ أنَّه سَمِعَ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: "فتَرَ الوَحىُ عَنِّى، فبَينَما أنا أمشِى سمِعتُ صَوتًا مِنَ السَّماءِ، فرَفَعتُ بَصَرِى قِبَلَ السَّماءِ، فإِذا المَلَكُ الَّذِى جاءَنِى بحِراءٍ قاعِدٌ على كُرسِيٍّ بَينَ السَّماءِ والأرضِ، فجُثِثتُ (٢) مِنه فرَقًا حَتَّى هَوَيتُ إلَى الأرضِ، فجِئتُ أهلِى فقُلتُ لَهُم: زَمِّلونِى زَمِّلونِى. فزَمَّلونِى، فأَنزَلَ اللَّهُ : ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ١ - ٥]. قال أبو سلمةَ: والرُّجزُ الأوثانُ. قال: "ثُمَّ حَمِىَ الوَحىُ (٣) بَعدُ وتَتابَعَ" (٤). ١٧٧٨٢ - وأخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ، أخبرَنِى أبو سَهلٍ بشرُ بنُ أحمدَ المِهرَجانِىُّ، حدثنا داودُ بنُ الحُسَينِ بنِ عليِّ بنِ عَقيلٍ هو الخُسرَوجِردِىُّ، حدثنا عبدُ المَلِكِ بنُ شُعَيبِ بنِ اللَّيثِ بنِ سَعدٍ، حَدَّثَنِى أبى، عن جَدِّى،

стр. 10103

أخبرَنِى عُقَيلُ بنُ خالِدٍ، عن ابنِ شِهابٍ قال: سَمِعتُ أبا سلمةَ بنَ عبدِ الرَّحمَنِ يقولُ: أخبرَنِى جابِرُ بنُ عبدِ اللَّهِ أنَّه سَمِعَ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: "ثُمَّ فتَرَ الوَحىُ عَنِّى فترَةً". فذَكَرَ الحديثَ بمَعناه (١). رَواه البخاريُّ في "الصحيح" عن يَحيَى بنِ بُكَيرٍ، ورَواه مسلمٌ عن عبدِ المَلِكِ بنِ شُعَيبٍ (٢). ١٧٧٨٣ - أخبرَنا أبو الحَسَنِ محمدُ بنُ الحُسَينِ بنِ داودَ العَلَوِىُّ، حدثنا أبو حامِدِ ابنُ الشَّرْقِىِّ إملاءً، حدثنا عبدُ الرَّحمَنِ بنُ بشرِ بنِ الحَكَمِ، حدثنا سفيانُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن الزُّهرِىِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ ﵂ قالَت: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ مِنَ القُرآنِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (٣) [العلق: ١]. بابُ مُبتَدإِ الفَرضِ على النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ على النّاسِ، وما لَقِىَ النَّبِىُّ ﷺ مِن أذَى قَومِه في تَبليغِ الرِّسالَةِ على وجهِ الاختِصارِ ١٧٧٨٤ - أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ، أخبرَنِى أبو عمرِو ابنُ أبي جَعفَرٍ، حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ، حدثنا أبو كُرَيبٍ، حدثنا أبو أُسامَةَ، عن الأعمَشِ، عن عمرِو بنِ مُرَّةَ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ ﵄ قال: لَمّا نَزَلَت هذه الآيَةُ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [ورَهطَكَ مِنهُمُ المُخلَصينَ] (٤)، خَرَجَ

стр. 10104

رسولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى صَعِدَ على الصَّفا فهَتَفَ: "واصَباحاه". فقالوا: مَن هذا الَّذِى يَهتِفُ؟ قالوا: محمدٌ. قال: فاجتَمَوا إلَيه فقالَ: "يما بَنِى فُلانٍ، يا بَنِى فُلانٍ، يا بَنِى عبدِ مَنافٍ، يا بَنِى عبدِ المُطَّلِبِ، أرأيتَكُم لَو أخبَرتُكُم أن خَيلًا تَخرُجُ بسَفحِ هذا الجَبَلِ، أكُنتُم مُصَدَّقِىَّ؟ ". قالوا: ما جَرَّبنا عَلَيكَ كَذِبًا. قال: "فإِنِّى نَذيرٌ لَكُم بَينَ يَدَىْ عَذابٍ شَديدٍ". قال: فقالَ أبو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ، ما جَمَعتَنا إلَّا لِهَذا؟! ثُمَّ قامَ، فنَزَلَت هذه الآيَةُ: (تَبَّت يَدا أبى لَهَبٍ وقَد تَبَّ) (١) كَذا قرأَ الأعمَشُ إلَى آخِرِ السّورَةِ (٢). رَواه البخاريُّ في "الصحيح" عن يوسُفَ بنِ موسَى عن أبي أُسامَةَ، ورَواه مسلمٌ عن أبي كُرَيبٍ (٣). ١٧٧٨٥ - وأخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ، حدثنا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، حدثنا أحمدُ بنُ عبدِ الجَبّارِ، حدثنا يونُسُ بنُ بُكَيرٍ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ قال: فحَدَّثَنِى مَن سَمِعَ عبدَ اللَّهِ بنَ الحارِثِ بنِ نَوفَلٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن علىِّ بنِ أبي طالِبٍ قال: لَمّا نَزَلَت هذه الآيَةُ على رسولِ اللَّهِ ﷺ : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ (٤) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤، ٢١٥] قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "عَرَفتُ أنِّى إن بادأتُ بها قَومِى رأيتُ

стр. 10105

مِنهُم ما أكرَهُ، فصَمَتُّ عَلَيها، فجاءَنِى جِبريلُ ﵇ فقالَ: يا محمدُ، إنَّكَ إن لَم تَفعَلْ ما أمَرَكَ به رَبُّكَ عَذَّبَكَ رَبُّكَ". ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةً في جَمعِهِم وإِنذارِه إيّاهُم (١). ١٧٧٨٦ - أخبرَنا أبو الحَسَنِ علىُّ بنُ محمدٍ (٢) المُقرِئُ ابنُ الحَمّامِيِّ ببَغدادَ، حدثنا أحمدُ بنُ سَلمانَ النَّجّادُ، حدثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ، حدثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ الأنصارِىُّ، حَدَّثَنِى محمدُ بنُ عمرِو بنِ عَلقَمَةَ، عن محمدِ بنِ المُنكَدِرِ، عن رَبيعَةَ بنِ عِبَادٍ الدُّؤَلِىِّ قال: رأيتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ بذِى المَجازِ يَتبَعُ النّاسَ في مَنازِلِهِم يَدعوهُم إلَى اللَّهِ ، ووَراءَه رَجُلٌ وهو يقولُ: يا أيُّها النّاسُ، لا يَغُرَّنَّكُم عن دينِكُم ودينِ آبائكُم. قُلتُ: مَن هَذا؟ قالوا: عَمُّه أبو لَهَبٍ (٣). ١٧٧٨٧ - أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ وإِسحاقُ بنُ محمدِ بنِ يوسُفَ السّوسِىُّ قالا: حدثنا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، أخبرَنا العباسُ بنُ الوَليدِ، أخبرنِى أبى قال: سَمِعتُ الأوزاعِىَّ قال: حَدَّثَنِى يَحيَى بنُ أبى كَثيرٍ، حَدَّثَنِى محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ الحارِثِ التَّيمِىُّ، حَدَّثَنِى عُروَةُ بنُ الزُّبَيرِ قال:

стр. 10106

سألتُ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرِو بنِ العاصِ قال: قُلتُ: حَدِّثْنِى بأَشَدِّ شَئٍ صَنَعَه المُشرِكونَ برسولِ اللَّهِ ﷺ . قال: أقبَلَ عُقبَةُ بنُ أبى مُعَيطٍ ورسولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّى عِندَ الكَعبَةِ، فلَوَى ثَوبَه في عُنُقِه فخَنَقَه خَنْقًا شَديدًا، فأَقبَلَ أبو بكرٍ فأَخَذَ بمَنكِبَيهِ فدَفَعَه عن رسولِ اللَّهِ ﷺ فقالَ: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (١) [غافر: ٢٨]. أخرَجَه البخاريُّ في "الصحيح" مِن حَديثِ الأوزاعِيِّ (٢). ١٧٧٨٨ - أخبرَنا أبو محمدٍ جَناحُ بنُ نَذيرِ بنِ جَناحٍ القاضِى بالكوفَةِ، أخبرَنا أبو جَعفَرٍ محمدُ بنُ عليِّ بنِ دُحَيمٍ، حدثنا أحمدُ بنُ حازِمِ بنِ أبي غَرَزَةَ، أخبرَنا عُبَيدُ اللَّهِ هو ابنُ موسَى، أخبرَنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بنِ مَيمونٍ، عن عبدِ اللَّهِ هو ابنُ مَسعودٍ قال: بَينَما رسولُ اللَّهِ ﷺ قائمٌ يُصَلِّى عِندَ الكَعبَةِ وجَمعُ (٣) قُرَيشٍ في مَجالِسِهِم يَنظُرونَ، إذ قال قائلٌ مِنهُم: ألا تَنظُرونَ إلَى هذا المُرائى؟ أيُّكُم يَقومُ إلَى جَزورِ آلِ (٤) فُلانٍ، فيَعمِدُ إلَى فَرْثِها ودَمِها وسَلاها (٥) فيَجِئُ به، ثُمَّ يُمهِلُه حَتَّى إذا سَجَدَ وضعَه بَينَ كَتِفَيه؟ فانبَعَثَ أشقاها فجاءَ به، فلَمّا سَجَدَ رسولُ اللَّهِ ﷺ وضعَه بَينَ كَتِفَيه، وثَبَتَ النَّبِىُّ ﷺ ساجِدًا، وضَحِكوا حَتَّى مالَ بَعضُهُم على بَعضٍ مِنَ

стр. 10107

الضَّحِكِ، فانطلَقَ مُنطَلِقٌ إلَى فاطِمَةَ ﵂ وهِىَ جُوَيريَةٌ، فأَقبَلَت تَسعَى حَتَّى ألقَته عنه، وأَقبَلَت عَلَيهِم تَسُبُّهُم، فلَمّا قَضَى رسولُ اللَّهِ ﷺ الصَّلاةَ قال: "اللَّهُمَّ عَلَيكَ بقُرَيشٍ". ثَلاثًا، ثُمَّ سَمَّى: "اللَّهُمَّ عَلَيكَ بعَمرِو بنِ هِشامٍ، وبِعُتبَةَ بنِ رَبيعَةَ، [وشَيبَةَ بنِ رَبيعَةَ] (١)، والوَليدِ بنِ عُتبَةَ، وأُمَيَّةَ بنِ خَلَفٍ، وعُقبَةَ بنِ أبي مُعَيطٍ، وعُمارَةَ بنِ الوَليدِ". قال عبدُ اللَّهِ: واللَّهِ لَقَد رأيتُهُم صرعَى يَومَ بَدرٍ يُسحَبونَ إلَى قَليبِ بَدرٍ. ثُمَّ قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "وأُتبِعَ أصحابُ القَليبِ لَعنَةً" (٢). رَواه البخاريُّ في "الصحيح" عن أحمدَ بنِ إسحاقَ عن عُبَيدِ اللَّهِ بنِ موسَى (٣)، وأَخرَجَه هو ومُسلِمٌ مِن وجهٍ آخَرَ عن أبي إسحاقَ (٤). ١٧٧٨٩ - حدثنا أبو محمدٍ عبدُ اللَّهِ بنُ يوسُفَ إملاءً، أخبرَنا أبو بكرٍ محمدُ بنُ الحُسَينِ القَطّانُ، حدثنا علىُّ بنُ الحَسَنِ الهِلالِىُّ (ح) وأخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ وأبو بكرِ ابنُ الحَسَنِ القاضِى قالا: حدثنا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، حدثنا إبراهيمُ بنُ مَرزوقٍ قالا: حدثنا مُسلِمُ بنُ إبراهيمَ، حدثنا الحارِثُ بنُ عُبَيدٍ، حدثنا سعيدٌ الجُرَيرِىُّ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ شَقيقٍ، عن عائشةَ ﵂ قالَت: كان النَّبِىُّ ﷺ يُحرَسُ حَتَّى نَزَلَت هذه الآيَةُ ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ

стр. 10108

يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]. فأَخرَجَ النَّبِىُّ ﷺ رأسَه مِنَ القُبَّةِ فقالَ: "يا أيُّها النّاسُ انصَرِفوا، فقَد عَصمَنِى اللَّهُ". وفِي رِوايَةِ الهِلالِيِّ: فقالَ لَهُم: "أيُّها النّاسُ" (١). قال الشّافِعِىُّ: يَعصِمُكَ مِن قَتلِهِم أن يَقتُلوكَ حَتَّى تُبَلِّغَ (٢) ما أُنزِلَ إلَيكَ. فبَلَّغَ ما أُمِرَ به، فاستَهزأ به قَومٌ، فنَزَلَ عَلَيه ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ (٣) [الحجر: ٩٤، ٩٥]. ١٧٧٩٠ - أخبرَنا أبو طاهِرٍ الفَقيهُ، أخبرَنا أبو بكرٍ محمدُ بنُ الحُسَينِ القَطّانُ، حدثنا أحمدُ بنُ يوسُفَ السُّلَمِىُّ، حدثنا عُمَرُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ رَزينٍ، حدثنا سفيانُ، عن جَعفَرِ بنِ إياسٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ ﵄ في قَولِ اللَّهِ : ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ قال: المُستَهزِئونَ الوَليدُ بنُ المُغيرَةِ، والأسوَدُ بنُ عبدِ يَغوثَ الزُّهرِىُّ، والأسوَدُ بنُ المُطَّلِبِ أبو (٤) زَمعَةَ مِن بَنِى أسَدِ بنِ عبدِ العُزَّى، والحارِثُ بنُ عَيطَلٍ السَّهمِىُّ، والعاصُ بنُ وائلٍ، فأَتاه جِبريلُ ﵇ [شَكاهُم إلَيه] (٥) رسولُ اللَّهِ ﷺ ، فأَراه الوَليدَ أبا عمرِو ابنَ المُغيرَةِ فأَومأَ جِبريلُ إلَى أبجَلِه (٦)، فقالَ: "ما صَنَعتَ؟ ". قال:

стр. 10109

كُفيتَه. ثُمَّ أراه الأسوَدَ بنَ المُطَّلِبِ، فأَومأَ جِبريلُ إلَى عَينَيه، فقالَ: "ما صَنَعتَ؟ ". قال: كُفيتَه. [ثُمَّ أراه الأسوَدَ بنَ عبدِ يَغوثَ الزُّهرِىَّ، فأَومأَ إلَى رأسِه، فقالَ: "ما صَنَعتَ؟ ". قال: كُفيتَه. ثُمَّ أراه الحارِثَ بنَ عَيطَلٍ السَّهمِىَّ، فأَوَمأ إلَى رأسِه، فقالَ: "ما صَنَعتَ؟ " قال: كُفيتَه] (١). ومَرَّ به العاصُ بنُ وائلٍ فأَومأ إلَى أخمَصِه، فقالَ: "ما صَنَعتَ؟ ". قال: كُفيتَه. فأَمّا الوَليدُ بنُ المُغيرَةِ فمَرَّ برَجُلٍ مِن خُزاعَةَ وهو يَريشُ (٢) نَبلًا له، فأَصابَ أبجَلَه فقَطَعَها، وأَمّا الأسوَدُ بنُ المُطَّلِبِ فعَمِىَ، فمِنهُم مَن يقولُ: عَمِىَ هَكَذا. ومِنهُم مَن يقولُ: نَزَلَ تَحتَ سَمُرَةٍ فجَعَلَ يقولُ: يا بَنِىَّ ألا تَدفَعونَ عَنِّى؟ قَد قُتِلتُ. فجَعَلوا يَقولونَ: ما نَرَى شَيئًا. [وجَعَلَ يقولُ: يا بَنِىَّ ألا تَمنَعونَ عَنِّى؟ قَد هَلَكتُ، ها هو ذا أُطعَنُ بالشَّوكِ في عَينِى. فجَعَلوا يَقولونَ: ما نَرَى شَيئًا] (٣). فلَم يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى عَمِيَت عَيناه، وأَمّا الأسوَدُ بنُ عبدِ يَغوثَ الزُّهرِىُّ فخَرَجَ في رأسِه قُروحٌ فماتَ مِنها، وأَمّا الحارِثُ بنُ عَيطَلٍ فأَخَذَه الماءُ الأصفَرُ في بَطنِه حَتَّى خَرَجَ خُرؤُه مِن فيه، فماتَ مِنها، وأَمّا العاصُ بنُ وائلٍ فبَينَما هو كَذَلِكَ يَومًا إذَ دَخَلَ في رأسِه شِبرِقَةٌ (٤) حَتَّى امتَلأت مِنها

стр. 10110

فماتَ مِنها. وقالَ غَيرُه: فرَكِبَ إلَى الطّائفِ على حِمارٍ، فرَبَضَ به على شِبرِقَةٍ، فدَخَلَت في أخمَصِ قَدَمِه شَوكَةٌ فقَتَلَته (١). ١٧٧٩١ - أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ، حدثنا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، حدثنا هارونُ بنُ سُلَيمانَ الأصبَهانِىُّ، حدثنا عبدُ الرَّحمَنِ بنُ مَهدِيٍّ، حدثنا سفيانُ، عن سلمةَ بنِ كُهَيلٍ، عن عِمرانَ أبى الحَكَمِ السُّلَمِيِّ، عن ابنِ عباسٍ ﵄ قال: قالَت قُرَيشٌ لِلنَّبِىَّ ﷺ : ادعُ رَبَّكَ أن يَجعَلَ لَنا الصَّفا ذَهَبًا ونُؤمِنُ بكَ. قال: "أتَفعَلونَ؟ ". قالوا: نَعَم. فدَعا، فأَتاه جِبريلُ ﵇ فقالَ: إنَّ اللَّهَ يَقرأُ عَلَيكَ السَّلامَ ويَقولُ: إن شِئتَ أصبَحَ الصَّفا ذَهَبًا، فمَن كَفَرَ بَعدَ ذَلِكَ عَذَّبتُه عَذابًا لا أُعَذِّبُه أحَدًا مِنَ العالَمينَ، وإِن شِئتَ فتَحتُ لَهُم بابَ التَّوبَةِ والرَّحمَةِ. قال: "بَل بابَ (٢) التَّوبَةِ والرَّحمَةِ" (٣). ١٧٧٩٢ - أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظ، حدثنا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، حدثنا أحمدُ بنُ عبدِ الجَبّارِ، حدثنا يونُسُ بنُ بُكَيرٍ، عن عيسَى بنِ عبدِ اللَّهِ التَّميمِىِّ، عن الرَّبيعِ بنِ أنَسٍ، عن أبي العاليَةِ: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]. نوحٌ وهودٌ وإِبراهيمُ، أُمِرَ رسولُ اللَّهِ ﷺ أن يَصبِرَ كما صَبَرَ هَؤُلاءِ، فكانوا ثَلاثَةً ورسولُ اللَّهِ ﷺ رابِعُهُم، قال نوحٌ: ﴿إِنْ

стр. 10111

كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ إلَى آخِرِها [يونس: ٧١]، فأَظهَرَ لَهُمُ المُفارَقَةَ، وقالَ هودٌ حينَ قالوا: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ الآيَةَ [هود: ٥٤]، فأَظهَرَ لَهُمُ المُفارَقَةَ، وقالَ إبراهيمُ: ﴿[قَدْ كَانَتْ] (١) لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ إلَى آخِرِ الآيَةِ [الممتحنة: ٤]، فأَظهَرَ لَهُمُ المُفارَقَةَ، وقالَ محمدٌ: ﴿إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٦، غافر: ٦٦]. فقامَ رسولُ اللَّهِ ﷺ عِندَ الكَعبَةِ يَقرَؤُها على المُشرِكينَ، فأَظهَرَ لَهُمُ المُفارَقَةَ (٢). بابُ الإِذنِ بالهِجرَةِ ١٧٧٩٣ - أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ، حدثنا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، حدثنا أحمدُ بنُ عبدِ الجَبّارِ، حدثنا يونُسُ بنُ بُكَيرٍ، عن ابنِ إسحاقَ، حَدَّثَنِى الزُّهرِىُّ، عن أبي بكرِ بنِ عبدِ الرَّحمَنِ بنِ الحارِثِ بنِ هِشامٍ، عن أُمِّ سلمةَ ﵂ زَوجِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّها قالَت: لَمّا ضاقَت عَلَينا مَكَّةُ، وأوذِىَ أصحابُ رسولِ اللَّهِ ﷺ وفُتِنوا، ورأَوا ما يُصيبُهُم مِنَ البَلاءِ والفِتنَةِ في دينِهِم، وأَنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ لا يَستَطيعُ دَفعَ (٣) ذَلِكَ عَنهُم، وكانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ في مَنَعَةٍ مِن قَومِه وعَمِّه، لا يَصِلُ إلَيه شَئٌ مِمّا يَكرَهُ مَمّا يَنالُ أصحابَه، فقالَ لَهُم رسولُ اللَّهِ ﷺ : "إنَّ بأَرضِ الحَبَشَةِ مَلِكًا لا يُظلَمُ أحَدٌ عِندَه، فالْحَقوا ببِلادِه

стр. 10112

حَتَّى يَجعَلَ اللَّهُ لَكُم فرَجًا ومَخرَجًا مِمّا أنتُم فيه". فخَرَجنا إلَيها أرسالًا (١) حَتَّى اجتَمَعنا بها (٢)، فنَزَلنا بِخَيرِ دارٍ إلَى خَيرِ جارٍ، أمِنّا على دينِنا، ولَم نَخشَ مِنه ظُلمًا. وذَكَرَ الحديثَ بطولِهِ (٣). ١٧٧٩٤ - أخبرَنا أبو الحَسَنِ علىُّ بنُ أحمدَ بنِ عبدانَ، أخبرَنا أحمدُ بنُ عُبَيدٍ الصَّفّارُ، حدثنا العباسُ بنُ الفَضلِ الأسفاطِىُّ، حدثنا أحمدُ بنُ يونُسَ، حدثنا داودُ بنُ عبدِ الرَّحمَنِ، حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ عثمانَ، عن أبي الزُّبَيرِ محمدِ بنِ مُسلِمٍ أنَّه حَدَّثَه أن جابِرَ بنَ عبدِ اللَّهِ حَدَّثَه أن رسولَ اللَّهِ ﷺ لَبِثَ عَشْرَ سِنينَ يَتبَعُ الحاجَّ في مَنازِلِهِم في المَواسِمِ بمَجَنَّةَ وعُكاظٍ، ومَنازِلِهِم بمِنًى: "مَن يُؤوينى ويَنصُرُنِى حَتَّى أُبَلِّغَ رِسالاتِ رَبِّى ولَه الجَنَّةُ؟ ". فلَم يَجِدْ أحَدًا يُؤويه ويَنصرُه، حَتَّى إنَّ الرَّجُلَ لَيَدخُلُ ضاحيَةً (٤) مِن مُضَرَ (٥) واليَمَنِ، فيأتِيه قَومُه أو ذو رَحِمِه فيَقولونَ: احذَرْ فتَى قُرَيشٍ لا يُصيبُكَ. يَمشِى بَينَ رِحالِهِم يَدعوهُم إلَى اللَّهِ، يُشيرونَ إلَيه بأَصابِعِهِم، حَتَّى يَبعَثَنا (٦) اللَّهُ مِن يَثرِبَ، فيأتيه الرَّجُلُ مِنّا فيُؤمِنُ به ويُقرِئُه القُرآنَ، فيَنقَلِبُ إلَى أهلِه، فيُسلِمونَ

стр. 10113

بإِسلامِه، حَتَّى لَم يَبقَ دارٌ مِن دورِ يَثرِبَ إلَّا فيها رَهطٌ مِنَ المُسلِمينَ يُظهِرونَ الإسلامَ، ثُمَّ يَبعَثُنا (١) اللَّهُ، فأتَمَرنا واجتَمَعنا سبعينَ رَجُلًا مِنّا فقُلنا: حَتَّى مَتَى رسولُ اللَّهِ ﷺ يُطرَدُ في جِبالِ مَكَّةَ ويُخالُ (٢) - أو قال: ويَخافُ (٣) - فرَحَلْنا حَتَّى قَدِمنا عَلَيه المَوسِمَ، فوَعَدَنا شِعبَ العَقَبَةِ، فاجتَمَعنا فيه مِن رَجُلٍ ورَجُلَينِ، حَتَّى تَوافَينا فيه عِندَه فقُلنا: يا رسولَ اللَّهِ علامَ نُبايِعُكَ؟ قال: "تُبايِعونِى على السَّمعِ والطّاعَةِ في النَّشاطِ والكَسَلِ، وعَلَى النَّفَقَةِ في العُسرِ واليُسرِ، وعَلَى الأمرِ بالمَعروفِ والنَّهىِ عن المُنكَرِ، وأَن تَقولوا في اللَّهِ لا يأخُذُكُم في اللَّهِ لَومَةُ لائمٍ، وعَلَى أن تَنصُرونِى إن قَدِمتُ عَلَيكُم يَثرِبَ، وتَمنَعونِى مِمّا تَمنَعونَ مِنه أنفُسَكُم وأَزواجَكُم وأَبناءَكُم، ولَكُمُ الجَنَّةُ". فقُلنا: نُبايِعُكَ. فأَخَذَ بيَدِه أسعَدُ بنُ زُرارَةَ - وهو أصغَرُ السَّبعينَ رَجُلًا إلَّا أنا - فقالَ: رُوَيدًا يا أهلَ يَثرِبَ، إنّا لَم نَضرِبْ إلَيه أكبادَ المَطِيِّ إلَّا ونَحنُ نَعلَمُ أنَّه رسولُ اللَّهِ، وإنَّ إخراجَه اليَومَ مُفارَقَةُ العَرَبِ كافَّةً، وقَتلُ خيارِكُم، وأَن تَعَضَّكُمُ السُّيوفُ؛ فإِمّا أنتُم قَومٌ تَصبِرونَ على عَضِّ السُّيوفِ وقَتلِ خيارِكُم ومُفارَقَةِ العَرَبِ كافَّةً فخُذوه وأَجرُكُم على اللَّهِ، وإِمّا أنتُم تَخافونَ مِن أنفُسِكُم خِيفَةً فذَروه، فهو أعذَرُ لَكُم عِندَ اللَّهِ. فقالوا: أخِّرْ عَنّا يَدَكَ يا أسعَدُ بنَ زُرارَةَ، فواللَّهِ لا نَذَرُ هذه البَيعَةَ ولا نَستَقيلُها. فقُمنا إلَيه رَجُلًا رَجُلًا، يأخُذُ عَلَينا شَرطَه ويُعطينا على ذَلِكَ الجَنَّةَ (٤).

стр. 10114

١٧٧٩٥ - حدثنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ، أخبرَنِى عبدُ اللَّهِ بنُ محمدِ بنِ موسَى، حدثنا إسماعيلُ بنُ قُتَيبَةَ، حدثنا عثمانُ بنُ أبى شَيبَةَ، حدثنا جَريرٌ، عن قابوسَ بنِ أبي ظَبيانَ، [عن أبيه] (١)، عن ابنِ عباسٍ ﵄ قال: كان رسولُ اللَّهِ ﷺ بمَكَّةَ، فأُمِرَ بالهِجرَةِ وأُنزِلَ عَلَيه: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ (٢) [الإسراء: ٨٠]. ١٧٧٩٦ - أخبرَنا أبو الحُسَينِ محمدُ بنُ الحُسَينِ بنِ الفَضلِ القَطّانُ ببَغدادَ، أخبرَنا عبدُ اللَّهِ بنُ جَعفَرِ بنِ دُرُسْتُويَه، حدثنا يَعقوبُ بنُ سُفيانَ، حدثنا الحَجّاجُ بنُ أبى مَنيعٍ، حدثنا جَدِّى، عن الزُّهرِىِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ ﵂ قالَت: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ وهو يَومَئذٍ بمَكَّةَ - لِلمُسلِمينَ: "قَد أُريتُ (٣) دارَ هِجرَتِكُم، أُريتُ سَبْخَةً ذاتَ نَخلٍ بَينَ لابَتَينِ". وهُما الحَرَّتانِ. فهاجَرَ مَن هاجَرَ قِبَلَ المَدينَةِ حينَ ذَكَرَ ذَلِكَ رسولُ اللَّهِ ﷺ ، ورَجَعَ إلَى المَدينَةِ بَعضُ مِن كان هاجَرَ إلَى أرضِ الحَبَشَةِ مِن المُسلِمينَ، وتَجَهَّزَ أبو بكرٍ مُهاجِرًا، فقالَ له رسولُ اللَّهِ ﷺ : "على رِسلِك؛ فإِنِّى أرجو أن يُؤذَنَ لِى". فقالَ أبو بكرٍ: وتَرجو ذَلِكَ بأَبِى أنتَ وأُمِّى؟ قال: "نَعَم". فحَبَسَ أبو بكرٍ نَفسَه على رسولِ اللَّهِ ﷺ لِصَحابَتِه، وعَلَفَ راحِلَتَينِ عِندَه ورَقَ السَّمُرِ أربَعَةَ

стр. 10115

أشهُرٍ (١). أخرَجَه البخارىُّ في "الصحيح" بطوله مِن حَديثِ عُقَيلٍ ويونُسَ عن الزُّهريِّ (٢). ١٧٧٩٧ - أخبرَنا أبو الحُسَين ابنُ الفَضلِ القَطّانُ ببَغدادَ، أخبرَنا عبدُ اللهِ بنُ جَعفَرٍ، حدثنا يَعقوبُ بنُ سُفيانَ، حدثنا أبو الوَليدِ هشامُ بنُ عبدِ المَلِكِ الباهلِيُّ وأبو عُمَرَ حَفصُ بنُ عُمَرَ النَّمَريُّ قالا: حدثنا شُعبَةُ قال: أنبأنا أبو إسحاقَ قال: سَمعتُ البَراءَ يقولُ: كان أوَّلَ من قَدِمَ عَلَينا مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ مُصعَبُ بنُ عُمَيرِ وابنُ أُمِّ مَكتومٍ، وكانا يُقرئانِ القُرآنَ، ثُمَّ جاءَ عَمّارُ بنُ ياسِرِ وبِلالٌ وسَعدٌ، ثُمَّ جاءَ عُمَرُ بنُ الخطابِ في عِشرينَ، يَعنِي (٣) مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ جاءَ رسولُ اللهِ ﷺ ، فما رأَيتُ أهلَ المَدينَةِ فرحوا بِشَيءٍ قَطُّ فرَحَهُم بِه، حَتَّى رأيتُ الوَلائدَ والصِّبيانَ يَسعَونَ في الطَّرِيقِ (٤) يَقولونَ: جاءَ رسولُ اللهِ ﷺ ، جاءَ رسولُ اللهِ ﷺ . قال: فما قَدِمَ المَدينَةَ حَتَّى قَرأتُ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] في سُوَر مِثلِها مِنَ المُفَصَّلِ (٥). رَواه البخاريُّ في "الصحيح" عن أبي الوَليد (٦)

стр. 10116

بابُ مُبتَدإِ الإذنِ بالقِتالِ ١٧٧٩٨ - أخبرَنا أبو عبدِ اللَّهِ الحافظُ، حدثنا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، حدثنا محمدُ بنُ إسحاقَ الصَّغانِىُّ، حدثنا أبو اليَمانِ الحَكَمُ بنُ نافِعٍ، أخبرَنا شُعَيبُ بنُ أبى حَمزَةَ، عن الزُّهرِيِّ، حَدَّثَنِى عُروَةُ بنُ الزُّبَيرِ أن أُسامَةَ بنَ زَيدٍ أخبَرَه أن النَّبِيَّ ﷺ رَكِبَ على حِمارٍ على إكافٍ (١) على قَطيفَةٍ فَدَكيَّةٍ (٢)، وأَردَفَ أُسامَةَ بنَ زَيدٍ وراءَه، يَعودُ سَعدَ بنَ عُبادَةَ في بَنِى الحارِثِ بنِ الخَزرَجِ قبلَ وقعَةِ بَدرٍ، فسارَ حَتَّى مَرَّ بمَجلِسٍ فيه عبدُ اللَّهِ بنُ أُبَىٍّ ابنُ سَلولَ، وذَلِكَ قبلَ أن يُسلِمَ عبدُ اللَّهِ بنُ أُبَيٍّ، فإِذا في المَجْلِسِ رِجالٌ مِنَ المُسلِمينَ والمُشرِكينَ وعَبَدَةِ الأوثانِ واليَهودِ، وفِي المُسلِمينَ عبدُ اللَّهِ بنُ رَواحَةَ، فلَمّا غَشِيَتِ المَجلِسَ عَجاجَةُ الدّابَّةِ (٣) خَمَّرَ ابنُ أُبَىٍّ أنفَه برِدائه، ثُمَّ قال: لا تُغَبِّروا عَلَينا. فسَلَّمَ النَّبِىُّ ﷺ ثُمَّ وقَفَ، فنَزَلَ فدَعاهُم إلَى اللَّهِ وقَرأَ عَلَيهِمُ القُرآنَ. قال: فقالَ عبدُ اللَّهِ بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلولَ: أيُّها المَرءُ، إنَّه لا أحسَنَ مما تَقولُ إن كان حَقًّا، فلا تُؤذينا به في مَجلِسِنا، ارجِعْ إلَى رَحلِكَ (٤)، فمَن جاءَكَ فاقصُصْ عَلَيهِ. فقالَ عبدُ اللَّهِ بنُ رَواحَةَ: بَلَى يا رسولَ اللَّهِ، فاغشَنا به في مَجالِسِنا؛ فإِنّا نُحِبُّ ذَلِكَ. فاستَبَّ المُسلِمونَ

стр. 10117

والمُشرِكونَ واليَهودُ، حَتَّى كادوا يَتَثاوَرونَ (١)، فلَم يَزَلِ النَّبِىُّ ﷺ يُخَفِّضُهُم حَتَّى سَكَتوا، ثُمَّ رَكِبَ النَّبِىُّ ﷺ دابَّتَه، فسارَ حَتَّى دَخَلَ على سَعدِ بنِ عُبادَةَ، فقالَ له النَّبِىُّ ﷺ : "أيا سَدُ، ألَم تَسمَعْ ما قال أبو حُبابٍ؟ يُريدُ عبدَ اللَّهِ بنَ أُبَىٍّ، قال كَذا وكَذا". فقالَ سَعدُ بنُ عُبادَةَ: يا رسولَ اللَّهِ، اعفُ عنه واصفَحْ، فوالَّذِى أنزَلَ (٢) الكِتابَ، لَقَد جاءَ اللَّهُ بالحَقِّ الَّذِى أنزَلَ عَلَيكَ ولَقَدِ اصطَلَحَ أهلُ هذه البُحَيرَةِ (٣) على أن يُتَوِّجوه فيُعَصِّبوه (٤)، فلَمّا رَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ بالحَقِّ الَّذِى أعطاكَ شَرِقَ بذَلِكَ (٥)، فذَلِكَ فعَلَ به ما رأيتَ. فعَفا عنه النَّبِىُّ ﷺ ، وكانَ وأَصحابُه يَعفونَ عن المُشرِكينَ وأَهلِ الكِتابِ كما أمَرَهُمُ اللَّهُ ، ويَصبِرونَ على الأذَى، قال اللَّهُ : ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦]، وقالَ اللَّهُ: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٩]، وكانَ النَّبِىُّ ﷺ يَتأَوَّلُ في العَفوِ ما أمَرَ اللَّهُ به

стр. 10118

حَتَّى أُذِنَ له (١) فيهِم، فلَمّا غَزَا النَّبِيُّ ﷺ بَدرًا فَقَتَلَ اللهُ به مَن قَتَل مِن صَنَادِيدِ كُفّارِ قُرَيشٍ، قال ابنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلولَ ومَن مَعَه من عَبَدَةِ الأوثَانِ: هذا أمرٌ قَد تَوَجَّهَ (٢). فبايَعوا رسولَ اللهِ ﷺ على الإسلامِ (٣)، رواه البخاريُّ في "الصحيح" عن أبي اليَمانِ (٤)، وأَخرَجاه مِن حديث معمرٍ وعُقَيلٍ عن الزُّهرِيِّ (٥). ١٧٧٩٩ - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، حدثنا أبو العبَّاسِ محمدُ بنُ يَعقُوبَ، حدثنا أبو الحَسَنِ محمدُ بنُ سِنانٍ القَزّازُ، حدثنا إسحاق بنُ يوسُفَ الأزرَقُ، حدثنا سفيانُ الثَّورِيُّ، عن الأعمَشِ عن مُسلِمٍ البَطينِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ قال: أخرَجَ أهلُ مَكَّةَ النَّبِيَّ ﷺ ، قال أبو بكرٍ الصِّدّيقُ: إنّا للهِ وإِنّا إلَيه راجِعونَ، أخرَجوا نَبيَّهُم، لَيَهلِكُنَّ. قال: فنزلَت ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩]. وكانَ ابنُ عباسٍ يَقرؤها: (أَذِنَ) (٦). قال أبو بكرٍ الصِّدّيق: فعَلِمتُ أنَّها قِتالٌ. قال ابنُ عَباسٍ: وهِيَ أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَت في القِتالِ (٧). ١٧٨٠٠ - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، أخبرَنا أبو العباسِ قاسِمُ بنُ

стр. 10119

القاسِمِ السّيّارِيُّ بمَروَ، حدثنا محمدُ بنُ موسَى بن حاتِمٍ الباشانِيُّ، حدثنا عليُّ بنُ الحَسَنِ بنِ شَقيقٍ، حدثنا الحُسَينُ بنُ واقِدٍ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن عِكرِمَةَ، عن ابنِ عباسٍ، أن عبدَ الرَّحمَنِ بنَ عَوفٍ وأَصحابًا له أتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فقالوا: يا نَبِىَّ اللهِ، كُنّا في عِزٍّ ونَحنُ مُشرِكونَ، فلَمّا آمَنّا صِرنا أذِلَّةً. فقالَ: "إنِّي أُمِرتُ بالعَفوِ، فلا تَقاتِلوا القَومَ". فلَمّا حَوَّلَه اللهُ إلَى المَدينَةِ أمَرَه بالقِتالِ فكَفُّوا، فأَنزَلَ اللهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾ (١) [النساء: ٧٧]. بابُ ما جاءَ في نَسخِ العَفوِ عن المُشرِكينَ، ونَسخِ النَّهيِ عن القِتالِ حَتَّى يُقاتِلوا، والنَّهيِ عن القِتالِ في الشَّهرِ الحَرامِ قال الشّافِعِيُّ: يُقالُ: نُسِخَ (٢) هذا كُلُّه بقَولِ اللهِ : ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ الآيَة (٣) [البقرة: ١٩٣، الأنفال: ٣٩]. ١٧٨٠١ - أخبرَنا أبو زَكَريّا ابنُ أبي إسحاقَ المُزَكِّي، أخبرَنا أبو الحَسَنِ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ عَبدوسٍ، حدثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، حدثنا عبدُ اللهِ بنُ صالِحٍ، عن مُعاويَةَ بنِ صالِحٍ، عن عليٍّ بنِ أبي طَلحَةَ، عن ابنِ عباسٍ ﵄ في قَولِه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وقَولِه: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] قال: فنَسَخَ هذا العَفوَ عن

стр. 10120

المُشرِكينَ. وقَولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] فأَمَرَه اللهُ بجِهادِ الكُفّارِ بالسَّيفِ، والمُنافِقينَ باللِّسانِ، وأَذهَبَ الرِّفقَ عَنهُم (١). وبِهَذا الإِسنادِ عن ابنِ عباسٍ قال: قَولُه: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٠٦] و: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢]، يقولُ: لَستَ عَلَيهِم بجَبَّارٍ، ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ [المائدة: ١٣]، ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا﴾ [التغابن: ١٤]، ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: ١٠٩]، ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤]. ونَحوُ هذا في القُرآنِ، أمَرَ اللهُ بالعَفوِ عن المُشرِكينَ، وإِنَّه نَسَخَ ذَلِكَ كُلَّه قَولُه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ وقَولُه: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلَى قَولِه: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ فنَسَخَ هذا العَفوَ عن المُشرِكينَ (٢). ١٧٨٠٢ - أخبرَنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ وأبو بكرٍ أحمدُ بنُ الحَسَنِ القاضِى قالا: حدثنا أبو العباسِ محمدُ بنُ يَعقوبَ، حدثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، حدثنا مُعاويَةُ بنُ عمرٍو، عن أبي إسحاقَ هو الفَزارِيُّ، عن عثمانَ بنِ عَطاءٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قال: قال اللهُ : ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا
следующие страницы →