← Указатели

Указатели · id 148529

النبوغ المغربي في الأدب العربي

عبد الله كنون

Полный текст (910 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

سافر أبو موسى إلى المشرق فحج ولازم ابن بري بمصر، ثم عاد فتصدر للإقراء ببجاية والمرية، وأخذ عنه جماعة منهم الشلوبين و ابن معط . وكان قارئاً حافظاً جيد التفهيم حسن العبارة. ولي خطابة مراكش وله أمال في النحو، ومختصر الفسر لابن جني في شرح ديوان المتنبي، وشرح أصول ابن السراج وغير ذلك. وتوفي سنة ٦٠٧ بمراكش ﵀. ابن معط هو الإمام زين الدين أبو زكريا يحيى بن معط بن عبد النور الزواوي القبيلة المغربي الأصل والنشأة الجزولي البلد . اشتغل بالعربية على أبي موسى المتقدم فتمهر فيها وكان مبرزاً في علم الأدب، قادراً على النظم للعلوم. ورحل إلى بلاد مصر فلقي المشايخ، وباحث العلماء وناظرهم. ثم انتقل إلى دمشق وسكن بها طويلاً، وولاه الملك المعظم النظر في مصالح المساجد وفي ذلك الوقت نظم الفيته في النحو التي عمل ابن مالك على مثالها الفيته المشهورة. ولما توفي الملك المعظم نقله الملك الكامل إلى مصر؛ فتصدر بالجامع العتيق لإقراء الأدب، وله غير الألفية نظم في العروض ونظم جمهرة ابن دريد في اللغة. وشرع في نظم كتاب الصحاح للجوهري فمات قبل إكماله. كانت ولادته سنة ٥٦٤ وتوفي سنة ٦٢٨ ﵀. إبنا دحيه هما الشيخان المحدثان الحافظان اللغويان الأديان أبو عمرو عثمان وأبو الخطاب عمر ابنا الحسن بن علي بن محمد الجميل بالتصغير، وبه كانا يعرفان أولاً؛ فيقال لكل منها ابن الجميل، ثم عرفا بعد بابني دحية لانتسابها إلى دحية الكلبي الصحابي الجليل، وأصلها من مدينة سبتة. كانا علمين شهيرين في حفظ الحديث والمعرفة بعلم اللغة وأيام العرب وأشعارها، والنحو والتاريخ وغير ذلك، أخذا ببلاد المغرب وإفريقية والأندلس عن مشايخها المعروفين، وانفرد أبو الخطاب بالتجول في بلاد المشرق؛ فدخل

стр. 142

الشام والعراق وخراسان وما والاها، وأكثر من السماع وأخذ عنه الناس كذلك. ومرت في طريقه إلى خراسان بمدينة إربل؛ فوجد ملكها مظفر الدين التركماني مولعاً بعمل المولد النبوي فألف له كتاب «التنوير في مولد السراج المنير». واستقر هو وأخوه بمصر، وكان لصاحبها الملك الكامل بن أيوب عناية كبيرة بها، وبنى لأبي الخطاب دار الحديث الكاملية بالقاهرة ثم سلمها لأخيه أبي عمرو، وكانا يميلان إلى النظر والاجتهاد وربما نسباً إلى الظاهرية، ولأبي الخطاب تآليف مفيدة مضت الإشارة إلى بعضها ويأتي ذكرها جميعاً في نهاية هذا الفصل، وتوفي أبو الخطاب في سنة ٦٣٣ وأخوه أبو عمر وبعده بسنة. عبد الواحد المراكشي هو عبد الواحد بن علي التميمي، مؤرخ دولة الموحدين . ولد بمراكش سنة ٥٨١ وأخذ بفاس والأندلس عن جماعة من العلماء، وعني بالأدب واللغة فكان طوداً راسخاً في فنونها. وله قلم بارع في الإنشاء، وطبع سائل في الشعر، وكان حلو النادرة، عذب الفكاهة، لطيف المحضر، رقيق الحاشية. خدم الأمير إبراهيم بن يعقوب المنصور أيام ولايته على إشبيلية فنال عنده حظوة كبيرة، وامتدحه بقصائد فذة كان يجزل له عليها العطايا والهبات. ثم سافر إلى مصر سنة ٦١٣ وفيها ألف كتابه المعجب في تلخيص أخبار المغرب جمع فيه بين تاريخ الأندلس والمغرب السياسي والأدبي من لدن فتح الأندلس إلى سنة ٦٢١ أي إلى مدة خلافة يوسف بن محمد الناصر الموحدي، يستعرض أهم حوادث السياسة وأحسن صور الحضارة في كل عصر، ثم لا يلبث أن يسرقه طبعه، فيستطرد مواضع أدبية لها قيمتها في معرفة الحياة الفكرية في ذلك العصر، وذلك كله بأسلوب رصين متزن، لا تشوبه ركاكة ولا تشويش، مع تحري الصدق وتوخي الإنصاف كما قال: «ولم أثبت في هذه الأوراق المحتوية على دولة المصامدة وغيرها إلا ما حققته نقلاً من كتاب، أو سماعاً من ثقة عدل، أو مشاهدة بنفسي؛ هذا بعد أن تحريت الصدق وتوخيت الإنصاف في ذلك كله، وجهدت ألا انقص

стр. 143

أحداً ذرة مما له، ولا أزيده خرذلة مما لا يستحقه، ولذلك فإن هذا الكتاب يعد من أوثق المصادر في تاريخ هذا العصر. ابن فرتون أبو العباس أحمد بن يوسف السلمي الفاسي المعروف بابن فرتون . هو أحد أعلام الرواية والتاريخ، أخذ ببلده فاس عن أبي ذر الخشني، وأبي القاسم عبد الرحيم ابن الملجوم، وابن عمه عبد الرحمن، وأبي محمد بن حوط الله، وأبي القاسم بن زانيق وعدد غيرهم. وانتقل من بلده إلى سبتة فأخذ بها عن عالم كثير من أهلها ومن الواردين عليها، ودخل الأندلس فأخذ بالجزيرة الخضراء ومالقة عن أهلها. ولما كان بحصن بليش من شرقي مالقة، عرض له ما أوجب رجوعه إلى سبتة فبقي بها ولم يخرج عنها إلى حين وفاته، واجتمع له سماع جم، وكتب بخطه كثيراً وقيد واعتني غاية الاعتناء حتى كان آخر المكثرين. وكان ذاكراً للرجال والتواريخ، ولكثير من متون الأحاديث وقسط صالح من الجرح والتعديل وطبقات الناس، وألف برنامج ضمنه ما رواه، وألف الاستدراك على كتاب السهيلي المسمى بالتعريف والإعلام، كما ألف كتابه الذيل على صلة ابن بشكوال؛ فكان أول من فتح باب التذييل عليها الذي تبعه فيه ابن الزبير وهو تلميذه بكتاب صلة الصلة، وابن عبد الملك المراكشي بكتاب الذيل والتكملة، وابن الأبار بكتاب التكملة الخ. وكان كتاب ابن فرتون مادة لجميعهم، وعاش ابن فرتون زاهداً ورعاً، ما أعتر بغير دينه، ولا تصدى لأحد من أهل الدنيا ولا تعرض لخطة ولا غيرها. وتوفي في ٢٦ شعبان سنة ٦٦٦. الادريسي هو العلامة الجغرافي الشهير، أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الله بن إدريس، كان جده إدريس من ملوك الحموديين بالأندلس ، ومات سنة ٤٤٤ قبل إخراج الحموديين

стр. 144

من مالقة وإضافة مملكتهم إلى غرناطة. أما هو فولد بسبتة بلده، ولعل سلفه كانوا انتقلوا إليها بعد سقوط دولتهم. خرج الإدريسي سائحاً في شمال إفريقيا وأسيا الصغرى والأندلس، ثم استدعاه روجار الثاني ملك صقلية فقدم عنده ففرح به وأكرم نزوله. وفي صقلية ألف كتابه «نزهة المشتاق في معرفه الآفاق» وصنع كرة سماوية ودائرة أرضية كلاهما من الفضة واستعمل في ذلك ثلث الفضة التي أعطاها له الملك، ولما أتم العمل فيها زاده الملك مائة ألف درهم وشيئاً كثيراً من التحف. وألف أيضاً «روض الأنس ونزهة النفس» برسم غليوم الأول ولد روجار، وهو أطول من نزهة المشتاق. وذكر أبو الفداء هذا الكتاب ولكنه سماه كتاب الممالك، وله أيضاً كتاب «الأدوية المفردة» وذكره ابن سعيد، وانتفع منه ابن البيطار. وقد نقلت قطع من كتاب نزهة المشتاق إلى لغات أوربا. وتوفي الإدريسي حوالي ٥٦? ﵀. أبو الحسن المسفر هو الشيخ الحكيم أبو الحسن علي بن خليل المسفر السبتي، عرف بلقب المسفر الذي يعني أنه من أهل صناعة تفسير الكتب. وربما كان من آل المسفر الأشراف الحسينيين المعروفين بفاس. ذكره ابن عربي الحاتمي في كتاب «محاضرات الأبرار» وقال فيه: كان هذا الشيخ جليل القدر حكيماً، عارفاً غامضاً في الناس، محمود الذكر. رأيته بسبتة، له تصانيف، منها: منهاج العابدين الذي يعزي لأبي حامد الغزالي وليس له، وإنما هو من مصنفات هذا الشيخ، وكذلك كتاب النفخ والتسوية الذي يعزى إلى أبي حامد أيضاً وتسمية العامة «المضنون الصغير»، ولهذا الشيخ أيضاً القصيدة المشهورة: «قل لإخوان رأوني ميتاً. . .» وتأتي في المنتخبات. ولا شك أن هذا الشيخ كان من فلاسفة العصر النازعين إلى التصوف، سالكاً في ذلك مسلك أبي حامد الغزالي وكتبه المذكورة تدل على ذلك، إلا أنه لم يتحامل على الفلسفة والفلاسفة تحامل أبي حامد، وقد لقيه الشيخ محي الدين بن عربي وتذاكر معه وهو في سن الشيخوخة، فهو على ما يظهر لم يتجاوز المائة السادسة.

стр. 145

ابن الياسمين أبو محمد عبد الله بن محمد بن حجاج، من أهل مدينة فاس ، وأصله من بني حجاج أهل قلعة فندلاوة. رياضي برع في عدة علوم المنطق والهندسة والتنجيم والهيئة، وخاصة الحساب والعدد؛ فكان لا يدرك شأوه فيهما، ولا ينازع في الاختصاص بمعرفة دقائقها وغوامض مسائلهما. وله أيضاً القدم الراسخ في علوم الأدب والباع الطويل في نظم الشعر، أخذ علم العدد عن أبي عبدالله بن قاسم، وكان من خدام يعقوب المنصور ثم ولده الناصر من بعده، فحصلت له رياسة كبيرة وبلغ منزلة نفسها عليه أعداؤه، له أرجوزة في الجبر قرئت عليه وسمعت منه بإشبيلية سنة ٥٨٧ وله غيرها، توفي ذبيحاً بمراكش سنة ٦٠١ ﵀. الحسن المراكشي هو العالم الرياضي الشهير، أبو علي الحسن بن علي المراكشي مؤلف كتاب (المبادي والغايات في علم الميقات) الذي يقول فيه صاحب كشف الظنون أنه أعظم ما صنف في هذا الفن، وذكر أنه رتبه على أربعة فنون: ? - في الحسابيات وهو يشتمل على سبعة وثمانين فصلاً، ? - في وضع الآلات وهو يشتمل على سبعة أقسام، ? - في العمل بالآلات وهو يشتمل على خمسة عشر باباً، ٤ - في مطارحات يحصل بها الدربة والقوة على الاستنباط، وهو يشتمل على أربعة أبواب، في كل باب منها مسائل على طريق الجبر والمقابلة. وعلى هذا الكتاب قامت شهرة المراكشي بين علماء الغرب، واعتبروه من أعظم فلكيي العرب. وقد نقل العلامة سيديو زبدته إلى اللغة الفرنسية، وكذلك نقل البارون كارادفو فصلاً منه يتعلق بالإسطرلاب. والمراكشي كتب أخرى في مباحث رياضية عامة، وكان يعيش في النصف الأول من المائة السابعة.

стр. 146

يوسف بن سمعون أبو الحجاج بن يحيى بن إسحاق الطبيب الرياضي المعروف بابن سمعون ، وهو جده العاشر أو التاسع عرف به ابن القفطي في أخبار الحكماء فقال: هذا كان طبيباً إسرائيلياً من أهل فاس، وكان أبوه بها يعاني بعض الحرف السوقية، وقرأ هو الحكمة ببلده فساد فيها، وعانى العلوم الرياضية وأجادها وكانت حاضرة على ذهنه عند المحاضرة. وقد ارتحل إلى مصر، واجتمع بموسي بن ميمون القرطبي رئيس اليهود بمصر، وقرأ عليه شيئاً وأقام عنده مدة، واجتمع هو وإياه على إصلاح هيئة ابن أفلح الأندلسي وتحريرها. ثم خرج من مصر إلى الشام ونزل حلب، أقام بها مدة وسافر منها تاجراً إلى العراق ودخل الهند وأثرى حاله. ثم ترك السفر وأخذ في التجارة، وقصده الناس للاستفادة منه، فأقرأ جماعة من المقيمين والواردين، وخدم في أطباء الخاص في الدولة الظاهرية بحلب، وكان ذكياً حاد الخاطر، وانعقدت بينه وبين ابن القفطي مودة تحدث عنها هذا في كتابه. توفي سنة ٦٢٣. *** أهم آثارا الأدباء والعلماء في هذا العصر وهذه جريدة بأهم آثار العلماء والأدباء في هذا العصر مما وقفنا على تسميته من كتب ورسائل ودواوين شعرية منسوبة لأصحابها، مع الإشارة إلى وفيات من لم نترجم لهم اختصاراً. كتب التفسير والحديث وتوابعها: تفسير القرآن لابن عبد الجليل القصري، شعب الإيمان له، تنبيه الأنام في مشكل الحديث له، شرح أسماء الله الحسنى له، الناسخ والمنسوخ لأبي الحسن الحصار المتوفى سنة ٦١١. المدارك في وصل مقطوع حديث مالك له، مفتاح اللب المقفل لفهم الكتاب المنزل لأبي الحسن الحرالي المراكشي المتوفى سنة ٦٣٧، تفسير القرآن

стр. 147

للمزدغي، شرح حديث إذا نزل الوباء بأرض له، كتاب الاستدراك والإتمام لكتاب السهيلي المسمى بالتعريف والأعلام بما أبهم في الكتاب العزيز من الأسماء والأعلام لابن فرتون. كتاب النزع في إبطال القياس لابن القطان الفاسي، كتاب الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام لعبد الحق الإشبيلي له، كتاب مختصر النظر في أحكام النظر له. تعقب كتاب الوهم والإيهام لابن القطان لابن المواق المتوفي سنة ٦٤٢، شرح مقدمة صحيح مسلم له، شرح الموطأ له، اختصار الموطأ للمهدي بن تومرت، اختصار مسلم له، كتاب أحكام الطهارة من الحديث له، كتاب تحريم الخمر من الحديث له، كتاب الجهاد له، كتاب الغلول له، الآيات البينات في ذكر ما في أعضاء رسول الله ﷺ من المعجزات لأبي الخطاب بن دحية، نهاية السول في خصائص الرسول له، أنوار المشرقين في تنقيح الصحيحين المشرقين له، شرح أحاديث الشهاب للقضاعي له، العلم المشهور في فضائل الأيام والشهور له، مصنف في رجال الحديث له. كتب الفقه والتصوف: وهج الجمر في تحريم الخمر لأبي الخطاب بن دحية، منهاج التحصيل فيها لأئمة على المدونة من التأويل لأبي الحسن الرجراجي، الطرر على المدونة لأبي إبراهيم الأعرج المتوفى سنة ٥٨٣، حاشية على المدونة لأبي محمد يشكر المتوفى سنة ٥٩٨، حاشية أخرى عليها لراشد الفاسي المتوفي سنة ٦٧٥ كتاب الحلال والحرام له، مجموعة الفتاوي له، شرح الرسالة بالنقل لأبي الحسن المتيوي المتوفى سنة ٦٦٩، تقييد على الرسالة لأبي محمد صالح، مقالة في المكاييل والأوزان الأبن القطان الفاسي. أنوار الإفهام في شرح كتاب الأحكام المزدغي، كتاب الفرق بين الأغنياء المعنيين والفقراء المضطرين له، كتاب الوافي في الفرائض لأبي الحسن الحرالي المراكشي، كتاب المقصد المحمود في تلخيص العقود لأبي القاسم الجزيري، كتاب اليقين لأبي الحسن ابن غالب، منهاج العابدين لأبي الحسن المسفر، كتاب الإنابة إلى طريق أهل الاستجابة لمحمد بن قاسم التميمي، الإيضاح في طريق أهل الصلاح له، كشف أحوال المفتون عن الدنيا والدين له، بستان العابدين له، أدب المريد له، أنوار السرائر وهي الرائية المشهورة في التصوف لأبي العباس الشريشي السنوي المتوفى سنة ٦٤١، الحزب الكبير لأبي الحسن الشاذلي المتوفى سنة ٦٥٦، حزب البحر له.

стр. 148

كتب الكلام والأصول: كتاب أعز ما يطلب للمهدي بن تومرت، العقيدة المرشدة له، التنزهات له، التسبيحان له، الإمامة له، تعاليق في الأصول له، العقيدة البرهانية للسلالجي، عقيدة المزدغي، أرجوزة في الأصول له. أرجوزة في الكلام لأبي الحسن الحصار، شرحها له، أرجوزة في الأصول له، البيان في تنقيح البرهان له. رجز في أصول الفقه لابن الكتاني، كتاب الإيمان التام محمد ﵇ لأبي الحسن الحرالي المراكشي، عصمة الأنبياء لابي الخطاب بن دحية. كتب التراجم والسير برنامج عبد الرحيم بن الملجوم المتوفى سنة ٦٠٣، فهرست أبي الصبر أيوب المتوفى سنة ٦٠٤ برنامج أبي العباس العز في المتوفى سنة ٦٤٩، كتاب الدرة المنظم في مولد النبي المعظم له، فهرس أبي الحسن الشاري المتوفى سنة ٦٤٩ برنامج ابن القطان الفاسي. اختصار المدارك لابن حمادة السبتي، برنامج ابن فرتون، الذيل على صلة ابن بشكوال له، شيوخ الدارقطني لابن المواق. النجوم المشرقة فيمن أخذت عنه من كل ثبت وثقة لمحمد بن قاسم التميمي، مختصره له، اللمعة في ذكر أزواج النبي ﷺ وأولاده السبعة له، المستفاد في مناقب العباد والزهاد بمدينة فاس وما والاها من البلاد له، التنوير في مولد السراج المنير لابي الخطاب بن دحية، سلسلة الذهب في نسب سيد العجم والعرب له، المستوفي من أسماء المصطفى له، الابتهاج في المعراج له، التحقيق في مناقب أبي بكر الصديق له، التشوف إلى رجال التصوف لابن الزيات المتوفي سنة ٦٢٨. كتب التاريخ والجغرافية المعجب في تلخيص أخبار المغرب لعبد الواحد المراكشي، كتاب أبي بكر بن علي الصنهاجي المعروف بالبيدق، النبراس في تاريخ خلفاء بني العباس لأبي الخطاب ابن دحية، تاريخ الأمم في أنساب العرب والعجم له، أعلام النصر المبين في المفاضلة بين أهل صفين له، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق الشريف الإدريسي، روض الأنس وبهجة النفس له، أنس المهج وروض الفرج مختصر ما قبله له.

стр. 149

كتب الأدب والدواوين الشعرية مختصر الأغاني للأمير سلمان الموحد، ديوان شعر له، صفوة الأدب وديوان العرب وهي الحماسة المغربية، لأبي العباس الجراوي، ديوان عتيق الفصح المتوفى سنة ٥٩٥، ديوان ابن حبوس، المطرب من أشعار أهل المغرب لأبي الخطاب بن دحية، مجموعة خطب بليغة له، مرج البحرين في فوائد المشرفين والمغربين له، كتاب الأنساب والشعر لابن رقية المتوفى سنة ٦٠٥، البرهان في ذكر حنين النفوس إلى الأحبة والأوطان لمحمد بن قاسم التميمي، شرح مقامات الحريري لابن الزيات. كتب النحو واللغة المقدمة لأبي موسى الجزولي، شرحها له، الأمالي له، شرح أصول ابن السراج له، مختصر الفسر لابن جني في شرح ديوان المتنبي له، الألفية لابن معط، نظم في العروض له، نظم جمهرة ابن دريد له، نظم الصحاح له، شرح الجزولية لأبي العباس الشريشي السلوي، شرح المفصل له، شرح الجمل للزجاجي لأبي القاسم بن الزيات المتوفي سنة ٦٦٥ الصارم الهندي في الرد على الكندي في مسألة من علم العربية لأي الخطاب ابن دحية. كتب حكمية ورياضية: المعقولات الأول لأبي الحسن الحرالي المراكشي، السر المكتوم في مخاطبة النجوم له، تفهيم معاني الحروف له، كتاب الأدوية المفردة للشريف الإدريسي، جامع المبادي والغايات في علم الميقات للحسن المراكشي، كتاب في القطوع المخروطية له، إصلاح هيئة ابن أفلح ليوسف ابن سمعون، أرجوزة الجبر لابن الياسمين، تلقيح الأفكار في العمل بحروف الغبار له. النفخ والتسوية لأبي الحسن المسفر. * * * هذا أقل من كثر مما لم نطلع عليه من المؤلفات الموضوعة في هذا العصر للعلماء المغاربة فقط، دع ما كان يؤلفه برسم الخزانة السلطانية غير المغاربة من علماء الأندلس وإفريقية، وقد رأيت أن كل ما ألفه ابن رشد من الكتب الحكمية كان بطلب يوسف ابن عبد المؤمن. فالمكتبة المغربية في هذا العصر، كانت من أغنى المكاتب بالمؤلفات

стр. 150

النادرة، وزادها غنى ما كان يضعه المؤلفون كل يوم من الكتب المفيدة في مختلف العلوم، فكانت ثروتها لا تزيد على مر الأيام إلا كثرة، وما يمنعها من ذلك والناس في ذلك العصر لم يكونوا يبيعون كتب أسلافهم لأوروبا بأبخس ثمن، بل كانوا يستخلصونها منها بأغلى قيمة، وينافس عامتهم في ذلك خاصتهم، وقد سمعت ما عمله الملك الموحدي يوسف بن عبد المؤمن في هذا الصدد، فاسمع ما عمله أحد أفراد العلماء وهو القاضي عيسى بن أبي حجاج بن الملجوم، وبنو الملجوم من بيوتات فاس القديمة؛ فإنه ابتاع من أبي علي الغساني أصله من سنن أبي داود، الذي سمع فيه على أبي عمر بن عبد البر، وهو أصل أبي عمر، وكان صار إلى أبي علي؛ بخمسة آلاف دينار بعد أن نسخ منه بخطه وقابله وأتقنه. وكان الإمام المجتهد فخر بيته أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن يوسف بن الملجوم المعروف بابن رقية، جماعة للدواوين العتيقة والدفاتر النفيسة؛ فاجتمع لديه ما لم يجتمع عند أحد من أهل المغرب، وكانت خزانته وحيدة في المغرب، بيعت خرمها بعد وفاته بستة آلاف دينار. فحيا الله تلك الهمم، ما كان أعلقها بالمعالي وأطرقها لأبواب الفخار!

стр. 151

الحياة الأدبية نما الأدب المغربي في عهد المرابطين وترعرع، ولكنه لم يقو قوة الأدب الأندلسي ويسيطر على الميدان. على أنه مع ذلك لم يكن ضعيف المادة ولا منحسر الموجة، بل كان ذا روح معنوية قوية تمثل الواقع المغربي في أجلى مظاهره، ذلك الواقع الذي لم يفتأ أن أثر في الأدب الأندلسي نفسه فانتشله من هوة الضعف والابتذال التي كان وقع فيها على ما ألمعنا إليه فيما مضى. فلما قام الموحدون، وقامت معهم تلك النهضة العلمية الأدبية، التي سبق توصيفها، تحول مجرى السفينة الأدبية إلى المغرب، وسيطر عليها الأدباء المغاربة يزجونها بمعرفة وحذق، وتعينهم على ذلك ريح رخاء من لطف تدبير الموحدين وحسن سياستهم. وقد سبق ذكر ما كان لهم من العطف على الأدب والتشجيع لأهله، حتى لقد كان واحدهم يثيب على البيت والبيتين يمدح بها بالألف والألفين، بل كان الآخر يبلغه عن شاعره وقوعه فيه وتعريضه بأصله فيقول أعاقبه بالحلم عنه، وهي نفس الهفوة التي أخذوها على الفيلسوف أبي الوليد بن رشد، فلم يتسامحوا مع العلماء، وتسامحوا مع الشعراء، مما يدل على أن ضلعهم مع الأدب كان كبيراً. وقد رأيت مقام الشعراء من عبد المؤمن في جبل طارق، وكيف كان أول من أنشده في ذلك المقام شاعر فاسي، وكان هو يعقب على قصائد الشعراء بالنقد أو التقريظ، ثم أعيد هذا الموقف، ولكن بأعظم من ذلك مع حفيده يعقوب المنصور لما رجع من غزاة الأرك المشهورة بالأندلس، فورد عليه وفود المهنئين والشعراء من كل ناحية، فكان كل واحد منهم ينشد من قصيدته بيتا أو بيتين لكثرتهم ويترك رقعتها أمامه، فما استتموا الإنشاد حتي حالت رقاع القصائد بينه وبين الناس، وهذا إن ثبت على حقيقته، كان أعظم شاهد على ما بلغته الحياة الأدبية في هذا العصر من النمو والازدهار.

стр. 152

ولكن منشأ النبوغ لم يكن هذا الذي أمعنا إليه من رعاية الموحدين للأدب وتنشيطهم لأهله فقط، وإنما هو متولد من جملة أسباب أخرى، منها النفس على الأندلسيين الذين كانوا قد طلعوا في سماء الأدب بدورة ساطعة، ونجوماً لامعة، وكانوا يغلبون أهل البلاد من المغاربة عند المفاخرة ويطاولونهم حين المنافرة، وتعد المناظرة التي وقعت مجلس والي سبتة الأمير أبي يحيى بن أبي زكرياء في هذا الصدد بين أبي الوليد الشقندي، وأبي يحيى بن المعلم الطنجي من أحسن الأمثلة على ذلك، وقد أمر الأمير كلاً من الأديب الأندلسي والأديب المغربي بكتابة رسالة في تفضيل قطره، غير أن رسالة المغربي لم تحفظ. ومن هذا يعلم أن الخصومة بين أدباء العدوتين، كانت لا تنقطع، والأندلسيون بالطبع كانوا يحجون جيرانهم بما يعدون من نبغاهم الكثيرين. وهذا وحده كاف للمحجوج في الانقطاع إلى الطلب والعكوف على التحصيل. ومنها الطماح إلى الخدمة في دواوين الحكومة وشغل المناصب العالية التي كان أعلاها يومئذ منصب الوزير، وهو في الحقيقة رئيس الكتاب، ونرى من أبناء مراكش البررة من وضع هذه الغاية نصب عينيه، وجهد في الوصول إليها فيما البث أن حصلها بحزمه وعزمه، وذلك هو الوزير أبو جعفر بن عطية. على أن ما يرجح بهذه الأسباب كلها هو عموم الحاجة إلى التثقيف والتهذيب، وقد شعر الناس بهذه الحاجة منذ قيام عبد الله بن ياسين بحركته الإصلاحية، ثم زاد شعورهم بها من حين الانقلاب الذي قام به المهدي بن تومرت. فنتج عن ذلك كله أن تقدمت الحركة العامية إلى الأمام، واتجهت النهضة الأدبية اتجاهاً جديداً يرضي الجماعة الذين كانوا لا يفتئون يناظرون خصومهم من أهل الأندلس في موجبات الفخار. وعلى ذلك فلم تكن الآداب المغربية صورة طبق الأصل للآداب الأندلسية، كما يظنه البعض بل كانت قائمة بنفسها، تعبر عن شعور أهلها ولا تتأثر بالأندلس إلا كما تتأثر بالشام والعراق. فهذا ميمون الخطابي لا تجد من تقارنه في متانة أسلوبه وبلاغة معناه، وعنايته بالحكم الفلسفية إلا المتنبي. وهذا أبو العباس الجراوي لا تشبهه إلا بأبي تمام في اهتمامه باللفظ قبل المعنى، ثم إغرابه في بعض الأحيان حتى تختلف فيه الظنون، ولم يقصر وجه الشبه بينها على هذا الحد فيظهر أن شاعرنا كان يتتبع آثار أبي تمام في كل شيء، حتى ألف حماسته فانتشرت بالمغرب وأغنت عن حماسة أبي تمام. أما الأدب الأندلسي فنجد أثره واضحاً كما نبه عليه المراكشي في ابن حبوس الفاسي

стр. 153

الذي كان يتشبه بابن هانئ، متنبي المغرب، في القصد إلى الألفاظ الرائعة والقعاقع المهولة، وإيثار التقعير، كما نراه من جهة الرقة والانطباع ممثلاً في الوزير ابن عطية الذي يشبه الوزير ابن عمار في كثير من أحواله. والخلاصة أن الأدب المغربي هو غير الأندلسي، وأنه لم يتأثر به إلا نسبياً، لأن الأدباء المغاربة من غير شك كانوا يتعمدون مخالفة طريقة زملائهم الأندلسيين في الشعر والنثر، قصد مقابلة التحدي بمثله. فإن الأندلسيين كانوا يكثرون على المغاربة من تعداد محاسن أدبائهم، وابتكارات شعرائهم، التي بذوا بها غيرهم، كما ترى ذلك في رسالة الشقندي التي مرت الإشارة إليها. ولم يكن لدي من أخذوا أنفسهم بالتأدب لكم الأفواه الصاخبة، بتعجيزهم، إلا أن يقرعوا الحجة بالحجة، ويعارضوا الدليل بالدليل. وهذا غير السرق والتقليد. زيادة على أن هؤلاء، لم يكونوا قد استغرقوا في الحضارة والمدنية، وانغمسوا في الرفاهية والبلهنية كما كان ذلك حال الأندلسيين؛ فكانت تغلب عليهم رقة الطبع ودقة التصوير. بل كانوا لا يزالون أقوياء النفوس، أقوياء الطباع، كما كان الشاب في شعراء المشرق الذين نظرنا بهم وهم عرب أقحاح، تنقلوا في البادية، واعتادوا على خشونتها فغلبت عليهم متانة الأسلوب وجزالة اللفظ. وبناء على هذا، فإننا نستطيع أن نقول إن الأدب المغربي منذ نشأ إلى أن ترعرع، كانت له في الغالب طريقة غير طريقة الأدب الأندلسي، ولا نستشهد على ذلك غير أديب بارع من أدباء الأندلس، بل خاتمة أدبائها، وهو الوزير أبو عبد الله بن زمرك الذي تحدث عن هذا الأدب إلى علم من أعلام الفكر الأندلسي وهو الإمام الشاطبي، بعد رحلة قام بها إلى المملكة المغربية. وهاك ما قاله الشاطبي في كتابه (الإنشادات والإفادات) حسبما رواه المقري في النفح: «أفادني صاحبنا الفقيه الكاتب أبو عبدالله بن زمرك إثر إيابه إلى وطنه من رحلة العدوة في علم البيان فوائد أذكر منها الآن ثلاثاً، (الفقه في اللغة) وهو النظر في مواقع الألفاظ، وأين استعملتها العرب، ومن مثل هذا الوجه - قرم وعام - اذا اشتهى، لكن لا يستعمل قرم إلا مع اللحم، ولا يستعمل عام إلا مع اللبن فتقول عمت إلى اللبن، وكذلك قولهم أصفر فاقع، وأحمر قاني، ولا يقال بالعكس وهذا كبير، (والثانية) تحري الألفاظ البعيدة عن طرفي الغرابة والابتذال، فلا يستدل

стр. 154

بالحوشيى من اللغات، ولا المبتذل في ألسن العامة، (والثالثة) اجتناب كل صيغة تخرج الذهن عن أصل المعنى أو تشوش عليه، إذ المقصود الوصول إلى بيان المعنى إلى أقصاه، والإتيان بما يحصله سريعاً ويمكنه في الذهن، وتحري كل صيغة تمكن المعنى وتحرض السامع على الاستماع، (وأخبرني) أن كتاب المغرب يحافظون في شعرهم وكتابتهم على طريقة العرب، ويذمون ما عداها من طريقة المولدين، وأنها خارجة عن الفصاحة، وهذه المعاني الثلاثة لا توجد إلا فيها». وهذا الكلام إن كان قيل في أدباء العصر المريني فهو بأن يصدق على أدباء هذا العصر أولى؛ لأن هذه الصفات التي ذكرها ابن زمرك تتحقق فيهم أكثر من غيرهم ضرورة أن الثقافة الأدبية، بل الثقافة على العموم كانت في هذا العصر أوسع وأمتن منها في العصر المريني، وأن الروح المعنوية التي تنعكس في أقوال الأدباء، وإنتاج الكتاب لم تبلغ في عصر من عصور المغرب، ما بلغته في هذا العصر من القوة والظهور. ولا يبعد أن يكون ابن زمرك في كلمته تلك قصد الحكم على الأدب المغربي بعامة مما يشمل العصر الموحدي والعصر المريني، سيما وقد بقيت تلك الصفات هي سمة الأدب المغربي إلى العصر الأخير، وأعني به العصر العلوي، حين جاء العلامة الشيخ محمد بيرم التونسي صاحب كتاب «صفوة الاعتبار» فأكد قول ابن زمرك بما لا يخرج عن مضمونه في اللفظ ولا في المعنى. والخلاصة، إن تحري الفصاحة والصدق وطرح التصنع والابتذال كانت وما زالت من أهم ميزات الأدباء المغاربة، وهم لذلك أقرب ما يكون من طريقة العرب وشعراء العصور الأولى من عصور الأدب العربي. ويلوح لنا إننا بلغنا الغاية في تصوير الحياة الأدبية الموحدية على ما وصل إليه علمنا منها، فلنصنع هذه الصورة إطاراً من تراجم الأدباء المذكورين فيها يزيدها على حسنها حسناً.

стр. 155

أبو جعفر بن عطيه هو الكاتب الوزير، أبو جعفر أحمد بن عطية القضاعي المراكشي ، من فتيانها العصاميين الذين تبوأوا ذرى المجد بمحض جدهم واجتهادهم. كتب أولاً عن ملوك لمتونة، ولما أدبرت أيامهم حضر في بعض الفتوحات الموحدية مع أحد قواد عبد المؤمن؛ فكتب عنه إلى عبد المؤمن رسالة بديعة يخبره فيها بالفتح، ويصف كيفية الواقعة؛ فأعجب بها عبد المؤمن وسأل عن منشئها، فأخبر أنه أبو جعفر، فطلبه للكتابة عنده. ثم ترقى به الحال فصار وزيراً. قال في نفح الطيب: «وكانت وزارته زيناً للوقت، وكمالاً للدولة. واشتمل عليه عبد المؤمن فبلغ منه منزلة كثر حساده عليها، فكادوا له حتى أوقع به سنة ٥٥? كما في القرطاس أو ٥٣ كما في المعجب. ويعد أبو جعفر من أكبر الأدباء الذين لهم التصرف التام في الشعر والنثر، وآثاره كلها تتكافأ بلاغة وانسجاماً. ولقد شهد له عبد المؤمن بعد وفاته بعلو كعبه في الأدب، فإنه امتحن الشعراء بهجوه، فلما أسمعوه ما قالوا أعرض عنهم وقال: ذهب ابن عطية وذهب الأدب معه. ابن حبوس هو أبو عبدالله محمد بن حبوس، الفاسي الشاعر النابه المجيد ، قال المراكشي في المعجب: كانت طريقته في الشعر على نحو طريقة محمد بن هانئ الأندلسي في قصد الألفاظ الرائعة، والقعاقع المهولة وإيثار التقعير، وكان في دولة لمتونة مقدماً في الشعراء حتى نقلت إليهم عنه حماقات، فهرب إلى الأندلس وجرى له بها أمور غريبة، وكان حظياً عند عبد المؤمن وابنه يوسف، ونال في أيامها ثروة. وقال ابن الأبار: كان عالماً محققاً، وشاعراً مفلقاً، تقدم في ذلك أهل زمانه، ويوقف على جودة شعره من ديوانه، توفي سنة ٥٧٠ ومولده ببلده سنة ٥٠٠.

стр. 156

سليمان الموحدي هو صاحب السيف والقلم، الأمير أبو الربيع سلمان بن عبدالله بن عبد المؤمن الكومي الموحدي . كان من الكتاب البلغاء والشعراء المجيدين، وهو أديب بني عبد المؤمن ونابغتهم الفذ؛ درج في بيت الرياسة والملك، ولم يمنعه ذلك من الاشتغال بالأدب والأكباب على التحصيل، فنشأ متأدباً أريحياً يتعشق المجد، ويصبو إلى العلى، وما لبث أن قدم إلى ولاية بجاية من قبل ابن عمه الخليفة يعقوب المنصور. ولما ثار بها علي بن غانية، نقل إلى ولاية سجلماسة، وكان في كلتا ولايته كعبة القصاد من أدباء البلاد، يأتونه عاقدي الآمال على الطافه وبره، فيصدرون عنه، وكلهم السنة مدح وثناء عليه. وممن تحدث إلينا عنه من أدباء الشرق التاج ابن حمويه السرخسي قال: اجتمعت بالسيد أبي الربيع حين قدم إلى مراكش بعد وفاة الخليفة يعقوب المنصور لمبايعة ولده محمد الناصر، وكان في تلك المدة يلي مدينة سجلماسة وأعالها فرأيته شيخاً هي المنظر، حسن المخبر، فصيح اللسان باللغتين العربية والبربرية. وقال صاحب المغرب في حقه: لم يكن في بني عبد المؤمن مثله في هذا الشأن الذي نحن بصدده وكان قد تقدم على مملكتي سجلماسة وبجاية، وكان كاتباً شاعراً أديباً ماهراً، وشعره مدون وله ألغاز. له ديوان شعر جمعه كاتبه محمد بن عبد ربه المالقي، وله أيضاً مختصر الأغاني. وتوفي حوالي سنة ٦٠٠. أبو حفص عمر هو القاضي الأديب، أبو حفص بن عمر بن عبد الله بن محمد بن عبدالله بن عمر السلمي من أهل أغمات ، بها ولد وسكن مدينة فاس. روى عن جده لأمه أبي محمد عبدالله ابن علي اللخمي. أجاز له في صغره وعن أبي مروان بن مسرة وأبي عبدالله بن الرمامة، وأخذ عن أبي بكر بن طاهر كتاب سيبويه تفهماً. وكان من أهل

стр. 157

المعرفة والفقه، أديباً شاعراً مجيداً، غلب عليه الأدب حتى عرف به وشهر، مع جودة الخط وبراعة الأدوات. وولي قضاء تلمسان وفاس وإشبيلية، وكان في غاية الظرف، إذا أقبل شمت رائحة الطيب منه على بعد وكان منزله كأنه الجنة، مما جعل أعداءه ينالون منه عند السلطان، ويقولون أنه غير حافظ للناموس الشرعي، بكثرة تغزله واشتهار مقطعاته وانهماكه في العشق، فنقل بسبب ذلك من قضاء فاس إلى قضاء إشبيلية، ولم ينله أدني مكروه لنعلم بديانته وعفشته. وله في المنصور أمداح رائعة، وله موشحات مشهورة، كان يغني بها في الأقطار، كما يقول ابن سعيد المغربي، وشعره كله بديع، ينم عن رقة طبع وسلامة ذوق، وإغراق في الحضارة والمناع. توفي سنة ٦٠٤ إشبيلية. أبو العباس الجراوي هو أبو العباس أحمد بن عبد السلام الجراوي من أهل تادل اً، وسكن مدينة مراكش، الشاعر الخنذ يد الهجاء المقذع، من أبرز الشخصيات الأدبية في دولة الموحدين. خدم بشعره الخليفة عبد المؤمن وابنه يوسف وحفيده يعقوب المنصور، وكان له مع يوسف بالخصوص شأن غير شأنه مع الآخرين؛ فكان يعد شاعر دولته الخاص، وكان لا يبرح مجلسه، ووقعت له معه نوادر غريبة، تدل على رفع مكانته منه، قال ابن خلكان: «وكان هذا الأديب نهاية في حفظ الأشعار القديمة والمحدثة، وتقدم في هذا الشأن، وجالس به عبد المؤمن، ثم ولده يوسف، ثم ولده يعقوب. . . وكانت له نوادر نادرة مستظرفة عند أهل الأدب.» وكان بذي اللسان فاحش الهجاء، هجا قومه وبلده، وكثير من الناس فهو حطيئة عصره غير مدافع، ثم قال ابن خلكان: «وجمع كتاباً يحتوي على فنون الشعر على وضع الحماسة لأبي تمام الطائي وسماه (صفوة الأدب وديوان العرب) وهو كثير الوجود بأيدي الناس، وهو عند أهل المغرب الحماسة عند أهل المشرق. . . وله كل شعر مليح، وكان شيخاً مسناً جاوز الثمانين سنة، وتوفي في آخر أيام يعقوب المنصور، بل بعده سنة ٦٠٩ بإشبيلية.

стр. 158

الخطابي هو ميمون بن علي بن عبد الخالق الخطابي، نسبة إلى قبيلة من صنهاجة، من أهل مدينة فاس، ويعرف بابن خبازة نسبة إلى خاله الشاعر المشهور بابن خبازة ، قاله ابن القاضي. هذا كان شاعراً فحلاً نهاية في متانة الشعر وروعته وجماله، كأنما ينحت الكلام من صخر، ويفرغه في قالب الإجادة والإحسان، ثم يخرجه وقد تحول إلى صور شعرية بليغة النظم والتركيب، سامية المغازي والمقاصد. وأعانه على ذلك فقهه باللغة وروايته الواسعة للشعر مع تفننه في أساليب البلاغة، ومعرفته بما خذ الكلام، فلا يقرأ القارئ بعض قصائده الطنانة إلا وهو يحسب أنه يقرأ للمتنبي ونظرائه من كبار الشعراء. وقال ابن القاضي: «كان سريع البديهة ناظماً تأثراً، مع الإجادة والتفنن في أساليب الكلام معرفة وإتقاناً في هزله وجده على اختلاف اللغات.» ولا يعرف له ديوان مجموع على كثرة شعره: إما لأنه لم يدون أشعاره، وإما لأن يد التلاشي لعبت به كما لعبت بكثير من آثار غيره من الأدباء والعلماء. وعلى كل فليس الشاعر بالديوان ولا بكثرة رواته والناقلين عنه، وإلا فكم من دواوين مكدسة في زوايا الخزائن ليس لأصحابها عافاهم الله في الشاعرية من حظ ولا نصيب. وهكذا يقال في كل من مضى ويأتي من الشعراء الكبار الذين لم نذكر أن لهم ديواناً مجموعاً. ولي الخطابي حسبة الطعام بالعاصمة المراكشية. وتوفي بالرباط سنة ٦٣٧. ابن عبدون المكناسي أبو عبدالله محمد بن عبدون بن قاسم الخزرجي المكناسي ، شاعر مطبوع، من أكبر أدباء المغرب في هذا العصر. كان رقيق الحاشية، شديد التظرف، غزلاً رقيقاً بديعاً، يجيد الوصف، وله

стр. 159

فيه مذهب حسن، وعلى أسلوبه رونق، وفي معانيه عذوبة ولطف وخفة، بل إن جملة شعره وجدان تفيض به روحه، وينفجر به قلبه، فلذلك تجده شديد التأثير في النفس، حسن الموقع منها. توفي سنة? ٥? على ما عند ابن القاضي، وفي الذخيرة السنية ما نصه: «وفي سنة ٦٥٩ توفي بمكناسة الفقيه الأستاذ المقرئ الكاتب البارع، أبو عبدالله محمد ابن عبدون بن قاسم الخزرجي، أديب وقته، وشاعر عصره، في العشر الأول لذي القعدة منها.» وهو غير ابن عبدون الأندلسي؛ فإن ذلك اسمه عبد المجيد.

стр. 160

عصر المرينيين

стр. 161

الوجهة السياسية دامت دولة الموحدين إلى آخر أيام الناصر ولد المنصور، وهي مثال القوة والعظمة، وجلال الشأن، ورفعة السلطان، ثم أخنى عليها الذي أخنى على لبد، وجرت فيها سنة الكون، فتداعت أركانها، وتقوضت دعائمها، وسرعان ما سقطت من حالق العز إلى حضيض الهوان. كان فاتحة ما أصابها من الكوارث، وقعة العقاب المشؤومة، التي تألبت عليها فيها دول النصرانية بحذافيرها، ودحرتها اندحاراً شائناً، بسبب ضعف القيادة وعدم اجتماع كلمة الرؤساء والمحاربين من جراء غرور الناصر وخيانة الأندلسيين له. فهو قد اغتر بكثرة ما حشده من الأجناد، وجمعه من الأعداد فلم يأبه لمقاتلة الأندلس الذين كانوا أعرف من غيرهم بثغور العدو، وأبصر بمواطن الضعف من بلاده. وهم حيث لم يستشعر وجودهم، ولا عرف فضلهم، عزموا على عدم مناصحته، وبذل المعونة له؛ وهكذا وقعت الكرة على المسلمين وبقيت هذه الوقعة عبرة للعتبرين. ثم فشت بعد ذلك جملة أمراض في جسم الدولة، ومات الناصر مكبوتاً مغموماً، فانتثر بموته عقد رجالات الموحدين، وظهرت خيانة رؤسائهم في إقامة ولده المستنصر مقامه، وكان دون بلوغ ليتمكنوا من الاستبداد به، والضغط على إرادته، كذلك ظهرت طباعية الولاة الذين أطلقوا أيديهم في أموال الرعية وأمتعتها، ونبغ دعاة الفتنة في كل صقع وقبيل، وسلك المفسدون إلى الشر كل سبيل. أما الأندلس فلا تسل عما نزل بها من الويلات والمحن، إنه انقسمت على نفسها، وتغلب الأشقياء فيها على الأطراف، وانبرى العدو إليها ثانياً يسوم أهلها الخسف والعذاب. وأما إفريقية فقد ابتدأت تستعد للانفصال تحت رئاسة الموحدين الذين كان عبد المؤمن أقطعهم فيها الإقطاعات، وسوغ لهم بها الجبايات فشاءوا الآن أن يجازوه جزاء سنمار، بجحد نعمته، وتفريق وحدة مملكته. وبالاختصار فقد كثرت الفتوق في جسم الدولة، وتعددت الاضطرابات هنا

стр. 162

وهناك، فأعوز رجل حديد الإرادة مثل عبد المؤمن وأين نحن من عبد المؤمن وأين عبد المؤمن منا؟ وأنت خبير بمصائر الدول حين تصل إلى هذا الحد من الاختلال وسوء الإدارة، ولا تجد من يأخذ بضبعها، ويضطلع بتدبير شؤونها، فلا أسترسل في الحديث عن ذلك التدهور الفظيع، والسقوط السريع. إنما الذي يستوقف النظر، ويسترعي الفكر، هو سرعة انقراض هذه الدولة واستيلاء الضعف عليها أعز وأقوى ما كانت، فما هي إلا غدوة إلى الأندلس أو روحة، حتى أقضي كل شيء، ودخلت دولة الموحدين فجأة في دور الاضمحلال والعدم، فأديل منها بنو مرين الذين عاجلوها فأجهزوا عليها قبلما تتمكن من رأب صدوعها وعلاج أدوائها. وفي الواقع إنها لفرصة نادرة اهتبلها هؤلاء البدو النازحون إلى المغرب من الصحراء، قصد الإمتيار والتربع مراعيه الخصبة، على عادتهم في كل سنة، حينما تجدب أراضيهم، وتصوح نباتاتهم. فما أن دخلوا المغرب هذا العام، حتى وجدوا المعالم قد تبدلت، والمشاهد قد تغيرت، وخلت الأوطان من السكان وبقيت الحقول والمسارح هملاً من غير راع، ولا متعهد، فنمت وربت. وكأنما كانت تعرف ما سيؤول إليه أمر هؤلاء الغرباء، فأوتهم إلى ظلها، وبسطت لهم أكنافها فنزلوها وتقروها، وطاب لهم بها المقيل، فسمع بهم بقية إخوانهم، فنسلوا إليهم من كل حدب، وأقاموا معهم بغتبطين بما يصادفونه من الخصب والرخاء والعيش الرغد. على هذه الصفة كان دخولهم أولاً إلى المغرب، ولما استقر بهم المقام، ولم يجدوا من يقف في وجههم ويصد عاديتهم عن البلاد، شجعوا وأقدموا على شن الغارات والإجلاب بخيلهم ورجلهم على الحواضر والبوادي، ومن هذا الوقت نشأت عندهم فكرة الاستيلاء والتغلب على المغرب، فاقبلوا يعملون على تنفيذها وتحقيقها. وكذا الحوادث التاريخية الكبرى تبدأ عادية بسيطة ثم لا تزال تنمو وتستفحل حتى يعظم قدرها ويجل خطرها. ولم تكن هذه القبائل؛ بنو مرين وزناتة عموماً، في بلادها فوضى لا نظام لها ولا قانون، بل كانت خاضعة لأحكام الشرع الشريف في معاملاتها وأحوالها الشخصية، وكانت تقيم على رأسها زعيماً كسائر القبائل، يسمى بالأمير تحقيقاً

стр. 163

لاستقلالها الذاتي. وفي حين دخولها للمغرب، كان هذا الأمير هو عبد الحق المريني رأس هذه الدولة، وأبو الأملاك منها، وكان رجلاً فاضلاً ديناً متورعاً، له نفوذ وجاء في قبائل زناتة كلها، فظل يجاذب الموحدين حبل الملك زمناً، ثم قضى وخلفه أولاده أبو سعيد عثمان وأبو معرف محمد وأبو بكر، فاستمر التنافس بينهم وبين ملوك الموحدين الذين ما كان أكثر عددهم وأقل مدتهم على العادة في هذه الفترة التي يعقبها السقوط. ثم لما آذنت شمسهم بالزوال، وظلهم بالانقلاب أوقع بهم بنو مرين في معركة تعرف بيوم المشعلة، وقعة فاصلة لم يرفعوا بعدها رأساً ولا أبدوا حراكاً، وجاءت نوبة يعقوب بن عبد الحق رابع الإخوة المذكورين فلم يكن من الصعب عليه أن يستأصل شأفتهم ويجتث جذورهم في سنة ٦? ٤، وكذلك خلص له الملك بالمغرب، فأعلن نفسه سلطاناً وتلقب بالمنصور. تقلص ظل الموحدين من المغرب، واستتب الأمر لبني مرين، فلم يبق من ينازعهم في شيء، لذلك نرى أن مجال العمل المفيد قد أصبح فسيحاً أمام السلطان الجديد، إنما هو لم يترك بعد ميدان الحرب والسياسة فتقدم إلى إفريقية يريد استلحاقها، كما كانت في أيام الموحدين، وهيهات ذلك فقد فات الفوت، ودخلت تلك البلاد في ملك بني عبد الواد، وبني حفص القائمين بها، ولم يبق محل للعملية التي أجراها عبد المؤمن لتحقيق الوحدة المغربية، وضم أطراف البلاد الإفريقية، فتلك قد اكتنفها من الظروف المؤاتية ما لم يكن منه هنا قليل ولا كثير، لذلك كان الإقدام على الحرب في هذه الحال مجازفة، قلما تأتي بنتيجة غير الشر المستطير، فالذي ينبغي عمله حينئذ هو الاتحاد والتعاون على تشييد صروح العدل والنظام وإصلاح أحوال البلاد، وتبادل المصالح المشتركة. وأما الحرب وخصوصاً بين شعبين إسلاميين متجاورين، فإنما تسبب من الضرر والبلاء ما يعسر مع طول المدة تداركه وتلافيه. غير أن أولئك القوم لم يكونوا يحسبون هذا الحساب، ولا يقيمون. لهذه الاعتبارات وزناً. فلذلك لا نعجب من تسابقهم إلى تحقيق هذه الغاية، وهي الاستيلاء على بلاد إفريقية مهما كلفهم ذلك من الجهد والعناء، ومهما كان فيه من إزهاق الأرواح البريئة، وتقاتل المسلمين بعضهم مع بعض. ثم منهم من كان مرابطاً دائماً على معاقل

стр. 164

تلك البلاد، لا يرفع عنها الحصار أبداً، ومنهم من كان معكوفه على الحرب فيها، سبباً في نبوغ الثوار عليه، واختلال شؤون مملكته، ومع ذلك لم ينقطع طمعهم فيها، ولم تنشن عزيمتهم عنها حتى جاء أبو الحسن، فخر هذه الدولة وأحد عظماء سلاطين المغرب، فلم يلبث أن فتحت له أبوابها على المصاريع، ودخل إليها حتى وصل إلى تونس، وضم المغرب كله بعضه إلى بعض، وأخذ في تنظيمه وإصلاحه على طريقة تكفل له النجاح والتقدم. لكن أجلاف العربان من بني سليم، وبقايا بني هلال إخوتهم) (١) الذين كانوا يعيشون في الأرض فساداً، ويأخذون الإتاوات من الناس ظلماً وعدواناً لما رأوا شدة شكيمته على أهل البغي والعناد وجده في سد أبواب المطامع، وحسم أصول الفساد ثاروا به وقطعوا عليه خط الرجعة، فوقع في الشرك وعمي خبره على شعبه. وجاء الطاعون الجارف فأخلى البلاد، وافتى العباد، فأرجف الناس بموت السلطان، واختلت الأمور وكاد اليأس يستولي على النفوس، فوثب ولده أبو عنان وبايع نفسه، وانتصب على عرش والده المحصور في تونس. فلما سمع والده بذلك ركب البحر وقفل راجعاً في أسطوله الذي كان ينيف على الخمسمائة قطعة، ولكن الحظ السيء كتب على أسطول المغرب العظيم أن يتحطم في البحر، فتضمحل حينذاك القوة البحرية لهذا القطر الذي طالما جال بها وصال، فذهبت مع أمواج الخضم جميع القواد والأبطال؛ لكن الخسارة كل الخسارة في العلماء الذين كان السلطان لا يستغني عنهم، ويستصحبهم في حضره وسفره. وقد كان معه منهم في هذه الوجهة جم غفير فذهبوا ضحية سياسته الهوجاء، وهو نفسه إنما نجا على لوح من ألواح بعض السفن المتكسرة، بقي يتخبط فوقه حتى رماه الموج في أحد شواطئ مملكته، وكانت هذه النكبة مما ينقطع لها نياط القلب، ولا يرقأ لها دمع العين. ولما رجع أبو الحسن، كان ولده قد ثبت مركزه، وأمر أمره فلم يشأ أن يتنزل له عن العرش فتقاتلا، وإنه لمن المؤسف أن يقع هذا بين الولد والوالد، وثبت على عهد الوالد رجال ممن صحت نياتهم، وخلصت ضمائرهم؛ لكن الوالد المسكين

стр. 165

كانت أيامه في انصراف، فلم ينشب أن توفي ﵀، وقد كان بني فأحسن البناء، إنما لم يتم الله مراده، وقام الولد الشاب وتتبع خطوات أبيه، فتمسك بفتوحاته في تلك البلاد، ونظر في أحوالها بعين الحكمة والسداد، لكن ما لبث الأمر بعده إن رجع إلى مبداه، وعاد لتونس استقلالها وللجزائر سلطنتها وبقي المغرب قائماً بنفسه في أخريات أيام هذه الدولة. هذه كانت سياسة المرينيين في إفريقية، وهي كما رأيتها لا تدل على مهارة وحسن تدبير، بل غاية ما فيها، وتسبب عنها فعلاً تفريق كلمة المسلمين الموحدة، وبذر العداوة بين قلوبهم النقية، زيادة على إضعاف قوتهم المادية والمعنوية، مما يسهل طريق استيلاء العدو عليهم وتمكنه منهم. ونحن إذا وقفنا محقين بجانب يوسف بن تاشفين، ودافعنا عن سياسته الناجحة في ضم الأندلس إلى المغرب، ورمينا في وجوه خصومه بكل ما تقولوه عليه، لا يمكننا هنا أن نقف مبطلين بجانب المرينيين وندافع عنهم ونعتذر لهم، لأنه شتان بين عمل يوسف، وعمل المرينيين، ولئن جني المغرب، وجنت الأندلس من حركة يوسف ما جنياه من الثمار الصالحة، والنتائج الحسنة، فلم يحن المغرب ولا إفريقية من سياسة المرينيين فيها إلا الخسائر المتوالية في المال والرجال. وبالتالي تضعضع المركز الدولي الذي كان لها في العالم وهذا أمر ليس من صالح كلا الطرفين في شيء، بل ليس من صالح الشرق ولا الإسلام ولا العرب. على أن العقل لا يجوز بسرعة إمكان تغلب الدولة المرينية على هؤلاء، وهم مثلها دولة ناشئة شديدة الشكيمة، قوية المراس، فلم يبق إلا انهم أخطأوا سبيل المصلحة وهو الاتحاد معهم على رد عادية العدو بالبلاد الأندلسية، حتى، لا يزيد طغيانه على أهلها، ويعلم أن من وراء اتحاد ملوك النصرانية اتحاد ملوك الإسلام، فيقلل من غلوائه، ولا يشتط في عدوانه ولو كتب ذلك لكان المسلمون متوطنين بأندلسهم إلى الآن، لا ينغص عيشهم فيها شيء. ثم بعد أن تبينا هذه الناحية من سياسة بني مرين، نصرف النظر إلى ناحية أخرى من سياستهم، وهي موقفهم بإزاء الأندلس، فمنها يظهر لك مزيد اعتنائهم بإفريقية، بل ربما يلتبس عليك الأمر في التوفيق بين سياستهم الأولى في إفريقية، سياسة الفتح والغزو، وسيرتهم الثانية في الأندلس المباينة لتلك تمام المباينة، وذلك أنهم في

стр. 166

الأندلس كانوا قد اتخذوا ربطاً وجنوداً المناوشة الأسبان في القتال، ودفاعهم عن بلاد المسلمين. وكان أول جيش ذهب منهم إليها، في أيام يعقوب المتقدم الذكر، وهو نفسه جاز إلى الأندلس أربع مرات. لا تسأل عن أعماله الحربية فيها، ومواقفه المشرفة؛ فكانوا يستولون فيها على الحصون والمدن العديدة، لكنهم لم يكونوا يتمسكون بها أبداً، إنما كانوا يزفونها هدية إلى أمراء بني نصر، أصحاب الأندلس. وإنك لتعجب من هذه السماحة، وهذا الإيثار، مما لا علة له إلا حسن نياتهم في الجهاد فقط، كما كانوا يصرحون هم أنفسهم بذلك. ولا تقل أن ذلك نتيجة العجز، وعدم القدرة على اقتحام الأندلس وضمها إلى المغرب، فإن من يجرؤ على حرب دولتين فتيتين من الدول المغربية الصميمة بإفريقية، لا يتهيب حرب بني الأحمر؛ خصوصاً وقد كانوا في حرب مع المخالفين عليهم من بني جلدتهم، أو مع الإسبانيين، ولا تقل أيضاً أن البحر كان هو الحاجز بينهما والمانع من تنفيذ هذه الفكرة، ولو طافت برؤوس السلاطين من بني مرين، لأنا نعلم أن أسطول المغرب في ذلك الحين كان من الأساطيل التي تضرب بها الأمثال، وقد ذكرنا آن جملة قطعه التي كانت مع أبي الحسن في وقعة إفريقية خمسمائة قطعة؛ فلا يجوز أن يقال إن البحر هو الذي كان حائلاً عن إقدامهم على شن الغارة على الجزيرة الأندلسية وانتزاعها من أيدي مالكيها، والمتصرفين فيها. وإذا لم يكن هذا ولا ذاك هو السبب الحقيقي في انصرافهم عنها إلى إفريقية، فليكن هذا السبب الذي نذكره، وهو الذي تؤيده وقائع الأحوال وشواهد العيان، فالمرينيون خلف الموحدين كانوا يعرفون ما نزل بسلفهم من الضعف والانحلال بسبب ذلك القطر الأندلسي، ومحافظتهم عليه، ولئن قيل إنه كان سبب عزهم ومجدهم فقد يقال أيضاً أنه كان سبب تعسهم ونحسهم، فمن المحقق أنه لولا واقعة العقاب لم يتمكن للمرينيين أن يستولوا على المغرب، ويقلصوا ظل نفوذ الموحدين عنه. فهذه العبرة التاريخية هي التي كانت تثنيهم عن المغامرة في أخذ الأندلس وانتزاعها من أيدي بني نصر، ولو فعلوا لنجحوا في ذلك من أول وهلة؛ لكنهم كانوا ينظرون إلى العاقبة فيتخوفون منها. ولنفرض أنهم أخذوها، أليس ما يلزمها من التحصين الدائم، والدفاع المستمر منهكاً لقواهم، كاسراً لشوكتهم يوماً ما، كما سبق ففعل بالمرابطين وبني مؤمن؟ نعم. فنظرهم هذا سديد، وأسدُّ منه نظرهم إلى توحيد إفريقية، لو كان ممكناً إذ ذاك. ولذلك فقد انصرفوا عن الأندلس انصراف المختار

стр. 167

لا اليائس، ثم أقبلوا على إفريقية فلم يغن حذر من قدر، وكانت هي السبب في ضعفهم وانحلال قوتهم، كما لو ذهبوا إلى الأندلس فيما كانوا يقدرون. وقولنا أنهم انصرفوا عن الأندلس ليس على إطلاقه فقد قدمنا أنهم كانوا يقيمون فيها الربط والمقاتلين، بل لقد كان ملوكهم كثيراً ما يعبرون إليها فيقيمون فريضة الجهاد خالصة نباتهم في ذلك، نقية ضمائرهم. ولقد قاموا بأكثر مما يجب عليهم من ذلك، ولاقوا من العدو الذي كان يراوغهم، ويعبث بالعهود التي يعقدونها معه، أذى كثيراً، وكان يتعرض لسخطهم فينزلون به أشد أنواع النقمة، وأقسى ألوان العقاب وهم في ذلك محقون ومنصفون؛ وكل من علم بعد الشُّقة، وتحقق صعوبة ركوب ثبج البحر في ذلك العصر لإنقاذ المستصرخين، وحماية الضعفة من أهل الأندلس، عذر هؤلاء المغيرين إذا أتوا حنقين غضابي؛ فاقتصوا منه على قدر فعله، وجازوه بما يستحق، فإنه كان يتركهم حتى يعودوا إلى مواطنهم بعد أن يكونوا عقدوا معه الهدنة التي يكون هو الطالب لها، فينقض على جواره من المسلمين، ويفعل فيهم الأفاعيل، فما إن يصل الصريخ إلى فاس وتأتي النجدة حتى ينفذ الوعيد ويسبق السيف العذل. وهكذا كان احترام الأوربيين للعهود الدولية في القرون الوسطى - ولا يزال - معلقاً مصالحهم الآنية وبما تمليه إمكانياتهم وظروفهم الحربية فقط لا غير. ولكن دعنا من هذا، ولننظر في موقف ملوك بني نصر الأندلسيين بإزاء الدولة المرينية لنتعرف بعد ذلك على من تقع مسؤولية ضياع الأندلس، فقد رأينا من قبل موقف الأندلسيين المرذول، موقف الفضيحة والعار، والخيانة والخذلان، في وقعة العقاب المشؤومة، حتى تسببوا في تصدع أركان تلك الدولة الشامخة وأدخلوا الضعف على الأمة المغربية التي لم تكن تعرفه من قبل. وفي أيام المرينيين، نجد أن هؤلاء الذين سموا أنفسهم ملوكاً، بينما يستنجدون بأسود العرين من بني مرين، فيخف هؤلاء لمساعدتهم وإنقاذهم بدافع الرغبة في الجهاد والذب عن بيضة الإسلام، إذ يتحالفون مع الأعداء عليهم؛ فلا يكاد جنود المغرب يركبون البحر، حتى يجدوا العدو في أساطيل أولئك المستصرخين كامناً لهم، معترضاً كالشجي في حلق الزقاق، فتنشب الجرب، ويشتد ضرامها. فأما حين يكتب النصر للمسلمين وهو الغالب، فإن الناكثين يعتذرون ويقدمون أنفسهم للخدمة، ولا يعدمون من وسائل النفاق، وأساليب الخداع، ما يسترضون به السلطان؛ وأما في حال غلبة العدو، فإنهم يولونه أيضاً الأدبار خشية تقويه

стр. 168

عليهم فيرجعون لبني مرين أيضاً، لأنهم ليس لهم عضد ولا ناصر غيرهم. ولقد حدث مرة أن أرسل السلطان رأس أحد القواد الإسبان من أوقع بالمسلمين وقائع فظيعة، أرسله إلى ملك بني نصر ليظهره إلى المسلمين فيحمدون الله الذي أمكن من عدوهم اللدود. لكن ملك بني نصر طيبه وجعله في صندوق محلى وأرسل به إلى ملك الأسبان يتملقه، فانظر إلى التخاذل كيف يكون، وإلى السقوط من حالة العز إلى خضيض الهون. . . ولا يظن القارئ أنهم كانوا يخافون منهم على بلادهم، فقد قدمنا أن فكرة الاستيلاء على الأندلس لم تدر قط بخلد ملوك المرينين، وإلا فهم لو أرادوها لم تعجزهم بحال، وقد قدمنا أنهم لما كانوا يستولون على حصن. أو بلد، سرعان ما يسلمونه إليهم قاصدين بذلك إزالة النفرة من أنفسهم، وتقوية الروابط معهم، ولم يكونوا يبقون بأيديهم إلا جبل طارق والجزيرة الخضراء، وجزيرة طريف، وهذه إنما يبقونها لربط خيط المواصلة بين العدوتين، وإنزال المقاتلة وإدخار المؤونة مما مصلحته عائدة على الأندلس، لكن أولئك القوم لم يكونوا يراعون هذا الجميل، وإنما ينظرونه بعين عوراء وأخرى مغمضة. وماذا حدث بعد ذلك؟ حدث أن الدولة المغربية لم تبق على شيء من القوة بسبب ما استنفذت من مجهودها هذه الحروب الطاحنة، ثم قامت قيامة بني مرين؛ بالتهالك على السلطة، وتنازع الإمارة فانتهى الأمر بسقوطهم، وانتصاب دولة بني وطاس، وهم فرع من بني مرين؛ إلا أنهم ليس فيهم غناؤهم فضعفت الأمة ومرج أمرها، واشتغلت بمشاكلها الداخلية، وحروبها الأهلية. فكأنما أبدلت الأرض غير الأرض، والناس غير الناس. وفي هذه الأثناء كانت النداءات على العادة تتوالى من أهل الأندلس على المغرب وهو لا يستجيب لنداء، لأنه كما علمت، منتحر مضرج بالدماء، نعم كان يتسرب إليهم آونة بعد أخرى، فوج من متطوعة المقاتلين ومتحمسة المجاهدين؛ ولكن كان جهده أن يبلغ الأخبار، ويبسط الأعذار، والعدو إذ ذاك لام شعثه، آخذ أهبته قوي متحد، منيخ بكلكله على المسلمين، يذيقهم العذاب المهين، حتى حصلت الكارثة، ونفذ سهم القضاء ولا حول ولا قوة إلا بالله. قلنا إنه لما سقطت دولة المرينيين خلفتها دولة الوطتاسيين، إلا أن هذه لم يصحبها توفيق فكانت ذنباً طويلاً للدولة المرينية، يجري عليها ما يجري على أعقاب الدول، من مصاحبة الفشل، ومعاناة العثار، وقد بقيت كذلك حتى أخلت المكان للدولة السعدية التي سنتكلم عليها بعد هذه.

стр. 169

في دائرة العروبة والإسلام الصحيح يقول كثير من المؤرخين ونسابة المغرب: إن بني مرين فخذ من زناتة، يمتون في عداد قبيلتهم هذه إلى قيس عيلان، فهم عرب خلص، لا شك في ذلك، وقال شاعرهم عبد العزيز الملزوزي في نظم السلوك. فجاورت زناتة البرابرا ... فصيروا كلامهم كما ترى ما بدل الدهر سوى أقوالهم ... ولم يبدل منتهى أحوالهم بل فعلهم أربى على فعل العرب ... في الحال والإيثار ثم في الأدب فأنظر كلام العرب قد تبدلا ... وحالهم عن حاله تحولا لا يعرفون اليوم ما الكلام ... وما لهم نطق ولا إفهام وإن تمادت بهم الأحوال ... لم تبق في الدهر لهم أقوال كذاك كانت قبلهم مرين ... كلامهم كالدر إذ يبين فاتخذوا سواه خليلاً ... فبدلوا كلامهم تبديلاً وهذا ظاهر على القول بعروبة البربر، والخلاف في ذلك شهير، فلا نطيل به هنا. وسواء صح ذلك أم لم يصح، فالواقع أن بني مرين كانوا يعملون للنهضة والتجدد في دائرة العروبة، لا يخرجون عنها أصلاً، فخدموا العربية خدمة مصادقة، ورفعوا لها منارة عالية، وكفى أننا لم نعد نسمع بعد توليتهم الحكم بشيء من التمييز الذي كان للبربر في دولة بني مؤمن؛ بل كان هذا آخر العهد بحياة الفرقة والعنصرية المقيتة. فعلا شعار العروبة كل الشعارات، وضمت الضاد جميع المغاربة في شق المصالح

стр. 170

والمرافق، الأمر الذي كان يجب أن يتم منذ جلوس أول عربي صميم تولد من بربرية صميمة على عرش المغرب، وهو إدريس الثاني بن كنزة بنت إسحاق بن عبد الحميد الأوربي، بل منذ أن قاد طارق بن زياد وهو البربري الصريح جيش المغرب الذي فتح الأندلس؛ فركز فيها راية العروبة فلم تزل فيها عالية خفاقة إلى آخر العهد بها. وهكذا أيضاً كان عمل المرينيين في الناحية الدينية سليماً من أي نزعة، خالصاً من كل بدعة. فإذا كان المذهب الأشعري في العقائد قد تقرر في العصر السابق، وصار هو الغالب على أكثرية المغاربة، فقد علمت أنه تقرر بعيداً عن تأثير الدولة، وخالياً مما كانت تضيفه إليه من آراء شاذة مأخوذة عن المعتزلة وغلاة الشيعة. على أنه قد عم العالم الإسلامي، وأصبح هو والمذهب الماتريدي) (١) المذهبين العقدين الرسميين السائدين في سائر مملكة الإسلام، وفي الفقه ساد المذهب المالكي نهائياً لكفاح اتباعه المستميت في العصر السابق، ولمناصرة الدولة الجديدة له. على أن الحرية المذهبية لم تقيد قط في المغرب. فبقي أفراد عديدون في هذا العصر وفي العصور التي بعده يميلون إلى المذهب السلفي في العقائد، وآخرون يأخذون بمذهب أهل الحديث في أحكام العبادات. أما الذين يدرسون الحديث على أنه مادة الفقه وأصله المتفرع عنه فكثيرون. وفي بعض الأحيان كانت الدولة نفسها تناصر المذهب السلفي وتشجع العلماء على النظر والاجتهاد، كما حصل في أيام السلطان سيدي محمد بن عبدالله في العصر العلوي. وعلى كل حال فان مذهب أهل السنة سواء في الاعتقاد أو الفقه قد توطد منذ هذا العصر في المغرب. ولم يقم بعد الموحدين دولة تنزع نزعة مخالفة لما عليه الجمهور وسواد المسلمين. ولقد أعاد السلاطين من بني مرين إلى أذهان الناس ما كان من أبهة الخلافة الأموية الأندلس في قصورهم ومصانعهم ورؤسائهم وجنودهم؛ فكان خروج السلطان لصلاة الجمعة والعيدين، وللمناسبات الأخرى يقع في مشهد عظيم، وموكب فخيم. وكانت هذه المظاهر الشائقة كثيراً ما تغري كبار الذوات العلمية والأدبية في الأندلس والمغربين الأدنى والأوسط، فيفارقون بلادهم غير آسفين عليها، ويؤثرون الحضرة الفاسية حيث يتمتعون في كنف الدولة المرينية بأسنى ما كان يتمتع به رجالات الدول السالفة كالعباسيين والأمويين مما سمعوا به ولم يروه.

стр. 171

وكفى بابن خلدون وابن الخطيب وابن الأحمر وابن رضوان وابن مرزوق وابن جزي والمقري وكثيرين غيرهم من العظماء الذين تفيئوا ظل هذه الحضرة المرينية، وتقلبوا في نعمتها لما إنها كانت في عصرها حامية بيضة الإسلام، وموئل العروبة، دليلاً على ما نقول. ولقد سار أولئك السلاطين في إقامة مراسيم الخلافة على سننن لا حب فكانوا يعقدون المجالس للمناظرة والمحاضرة، ويطارحون الأدباء، ويحاورون الشعراء. أما العلماء فلا تسل عن شدة تقريبهم لهم واختصاصهم بهم حتى أن جمهوراً منهم ذهب ضحية هذا التقريب والاختصاص في وجهة أبي الحسن الإفريقية كما سبق القول. وقد قيل إن عدد من غرق من العلماء في أسطول هذا السلطان أربعمائة عالم، فما بالك بمن لم يركب الأسطول ونجا؟ فما ظنك بمن لم يصحبه في تلك الوجهة? وهذا يعني أن العلماء كانوا متوافرين بحيث بلغ عدد الذين يصحبون السلطان - ولا يكونون عادة إلا من جهابذة أهل العلم - ذلك الرقم المرتفع جداً. وهذا يعني أن الدولة كانت في خدمة العلم، بحيث انصرفت الهمم إلى طلبه، وأشتد التنافس في تحصيله، فكثر العلماء نتيجة لذلك، وفعلاً فإن ما عمله المرينيون في هذا الصدد يجعلهم حريتين بلقب دولة العلم الذي يطلقه عليهم بعض المؤرخين، ولقد بذوا بمآثرهم العلمية جميع من تقدم أو تأخر من ملوك المغرب. فمدارسهم الفنية العديدة لم يستطع أحد أن يأتي بمثلها إلى الآن. وخزائن الكتب كذلك لا تزال تنطق بفضلهم على الحركة العلمية في هذه البلاد منذ أسسوها، ولا سيما خزانة القرويين التي أنشأها السلطان أبو عنان وأودعها كما يقول الجزنائي في زهرة الآس «الكثير من الكتب المحتوية على أنواع من علوم الأبدان والأديان، واللسان والأذهان، وغير ذلك من العلوم على اختلافها، وتنوع ضروبها وأجناسها، ووقفها ابتغاء الزلفي ورجاء ثواب الله الأوفى، وعين لها قيماً لضبطها ومناولة ما فيها، وتوصيلها لمن له رغبة. وأجرى له على ذلك جراية مؤبدة تكرمة وعناية وذلك في جمادى الأولى سنة? ٥? ». وأسس أبو عنان كذلك بالقرويين خزانة مصاحف، احتفل في بنائها وتشييدها بما لم يسبق إليه، وأعد فيها جملة كبيرة من المصاحف الحسنة الخطوط، وكلف بها من يتولى أمرها على أحسن الشروط. وقبل أبي عنان عقد السلطان يعقوب المنصور صلحاً مشروطاً مع (شانجه) ملك إسبانيا، كان مما شرطه عليه فيه أن

стр. 172

يوجه إليه كتب العلم التي بقيت ببلاده للمسلمين؛ فوجه إليه منها ثلاثة عشر حملاً فيها كثير من المصاحف وكتب التفسير والحديث والفقه واللغة، فأرسلها المنصور إلى فاس وحبسها على طلبة العلم. ولقد جاوزت عنايتهم بهذا الشأن بلاد المغرب، إلى الخارج. فهذا السلطان أبو الحسن يوقف على المساجد الثلاثة المقدسة ثلاثة مصاحف كتبها بخطه، وجمع لها القراء والخطاطين والنقاشين، وأخرجها في حلة فريدة من الفن المغربي البديع، وأرسلها وقفاً كما قلنا إلى مسجد مكة، ومسجد المدينة، وبيت المقدس، وأوقف عليها من الضياع والرباع ما يقوم بكفاية القائمين عليها والقارئين فيها. وكانت المساجد والمشاهد والمنشآت التي خدموا بها الدين كثيرة أيضاً، ناهيك بأن أبا عنان منهم هو أول من نصب صواري الصوامع، ونشر فيها الأعلام (١) في أوقات الصلاة نهاراً والشرج ليلاً، يستدل بذلك من بعد ومن لم يسمع النداء وجعل علم يوم الجمعة أزرق للاستذكار. وفي ذلك اعتناء بأمور الأوقات، وما يتعلق بها من وجوب الصلوات وما يترتب عليها من وجوه الحقوق في العادات والعبادات وفيه قيل: نور به علم الإيمان مرتفع ... للمهتدين به للحق إرشاد يأتون من كل صوب نحوه فلهم ... لديه للرشد إصدار وإيراد وفي الحقيقة إن كل واحد منهم كان مثالاً للملك العربي المسلم العامل لعزه قومه ودينه، فلا يفتأ يجد ويجتهد في إشادة مجدهما وتخليد مآثرهما، وبقدر حرصهم على الوحدة المغربية الذي قدمنا الكلام عنه وقلنا إنهم أخطأوا الطريق إليه، كان حرصهم على الوحدة الإسلامية عموماً، فأنت قد رأيت مقدار تفانيهم في الدفاع عن معقل المدنية الإسلامية، والحضارة العربية في بلاد الأندلس، ومبلغ نصحهم لملوكها، حتى إنهم كانوا معهم مثل الأجراء يعملون لهم، لكن بدون أجرة، بل هم كانوا يدفعون إليهم المبالغ الطائلة من الأموال والسلاح والعتاد. كذلك كانوا على اتصال دائم ملوك الإسلام في مصر والشرق؛ فكم كاتبوهم وهادوهم وعقدوا

стр. 173

أواصر المودة والائتلاف معهم، وأوفدوا إليهم الوفود والسفراء من خيرة رجال المغرب الإداريين، وذوي العلم والأدب وأهل البيت المالك، كل ذلك يدلنا على ما كان لهم من صدق النية، وإخلاص الطوية، في خدمة الدين والوطن، وتعزيز الروابط الجنسية والملية بينهم وبين الدول العربية والإسلامية المعاصرة. فلا جرم بعد هذا أن نقول إن كل أعمالهم ومآتيهم للنهضة والتجدد، كانت في دائرة العروبة والإسلام الصحيح، لا تزيغ عنها قيد فتر، وإنهم خدموا العربية والدين خدمة صادقة، ورفعوا لهما مناراً عالياً، وما بعد العيان بيان.

стр. 174

الحركة العلمية إن تأثير الانقلاب المريني على الحالة الفكرية، لم يكن ذلك التأثير القوي الذي تتبدل معه معالم الأمور وتتغير مجاري الأحوال؛ لذلك فإن الحركة العالمية قد بقيت في نشاطها وتقدمها، كما كانت على عهد الموحدين. وإن كان قد اعتراها في فترة الانقلاب بطبيعة الحال شبه انقطاع أو فتور، فإنها بعد أن انتصبت الدولة المرينية وتشيدت أركانها قد عادت فاسترجعت ما كان لها قبل من القوة والظهور. نعم لقد استأنفت الحركة العامية سيرها إلى الأمام في ظل الدولة المرينية التي ما فتئت ترعاها وتشجعها بمد يد الإعانة إلى رجالها وتنشيطهم حتى ينصرفوا لخدمتها، بل إن رجال الدولة أنفسهم كانوا يقدمون لها أجل الخدمات مما لا يقوم به إلا أجل العلماء. إذ كان الواحد منهم يكب في نشأته على الدراسة والتحصيل ولا يمنعه ما هو مأخوذ به من قيود الملك وأدوات الرياسة، أن يدأب على النظر في فنون العلم والمعرفة، حتى يصير من رجالها المعدودين. فقد كان السلطان أبو سعيد عثمان بن يعقوب المنصور من أهل العلم، وكان أخوه الأمير أبو مالك ممن لهم اليد الطولي في الأدب، وعارضة قوية في قرض الشعر، وكان السلطان أبو الحسن بن أبي سعيد من كبار العلماء. ففي حياة والده كان معدوداً في أطباء الخاصة، وفي مدة توليه الحكم أكثر من مجالسة العلماء والأدباء، ومذاكرتهم ومحادثتهم، وكان شديد الإلف لهم، لا يصبر على مفارقتهم، وكل جنس لجنسه إلف. وكذلك أخوه الأمير أبو علي كان محباً للعلم، مولعاً بأهله، منتحلاً لفنونه، وله بصر بالبلاغة واللسان وملكة في نظم الشعر، وهو الذي تنافس مع أخيه أبي الحسن على الكاتب عبد المهيمن الحضرمي في حياة والدهما حتى كادا يقتتلان عليه فألحقه والدهما بمعيته. وكان السلطان أبو عنان ابن أبي الحسن فقيهاً يناظر العلماء الجلة، عارفاً بالمنطق وأصول الدين، وله حظ صالح من علمي العربية والحساب، وكان حافظاً للقرآن عارفاً بناسخه ومنسوخه، حافظاً للحديث عارفاً برجاله، فصيح القلم، كاتباً بليغاً، حسن التوقيع، شاعراً مجيداً. له مقطعات شعرية حسنة تورد في محلها. ومثل ذلك يقال في السلطان أبي العباس

стр. 175

أحمد بن أبي سالم بن أبي الحسن وولده أبي فارس عبد العزيز. فلا غرو أن تنشط الحركة العلمية في هذا العصر، وهي تحظى برعاية ملوك من هذا القبيل، يمثلون النشاط الفكري في جميع ميادينه. ولنفصل الكلام في كل باب باب، كما فعلنا في عصر الموحدين. ولعل القارئ لا يزال يذكر أننا قسمنا العلوم هناك إلى ثلاثة أقسام، فالعلوم الشرعية تليها العلوم الأدبية ثم العلوم الكونية: أما العلوم الشرعية، وهي الفقه والحديث والتفسير وتوابعها فقد نحي فيها منحى التبسط والتفريع. وإن يكن شيء من ذلك قد وقع في العصر قبله؛ إلا أنه في هذا العصر قد زاد الأمر زيادة ظاهرة، وبلغ التوسع في ذلك منتهاه. يدلنا على ذلك كثرة الفقهاء الذين نبغوا في هذا العصر، والتآليف العظيمة التي وضعت في فروع الفقه. ونحسب أن ذلك كان نتيجة الضغط على رجال هذه العلوم في عصر الموحدين والتحرش بهم وإن الضغط يعقبه الانفجار كما تعلم؛ فكان هذا هو رد الفعل على تلك الحركة الاستفزازية المنافية الاستقلال الناس في أذواقهم ومشاربهم، وحريتهم في أعمالهم ومآتيهم. وإذا صح اعتبار هذا السبب هو الباعث على نشاط هذه العلوم من جديد ورواجها هذا الرواج كله؛ فلا يصح اعتباره سبب ما طرأ عليها من التضخم والنماء، إلا من طريق غير مباشر، وهو ما أشرنا إليه من كثرة المشتغلين بها، فكثر البحث والتعشق في البحث، فكثر الاستنباط والتفريع في الاستنباط، فكثرت مسائل هذه العلوم كثرة لا مزيد عليها. أضف إلى ذلك أن الطلبة في هذا العصر، كانوا لا يستنكفون من الطلب ولو بعد بلوغ المرتبة العليا في التحصيل. فقد كانت هناك طبقة منهم لا يمكن أن يقاس بها أكابر علمائنا الآن، لا تفتر عن الطلب، وهي بعد من كبار العلماء. واعتبر ما حكي عن الكانوني، وكان من أئمة الفقه، الذين لا يشق لهم غبار، أنه كان يدرس المدونة بالقرويين، ويأتي عليها بأبحاث وتعاليق وشروح مستجادة، فكان يجلس إليه أكثر من مائة معمم، وهم حفاظ المدونة إذ ذاك. وهذا حافز قوي لما ذكرنا كان من نتيجته أن اتسعت دائرة هذه العلوم اتساعاً عظيماً. ودون هذه العوامل المختلفة، التي أدت إلى نشاط علم الفروع، ذلك النشاط العظيم، فإن هناك عاملاً آخر لا يقل عنها شأناً في هذا الصدد، وهو ما كان لطلبة

стр. 176

العلم المذكور في هذا العصر من سمو المنزلة عند الخاصة والعامة، بسبب وقوفهم مع الحق، وسيرهم على الجادة؛ فكان أن عظمت سلطتهم على النفوس وقوي نفوذهم في رجال الدولة. فالفتوى والقضاء، ومناصب الشرع كلها كانت مستقلة عن التدخل الحكومي أو التعرض لها من الرؤساء، وكلمة القاضي كانت نافذة في أكبر كبير، كأصغر صغير. وحسبك أنه لما وقع الشجار بين القاضي أبي الحسن الصغير، والوزير ابن يعقوب الوطاسي، بسبب تعقب هذا الأخير لحكم القاضي، لم يكن من السلطان إلا أن سخط على وزيره وعزله شر عزل. وهذه المكانة التي كانت لرجال الدين عند الشعب، هي التي جعلت العلامة عبد العزيز الورياغلي يثور بآخر سلاطين بني مرين، ويقلب الدولة المرينية رأساً على عقب، لما سول للسلطان أن يولي على فاس رجلاً يهودياً يسوم أهلها سوء العذاب. أرأيت إلى أي حد بلغ نفوذ الفقهاء في الأمة، فلم لا ينصرفون لخدمة علمهم الذي به رقوا هذه الدرجة من المحبوبية. ونقول إن هذه النهضة المباركة التي نهضها علم الفروع بسبب الإقبال الشديد على طلبه، قد أفادت العالم من حيث هو، وأفادت الأسلوب العلمي أكثر، حيث قد أدخلت عليه تحسيناً مشهوداً في آثار علماء هذا العصر الممتازة بكثرة الجمع والتحصيل، وحسن التصرف والتعليل، وفي دروسهم التي كانت كأنها بحار تزخر بالفوائد، وترمي بالفرائد، فهذا أبو محمد عبدالله الورياجلي أحد صدور الفقهاء، وممن كانت إليه الرحلة في عصره لأنه كاد يتفرد بمرتبة الاجتهاد، وكان يعرف المذاهب الأربعة معرفة جيدة، فكان يدرسها ويرجح مذهب مالك، وكانوا يقيسونه في علمه بالمازري ولا يعدون به طبقته، وأجوبته تدل على غزارة معرفته إذ لا يذكر فيها إلا الخلاف العالي. قالوا: وكان من عادته أنه يشتغل بالتدريس في فصل الشتاء والربيع؛ وفي المصيف والخريف برابط بالثغور. وهذا ابن الصباغ أملى على حديث «يا أبا عمير، ما فعل النغير» أربعمائة فائدة كلها ما استخرجه بفكره الثاقب من هذا الحديث الشريف. والغاية في هذا الباب ما روي عن أبي القاسم عبد العزيز بن أبي عمران موسى العبدوسي أحد أفراد بيت العبدوسي الذين ظلوا رجالاً ونساء حاملين راية الفقه والحديث بفاس

стр. 177

والمغرب زماناً طويلاً. وقد رحل أبو القاسم هذا إلى تونس، ودرس بها فقضى التونسيون العجب من وعيه للعلوم وكثرة حفظه. وكثير من علمائهم أوقفوا دروسهم وحضروا عنده رغبة في الأخذ عنه، واتصال السند به. وكان الناس يستبقون إلى المسجد ويأخذون مجالسهم فيه قبل صلاة الصبح، وتغص بهم رحاب المسجد فيجلسون خارجه حتى يكون من خارجه أكثر من بداخله. وكان هو يسمع الكل بصوته الجهير. ولما رأوا تفرده بإتقان علوم الشريعة من فقه وحديث وتفسير، قالوا إنه لا يحسن غيرها، فاقترحوا عليه أن يقدم لهم درساً في العربية فدرسها أيضاً وبهرهم ما شاهدوه مما هو فوق الطاقة، فأجمعوا حينئذ على إمامته وتفوقه في العلوم، وأنه لا يضاهيه في جمعه وتحصيله أحد من المعاصرين سواء بإفريقيا والمغرب. وبعد، فاسمع ما يقوله علماؤها عنه نقلاً عن أحمد بابا: «قال القاضي أبو عبدالله ابن الأزرق، كتب إليه أبو عبدالله الزلديوي المفتي بتونس، يعرفني بحاله من الحفظ مما يقضى منه العجب، أنه ورد علينا في أخريات عام سبعة عشر وثمانمائة، الفقيه العالم الحافظ أبو القاسم بن الشيخ الإمام أبي عمران موسى العبدوسي بكتاب في يده من قبل الإمام أبي عبدالله بن مرزوق يقول لنا فيه، يرد عليكم حافظ المغرب الآن؛ فقلنا هذا من قبيل مبالغات الإخوان في التوصية بإخوانهم. فلما اجتمعنا به وأقام عندنا أزيد من عام رأينا منه العجب العجاب من حفظ لا نتوهمه يكون لأحد. ولقد كان عندنا بتونس الشيخ أبو القاسم الثبرزلي، سلم له معاصروه في حفظ الفقه وأشياخ المدونة والناس دونه في ذلك، وببجاية الشيخ أبو القاسم المشذالي كذلك. وحضرنا مجالسهم، فما رأينا ولا سمعنا بمثل العبدوسي في حفظه وعلمه، وعلمنا صدق ابن مرزوق فيما وصفه به، وكان كما قال الشاعر: فلما التقينا صدق الخبرَ اُلخْبرُ بل صغر الخبَرَ الخْبر» ثم قال في وصف درسه: «وكذلك فعلت أنا، تركت مجلس تدريسي وحضرت عنده لأخذ شيئاً من طريقه، فرأيت شيئاً لا يدرك إلا بعناية ربانية، موقوف ذلك على من رزقه الله الحفظ ينفق منه كيف يشاء. لازمناه

стр. 178

حضراً وسفراً، وعلمنا طريقة تفكراً ونظراً، ولا يقدر على طريقته إلا من رزق فطنة كاملة الاستواء ممدة من جميع القوى الروحية والبدنية. أما إذا أقرأ المدونة فاستمع لما يوحي: يبتدئ في المسألة من كبار أصحاب مالك، ثم ينزل طبقة طبقة حتى يصل إلى علماء الأقطار من المصريين والإفريقيين والمغاربة والأندلسيين وأئمة الإسلام وأهل الوثائق والأحكام حتى يكل السامع وينقطع عن تحصيله الطامع. وكذا إذا انتقل إلى الثانية وما بعدها، هذا بعض طريقته في المدونة. وأما إذا ارتقى الكرسي، يعني كرسي التفسير، فترى أمراً معجزاً ينتفع به من قدر له نفعه من الخاصة والعامة. يبتدئ بأذكار وأدعية مرتبة، يكررها كل صباح ومساء يحفظها الناس ويأتونها من كل فج عميق. وبعد ذلك يقرأ القارئ آية فلا يتكلم بشيء منها إلا قليلاً، ثم يفتتح فيما يناسبها من الأحاديث النبوية، وأخبار السلف وحكايات الصوفية وسير النبي وأصحابه والتابعين. ثم بعدها يرجع إلى الآية، وربما أخذ في نقل الأحاديث فيقول الحديث الأول كذا والثاني كذا والثالث كذا إلى المائة فأزيد، ثم كذلك في المائة الثانية، والشك في الثالثة». ثم قال: «وكذلك فعل في إقرائه للعربية، فبدأ بأصحاب سيبويه، ثم نزل إلى السيرافي وشراح الكتاب وطبقات النحويين حتى على الحاضرون وكلوا. وما زال كذلك حتى ذهبوا ولم يراجع في ذلك، وقد كان قصدهم اختباره وامتحانه» أهـ. بتصرف يسير الإيضاح. وإذ قد تبينت هذه الظاهرة التي كانت غالبة على علم الفروع في هذا العصر، فإنا نقول أنها طريقة منهجية إصلاحية، اختص علماء المغرب دون غيرهم بالعمل عليها، والدعوة إليها إذ في هذا الوقت، بدأ العمل بتلك المختصرات العقيمة، وسرى هذا الداء الوبيل، داء الاختصار، إلى العلوم الإسلامية عامة، فقلل فائدتها؛ فكان علماؤنا يشددون النكير على ذلك، ويصدون الطلبة عن قراءة الكتب التي تحي بها أصحابها هذا المنحى. ويروى عن القباب أنه كان يقول إن ابن بشير وابن شاس وابن الحاجب أفسدوا الفقه. ولما حج اجتمع بابن عرفة في تونس فأطلعه ابن عرفة على مختصره الفقهي، وقد شرع في تأليفه، فقال له القباب ما صنعت شيئاً، فقال ولم؟ فقال إنه لا يفهمه المبتدي، ولا يحتاج إليه المنتهي. فتغير وجه ابن عرفة حينئذ. قالوا وكان هذا هو السبب الحامل له على بسط العبارة في

стр. 179

أواخر مختصره. ومثل القباب في ذلك اليزناسني الفقيه الكبير، فإنه كان صاحب ابن شاس، واستشار وهذا في وضع مختصره الجواهر، فأشار عليه ألا يفعل؛ فلم يعمل ابن شاس بإشارته. وقد ألمعنا إلى الأثر السيء الذي أثرته هذه المختصرات في العلوم الإسلامية بالخصوص، وراجع الفصل التاسع والعشرين من المقالة السادسة من مقدمة ابن خلدون التعرف تأثيرها في العلوم مطلقاً، فلا ريب إذا عددنا ما اتبعه علماؤنا المغاربة في هذا العصر طريقة إصلاحية منهجية. هذا وقد تناولنا الكلام على العلوم الإسلامية جملة، وأعطينا عليها من العبدوسي مثالاً مشتركاً. وإن ظهر أننا نخص الفقه بمزيد العناية، لأنه في الواقع كان أكثرها انتشاراً. ولو ذهبنا نعد رجاله البارزين الذين ما زالت الفتوى والأحكام منذ هذا العهد إلى الآن تدور على أقوالهم واجتهاداتهم لضاق المجال عن استيفائهم؛ ولكن ذلك كله لا يغطي على ما كان لغير الفقه من الظهور، وخاصة علم الحديث رواية ودراية، وعلم التفسير وتوابعه. فبالإضافة إلى مثال العبدوسي نذكر المحدث والرحالة الشهير ابن رشيد الفهري الذي جال في أقطار إفريقية ومصر والشام والحجاز ولقي من أعلام الرواية الجم الغفير، وأكثر من هذا الشأن، وتوسع في الأخذ وذهب في ذلك إلى أبعد غاية. وكان له تحقق بعلوم الحديث وضبط أسانيده، وتمييز رجاله، ومعرفة انقطاعه واتصاله، وألف فيه التآليف المفيدة، وحسبك برحلته الفريدة التي سماها (ملء العيبة فيما جمع بطول الغيبة، في الوجهتين الكريمتين إلى مكة وطيبة، ) المشحونة بالمسائل الحديثة والأسانيد العديدة، التي روي بها أمهات كتب هذا الفن، والأجزاء المختلفة المؤلفة فيه دليلاً على رسوخ قدمه، وكونه من الحفاظ الذين يقل لهم النظير مع كمال الثقة، وشهرة العدالة، والتمسك بالسنة والعمل بالحديث، وإن خالف ما عليه الناس مما يعزز ما قلناه في الفصل السابق من أن الحرية المذهبية لم تقيد قط في المغرب، وإن صار المذهب الرسمي فيه هو المذهب المالكي وكذلك العقيدة السلفية لم تقطع منه برغم سيادة المذهب الأشعري. وهذا ابن حجر يقول عن صاحبنا ابن رشيد في الدرر الكامنة: «وكان على مذهب أهل الحديث في الصفات يمرها ولا يتأول، كان يسكت لدعاء الاستفتاح ويسر البسطة. . .» ومن كبار محدثي هذا العصر الرئيس عبد المهيمن الحضرمي الذي جمع إلى البراعة في الأدب والعربية

стр. 180

التفوق في علم الحديث حتى حلاه ابن خلدون بأمام المحدثين، وله مشيخة حافلة تحتوي على ألف شيخ، مع أنه لم تكن له رحلة، ومن ثم قال فيه المقري الكبير: «جمع فأوعى واستوعب أكثر المشاهير وما سعى، فهو المقيم الظاعن، الضارب القاطن.» ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن الكرسوطي الفاسي؛ كان إلى تضلعه بالفقه، محدثاً ضابطاً عارفاً برجال السند ومراتب الحديث، يستظهر كثيراً من كتبه المطولات، وألف فيه تآليف حسنة. ومنهم الإمام الحافظ، التاريخي أبو عبدالله محمد بن عبد الملك الأوسي الأنصاري المراكشي صاحب الذيل والتكملة، على تاريخ ابن الفرضي لعلماء الأندلس وصلة ابن بشكوال له، ومقامه في الحفظ للحديث والأخذ عن المشايخ مما لا يخفى. ومنهم الراوية النقادة أبو عبدالله محمد بن محمد بن علي العبدري الحاحي الرحالة الشهير، وسعة روايته وقوة عارضته مما يعرف بالوقوف على رحلته، ومنهم الشيخ المحدث الكبير أبو زكرياء يحيى بن أحمد السراج الفاسي. كان أيضاً رحالة، مكثر من الرواية، مقتنياً للكتب، ضابطاً لها. له سماع عظيم وفهرسة جامعة في مجلدين. إلى غير هؤلاء ممن يطول ذكرهم. أما المفسرون فمنهم ابن العابد الفاسي الذي اختصر تفسير الكشاف للزمخشري وجرده من مسائل الاعتزال. وابن البناء العددي الذي له موضوعات كثيرة في التفسير وحاشية على الكشاف، وأبو القاسم السلوي وله تفسير جليل، وأبو علي الشوشاوي وله كتاب الفوائد الجميلة على الآيات الجليلة، ضمنه من علوم القرآن فنوناً عديدة وجعله عشرين قسماً، كل قسم منها يحتوي على مسائل مختلفة؛ فهو من المحاولات الطيبة لجمع علوم القرآن، على غرار ما فعل البدر الزركشي في كتابه البرهان ثم السيوطي في الإتقان. ثم فيما بقي من العلوم الشرعية مثل التصوف والكلام، لا نرى أنهما كانا منتشرين بكثرة لما علم من أن السذاجة التي تخدم مع الفقه حين تدول الدولة له، لا تجامع التصوف، وأنت قد رأيت الحرب التي قامت بين الفقه والتصوف في العصر المرابطي، إلا أن النتيجة هنا لم تكن كالنتيجة فيما سبق، فلم يقض الفقه على التصوف، ولكنه أخضعه لسلطانه. وقد يقال إن العصر بالنسبة للتصوف كان
следующие страницы →