← Указатели

Указатели · id 148529

النبوغ المغربي في الأدب العربي

عبد الله كنون

Полный текст (910 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الحركة العلمية بذرت بذور النهضة العلمية الكبرى التي نمت وترعرعت على عهد الموحدين في أيام المرابطين. وكانت الغاية المتوخاة من حركة عبد الله بن ياسين هي نشر الدين والتمكين لتعاليمه السمحة من النفوس؛ فاستتبع ذلك رفع راية العلم والعرفان، ضرورة أن الدين الإسلامي والمعرفة متلازمان. ولما قام المهدي بن تومرث بحركته كان يرمي إلى غاية أبعد من غاية سلفه وهي تجديد الدين. وهذه مهمة تقتضي من التوسع في العلم أكثر مما يقتضيه نشر الدين، فلذلك كانت العلوم على اختلافها من عقلية ونقلية ألزم للدعوة الموحدية من أختها المرابطية بطبيعة الحال. وبكل اعتبار فإن الأساس الذي وقع عليه البناء في هذا العهد هو من وضع المرابطين. فقد كانت تلك الحماسة الدينية وما صحبها من الإقبال على طلب العلم ولو الديني فقط؛ مما دفع بالناس إلى حب البحث والاطلاع، وأدى إلى الاحتكاك بالأندلسيين والنقل عنهم. . . وكما أن العرب في العصر الأول أيام حكم الأمويتين بقوا على السذاجة البدوية والفطرة الإسلامية ولم يعنوا عناية كبرى بغير شؤون السياسة والدين، وكانوا يتهيأون بعامل التطور للدخول في غمار المدنية العباسية ويستعدون لها بمختلف العدد والوسائل؛ فكذلك المغاربة في العصر السابق كانوا يتهيأون هذا العصر ويستعدون لاقتطاف أزهاره، واجتلاء أنواره. فما إن أقبلت تباشيره وأناخت ركائبه حتى أخذ كل شيء اتجاهه وجرت الأمور في مجاريها الطبيعية، حثيثة السير ثابتة الخطى نحو التقدم والكمال. ولنعتبر ذلك في الحركة العلمية التي تعنينا الآن، فهذا علم الفقه على مذهب مالك قد واصل تفرعه وانتشاره كما كان قبل أو أكثر. ونتيجة للتفاعل مع الدعوة الجديدة فقد مال أهله إلى الترجيح والتأويل ونبذوا التعصب لأئمتهم ومشائخهم، وجعلوا البحث والنظر رائدهم في معرفة الحقائق وتقرير الأحكام؛ فرجعوا بذلك إلى أصوله ومصادره الأولى من الكتاب والسنة وما إليهما، حيث وجدوا من الدولة العتيدة ميلاً

стр. 107

إليها وتعضيداً لأهلها. لكن من غير أن تحملهم على ذلك حملاً وتلزمهم به قسراً، حتى اشتط يعقوب المنصور ثالث خلفاء الموحدين وتصلب في تنفيذ خطة ابن تومرت ومحاربة علم الفروع قصد الإجهاز عليه. فأحرق كتب المذهب وعوضها بالصحاح العشرة والمنتخب الذي اختاره منها. ويقول المراكشي في هذا الصدد: «وفي أيامه انقطع علم الفروع وخافه الفقهاء وأمر بإحراق كتب المذهب بعد أن يجرد ما فيها من حديث الرسول ﷺ والقرآن، ففعل ذلك. فأحرق منها جملة في سائر البلاد كمدونة سحنون وكتاب ابن يونس ونوادر ابن أبي زيد ومختصره وكتاب التهذيب للبراذعي وواضحة ابن حبيب وما جانس هذه الكتب ونحا نحوها. لقد شاهدت منها وأنا يومئذ بمدينة فاس يؤتى منها بالأحمال فتوضع ويطلق فيها النار. وتقدم إلى الناس في ترك الاشتغال بعلم الرأي والخوض في شيء منه وتوعد على ذلك بالعقوبة الشديدة، وأمر جماعة ممن كان عنده من العلماء المحدثين يجمع أحاديث من المصنفات العشرة؛ الصحيحين والترمذي والموطأ وسنن أبي داود وسنن النسائي وسنن البزار ومسند ابن أبي شيبة وسنن الدارقطني وسنن البيهقي؛ في الصلاة وما يتعلق بها على نحو الأحاديث التي جمعها محمد بن تومرت في الطهارة. فأجابوه إلى ذلك وجمعوا ما أمرهم بجمعه؛ فكان يمليه بنفسه على الناس ويأخذهم بحفظه. وانتشر هذا المجموع في جميع المغرب وحفظه الناس من العامة والخاصة، فكان يجعل لمن حفظه الجعل السني من الكسا والأموال. وكان قصده في الجملة محو مذهب مالك وإزالته من المغرب مرة واحدة وحمل الناس على الظاهر من القرآن والحديث. وهذا المقصد بعينه كان مقصد أبيه وجده، إلا أنهما لم يظهراه وأظهره يعقوب هذا. يشهد لذلك عندي ما أخبرني به غير واحد ممن لقي الحافظ أبا بكر بن الجد أنه أخبرهم قال: «لما دخلت على أمير المؤمنين أبي يعقوب أول دخلة دخلتها عليه، وجدت بين يديه كتاب ابن يونس فقال لي يا أبا بكر أنا أنظر في هذه الآراء المتشعبة التي أحدثت في دين الله. أرأيت يا أبا بكر؟ المسألة فيها أربعة أقوال أو خمسة أقوال أو أكثر من هذا؛ فأي هذه الأقوال هو الحق وأبها يجب أن يأخذ به المقلد؟ فافتتحت أبين له ما أشكل عليه من ذلك فقال لي وقطع كلامي: يا أبا بكر ليس إلا هذا؛ وأشار إلى المصحف، أو هذا، وأشار إلى كتاب سنن أبي داود، وكان عن يمينه، أو السيف! فظهر في أيام يعقوب هذا ما خفي في أيام أبيه وجده. وانتهى أمرهم معه إلى أن قال يوماً بحضرة كافة الموحدين يسمعهم وقد بلغه

стр. 108

حسدهم للطلبة على موضعهم منه وتقريبه إياهم، وخلوته بهم دونهم، يا معشر الموحدين أنتم قبائل فمن نابه منكم أمر فزع إلى قبيلته، وهؤلاء - يعني الطلبة - لا قبيل لهم إلا أنا، فمها نابهم أمر فانا ملجأهم، والي فزعهم والي ينتسبون. فعظم منذ ذلك اليوم أمرهم وبالغ الموحدون في برهم وإكرامهم فمن هنا تعلم أن الحالة بقيت كما كانت في أيام المرابطين مدة حكم عبد المؤمن وابنه يوسف إلى أيام المنصور. أما أن هذا كان مقصد أبيه وجده، فهو مما لا شك فيه، بل إنه كان مقصد ابن تومرت بالأصالة وقد عمل عليه ودعا إليه في دروسه وكتبه، إلا أنه لم يكن صارماً في ذلك مثل المنصور. وعلى ما يبدو في فعل المنصور هذا من تضييق خناق الحرية الفكرية وتقييد إرادة أهل العلم فإنه أفاد الحركة العالمية من الوجهة العامة فائدة جلى، حيث جعل الناس يقللون من الإكباب على النظر في علم الفروع المجرد، وينصرفون إلى دراسة الفقه في أصليه العظيمين أعني الكتاب والسنة. فظهر الاشتغال بعلم التفسير وعكف الناس على تفهم كلام الله ودراسته دراسة علمية صحيحة، ونبغ المفسرون العديدون مثل عبد الجليل القصري والحرالي والمزدغي. كما انتشر علم الحديث رواية ودراية واقبل الناس على الأخذ عن رجاله والتأليف في فنونه المختلفة. وكان الأخوان أبو الخطاب وأبو عمرو ابنا دحية السبتيان وابن القطان الفاسي ومحمد بن قاسم التميمي من ألمع محدثي هذا العصر. الفقه والتصوف: وبما إن النظر الفقهي قد تطور فإن التصوف لم يبق يعد منكراً كذي قبل، ولم يبق للفقهاء على أهله تلك الصولة. فظهر جماعة من الصوفية الكبار أصحاب النزعات الفلسفية وانبثت مذاهبهم المختلفة في الناس. ولا نقصد الأندلسيين منهم كابن عربي الحاتمي وابن سبعين والششتري وغيرهم؛ فإن في الصوفية المغاربة من كانوا ذوي آراء وأنظار غريبة فلسفية واجتماعية ورياضية، كأبي الحسن المسفر وأبي العباس السبتي وأبي محمد صالح الآسفي. والجدير بالذكر هو أن النهضة الموحدية أثرت على العقول في الأندلس والمغرب تأثيراً متشابهاً فأصبح الفكر الإسلامي في كلا

стр. 109

القطرين محرراً من القيود التي كانت تجعله يثور لاقل بادرة من الخروج عن دائرة المسلمات والقواعد والرسوم المتعارفة. فشتان بين عهد المرابطين الذي كان فقهاؤه في كل من الأندلس والمغرب يجرمون الإحياء وغيرها من كتب الغزالي ويحكمون بإحراقها؛ وبين هذا العهد الذي ينبغ فيه مثل ابن عربي الحاتمي وينشر كتابه الفتوحات الملكية وغيره فلا يحرك الفقهاء ساكناً في سبيل الإنكار عليه، مع عظم الفرق بين محتويات الإحياء ومحتويات الفتوحات مما لا تقره المذاهب الفقهية بأجمعها وربما (ورب للتكثير)) يتعارض مع جوهر العقيدة الإسلامية في كثير من المسائل. علم الكلام: وكذا الكلام أخذ حظه الكامل من الانتشار فقد كان ابن تومرت يلزم أصحابه بدراسته إلزاماً. وكان الموحدون على العموم يعتبرون من لم يعرف العقائد على سبيل التفصيل وعلى طريقة الأشعري بالأخص يعتبرونه كافراً ليس معه من الإسلام إلا الاسم. ومن ثم سموا أنفسهم بالموحدين ونبزوا المرابطين خصومهم بالمجسمين. وألف المهدي لأصحابه عقائد مختصرة باللسانين العربي والبربري كما سبق القول، فتأثر الناس أخطاه وصنفوا في هذا العلم الكتب العديدة. وكان من أطولهم يداً وأحسنهم عارفة في هذا السبيل عند العامة الشيخ أبو عمرو عثمان بن عبدالله بن عيسى السلالجي. وهو الذي على يده وقع تحول أهل فاس من المذهب السلفي في العقيدة إلى المذهب الأشعري تبعاً للتيار العام الذي اكتسح المغرب بأجمعه في هذا الأمر نتيجة لدعوة ابن تومرت. ولكن قد شيب صفو هذا العلم في أوائل أيام الموحدين مما أضافوه إليه من تعاليم شيعية بدعية جرياً وراء ما كان يذهب إليه داعيتهم المهدي بن تومرت من ذلك المذهب. فقد كان الاعتقاد بالأمام وعصمته شائعاً في ذلك الوقت وكانت الخطب على منابر المغرب والأندلس وإفريقية التي تنيف على ألفي منبر لا بد أن تشتمل على الدعاء «للإمام المعصوم المهدي المعلوم» حتى تقدم يمنع ذلك يعقوب المنصور على ما ألمعنا إليه سابقاً فكانت حسنة من حسناته وكفارة عن جميع ما يؤخذ عليه بشأن العلم والعلماء، وعلى كل حال فإن علم التوحيد أو علم الكلام - كما سمي قديماً - إنما انتشر في هذا العصر، وما كان قبله أنما هو من قبيل المحاولات الأولى. ومثله علم أصول

стр. 110

الفقه، فقد تبوأ من بين العلوم في هذا العصر مكاناً عالياً ووجد من القرائح المغربية مجالاً خصماً لنموه وازدهاره. وهذا أن العلمان هما مما نقله المغرب عن المشرق مباشرة وقد نبهنا في عصر المرابطين على الطليعة الأولى من رجالهما الذين أدخلوهما إلى المغرب. ثم جاء المهدي بن تومرت وقد أخذهما عن أئمتهما الراسخين من أهل المشرق فبثهما وحفز الهمم تطلبهما وكان انتشارهما سبباً في تقريب شقة الخلاف ما بين الفقهاء والمتكلمين والمتصوفة، لم يحملان عليه من النظر في الأدلة وعدم المسارعة إلى الإنكار قبل معرفة مدرك الخصم، وبذلك زال النزاع الشديد الذي كان قائماً بين هذه الطوائف من العلماء. والذي كان يبعث بعض الفقهاء من أهل هذا العصر على أن يقول مثل هذه المقالة المنقولة من كتاب الحلال والحرام لراشد الفاسي. قال فيه: «سمعت من أبي محمد عبدالله بن موسى الفشتالي أن التائب إذا اقتصر على ما عند علماء الشريعة أولى وأسلم له، بل لا يجوز اليوم اتخاذ شيخ السلوك طريق المتصوفة أصلاً، لانهم يخوضون في فروعها ويهملون شروط صحتها، وهو باب التوبة، إذ لا يصح بناء فرع قبل تأسيس أصله. وسمعته يقول: لو وجدت تأليف القشيري لجمعها والقيتها في البحر. قال وكذلك كتب الغزالي. وسمعته يقول: إني لأتمنى على الله أن أكون يوم الحشر مع أبي محمد بن أبي زيد لا مع القشيري والغزالي بل مع أبي محمد يشكر فذلك أكثر أمناً لي على نفسي». على أن الغريب في الأمر هو أن هذه الكتب التي كانت تعدم وتحرق لا تلبث أن تحيي وتروج أيضاً وهذه الإحياء ألم يحرقها علي بن يوسف؟ فكيف عادت إلى الظهور? إذ لا شك أنها المعنية في كلام الشيخ الفشتالي. وإذا قيل إنه كتب الغزالي قد انتشرت من جديد بسبب قيام دولة الموحدين التي يعتبر مؤسسها خريج المدرسة الغزالية وناشر تعاليمها في المغرب، فكيف يقال في كتب الفقه المالكي التي أحرقها المنصور وقد قيل أن عبد المؤمن نفسه أمر بإحراقها لما استتب له الأمر؟ . . والجواب أنه في هذا العصر كان جل الاعتماد على الحفظ والاستظهار. فبعد حرق هذه الكتب لم يصعب على الناس أن يجدوا من يستظهرها بلفظها وتكتب عنه. وهذا الشيخ أبو محمد عبدالله بن محمد بن عيسى التالي الفاسي الفقيه الحافظ المحصل المتوفي سنة ٦٢٣ يذكر المؤرخون في ترجمته أن المدونة. كتبت من حفظه بعد أن أحرقها الموحدون أي في

стр. 111

نفس الوقت تقريباً. ومما لا شك فيه أن غيره كثيرون من كتبت الكتب الأخرى المحروقة من لفظهم وحفظهم. والذي نريد أن نسجله هنا هو أن المذهب المالكي لم ينهزم مطلقاً أمام الدعوة إلى الاجتهاد التي كان الموحدون يتزعمونها، ولا أمام المذهب الظاهري الذي نشط نشاطاً كبيراً في هذا العصر. وذلك برغم الحملة المنظمة من رجال الدولة للقضاء عليه. فها أنت ترى كتبه الأمهات يعاد كتبها بفور إحراقها. وسترى في تسمية تأليف فقهاء العصر ما وضع حول هذه الكتب من دراسات وما عميل لها من شروح. وأنا لنعد من فقهاء المذهب المالكي الذين نبغوا في هذا العصر العثرات قبل أن نعد ظاهرياً واحداً أو فقيهاً متحرراً من تميل إلى الاجتهاد. ناهيك بأبي محمد بشكر الجراوي الذي سبق ذكره في كلام الشيخ الفشتالي، فإنه من فقهاء العصر وممن كتب على المدونة، وأبي محمد صالح الفاسي الذي بقي مثلاً مضروباً عند فقهاء المذهب للعدل المبرز، وأبي القاسم الجزيري صاحب المقصد المحمود في تلخيص العقود وهو الكتاب الذي اعتمده الناس في كتابة الوثائق ولم يقدموا عليه غيره، وأبي الحسن المتيوي الفقيه الحافظ صاحب الشرح العظيم على الرسالة بالنقل لأقوال الأئمة الذين تدور عليهم الفتوى. إلى غير هؤلاء من يطول الأمر بتعدادهم. بل أنا لنسجل ما قام به أحد فقهاء المالكية من رد فعل على حركة انتشار المذهب الظاهري ممثل في التهجم على ابن حزم إمام الظاهرية بالأندلس والمغرب، مما أدى إلى عقد مجلس علمي مراكش للنظر في القضية. وهذا الفقيه هو أبو زكريا الزواوي أحد أفراد هذا العصر علماً وصلاحاً. وكان مقيماً ببجاية. وإليك ما كتبه الغبريني عن هذه الواقعة في كتابه عنوان الدراية. قال: «ولما كان من أمر الفقيه أبي زكريا الزواوي في شأن ابن حزم ما قد اشتهر، وتعصب له ناس ورفعوا القضية للخليفة بمراكش اقتضى نظر الفقيه أبي زكريا ﵁ أن يتوجه عنه الفقيه أبو محمد عبد الكريم الحسني المراكشي. فتوجه وحمل تأليف الفقيه أبي زكرياء ورده على ابن حزم المسمى حجة الأيام وقدوة الأنام. ولما وصل حضرة مراكش استحضره أمير المؤمنين بين يديه بمحضر الفقهاء وعرض تأليف الفقيه عليهم وكان الفقيه. أبو محمد عبد الكريم هو النائب في الحديث فأحسن وأجاد وأطلع أمير المؤمنين ومن حضر من الفقهاء على كلام الفقيه ﵁ مما دلهم على فضله

стр. 112

ودينه وعلمه، فكان من قول الحليفة «يترك هذا الرجل على اختياره فإن شاء لعن وإن شاء سكت». وانقلب أبو محمد عبد الكريم وهو المبرور، وسعيه المشكور، ﵁ وأرضاه. وهذه الحادثة إن مثلت المعركة التي كانت قائمة بين المالكية وخصومهم، فإنها تدل على فشل الجهود التي بذلت لصرفهم عن مذهبهم وعلى ازدهار هذا المذهب في حين كان خصومه يعملون على ذبوله. وعلى كل حال فإن مما لا ريب فيه أن الفقه المالكي قد استفاد من هذه المعركة، غير الانتصار على الخصم، التلقيح بمادة الحياة الأصلية بالنسبة إلى كل المذاهب الإسلامية؛ وهي الرجوع إلى الكتاب والسنة فلم يبق ذلك الفقه الساذج الذي يقارن أقوال أئمة المذهب بعضها ببعض، ويرجعها في النهاية إلى رواية ابن القاسم عن الإمام مالك، بل صار يعتمد على الأدلة وينظر في الخلاف العالي. وبذلك أخذ خير ما في الدعوة المعارضة له وأحرز كيانه. وكذا وقع في انتشار مذهب الأشعري العقدي بعيداً عما شيب به من تعاليم شيعية غالية على ما كان المهدي يدعو إليه. فإن الإمام الستلالجي الذي تجند لنشر العقيدة الأشعرية كان من أبعد الناس عن تلك الشبه وأكثرهم تمسك بالسنة. فلما أخذ الناس عنه العقيدة المذكورة لم يكن فيها شيء من تلك الشوائب وحمى الله المغرب وأهله من الغلو والانحراف في العقيدة والمذهب. هذا وقد قلنا إن الموحدين كانوا يدعون إلى الاجتهاد ونحن نعني ما نقول خلافاً ما شاع من أنهم كانوا على مذهب الظاهرية. فإن أحداً من مؤرخيهم لم ينقل ذلك عنهم، وليس يكفي أن يظهر المنصور إعجابه بابن حزم لنحكم بأنه وقومه على (. . .) (١) , كيف والذي ثبت من عمله أنه جمع من كتب السنة أحاديث في العبادات

стр. 113

كان يمليها على الناس ويجعل لمن حفظها الجمل السني على هامر؟ فالأمر يتعلق بالدعوة إلى العمل بالسنة أكثر من الانتماء إلى مذهب معين. ويقول التاج ابن حمويه السرخسي الذي رحل إلى المغرب في أيام المنصور واتصال به اتصالاً وثيقاً حسبما اثبته المقربي في نفح الطيب عنه: «والذي علمت من حاله أنه كان يجيد حفظ القرآن ويحفظ متون الأحاديث ويتقنها ويتكلم في الفقه كلاماً بليغاً. وكان فقهاء الوقت يرجعون إليه في الفتاوي. وله فتاوي مجموعة حسبما أدى إليه اجتهاده. وكان الفقهاء ينسبونه إلى مذهب الظاهر وقد صنف كتاباً جمع فيه متون أحاديث صحاح تتعلق بالعبادات سماه الترغيب» فليتنبه إلى قول السرخسي (وله فتاوى مجموعة حسبما أدى إليه اجتهاده) وما تفيده هذه العبارة من ميله إلى الاجتهاد. وإلى قوله (وكان الفقهاء ينسبونه إلى مذهب الظاهر) وما تعطيه هذه الجملة من أنهم يتجنون عليه بذلك. وقد رأيت أن الفقيه الزواوي كان يجهر بلعن ابن حزم، وأن أمره عرض على الخليفة بمراكش فأقره على رأيه. وذلك مما يدل على أن الموحدين لم يكونوا ظاهرية وإلا لما قبلوا لغن أمامهم وكبير علماء مذهبهم. والحجة الكبيرة في أن القوم لم يكونوا على مذهب أهل الظاهر هي مجموعة كتب المهدي بن تومرت هذه التي نشرها المستشرق المجري جولدزهير وتشتمل على كتاب أعز ما يطلب والعقيدة المرشدة وكتاب الطهارة الذي يقال إن المنصور جمع كتاباً في الصلاة على منواله، إلى غير ذلك من تعاليق المهدي وكلها ليس فيه ذكر للظاهرية ولا العلم من أعلامها. . بل إن في تعاليقه الأصولية ما يعارضها وهو أثبات القياس ومدحه مما لا يجنح إليه أهل الظاهر كما هو معلوم. وإذا كان هذا إمام الموحدين ومهدهم الذي أسس دولتهم ومهد مذهبهم لا يرى رأي الظاهرية ولا يبدي نحوها. أدنى ميل فلا شك أن خلفاءه كانوا كذلك. وإنما كان الفقهاء ينسبونهم إليها تشنيعاً عليهم كما يقال اليوم في كل من كان سلفي العقيدة: إنه وهابي، تنكيتاً عليه وتنفيراً من مذهبه) (١). ونظن أن ميل المهدي واتباعه إلى الاجتهاد جاءهم من الشيعة الذين

стр. 114

اخذوا بعض آرائهم ومزجوا بها مذهبهم. والشيعة كما لا يخفى يقولون بالاجتهاد ولا يدعون انقطاعه. . وهذا هو السبب الذي نفسر به انصراف الفقهاء المغاربة عن دعوة الموحدين إلى الاجتهاد، حيث أنها كانت مشوبة ما لا يقبلونه من تعاليم شيعية تقدمت الإشارة إليها. *** العلوم الأدبية: هذا ملخص الخبر عن حركة العلوم الدينية في هذا العصر، ونقول الآن كلمتنا في العلوم الأدبية متوخين الإيجاز ما أمكن. ولا بد من النص أولاً على أن المراد بالعلوم الأدبية ما يشمل النحو واللغة والعروض والبيان والتاريخ والسير. وقد رأينا بعض ما كان لهذه العلوم من الرواج في العصر السابق على قدر ما تعطيه المصادر الضغينة بمثل هذه المعلومات. أما في هذا العصر فقد اتسعت دائرة انتشارها وتخلفت لدينا بعض الآثار التي تدل على أن هناك نهضة حقيقية كانت تتدرج بهذه العلوم في مدارج التطور والتقدم، تماماً كما وقع في العلوم الدينية وغيرها. ففي خصوص علم النحو ظهر النحاة الذين كان لهم مقام كبير، وألفوا الكتب التي ما تزال تعرف بعلو قدرهم وتنبئ عن رسوخ قدمهم في هذا العلم، كأبي موسى الجزولي صاحب الكراسة الشهيرة في النحو، وتسمى أيضاً المقدمة الجزولية، وبعضهم يسميها القانون والاعتماد. وكابن معط صاحب الألفية النحوية التي عمل ابن مالك ألفيته على مثالها، بل إن التفوق في هذا العلم أدى إلى وجود مدارس نحوية هنا وهناك، تفردت بآراء خاصة في بعض مسائل الإعراب وغيره. فهذه مدرسة فاس التي سيختلف أهلها مع مدرسة تلمسان في مسألة صرف أبي هريرة. وهذه مدرسة سبتة التي تخالف الجمهور في ضم النكرة المقصودة إذا نونت اضطراراً. وهذه مدرسة طنجة التي توجه أسئلة نحوية إلى مدرسة إشبيلية. وأخيراً هذه مدرسة المغرب بعامة التي لا تسمي لولا شرطاً ولا لو إلا إذا كانت بمعنى إن، أي حين تكون مجردة من الامتناع؛ وذلك في الغايات نحو قوله ﵇ احفظوا عني ولو آية. أشار له العلامة ابن غازي. . وإن عبر هذا عن شيء فإنما يعبر عن الدراسات القيمة التي كان المغاربة يقومون عليها ويوجهون جهودهم إليها في هذا العام. ومثل النحو

стр. 115

والعروض والبيان، فقد كانت لها سوق راثجة وكان اللغويون المعنيون بحفظ متن اللغة كاللغويين الباحثين في مسائلها يأتون بالطريف المعجب في تسمية الأشياء وتحقيق معاني الألفاظ. فهذا المحدث أبو الخطاب بن دحية السبتي يقول الغبريني عنه في عنوان الدراية: «إنه كان من أحفظ أهل زمانه باللغة حتى صار حوشي اللغة عنده مستعملاً غالباً عليه. ولا يحفظ الإنسان من اللغة حوشيها إلا وذلك أضعاف أضعاف محفوظه من مستعملها». وروي أن والي بجاية جهز قطعاً بحرية بعث فيها بعض الغزاة إلى المغرب فأخذ خديم لأبي الخطاب في جملة هؤلاء الغزاة أثناء إقامته ببجاية. فكتب إلى الوالي رسالة مغلقة من كثرة ما استعمل فيها من الغريب، فلم يفهم الوالي معناها حتى استحضر كتب اللغة؛ الصحاح وغيره. ولم تتضح له حتى سافرت المراكب. قال الغبريني: «وهذا أقل عوارض الخروج عن العادة وعدم سلوك السبيل الجادة» وإن كان ذلك الوالي لمزيد اعتنائه بالشيخ أبرد برد خديمه. فصرف إليه بعد أن وصل إلى وهران. وهذه الرسالة الغريبة سنوردها في المنتخبات. وكذلك أخوه أبو عمرو بن دحية السبتي كان مثله في الحفظ للغة والذكر لغربيها، فضلاً عن كونه من رجال الحديث كأخيه. وروى ابن رشيد في رحلته عنه بواسطة، أنه دخل إلى إشبيلية قادماً من بلنسية فجاء إلى جامع العدس بها قال: فجاءني رجل فسألني من أين جئت؟ قلت رحلت من بلنسية في طلب علو الرواية في الحديث فقال: هل تذكر شيئاً في اللغة؟ فقلت هي بضاعتي. فقال ما اسم البصل في لغة العرب؟ فقلت الدوفص. فقال: وما شاهده؟ فقلت له قال الحجاج لطاهيه: اطبخ لنا عربربية (١) وأكثر دوفصها. قال فولي عني ثم أقبل ومعه مملوك بيده سبنية (٢) بثياب وقرطاس فيه مائة دينار فدفعها إلي وقال استعن بهذا على طلب العلم. وقال أنا ابن زهر ألفت كتاباً في الطب ذكرت فيه جميع الأعشاب (بجميع الأسماء وعجزت عن اسم آخر للبصل بالعربية) فالآن قد تم الكتاب (٣) ثم قال هذا قليل في حق مسألة من العلم.

стр. 116

وقد نشطت المباحث اللغوية في هذا العصر نشاطاً كبيراً ويكفي للدلالة على ذلك أن نشير إلى ما كتبه الإمام أبو القاسم السهيلي المالقي نزيل مراكش ودفينها من التحقيقات البالغة الأهمية في هذا الصدد، وخاصة في كتابه الروض الأنف الشهير. والى ما كتبه العلامة ابن هشام اللخمي الإشبيلي مولد السبتي داراً من التعاليق والشروح في النحو واللغة وتقويم اللسان، وأهمها كتابه في لحن العامة الذي رد به على الزبيدي وعلى ابن مكي في الموضوع فصحح ما وهما فيه، وتعرض للحن عامة زمنه، مما يدل على تضلعه واتساع مادته. وبالجملة فهو كتاب مفيد جداً في الاطلاع على تطور الدراسات اللغوية في المغرب والأندلس معاً. ونشأت في هذا العصر فكرة نظم المسائل اللغوية تسهيلاً على الطلاب إذ كان النظم أكثر ضبطاً وأيسر حفظاً. ومن ذلك أرجوزة العلامة ابن المناصف المسماة بالمذهبة في الحلى والشيات. وقد نظمها بمراكش في جمادى الأولى عام ٦٢٠ فحملت عنه وسمعت عليه كثيراً. ومنه نظم العلامة ابن معط لجمهرة ابن دريد ونظمه لصحاح الجوهري وهي محاولة جريئة كما لا يخفى. ولا نذكر هنا النحويين واللغويين كأبي عليه الشلوبين وابن خروف وابن عصفور وابن مضا وابن مالك وغيرهم ممن أظلهم عصر الموحدين، إلا على سبيل التذكير بما كان لعلوم العربية نحواً ولغة من عظيم الازدهار في هذا العصر، ولا سيما وأكثر هؤلاء من زار المغرب وأقام فيه فأخذ عنه الطلاب ونشر معارفه بكل مكان. وبخصوص علم العروض من العلوم الأدبية نذكر أنه في هذا العصر نبع العلامة ضياء الدين الخزرجي السبتي صاحب القصيدة الشهيرة بالخزرجية في هذا الفن والتي يسميها المشارقة بالرامزة. وهي بقدر ما تدل على معرفته بالعروض تدل على رسوخ قدمه في الأدب حيث استطاع أن يضمن أغراض هذا العلم في قصيدة لا تتجاوز مائة بيت ما استخدم في ذلك من الرموز والإشارات حتى عد شرحها فيما بعد من المأثرات. وكذلك العلامة ابن أبي الجيش الأنصاري صاحب العروض المعروف باسمه فإنه من نوابغ هذا العصر. وليس هو صاحب الخزرجية ولا هذه هي عروضه كما يخلط بينها بعض الكتاب. ولابن معط أيضاً نظم في العروض ذكر في ترجمته. هذا إلى ما وضعه الأندلسيون من تأليف عديدة أخذت عنهم بالمغرب والأندلس وكان لها رواج

стр. 117

يستتبع بالطبع رواج فنها. ولا نغفل في هذا الباب ما اخترع من الأعاريض والأوزان الشعرية الجديدة الموشحات والأزجال. فإن هذه وإن كانت قد اخترعت في الأندلس ولقيت من أمراء العهد المرابطي كأبي بكر بن تافلويت كل تشجيع إلا أنها إنما بلغت أوج الكمال في هذا العصر. . ففيما يخص التوشيح نرى جماعة من فرسانه ينقطعون إلى أمراء الموحدين الذين كانوا يعرفون بالسادة يمتدحونهم بموشحاتهم التي كانت تقع منهم أحسن موقع. ونجد سابق هذه الحلبة الوزير أبا بكر بن زهر قد اختص بالخليفة يعقوب المنصور وحظي عنده حظوة لا مزيد عليها. فمما لا ريب فيه أن اصطناع رجال الدولة من الموحدين لأهل هذا الفن، هو اصطناع للفن نفسه ينم عما وراءه من إعجاب وتقدير، لا سيما وقد كان نظر الأدباء المحافظين في التوشيح ليس بذاك، كما يشعر به كلام المراكشي في المعجب الذي امتنع عن رواية شيء من موشحات ابن زهر «لأن العادة لم تجر بإيراد الموشحات في الكتب» تماماً كما ينظر بعضهم اليوم إلى هذا الشعر الحر. فتقريب الموحدين للوشاحين واحتفالهم بهذا الفن من القول؛ فيه تشجيع لهم وتنشيط، إذ الناس على دين ملوكهم كما يقولون. وانظر إلى هذه الجزئية التي رويت عن السيد أبي عمران موسى بن محمد بن يوسف بن عبد المؤمن وإلي إشبيلية؛ فقد أنشد له من شعره قوله يخاطب الأديب أبا الحسن بن حريق يستحثه على نظم الشعر في عروض الخبب: خذ في الأشعار على الخبب ... فقصورك عنه من العجب هذا وبنو الآداب قضوا ... بعلو محلك في الرتب فإن منها يظهر أن هؤلاء الأمراء كانوا يوجهون الأدباء ويقترحون عليهم ما يقولون وكيف ينظمون ومثل هذه الجزئية رويت عن المنصور نفسه. واذا كنا ذكرنا أبا بكر بن زهر وهو أندلسي لنقول إن التوشيح ازدهر على يده؛ فإن الوشاح المغربي الذي يعد فريد عصره هو القاضي أبو حفص بن عمر الأديب الشهير؛ له موشحات مشهورة يغني بها في الأقطار كما قال ابن سعيد المغربي في الغصون اليانعة، وإن كان لم يصلنا منها شيء، مع الأسف، وما قيل في التوشيح يقال في الزجل ويزاد أنهم في فاس اخترعوا وزناً جديداً منه سموه عروض البلد

стр. 118

ونوعوه إلى أنواع، كل نوع منها له اسم. وذلك هو ما يتحدث عنه ابن خلدون في المقدمة، بعد كلامه على الزجال ابن قزمان وطريقة أهل الأندلس في نظم الزجل فيقول: «ثم استحدث أهل الأمصار بالمغرب فناً آخر من الشعر في أعاريض مزدوجة كالموشح فنظموا فيه بلغتهم الحضرية وسموه عروض البلد وكان أول من استحدثه منهم رجل من أهل الأندلس نزل بفاس يعرف بابن عمير، نظم قطعة على طريقة الموشح ولم يخرج فيها عن الإعراب إلا قليلاً؛ فاستحسنه أهل فاس وولعوا به وتركوا الإعراب الذي ليس من شأنهم، وكثر شيوعه بينهم، واستفحل فيه كثير منهم ونوعوه أصنافاً إلى المزدوج والكازي والملعبة والغزل، واختلفت أسماؤها باختلاف ازدواجها وملاحظاتهم فيها.» فهذه مدرسة جديدة للزجل نشأت بالمغرب وعملت على تطوره شكلاً ومضموناً؛ من حيث وضعت له اسماً جديداً هو عروض البلد ونوعته إلى أصناف تندرج تحت هذا الاسم العام، وإن كان لكل صنف منها اسم خاص بحسب الغرض الذي يتناوله. وقد سمى ابن خلدون بعد ذلك بعض زعماء هذه المدرسة؛ فذكر منهم ابن شجاع التازي والكفيف الزرهوني. والنماذج التي أعطاها من أزجالهم هذه، ترينا كيف تطور موضوع الزجل فأصبح يستوعب أهم الأغراض الشعرية الحماسة والحرب والمدح والوصف والوصايا والحكم، بعد أن كان قاصراً أو يكاد على الحب والخمر، والطبيعة والزهر. ولقد أطرد هذا التطور في الشعر الملحون، وهذا هو ما يسمى به الزجل اليوم، في المغرب. فصار يتضمن من الملاحم والقصص والتمثيل ما بقي يعوز الشعر المعرب في العالم العربي كله إلى فجر النهضة الحديثة. ويجب أن نشير إلى أن تسمية الناس له بالشعر الملحون هي من قبيل الوصف الكاشف، لأنه أدب الطبقة العامية، نظمته هي أو نظمه لها أفراد يحسنون الإعراب. ولكنهم تركوه قصد الإبلاغ، لا لكونه ليس من شأنهم كما مر عن ابن خلدون آنفاً. ويدل على ذلك قول الصفي الحلي في كتابه العاطل الحالي الموضوع في الزجل (١) وقد

стр. 119

تعرض لذكر الزجال المغربي المعروف بابن غرلة ونصه: «وقد كان ابن غرلة الشاعر المغربي وهو من أكابر أشياخهم، ينظم الموشح والمزنم فيلحن في الموشح ويعرب في الزجل تقصداً واستهتاراً، ويقول: إن القصد من الجميع عذوبة اللفظ وسهولة السبك. وكان الوزير ابن سناء الملك يعيب عليه ذلك، ولهذا لم يثبت شيئاً من موشحاته المزينة في دار الطراز. فانظر كيف كان يلحن ويعرب تقصداً واستهتاراً، واللحن هو المعتاد في الأزجال اذا نظمها الخاصة من الأدباء يتركون إعرابها مجاراة للعامة؛ بل إنهم كثيراً ما يتركون الإعراب حتى في الموشحات تسهيلاً لها وتمليحاً. فعمل ابن غرلة ليس بدعاً في هذا الشأن، ولكن لمزابن خلدون لأهل فاس بكونهم ليس من شأنهم الإعراب هو الذي ليس له محل من الإعراب. وابن غرلة هذا هو من زجالي عصرنا الذي نتكلم عليه، وكان عاشقاً لأخت الخليفة عبد المؤمن التي تسمى رميلة فيما يقول الحلي، ونظن أنها ابنة الخليفة لا أخته، ومن موشحاته الموشحة الطنانة الموسومة بالعروس التي نظمها في عشيقته وقتله الخليفة بسببها لتوهمه من مطلعها وما يليه الاجتماع بها. والواقعة مشهورة على زعم الحلي. قال: «وكان حسن الصورة جليل القدر ذا عشيرة. وكانت هي أيضاً جليلة القدر جميلة الحلق فصيحة اللسان تنظيم الأزجال الرائعة الفائقة. هذا وسنثبت بعض ما أشرنا إليه من الموشحات والأزجال في باب خاص في قسم المنتخبات. بقي كلامنا في التاريخ والسير من العلوم الأدبية. والذي نقوله عنها إنهما لم يكونا أقل حظاً ولا أبخس نصيباً من غيرهما في الرواج والانتشار؛ ففي هذا العصر وضع أول تاريخ نعرفه عن المغرب حاملاً هكذا اسم المغرب، الأمر الذي سيصبح تقليداً متبعاً في الكتب التي توضع بعد في تاريخ هذه البلاد. وهذا التاريخ هو كتاب المعجب في تلخيص أخبار المغرب لعبد الواحد المراكشي. ولئن كانت كتب أخرى في التاريخ والتراجم قد وضعت قبله، مثل أخبار البصرة، وأخبار سجلماسة، وأخبار نكور لمحمد بن يوسف الوراق، وتاريخ الدولة اللمتونية لابن الصيرفي، وكتاب المدارك في التعريف بأعلام مذهب مالك، وتاريخ سبتة، للقاضي عياض وغير ذلك. فإن واحداً من هذه ليس كتاباً جامعاً لتاريخ المغرب بصفته بلاداً ذات وحدة

стр. 120

وكيان مثل كتاب المعجب، فضلاً عن إنها لم تصلنا وعن كونها بأقلام غير مغربية إذا استثنينا كتاب المدارك. ومما يسجل بغاية الإعجاب للعلماء المغاربة من هذا العصر، هذا النوع من التأليف في السيرة النبوية الذي يعد حدثاً بديعاً فيها؛ وهو المتعلق مولد الرسول ﷺ . فقد كان العزفيون رؤساء سبتة (١) قد أحدثوا فيها الاحتفال بالمولد الشريف، ولم يكن ذلك معروفاً في المغرب ولا في غالب الأقطار الإسلامية. وألف كبيرهم العلامة أبو العباس أحمد بن محمد كتاب الدرة المنظم في مولد النبي المعظم، الذي اكمله ولده الرئيس أبو القاسم فجاء في مجلد كبير. وفي مقدمة هذا الكتاب يشير أبو العباس إلى سبب إحداثهم لذلك ويقارن بين احتفال النصارى بعيد الميلاد المسيحي ومشاركة المسلمين لهم في ذلك وإهمالهم لمولد نبيهم (ص) وهو مع قراره بأن هذا العمل بدعة لم يكن على عهد السلف الصالح رضوان الله عليهم؛ فإنه يجعله من البدع المستحسنة استناداً لقول عمر (رض) في الاجتماع على تراويح رمضان بعمت البدعة هذه ويخرجه على حديث أنس (رض) كان لأهل الجاهلية يومان في كل سنة يلعبون فيهما. فلما قدم النبي (ص) المدينة قال: كان لكم يومان تلعبون فيهما قد أبدلكم الله بهما خيراً: يوم الفطر ويوم النحر. وذلك لأنه أراد بهذا العمل أيضاً صرف المسلمين ولا سيما الصبيان عن الاحتفال بالأعياد المعظمة في الأديان الأخرى، حتى لا ينشأوا على تعظيم تلك الأديان، الذي ربما أدى بهم إلى الكفر، والعياذ بالله. والكتاب على كل حال مهم في بابه، وليس هو الوحيد الذي وضعه علماؤنا في الموضوع، فإن لأبي الخطاب بن دحية السبتي أيضاً كتاب التنوير في مولد السراج المنير، ألفه للملك المعظم أبي سعيد التركماني صاحب إربل لما قدم عليه فوجده يحتفل بالمولد الشريف كما يفعل أهل بلده سبتة. وينفق في ذلك أموالاً عظيمة، فوضع له الكتاب المذكور وقرأه في أثناء الاحتفال، فأعطاه ألف دينار جائزة عليه، وأخذه عنه فسمعه منه الناس بعد ذلك. وممن سمعه منه المؤرخ ابن خلكان كما يذكر ذلك في كتابه وفيات الأعيان. على أن الكتب في التاريخ والسير غير ما ذكرنا كثيرة وأخصها كتاب النبراس في تاريخ بني العباس لأبي الخطاب بن دحية، وتاريخ

стр. 121

الموحدين للبيدق والذيل على صلة ابن بشكوال لابن فرتون وكتب ابن عبد الكريم التميمي وغيرهما مما يأتي مستوفي في تسمية الكتب المؤلفة في هذا العصر على العموم. ولكن ما لا بد أن ننبه عليه هنا، ونحن نؤرخ الحركة الأدبية في المغرب، هو المؤلفات الخاصة بالأدب وتاريخه. ولقد كاد كتاب المعجب أن يكون تاريخ أدب أكثر منه تاريخ سياسة. والسبب في ذلك أن المراكشي السفه في المشرق ليطلع أهله على ما خفي عنهم من شؤون أهل المغرب السياسية والأدبية. وهكذا أيضاً ألف أبو الخطاب بن دحية، المطرب، من أشعار أهل المغرب، وهو إن يكن كسلفه مليئاً بأدب الأندلس ليس فيه من آثار أهل المغرب إلا القليل، فكفانا أنها مع أثران مغربيان ينمان عن أدب صاحبيهما وعبقريتها. وإن ننس لا ننس كتاب صفوة الأدب، وديوان العرب، الذي ألفه الشاعر أبو العباس الجراوي على وضع كتاب الحماسة لأبي تمام وضمنه مختارات من الشعر العربي في مختلف أبوابه، ولم يغفل أن يضم إليه من شعر الأندلسيين والأفارقة ما جعله يمتاز عن حماسة أبي تمام. ويعرف بالحماسة المغربية. وقد وصلنا مختصره الذي أطلعنا منه على غزارة حفظ مؤلفه وحسن صنيعه. وبالجملة فإن نهضة علوم الأدب في هذا العصر كانت شاملة. وما يمنعنا من تتبع مظاهرها إلا خشية التطويل، ويأتي مزيد بيان لها في الكلام على الحياة الأدبية. *** العلوم الحكمية: وأما العلوم الحكمية فإنها انتشرت انتشاراً كبيراً لم تبلغه في أي عصر آخر، حتى لقد كان هذا عصرها الذهبي في المغرب، وكان الموحدون، والحق يقال، أشبه الدول الإسلامية بالعباسيين في الأخذ بضبع هذه العلوم وتنشيط رجالها لكن أربى عليهم في ذلك كإرباء المأمون على سائر العباسيين يوسف بن عبد المؤمن؛ فهو مأمون هذه الدولة الذي ناصر علوم الفلسفة ووالي أهلها. وكان هو نفسه متحققاً بكثير من أجزائها مشاركاً في جملة من فنونها. ويقول المراكشي إنه استظهر من الكتاب الطبي الملكي أكثره مما يتعلق بالعلم خاصة دون العمل. ثم تخطى ذلك إلى ما هو

стр. 122

أشرف منه من أنواع الفلسفة. وكان من صحبه من العلماء المتفننين أبو بكر محمد بن طفيل أحد فلاسفة الإسلام. له تصانيف في أنواع الفلسفة من الطبيعيات والإلاهيات. وكان يأخذ الجامكية مع عدة أصناف من الخدمة من الأطباء والمهندسين والكتاب والشعراء والرماة والأجناد؛ إلى غير هؤلاء من الطوائف. قال المراكشي: «وكان أمير المؤمنين أبو يعقوب شديد الشغف به والحب له. بلغني أنه كان يقيم في القصر عنده أياماً ليلاً ونهاراً لا يظهر. ثم قال: «ولم يزل أبو بكر هذا يجلب إليه العلماء من جميع الأقطار وينبهه عليهم ويحضه على إكرامهم والتنويه بهم، وهو الذي نبهه على أبي الوليد بن رشد، فمن حينئذ عرفوه ونه قدره عندهم. أخبرني تلميذه الفقيه الأستاذ أبو بكر بن داود بن يحيى القرطبي قال، سمعت الحكيم أبا الوليد يقول غير مرة: لما دخلت على أمير المؤمنين أبي يعقوب وجدته هو وأبو بكر بن طفيل ليس معها غيرهما. فأخذ أبو بكر يثني علي ويذكر بيتي وسلفي ويضم بفضله إلى ذلك أشياء لا يبلغها قدري. فكان أول ما فاتحني به أمير المؤمنين بعد أن سألني عن اسمي واسم أبي ونسبي أن قال: ما رأيهم في السماء، يعني الفلاسفة، أقديمة هي أم حادثة، فأدركني الحياء والخوف فأخذت أتعلل وأنكر اشتغالي بالفلسفة، ولم أكن أدري ما قرار معه ابن طفيل، ففهم أمير المؤمنين مني الروع والحياء؛ فالتفت إلى ابن طفيل وجعل يتكلم على المسألة التي سألني عنها ويذكر ما قاله أرسطوطاليس وأفلاطون وجميع الفلاسفة. ويورد مع ذلك احتجاج أهل الإسلام عليهم، فرأيت منه غزارة حفظ لم أظنها في أحد من المشتغلين بهذا الشأن المتفرغين له، ولم يزل يبسطني حتى تكلمت؛ فعرف ما عندي من ذلك، فلما انصرفت أمر لي بمال وخلعة سنية ومركب. قال وأخبرني تلميذه المتقدم الذكر عنه، قال: استدعاني أبو بكر بن طفيل يوماً فقال لي: سمعت أمير المؤمنين يشتكي من قلق عبارة أرسطوطاليس أو عبارة المترجمين عنه، ويذكر غموض أغراضه ويقول: لو وقع لهذه الكتب من يلخصها ويقرب أغراضها بعد أن يفهمها جيداً لقرب مأخذها على الناس، فإن كان فيك فضل قوة لذلك فافعل. وإني لأرجو أن تفي به لما أعلمه من جودة ذهنك وصفاء قريحتك وقوة نزوعك إلى الصناعة، وما يمنعني من ذلك إلا ما تعلمه من كبرة سني واشتغالي بالخدمة (كان وزيراً ليوسف) وصرف عنايتي إلى ما هو أهم عندي منه. قال أبو الوليد: فإن هذا الذي حملني على تلخيص ما لخصته من كتب الحكيم أرسطوطاليس».

стр. 123

هذا ما عمله يوسف بن عبد المؤمن في سبيل تقدم هذه العلوم بمملكته. وهاك ما عمله ولده يعقوب المنصور ممثلاً في عنايته الفائقة بفذ من أفذاذ هذه الطبقة. فحكى المؤرخون أن الطبيب أبا بكر بن زهر كان ملازماً له ومختصاً به وكان يقيم عنده المدد الطويلة ولا يرخص له في السفر إلى رؤية أهله وصلة الرحم بذويه وقرباه، حتى قال يوماً، يتشوق إلى ولد له صغير: ولي واحد مثل فرخ القطا ... صغيرة تلفت قلي لديه وأفردت عنه فيا وحشتي ... لذاك الشخيص وذاك الوجيه تشوقني وشوقته ... فيبكي علي وأبكي عليه وقد تعب الشوق ما بيننا ... فمنه إلي ومني إليه فسمعها المنصور فأرسل المهندسين إلى إشبيلية وأمرهم أن يحتاطوا علما ببيوت ابن زهر وحارته ثم يبنوا مثلها بحضرة مراكش ففعلوا ما أمرهم في أقرب مدة، وفرشها مثل فرشه وجعل فيها مثل آلاته؛ ثم أمر بنقل عيال ابن زهر وأولاده وحشمه وأسبابه إلى تلك الدار، ثم احتال عليه حتى جاء إلى ذلك الموضع فرآه أشبه شيء بيته وحارته، فاحتار لذلك وظن أنه نائم وأن ذلك أحلام، فقيل له أدخل البيت الذي يشبه بيتك فدخله فإذا ولده الذي تشوق إليه يلعب في البيت، فحصل له من السرور ما لا مزيد عليه ولا يعبر عنه. فهل سمع بمثل هذا الأمر في إكرام العلم والعلماء وهل بقيت بعد هذا غاية في ذلك السبيل؟ ولا تقصر المهمة الموحدية عن أختها العباسية زيادة على ذلك في التنقيب عن الكتب النادرة وطلب المؤلفات الغريبة من سائر الجهات حتى لقد جمع يوسف بن عبد المؤمن الألوف المؤلفة منها، وكانت مكتبته تضاهي مكتبة الحكم المستنصر بالله الأموي. وقد أورد في المعجب هذه الحكاية التي تدل على ما كان يبذله في هذا السهيل من الترضيات الكبيرة. قال: «أخبرني أبو محمد عبد الملك الشذوني أحد المتحققين بعلمي الطب وأحكام النجوم قال: كنت في شبيبتي استعير كتب هذه

стр. 124

الصناعة، يعني صنعة الأحكام، من رجل كان عندنا بمدينة إشبيلية اسمه يوسف يكنى أبا الحجاج يعرف بالمراني بتخفيف الراء، كانت عنده منها جملة كبيرة وقعت إلى أبيه في أيام الفتنة بالأندلس، فكان يعيرني إياها في غرائر؛ أحمل غرارة وأجيء بغرارة من كثرتها عنده، فأخبرني في بعض الأيام أنه عدم تلك الكتب، بجملتها. فسألته عن السبب الموجب لذلك فأسر إلى أن خبرها أنهي إلى أمير المؤمنين فأرسل إلى داري، وأنا في الديوان لا علم عندي بذلك. وكان الذي أرسل كافور الخصي مع جماعة من العبيد الخاصة وأمره أن لا يروع أحداً من أهل الدار وأن لا يأخذ سوى الكتب وتوعده والذين معه أشدت الوعيد إن نقص أهل البيت إبرة فما فوقها. فأخبرت بذلك وأنا في الديوان فظننته يريد استصفاء أموالي فركبت وما معي عقلي، حتى أتيت منزلي فإذا الخصي كافور الحاجب واقف على الباب والكتب تخرج إليه. فلما رآني وتبين ذعري قال: لا بأس عليك وأخبرني أن أمير المؤمنين يسلم علي وأنه ذكرني بخير ولم يزل يبسطني حتى زال ما في نفسي، ثم قال لي: أهل بيتك هل راعهم أحد أو نقصهم شيء من متاعهم؟ فسألتهم فقالوا: لم يرعنا أحد ولم ينقصنا شيء. جاء أبو المسك حتى استأذن علينا ثلاث مرات فأخلينا له الطريق ودخل هو بنفسه إلى خزانة الكتب فأمر بإخراجها. فلما سمعت هذا القول منهم زال ما كان في نفسي من الروع. وولوه بعد أخذهم هذه الكتب منه ولاية ضخمة ما كان يحدث بها نفسه». وكان لخزانة الكتب عندهم ولاية خاصة لا يولاها إلا من، ومن، لأن أمرها عظيم لديهم. وممن ولي النظر فيها أيام يوسف بن عبد المؤمن، القاضي أبو محمد بن الصقر، وكان من أحسن العلماء نظراً في كثير من الفنون. فقام عليها أتم قيام، واستنسخ لها كثيراً من المجندات الضخام، وكان كلما بالغ في النصيحة والخدمة كلما بالغوا له في العطايا والهبات. فهذا وغيره مما أغفلنا، فضلاً عما جهلناه، يعطيك صورة واضحة لما كانت عليه هذه العلوم من الرواج والانتشار في عصر الموحدين الذين لم يألوا جهداً في البر برجالها والإحسان إليهم. ولا تنس المنة التي طرقوا بها عنق العالم المتمدن بانتشالهم الفيلسوف ابن رشد من وهدة الخمول، وإحلاله في المحل اللائق به. فقد علمت أنهم الحاملون له على تلخيص فلسفة الأقدمين كما روى المراكشي عنه. وإن كانت بدت من

стр. 125

يعقوب المنصور في حقه نزوة فإن ذلك لا يقدح في موقف الدولة كلها إزاء رجال العلم. على أنه نفسه تدارك ما فات وعاد فاصلح ما أفسده. خصوصاً وقد كان سبب امتحانه له سياسياً محضاً كما فصل ذلك المؤرخون. فإنه في شرح كتاب الحيوان لأرسطو طاليس لما ذكر الزرافة وصفها فقال: «وقد رأيتها عند ملك البربر بمراكش، فلما بلغ ذلك يعقوب حقدها عليه. ثم إن أعداء ابن رشد وجدوها فرصة مناسبة فأغروا المنصور عليه، واتخذوا اشتغاله بالفلسفة ذريعة إلى ذلك، فرفعوا إليه رقاعاً فيها ما يقتدي الكفر والمروق والغرطقة، مثل ما كان في إحداها حاكياً عن الفلاسفة اليونان، «فقد ظهر أن الزهرة أحد الآلهة» في أشباه لذلك. فاستدعاه المنصور وأوقفه عليها وقال هذا خطك: فأنكر. فأمر بإخراجه من عنده وطرده، ولعنه الحاضرون. ثم ندم بعد ذلك على ما صدر منه وأرسل يستدعيه، فجاء واعتذر إليه وأكرمه وبقي عنده حتى مات بمراكش ﵀. وقد كان له مندوحة عن وصف ولي نعمته بملك البربر، وهو في الحقيقة ليس ملك البربر فقط، ولكن للسان عثرات. وفي أيام المنصور هذا استبحر العمران بالمغرب وزهت الحضارة وتقدم فن المعمار بتقدم حركة البناء، إذ بنى المنصور مدينة رباط الفتح الفيحاء، وقصبة مراكش وجامعه الفخم بها ومنار الكتبية العظيم بمراكش أيضاً ومنار حسان الضخم بالرباط ومنار الخيرالدة بإشبيلية الذي هو من أعاجيب الدنيا. وأنشأ في جامعه بمراكش المقصورة والمنبر «الأتوماتكيين» وكانا موضوعين على حركات هندسية بحيث يبرزان لدخوله دفعة واحدة ويغيبان لخروجه كذلك. كانت هذه المقصورة كبيرة تسع أكثر من ألف رجل، كما عند صاحب الحلل. والذي صنعهما هو الحاج يعيش المهندس الذي بنى جبل الفتح لعبد المؤمن وقد أعيى الأدباء وصفها حتى قال ابن مجبر فيها قطعته الخالدة: طوراً تكون من حوته محيطة ... فكأنها سور من الأسوار تكون طوراً عنهم مخبوءة ... فكأنها سر من الأسرار وكأنما علمت مقادير الورى ... فتصرفت لهم على مقدار

стр. 126

فإذا أحست بالأمير يزورها ... في قومه قامت إلى الزوار يبدو فتبدو ثم تخفى بعده ... كتكون الهالات للأقمار فطرب المنصور لسماعها ولم يرض بما قيل في مقصورته غيرها. كذلك بني عدة مساجد ومدارس في كل من إفريقية والأندلس والمغرب ومنها المسجد الأعظم بمدينة سلا ومدرسته الباقية إلى الآن شاهدة بأن هذا المسجد يضاهي القرويين في الضخامة والجفوة كان من معاهد العلم المقصودة حتى احتيج إلى بناء مدرسة حوله. ويعد بناء المدارس في هذا العهد من مظاهر التقدم العلمي، وقد أصبح تقليداً متبعاً حتى من أفراد الشعب. ونشير هنا بالخصوص إلى مدرسة الشيخ أبي الحسن الشاري من أعلام هذا العصر التي أنشأها في مدينة سبتة وكان لها صيت بعيد. وفي مراكش كان يوجد مجمع علمي يسمى بيت الطلبة، وهو يذكرنا ببيت الحكمة الذي كان في بغداد على عهد المأمون. وكان مألفاً لأهل العلم من أصليين وطارئين. وإذا علمنا أنه كانت هناك وظيفة يسمى صاحبها رئيس الطلبة، فغير بعيد أن يكون هو عميد هذا البيت. وكان الموحدون يطلقون اسم الطلبة على أهل العلم عامة وأهل الحديث خاصة ولا يولون هذه الوظيفة إلا العلماء الراسخين أمثال المحدث ابن القطان والقاضي ابن المالقي. وفي هذا البيت استقبل أبو عمر بن عات، وألقيت عليه أحاديث من صحيح مسلم محولة المتون والأسانيد فأعادها إلى أصلها. فإن لم يكن بيت الطلبة هذا مدرسة للحديث كالتي أنشأها نور الدين محمود بن زنكي في دمشق، فهو في أقل تقدير مجمع علمي كما قلنا، تفردت به مراكش الموحدية عن سائر عواصم المغرب وإفريقية والأندلس. ومما حلى به المنصور جيد أعماله التمدينية ورصع تاج الحضارة المراكشية المستشفى العظيم الذي يقول صاحب العجب فيه: «ما أظن في الدنيا مثله». وناهيك بها شهادة من رجل جاب الأقطار واخترق الأمصار. وهاك صفته نقلاً عنه: «وبنى بمدينة مراكش مارستاناً ما أظن أن في الدنيا مثله، وذلك أنه تخير

стр. 127

ساحة فسيحة بأعدل موضع في البلد، وأمر البنائين بإتقانه على أحسن الوجوه فأتقنوا فيه من النقوش البديعة والزخاريف المحكمة ما زاد على الاقتراح، وأمر أن يغرس فيه مع ذلك من جميع الأشجار والمشمومات والمأكولات، وأجرى فيها مياهاً كثيرة تدور على جميع البيوت، زيادة على أربع برك في وسطه، إحداها رخام أبيض. ثم أمر له من الفراش النفيسة من أنواع الصوف والكتان والحرير والأديم وغيره بما يزيد على الوصف ويأتي فوق النعت، وأجرى له ثلاثين ديناراً في كل يوم برسم الطعام وما ينفق عليه خاصة، خارجاً عما جلب إليه من الأدوية وأقام فيه من الصيادلة العمل الأشربة والأدهان والأكحال، وأعد فيه للمرضى ثياب ليل ونهار للنوم من جهاز الصيف والشتاء، فإذا نقه المريض فإن كان فقيراً أمر له عند خروجه بمال يعيش به ريثما يستقل، وإن كان غنياً دفع إليه ماله وتركه وسببه، ولم يقصره على الفقراء دون الأغنياء بل كل من مرض بمراكش من غريب حمل إليه وعولج إلى أن يستريح أو يموت. وكان في كل جمعة بعد صلاته يركب ويدخله يعود المرضى ويسأل عن أهل بيت، بيت يقول: كيف حالكم وكيف القومة عليكم إلى غير ذلك من السؤال، لم يزل مستمراً على هذا إلى أن مات ﵀». وفي هذه القطعة دليل على تقدم علم النبات والفلاحة فضلاً عن الطب والكيمياء، وبستان المسيرة أعظم دليل على ذلك. وهو بستان أحدثه عبد المؤمن بضاحية مراكش، طوله فيما يقول ابن عذاري وصاحب الحلل ثلاثة أميال وعرضه قريب من ذلك. وكان فيه كل فاكهة تشتهى وجلب إليه الماء من أغمات زيادة على ما استنبط له من العيون الكثيرة. وأنشأ فيه صهريجاً واسعاً كالبحيرة كان يمرن فيه الجنود وشيوخ الموحدين على العوم والتجذيف كما في الحلل. وهذا الصهريج هو المعروف بالمنارة الكائن في أكدال بمراكش. قال ابن إليسع: وما خرجت أنا من مراكش في سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة إلا وهذا البستان الذي غرسه عبد المؤمن يبلغ مبيع زيتونه وفواكهه ثلاثين ألف دينار مؤمنية على رخص الفاكهة مراكش. قال الناصري: «ودعاه ابن عذاري ببستان المسرة وقال أنه بظاهر جنان الصالحة. ولشهرة هذا البستان وموقعه من الناس لهجت به صبيانهم وسجعوا به فيقولون: يا جرادة مالحة، أين كنت سارحة، في جنان الصالحة. . . في أسجاع غير هذه

стр. 128

تجري على ألسنة الصبيان. وما زال هذا النشيد الشعبي مروياً عند الصغار حتى الآن. ثم بعد هذا لا نخال القول بتقدم الصنائع النفيسة والفنون الجميلة كالنقش والتزويق وعمل الفسيفساء والمقربص إلا خبراً بمعلوم. فقد رأيت ما كان بها من الاهتبال، وعليها من الإقبال، حتى أنهم لم يخلوا منها المستشفى الذي أنشيء لغير من يهمهم أمرها من المرضى، ولكن الغاية في هذا الباب هو ما عمله عبد المؤمن في تحلية المصحف العثماني الإمام. وقد كتب في ذلك وزبره ابن طفيل رسالة بديعة نرى أنفسنا مضطرين إلى نقل ما يتعلق منها بهذا الغرض. قال بعد أن استهلها ببيان كيفية وصوله إلى عبد المؤمن بطريق الهدية من أهل قرطبة بعد أن تعلقت به نفسه جد التعلق، لكنه أبى أن يسلبهم تلك الذخيرة الثمينة ويوحش أنسهم بفقده حتى جادوا به محض اختيارهم طيبة به أنفسهم: «ثم إنهم أدام الله سبحانه تأييدهم، ووصل سعودهم، لما أرادوا من المبالغة في تعظيم المصحف المذكور واستخدام البواطن والظواهر فيما يجب له من التوقير والتعزيز، شرعوا في انتخاب كسوته، وأخذوا في اختيار حليته، وتأنقوا في استعمال أحفظته، وبالغوا في استجادة أصونته، فحشروا له الصناع المتقنين ممن كان بحضرتهم العلية، وسائر بلادهم القريبة والقصية. فاجتمع لذلك حذاق كل صناعة ومهرة كل طائفة من المهندسين والصواغين والنظامين والحلائين والنقاشين والمرصعين والنجارين والزواقين والرسامين والمجلدين وعرفاء البنائين ولم يبق من يوصف ببراعة، وينسب إلى الحذق في صناعة، إلا أحضر للعمل فيه، والاشتغال بمعنى من معانيه، فاشتغل أهل الحيل الهندسية بعمل أمثلة مخترعة، وأشكال مبتدعة، وضمنوها من غرائب الحركات، وخفي إمداد الأسباب المسببات، ما بلغوا فيه منتهى طاقتهم، واستفرغوا فيه جهد قوتهم. والهمة العلية أدام الله سموها تترقى فوق معارجهم، وتتخلص كالشهاب الثاقب وراء موالجهم، وتنيف على ما ظنوه الغاية القصوى من لطيف مدارجهم؛ فسلكوا من عمل هذه الأمثلة كل شعب، ورأبوا من منتشرها كل شعب وأشرفوا عند تحقيقها، وإبراز دقيقها، على كل صعب، فكانت منهم وقفة كادت لها النفوس تيأس عن مطلبها، والخواطر تكر راجعة عن خفي مذهبها، حتى أطلع الله خليفته في خلقه، وأمينه المرتضى لإقامة حقه، على وجه انقادت فيه تلك الحركات

стр. 129

بعد اعتياصها، وتخلصت أشكالها عن الاعتراض على أحسن وجوه خلاصها، ألقوا ذلك أيدهم الله بنصره، وأمدهم بمعونته ويسره، إلى المهندسين والصناع فقبلوه أحسن القبول، وتصوروه بأذهانهم فرأوه على مطابقة المأمول. فوقفهم حسن تنبيه ما جهلوه على طور غريب من موجبات التعظيم، وعلموا أن الفضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، وسيأتي بعد هذا إشارة إلى تفصيل تلك الحركات المستغربة، والأشكال المؤنقة المعجبة، مما صنع للمصحف العظيم، من الأصونة الغريبة، والأحفظة العجيبة، أنه كسي كله بصوان واحد من الذهب والفضة ذي صنائع غريبة، من ظاهره وباطنه، لا يشبه بعضها بعضاً، قد أجري فيه من ألوان الزجاج الرومي ما لم يعهد له في العصر الأول مثال ولا عمر قبله بشبهه خاطر ولا بال، وله مفاصل تجتمع إليها أجزاؤه وتلتئم، وتتناسق عجائبه وتنتظم، قد أميلت للتحرك أعطفها، وأحكم إنشاؤها على البغية وانعطافها، ونظم على صحيفته وجوانبه من فاخر الياقوت ونفيس الدر وعظيم الزمرد مسالم تزل الملوك السالفة، والقرون الخالفة، تتنافس في أفراده، وتتوارثه على مرور الزمن وترداده، وتظن العز الأقعس، والملك الأنفس، في ادخاره وإعداده، وتسمي الواحد منها بعد الواحد بالاسم العلم لشذوذه في صنعه واتحاده، فانتظم عليه منها ما شاكله زهر الكواكب في تلألئه وانقاده، وأشبهه الروض المزخرف غب سماء أقلعت عن إمداده، وأتى هذا الصوان الموصوف رائق المنظر، آخذاً بمجامع القلب والبصر، مستولياً بصورته الغريبة على جميع الصور، يدهش العقول بهاء، ويخير الألباب رواء، ويكاد يغشي الناظر تألقاً وضياء؛ فحين تمت خصاله، واستر كبت أوصاله، وحان ارتباطه بالمصحف العظيم واتصاله، رأوا أدام الله تأييدهم، وأعلى كلمتهم، مما رزقهم الله تعالى من ملاحظة الجهات، والإشراف على جميع الثنيات، أن يتلطف في وجه يكون به هذا الصوان المذكور طوراً متصلاً وطوراً منفصلاً، ويتأتى به للمصحف الشريف العظيم أن يبرز تارة للخصوص متبذلاً وتارة للعموم متجملاً، إذ معارج الناس في الاستبصار تختلف، وكل له مقام إليه ينتهي وعنده يقف، فعمل فيه على شاكلة هذا المقصد. وتلطف في تتميم هذا الغرض المعتمد، وكسي المصحف العزيز بصوان لطيف من السندس الأخضر، ذي حلية عظيمة خفيفة تلازمه في المغيب والمحضر، ورتب ترتيباً يتأتى معه أن يكسي بالصوان الأكبر، فيلتئم به التئاماً يغطي على العين من هذا الأثر. وكمل ذلك كله على أجمل الصفات وأحسنها.

стр. 130

وأبدع المذاهب وأتقنها، وصنع له محمل غريب الصنعة، بديع الشكل والصبغة، ذو مفاصل ينبو عن دقتها الإدراك، ويشهد بها الارتباط بين المفصلين ويصح الاشتراك، مغشي كله بضروب من الترصيع، وفنون من النقش البديع، في قطع الأبنوس والخشب الرفيع، لم تعمل قط في زمن من الأزمان، ولا انتهت قط إلى أيسره ثواقب الأذهان. مدار بصنعة قد أجريت في صفائح الذهب، وامتدت امتداد ذوائب الشهب، وصنع لذلك المحمل كرسي يحمله عند الانتقال، ويشاركه في أكثر الأحوال، مرصع مثل ترصيعه الغريب، ومشاكل له في جودة التقسيم وحسن الترتيب، وصنع لذلك كله تابوت يحتوي عليه احتواء المشكاة على أنوارها، والصدور على محفوظ أمكارها، مكعب الشكل، سام في الطول، حسن الجملة والتفصيل، بالغ ما شاء من التتميم في أوصاله والتكميل، جار مجرى المحمل في التزيين والتجميل، وله في أحد غوار به باب ركبت عليه دفتان قد أحكم إرتاجهما، ويسر بعد الإبهام انفراجهما، ولانفتاح هذا الباب وخروج الكرسي من تلقائه، وتركب المحمل عليه، ما دبرت الحركات الهندسية، وتلقيت التنبيهات القدسية، وانتظمت العجائب المعنوية والحسية، والتأمت الذخائر النفيسة والنفسية، وذلك أن بأسفل هاتين الدفتين فيصلاً فيه موضع قد أعد له مفتاح لطيف يدخل فيه. فإذا دخل ذلك المفتاح فيه وأديرت به اليد انفتح الباب بانعطاف زائدة الدفتين إلى داخل الدفتين من تلقائهما، وخرج الكرسي من ذاته بما عليه إلى أقصى غايته. وفي خلال خروج الكرسي يتحرك عليه المحمل حركة منتظمة مقترنة بحركة يأتي بها من مؤخر الكرسي زحفاً إلى مقدمه. فإذا كمثل الكرسي بالخروج وكمال المحمل بالتقدم عليه، انغلق الباب برجوع الدفتين إلى موضعهما من تلقاها دون أن يمسها أحد، وترتيب هذه الحركات الأربع على حركات المفتاح فقط دون تكلف شيء آخر. فإذا أدير المفتاح إلى خلف الجهة التي أدير إليها أولاً، انفتح أولاً الباب وأخذ الكرسي في الدخول والمحمل في التأخر عن مقدم الكرسي إلى مؤخره؛ فإذا عاد كل إلى مكانه انسد الباب بالدفتين أيضاً من تلقائه. كل ذلك يترتب على حركات المفتاح كالذي كان في حال خروجه. وصحة هذه الحركات اللطيفة على أسباب ومسببات غائبة عن الحس في باطن الكرسي، وهي مما يدق وصفها ويصعب ذكرها، أظهرتها بركات هذا الأمر السعيد، وتنبيهات سيدنا ومولانا الخليفة أدام الله تعالى أمرهم، وأعز نصرهم.»

стр. 131

هذا ما أردنا نقله من رسالة ابن طفيل وهي على طولها ممتعة ومفيدة في معرفة مدى ما وصلت إليه هذه الصنائع الدقيقة من الرقي والكمال. ودون هذا فإن صنائع أخرى جليلة كانت في غاية من التقدم والإتقان كصناعة الأسلحة بجميع أنواعها والآلات الحربية والسفن، وكان لهذه دور كبيرة في مختلف الموانئ. وفيها صنع الأسطول المغربي العظيم الذي كان يصول ويجول في عرض البحر. واقرأ إن شئت في نفح الطيب ما للشعراء في وصفه من القصائد الطنانة التي تستشعر منها روح الفخار وتتعرف عظمة الأجداد. وفي هذه الأثناء كان الشريف الإدريسي في صقلية يتقرى البلاد بحراً وبراً لأجل أن يؤلف كتابه (نزهة المشتقاق في اختراق الآفاق)، فيخلف لنا ذلك المستند الجغرافي الذي ما برح مرجعاً مهماً للمستكشفين وأرباب الرحلات ووضعة الخرائط والمصورات. وإذا كانت مظاهر الحضارة الشعب من الشعوب تتمثل في شتى نواحي حياته الاجتماعية كما تتمثل في النهضة العلمية والصناعية فإن من أخص هذه النواحي ما يتصل بخفض العيش وترف البيت، وأجلى ما يتمثل فيه ذلك المطبخ. ومن ثم قال بعض الحكماء: «أرني مطبخ أية أمة أحدثك عن حضارتها» والواقع أن المطبخ المغربي في هذا العصر بلغ الغاية من التفنن في إعداد أنواع المطاعم والمشارب وإتقانها ما لا نعرف له مثيلاً الآن. وقد أفدنا هذا من كتاب في الموضوع لمؤلف معاصر) (١) تحدث إلينا عن أكثر من خمسمائة لون من ألوان الطعام والشراب والحلوى والمربى وما إلى ذلك ما كان يعمل للخلفاء الموحدين والأمراء منهم ورجال دولتهم على العموم. ومنهم ما يحمل اسم بعضهم لكونه كان يعجبه كثيراً أو لكونه من اقتراحه. ومنها ما يعرف باسمه العم، ومنها ما يعرف بصفته. وبعض هذه الأسماء لا يزال عندنا مستعملة. والمهم هو أن من هذه الأطعمة ما ينسبه بعض الناس اليوم إلى الأتراك ويعتقدون أنه مما أخذ عنهم أثناء حكمهم للقطر الجزائري بموجب المداخلة

стр. 132

والاتصال، مع أنه ما كان موجوداً في عصر الموحدين هذا، قبل ظهور الأتراك ووصولهم إلى المغرب بكثير. ولعل قائلاً يقول وما نصت المرأة في هذه النهضة الشاملة الكاملة، وهي التي إذا عدمت مشاركتها في عمل ما يعتبر غير كامل ولا شامل. والجواب أن المرأة المغربية كانت دائماً عنصراً فعالاً في تطور البلاد وتقدمها وازدهارها. وقد ذكرنا عملها العظيم في العصر الأول الذي يتمثل في تأسيس كلية القرويين ومشاركتها في الأعمال السياسية والأدبية في العصر المرابطي. ولا يشذ هذا العصر عن سالفيه في أخذ المرأة بأسباب النهوض، بل إنه يعطينا أمثلة رائعة لمساهمتها في ضروب النشاط الفكري بإطلاق من علمي وأدبي. فمن الأسماء اللامعة التي عرفت بصفتها العلمية السيدة زينب ابنة الخليفة يوسف بن عبد المؤمن. كانت عالمة فاضلة أخذت علم الكلام عن أبي عبدالله بن إبراهيم، وهي زوج ابن عمها السيد أبي زيد بن أبي حفص بن عبد المؤمن. ومن نساء الشعب السيدة خيرونة التي ألف الإمام السلالجي عقيدته البرهانية من أجلها. ولا شك أن لها يداً في نشر التوحيد على مذهب الأشعري بين نساء أهل فاس إسوة بأستاذها الذي ألمعنا إلى عمله في هذا الصدد. ومنهن في علم الرواية والحديث الشيخة أم المجد مريم بنت أبي الحسن الشاري صاحب المدرسة بسبتة. ومنهن في علم الفقه السيدة محلة المراكشية التي كانت من حفاظ المدونة، ومنهن في التصوف والعلوم اللدنية السيدة منية بنت ميمون الدكالي وسواها كثيرات، وهذا الصنف من السيدات هو الذي يتسامح كتاب الطبقات بذكره في مؤلفاتهم؛ فلذلك نقف على العدد العديد منهن، في حين أن الأصناف الأخرى إنما تذكر أسماؤهن عرضاً في تضاعيف الكتب. ولعل الاتصال الذي كان مسموحاً به في العرف لهؤلاء السيدات بصفتهن من الصالحات القاتنات له دخل في ذلك. وأما في العلوم الأدبية والكتابة والشعر فقد سبقت الإشارة إلى السيدة رميلة من بيت الخلافة الموحدية، وما كان لها من فصاحة وبلاغة في النظم. ومن نساء الشعب النابغات في ذلك السيدة الشريفة أمة العزيز بنت أبي محمد بن الحسن ابن أبي الجسام الحسيني السبتي. ذكرها ابن دحية في المطرب وقال إنها أخت جده لأمه. ومنهن السيدة حفصة بنت القاضي أبي حفص بن عمر. وقد ذكرها الشاعر

стр. 133

أبو العباس الجراوي في شعره وذكر نبوغها على طريقته في الهجاء والتعريض، فأجاب عنها والدها ولم تتنزل هي لجوابه ترفعاً وتصاوناً. ومنهن السيدة أم النساء بنت عبد المؤمن التاجر الفاسي، ذكرها ابن عربي الحاتمي في كتاب المحاضرات وقال إنها تجيد الشعر وقد أنشدت السيد أبي على صاحب فاس عند ولايته عليها قصيدة تقول في مطلعها: جاء البشير بوعد كان ينتظر ... فأصبح الحق ما في صفوه كدر من خير هاد غدا بالهدي يأمرنا ... وفي أوامره التسديد والظر وفيها تصفه بالشجاعة: ليث إذا اقتحم الأبطال حومتها ... يفني الكتائب لا يبقي ولا يذر ويضيق المقام عن استيفاء الكلام على جميع مظاهر النهضة العلمية الكبرى في هذا العصر فلنكتف بهذا القدر فإن فيه غنية لذوي الألباب.

стр. 134

الهيئة العلمية وآثارها نرى من تتمة البحث السابق، أن نذيله بكلمات مختصرة جداً في حياة بعض الأفراد الذين كانوا قوام الحركة العالمية في هذا العصر، فنحيي ذكرياتهم، ونتعرف أحوالهم ولو بصفة إجمالية، ونضيف إلى ذلك جريدة بأسماء الكتب المؤلفة فيه، في مختلف العلوم والفنون، فنحيط علماً بالمجهودات الطائلة التي بذلها أسلافنا ﵏ في خدمة العلم، ونتصور الحركة العلمية الموحدة على حقيقتها، حتى لا نبقى متشوفين بعد ذلك إلى زيادة بيان. أبو القاسم الجزيري علي بن يحيى بن القاسم الصنهاجي، يكنى أبا القاسم وأبا الحسن ، أصله من بلاد الريف ونزل الجزيرة الخضراء فنسب إليها. كان فقيهاً متمكناً يشتغل بالتدريس وعقد الشروط، ثم ولي قضاء الجزيرة، وكان متواضعاً كثير الأوراد صاحب علم وعمل. وله في الشروط مختصر مفيد جداً سماه بالمقصد المحمود في تلخيص العقود، كثر استعمال الناس له لجودته ودلالته على معرفته، قاله ابن الأبار. وهو من مصادر تحفة الحكام لابن عاصم، كما صرح بذلك في خطبتها. وتوفي في الجزيرة في شهر ربيع الأول سنة ٥? ٥ وهو ابن ٦٠ سنة. أبو محمد صالح فقيه فاس وصالحها، أبو محمد صالح بن جنون الهسكوري المضروب مثلاً بين الفقهاء العدل المبرز. وهو الفائق في العدالة بمعنى الشهادة؛ لجمعه بين المعرفة والنزاهة. ولذلك يختص بأحكام عن بقية العدول أي الشهود، وأول من ضربه

стр. 135

مثلاً لذلك ابن عرفة الفقيه المشهور. أخذ المترجم عن الشيخ أبي محمد يشكر فقيه فاس قبله وأخذ عنه الفقيه أبو الفضل راشد الوليدي صاحب كتاب «الحلال والحرام» والشيخ أبو إبراهيم الأعرج صاحب «الطرر على المدونة» وله تقييد على الرسالة كتب من إملائه في درسه لها. وتوفي سنة ٦٥٣ وهو غير أبي محمد صالح صاحب الطريقة الصوفية التي جعلت من أهم أغراضها الحج إلى بيت الله الحرام. نعم إنهما كانا متعاصرين، والأول فأسي، والثاني آسفي. عبدالجليل القصري أبو محمد عبد الجليل بن موسى بن عبد الجليل الأوسي الأنصاري من أهل القصر الكبير ، وبالنسبة إليه شهر، روي عن ابن حنين أخذ عنه الموطأ بفاس ولازم أبا الحسن بن غالب بالقصر الكبير، وحدث بكتاب اليقين من تأليفه، كما روي عن غيرهما, وألف كتاب تفسير القرآن وشعب الإيمان وشرح الأسماء الحسني والأسئلة والأجوبة، وفسر مشكل الكتاب والسنة في سفر ومط وغير ذلك. وتآليفه كلها جليلة مفيدة في بابها لم يسبق إليها، وكلامه في طريق التصوف سهل محرر مضبوط بظواهر الكتاب والسنة، قاله ابن الزبير، وكانت له مشاركة في علوم شتي، وتصرف في الأدب واللغة والنحو وغير ذلك، ورزق من علاء الصيت وجميل الذكر ما لم يرزقه كثير من الناس، وتوفي ﵀ بسبتة سنة ٦٠٨. المزدغي هو أبو الحجاج يوسف بن عمران المزدغي الفاسي ، أحد الفقهاء الأعلام. أخذ بفاس عن أبي ذر الخشني وأبي محمد بن ريدان، ولقي بتلمسان الفقيه أبا عبد الله بن عبد الرحمن التشجيبي؛ فأخذ عنه وأجاز له. ورحل إلى الأندلس فقرأ بقرطبة وإشبيلية على جلة أشياخها، وكان عالماً بالنحو واللغة والبديع، ذاكراً التاريخ والآداب، ينص كتاب زهر الآداب وكتاب الأمالي ومقامات الحريري وكتب السير نصاً

стр. 136

واقتصر على إقراء الحديث والتفسير فكان إماماً فيهما، وله تفسير جليل وصل به إلى سورة تبارك الملك وهو من أبدع التفاسير. وله تآليف مفيدة في فنون شتى، منها كتاب الفرق بين الأغنياء المغنيين والفقراء المضطرين، وما يجب في ذلك على الولاة الآمرين وعلى جميع المسلمين، وهو فيما يجب للفقراء في أموال الأغنياء، وكتاب في الوباء وضعه على حديث «إذا نزل الوباء الخ». وعقيدة وشرح الأحكام، وأرجوزة في علم الأصول مفيدة قريبة المرام أولها: الحمد لله العلي الأعلى ... رب العوالي والعلا والسفلى وملك الدنيا ويوم الدين ... ومبدع الخلق بلا معين أحمده حمداً يوازي فضله ... فليس شيء في الوجود مثله ولد سنة ٥٧٧ وتوفي سنة ٦٥٥. محمد بن قاسم التميمي من أهل فاس يكنى أبا عبد الله، سمع من ابن حنين وغيره ، ورحل إلى المشرق رحلة حافلة، أقام فيها خمسة عشر عاماً، ولقي نحواً من مائة شيخ أكثر من الرواية عنهم وتوسع في السماع منهم، وأجاز له بعضهم. ومن أعلامهم أبو طاهر السلفي وأبو عبدالله الحضرمي وأبو محمد بن بري وأبو القاسم البوصيري وسواهم. وجمع في ذلك فهرسة كبيرة سماها بالنجوم المشرقة في ذكر من أخذت عنه من كل ثبت وثيقة، واختصر منها جزءاً اقتصر فيه على مسموعه من أكثرهم دون استيفاء أسمائهم، ومن مصنفاته أدب المريد ورسالة الحنين إلى الأوطان، واللمعة في ذكر أزواج النبي ﷺ وأولاده السبعة والإنابة في ذكر طريق أهل الاستجابة، والمستفاد من مناقب العباد والزهاد بمدينة فاس وما يليها من البلاد وغير ذلك. وكان من رجال الحديث والمعرفة بتراجم الرجال، ومن أهل التصوف والصلاح، وحدث بالمشرق والمغرب. وممن أخذ عنه ابن الكردبوس وابن عربي وتوفي ببلده في حدود سنة ٦٠٤.

стр. 137

ابن القطان هو المحدث الحافظ النظار أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الملك بن يحيى بن إبراهيم الكتامي الحميري الفاسي المعروف بابن القطان . سمع أبا عبد الله بن الفخار فأكثر عنه وأبا الحسن بن النقرات وأبا جعفر بن يحيى الخطيب وأبا ذر الحمشني وجماعة. وكان من أبصر الناس بصناعة الحديث وأحفظهم لأسماء رجاله، وأشدهم عناية بالرواية مع تفنن ومعرفة ودراية، جمع برنامج مفيدة في شيوخه، نقل منه ابن الأبار في التكملة، ورأس طلبة العلم بمراكش، ونال دنيا عريضة بخدمة السلطان. وله تآليف منها كتاب النزع في القياس، في أبطال القياس، وكتاب الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام لعبد الحق الإشبيلي، ومختصر النظر في أحكام النظر، ومقالة في المكاييل والأوزان. وتوفي بسجلماسة وهو قاضيها في شهر ربيع الأول سنة ٦٢٨. عثمان السلالجي هو الشيخ المتكلم النظار أبو عمرو عثمان بن عبد الله بن عيسى، ويقال عسلوج القيسي الفاسي، عرف بالسلالجي نسبة إلى جبل سليلجو بقرب مدينة فاس ، كان راسخ القدم في علم الاعتقاد على مذهب الإمام الأشعري، وكان المغرب في أيام طلبه لا يزال يعتق مذهب السلف في العقيدة، وصادف ظهور الموحدين ودعوتهم إلى المذهب الأشعري فتكبد المشاق في طلب هذا العلم. ثم جاهد جهاد الأبطال في سبيل نشره وتعميمه بين الناس ومن ثم قيل إنه هو الذي أنقذ أهل فاس من التجسيم أي من اتباع مذهب السلف الذي كان الموحدون يسمون اتباعه مجسمين، نكاية بأعدائهم المرابطين الذين كانوا على هذا المذهب. وقد أراد رجال الدولة الجديدة تقريبه وإلحاقه بحاشيتهم فعزف عن ذلك، وانقطع إلى بث العلم، مخلصاً النية في ذلك لله ، مجنباً نفسه التورط فيها كانوا يدعون إليه من البدعة، وينتحلونه من مذاهبها. أخذ عن محمد بن عيسى التادلي وأبي الحسن بن حرزهم

стр. 138

ومحمد بن الرامة وغيرهم من شيوخ فاس، وأتقن علم العقائد على ابن الإشبيلي وألف عقيدته البرهانية لامرأة صالحة كانت بفاس تسمى خيرونة وهي في صفحات وتوفي بفاس سنة ٥٧٤ هـ. ابن الكتاني هو العلامة المتكلم، الأصولي الأديب أبو عبدالله محمد بن عبد الكريم الفندلاوي الفاسي يعرف بابن الكتاني . قال ابن الابار: كان إماماً في علم الكلام وأصول الفقه، مدرساً لذلك حياته كلها، وكان له حظ من الأدب، وله رجز في أصول الفقه، أخذ عنه وسمع منه. وروى عنه جماعة منهم أبو محمد الناميسي وأبو الحسن الشاري، وقال: أخذت عنه جملة وافرة من إرشاد أبي المعالي وتلخيصه تفهماً، وسمعت عليه رجزه. وله أيضاً كتاب تفسير الأكيال والأوزان نقل عنه بعض شراح الرسالة. وهو ممن أخذ عن الإمام السلالجي، وتوفي في ذي الحجة سنة ٥٩٦. أبو العباس السبتي أحمد بن جعفر الخزرجي أحد كبار المتصوفة ومشاهيرهم الأخذ بمذهب غريب في الدين، مولده في سبتة بلده سنة ٥٢٤ واستوطن مراكش وبها توفي سنة ٦٠١. كان مذهبه ألا يترك لنفسه ناضاً من المال إلا قدر ما يقوته وعياله في يومه، وباقيه يتصدق به. وكان يرى أن أهل الجمال من النساء الفقيرات تجب الصدقة عليهن مخافة فسادهن، وأن القبيحات لا يتصدق عليهن حتى يستغني الملاح، وكان يرى أن الرجل اذا اعتل في جسده عضو يتصدق بديته ويبرأ. فهو أول اشتراكي وضع للاشتراكية مبادئ وقوانين كما ترى. وحدث أبو القاسم عبد الرحمن ابن إبراهيم الخزرجي قال: بعثني أبو الوليد بن رشد من قرطبة وقال لي: إذا رأيت أبا العباس السبتي بمراكش فانظر مذهبه واعلمني به. قال فجلست مع السبتي كثيراً

стр. 139

إلى أن حصلت مذهبه فأعلمته به، فقال لي أبو الوليد: هذا رجل مذهبه أن الوجود ينفعل بالجود. وكان فصيح اللسان قادراً على الكلام، لا يناظره أحد إلا أفحمه، حتى كأن مواقع الحجج من الكتاب والسنة موضوعة على طرف لسانه، وكان مع ذلك حليماً صبوراً عطوفاً يحسن إلى من يؤذيه، ويحلم عمن يسفه عليه، براً باليتامى والمساكين، رحيماً بهم، يجلس حيث أمكنه الجلوس من الأسواق والطرقات، ويحض الناس على الصدقة ويأتي بما جاء في فضلها من الآيات والآثار فتنهال عليه من كل جانب فيفرقها على المساكين وينصرف. وكان ناسكاً متعبداً ورده القرآن يتلوه آناء الليل وأطراف النهار. وقد اتخذه أنيساً وسميراً واستخرج منه من دقائق العلوم ولطائف الإشارات في المجاهدة ورياضة النفس شيئاً عجيباً. وبالجملة فهو رجل من أعاجيب الدنيا، وترجمته أوسع من هذا. عبدالسلام بن مشيش هو الشيخ العارف الكامل أبو محمد عبد السلام بن مشيش بن أبي بكر بن علي بن حرمة بن عيسى بن سلام بن المزوار بن حيدرة بن محمد بن إدريس بن إدريس بن عبدالله الكامل ابن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب ، كعبة العلم المنيف، ونبعة النسب الشريف. بيد أنه لم يعتمد غير العمل الصالح، وسلوك المنهج الواضح، قائلاً في صلاته المشهورة الآتية: اللهم ألحقني بنسبه، . وحققني بحسبه. وقد سأله رجل أن يوظف عليه وظائف وأوراداً يعمل بها فقال: أرسول أنا؟ الفرائض مشهورة، والمحرمات معلومة، فكن للفرائض حافظاً، وللمعاصي رافضاً، واحفظ نفسك من إرادة الدنيا وحب النساء وحب الجاه وإيثار الشهوات، واقنع من ذلك بما قسم الله لك، إذا خرج لك مخرج الراضي فكن له شاكراً، وإذا خرج لك مخرج السخط فكن عليه صابراً. ورفض الدنيا قطب تدور عليه الخيرات، وأصل جامع لأنواع الكرامات، وحصون ذلك كله أربعة: الورع وحسن النية وإخلاص العمل ومحبة العلم. ولا تتم له هذه الجملة إلا بصحبة أخ صالح، أو شيخ ناصح. وكلامه

стр. 140

رحمه الله كله من هذا القبيل، ويكفيك أنه بمثل هذه الدروس الجامعة تخرج عليه الشيخ أبو الحسن الشاذلي مؤسس الطريقة الشاذلية المنتشرة في العالم الإسلامي، فهو أحد أقطاب التصوف الذين عليهم المدار. توفي ﵀ شهيداً حوالي ٦٢٥ قتله بجبل العلم قوم بعثهم لقتله ابن أبي الطواجين الكتامي الساحر المتنبي. فدفن بقية الجبل المذكور. أبو موسى الجزولي عيسى بن عبد العزيز بن يللبخت بن عيسى بن يوماريلي اليزدكتي الجزولي المراكشي . كان إماماً في النحو، كثير الاطلاع على دقائقه وغريبه وشاذه، وصنف فيه المقدمة التي سماها بالقانون فأتي فيها بالعجب العجاب. وهي في غاية الإيجاز مع الاشتمال على شيء كثير من النحو، ولم يسبق إلى مثلها، واعتني بها جماعة من الفضلاء فشرحوها، ومنهم من وضع لها أمثلة. ومع هذا كله فلا تفهم حقيقتها، وأكثر النحاة ممن لم يكن أخذوها عن موفق يعترفون بقصور أفهامهم عن إدراك مراده منها. فإنها كلها رموز وإشارات، هذا ما يقوله ابن خلكان عنها، قال: ولقد سمعت من بعض أئمة العربية المشار إليه في وقته: «أنا ما أعرف هذه المقدمة وما يلزم من كوني ما أعرفها أن لا أعرف النحو». وفي هذا الكلام مبالغة لعل الحامل عليها هو هذه الصياغة المنطقية التي صيغت بها المقدمة من الحدود والتعاريف والقضايا الكلية التي تنطبق على الأحكام الجزئية مع خلوها من الأمثلة والشواهد التي توضح المعنى المراد، فجاءت بذلك مركزة تركيزاً يجمع زبدة النحو ومهماته في ألفاظ قليلة، ومن ثم قال فيها مجد الدين بن ظهير الإربلي منوهاً بهذه الظاهرة التي كانت سبب التحامل عليها من هؤلاء: مقدمة في النحو ذات نتيجة ... تناهت فأغتت عن مقدمة أخرى حبانا بها بحر من العلم زاخر ... ولا عجب البحر أن يقذف الدرا وتسمى المقدمة أيضاً بالكرّاسة والقانون والاعتماد.

стр. 141

سافر أبو موسى إلى المشرق فحج ولازم ابن بري بمصر، ثم عاد فتصدر للإقراء ببجاية والمرية، وأخذ عنه جماعة منهم الشلوبين و ابن معط . وكان قارئاً حافظاً جيد التفهيم حسن العبارة. ولي خطابة مراكش وله أمال في النحو، ومختصر الفسر لابن جني في شرح ديوان المتنبي، وشرح أصول ابن السراج وغير ذلك. وتوفي سنة ٦٠٧ بمراكش ﵀. ابن معط هو الإمام زين الدين أبو زكريا يحيى بن معط بن عبد النور الزواوي القبيلة المغربي الأصل والنشأة الجزولي البلد . اشتغل بالعربية على أبي موسى المتقدم فتمهر فيها وكان مبرزاً في علم الأدب، قادراً على النظم للعلوم. ورحل إلى بلاد مصر فلقي المشايخ، وباحث العلماء وناظرهم. ثم انتقل إلى دمشق وسكن بها طويلاً، وولاه الملك المعظم النظر في مصالح المساجد وفي ذلك الوقت نظم الفيته في النحو التي عمل ابن مالك على مثالها الفيته المشهورة. ولما توفي الملك المعظم نقله الملك الكامل إلى مصر؛ فتصدر بالجامع العتيق لإقراء الأدب، وله غير الألفية نظم في العروض ونظم جمهرة ابن دريد في اللغة. وشرع في نظم كتاب الصحاح للجوهري فمات قبل إكماله. كانت ولادته سنة ٥٦٤ وتوفي سنة ٦٢٨ ﵀. إبنا دحيه هما الشيخان المحدثان الحافظان اللغويان الأديان أبو عمرو عثمان وأبو الخطاب عمر ابنا الحسن بن علي بن محمد الجميل بالتصغير، وبه كانا يعرفان أولاً؛ فيقال لكل منها ابن الجميل، ثم عرفا بعد بابني دحية لانتسابها إلى دحية الكلبي الصحابي الجليل، وأصلها من مدينة سبتة. كانا علمين شهيرين في حفظ الحديث والمعرفة بعلم اللغة وأيام العرب وأشعارها، والنحو والتاريخ وغير ذلك، أخذا ببلاد المغرب وإفريقية والأندلس عن مشايخها المعروفين، وانفرد أبو الخطاب بالتجول في بلاد المشرق؛ فدخل

стр. 142

الشام والعراق وخراسان وما والاها، وأكثر من السماع وأخذ عنه الناس كذلك. ومرت في طريقه إلى خراسان بمدينة إربل؛ فوجد ملكها مظفر الدين التركماني مولعاً بعمل المولد النبوي فألف له كتاب «التنوير في مولد السراج المنير». واستقر هو وأخوه بمصر، وكان لصاحبها الملك الكامل بن أيوب عناية كبيرة بها، وبنى لأبي الخطاب دار الحديث الكاملية بالقاهرة ثم سلمها لأخيه أبي عمرو، وكانا يميلان إلى النظر والاجتهاد وربما نسباً إلى الظاهرية، ولأبي الخطاب تآليف مفيدة مضت الإشارة إلى بعضها ويأتي ذكرها جميعاً في نهاية هذا الفصل، وتوفي أبو الخطاب في سنة ٦٣٣ وأخوه أبو عمر وبعده بسنة. عبد الواحد المراكشي هو عبد الواحد بن علي التميمي، مؤرخ دولة الموحدين . ولد بمراكش سنة ٥٨١ وأخذ بفاس والأندلس عن جماعة من العلماء، وعني بالأدب واللغة فكان طوداً راسخاً في فنونها. وله قلم بارع في الإنشاء، وطبع سائل في الشعر، وكان حلو النادرة، عذب الفكاهة، لطيف المحضر، رقيق الحاشية. خدم الأمير إبراهيم بن يعقوب المنصور أيام ولايته على إشبيلية فنال عنده حظوة كبيرة، وامتدحه بقصائد فذة كان يجزل له عليها العطايا والهبات. ثم سافر إلى مصر سنة ٦١٣ وفيها ألف كتابه المعجب في تلخيص أخبار المغرب جمع فيه بين تاريخ الأندلس والمغرب السياسي والأدبي من لدن فتح الأندلس إلى سنة ٦٢١ أي إلى مدة خلافة يوسف بن محمد الناصر الموحدي، يستعرض أهم حوادث السياسة وأحسن صور الحضارة في كل عصر، ثم لا يلبث أن يسرقه طبعه، فيستطرد مواضع أدبية لها قيمتها في معرفة الحياة الفكرية في ذلك العصر، وذلك كله بأسلوب رصين متزن، لا تشوبه ركاكة ولا تشويش، مع تحري الصدق وتوخي الإنصاف كما قال: «ولم أثبت في هذه الأوراق المحتوية على دولة المصامدة وغيرها إلا ما حققته نقلاً من كتاب، أو سماعاً من ثقة عدل، أو مشاهدة بنفسي؛ هذا بعد أن تحريت الصدق وتوخيت الإنصاف في ذلك كله، وجهدت ألا انقص

стр. 143

أحداً ذرة مما له، ولا أزيده خرذلة مما لا يستحقه، ولذلك فإن هذا الكتاب يعد من أوثق المصادر في تاريخ هذا العصر. ابن فرتون أبو العباس أحمد بن يوسف السلمي الفاسي المعروف بابن فرتون . هو أحد أعلام الرواية والتاريخ، أخذ ببلده فاس عن أبي ذر الخشني، وأبي القاسم عبد الرحيم ابن الملجوم، وابن عمه عبد الرحمن، وأبي محمد بن حوط الله، وأبي القاسم بن زانيق وعدد غيرهم. وانتقل من بلده إلى سبتة فأخذ بها عن عالم كثير من أهلها ومن الواردين عليها، ودخل الأندلس فأخذ بالجزيرة الخضراء ومالقة عن أهلها. ولما كان بحصن بليش من شرقي مالقة، عرض له ما أوجب رجوعه إلى سبتة فبقي بها ولم يخرج عنها إلى حين وفاته، واجتمع له سماع جم، وكتب بخطه كثيراً وقيد واعتني غاية الاعتناء حتى كان آخر المكثرين. وكان ذاكراً للرجال والتواريخ، ولكثير من متون الأحاديث وقسط صالح من الجرح والتعديل وطبقات الناس، وألف برنامج ضمنه ما رواه، وألف الاستدراك على كتاب السهيلي المسمى بالتعريف والإعلام، كما ألف كتابه الذيل على صلة ابن بشكوال؛ فكان أول من فتح باب التذييل عليها الذي تبعه فيه ابن الزبير وهو تلميذه بكتاب صلة الصلة، وابن عبد الملك المراكشي بكتاب الذيل والتكملة، وابن الأبار بكتاب التكملة الخ. وكان كتاب ابن فرتون مادة لجميعهم، وعاش ابن فرتون زاهداً ورعاً، ما أعتر بغير دينه، ولا تصدى لأحد من أهل الدنيا ولا تعرض لخطة ولا غيرها. وتوفي في ٢٦ شعبان سنة ٦٦٦. الادريسي هو العلامة الجغرافي الشهير، أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الله بن إدريس، كان جده إدريس من ملوك الحموديين بالأندلس ، ومات سنة ٤٤٤ قبل إخراج الحموديين

стр. 144

من مالقة وإضافة مملكتهم إلى غرناطة. أما هو فولد بسبتة بلده، ولعل سلفه كانوا انتقلوا إليها بعد سقوط دولتهم. خرج الإدريسي سائحاً في شمال إفريقيا وأسيا الصغرى والأندلس، ثم استدعاه روجار الثاني ملك صقلية فقدم عنده ففرح به وأكرم نزوله. وفي صقلية ألف كتابه «نزهة المشتاق في معرفه الآفاق» وصنع كرة سماوية ودائرة أرضية كلاهما من الفضة واستعمل في ذلك ثلث الفضة التي أعطاها له الملك، ولما أتم العمل فيها زاده الملك مائة ألف درهم وشيئاً كثيراً من التحف. وألف أيضاً «روض الأنس ونزهة النفس» برسم غليوم الأول ولد روجار، وهو أطول من نزهة المشتاق. وذكر أبو الفداء هذا الكتاب ولكنه سماه كتاب الممالك، وله أيضاً كتاب «الأدوية المفردة» وذكره ابن سعيد، وانتفع منه ابن البيطار. وقد نقلت قطع من كتاب نزهة المشتاق إلى لغات أوربا. وتوفي الإدريسي حوالي ٥٦? ﵀. أبو الحسن المسفر هو الشيخ الحكيم أبو الحسن علي بن خليل المسفر السبتي، عرف بلقب المسفر الذي يعني أنه من أهل صناعة تفسير الكتب. وربما كان من آل المسفر الأشراف الحسينيين المعروفين بفاس. ذكره ابن عربي الحاتمي في كتاب «محاضرات الأبرار» وقال فيه: كان هذا الشيخ جليل القدر حكيماً، عارفاً غامضاً في الناس، محمود الذكر. رأيته بسبتة، له تصانيف، منها: منهاج العابدين الذي يعزي لأبي حامد الغزالي وليس له، وإنما هو من مصنفات هذا الشيخ، وكذلك كتاب النفخ والتسوية الذي يعزى إلى أبي حامد أيضاً وتسمية العامة «المضنون الصغير»، ولهذا الشيخ أيضاً القصيدة المشهورة: «قل لإخوان رأوني ميتاً. . .» وتأتي في المنتخبات. ولا شك أن هذا الشيخ كان من فلاسفة العصر النازعين إلى التصوف، سالكاً في ذلك مسلك أبي حامد الغزالي وكتبه المذكورة تدل على ذلك، إلا أنه لم يتحامل على الفلسفة والفلاسفة تحامل أبي حامد، وقد لقيه الشيخ محي الدين بن عربي وتذاكر معه وهو في سن الشيخوخة، فهو على ما يظهر لم يتجاوز المائة السادسة.

стр. 145

ابن الياسمين أبو محمد عبد الله بن محمد بن حجاج، من أهل مدينة فاس ، وأصله من بني حجاج أهل قلعة فندلاوة. رياضي برع في عدة علوم المنطق والهندسة والتنجيم والهيئة، وخاصة الحساب والعدد؛ فكان لا يدرك شأوه فيهما، ولا ينازع في الاختصاص بمعرفة دقائقها وغوامض مسائلهما. وله أيضاً القدم الراسخ في علوم الأدب والباع الطويل في نظم الشعر، أخذ علم العدد عن أبي عبدالله بن قاسم، وكان من خدام يعقوب المنصور ثم ولده الناصر من بعده، فحصلت له رياسة كبيرة وبلغ منزلة نفسها عليه أعداؤه، له أرجوزة في الجبر قرئت عليه وسمعت منه بإشبيلية سنة ٥٨٧ وله غيرها، توفي ذبيحاً بمراكش سنة ٦٠١ ﵀. الحسن المراكشي هو العالم الرياضي الشهير، أبو علي الحسن بن علي المراكشي مؤلف كتاب (المبادي والغايات في علم الميقات) الذي يقول فيه صاحب كشف الظنون أنه أعظم ما صنف في هذا الفن، وذكر أنه رتبه على أربعة فنون: ? - في الحسابيات وهو يشتمل على سبعة وثمانين فصلاً، ? - في وضع الآلات وهو يشتمل على سبعة أقسام، ? - في العمل بالآلات وهو يشتمل على خمسة عشر باباً، ٤ - في مطارحات يحصل بها الدربة والقوة على الاستنباط، وهو يشتمل على أربعة أبواب، في كل باب منها مسائل على طريق الجبر والمقابلة. وعلى هذا الكتاب قامت شهرة المراكشي بين علماء الغرب، واعتبروه من أعظم فلكيي العرب. وقد نقل العلامة سيديو زبدته إلى اللغة الفرنسية، وكذلك نقل البارون كارادفو فصلاً منه يتعلق بالإسطرلاب. والمراكشي كتب أخرى في مباحث رياضية عامة، وكان يعيش في النصف الأول من المائة السابعة.
следующие страницы →