← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 1484

دليل الحيران على مورد الظمآن

المارغني التونسي

Полный текст (461 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

في "النحل"، ولذا قال الناظم أعني الآخر، واحترز به عن الموضع الأول، والثاني فيها وهما: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ ١، ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ ٢، فإنهما مرسومان بالهاء ولا مدخل لغير المضاف هنا وهو: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ ٣ حتى يحتاج إلى الاحتراز عنه. - الموضع الحادي عشر: ﴿فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ﴾ ٤ في "الطور" ثم. أخبر في البيت الخامس عن سليمان، وهو أبو داود بأن "نعمة" المقترن بكلمة "ربي"، في "الصافات"، وهو: ﴿وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ ٥ رسم، أي: بالتاء عن الغازي بن قيس، وعطاء الخرساني وحكم بن عمران الناقط الأندلسي، وأشعر تخصيص رسم هذا الموضع بالأئمة الثلاثة أن أبا داود نقل عن غيرهم رسمه بالهاء، وهو كذلك وعلى رسمه بالهاء العمل، وقوله: "الأخرى" بمعنى الأخيرة ضد الأولى، والألف فيه وفي قوله "أكثر" ألف الإطلاق.

стр. 352

فصل في حكم تاء سنة: ثم قال: فصل وسنة ثلاث فاطر ... وقبل في الأنفال ثم غافر هذا هو الفصل الثالث من فصول الترجمة، وقد ذكر فيه كلمة "سنة"، فأخبر مع إطلاق الحكم الذي يشير إلى اتفاق شيوخ النقل بأن كلمة "سنة" رسمت بالتاء في خمسة مواضع ثلاثة في فاطر، وهي: - ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾ ١، ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ ٢. - الموضع الرابع: في "الأنفال"، وهو: ﴿وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ ٣. - الموضع الخامس: في "غافر"، وهو: ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ ٤ واحترز تعيين المواضع الخمسة عن غيرها نحو: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا﴾ ٥ في "الإسراء"، ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ ٦ في "الأحزاب"، ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ ٧. في "الفتح"، فإنه مرسوم بالهاء، وقوله "قبل"، أي قبل "فاطر"، وهو حال من "الأنفال".

стр. 353

فصل في حكم ما بقي من التاء المبسوطة: ثم قال: فصل وأحرف كذاك رسمت ... منها ابنة وفي الدخان شجرت وامرأة سبعتها وقرت ... عين كذا بقيت وفطرت ثم فنجعل لعنت ولعنت ... في النور قل والمزن فيها جنت ومعصيت معا وفي الأعراف ... كلمة جاءت على خلاف فرجح التنزيل فيها الهاء ... ومقنع حكاهما سواء هذا هو الفصل الرابع من فصول الترجمة وهو خاتمتها، وقد ذكر فيه بقية الكلمات التي رسمت بالتاء وهي عشرة، فأخبر مع إطلاق الحكم الذي يشير به إلى اتفاق شيوخ النقل بأنها رسمت كلها بالتاء كالكلمات المتقدمة، إلا الكلمة العاشرة، ففيها الخلاف الآتي: - الكلمة الأولى "ابنة" في قوله تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ﴾ ١ في "التحريم". - الكلمة الثانية "شجرة" في "الدخان": ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ، طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ ٢ واحترز بقيد السورة عن الواقع في غيرها وهو: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ ٣ في "الصافات" فإنه مرسوم بالهاء، ولا يخفى أنه لا يحتاج إلى الاحتراز عن الواقع بعده في "الصافات" أيضا، وهو: ﴿شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ ٤ لفقد الإضافة.

стр. 354

- الكلمة الثالثة: امرأة في سبعة مواضع وهي: - "آل عمران": ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ ١. - و"في يوسف": ﴿امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا﴾ ٢، ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ﴾ ٣. - وفي "القصص": ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ﴾ ٤. - وفي "التحريم": ﴿امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ ٥، ﴿امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ﴾ ٦. ولا يخفى أنه لا يتوهم اندراج غير المضاف نحو: ﴿أَوِ امْرَأَةٌ﴾ ٧، و ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ﴾ ٨، ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً﴾ ٩؛ لأن الترجمة لم تنعقد لغير المضاف. - الكلمة الرابعة: "قرت عين"، في "القصص"، وقيدها بالمجاور وهو لفظ "عين" احترازا عن غير المجاور له، وهو في "الفرقان": ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ ١٠، وفي "السجدة": ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ ١١، فإنه مرسوم بالهاء. - الكلمة الخامسة "بقيت الله"، في "هود"، ولا يتوهم دخول: ﴿أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ ١٢ لما تقدم قريبا. - الكلمة السادسة: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ ١٣، في "الروم". - الكلمة السابعة: "لعنة" في موضعين وهما: ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ ١٤. في "آل عمران": ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ١٥. في "النور". واحترز بقيد الموضعين عن غيرهما، فإنه مرسوم بالهاء نحو: ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ١٦، ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ﴾ ١٧. وهو متعدد.

стр. 355

- الكلمة الثامنة: ﴿وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ ١ في "المزن"، أي سورة "الواقعة"، واحترز بقيد السورة عن الواقع في غيرها، فإنه مرسوم بالهاء نحو: ﴿أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾ ٢ في "الفرقان"، ﴿مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ ٣، في "الشعراء"، وهو متعدد. - الكلمة التاسعة "معصية" في موضعين في سورة "المجادلة"، وهما: - ﴿وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ ٤. - ﴿فَلا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ ٥. - الكلمة العاشرة: "كلمة"، في "الأعراف": ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى﴾ ٦، وقد أخبر بأنها جاءت على خلاف فيها بين المصاحف، فرجح صاحب "التنزيل" رسمها بالهاء على رسمها بالتاء، وصاحب "المقنع" حكى فيها الوجهين مستويين، والعمل عندنا على رسمها بالهاء وأن اقتصر الشاطبي في: "العقيلة" على رسمها بالتاء، واحترز الناظم بقيد السورة عن الواقع في غيرها نحو: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ﴾ ٧. في "هود"، فإنه لا خلاف في رسمه بالهاء. تنبيه: لم يذكر الناظم من جملة الألفاظ المرسومة بالتاء كلمتي: "ذات" و"مرضات" نحو: ﴿ذَاتِ الشَّوْكَةِ﴾ ٨، و ﴿ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ ٩ و ﴿بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ١٠، و ﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ ١١. وكان حقه أن يذكرهما لشمول الترجمة لهما، وقد ذكرهما الشيخان كما ذكرا: ﴿هَيْهَاتَ﴾ ١٢، في الموضعين بـ"قد أفلح" و ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ ١٣، في "ص" و ﴿اللَّاتَ﴾ ١٤ في "النجم"، وكان حقه أن يذكر هذه الكلمات أيضا لكتبها بالتاء مع اختلاف القراء فيها، وإن لم تشملها ترجمته، إما بأن يدرجها فيها كما أدرج فيها ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ﴾ ١٥، وأما أن يفردها بترجمة تخصها، وقوله: "ابنت" و"امرأت" و"بقيت" و"فنجعل لعنت" و"كلمة" يقرأ كل منها بالتنوين لإقامة الوزن، وقوله: "ومعصيت" يقرأ بالسكون للوزن أيضا.

стр. 356

ثم قال: قد انتهى والحمد لله على ... ما من من إنعامه وأكملا في صفر سنة إحدى عشره ... من بعد سبعمائة للهجره خمسين بيتا مع أربعمائه ... وأربعا تبصرة للنشأه عسى برشدهم به أن أرشدا ... من ظلم الذنب إلى نور الهدى بجاه سيد الورى الشفيع ... محمد ذي المحتد الرفيع صلى عليه ربنا ... وآله ما لاح نجم أو أفل أخبر بانتهاء الرجز الذي رامه وقصده، واستعان عليه بمولاه، واعتمده ولا شك أن الإعانة على إتمامه نعمة عظمى من نعم الله تعالى، ولذا حمد الله على ما من، أي: أنعم به من إنعامه بجميع النعم التي من جملتها الإعانة على إتمام هذا الرجز. وقوله: "وأكملا" عطف على من، أي: وعلى ما أكمل به النعم، وهو الإيمان بالله ورسوله سيدنا محمد ﷺ ؛ لأن كل نعمة إنما تعمل بالإيمان وبدونه تكون ناقصة، ولذا كان هو أعظم النعم. ثم أخبر بأن إنتهاء هذا الرجز كان في شهر سنة إحدى عشرة بعد سبعمائة "٧١١" للهجرة المعهودة في التاريخ، وهي هجرة النبي ﷺ من مكة إلى المدينة، وبأن عدة أبيات هذا الرجز أربعمائة بيت، وأربعة وخمسون بيتا "٤٥٤"، وقد نقل من كلام الناظم ما نصه. يقول ناظم هذا الرجز: لما انتهى نظم هذا الرجز في التاريخ المذكور بلغ "أربعمائة بيت وسبعة وثلاثين بيتا" "٤٣٧"، ثم انتسخ وانتشر ورواه بذلك أناس شتى، ثم عثر فيه على مواضع كنت وهمت فيها، فأصلحتها فبلغ أربعة وخمسين بيتا وأربعمائة، فصار الآن ينيف على ما سبق منه سبعة عشر بيتا فمن قيد من هذه النسخة، فليثبت هذا بآخرها ليوقف على صحته، والله تعالى وهو ولي التوفيق بمنه، لا رب غيره ولا معبود سواه. ا. هـ. وقوله: "تبصرة" حال من فاعل انتهى العائد على الرجز، والنشأة، ككتبه جمع ناشئ، ومراده بهم المبتدئون في العلم يعني أن هذا الرجز يبصر المبتدئين. أي: يعرفهم كيفية كتابة القرآن، ولو كبارًا في السن.

стр. 357

ثم ترجى من الله تعالى بسبب رشدهم وهدايتهم بهذه الرجز إلى كيفية الكتابة أن يرشده تعالى، أي: يخرجه من الظلم التي هي الذنوب إلى النور الذي هو الهدى، الظلم بظم الظاء وفتح اللام، وجمع ظلمة ضد النور. ثم توسل بجاه سيد الورى الشفيع الذي يحتاج إلى شفاعته عند الله جميع الكبراء سيدنا، ومولانا محمد رسول الله ﷺ ، والجاه المنزلة، والورى الخلق. ثم وصفه ﷺ على جهة المدح بأنه صاحب المحتد الرفيع، والمحتد بفتح الميم وكسر التاء وبالدال الأصل، والرفيع الشريف القدر. ثم دعا ربنا أن يصلي على النبي ﷺ وآله الكرام. ثم علق استمرار الصلاة باستمرار طلوع النجوم وغروبها، وهو أمر باق ببقاء الدنيا، فقوله: صلى عليه ربنا، لفظه لفظ الخبر، ومعناه الدعاء، أي: صل يا ربنا عليه، ومعنى: عز، امتنع من سمات المحدثات، ومعنى: جل تعاظم وفاعل كل منهما ضمير يعود على "ربنا"، وقوله ما لاح نجم، معناه: ما طلع نجم "وما" مصدرية ظرفية، وقوله: أو أقل بفتح الفاء معناه: أو غرب. وقال مؤلفه عفا الله عنه: هذا ما يسره الله تعالى من شرح النظم المتضمن لفن الرسم، وها أنا ذا أتبعه بحول الله، وقوته بشرح الذيل المتضمن لفظ الضبط.

стр. 358

القسم الثاني: فن الضبط قال المؤلف ﵀ بعد انتهائه من فن الرسم، هذا ما يسره الله تعالى من شرح النظم المتضمن لفن الرسم، وها أنا ذا أتبعه بحول الله، وقوته بشرح الذيل المتضمن لفن الضبط، فأقول مستعينًا بالله: هذا تمام نظم رسم الخط ... وها أنا أتبعه بالضبط كيما يكون جامعا مفيدا ... على الذي ألفيته معهودا مستنبطا من زمن الخليل١ ... مشتهرا في أهل هذا الجيل المشار إليه بـ"ذا" من قوله: "هذا تمام" هو البيت الأخير من نظم الرسم المسمى بـ"عمدة البيان" الذي ألفه قبل "مورد الظمآن"، وذيله بنظم الضبط المتصل اليوم بـ"مورد الظمآن"، وقوله: "تمام" بمعنى متمم بكسر الميم والمتمم بفتحها هو "عمدة البيان" الذي عبر عنه بقوله: "نظم رسم الخط"، فإن اعتبرت اتصال هذا الذيل اليوم بـ"مورد الظمآن" حتى صار كالجزء منه كان المشار إليه بذا هو البيت الأخير المتمم لمورد الظمآن الذي هو قوله: "صلى عليه ربنا" البيت، وكان المراد بقوله: "نظم رسم الخط" هو "مورد الظمآن". والمراد بالخط هنا المخطوط الذي هو المصاحف العثمانية، و"ها" من قوله و"ها أنا" حرف تنبيه و"أنا" ضمير المتكلم كنى به الناظم عن نفسه، وقوله "أتبعه" بظم الهمزة؛ لأنه من اتبع الرباعي، وقوله "بالضبط" على حذف مضاف أي بفن الضبط، وسيأتي تعريفه في المقدمة، ثم علل قوله "أتبعه بالضبط" بقوله "كيما يكون جامعا"، والضمير المستتر في "يكون" عائد على التأليف أي إنما أتبعت الرسم بالضبط لأجل أن يكون التأليف جامعا لفني الرسم، والضبط، مفيدا أي إفادة تامة، وقوله: "على الذي ألفيته" متعلق بـ"أتبعه".

стр. 359

و"ألفيت" هنا بمعنى أصبت فلا تطلب إلا مفعولا واحدا، وهو هنا الضمير المتصل بها، و"معهودا" حال منه وكذا قوله: "مستنبطا" و"مشتهرا" حالان منه، والمعهود المتعارف، والمستنبط المستخرج والمخترع، و"من" في قوله "من زمن الخليل" بمعنى "في"، وعبر الناظم بالجيل عن الزمان وأراد زمانه، والمعروف عند اللغويين أن الجيل الصنف من الناس، والمراد بالخليل الخليل بن أحمد شيخ سيبويه المرجوع إليه في كلام العرب لغة، ونحوا، وتصريفا، وعروضا، ورسما، وضبطا. وكان عابدا زاهدا ورعا، يذكر أنه صلى الصبح بوضوء العتمة أربعين سنة، وهو المستنبط للضبط الذي اقتصر عليه الناظم، وارتضاه إلا أن عبارته غير موفية بما قصده من كون ما ارتضاه هو ما استنبطه الخليل؛ لأن لفظه لا يدل إلا على كونه مستنبطا في زمن الخليل، ولا يدل على أن الخليل هو المستنبط له، والخليل هو أول من ألف كتابا في الضبط، ثم قال الناظم: فقلت طالبا من الوهاب ... عونا وتوفيقا إلى الصواب مقول "قلت" هو ما بعد هذا البيت إلى آخر الرجز، وقوله: "طالبا" حال من التاء في "قلت"، و"الوهاب"١ من أسمائه تعالى ومعناه الكثير العطاء تفضلًا. وقوله: "عونا" مفعول لـ"طالبا"، والمراد به الإعانة، وقوله "وتوفيقا" عطف على "عونا"، والتوفيق خلق القدرة على الطاعة، وعبر به هنا على الهداية إلى الصواب الذي هو ضد الخطأ.

стр. 360

مقدمة: فن الضبط علم يعرف به ما يدل على عوارض الحرف التي هي الفتح والضم والكسر، والسكون والشد والمد ونحو ذلك مما سيأتي، ويرادف الضبط الشكل، وأما النقط فيطلق بالاشتراك على ما يطلق عليه الضبط، والشكل وعلى الإعجام الدال على ذات الحروف، وهو النقط أفرادا وأزواجا المميز بين الحرف المعجم والمهمل، وموضوع فن الضبط العلامات الدالة على عوارض الحرف التي هي الحركة، والسكون وغيرهما مما سيأتي، ومن فوائده إزالة اللبس عن الحروف، بحيث إن الحرف إذا ضبط بما يدل على تحريكه بإحدى الحركات الثلاث لا يلتبس بالساكن، وكذا العكس، وإذا ضبط بما يدل على تحريكه بحركة مخصوصة لا يلتبس بالمتحرك بغيرها، وإذا ضبط بما يدل على التشديد لا يلتبس بالحرف المخفف، وإذا ضبط بما يدل على زيادته لا يلتبس بالحرف الأصلي وهكذا، والضبط كله مبني على الوصل بإجماع علماء الفن إلا مواضع مستثناة تعلم مما سيأتي بخلاف الرسم، فإنه مبني على الابتداء والوقف كما ذكرناه في مقدمة فن الرسم. واعلم أن العرب لم يكونوا أصحاب شكل، ونقط فكانوا يصورون الحركات حروفا، فيصورون الفتحة ألفا ويضعونها بعد الحرف المفتوح، ويصورون الضمة واوا، ويضعونها بعد الحرف المضموم، ويصورون الكسرة ياء، ويضعونها بعد الحرف المكسور، فتدل هذه الأحرف الثلاثة على ما تدل عليه الحركات الثلاث من الفتح، والضم، والكسر. ولما كتب الصحابة ﵃ القرآن في المصاحف لم يصوروا فيها تلك الأحرف الدالة على ما تدل عليه الحركات الثلاث، مخافة أن تلتبس بأحرف المد، واللين الأصول، ولم يكن الضبط بالعلامات الآتية موجودًا عندهم. والصحيح أن المستنبط الأول للضبط هو أبو الأسود الدؤلي١، وسبب استنباطه له أن زياد بن أبي سفيان -أمير البصرة

стр. 361

في أيام معاوية- كان له ابن اسمه "عبيد الله"، وكان يلحن في قراءته فقال زياد لأبي الأسود: إن لسان العرب دخله الفساد، فلو وضعت شيئا يصلح الناس به كلامهم ويعرفون به القرآن، فامتنع أبو الأسود فأمر زياد رجلا يجلس في طريق أبي الأسود، فإذا مر به قرأ شيئا من القرءان وتعمد اللحن، فقرأ الرجل عند مرور أبي الأسود به: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ ١ بخفض اللام من ﴿رَسُولُهُ﴾ فاستعظم ذلك أبو الأسود وقال: معاذ الله أن يتبرأ من رسوله، فرجع من فوره إلى زياد وقال له: قد أجبتك إلى ما سألت، فاختار رجلا عاقلا فطنا وقال له: خذ المصحف وصباغا يخالف لون المداد، فإذا فتحت شفتي فانقط فوق الحرف نقطة، وإذا ضممتهما فانقط أمامه، وإذا كسرتهما فانقط تحته، فإذا اتبعته بغنة يعني تنوينا فانقط نقطتين، فبدأ بأول المصحف حتى أتى على آخره، فكان ضبط أبي الأسود نقطا مدورا كنقط الإعجام، إلا أنه مخالف له في اللون، وأخذ ذلك عنه جماعة، وأخذه منه الخليل، ثم إن الخليل اخترع نقطا آخر يسمى المطوع، وهو الأشكال الثلاثة المأخوذة من صور حروف المد، وجعل مع ذلك علامة الشد شينا أخذها من أول شديد، وعلامة الخفة جاء أخذها من أول خفيف، ووضع الهمزة والإشمام والروم فأتبعه الناس على ذلك إلى زمن الناظم، فلذلك اختاره في هذا النظم، واستمر العمل به إلى وقتنا هذا لكن مع بعض تغيير فيه كما ستقف عليه، ثم قال: القول في أحكام وضع الحركة ... في الحرف كيفما أتت محركة أي هذا القول في صفات وضع الحركة المصاحبة للحروف كيفما جاءت تلك الحروف محركة أي بالفتح، أو بالضم، أو بالكسر فقوله: "أحكام" بفتح الهمزة جمع حكم بمعنى الصفة، ويروى بكسر الهمزة على أنه مصدر بمعنى الإتقان، والمراد بالحركة الجنس الشامل للفتحة، والضمة، والكسرة، و"في" من قوله "في الحرف" للمصاحبة مثلها في قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ ٢ أي مع أمم و"أل" في الحرف للاستغراق، فيدخل فيه جميع الحروف حتى حروف فواتح السور نحو: ﴿المَّ﴾ ٣ و ﴿قَ﴾ ٤ و ﴿نُ﴾ ٥، فتضبط

стр. 362

كما نص عليه الداني وبه العمل، وأما نزول المط عليها فسنتكلم عليها في الباب الذي بعد هذا، وقوله "محركة" حال من فاعل "أتت" الذي هو ضمير عائد على الحرف، وأنث ضميره والحال الآتية منه نظرا إلى معناه؛ لأنه بمعنى الحروف فهو كقوله تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ ١، معناه أو الأطفال. ثم قال: ففتحة أعلاه وهي ألف ... مبطوحة صغرى وضم يعرف واوًا كذا أمامه أو فوقا ... وتحته الكسرة ياء تلقى أشار في هذين البيتين إلى صفة الحركات الثلاث، وإلى محلها من الحروف على مذهب الخليل الذي اختاره لجريان العمل به كما تقدم، وإن كان الداني اختار نقط أبي الأسود، فأشار بقوله: "أعلاه" إلى محل الفتحة يعني أنها توضع فوق الحرف، ولم يحك قول من جعلها أمام الحرف لضعف، وأشار بقوله: "مبطوحة صغرى" إلى صفتها، وجعلت مبطوحة أي مبسوطة، وممدودة من اليمين إلى اليسار لئلا يلتبس بأصلها الذي هو الألف، وجعلت صغيرة لتظهر مزية الأصل على الفرع، ثم أشار إلى صفة الضمة بقوله: "وضم يعرف واوا كذا" أي صغيرة كما ذكر في الفتحة، وأشار إلى محلها بقوله: "أمامه أو فوقا" أي لك وضع الضمة أمام الحرف على قول، ولك وضعها فوقه على قول آخره، وبقي قول ثالث بوضعها في نفس الحرف، ولم يحكه الناظم لضعفه، والمختار عند "المبرد"٢، وجماعة وضعها فوق الحرف وبه جرى العمل عندنا، ثم أشار إلى محل وضع الكسرة بقوله: "وتحته الكسرة" أي تحت الحرف سواء كان معرفا، أو غير معرف إلا أنه إذا كان معرفا كالنون، فإن الكسرة توضع في أول تعريفه، ثم أشار إلى صفة الكسرة بقوله: "ياء تلقى" وفيه حذف النعت لدلالة ما قبله عليه، والتقدير: تلقى ياء صغيرة، ومعنى تلقى توضع وتكون الياء الصغيرة مردودة كما نص عليه الشيخان، وظاهر كلام الناظم، وغيره أن الواو الدالة على الضمة، والياء الدالة على الكسرة لهما رأس، وذكر بعض

стр. 363

المتأخرين إسقاط رأسهما كما أسقط بعض الألف الدالة على الفتحة، وفي كلام "الداني"١، وغيره ما يشعر به، وعليه العمل عندنا إلا أن الياء يسقط رأسها بالكلية، وتسقط نقطتاها وتبقى جرتها فقط، وأما الواو فيسقط من رأسها الدارة فقط، ويكون شكلها معوجا، واعلم أن الحركات الثلاث المتقدمة شاملة لحركات البناء، والإعراب، وغيرهما كحركات انتقال الساكنين والاتباع، والنقل فضبطها كلها واحد، ولذلك اقتصر "أبو الأسود"٢ في قضيته المتقدمة على الحركات الثلاث، وتبعه الداني، والناظم في ذلك، وفي تقديم الفتحة على الضمة والضمة على الكسرة، ومن قضيته أخذت أسماء هذه الحركات ومحلها، وقول الناظم "فوقا" بالنصب مع عدم التنوين على نية لفظ المضاف إليه، وألفه للإطلاق، ثم قال: تمت إن أتبعتها تنوينا ... فزد إليها مثلها تبيينا لما فرغ من الكلام على الحركات الثلاث أتبعها بالكلام على التنوين اقتداء بأبي الأسود، والضمير في قوله: "أتبعتها" و"إليها" و"مثلها" يعود على الحركات الثلاث، أي إن أتبعت الحركات الثلاث تنوينا بأن نطقت به بعدها، فزد إليها مثلها بأن تزيد إلى الفتحة فتحة أخرى، وإلى الضمة ضمة أخرى، وإلى الكسرة كسرة أخرى، لأجل أن تبين ذلك أن بعد الحركة في اللفظ نونا تسمى تنوينا، ولما كانت هذه النون لا تأتي إلا بعد تمام الكلمة، وكان غيرها لا يأتي كذلك بل يأتي في أول الكلمة، أو وسطها أو متمما لها، فرق بينهما في التعبير فقيل لما هو من نفس الكلمة نون على الأصل، وعبر عن هذه بالتنوين تنبيها على ذلك، ولما حصل الفرق بينهما في التعبير جاء الخط تابعا لذلك، فرسم ما هو من نفس الكلمة نونا على الأصل، ولم يرسم التنوين، ولما لم يرسم احتاج أهل الضبط إلى أن يجعلوا له علامة تنبه عليه، وكان الأنسب أن ينبه عليه بعلامة سكون لكونه ساكنا، لكنهم جعلوا له علامة كعلامة الحركة لكونه ملازما لها بحيث لا يأتي بعدها، ولكنه مشابها لها في الثبوت وصلا والحذف وقفا، وقول الناظم "ثمت" حرف عطف زيدت عليها التاء المفتوحة لتأنيث اللفظ، وقوله: "تبيينا" مفعول لأجله علة لقوله: "زد".

стр. 364

ثم قال: وإن تقف بألف في النصب ... هما عليه في أصح الكتب ذكر في هذا البيت أنك إذا وقفت على المنصوب المنون بالألف، لكونه كتب بها على مراد الوقف نحو: ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ، فإن علامتي النصب، والتنوين يوضعان معا على الألف التي يوقف عليها بها يعني مع انفصالهما عنها، وأشار بقوله: "في أصح الكتب" إلى أن في هذه المسألة غير هذا القول سيصرح به بعد، وسنذكر المعمول به من ذلك، واحترز بقوله: "وإن تقف بألف في النصب" عن الأسماء المنونة التي لا يوقف عليها بالألف، فإن علامتي الحركة، والتنوين يوضعان فيها على نحو ما تقدم، فيوضعان فوق الحرف المتحرك بالفتح أو بالضم كـ"رحمة" المنصوب والمرفوع، وكـ"رحيم" المرفوع، ويوضعان تحت الحرف المتحرك بالكسر كـ"رحمة" و"رحيم" المجرورين. وقوله: "هما عليه" مبتدأ، وخبر والجملة جواب "إن" الشرطية، وحذف منه الفاء الرابطة للضرورة، و"الكتب" من قوله: "في أصح الكتب" يروى بفتح الكاف على أنه مصدر كتب، ويروى بضمها على أنه جمع كتاب، وعلى هذه الرواية لا بد من تقدير مضاف، والتقدير في أصلح أقوال الكتب أي كتب الضبط، ثم قال: سوآء إن رسم أو إن جاء ... وهو ملحق كنحو ماء يعني أن الحكم بوضع علامتي النصب، والتنوين على ألف المنصوب المنون لا فرق فيه بين كون الألف ثابتة في الرسم نحو: ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ١، أو محذوفة من الرسم، وألحقت بالحمراء وقوله كنحو: ﴿مَاءٍ﴾ ٢ يحتمل أن يكون مثالًا للثاني فقط لم يمثل للأول لوضوحه، ويحتمل أن يكون مثالا له، ولما قبله وذلك؛ لأن في ضبط نحو "ماء" و ﴿غُثَاءً﴾ ٣، و ﴿مِرَاءً﴾ ٤، و ﴿افْتِرَاءً﴾ ٥ ثلاثة أوجه على ما ذكره أئمة النقط، أرجحها عندهم وبه العمل، أن تجعل الهمزة نقطة صفراء بعد الألف الكحلاء، وعلامتا النصب، والتنوين على الهمزة، ولا يلحق بعدها شيء، وإنما كان هذا الوجه هو الأرجح

стр. 365

لكون الضبط مبنيا على الوصل كما قدمناه، الوجه الثاني: مثله وتلحق الألف حمراء بعد الهمزة وتجعل علامتا النصب، والتنوين على الألف الحمراء بناء على القول المتقدم، الوجه الثالث: جعل الألف الحمراء قبل الكحلاء، والهمزة بينهما، وعلامتي النصب والتنوين على الألف الكحلاء، فألف التنوين مرسوم في هذا الوجه، وملحق بالحمراء في الوجه الذي قبله، فصح أن يكون نحو "ماء" مثالًا للقسمين، و"إن" الواقعة بعد قوله: "سواء" وبعد قوله: "أو" يصح أن تكون بفتح الهمزة على أنها مصدرية، ويصح أن تكون بكسرها على أنها زائدة، وجملة قوله: و"هو ملحق" في محل الحال من فاعل "جاء" الذي هو ضمير الألف أي سواء في ذلك رسمه، ومجيئه ملحقا، ثم قال: وإن يكون ياء كنحو مفترى ... هما على الياء كذا النص سرى يعني وإن يكن الألف المرقوف عليه في الاسم المنون مكتوبا في الخط ياء، فإنك تضع علامتي النصب، والتنوين على الياء كما تضعها على الألف في نحو: ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ١، ثم لذلك بقوله كنحو: ﴿مُفْتَرىً﴾ يعني من كل اسم مقصور منون رسمت ألفه ياء سواء كان مرفوعا نحو: ﴿مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً﴾ ٢، أو منصوبا نحو: ﴿سَمِعْنَا فَتىً﴾ ٣ أو مجرورا نحو: ﴿فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ﴾ ٤ وأصل: ﴿مُفْتَرىً﴾ "مفترى" بفتح الراء، وتنوين الياء تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت "ألفا" فالتقى ساكنان: الألف والتنوين، فحذفت ما سبق وهو الألف، وهكذا يقال فيما أشبهه. واختلف في ألف هذا النوع الملفوظ بها في الوقف فقال "المازني"٥: هي ألف التنوين مطلقا، وقال "الكسائي"٦: هي المنقلبة عن الياء مطلقا، وقال "سيبويه"٧: بالتفصيل قياسا على الصحيح، ففي المنصوب هي ألف التنوين، وفي غيره هي بدل الياء.

стр. 366

وقوله: "كذا النص سرى" معناه كذا شاع النص في هذه المسألة بين أهل الضبط، وكنى به عن شهرة ما ذكره هنا، وسيأتي قول آخر مقابل له، وقوله: "هما على الياء" مبتدأ وخبر، والجملة جواب "إن" الشرطية، وحذف منه الفاء الرابطة للضرورة كما تقدم في نظيره، ثم قال: وقيل في الحرف الذي من قبل ... حسبما اليوم عليه الشكل ذكر في هذا البيت أن في المنون الذي يوقف عليه بالألف قولا آخر، وهو وضع علامتي الحركة، والتنوين على الحرف المحرك الذي قبل الألف المرسومة في نحو "عليما"، وقبل الألف الملحقة بالحمراء في نحو "ماء"، وقبل الألف المرسومة ياء في نحو "مفترى"، وهذا القول الذي قدمه هو الذي عليه نقاط المدينة، والكوفة، والبصرة، واختاره الشيخان، وجرى به عمل الجمهور وعليه عملنا الآن، ووجه أن الألف الموقوف عليها لما لم توجد في الوصل خيف أن يتوهم زيادتها في الرسم، فوضعت علامة التنوين عليها إشارة إلى أنها مبدلة من التنوين، واستدعى التنوين وضع الفتحة معه على الألف لملازمته للحركة، بحيث لا يأتي إلا بعدها كما تقدم، فلذلك وضعت العلامتان معا على الألف أو ما يقوم مقامها، والقول الذي ذكره الناظم في هذا البيت هو قول الخليل وسيبويه، واختاره بعضهم، وأشار الناظم بقوله: "حسبما اليوم عليه الشكل" إلى جريان العمل به في زمانه، وبقي في المسألة قولان آخران: أحدهما وضع الحركة على حرفها، ووقع علامة التنوين على الألف أو ما يقوم مقامه، والقول الآخر وضع حركة الحرف عليه، ثم تعاد مع التنوين فيوضعان معا على الألف أو ما يقوم مقامه، ولم يذكر الناظم هذين القولين لضعفهما، وقوله: "في الحرف" خبر مبتدأ محذوف تقديره هما، و"في" معنى "على"، وقوله: "حسبما" بفتح السين، وحسب بمعنى مثل، ثم قال: وفي إذا ثمت نون إن تخف ... لنسفعا وليكونا في الألف ذكر في هذا البيت نونين جعل أهل الضبط علامتهما كعلامة التنوين، ووضعوها أين توضع علامة التنوين النون الأولى النون من "إذا" نحو: ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا

стр. 367

عَظِيمًا﴾ ١، ﴿وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ٢، وهي حرف جواب وجزاء، فليس النون في طرفها تنوينا لكن لما أشبهت المنون المنصوب، قلبت نونها في الوقف ألفا فكتبت به، وجعل أهل الضبط علامتها كعلامة التنوين، ووضعوها مع الفتحة على الألف النون الثانية نون: ﴿لَنَسْفَعًا﴾ ، و ﴿لِيَكُونَا﴾ من قوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ ٣، ﴿وَلِيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ ٤، والنون الساكنة فيهما هي نون التوكيد الخفيفة قياسها أن تبدل في الوقف ألفا، فلذا كتبت به في جميع المصاحف، وجعل أهل الضبط علامتها كعلامة التنوين، ووضعوها مع الفتحة على الألف أيضًا، وإلى محل وضع علامتي الفتح، والنونين أشار الناظم بقوله: "في الألف" وهو خبر مبتدأ محذوف، و"في" بمعنى "على" وقوله "في إذا" متعلق بما تعلق به الخبر، وقوله: "إن تخف" يروى بفتح "إن" على أنها زائدة، "وتخف" بكسر الخاء من خف الشيء صار خفيفا صفة لنون على تقدير مضاف قبل نون، وقوله: "لنسفعًا وليكونًا" بدل من المضاف المحذوف. ويروى بكسر "إن" على أنها زائدة، "وتخف" بكسر الخاء من خف الشيء صار خفيفا صفة لنون على تقدير مضاف قبل نون، ويروى بكسر "إن" على أنها شرطية، وسبك البيت مقدراته هكذا: وهما أي العلامتان كائنتان على الألف في "إذا"، ثم في "ذي" نون خفيفة الذي هو: ﴿لَنَسْفَعًا﴾ ، و ﴿لِيَكُونَا﴾ ، وكأن اقتصار الناظم على وضع العلامتين على الألف تبعا لظاهر كلام الشيخين، والمحققون جعلوا ظاهر كلامهما على اختيار ذلك لا على تعيينه، فلا ينافي جريان القول بجعل العلامتين هنا على الحرف الذي قبل الألف، كما تقدم في التنوين، بل في كلام بعضهم ما يشعر بأن الأقوال الأربعة المتقدمة في التنوين تجري هنا، ولكن المختار ما اقتصر عليه الناظم، وبه جرى العمل عندنا، ثم قال: وقبل حرف الخلق ركبتهما ... وقبل ما سواه أتبعتهما ذكر في هذا البيت أن علامتي الحركة، والتنوين إذا وقعتا قبل حرف من حروف الحلق، فإنهما تركبان أي تجعل علامة التنوين فوق علامة الحركة، وإذا وقعتا قبل حرف غير

стр. 368

حلقي فإنهما تجعلان متتابعتين أي تجعل علامة التنوين أمام علامة الحركة. وأطلق الناظم في التركيب قبل حرف الحلق، فدخلت حروف الحلق الستة: الهمزة، والهاء، والعين، والحاء، والغين، والخاء، فالهمزة نحو: ﴿مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ﴾ ١. ﴿وَعَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٢، و ﴿مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ ٣ وسواء كانت محققة أو محذوفة بعد نقل حركتها على رواية ورش؛ لأنها في حكم الثابتة مراعاة للأصل، والهاء نحو: ﴿جُرُفٍ هَارٍ﴾ ٤ والعين نحو: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ٥ والحاء نحو: ﴿لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ٦، والغين نحو: ﴿لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ ٧ والخاء نحو: ﴿عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ٨ بناء على المشهور من أن حكم النون الساكنة، والتنوين عند الغين والخاء الإظهار، وأما على ما جاء شاذا عن نافع من الإخفاء عندهما -وبه قرأ أبو جعفر من القراء العشرة- فالحكم الإتباع، والظاهركلامه أن الحكم مع الحرف الغير الحلقي الإتباع سواء كان متحركا نحو: ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ ٩، و ﴿قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ ١٠. و ﴿عَلِيمٌ بِمَا﴾ ١١ أم ساكنا وتحرك التنوين للتخلص من التقاء الساكنين نحو: ﴿مَحْظُورًا، انْظُرْ﴾ ١٢. و ﴿رَحِيمًا، النَّبِيُّ﴾ ١٣ ولا نص للمتقدمين في الساكن، والمحققون من المتأخرين حكموا بالتركيب معه، واستثنوا من ذلك: ﴿عَادًا الْأُولَى﴾ ١٤، فحكموا فيه بالإتباع؛ لأنه لم يتحرك فيه التنوين ولذلك أدغم، وما حكم به المحققون من المتأخرين هو الذي جرى به العمل عندنا، ووجه التركيب مع حروف الحلق، والإتباع مع غيرها أن حروف الحلق لما بعد مخرجها عن مخرج التنوين حتى أظهر التنوين عندها في اللفظ، أشير بالتركيب إلى البعد المذكور، إذ في تركيب التنوين إبعاد له عن حروف الحلق خطا كما كان بعيدا منها لفظا، ولما لم تبعد بقية الحروف عن مخرج التنوين كبعد حروف الحلق بل منها ما قرب جدا، ومنها ما قرب فقط حتى كان حكم التنوين عندها الإدغام في بعض، والإخفاء عند بعض والقلب عند بعض، أشير بالإتباع إلى قربه منها إذ إتباع التنوين للحركة تقريب له من تلك الحروف خطا كما كان قريبا منها لفظا، وقوله: "ركبتهما" أكثر الروايات فيه بفتح الكاف

стр. 369

وسكون الباء وبعدها تاء على أنه فعل ماض وفاعل، ولفظه لفظ الخبر ومعناه الطلب أي ركبهما، وفي بعض الروايات بكسر الكاف، وفتح الباء بعدها نون التوكيد الخفيفة ومعناه ظاهر، وبمثل هذين الوجهين يروى قوله: "أتبعتهما"، ثم قال: والشد بعد في هجاء لم نرا ... وغيره فعره كيف جرا ذكر في الشطر الأول من هذا البيت أن التنوين إذا وقع بعده حرف من الحروف المجموعة في هجاء "لم نر"، وهي أربعة: اللام والميم، والنون، والراء نحو: ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ ١، ﴿هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ﴾ ٢، ﴿يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ﴾ ٣، ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٤، فإن ذلك الحرف يشدد بعلامة التشديد الآتية في الباب الذي بعد هذا، ثم أمر بتعرية غير الأحرف الأربعة، يعني من علامة التشديد كيف جرى ذلك الغير على لسانك في التلاوة، أي سواء كان مما يظهر عنده التنوين هو حروف الحلق الستة المتقدمة نحو: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ٥، أو مما يقلب عنده التنوين وهو الباء نحو: ﴿عَلِيمٌ بِمَا﴾ ٦، أو مما يدغم عنده التنوين إدغاما ناقصا، وهو الياء والواو نحو: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ ٧، أو مما يدغم عنده التنوين، وهو الحروف الخمسة عشر الباقية نحو: ﴿غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ ٨، فهذه كلها تعرى من علامة التشديد، وأما الحركة فلا تعرى منها بل لا بد من وضعها إذ لا موجب لذهابها، ووجه تشديد حروف "لم نر" بعد التنوين التنبيه على التنوين أدغم في ذلك الحرف إدغاما تاما قلب لأجله التنوين، وصار من جنس ذلك الحرف، ولأجل ذلك سمي هذا النوع بالإدغام الخالص، ولما لم يدغم التنوين في غير هذه الأحرف الأربعة إدغاما تاما عري ذلك الغير من علامة التشديد تنبيها على ذلك، وقوله: و"الشد" مبتدأ على حذف مضاف أي، وعلامة التشديد تنبيها على ذلك، وقوله: و"الشد" مبتدأ على حذف مضاف أي وعلامة، و"في هجاء" خبره، و"في" بمعنى "على" وقوله: "بعد" أي بعد التنوين حال من "هجاء لم نر"، والفاء في قوله: "فعره" زائدة والألف في "نرا" لإطلاق، ثم قال:

стр. 370

هذا إذا أبقيت عند الياء ... والواو غنة لدى الأداء كانا كباقي الأحرف المعراة ... من غير فرق ولدا النحاة ألفرق بين مدغم ومخفى ... هذا مشدد وهذ خفا يعني أن محل تعرية الياء والواو من علامة التشديد، إذا أبقيت غنة التنوين عند اجتماعه معها في الأداء أي التلاوة بأن تقرأ بقراءة من يبقى الغنة عندهما، وهم غالب القراء فيكونان حينئذ عاريين من علامة التشديد، كباقي الحروف التي لا تشد وهي حروف الإظهار، والقلب والإخفاء المتقدمة، من غير فرق بين الجميع، وإما إذا لم تبق غنة التنوين عند الياء، والواو كما هو رواية "خلف" عن "حمزة"، فإنك تضع علامة التشديد فوقهما إشارة إلى أن الإدغام تام أي لم تبق معه ذات المدغم -وهو هنا التنوين- ولا صفته -وهي هنا الغنة- وإنما لم توضع علامة التشديد مع إبقاء الغنة؛ لأن الإدغام ناقص أي أدغمت معه الذات، وأبقيت الصفة -وهي هنا الغنة- فلو وضعت معه علامة التشديد لالتبس بالإدغام التام، وقد تبرع الناظم باشتراط إبقاء الغنة إذ كلامه في ضبط قراءة "نافع"، ولم يرو عنه الإدغام التام في الياء والواو، وما تقدم من وضع علامة التشديد في الإدغام التام، وعدم وضعها في الإدغام الناقص هو مذهب أهل الضبط، واقتصر عليه "الداني" في المحكم، وبه جرى العمل، وخالفهم النحاة في ذلك كما أشار إليه الناظم بقوله: "ولدا النحاة" إلخ، يعني أن النحاة يفرقون بين المدغم، والمخفي فيضعون علامة التشديد على المدغم فيه؛ لأنه مشدد في اللفظ، ولا يضعونها على المخفي عنده؛ لأنه مخفف في اللفظ، ولا يفرقون بين الإدغام التام، والإدغام الناقص بل يضعون علامة التشديد في كليهما، ويلزمهم التباس الناقص بالتام. فإن قلت: يرد على أهل الضبط أن الياء، والواو إذا لم يشددا مع إبقاء غنة التنوين يتوهم أن الحكم عندهما الإخفاء، فالواجب أن هذا التوهم يدفعه شهرة عدد حروف الإخفاء إذ لم يعد فيها أحد الياء والواو، وهذا الوجه الثاني الذي نسبه الناظم للنحاة ذكره "الداني" في "المقنع" مع الوجه الأول، وكذا "أبو داود"، إلا أنهما لم يخصا الوجه الثاني بالنحاة كما فعل الناظم، واسم الإشارة من قوله: "هذا إذا أبقيت" يعود على الحكم

стр. 371

السابق وهو تعرية غير هجاء "لم نر"، ولا يصح عود اسم الإشارة من قوله: "هذا مشدد وهذا خفا" على مدغم ومخفي، وإنما يعود على ما دل عليه مدغم، ومخفي وهو المدغم فيه والمخفي عنده، وقوله: "خفا" فعل ماض مفتوح الأول ولا يصح ضمه؛ لأنه لازم، ولا يبنى للنائب إلا المتعدي وألفه للإطلاق، ثم قال: وعوضن إن شئت ميما صغرى ... منه لباء إذ بذاك يقرى يعني أن التنوين إذا لقي الباء نحو: ﴿عَلِيمٌ بِمَا﴾ ١ جاز فيه وجهان: أحدهما أن تجعل علامته كعلامة الحركة، وتتبعها لها على ما تقدم في قوله: "وقبل ما سراه أتبعتهما"؛ لأن الباء داخلة فيما سوى حروف الحلق، الوجه الثاني: أن تعوض منه ميما صغرى أي تجعل ميما صغيرة عوضا من علامة التنوين، وأشار بقوله: "إن شئت" إلى أنك مخير في هذين الوجهين، وعلل الوجه الثاني بقوله: "إذ بذاك يقرا" أي؛ لأن التنوين عند الباء يقلب ميما في القراءة، فيكون تصويره ميما في الضبط مشعرا بذلك، واقتصر الداني في المحكم على الوجه الأول، وذكر "أبو داود" الوجهين، واختار الوجه الثاني وبه جرى عملنا، وإذا صورت التنوين ميما فلا تجعل عليها علامة السكون؛ لأنها بمنزلة الحركة الدالة على التنوين، فكما أن السكون لا يجعل على الحركة لا يجعل على ما تنزل منزلتها، واللام في قوله: "لباء" بمعنى "عند"، وقوله "يقرا" يصح ضبطه بالياء المضمومة، فيكون فيه مستتر عائد على التنوين، ويصح ضبطه بالتاء المفتوحة على الخطاب أي تقرا أنت، وألفه على كلا الضبطين مبدلة من الهمزة، ثم قال: وَحُكْمُ نُونٍ سَكَنَتْ أن تُلْقِي ... سكونها عند حروف الحلْقِ لما فرغ من أحكام التنوين في أكثر الأحكام، فأشار في هذا البيت إلى أن حكم النون الساكنة، إذا لقيها أحد حروف الحلق الستة، أن تلقي على النون أي تضع عليها علامة السكون الآتية، إشارة إلى أن النون عند حروف الحلق مظهرة في اللفظ لبعد مخرجها من مخرجهن، كما أن تركيب التنوين عند حروف الحلق إشارة إلى ذلك على ما قدمناه، فتصوير السكون هنا بمنزلة التركيب في التنوين، ولا فرق في ذلك بين أن تكون

стр. 372

النون مع حرف الحلق في كلمة واحدة، وبين أن يكونا في كلمتين نحو: ﴿وَيَنْأَوْنَ﴾ ١، و ﴿مَنْ آمَنَ﴾ ٢ لقالون، وأما ورش فينقل حركة همزة: ﴿آمَنَ﴾ ٣ إلى نون: ﴿مِنْ﴾ ٤ فمن أخذ بروايته يضبط النون في ذلك، وما أشبه بالحركة لا بالسكون، ونحو ﴿مِنْهَا﴾ ٥، و ﴿مِنْ هَادٍ﴾ ٦، و ﴿أَنْعَمْتَ﴾ ٧، و ﴿مِنْ عَمَلِ﴾ ٨ و ﴿انْحَرْ﴾ ٩ و ﴿مَنْ حَادَّ﴾ ١٠، و ﴿فَسَيُنْغِضُونَ﴾ ١١، و ﴿مِنْ غِلٍّ﴾ ١٢، و ﴿الْمُنْخَنِقَةُ﴾ ١٣، و ﴿مَنْ خَفَّتْ﴾ ١٤، وهذا الحكم في غير الغين والخاء متفق عليه، وفي الغين والخاء كذلك على المشهور، وأما على ما جاء شاذا عن نافع من الإخفاء عندهما -وبه قرأ أبو جعفر من القراء العشرة- فحكم النون عندهما كحكمها عند حروف الإخفاء، وسيأتي إثر هذا البيت، وقوله: "تلقي" بضم التاء من ألقى، وهو منصوب بـ"أن" لكنه سكنه للوقوف، و"سكونها" مفعول "تلقي" على حذف مضاف إلى علامة سكونها، ثم قال: وعند كل ما سواه تعرى ... وإن تشأ صورت ميما صغرى من قبل باء ثم شد يلزم ... في كل ما التنوين فيه يدغم ذكر في الشطر الأول أن حكم النون الساكنة عند غير الحرف الحلقي أن تعرى من علامة السكون، وشمل قوله: "كل ما سواه" حروف الإخفاء الخمسة عشر المعلومة، متصلة مع النون، أو منفصلة عنها نحو "أنت" و"إن كنتم"، وحرف القلب وهو الباء متصلة مع النون، أو منفصلة عنها: ﴿مُنْبَثًّا﴾ ١٥، و ﴿مِنْ بَعْدُ﴾ ١٦، وحروف الإدغام التام والناقص، وهي حروف "يرسلون" نحو: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ ١٧، ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ ١٨. و ﴿مَنْ يَعْمَلُ﴾ ١٩، ﴿مِنْ وَالٍ﴾ ٢٠ لكن بشرط انفصال الياء والواو عن النون كما مثلنا، وأما إذا كانا متصلين معها في كلمة واحدة نحو: ﴿الدُّنْيَا﴾ ٢١، و ﴿قِنْوَانٌ﴾ ٢٢، فالحكم تصوير سكونها؛ لأنها

стр. 373

مظهرة حينئذ، وظاهر كلام الناظم تعريتها لعمومه، وسيذكر وجها آخر في النون عند الواو، والياء المنفصلين عنها وهو إثبات علامة سكونها، وإنما عريت النون عند ما سوى الحرف الحلقي إشارة إلى قربها مما بعدها في المخرج حتى أدغمت في بعض، وقلبت عند بعض وأخفيت عند بعض، كما أن اتباع التنوين إشارة إلى ذلك على ما قدمناه، فتعرية النون هنا بمنزلة الاتباع في النون، وأشار بقوله: "وإن تشأ صورت ميما صغرى من قبل ياء"، إلا أن النون الساكنة إذا لقيت الباء نحو: ﴿مِنْ بَعْدِ﴾ ١ جاز لك فيها وجهان: أحدهما تعريتها من علامة السكون حسبما دل عليه العموم السابق، وهذا الوجه هو اختيار الداني، الوجه الثاني أن تصور ميما صغيرة تنبيها على أن النون انقلبت في اللفظ ميما لمؤاخاتها للنون في الغنة، وقربها من الباء في المخرج، وهذا الوجه هو اختيار أبي داود وبه جرى العمل، وتوضع تلك الميم على النون في مكان السكون على ما نص عليه أبو داود وبه العمل، ولا تجعل على الميم علامة السكون كما قدمناه في التنوين عند الباء، وقوله: "ثم شد يلزم" إلخ، يعني به أن وضع علامة التشديد يلزم في كل حرف يدغم فيه التنوين إدغاما خالصا في اللفظ، ويشدد بعد التنوين في الضبط، وذلك حروف "لم نر" المتقدمة في قوله "والشد بعد في هجاء لم نر"، وأمثلتها بعد النون: ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ ٢، ﴿مِنْ مَاءٍ﴾ ٣، ﴿مِنْ نِعْمَةٍ﴾ ٤، ﴿مِنْ رِزْقِ﴾ ٥، ووجه تشديدها بعد النون التنبيه على أنها أدغمت فيها النون إدغاما تاما كما تقدم في التنوين، وفهم من كلام الناظم أن ما عدا حروف "لم نر"، لا تجعل عليه علامة التشديد بعد النون الساكنة، وهو كذلك إلا الواو والياء، فسيتكلم عليهما في البيتين بعده. تنبيه: لم يتعرض الناظم ولا غيره إلى ضبط الميم عند الباء نحو: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ٦، والذي جرى به عملنا أن ضبطها كضبط النون الساكنة عند حروف الإخفاء، وهو أن تعرى من علامة السكون، ولا تجعل علامة التشديد على الباء، وهذا مبني على أن حكم الميم الساكنة عند الباء الإخفاء مع الغنة، وهو المختار عند المحققين من أهل الأداء لجميع القراء، وأخذ كثير من أهل الأداء فيها بالإظهار التام لجميع القراء، والضمير في

стр. 374

قول الناظم "سواه" يعود على حرف الحلق المفهوم من قوله: "حروف الحلق" في البيت السابق، ثم قال: والواو والياء إذا أبقيتا ... غنتها عندهما أثبتا علامة التشديد والسكونا ... إن شئت أو عرهما والنونا تكلم هنا على حكم الواو، والياء الواقعين بعد النون الساكنة، وعلى حكم النون الساكنة الواقعة بعدهما نحو: ﴿مَنْ يَعْمَلْ﴾ ١، ﴿مِنْ وَالٍ﴾ ٢، فذكر أن الواو، والياء إذا أبقيت عندهما غنة النون بأن أدغمت فيها النون إدغاما ناقصا على قراءة غالب القراء، فإن الحكم في النون وما بعدها من الواو، والياء التخيير بين وجهين: أحدهما أن تضع علامة التشديد على الواو، والياء للدلالة على إدغام النون فيهما، وتضع علامة السكون على النون للدلالة على أن الإدغام ناقص بسبب إبقاء غنة المدغم الذي هو النون، وهذا معنى قوله: "أثبتا * علامة التشديد والسكونا" أي علامة سكون النون، وهذا الوجه هو مختار الشيخين وبه جرى العمل، الوجه الثاني أن تعري النون من علامة السكون إشعارا بإدغامها فيما بعدها، وتعري الواو والياء من علامة التشديد لا من الحركة إشعارا بأن النون لم تدغم فيهما إدغاما خالصا، وإنما جوزوا هذين الوجهين في الواو، والياء من علامة التشديد لا من الحركة إشعارا بأن النون لم تدغم فيهما إدغاما خالصا، وإنما جوزوا هذين الوجهين في الواو والياء بعد النون الساكنة، واقتصروا على تعريتها بعد التنوين لالتبس الإدغام الناقص بالإدغام التام، كما قدمناه بخلاف وضعها عليهما بعد النون الساكنة، فإنه لا التباس فيه؛ لأن وضع علامة السكون على النون يدل على أن الإدغام غير خالص، وفهم من قول الناظم: "إذا أبقيتا غنتها عندهما" أنك إذا لم تبق غنتهما عندهما كما هو رواية خلف عن حمزة، فإن الضبط لا يكون كذلك بل يكون بوضع علامة التشديد على الواو والياء، وتعرية النون من علامة السكون؛ لأن الإدغام حينئذ خالص، وما أفاده الناظم في هذين البيتين هو مذهب أهل الضبط، وخالفهم النحاة في ذلك، فقالوا: لا بد من وضع

стр. 375

علامة التشديد على الواو، والياء بعد النون الساكنة في الإدغام التام، والإدغام الناقص على ما تقدم في التنوين، وقد تبرع الناظم باشتراط إبقاء الغنة في النون إذ كلامه في ضبط قراءة نافع، ولم يرو عنه الإدغام التام في الواو والياء كما قدمناه في التنوين، نعم روي عنه شاذا إبقاء غنة النون الساكنة، والتنوين عند اللام والراء، فعلى هذه الرواية يكون الإدغام ناقصًا، ويكون ضبط النون واللام والراء الواقعين بعدها، وبعد التنوين كضبط النون والواو والياء الواقعين بعدها، وبعد التنوين وقد علمته. تنبيه: اتفق أهل الأداء على أن الغنة الظاهرة مع الإدغام في الواو، والياء غنة المدغم وهو النون الساكنة والتنوين، فيكون الإدغام ناقصا ومع الإدغام في النون نحو: ﴿مِنْ نَصِيرٍ﴾ ١. و ﴿يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ﴾ ٢ غنة المدغم فيه، فيكون الإدغام تاما، واختلفوا في الغنة مع الإدغام في الميم نحو: ﴿مِنْ مَاءٍ﴾ ٣، و ﴿هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ﴾ ٤، فالذي عليه الجمهور وهو الصحيح أنها غنة الميم المدغم فيها، وقيل: غنة الميم المبدلة من النون والتنوين، وقيل: غنتها وغنة الميم المدغم فيها، وقيل: غنة النون والتنوين، فعلى الأقوال الثلاثة الأول يكون الإدغام تاما، ويكون الضبط على ما تقدم وهو أن تعري النون من علامة السكون، وتضع علامة التشديد على الميم كالنون بعد النون، وعلى القول الرابع يكون الإدغام ناقصا، ويكون ضبط النون والميم الواقعة بعدها، وبعد التنوين كضبط النون والواو والياء الواقعين بعدها وبعد التنوين، وقوله: و"السكونا" عطف على "علامة" وقوله: و"النونا" عطف على الضمير المنصوب في قوله: "عرهما"، ثم قال: وكل ما اختلس أو يشم ... فالشكل نقط والتعري حكم لما تكلم على الحركة الخالصة، وعلى التنوين شرع في الكلام على الحركة الغير الخالصة، وقسمها إلى ثلاثة أقسام: مختلسة ومشمة وممالة، وسيتكلم على القسم الثالث في البيتين بعد، وتكلم هنا على ضبط القسمين الأولين، فذكر أن كل ما اختلس من الحركات، أو أشم منها ففي ضبطه وجهان: أحدهما أن يجعل الشكل الدال عليه نقطا

стр. 376

مدورا كنقط الإعجام لئلا يلتبس بالحركة الخالصة، وإلى هذا الوجه أشار بقوله: "فالشكل نقط"، ويجعل هذا النقط الحمراء، ويوضع في الاختلاص فوق الحرف إن كان مفتوحا كعين ﴿تَعْدُوا﴾ ١ وتحته إن كان مكسورا كعين: ﴿نِعِمَّا﴾ ٢، وأما في الإشمام فسينص الناظم على أنه يوضع أمام الحرف، الوجه الثاني أن يعرى الحرف الذي اختلست حركته، أو أشمت من شكل الحركة الخالصة، ومن عوضها وهو النقط المدور، وإلى هذا الوجه أشار بقوله: "والتعري حكم" أي حكم آخر يعني وجها ثانيا في الضبط، والاختلاس عند القراء اختطاف الحركة بسرعة حتى يذهب القليل، ويبقى الكثير ويكون في الحركات كلها، وقد رواه قالون عن نافع في عين: ﴿نِعِمَّا﴾ ٣ و ﴿تَعْدُوا﴾ ٤ وفي هاء: ﴿يَهْدِي﴾ ٥ وخاء: ﴿يَخِصِّمُونَ﴾ ٦ تنبيها على أن أصلها السكون. وروى ورش فيها الحركة التامة، وضبطها على روايته ظاهر وكذا على رواية إسكانها لقالون، والمراد بالإشمام هنا النطق بحركة تامة مركبة من حركتين ضمة وكسرة، وجزء الضمة مقدم وهو الأقل، ويليه جزء الكسرة وهو الأكثر هذا هو الصحيح في معناه، وقد قرأ به نافع في سين: ﴿سِيءَ﴾ ٧، و ﴿سِيئَتْ﴾ ٨ تنبيها على أن أصلها الضم، وإنما كانت الحركة المختلسة، والمشمة غير خالصتين؛ لأن الأولى مشوبة بسكون، والثانية كسرة مشوبة بضمة، الوجه الأول في ضبط ما اختلس، أو شم هو اختيار الداني وبه جرى عملنا، والوجه الثاني هو اختيار أبي داود قال: لأن الإشمام والاختلاص لا يؤخذان من الخط بل بالمشافهة من الشيخ، فالتعرية تحمل على السؤال. ا. هـ. والأظهر اختيار الداني إذ قد يظن الناظر أن التعري غفلة من الناقط، فيقرأه بحركة خالصة بخلاف ضبطه بغير ضبط سائر الحروف، ثم قال: وعوضن الفتحة الممالة ... بالنقط تحت الحرف للإمالة أو عره والنقط في إشمام ... سيئ وسيئت هو من أمام تكلم هنا على ضبط لقسم الثالث من أقسام الحركة الغير الخالصة، وهو الفتحة الممالة، وإنما كانت غير خالصة؛ لأنها مشوبة بالكسرة كما سيتضح، والإمالة ضد الفتح

стр. 377

الخالص وتنقسم عند القراء إلى قسمين: محضة وغير محضة، فالمحضة هي أن تقرب الفتحة من الكسرة، والألف من الياء من غير قلب خالص، ولا إشباع مبالغ فيه وتسمى بالإمالة الكبرى، وربما عبر عنها بالكسر، وغير المحضة هي ما بين الفتح الخالص والإمالة المحضة، ولذا يقال: "بين بين" و"بين اللفظين"، وتسمى بالإمالة الصغرى وبالتقليل، وقد ذكر الناظم في ضبط الفتحة الممالة وجهين: أحدهما أن تعوضها بالنقط المدور لئلا تلتبس بالفتحة الخالصة، ويجعل هذا النقط بالحمراء، ويؤخذ من قوله و"عوضن" أن الفتحة لا توضع على الحرف الممال، وهو كذلك؛ لأن العوض والمعوض عنه لا يجتمعان. وأشار بقوله: "تحت الحرف" إلى بيان محل النقط، "وأل" في الحرف بدل من الضمير أي تحت حرفها، وليس المراد تحت الألف الناشئ عنها كما عند كثير من الجهلة، ولا فرق في تعويض الفتحة الممالة بالنقط بين أن تكون الإمالة رائية، أو يائية في فواتح السور أو في غيرها محضة أو غير محضة، ولا بين أن يكون الألف الناشئ عن الفتحة ثابتا، أو محذوفا كتب بالياء أم لا فيدخل في ذلك نحو: ﴿مَجْرَاهَا﴾ ١، و ﴿الْكَافِرِينَ﴾ ٢، و ﴿الْأَبْرَارَ﴾ ٣، و ﴿المر﴾ ٤، و ﴿هَارٍ﴾ ٥، و ﴿مُرْسَاهَا﴾ ٦، و ﴿خَطَايَاهُمْ﴾ ٧، لكن بشرط أن تكون الإمالة وصلا ووقفا كما في هذه الأمثلة، وكما في نحو: ﴿النَّهَارِ﴾ ٨، فإن الجمهور على إمالته في الوقف كالوصل لعروض السكون، أو وصلا فقط كما في: ﴿النَّهَارِ﴾ ٩ أيضا عند من لم يمله، وقفا اعتدادا بسكون الوقف، وأما ما كانت الإمالة فيه وقفا، ويقرأ في الوصل بالفتح كالأسماء المقصورة، وما لقيه ساكن منفصل نحو: ﴿مُفْتَرىً﴾ ١٠، ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ﴾ ١١، و ﴿مُوسَى الْكِتَابَ﴾ ١٢، فالصواب ضبطه بما يدل على الفتحة الخالصة لإجماعهم على أن الضبط مبني على الوصل، كما قدمناه، وقوله: "للإمالة" علة القول "عوضن" أي إنما كان هذا التعويض لأجل أن يدل على القراءة بالإمالة، فلو لم يقرأ بها بل بالفتحة الخالصة كما هو رواية قالون في أكثر ما يميله ورش، لم

стр. 378

تعوض بالنقط بل تكون فتحة كما في غيرها، وفي بعض النسخ "للدلالة" أي لأجل أن يدل النقط على أن الفتحة ممالة، وهذا الوجه الأول هو اختيار الداني، وبه جرى العمل عندنا. الوجه الثاني: تعرية الحرف الممال من المعوض منه، والعوض ليقع السؤال عند رؤية ذلك كما في الاختلاس والإشمام، وإليه أشار الناظم بقوله: "والنقط في إشمام" إلخ، أي أن نقط المشم محله إمام الحرف تنبيها على أنه يشار بالكسرة إلى الضمة هكذا: ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ ١، ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ﴾ ٢، واقتصر على هذا الوجه لجريان العمل به، وفيه وجه آخر غير معمول به، وهو أن تجعل نقطة الإشمام حمراء في وسط السين إشعارا بأنه لم يرتق إلى مرتبة الضمة، ولم ينحط إلى مرتبة الكسرة، ولا تجعل النقطة فوق السين كما زعم بعضهم، واحترز الناظم بقوله "سيئ" و ﴿سِيئَتْ﴾ ٣، من ﴿تَأْمَنَّا﴾ ٤ فإنه وإن قرأ نافع بإشمام نونه في وجه، وبإخفاء حركتها في وجه آخر، إلا أن الناظم أخر الكلام عليه إلى باب النقص من الهجاء، وسنبين فيه المراد بالوجهين مع كيفية ضبط: ﴿تَأْمَنَّا﴾ ٥ عليهما، وقوله "من أمام" يقرأ بالخفض من غيره تنوين لحذف المضاف إليه، ونية لفظه أي من أمام السين، ثم قال: ألقول في السكون والتشديد ... وموضع المط من الممدود أي هذا القول في بيان أحكام السكون والتشديد، وفي بيان موضع المط من الحرف الممدود، والمط والمد لفظان مترادفان، وأحكام السكون، والتشديد التي بينها في هذا الباب هي علامتهما، وإنه لا يكتفي بعلامة التشديد عن علامة الحركة، وأما المط فلم يتعرض لعلامته وسنبينها بعد، وهذه الألفاظ التي هي السكون والتشديد، والمط والمد مصادر في الأصل، وهي في الاصطلاح أسماء للأشكال على المعاني القائمة بالحروف، وقوله: "من الممدود" حال من "موضع"، ثم قال: ألقول في السكون والتشديد ... وموضع المط من الممدود

стр. 379

أي هذا القول في بيان أحكام السكون، وفي بيان موضع المط من الحرف الممدود، والمط والمد لفظان مترادفان، وأحكام السكون والتشديد التي بينها في هذا الباب هي علامتهما، ومحلهما وإنه لا يكتفي بعلامة التشديد عن علامة الحركة، وأما المط فلم يتعرض لعلامته وسنبينها بعد، وهذه الألفاظ التي هي السكون، والتشديد، والمط، والمد مصادر في الأصل، وهي في الاصطلاح أسماء للأشكال الدالة على المعاني القائمة بالحرف، وقوله: "من الممدود" حال من "موضع"، ثم قال: فدارة علامة السكون ... أعلاه والتشديد حرف الشين ذكر في هذا البيت علامة السكون، ومحله وعلامة التشديد ومحله، فعلامة السكون أشار إليها بقوله: "فدارة علامة السكون"، ومحله أشار إليه بقوله: "أعلاه"، فكأنه يقول: فعلامة السكون دارة تجعل فوق الحرف الساكن أي منفصلة عنه، فالضمير في أعلاه عائد على الحرف الساكن المفهوم من قوله: "السكون"؛ لأن السكون صفة وكل صفة لا بد لها من موصول تقوم به، واقتصر في علامة السكون على الدارة اعتمادا على اختيار أبي داود، واقتداء بالأكثرين من نقاط مدينة النبي ﷺ ، فإنهم يجعلون علامة السكون دارة، وأخذوها مما تقرر عند أهل الحساب من جعل دارة صغيرة في المنزل الخالية من العدد دلالة على الخلو، فما كان الحرف الساكن خاليا من الحركة، جعلوا عليه تلك الدارة دليلا على خلوه من الحركة، وجرى بذلك عمل المتأخرين وعليه عملنا الآن، وفيه مذاهب آخر لم يتكلم عليها الناظم لكون المتأخرين، تركوا العمل بها منها مذهب الخليل، وأصحابه أن علامة السكون جاء هكذا "الحمد لله"، وأرادوا بذلك الحرف الأول من خفيف، ومنها مذهب نقاط الأندلس أن علامة السكون جرة، وأرادوا بذلك مذهب الخليل لكنهم أسقطوا رأس الخاء، وأبقوا مطتها إلا أن مذهبهم إنما يحسن مع نقط الدؤلي، ومنها مذهب بعض النحاة، والأقل من أهل المدينة أن علامة السكون هاء واقفة، فهؤلاء كلهم يقولون بافتقار الساكن إلى علامة السكون، وخالف في ذلك بعض نقاط العراق، فلم يجعلوا للسكون علامة أصلا، ثم أشار إلى علامة التشديد ومحله بقوله: "والتشديد حرف الشين" أي وعلامة التشديد شين يريد غير معرفة، ولا مجرورة، ولا منقوطة، ويريد أيضًا أنها

стр. 380

أعلاه أي أعلى الحرف المشدد، وحذف "أعلاه" من هنا لدلالة "أعلاه" الأول عليه، هذا الوجه هو مذهب الخليل وأصحابه، وإنما قال الناظم: "حرف الشين"، ولم يقل "حرف السين"؛ لأن الخليل أخذ الحرف الأول من شديد -وهو الشين- وجعله علامة التشديد محتجا بأن العرب تستغني بالحرف الأول من الكلمة، والكلام بدليل قول الشاعر: نادوهم إذ ألجموا ألاتا ... قالوا جميعا كلهم ألافا أراد بالأول "ألا تركبون"، وبالثاني "ألا فاركبوا"، وعلى هذا الوجه غالب نقاط المشرق، واختاره "أبو داود"١ لمن ينقط بالحركات المأخوذة من الحروف لكون مخترع الجميع واحدا، وهو "الخليل"٢، وبهذا الوجه جرى عملنا، وسيذكر الناظم غير هذا الوجه، ثم قال: ويجعل الشمل كما قلناه ... أمامه أو تحت أو أعلاه يعني أنك أنك لا تكتفي بعلامة التشديد التي هي الشين المجعولة فوق الحرف المشدد، بل لا بد أن تضيف إليها شكل الحرف المشدد، فتجعله على الصفة المتقدمة بأن تجعل شكل الفتحة ألفا صغيرة مبطوحة، وشكل الضمة واوًا صغيرة، وشكل الكسرة ياء صغيرة، وهذا هو المراد بقوله: "كما قلناه" أي مثل الصفة التي ذكرناها للشكل في الباب السابق، وقوله: "أمامه أو تحت أو أعلاه" أراد به بيان محل يجعل الشكل الذي على الصفة المتقدمة؟ فأجاب بقوله: "أمامه" أي يجعل أمام الحرف المشدد يعني في الضم على قول، أو تحت أي تحت الحرف المشدد يعني في الكسر، أو أعلاه أي أعلى الحرف المشدد يعني في الفتح، ومثله في المحل الضم على قول آخر، وهو المختار المعمول به كما قدمناه، ولم يبين الناظم هل الفتحة توضع فوق الشين أو تحته، وكذا الضمة على القول بجعلها فوق الحرف، هل توضع فوق الشين أو تحته، والذي نص عليه الداني، وغيره وبه العمل أنهما يوضعان فوق الشين، ووجه أنهما لما تواردا مع الشين على محل واحد، وكانت الحركة تدل على شيء واحد -وهو تحريك- والشين يدل على شيئين -التحريك والشد- حصلت

стр. 381

للشين مزية استوجب بها القرب من الحرف، وأما الكسرة فلم تتوارد مع الشين على محل واحد؛ لأنها توضع من أسفل، ومثلها الضمة على القول بجعلها أمام الحرف، وقول الناظم "أو تحت" أصله، أو تحته أي الحرف، فحذف المضاف إليه، ونوى معناه فبناه على الضم و"أو" فيه، وفيما بعد للتنويع، ثم قال: وبعض أهل الضبط دالا جعله ... يكون إن كان بكسر أسفله وفوقه فتحا وفي انضمامه ... يكون لا امتراء من أمامه وطرفاه فوق قآئمان ... وفهي سوى الأولى منكسان ذكر هنا علامة أخرى للتشديد، فأخبر أن بعض أهل الضبط جعل علامته دالا. والمراد بهذا البعض نقاط مدينة النبي ﷺ ، ومن تبعهم وهم نقاط الأندلس، وأرادوا بذلك الدال من "شد"، وكأنهم رجحوها على الشين لتكرارها في اللفظ، فصارت بذلك ثلثي الكلمة وذلك في حكم الكل، فكأنهما هي اللفظة كلها، وهذا الوجه هو اختيار الداني، ثم ذكر الناظم أن هذا الدال لا يختص بأعلى الحرف كما اختص به الشين، بل يختلف محله باختلاف الحركة، فإن كانت الحركة كسرة كان الدال تحت الحرف المشدد، وإلى هذا أشار بقوله: "يكون إن كان بكسر أسفله" أي يكون الدال أسفل الحرف إن كان الحرف محركًا بالكسر، وإن كانت الحركة فتحة كان الدال فوق الحرف المشدد، وإلى هذا أشار بقوله: "وفوقه فتحا" أي يكون الدال فوق الحرف إن كان ذا فتح، وإن كانت الحركة ضمة كان الدال أمام الحرف المشدد لا فوقه، وإلى هذا أشار بقوله: "وفي انضمامه يكون لا امتراء من أمامه"، ومعنى لا امتراء لا شك، ثم ذكر في البيت الثالث أن طرفي هذا الدال -أي جناحيه- يكونان قائمين إلى أعلى إن وضع فوق الحرف المشدد، وذلك في الفتح فقط كما تقدم، ويكونان منكسين إلى أسفل إن وضع في سوى الأعلى الذي عبر عنه بفوق، وسواه هو الإمام في الضم، والأسفل في الكسر على ما تقدم هكذا: ﴿لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ ١، ﴿بِرَبِّ﴾ ٢، ثم قال:

стр. 382

من غير شكلة لما تنزلا ... منزلها والبعض منهم أشكلا كأول وبعضهم في الطرف ... ............................... تكلم هنا على حكم حركة الحرف المشدد على مذهب نقاط المدينة الذين يجعلون علامة الشد دالا، فذكر أن لهم في الحركة مع الدال ثلاثة أقوال: الأول: أن الدال يغني عنها، وإلى هذا القول أشار بقوله: "من غير شكلة" أي من غير وضع علامة الحركة، واللام في قوله: "لما تنزلا" للتعليل، و"ما" مصدرية أي، وإنما لم توضع الشكلة على هذا القول لتنزل الدال منزلتها؛ لأنه يوضع في موضعها كما تقدم، ففيه بيان للشد وللشكلة معا، وباختيار هذا القول صرح أبو داود. القول الثاني: أنه يجمع بين الشد، والشكل تأكيدا في البيان، وإليه أشار بقوله "والبعض منهم أشكلا كأول" أي وقع البعض منهم الشكل مع الدال مطلقا كوضعه في الوجه الأول الذي هو الشد بالشين، وهذا القول رجحه بعض المتأخرين، ولم يتكلم الناظم ولا غيره من المتقدمين على محل الحركة من الشد على هذا القول، واستظهر أن يكون الشد هو الذي يلي الحرف من أي جهة كان قياسا على ما إذا كان الشد بالشين. القول الثالث بالتفصيل: وهو أن الحرف المشدد إن كان في آخر الكلمة جمع فيه بين الشد والشكل؛ لأن الأطراف محل التغيير فيطلب فيها البيان أكثر من غيرها، وإن كان الحرف المشدد أول الكلمة، أو وسطها اكتفى فيه بالشد وإلى هذا القول أشار بقوله: "وبعضهم في الطرف" أي، وبعضهم أشكل في الطرف دون الأول والوسط، قال الداني: وهو قول حسن. ا. هـ. وبقي في علامة التشديد وجوه أخرى لم يتعرض لها الناظم لضعفها، وترك العمل بها وإنكار الشيوخ لها، ثم قال: . . . . . . . . . . . ... وفوق واو ثم يا وألف مط لهمز بعدها تأخرا ... وساكن أدغم أو أن أظهرا بين هنا موضع المط المشار إليه بقوله في الترجمة، وموضع المط من الممدود، فذكر أن المط الذي هو الذي يجعل فوق حروف المد الثلاثة التي هي الألف والواو الساكنة المضموم ما قبلها، والياء الساكنة المكسور ما قبلها، والمراد بالفوقية أن يكون بين المد وحرفه بياض

стр. 383

كما كان في الحركة، ويكون حرف المد مقابلًا لوسط المد على المختار، وقبل: يكون ابتداء المد من حرف المد ويمر به إلى الهمز أو الساكن، ولا يدخل في حروف المد هنا ما كان منها مبدلا من الهمز كما في: ﴿الذَّاكِرِينَ﴾ ١ و ﴿أَقْرَرْتُمْ﴾ ٢، و ﴿شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ ٣ على وجه البدل لورش؛ لأنه سيتكلم عليه في باب الهمز. وقد بين الناظم موضع المد ولم يبين علامته، وهي صورته الدالة عليه، وكأنه لما رأى صورته موافقة للفظه الذي هو مد لم يحتج إلى بيانها إلا أن صورته تطمس ميمها، ويزال الطرف الأعلى من دالها هكذا فرقا بينهما وبين لفظه، وقوله: "لهمز بعدها تأخرا أو ساكن" أشار به إلى أن العلة في وقع المد هو وجود الهمز، أو الساكن بعد حروف المد، وذلك أنه لما كان وجود الهمز، أو الساكن بعدها في اللفظ سببا في امتداد الصوت بها، وضع عليها صورة مد في الضبط تنبيها على أنها في اللفظ ممدودة، وقوله: "تأخرا" مستغنى عنه بقوله: "بعدها"، وقوله: "أدغم وإن أظهرا" تعميم في الساكن، فمثال الهمز بعدها ﴿جَاءَ﴾ ٤، و ﴿قُرُوءٍ﴾ ٥، و ﴿سِيءَ﴾ ٦، ومثال الساكن المدغم أو المظهر بعدها: ﴿الْحَاقَّةُ﴾ ٧، و ﴿مَحْيَايَ﴾ ٨، عند من سكن ياءه، وخالف نقاط العراق في هذا فلم يجعلوا للمد علامة، ورأوا أن وجود السبب كاف في ذلك. واعلم أن قول الناظم "لهمز" يدخل فيه الهمز المتصل المغير، والهمز المتصل المغير والهمز المنفصل، فالأول نحو: ﴿وَاللَّائِي﴾ ٩، عند ورش و ﴿هَؤُلاءِ إِنْ﴾ ١٠، و ﴿أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ﴾ ١١، و ﴿شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ ١٢ عند قالون، والثاني نحو: ﴿بِمَا أُنْزِلَ﴾ ١٣، فيوضع المط في القسم الأول بناء على أحد الوجهين في حرف المد الواقع قبل الهمز المغير وهو وجه لمد، ويوضع المط لورش في القسم الثاني؛ لأنه يمده اتفاقا، ولقالون بناء على أحد الوجهين له فيه وهو وجه المد، وأما على وجه القصر فلا يوضع المط لا في المغير ولا في المنفصل، واحترز الناظم بقوله: "بعدها" عما إذا تقدم الهمز على حروف المد نحو: ﴿آمَنَ﴾ ١٤، و ﴿أُوتُوا﴾ ١٥

стр. 384

و ﴿أَيْمَانٌ﴾ ١، فإنه لا يوضع عليها المط عند قالون لكونه يقرأها بالقصر اتفاقا، ومثله ورش على رواية قصرها وتوسطها له، وأما على رواية إشباعها له، فيوضع المط عليها كما إذا تأخر عنها الهمز، وإنما لم يوضع المط على رواية التوسط مع أن فيه زيادة على المد الطبيعي، لئلا يلتبس المد المتوسط بالمد المشبع. تنبيه: مراد الناظم بالساكن الساكن الموجود مع حرف المد وصلا، ووفقا كما في الأمثلة السابقة، فيخرج الساكن الذي يوجد وصلا خاصة، ويحذف لأجله حرف المد لفظا في الوصل نحو: ﴿وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ٢، ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا﴾ ٣، ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ ٤، فلا يوضع المط في ذلك خطا لعدم وجود حرف المد لفظًا، ويخرج الساكن الموجود وقفا خاصة سواء كان الوقف معه بوجوب الإشباع على التحقيق كما في: ﴿الصَّلاةَ﴾ ٥ و"مزجية"٦ أو بجوازه نحو: ﴿نَسْتَعِينُ﴾ ٧، و ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ ٨، و ﴿مَتَابِ﴾ ٩، فلا يوضع المط في ذلك خطا لكون حرف المد يقصر في الوصل لعدم وجود الساكن بعده وصلا، والنقط مبني على الوصل، وقوله: و"ساكن" معطوف على "همز" والأظهر في "أن" من قوله: "وأن ظهرا" أن تكون مفتوحة الهمزة زائدة، ويصح كسر الهمزة، وتكون شرطية حذف جوابها لدلالة ما تقدم عليه واو حينئذ بمعنى الواو أي، وإن أظهر الساكن فكذلك، ثم قال: كذا لورش مثل ياء شيء ... في مده ونحو واو السوء ذكر في هذا البيت حكم حرفي اللين الواقع بعدهما همزة كياء: ﴿شَيْءٍ﴾ ١٠ وواو: ﴿السُّوءَ﴾ ١١، فأخبر أنهما كحروف المد في جعل المط فوقهما على رواية مدهما لورش أي مدا مشبعا؛ لأن المد إذا أطلق إنما يحمل على المشبع، وأما على رواية التوسط فيهما لورش، فلا يوضع المط عليهما لئلا يلتبس المد المتوسط بالمد المشبع كما لا يوضع المط عليهما على رواية من قصرهما، وقوله: "في مده" على حذف مضاف أي في رواية مده، والضمير فيه عائد على حرف اللين الذي دل عليه "شيء"، وقوله: و"نحو" بالرفع عطف على "مثل"، ثم قال:

стр. 385

وإن تكن ساقطة في الخط ... ألحقتها حمرا لجعل المط وإن تشأ إلحاقها تركتا ... ومطة موضعها جعلتا لما تكلم على حكم حروف المد الثابتة في الخط، وما ألحق بهما من حرفي اللين، أشار هنا إلى حكم حروف المد الواقع بعدها همز، أو سكون إذا كانت ساقطة أي محذوفة في خط المصحف، فذكر فيها وجهين: الأول أن تلحقها بالحمراء لأجل أن يجعل عليها المط إذ الأصل فيه أن يجعل فوق حروف المد، فإذا لم توجد في الخط ألحقت محافظة على هذا الأصل، وسواء كان سبب المد همزا متصلا نحو ﴿شُفَعَاءَ﴾ ١، و ﴿النَّبِيِّينَ﴾ ٢ و ﴿لِيَسُوءُوا﴾ ٣، أو همزًا منفصلًا نحو ﴿أَسَاءُوا السُّوأَى﴾ ٤، و ﴿فَأْوُوا إِلَى﴾ ٥ و ﴿لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ﴾ ٦، و ﴿قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ٧، و ﴿تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ ٨، و ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى﴾ ٩ وكذلك: ﴿الدَّاعِ إِذَا﴾ ١٠، و ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ ١١، عند ورش و ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا﴾ ١٢ عند قالون، أو كان السبب سكونا نحو: ﴿وَالصَّافَّاتِ﴾ ١٣، و ﴿أَتُحَاجُّونِّي﴾ ١٤، و ﴿تُشَاقُّونَ﴾ ١٥، و ﴿مَحْيَايَ﴾ ١٦ عند من حذف ألفه، وإلى هذاالوجه أشار بالبيت الأول، وقوله: "حمرا" تصريح بما علم التزاما من قوله: "ألحقتها"، وذلك؛ لأن التعبير الإلحاق كان من باب التصريح باللازم للإيضاح، وهذا بخلاف لتعبير بالرسم، فإنه لا يسلتزم الحمرة إذ أكثر ما يطلق على ما يكتب بالكحلاء مما هو ثابت في المصاحف. الوجه الثاني: أن لا تلحق حروف المد المحذوفة بل تستغني بجعل المط في موضعها، فيدل المط على الحرف، وعلى كونه ممدودا وإلى هذا الوجه أشار بالبيت الثاني، وقد نص على هذين الوجهين الشيخان وغيرهما، وصرح أبو داود باختيار الوجه الأول، وبه صدر الداني، ولذا قدمه الناظم، وبه جرى عملنا.

стр. 386

تنبيه: لا يدخل فيما ذكره الناظم في البيت الأول حروف المد التي في أوائل السور، وإن كانت ساقطة في الخط للإجماع على أنها لا تلحق، وأما نزول المط على الحروف التي قبلها المرسومة في فواتح السور نحو: ﴿الم﴾ ١ ﴿قَ﴾ ٢، ﴿نَ﴾ ٣، فلم يرد فيه نص عن المتقدمين، ولذا لم يتعرض له الناظم، وقد اختلف فيه المتأخرون فمنهم من قال بنزوله، ومنهم من قال بعدمه، والعمل عندنا على نزوله، ويجعل فوقها على ما جرى به العمل، وقال بعضهم: يجعل أمامها على محل حرف المد لو كتب هكذا: ﴿يس، وَالْقُرْآنِ﴾ ٤ وقال في ﴿آلم﴾ ٥ يجعل المط بين الألف، واللام؛ لأن ذلك هو موضع إلحاق الألف لو كتب إذ الصحيح أن الألف المحذوف المعانق للام يلحق من اليمين كما سيأتي، وقوله: "وان تشأ" شرط، ومفعوله محذوف تقديره غير إلحاق الحروف، و"تركنا" جواب الشرط و"إلحاقها" مفعول مقدم لـ"تركتا" و"مطة" مفعول أول لـ"جعلتا"، وموضعها ظرف في محل المفعول الثاني له، وهذه الجملة معطوفة على جملة جواب الشرط، والألف في "تركنا" و"جعلتا" ألف الإطلاق، ثم قال: ومثل هذا حكمها يكون ... إن لم يكن همز ولا سكون في كل ما قد زدته من ياء ... أو صلة أتتك بعد الهاء تعرض هنا إلى حكم حروف المد الساقطة في الخط إذا لم يكن بعدها همز، ولا سكون، فأخبر أنه يخير فيها بين أن تلحق بالحمراء، وبين أن يستغني عن إلحاقها بجعل المط في موضعها، كما خير إذا كان بعدها همز أو سكون، فاسم الإشارة في قوله: "ومثل هذا" راجع إلى التخيير المتقدم، والضمير في حكمها يعود على حروف المد الساقطة، فإن قلت: ظاهر قول الناظم: "ومثل هذا حكمها" البيت، يقتضي وضع المط على حروف المد الملحقة إذا لم يكن بعدها همز، ولا سكون مع أنه لا يوضع عليها حينئذ، فالجواب أن مراد الناظم أن ما هنا مثل ما تقدم في التخيير في الإلحاق، وعدمه لا فيما زاد على ذلك إذ من المعلوم أن المط إنما يوضع على حروف المد إذا كان بعدها همز، أو سكون، ثم أشار إلى موضع التخيير المذكور هنا بقوله: "في كل ما قد زدته من ياء" البيت، أي في كل ما قرأته لنافع بزيادة الياء، وفي كل صلة أتتك بعد هاء الضمير.

стр. 387

والمراد بزيادة الياء زيادتها في اللفظ على خط المصحف سواء كانت أصلية كالياء في: ﴿يَوْمَ يَأْتِي﴾ ١، وفي ﴿الْمُهْتَدِي﴾ ٢، أو زائدة على أصول الكلمة كالياء في: ﴿أَنْ يَهْدِيَنِي﴾ ٣، وفي ﴿إِذَا دَعَانِ﴾ ٤، والمراد بصلة الهاء صلة هاء ضمير الواحد المذكر سواء كانت واوا، أو ياء نحو: ﴿إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ ٥، ومثل صلة هاء الضمير في التخيير المذكور صلة ميم الجمع إذا لم يقع بعدها همز، وكأن الناظم لم يتعرض لها لكونه بنى نظمه على قراءة نافع من رواية ورش وقالون، ولا شك أن ورشا روى عن نافع إسكان ميم الجمع، إذا لم يقع بعدها همز، والأشهر عن قالون إسكانها. واعلم أن ما ذكره الناظم من التخيير في الياء الزائدة، وفي صلة هاء الضمير ومثلها صلة ميم الجمع، هو مما انفرد به أبو داود، وأما الداني فليس عنده في ذلك إلا الإلحاق، ولا يكتفي فيه بالمد عنده، ومذهب الداني هو الأصح الذي جرى به عملنا، واحترز الناظم بقوله: "إن لم يكن همز ولا سكون" عما كان فيه بعد حرف المد همز نحو: ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى﴾ ٦، و ﴿تَأْوِيلَهُ إِلَّا﴾ ٧، و ﴿بِهِ إِنْ كُنْتَ﴾ ٨، فإنه داخل في قوله السابق: "وإن تكن ساقطة في الخط" إلخ، وأما ما كان فيه بعد حرف المد ساكن نحو: ﴿بِهِ اللَّهُ﴾ ٩، و ﴿بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾ ١٠ فإنه لا صلة فيه، ولا زيادة حتى يحترز عنه غير أنه وقعت الزيادة قبل الساكن في موضع واحد، لكن مع تحريك الياء وذلك قوله تعالى: ﴿آتَانِيَ اللَّهُ﴾ ١١ في "النمل"، فلعل الناظم منه احترز، ثم قال: كذا قياس نحو لا يستحيي ... كقوله أنت وليي يحيي لما ذكر الناظم ما نص الشيوخ على التخيير فيه بين الإلحاق، والاستغناء عنه بالمط، وهو الياء الزائدة وصلة هاء الضمير إذا لم يكن بعدها همز ولا سكون، تعرض في هذا البيت إلى ما لم ينصوا عليه، وهو ما ليس بعده همز ولا سكون مما احتمع فيه ياءان، وحذفت منها الثانية على المختار لكونها ساكنة في الطرف نحو: ﴿وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ ١٢.

стр. 388

و ﴿أَنْتَ وَلِيِّي﴾ ١، و ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ ٢، فذكر أن قياه أن يكون مثل ما نصوا عليه في التخيير بين الإلحاق والاستغناء عنه بالمط؛ لأن الياء في ذلك سقطت من الطرف خطا ولفظا، وهي ساكنة فكانت كالياء الزائدة في: ﴿نَبْغِي﴾ ٣ و ﴿وَعِيدِي﴾ ٤ إذ هي ساكنة ساقطة من الطرف خطا لا لفظا، فلذا حكم الناظم بقياس ما هنا على تقدم، وقاسية صحيح، والعمل فيما ذكره هنا على الإلحاق دون الاكتفاء بالمد مثل ما تقدم، فإن جاء بعد حرف المد هنا همز نحو: ﴿لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ﴾ ٥، دخل ذلك في قوله قبل هذا "وإن تكن ساقطة في الخط" إلخ، وإن جاء بعده سكون نحو: ﴿نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ ٦ كان ساقطا في الوصل لفظا، فلا يلحق لإجماعهم على أن الضبط مبني على الوصل إلا مواضع مستثناه لم يذكروا هذا منها، ولا يلتفت إلى من زعم أنه يلحق إذ لم يقل به أحد من الأئمة المعتبرين، وقول الناظم "كقوله"، وفي بعض النسخ بالكاف على أنه تمثيل لـ"نحو لا يستحي"، وفي بعضها بالواو بدل الكاف. ثم قال: ألقول في المدغم أو ما يظهر ... فمظهر سكونه مصور وحرك الحرف الذي من بعد ... حسبما يقرأ ولا يشد أي هذا القول في أحكام الحرف المدغم، وأحكام الحرف المظهر يعني وأحكام ما بعدها من الحرف المدغم فيه، والحرف المظهر عنده؛ لأنه تكلم عليهما أيضا في الباب، وقوله: "فمظهر سكونه مصور" معناه أن ما قرأته لنافع بالإظهار، فإنك تجعل عليه علامة السكون المتقدمة سواء كان مجمعا على إظهاره كاللام والميم من: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ٧، والفاء والغين والياء من: ﴿أَفْرِغْ عَلَيْنَا﴾ ٨ أو مما اختلف فيه القراء، وقرأه نافع بالإظهار من غير خلاف عنه نحو: ﴿قَدْ سمِعَ﴾ ٩، أو من رواية قالون فقط نحو: ﴿حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ ١٠ أو من رواية ورش فقط نحو: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ ١١، فالحكم في ذلك كله أن يجعل على الساكن علامة السكون دلالة على أنه مظهر في اللفظ، ثم أمرك الناظم في البيت الثاني بأن تحرك الحرف الذي من بعد الساكن المظهر بالحركة التي يقرأ بها من فتحة، أو ضمة أو

стр. 389

كسرة وهي معنى قوله: "حسبما يقرأ" أي تحريكا مثل تحريك يقرأ به، وقوله: "ولا يشد" لفظه لفظ الخبر، ومعناه النهي أي حرك الحرف الذي من بعده، ولا تشدد أي لا تجعل عليه علامة التشديد إذ لا موجب لها، و"أو" في قوله: "أو ما يظهر" بمعنى الواو، وقوله: "حسبما" بفتح السين، وقوله: "يقرأ" بإسكان الهمزة للوزن، ثم قال: وعر ما بصوته أدغمته ... وكل حرف بعده شددته لما فرغ من حكم الحرف المظهر وما بعده، شرع في حكم الحرف المدغم، وما بعده، وقسم المدغم إلى قسمين: قسم أدغم بصوته أي مع صفته ويسمى إدغامه تاما وكاملا وخالصا، وقسم أدغم مع إبقاء صوته أي صفته، ويسمى إدغامه ناقصا، وسيتكلم على القسم الثاني إثر هذا البيت، وتكلم هنا على القسم الأول، فذكر أن حكمه تعرية الحرف المدغم يشدد أي توضع عليه علامة التشديد تنبيها على أنه أدغم فيه ما قبله، وصارا معا كحرف واحد مشدد يرتفع اللسان ارتفاعه واحدة، ولا فرق في هذا الحكم بين أن يكون الحرفان متماثلين نحو: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ﴾ ١، أو غير متماثلين نحو: ﴿بَلْ رَانَ﴾ ٢ ولا بين أن يكون الإدغام عليه نحو: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ ٣، ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ﴾ ٤، و ﴿قَالَتْ طَائِفَةٌ﴾ ٥، و ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ﴾ ٦، أو مختلف فيه وقرأ به نافع من غير خلاف عنه نحو: ﴿أَخَذَتِ﴾ ٧ أو رواه ورش فقط نحو: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا﴾ ٨، أو قالون فقط نحو: ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ ٩، فحكم المختلف فيه عند من يدغمه تعرية الأول تشديد الثاني كالمتفق عليه، والباء في قول الناظم: "بصوته" بمعنى "مع" وفي بعض النسخ، "وعر ما أدغمته وصوته"، وهو أصرح في المعنى المقصود، وقوله "شددته" لفظه لفظ الخبر ومعناه الأمر أي كل حرف بعده شدده، ويجوز في "كل" النصب والرفع، ثم قال: ثم الذي أدغمت مع إبقاء ... صوت كطاء عند حرف التآء صور سكون الطاء إن أردتا ... وشددن بعده حرف التا أو عر شئت كلا الحرفين ... والأول اختير من الوجهين

стр. 390

تكلم هنا على حكم القسم الثاني من قسم المدغم، وهو ما أدغم مع إبقاء صوته أي صفته المسمى إدغامه ناقصا، ومنه إدغام النون الساكنة في الواو والياء مع إبقاء الغنة وقد تقدم، ومنه ما مثل به الناظم هنا وهو إدغام الطاء في التاء من: ﴿أَحَطْتُ﴾ ١، و ﴿بَسَطْتَ﴾ ٢، و ﴿فَرَّطْتُ﴾ ٣ لجميع القراء، وقد ذكر الناظم في ضبطه وجهين على سبيل التخيير: الأول أن تصور سكون الطاء وتضع علامة التشديد على التاء، الثاني أن تعرى الطاء من علامة السكون وتعرى التاء من علامة التشديد دون الحركة، وهذان الوجهان هما المتقدمان مع توجيههما في إدغام النون في الواو والياء مع إبقاء الغنة، قال الناظم: و"الأول اختير من الوجهين" أي الأول من هذين الوجهين هو مختار الشيخين وغيرهما، وبه جرى العمل، ومن المدغم إدغاما ناقصا القاف في الكاف من ﴿نَخْلُقْكُمْ﴾ ٤ بالمرسلات على أحد الوجهين فيه، وهو إدغام ذات القاف في الكاف مع إبقاء الاستعلاء الذي هو صفة للقاف، وإليه ذهب مكي وجماعة، وعليه يكون ضبطه كضبط: ﴿أَحَطْتُ﴾ ٥، ونحوه، والوجه الآخر فيه إدغام القاف في الكاف ذاتا وصفة، وهو مذهب الجمهور، وحكى الداني الإجماع عليه، وعليه يكون الإدغام تاما، ويضبط كسائر المدغمات إدغاما تاما بأن تعري القاف من علامة السكون، وتجعل علامة التشديد على الكاف، وبهذا جرى العمل في ضبطه. تنبيه: مما يناسب أن يذكر هنا حكم فواتح السور، وذلك أن فيها الإظهار والإخفاء، والإدغام الخالص والإدغام الناقص، فأما الإظهار فهو الدال من صاد حيث وقع، وفي الميم من ميم حيث وقعت، وفي الميم من لام عند الراء، وفي الفاء من كاف وقاف، ومن ألف حيث وقع، وفي الميم من لام عند الراء، وفي الفاء من كاف وقاف، ومن ألف حيث وقع، وفي النون من: ﴿يّس﴾ ٦ عند قالون، ومن: ﴿نْ وَالْقَلَمِ﴾ ٧ عنده، وعند ورش على الأشهر له، فالحكم أن يحرك الحرف الذي بعدها بحركته، ولا يشدد إذ لا موجب لتشديده سواء كان ما بعدها من هذه الحروف نحو: ﴿الر﴾ ٨، فإنك تحرك اللام، والراء
следующие страницы →