العلم المذكور في هذا العصر من سمو المنزلة عند الخاصة والعامة، بسبب وقوفهم مع الحق، وسيرهم على الجادة؛ فكان أن عظمت سلطتهم على النفوس وقوي نفوذهم في رجال الدولة. فالفتوى والقضاء، ومناصب الشرع كلها كانت مستقلة عن التدخل الحكومي أو التعرض لها من الرؤساء، وكلمة القاضي كانت نافذة في أكبر كبير، كأصغر صغير. وحسبك أنه لما وقع الشجار بين القاضي أبي الحسن الصغير، والوزير ابن يعقوب الوطاسي، بسبب تعقب هذا الأخير لحكم القاضي، لم يكن من السلطان إلا أن سخط على وزيره وعزله شر عزل.
وهذه المكانة التي كانت لرجال الدين عند الشعب، هي التي جعلت العلامة عبد العزيز الورياغلي يثور بآخر سلاطين بني مرين، ويقلب الدولة المرينية رأساً على عقب، لما سول للسلطان أن يولي على فاس رجلاً يهودياً يسوم أهلها سوء العذاب. أرأيت إلى أي حد بلغ نفوذ الفقهاء في الأمة، فلم لا ينصرفون لخدمة علمهم الذي به رقوا هذه الدرجة من المحبوبية.
ونقول إن هذه النهضة المباركة التي نهضها علم الفروع بسبب الإقبال الشديد على طلبه، قد أفادت العالم من حيث هو، وأفادت الأسلوب العلمي أكثر، حيث قد أدخلت عليه تحسيناً مشهوداً في آثار علماء هذا العصر الممتازة بكثرة الجمع والتحصيل، وحسن التصرف والتعليل، وفي دروسهم التي كانت كأنها بحار تزخر بالفوائد، وترمي بالفرائد، فهذا أبو محمد عبدالله الورياجلي أحد صدور الفقهاء، وممن كانت إليه الرحلة في عصره لأنه كاد يتفرد بمرتبة الاجتهاد، وكان يعرف المذاهب الأربعة معرفة جيدة، فكان يدرسها ويرجح مذهب مالك، وكانوا يقيسونه في علمه بالمازري ولا يعدون به طبقته، وأجوبته تدل على غزارة معرفته إذ لا يذكر فيها إلا الخلاف العالي. قالوا: وكان من عادته أنه يشتغل بالتدريس في فصل الشتاء والربيع؛ وفي المصيف والخريف برابط بالثغور. وهذا ابن الصباغ أملى على حديث «يا أبا عمير، ما فعل النغير» أربعمائة فائدة كلها ما استخرجه بفكره الثاقب من هذا الحديث الشريف.
والغاية في هذا الباب ما روي عن أبي القاسم عبد العزيز بن أبي عمران موسى العبدوسي أحد أفراد بيت العبدوسي الذين ظلوا رجالاً ونساء حاملين راية الفقه والحديث بفاس
стр. 177
والمغرب زماناً طويلاً. وقد رحل أبو القاسم هذا إلى تونس، ودرس بها فقضى التونسيون العجب من وعيه للعلوم وكثرة حفظه. وكثير من علمائهم أوقفوا دروسهم وحضروا عنده رغبة في الأخذ عنه، واتصال السند به. وكان الناس يستبقون إلى المسجد ويأخذون مجالسهم فيه قبل صلاة الصبح، وتغص بهم رحاب المسجد فيجلسون خارجه حتى يكون من خارجه أكثر من بداخله. وكان هو يسمع الكل بصوته الجهير. ولما رأوا تفرده بإتقان علوم الشريعة من فقه وحديث وتفسير، قالوا إنه لا يحسن غيرها، فاقترحوا عليه أن يقدم لهم درساً في العربية فدرسها أيضاً وبهرهم ما شاهدوه مما هو فوق الطاقة، فأجمعوا حينئذ على إمامته وتفوقه في العلوم، وأنه لا يضاهيه في جمعه وتحصيله أحد من المعاصرين سواء بإفريقيا والمغرب.
وبعد، فاسمع ما يقوله علماؤها عنه نقلاً عن أحمد بابا: «قال القاضي أبو عبدالله ابن الأزرق، كتب إليه أبو عبدالله الزلديوي المفتي بتونس، يعرفني بحاله من الحفظ مما يقضى منه العجب، أنه ورد علينا في أخريات عام سبعة عشر وثمانمائة، الفقيه العالم الحافظ أبو القاسم بن الشيخ الإمام أبي عمران موسى العبدوسي بكتاب في يده من قبل الإمام أبي عبدالله بن مرزوق يقول لنا فيه، يرد عليكم حافظ المغرب الآن؛ فقلنا هذا من قبيل مبالغات الإخوان في التوصية بإخوانهم. فلما اجتمعنا به وأقام عندنا أزيد من عام رأينا منه العجب العجاب من حفظ لا نتوهمه يكون لأحد. ولقد كان عندنا بتونس الشيخ أبو القاسم الثبرزلي، سلم له معاصروه في حفظ الفقه وأشياخ المدونة والناس دونه في ذلك، وببجاية الشيخ أبو القاسم المشذالي كذلك. وحضرنا مجالسهم، فما رأينا ولا سمعنا بمثل العبدوسي في حفظه وعلمه، وعلمنا صدق ابن مرزوق فيما وصفه به، وكان كما قال الشاعر:
فلما التقينا صدق الخبرَ اُلخْبرُ
بل صغر الخبَرَ الخْبر» ثم قال في وصف درسه: «وكذلك فعلت أنا، تركت مجلس تدريسي وحضرت عنده لأخذ شيئاً من طريقه، فرأيت شيئاً لا يدرك إلا بعناية ربانية، موقوف ذلك على من رزقه الله الحفظ ينفق منه كيف يشاء. لازمناه
стр. 178
حضراً وسفراً، وعلمنا طريقة تفكراً ونظراً، ولا يقدر على طريقته إلا من رزق فطنة كاملة الاستواء ممدة من جميع القوى الروحية والبدنية.
أما إذا أقرأ المدونة فاستمع لما يوحي: يبتدئ في المسألة من كبار أصحاب مالك، ثم ينزل طبقة طبقة حتى يصل إلى علماء الأقطار من المصريين والإفريقيين والمغاربة والأندلسيين وأئمة الإسلام وأهل الوثائق والأحكام حتى يكل السامع وينقطع عن تحصيله الطامع. وكذا إذا انتقل إلى الثانية وما بعدها، هذا بعض طريقته في المدونة. وأما إذا ارتقى الكرسي، يعني كرسي التفسير، فترى أمراً معجزاً ينتفع به من قدر له نفعه من الخاصة والعامة. يبتدئ بأذكار وأدعية مرتبة، يكررها كل صباح ومساء يحفظها الناس ويأتونها من كل فج عميق. وبعد ذلك يقرأ القارئ آية فلا يتكلم بشيء منها إلا قليلاً، ثم يفتتح فيما يناسبها من الأحاديث النبوية، وأخبار السلف وحكايات الصوفية وسير النبي وأصحابه والتابعين. ثم بعدها يرجع إلى الآية، وربما أخذ في نقل الأحاديث فيقول الحديث الأول كذا والثاني كذا والثالث كذا إلى المائة فأزيد، ثم كذلك في المائة الثانية، والشك في الثالثة».
ثم قال: «وكذلك فعل في إقرائه للعربية، فبدأ بأصحاب سيبويه، ثم نزل إلى السيرافي وشراح الكتاب وطبقات النحويين حتى على الحاضرون وكلوا. وما زال كذلك حتى ذهبوا ولم يراجع في ذلك، وقد كان قصدهم اختباره وامتحانه» أهـ. بتصرف يسير الإيضاح. وإذ قد تبينت هذه الظاهرة التي كانت غالبة على علم الفروع في هذا العصر، فإنا نقول أنها طريقة منهجية إصلاحية، اختص علماء المغرب دون غيرهم بالعمل عليها، والدعوة إليها إذ في هذا الوقت، بدأ العمل بتلك المختصرات العقيمة، وسرى هذا الداء الوبيل، داء الاختصار، إلى العلوم الإسلامية عامة، فقلل فائدتها؛ فكان علماؤنا يشددون النكير على ذلك، ويصدون الطلبة عن قراءة الكتب التي تحي بها أصحابها هذا المنحى. ويروى عن القباب أنه كان يقول إن ابن بشير وابن شاس وابن الحاجب أفسدوا الفقه. ولما حج اجتمع بابن عرفة في تونس فأطلعه ابن عرفة على مختصره الفقهي، وقد شرع في تأليفه، فقال له القباب ما صنعت شيئاً، فقال ولم؟ فقال إنه لا يفهمه المبتدي، ولا يحتاج إليه المنتهي. فتغير وجه ابن عرفة حينئذ. قالوا وكان هذا هو السبب الحامل له على بسط العبارة في
стр. 179
أواخر مختصره. ومثل القباب في ذلك اليزناسني الفقيه الكبير، فإنه كان صاحب ابن شاس، واستشار وهذا في وضع مختصره الجواهر، فأشار عليه ألا يفعل؛ فلم يعمل ابن شاس بإشارته. وقد ألمعنا إلى الأثر السيء الذي أثرته هذه المختصرات في العلوم الإسلامية بالخصوص، وراجع الفصل التاسع والعشرين من المقالة السادسة من مقدمة ابن خلدون التعرف تأثيرها في العلوم مطلقاً، فلا ريب إذا عددنا ما اتبعه علماؤنا المغاربة في هذا العصر طريقة إصلاحية منهجية.
هذا وقد تناولنا الكلام على العلوم الإسلامية جملة، وأعطينا عليها من العبدوسي مثالاً مشتركاً. وإن ظهر أننا نخص الفقه بمزيد العناية، لأنه في الواقع كان أكثرها انتشاراً. ولو ذهبنا نعد رجاله البارزين الذين ما زالت الفتوى والأحكام منذ هذا العهد إلى الآن تدور على أقوالهم واجتهاداتهم لضاق المجال عن استيفائهم؛ ولكن ذلك كله لا يغطي على ما كان لغير الفقه من الظهور، وخاصة علم الحديث رواية ودراية، وعلم التفسير وتوابعه. فبالإضافة إلى مثال العبدوسي نذكر المحدث والرحالة الشهير ابن رشيد الفهري الذي جال في أقطار إفريقية ومصر والشام والحجاز ولقي من أعلام الرواية الجم الغفير، وأكثر من هذا الشأن، وتوسع في الأخذ وذهب في ذلك إلى أبعد غاية. وكان له تحقق بعلوم الحديث وضبط أسانيده، وتمييز رجاله، ومعرفة انقطاعه واتصاله، وألف فيه التآليف المفيدة، وحسبك برحلته الفريدة التي سماها (ملء العيبة فيما جمع بطول الغيبة، في الوجهتين الكريمتين إلى مكة وطيبة، ) المشحونة بالمسائل الحديثة والأسانيد العديدة، التي روي بها أمهات كتب هذا الفن، والأجزاء المختلفة المؤلفة فيه دليلاً على رسوخ قدمه، وكونه من الحفاظ الذين يقل لهم النظير مع كمال الثقة، وشهرة العدالة، والتمسك بالسنة والعمل بالحديث، وإن خالف ما عليه الناس مما يعزز ما قلناه في الفصل السابق من أن الحرية المذهبية لم تقيد قط في المغرب، وإن صار المذهب الرسمي فيه هو المذهب المالكي وكذلك العقيدة السلفية لم تقطع منه برغم سيادة المذهب الأشعري.
وهذا ابن حجر يقول عن صاحبنا ابن رشيد في الدرر الكامنة: «وكان على مذهب أهل الحديث في الصفات يمرها ولا يتأول، كان يسكت لدعاء الاستفتاح ويسر البسطة. . .» ومن كبار محدثي هذا العصر الرئيس عبد المهيمن الحضرمي الذي جمع إلى البراعة في الأدب والعربية
стр. 180
التفوق في علم الحديث حتى حلاه ابن خلدون بأمام المحدثين، وله مشيخة حافلة تحتوي على ألف شيخ، مع أنه لم تكن له رحلة، ومن ثم قال فيه المقري الكبير: «جمع فأوعى واستوعب أكثر المشاهير وما سعى، فهو المقيم الظاعن، الضارب القاطن.» ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن الكرسوطي الفاسي؛ كان إلى تضلعه بالفقه، محدثاً ضابطاً عارفاً برجال السند ومراتب الحديث، يستظهر كثيراً من كتبه المطولات، وألف فيه تآليف حسنة.
ومنهم الإمام الحافظ، التاريخي أبو عبدالله محمد بن عبد الملك الأوسي الأنصاري المراكشي صاحب الذيل والتكملة، على تاريخ ابن الفرضي لعلماء الأندلس وصلة ابن بشكوال له، ومقامه في الحفظ للحديث والأخذ عن المشايخ مما لا يخفى. ومنهم الراوية النقادة أبو عبدالله محمد بن محمد بن علي العبدري الحاحي الرحالة الشهير، وسعة روايته وقوة عارضته مما يعرف بالوقوف على رحلته، ومنهم الشيخ المحدث الكبير أبو زكرياء يحيى بن أحمد السراج الفاسي. كان أيضاً رحالة، مكثر من الرواية، مقتنياً للكتب، ضابطاً لها. له سماع عظيم وفهرسة جامعة في مجلدين. إلى غير هؤلاء ممن يطول ذكرهم.
أما المفسرون فمنهم ابن العابد الفاسي الذي اختصر تفسير الكشاف للزمخشري وجرده من مسائل الاعتزال.
وابن البناء العددي الذي له موضوعات كثيرة في التفسير وحاشية على الكشاف، وأبو القاسم السلوي وله تفسير جليل، وأبو علي الشوشاوي وله كتاب الفوائد الجميلة على الآيات الجليلة، ضمنه من علوم القرآن فنوناً عديدة وجعله عشرين قسماً، كل قسم منها يحتوي على مسائل مختلفة؛ فهو من المحاولات الطيبة لجمع علوم القرآن، على غرار ما فعل البدر الزركشي في كتابه البرهان ثم السيوطي في الإتقان.
ثم فيما بقي من العلوم الشرعية مثل التصوف والكلام، لا نرى أنهما كانا منتشرين بكثرة لما علم من أن السذاجة التي تخدم مع الفقه حين تدول الدولة له، لا تجامع التصوف، وأنت قد رأيت الحرب التي قامت بين الفقه والتصوف في العصر المرابطي، إلا أن النتيجة هنا لم تكن كالنتيجة فيما سبق، فلم يقض الفقه على التصوف، ولكنه أخضعه لسلطانه. وقد يقال إن العصر بالنسبة للتصوف كان
стр. 181
عصر تمحيص بسبب هيمنة الفقهاء عليه، وما أحسن التصوف يسير في ظلال الفقه. إذ يكون هو لب الشريعة المكنون، وسرها المصون، وقد كان من أقطابه في هذا العصر ابن عباد الرندي الذي قضى أكثر حياته في فاس، وابن الحاج الفاسي، وأحمد زروق. وكتبهم فيه لا تزال من خير المصادر للتصوف الموزون بميزان الشرع.
ومهما تجوزنا في الكلام، وعممنا في الإحكام، لا يمكننا أن نهمل الإشارة إلى علم أصول الفقه وعلم القراءات، وما نالها في هذا العصر أيضاً من العناية الخاصة، والأول من توابع الفقه والثاني من توابع التفسير؛ فالأصول كثر دارسوه، وظهرت طبقة ممن كادوا يختصون به فوضعت فيه التآليف المهمة، وطبعته بطابع الفقه المالكي ما لم يتهيأ لغيرهم من قبل.
والقراءة ونعني بها ما يشمل التجويد والرسم والقراءات المأثورة والغريبة وتوجيهاتها، ما من أحد من صدور فقهاء هذا العصر إلا وكان له إلمام بها كلاً أو بعضاً، وقد وضعت فيها التآليف أيضاً، إلا أنها على كل حال لم تبلغ في هذا ما بلغته من الذيوع في العصر بعد هذا.
هذا ما يرجع إلى العلوم الدينية، والنشاط الذي طرأ عليها في هذا العصر، والجهود العظيمة التي بذلت في خدمتها حتى بلغت في الجملة إلى المستوى اللائق بها. فلننتقل الآن إلى علوم الأدب لننظر كيف كان سيرها في هذا العصر أيضاً. ونقول: أنها جارت سنة النشوء والارتقاء فبلغت إلى قمة المجد والكمال، وكان هذا عصرها الذهبي في المغرب، والنابغون فيها في هذا العصر كانوا أساتذة من بعدهم، بل طبقت شهرتهم العالم العربي، وما تزال ذكراه فيه حية إلى الآن. فأما النحو واللغة، فإنهما لم ينالا قط من التقدم ما نالا في هذا العصر، وذلك لأن الدولة عربية الصبغة تقدر مجهود العاملين على رفع شؤون العروبة، وليس لها التفات إلى غير ذلك مما توحي به العنصرية المتخلفة كما سبق القول، فلا عجب وقد اتحدت وجهة العمل أن ينبغ في هذين العلمين وفي سائر العلوم العربية رجال عظام ممن يفتخر بهم المغرب، ولا يقلون أبداً عن نظرائهم في بقية العالم العربي. فمن هؤلاء النوابغ ابن أجروم، وابن المجراد وابن هانئ، وابن المرحل، وأبو القاسم الشريف، والمكودي،
стр. 182
وسواهم، ناهيك منهم جميعاً بابن أجرُّوم، ذلك الرجل الذي استطاع أن يخلد اسمه أبد الدهر بوريقات لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، لا تحتوي على تفكير عميق، ولا على فلسفة جديدة، وإنما هي قواعد أوليَّة من علم النحو، مقرّرةٌ لدى الجميع. فما السرُّ في هذا الخلود الذي أتيح لهذا الرجل، حتى لقد فتح لنفسه مجالاً بين جدران مدارس القرن العشرين, وحتى أطلق الناس اسمه على النحو كأنما هو واضعُه؟ فقالوا الأجرُّومية، وأرادوا النحو، ممّا لم ينله سيبَويه نفسُه؟ ذلك السر هو النبوغ النادر الذي أوحى إليه بمقدمته على هذا الوضع العجيب. فبينما النحو قد خضع لقوانين المنطق وأصبح دراسة عقلية عقيمة، إذ طلع ابن أجرُّوم بمقدمته التي يعرض بها أصول هذا العلم في سذاجة تشبه عقل الطفل، وترتيب يتوافق وآخر ما قرَّرته البيداغوجيَّة الحديثة في أساليب التعليم. فلا جرَم إن علا اسمُه على الأسماء وتمجَّدت ذكراه بين الخالدين. ولقد كان للتقدُّم الذي نالته هذه العلوم في هذا العصر تأثيرٌ كبيرٌ في تقويم ألسنة العامة، وتذوُّقهم لأسرار اللغة العربية. أما الخاصة فقد كان جُلُّ كلامهم إن لم نقل كله، مستقيماً يجري على الضوابط اللغوية.
وهذا الوزير عبد المهيمن الحضرمي يقولون في ترجمته إنَّ كلامه كان كلُّه معرّباً، وكذلك ابن عبد المنعم الصنهاجي السبتي من كبار اللغويّين والنحاة في هذا العصر، لم يستظهر أحدٌ في زمانه من اللغة ما استظهره كما قال ابن الخطيب عنه في الإحاطة: «وكان يعرب أبداً كلامه» وألف ابن هانئٍ اللخمي كتاباً فيما تلحن فيه العامة، فجعل اللحن خاصاً بالعامة، واستطاع أن يعُدّ هذا اللحن لما كان قليلاً، ومدح كثيرٌ من الشعراء كثيراً من زعماء القبائل المغربيّة، فكانوا يثيبونهم الثواب الجزيل بسبب تذوقهم لجمال هذه الأمداح. وحسبُك بأمداح ابن الخطيب في رئيس جبل درن أبي ثابت الهنتاني. وربما يكون حديث (اللَّظافة) الذي أثبتناه في قسم المنثور من هذا الكتاب أدلَّ من كل ما تقدَّم على تغلغل انتشار العربية وآدابها في الأمة، وشدّة الإقبال عليها من سائر الطبقات.
وكان العلامة ابن هانئ اللخمي إلى إمامته في العربية وتأليفه فيها، متضلعاً في الأدب بارع الكتابة والشعر، وألف كتاب الغرَّة الطالعة في شعراء المائة السابعة، الذي يعتبر كتاب ابن الخطيب المسمَّى بالكتيبة الكامنة في شعراء المائة الثامنة
стр. 183
كالتذييل عليه، ومثله أبو القاسم الشريف الذي يعرف بالشريف الغرناطي وهو سبتي، وإنما قيل له الغرناطي لإقامته زماناً بغرناطة، وتوليه قضاءها وهو من المؤلفين في العربية والأدب وشرحه لمقصورة حازم مما طبَّقت شهرته الآفاق. ومن أعماله الأدبية المرموقة شرحه للقصيدة الخزرجية المعروفة بالرّامزة في علم العروض، مفتضاً خاتمها بعد أن استعصت على كثير ممن رامها قبله، ولذلك سمَّاه رياضة الأبيّ من قصيدة الخزرجي، وهو ممّا يدلُّ على حصافة عقله وقوَّة فهمه، بَلهَ دلالته على تمكنه من علم العَروض ورسوخه فيه. . . ومالك بن المرحَّل فضلاً عن كونه شاعر العصر بل شاعر المغرب هو أيضاً ممّن ألف في اللغة والأدب كتباً عدة منظومةٌ ومنثورةٌ، منها نظم غريب القرآن لابن عُزَيْز، ونظم اختصار إصلاح المنطق لابن العربي ونظم فصيح ثعلب مع شرحه، ونظم الثلث الأول من أدب الكتاب لابن قُتيبة، بعد ترتيبه، وترتيب الأمثال لأبي عبيد، وأرجوزةٌ في العَروض، واخترع وزناً من أوزان الشعر هو مجزُوُّ الدُّوَبيت المركَّب من فعِلُن مُفاعَلتُن فَعُولن، ومثلِها بحذف فَعِلُن للجَزء كما ذكره العلامة محمد بن عبد المجيد بن كيران في رسالةٍ له في مبادئ العَروض، إلى غير هذا مما يطول تتبعه من حركة انتشار علوم العربية وازدهارها.
ومن دون العربية، فإن التاريخ قد نال عناية عظمى من أبناء هذا العصر، ومن نوابغه فيه المؤرخ العظيم صاحب الفضل على مؤرخي المغرب جملة، ابن أبي زرْع، وما أدراك ما ابن أبي زرع، صاحب القِرطاس وزهر البستان وغيرهما، ومنهم ابنُ عذارى المراكشي صاحب البيان المغرب الشهير، وأبو الحسن الجزَّنائي صاحب زهرة الآس في تاريخ بناء مدينة فاس، وأبو إسحاق التَّاورْتي صاحب تاريخ أبي سعيد عثمان الأصغر، وفيه كان ابنُ خلدون ولسان الدين ابن الخطيب وابن الأحمر وغيرهم ممَّن أوى إلى كنف المرينيين واستظلَّ بظلهم. والتاريخ الخلدوني نفسه مؤلف باسم أبي عِنان وبرسم خزانته، كما أن فيه أيضاً كان صاحبُ الحلل الموشيَّة في الأخبار المراكشية، وصاحب الذخيرة السنيَّة في تاريخ الدولة المرينية. ومن كتَّاب التراجم، ابن عبد الملك المراكشي صاحب الذيل والتكملة وناهيك به. وأبي عبدالله الزَّرْعي الجدْميوي السبتي التاريخي الحافظ، له تاريخ في نحو من أربعين سفراً مُرتَّب على حروف المعجم في أخبار العلماء والأدباء والتعريف بهم، وفي ضمن ذلك من بليغ النظم والنثر والحكايات والفوائد والنوادر ما لا يوصف ذكره في بُلْغة الأمنية.
стр. 184
وعلى ذكر المؤرخين، لا ننسى الرحالين وبينهم وبين المؤرخين ارتباط كبير. ففي هذا العصر كان ابن بطوطة ذلك الرجل العصامي الذي بقي متجوّلاً في أطراف الكرة الأرضية أكثر من عشرين سنة وعاد إلى بلاده متوَّجاً بإكليل الغار. وفيه كان ابنُ رشيد صاحب رحلة مِلءِ العَيْبة، والعبْدري صاحب الرحلة الشهيرة وغيرهم.
وبالجملة فجميع الفنون الأدبية قد ازدهرت في هذا العصر أيّما ازدهار، ولا خصوصية بذلك لما ذكرنا؛ فان غيره مثله، وما طوينا ما طوينا إلا لاندراجه تحت المذكور، ولقصدنا إلى الاختصار. وفي جدول الكتب المؤلفة في هذا العصر بلاغ للمستزيد.
* * *
العلوم الكونية:
وأما العلوم الكونية، فقد تفهم أن نهضة الفقه قضت عليها وعاقت انتشارها لِما عُلمَ من تخاصم أهلها وتطاول من أُديل منهما على من دال بحكم قاعدة من عَزَّبَزَّ. ولكنَّ ذلك كان قبل نبوغ ابن رُشد الذي حمل راية الفقه باليمين، وراية الفلسفة بالشمال، فكان إماماً فيهما معترفاً بتقدمه من الجانبين كليهما، نعم هي وإن لم يقف انتشارها فلم يعُمَّ كما كان في العصر السابق، أو قُل إن وجهة الناس لم تبق مصروفة إلى كل مباحثها وأصولها وفروعها كما كانت من قبل، بل وقع الاقتصار على ما كانت حاجة الأمة ماسة إليه ومتعلقة به من فروع العلوم الرياضية والطب والكيمياء وما إلى ذلك، فإن هذه كانت تستفرغ مجهود الباحثين من علماء هذا العصر الذين توفروا على دراستها وتحقيقها، حتى بلغوا في ذلك شأواً بعيداً. على أننا نرى أن الذي كان يعوز هذه العلوم لتطفر طفرة أخرى مثل ما حصل لها أيام الموحدين، هو تأييد الدولة، وقيام مَلكٍ محب للفلسفة، كيوسف بن عبد المؤمن، يقرّب أهلها ويرفع من قدرهم فيرتفع شأنها ويطرّد نموها، وإلا فقد كان هناك رجال ممن شاركوا في جميع فروع التعاليم، ومنها الفلسفة، ينتصبون للتعليم ويأخذ الناس عنهم معارفهم المنوعة، ومنهم بسبتة أبو عبدالله محمد بن هلال إمام التعاليم وشارح المجسطي في الهيئة، أخذ عنه ابن النجار التلمساني، وكان مبرزاً في سائر التعاليم. ومنهم بفاس خلوف المغيلي اليهودي، اختفى عنده العلامة الآبلي لما أكرهه صاحب تلمسان على العمل؛ ففرّ إلى فاس ولازم شيخ التعاليم المذكور، فأخذ عنه فنونها
стр. 185
ومهر فيها، ثم لحق بمرَّاكش فنزل على ابن البناء ولازمه فتضلع عنه في علم المعقول والتعاليم والحكمة، ورجع إلى فاس فانثال عليه طلبة العلم، وانتشر علمه بكل مكان.
إنما الذي لا مرية فيه أن معظم النشاط العلمي في هذا العصر كان منصرفاً إلى الرياضيات من حساب وجبر وهندسة وفلك، والنابغون فيها كانوا أكثر من غيرهم، وكان على رأسهم الإمام أبو العباس بن البناء العددي ذلك الفلكي المشهور، والحاسب المعروف الذي بذَّ أهل عصره ومن بعدهم بكثرة تحقيقه وطول باعه في العلوم الرياضية والإسلامية جمعاء؛ فحسب الآتين بعده، أن يقتصروا على كتبه وما خلفه من تراث علميٍّ طائل. فكان حاسباً عددياً لا ينافسه في هذا أحد كما أقر له بذلك فطاحل أهل العلم من معاصريه، وكان فلكياً بارعاً أتى بتحقيقات عديدة خالف بها كثيراً ما تقارَ عليه أهل الفن قبله. ولا ريب فإنه كان مفكراً جباراً لا يؤمن إلا بما يهديه إليه فكره بعد البحث الدقيق، والاستنتاج الصحيح. وقد خلف أكثر من مائة كتاب كلها مثال التحرير والإتقان، وشهد ابن خلدون لكتبه الحسابية بالجودة، وبها كانت الدراسة في عصر ابن خلدون.
وكان هنالك أيضاً الجاديري الفلكي البارع، صاحب الروضة التي شرحت شروح عديدة، وكانت بها الدراسة في المعهد القروي. وهذا الفاضل، له أيضاً عدة أبحاث خالف بها المتقدمين من أهل هذا الفن.
وحبذا لو أن أهل الإخصاء من أبناء جلدتنا تجرَّدوا لبحث آثار أسلافهم هذه، والمقارنة بينها وبين آثار المحدثين من علماء الغرب، إذن لوجدوا كثيراً من النظريات التي يفخر هؤلاء بالاهتداء إليها أوَّلُ. وهي من نتيجة جهود أولئك الأسلاف.
وكان هناك السطّي صاحبُ جداول الحوفي في الفرائض التي دل بها على حسن نظره في الحساب والرياضيات. وأبو زيد اللجائي، وكان له باع طويل في الهندسة والحساب والهيئة، وله آلة فلكية تذكر في ترجمته، وغير هؤلاء كثير ممن نبغ في هذه العلوم وألف فيها التآليف المفيدة.
стр. 186
وفي خصوص الطب نبغ أبو الحسن علي بن الشيخ الطبيب بن أبي الحسن علي العَنسي المراكشي، وربما كان ولداً أو حفيداً للرياضي الكبير الحسن المراكشي الذي سبق ذكره في العصر الموحدي لأنه اختلف في اسمه: فمنهم من ذكره باسم الحسن ومنهم من ذكره باسم أبي الحسن؛ فيكون هو جدّ هذا. وله نظمٌ من مجزوّ الرجز في الأنكحة وصفاتها وما يطلب أو يتجنب فيها، والأمراض السرية وعلاجها وطبائع النساء وما يحمد أو يذمُّ منهن، وضعه برسم خزانة السلطان أبي الحسن المريني. وربما كان مشاركاً في غير الطب من العلوم الكونية، ولكننا لم نقف له إلا على هذا الأثر. وفي الطب والكيماء القديمة والعلوم العقلية من الفلسفة والتعاليم نبغ أبو العباس أحمد بن شعيب الجزنائي الشاعر الكاتب. قال ابن خلدون: «نظمه السلطان أبو سعيد المريني في جملة الكتاب، وأجرى عليه رزق الأطباء لتقدمه فيه، فكان كاتبه وطبيبه، وكذا مع السلطان أبي الحسن بعده.»
وترجم في كتاب بُلغَة الأمنية ومقصد اللبيب فيمن كان بسبتة من مدرّس وأستاذ وطبيب سبعة أطباء فيهم امرأة قائلاً: وقد كان بسبتة في هذه الطبقة جماعة من الأطباء والشجّارين- لعله يريد العشّابين- سوى من ذكرناه، لم يبلغوا في العلم والمكانة مبلغ هؤلاء تركت ذكرهم. . فإذا كان هذا عدد الأطباء العلماء في بلدة واحدة هي سبتة، فماذا يكون عددهم في بقية المدن وخاصة العواصم كفاس ومراكش، لا شك أن هذه الطبقة من العلماء الطبيعيّين والرياضيين والفلاسفة، ضاعت تراجم الكثير منهم، وضاعت بالتالي أعمالهم العلمية من كتب ونظريات وتجارب. ومعالم الحضارة المغربية الباقية عن هذا العصر وغيره من العصور تنطق بأنها حضارة مبنية على أسس علمية وفنية متينة. ولئن كان ملوك بني مرين قد قصّروا في حماية علم الفلسفة ومد اليد إلى علماء الطبيعيات كما فعل ملوك الموحدين؛ فإنهم ناصروا الفنون الجميلة، وأخذوا بضبعها بما كان لهم من ذوق فني جميل حتى نهضت نهضتها الكبرى، ولا سيما فن العمارة والنقش والزخرفة وما إليها من الصناعات التي بلغت في هذا العصر أوج الكمال. وقد بقيت شواهد ذلك ماثلة للعيان في مباني الملوك المرينيّين من مثل مدرسة العطّارين والصفّارين والبوعنانيّة والأندلس بفاس، ومدرسة فاس الجديدة ومدارس مكناس وسلا ومراكش وغير المدارس من المساجد والزوايا والرُّبُط والقناطر وسقايات الماء في هذه المدن وغيرها
стр. 187
- وحكاية السلطان أبي الحسن في بناء المدرسة الجديدة بمكناس معروفة، وهي أنه لما رُفع إليه ما صُرف في بنائها استغلى ذلك، فلمّا وقف عليها وأعجبته أخذ حسابها وغرّقه في صهريجها وأنشد:
لا بَاسَ بالغالِي إذا قِيلَ حسن ... لَيْس لما تَسْتَحْسنُ العَيْنُ ثَمَن
وتلك غاية في تخليد المآثر ليس بعدها غاية، وقد بلغ ما أنفقه على المدرسة التي بناها بغربيِّ جامع الأندلس من حضرة فاس وهو حينئذ وليُّ عهد والده أبي سعيد ما يزيدُ على مائة ألف دينار، وهي ما هي في ذلك الوقت. ومدرسة العطارين التي هي من بناء والده أبي سعيد، والمدرسة البوعنانيّة التي بناها ولده أبو عنان هما بالخصوص قطعتان خالدتان تقومان حجة على عظم النهضة الفنية في هذا العصر، وعلى ما كان لبني مرين من يد بيضاء في هذا الصدد.
وإن ننس لا ننس هنا الساعة العجيبة المنصوبة على باب المدرسة البوعنانية، فإنها كانت تُعدّ آية في دقة الصنع وحسن الوضع، وآثارها لا تزال ماثلة هنالك، وقد يكون من المفيد هنا أن ننقل لك ما ذكره ابن بطوطة في معرض مدح أبي عنان، وقد ذكر اعتناءه بجبل طارق ونص كلامه: «وبلغ من اهتمامه أيده الله بأمر الجبل، أن أمر ببناء شكل يشبه شكل الجبل المذكور يمثل فيه شكل أسواره وأبراجه وحصونه وأبوابه ودار صنعته- التي أنشأها والده أبو الحسن- ومساجده ومخازن عُدده وأهرية زروعه وصورة الجبل وما اتصل به من التربة الحمراء؛ فصُنع ذلك بالمشوَر السّعيد (١) - بفاس- وكان شكلاً عجيباً أتقنه الصناع إتقاناً لا يعرف قدره إلا من شاهد الجبل، وشاهد هذا المثال، وما ذلك إلا لتشوّقه إلى استطلاع أحواله واهتمامه بتحصينه وإعداده.» فهذا وحده كاف في الدلالة على الرقي الذي بلغته هذه الفنون في العصر المريني. ولكنّ مزيّة هذا العصر ليست في هذا الرقي، بل في أن علماءه كلّهم مغاربة لا يمتون بسبب إلى بلاد غير المغرب، وقد كان علماء العصر السابق أعني فلاسفته جلّهم إن لم نقل كلهم
стр. 188
من الأندلسيين فنضجت في هذا العصر العقول، وتفتحت الأفكار، وظهر النبوغ المغربي بأجلى مظاهره في جميع ميادين العلوم، ولم يبق الشعب المغربي عالة في نهضته العلمية على سواه، بل أن أبناءه أصبحوا قدوة غيرهم في الدراسات العلمية المختلفة، وقبلة أنظار طلاب المعرفة من جميع الجهات.
المرأة المغربية:
ونختم الكلام في هذا الفصل بالإشارة إلى مساهمة المرأة المغربية في بناء صرح النهضة العلمية في هذا العصر، كما فعلت في غيره من العصور، تلك المساهمة الفعالة التي وإن أغفل الكلام عليها في كثير من المصادر التاريخية، فإنها تأبى إلا أن تعلن عن نفسها من وراء وراء. ولنعط على ذلك مثالاً في حقل العلوم الدينية السيدة أم هانئ بنت محمد العبدوسي الفقيهة الصالحة أخت الإمام الحافظ عبدالله العبدوسي. قال الشيخ زروق في كناشته: كانت فقيهة ذات علم وصلاح، طعنت في السن إلى قرب المائة، وتوفيت سنة ٨٦٠، زاد ابن غازي وهي آخر فقهائهم. ومثلها أختها فاطمة، وكذلك السيدة أم البنين الفقيهة الصالحة جدة الشيخ زروق، والسيدة رحمة بنت الجنان ووالدة الشيخ ابن غازي، والسيدتان عائشة وأمة الله بنتا الحافظ ابن رشيد الذي استجاز لهما المشائخ، وست العرب بنت عبد المهيمن الحضرمي التي أجاز لها ابن رشيد.
وفي الميدان الأدبي نذكر الأديبة أم الحسن بنت أحمد الطنجالي نزيلة لوشة، وقد ترجمها لسان الدين ابن الخطيب في كتابه التاج المحلي فقال: ثالثة حمدونة وولادة، وفاضلة جمعت الأدب والمجادة، وتقلدت المحاسن قبل القلادة، وأولدت أبكار الأفكار قبل سن الولادة. نشأت في بيت أبيها، لا يدخر عنها تدريباً ولا تنبيهاً، حتى نبض إدراكها، وظهر في المعارف حراكها، ودرسها الطب ففهمت أغراضه، وعلمت أسبابه وأعراضه. . . ولما قدم أبوها من المغرب، وتكلم بخبرها المُغرِب، توجّه بعض الصدور إلى اختبارها ومطالعة أخبارها، فاستنبل أغراضها واستحسنها، واستطرف لسنها، وسألها عن الخط وهو أكسد بضاعة جلبت، وأشحّ درّة حلبت، فأنشدته من نظمها شعراً في الموضوع. وكذلك الأديبة
стр. 189
صفية العزفية من بيت العزفيين ولاة سبتة المعروفين، وقد مدحتها الأستاذة الأديبة الشاعرة السيدة سارة بنت أحمد الحلبي بقصيدة مطلعها:
إذا ما ذكرت الشرق طرت له شوقاً. تقول فيها:
ولكن بِمَنْ أَضْحَت وحيدة عصرها ... نسيت من الأشواق ما جلّ أو دقّا
ومَن مثل ذات العلم والحلم والنُّهى ... لقد سار سير الشمس معجزها الأرقى
لقد سار سير الشمس فخر صفية ... ونوّر، إكباراً لها، الغرب، والشّرقا
وصبح جارية أحمد بن شعيب الجزناثي الفيلسوف الكاتب الشاعر، كانت تنظم الشعر، ولما ماتت حزن عليها أشد الحزن، ورثاها بمراثٍ مؤثرة تذكر في المنتخبات.
أما في الميدان العالمي فسنترجم للطبيبة عائشة بنت الجيار مكتفين بها، ونحن على يقين من أن هناك كثيرات من السيدات الفاضلات اللائي كن يشاركن في غير ما ذُكر من ضروب المعارف، ولكنّ أخبارهنّ لم تحفظ بسبب الإهمال الذي مُني به تاريخنا الأدبي سواء بالنسبة للنساء والرجال، والله ولي التوفيق.
стр. 190
الهيئة العلمية وآثارها
من العسير جداً أن نحاول تقديم بعض الشخصيات البارزة من أعضاء الهيئة العلمية في هذا العصر إلى القارئ كما فعلنا في العصر قبله. فلئن أمكن ذلك هناك، فلانحصار التبريز في أشخاص معينين؛ أما هنا فالشخصيات كثيرة، وكل مبرز في فنه، وخصوصاً رجال الفقه والدين فإن هؤلاء لا يكادون يحصون، وفضلاً عن كثرتهم، فإنهم متكافئون في الرتبة، فماذا نفعل? هل نطوي ذكر هذا الصنف من العلماء ونضرب عنه صفحاً ونأخذ بقاعدة منع الجميع أرضى للجميع، أم نذكر بعضاً ونترك بعضاً، وإن غمطنا حق هذا البعض المتروك.
لا نظن أن القارئ يوافق على طي ذكر الجميع، ولعله يكون أكثر شوقاً إلى معرفة بعض المعلومات عن بعض علماء هذا العصر كما في العصر السابق، فلنذكر بعض أفراد منهم على أنهم نموذج ومثال فقط، لا على أنهم اللب والخيرة ممن لم نذكرهم، وفي ظننا أننا بذلك نخرج من الورطة ونخلص من التبعة.
أبو الحسن الصغير
علي بن عبد الحق الزرويلي الشهير بأبي الحسن الصغير بصيغة التصغير ، فقيه كبير من الصدور الحفاظ، كان مجلسه من أعظم المجالس بفاس، يحضره الجم الغفير من خيرة الطلبة وعلية الفقهاء، ويقصده الناس من أقاصي البلاد. ولي قضاء تازة على عهد السلطان أبي يعقوب يوسف، ثم ولي قضاء فاس في أيام حفيده أبي الربيع سلمان. وعضده السلطان فانطلقت يده على أهل الجاه، وأقام الحق على الكبير والصغير، والقوي والضعيف، من غير مداراة في ذلك ولا محاباة. وقامت بسببه فتنة بين السلطان المذكور ووزيره عبد الرحمن بن يعقوب الوطاسي حيث أن أبا الحسن كان قد أقام حد الشرب على أحد سفراء ابن الأحمر، فاهتاج هذا السفير،
стр. 191
وقصد الوزير المذكور، وشكا إليه القاضي. وحجته أن هذا مما لا يعامل به سفراء الدول، فكاد الوزير أن يوقع بالقاضي لولا أن حال السلطان بينه وبينه. وحمل ذلك الوزير على شق عصا الطاعة، والائتمار على خلع السلطان، غير أن كيده رجع في نحره.
أخذ أبو الحسن عن راشد الفاسي، وعنه الجم الغفير. ودخل الأندلس سفيراً فتهافت الأكابر للأخذ عنه، وطلب منه التدريس في غرناطة ففعل، وبهت الناس من حفظه. وله كتب منها مجموعة الدر النثير في النوازل والأحكام، وتقعد على المدونة في عدة مجلدات. وكان في أيام طلبه قيد على الرسالة تقييداً نبيلاً، ثم قيدت عنه بمجلسه عليها وعلى التهذيب تقاييد كثيرة متداولة بأيدي الفقهاء، فلذلك ما اختلفت نسخها وكانت وفاته سنة ٧١٩ هـ.
القباب
هو الفقيه الإمام الحافظ، أبو العباس أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن الجذامي الفاسي شهر بالقباب ، كان أحد صدور الفقهاء في عصره من حفاظ مذهب مالك، وأئمة الدين والورع. درس العلم طول حياته، وأفتي وألف التأليف القيمة، وولي القضاء بجبل طارق، ودخل غرناطة سفيراً. وحج فلقي الأفاضل من أهل العلم والصلاح، وفي وجهته هذه، اجتمع بابن عرفة في تونس، وأطلعه هذا على مختصره، فأبدى عليه ملاحظته السابقة الذكر، وكان بينه وبين الإمام العقباني التلمساني مناظرات جمعها العقباني في تأليف سماه «لباب اللباب في مناظرة القباب» وهي منقولة في المعيار. وللمترجم فتاوى مجموعة أول ما نقل في المعيار منها، وله أيضاً اختصار أحكام النظر لابن القطان، أسقط منه الدلائل والاحتجاج، وله شرح قواعد الإسلام لعياض في غاية الإتقان، وشرح بيوع ابن جماعة مفيد جداً، أخذ عن السطي وابن فرحون والقاضي الفشتالي وغيرهم؛ وأخذ عنه الإمام الشاطبي وابن الخطيب القسنطيني وجماعة. وكانت وفاته سنة ٧٧٩.
стр. 192
ابن عبدالملك المراكشي
أبو عبد الله محمد بن عبد الملك الأنصاري، ثم الأوسي من أهل مراكش، العلامة الحافظ التاريخي النقاد . ولد سنة ٦٣٤ وتوفي سنة ٧٠٣، روي عن أبي الحسن الرعيني وصحبه كثيراً، وأبي عبد الله محمد بن علي بن محمد بن هشام، وأبي الوليد بن عفير وغيره، وأجاز له أبو جعفر بن الزبير صاحب صلة الصلة، وكان ﵀ نبيل الأغراض، عارف بالتاريخ والأسانيد، نقاد لها، حسن التهدي جيد التصرف، أديباً بارعاً ذا معرفة باللغة العربية والعروض ومشاركة حسنة في الفقه. ألف كتاباً جمع فيه بين كتابي ابن القطان الفاسي وابن المواق المراكشي على كتاب الأحكام لعبد الحق مع زيادات نبيلة من قبله. وأما كتابه الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة، فإنه العمل العامي الضخم الذي اشتهر به، وقد استوفي فيه تراجم عدة من لم يذكره ابن الفرضي وابن بشكوال في كتابيها. وترجم لمن أتى بعدهما من الأعلام تراجم حافلة مستوعبة لآثار المترجمين وأخبارهم ومروياتهم وشيوخهم مع النقد للروايات والنظر في تلك الآثار، مما يدل على اطلاع واسع، واستحضار نادر وهو في تسع مجلدات، يوجد أكثرها مفرقاً في مكتبات العالم. وقد ولي أن عبد الملك قضاء مراكش مدة ثم أخر عنه. وكانت وفاته بتلمسان.
ابن رشيد
أبو عبد الله محمد بن عمر بن رشيد الفهري السبتي، رحالة شهير ، ومن الأئمة الحفاظ الوعاة والخطباء المصاقع. مولده بسبتة سنة ٦٥٧، وبها نشأ وتوفي بفاس في محرم فاتح عام ٧٢١ ودفن بمطرح الجلة من القباب.
كان محدثاً مسنداً متضلعاً بالنحو واللغة والعروض، ريان من الأدب، حافظاً للأخبار والتواريخ والسير مشاركاً في الأصلين، عارفاً بالقراءات السبع، خطيباً مبدها كثير الترحال والتجوال في البلاد.
стр. 193
دخل الأندلس في سنة ٦٩٢ فقدم للخطابة و (. . .) بمسجد غرناطة الأعظم، وأقام بها مدة. ثم قفل راجعاً إلى فاس، فنال بها أيضاً مراتب عالية تليق بقدره. ورحل إلى المشرق مرتين، فتجول وأكثر الأخذ عن المشائخ، ثم عاد والتف رحلته (ملء العيبة فيما جمع بطول الغيبة في الوجهتين الكريمتين إلى مكة وطيبة (واستقر بفاس حتى توفي. وله غير الرحلة كتب أخرى تأتي تسميتها، وله خطب ومقطعات وأخبار أدبية يأتي بعضها في محله.
ابن الحاج الفاسي
أبو عبد الله محمد بن محمد العبدري الفاسي المعروف بابن الحاج ، أحد جهابذة المتصوفين وأعلام السنة الراسخين سمع ببلده من جلة الشيوخ. وقدم مصر فصحب الشيخ أبا محمد بن أبي جمرة، وسمع بها وحدث. وكان عارفاً بمذهب الإمام مالك، ومن أهل الزهد والخير والصلاح، وأثرت فيه صحبة أهل القلوب، فصنف كتابه المدخل إلى تنمية الأعمال بتحسين النبات والتنبيه على كثير من البدع المحدثة والعوائد المنتحلة. وهو كتاب حفيل جمع فيه علماً غزيراً والاهتمام بالوقوف عليه متعين. توفي ﵀ سنة ٧٣٧ هـ.
الشيخ زروق
أبو العباس أحمد بن أحمد بن محمد بن عيسى البرنسي الفاسي؛ شهر بزروق، الإمام الأشهر ، والعارف الأنور، ولد عام ٨٤٦ وتوفي والداه قبل سابع ولادته، فكفلته جدته الفقيهة أم البنين، واشتغل بالصناعة فتعلم السكافة، ثم طلب العلم في السادس عشر من عمره فدرس على مشاهير أهل بلده، ورحل إلى المشرق فأخذ به عن جماعة من الأعيان؛ ثم رجع وقد تضلع بعلوم الشريعة، واتقنها غاية الإتقان، ولا سيما التصوف، فقد انفرد بمعرفته وجودة التأليف فيه لتحريره له على أصول
стр. 194
الشريعة تحرير الجوهر وتصفينه تصفية الكبريت الأحمر، فلذلك ما دعي (محتسب الأولياء والعلماء).
له كتب عديدة تميل فيها إلى الاختصار والتحقيق منها، وهو أشهرها قواعد التصوف ومنها عدة المريد، ومنها النصيحة الكافية، وغيرها وهي تزيد على العشرين سنأتي على ذكرها بعد. وتوفي بطرابلس الغرب عام ٨٩٩ هـ.
ابن الشاط
أبو القاسم قاسم بن عبدالله بن محمد بن الشاط الأنصاري السبتي، والشاط اسم لجده ، وكان طوالاً فجرى عليه. كان نسيج وحده في أصالة البظر ونفوذ الفكر وجودة القريحة وتسديد الفهم إلى حسن الشمائل وعلو الهمة والعكوف على العلم والاقتصار على الآداب السنة والتحلي بالوقار والسكينة، أقر بسبتة الأصول والفرائض وكان مقدماً فيهما موصوفاً بإمامتهما. وكان مرفور لحظ من الفقه حسن المشاركة في العربية كأنبا مرسلاً ريان من الأدب وله نظر في العقليات.
قرأ على الأستاذ ابن أبي الربيع وعلى الحافظ أبي يعقوب المحاسبي وغيرهما وأجاز له أبو القاسم بن البراء، وأبو محمد بن أبي الدنيا وأبو العباس بن الغماز وأبو جعفر الطباع وأبو بكر بن فارس وغيرهم وأخذ عنه الجلة من أهل الأندلس الأستاذ أبي زكرياء بن هذيل وأبي الحسن بن الحباب والقاضي أبي بكر بن شبرين وغيرهم. وله تآليف منها أنوار البروق في تعقب مسائل القواعد والفروق، وغنية الرائض في علم الفرائض وغيرهما. وكان مجلسه مألفاً للصدور من الطلبة والنبلاء من الناس. مولده في عام ٦٤٣ بمدينة سبتة وتوفي بها عام ٧٢٣ هـ.
ابن غازي
هو أبو عبدالله محمد بن أحمد بن علي بن غازي المكناسي، ثم الفاسي، شيخ الجماعة بها. نشأ بمكناس كما نشأ بها أسلافه، ثم ارتحل إلى فأس في طلب العلم؛ فأقام بها مدة؛
стр. 195
ولقي من مشايخها عدة ضمنهم ثبته الذي سماه بالتعلل برسوم الأسناد بعد انتقال أهل المنزل والناد. ثم عاد إلى مكناس فأقام بها بين أهله وعشيرته زمناً، ثم انتقل نهائياً إلي فاس، فاستوطنها وبقي بها حتى توفي سنة? ? ? هـ.
كان ﵀ أستاذاً ماهراً في القراآت ووجوهها، مبرزاً في علوم العربية والفقه والتفسير والحديث وعلم الرجال والسير والتاريخ والأدب، درس على القوري وغيره. وأخذ عنه الجماهير إذ قد تفرد برئاسة الهيئة العلمية في عصره، ولم ينازعه أحد في ذلك. له شفاء الغليل في حل مقفل خليل، بين فيه هفوات بهرام والمواضع المشكلة من مختصر الشيخ خليل المالكي، أجاد فيه ما شاء، وهو من أحسن الموضوعات عليه وله تكميل التقييد وتحليل التعقيد، كمل به تقييد أبي الحسن الصغير على المدونة، وحل مشكل كلام ابن عرفه في مختصره في ثلاثة أسفار. وله غير ذلك مما يذكر في محله.
ابن بري
أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن محمد بن الحسن التازي الشهير بابن بري ، أحد المهرة في العلوم العربية والقراءات، وكان كاتباً بليغاً لغوياً عروضياً متفنناً في كثير من العلوم وله خط بارع ونظم جيد. وهو صاحب الدرر اللوامع في قراءة نافع وغيرها من الكتب النحوية والعروضية. وتوفي سنة ٧٣١ هـ.
الخراز
أبو عبد الله محمد بن محمد بن إبراهيم الأموي المعروف بالخراز، كان إمام القراء بفاس وهو صاحب مورد الظمآن في علم الرسم. وكان يعلم الصبيان وذلك سر نجاح أسلافنا، إذ كانوا يسندون الأمور إلى أهلها فلا يظلمونها. وتوفي ﵀ سنة ٨١٨ هـ.
стр. 196
ابن آجروم
أبو عبدالله محمد بن محمد بن داود الصنهاجي الفاسي، عرف بابن آجروم النحوي المقرئ الشهير . مولده عام ٦٧٢ ووفاته عام ٧٢٣ بفاس. وأخذ عن أبي حيان وعنه محمد بن علي الغساني وله من غير المقدمة شرح حرز الأماني في القراءات ونظم في قراءة نافع سماه البارع.
المكودي
أبو زيد عبد الرحمن بن علي بن صالح المكودي الفاسي، إمام النحاة في عصره. ونسبته إلى بني مكود إحدى قبائل هوارة الذين مستقرتهم فيما بين فاس وتازة. كان بيتهم من بيوتات فاس العريقة في العلم والجاه وكان لهم زقاق عرف بهم. وكان أبو زيد هذا من مفاخرهم، إماماً في النحو واللغة والعروض وسائر فنون الأدب، درس كتاب سيبويه بمدرسة العطارين وهو آخر من درسه بفاس وبعده صار العمل على الفية ابن مالك التي وضع هو عليها شرحه المشهور. ومن كتبه غير شرح الألفية شرح الأجرومية، وشرح القصور والممدود لابن مالك والبسط والتعريف في علم التصريف ونظم المعرب من الألفاظ والمقصورة في مدح النبي ﷺ ، نحو ثلاثمائة بيت. وقد نكثت فيها على حازم وابن دريد، وتأتي في القسم المنظوم. توفي ﵀ عام ٨٠٧ هـ.
ابن هانيء
أبو عبدالله محمد بن هانئ اللخمي السبت ي، من كبار علماء العربية، ومؤلفي الأدب في هذا العصر، قال ابن الخطيب في حقه: «علم تشير له الأكف ويعمل
стр. 197
إلى لقائه الحافر والخف، رفع للعربية ببلده راية لا تتأخر، ومرج منها لجة تزخر، فانفسح مجال درسه، وأثمرت أدواح غرسه، فركض ما شاء، وبرح ودون وشرح، إلى شمائل يملك الظرف زمامها ودعابة راشت الحلاوة سهامها».
له كتب مهمة جداً منها شرح التسهيل لابن مالك، تنافس الناس فيه، وكتاب الغرة الطالعة في شعراء المائة السابعة، وكتاب إنشاد الضوال وإرشاد السؤال في لحن العامة، وهو مفيد، وكتاب قوت القيم ودون ترسيل أبي المطرف بن عميرة وضمه في سفرين. وله لطائف أدبية تأتي في محلها. وقد استشهد في حصار جبل طارق في ذي القعدة عام ٧٣٣ ورثي بقصائد منها قصيدة أبي بكر بن شبرين التي يقول فيها:
قد كان ما قال البريد ... فاصبر فحزنك لا يفيد
أودى أبن هانئ الرضى ... فاعتادني للثكل عيد
أبو القاسم الشريف
أبو القاسم محمد بن أحمد الشريف الحسني السبت ي، القاضي الفاضل، نخبة الأدباء في وقته، كان متبحراً في العلوم الأدبية من تاريخ وأخبار ونحو وبيان وعروض، متقدماً في الفقه والأحكام، مع توقد الذهن وأصالة الإدراك. ولي الكتابة والخطابة والقضاء عن ملوك بني الأحمر في الأندلس، وطار صيته ونبه ذكره، وقد أخذ عن أبيه وعن ابن هانئ وابن رشيد وغيرهم، وعنه ابن الخطيب وسواه، وله تصانيف بارعة منها رفع الحجب المستورة عن محاسن المقصورة، وهو شرح المقصورة حازم، ورياضة الأبي وهو شرح على الخزرجية في العروض. وكان أول من فك ختامها بعد أن أعجزت نبهاء الوقت وشرح تسهيل ابن مالك وديوان شعر، وسنثبت طرفاً من أدبه في المنتخبات.
مولده بسبتة في ربيع الأول عام ٦٩٧ وتوفي قاضياً بغرناطة في شعبان عام ٧٦٠.
стр. 198
ولكثرة مقامه بغرناطة يطلق عليه بعضهم الشريف الغرناطي وليس بغرناطي كما علمت.
ابن أبي زرع
أبو الحسن علي بن محمد بن أحمد بن عمر بن أبي زرع الفاسي المؤرخ الثقة ، صاحب أجمع تاريخ المغرب من لدن قيام الدولة الإدريسية إلى وقته، وهو العصر المريني. . وقد اختلف في اسمه ونسبه اختلاف كبير؛ ولكن الراجح هو ما ذكرنا. ولا نعرف عن حياته إلا القليل، لأنه ضن على قراء تاريخه بلمحة ولو خاطفة من التعريف بنفسه. . وذكر الحلبي في الدر النفيس أنه كان عدلاً يحترف التوثيق بسماط العدول بفاس، وذلك مما يدل على تثبته ونزاهته فيما نقل من الأخبار عن تاريخ الدول السابقة والدولة التي عاصرها وهي دولة المرينيين. وعلى كل حال فإن كتابه المعروف بالقرطاس واسمه الكامل (الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس) هو أهم مصدر لتاريخنا الوطني منذ انفصال المغرب عن دولة الخلافة العباسية إلى هذا العصر، وقد اعتمده ابن خلدون وذكره ابن الخطيب في الإحاطة وأثنى عليه كثير من العلماء. وله غير القرطاس تاريخ مطول يسميه أزهار البستان في أخبار الزمان يعتبر في حكم الضائع الآن. وكانت وفاته ﵀ بعد سنة ٧٢٦.
ابن بطوطه
أبو عبدالله محمد بن عبدالله بن محمد بن إبراهيم اللواتي الطنجي، الرحالة الشهير ولد ونشأ ببلده طنجة. ولما بلغ الثانية والعشرين من عمره أوحت إليه نفسه الكبيرة بالترحال والتجوال؛ فامتطى صهوة الاغتراب من وطنه وأخذ يذرع الأرض طولاً وعرضاً. وكان خروجه من طنجة سنة ٧٢٥ فجال في المغرب وإفريقية وطرابلس وبرقة ومصر والشام والعراق واليمن وسواحل إفريقية الشرقية وجزائر
стр. 199
بحر فارس، ودخل الأناضول وجال فيها وقدم بلاد القرم وساح في جنوبي روسيا ودخل إلى بلاد البلغار والقسطنطينية. ثم جال في البلاد الواقعة شرقي بحر الخزر ودخل خوارزم وبخارى وخراسان وقندهار ووادي السند وأقام بدهلي حاضرة الهند ونُصب على القضاء فيها. ثم ساح في الأقطار الصينية والتترية ودخل سيلان وسومطرة وجاوه وباكين قاعدة الصين وابتلي هناك بالأسر وتملص بعد خطب طويل، فانقلب راجعاً إلى المغرب. وكان قد بارح بلاده منذ ٣٤ عاماً. وما لبث أن وصل إلى طنجة حتى عاد إلى الرحلة فدخل إسبانيا وتطوف فيها. ثم عاد وقصد السلطان أبا عنان المريني بفاس فحظي عنده وأفاض عليه من عطائه ما أنساه تجشم الأسفار واقتحام الأخطار. وذهب رسولاً منه إلى بلاد السودان، ثم عاد إلى فاس وبها ألقى عصا التسيار وألف رحلته (تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار) ومات سنة ٧٧٧ أو ٧٩ هـ.
ابن البناء العددي
أبو العباس أحمد بن محمد بن عثمان الأزدي المراكشي، العلامة الفلكي والحاسب المشهور ، كان أبوه بناء وطلب هو العلم فبلغ فيه الغاية القصوى. ولد بمراكش سنة ٦٥٤ وطلب العلم بها ثم بفاس فأتقن العربية وآدابها، وحصل علوم الشريعة وبرع في العلوم الفلسفية ولا سيما الرياضية، فكان لا يدرك شأوه فيها ولا يبلغ مداه. وعلى الأخص الهيئة والعدد منها فإن إليه انتهى عنهما بالمغرب، وعنده اجتمع ما تفرق منها بأيدي قدماء الرياضيين من إسلاميين وغيرهم، ولا يعرف فيمن أتي بعده من تحقق تحققه بمعرفة أسرار الفلك وحركات النجوم، وبالعدد والفم والتفريق فيه، وإنما غاية العلماء بعده في ذلك تفهم كتبه وتناولها بالشرح والتفسير، مثلما فعل ابن هيدور وغيره، فإنه شرح تلخيص ابن البناء الحسابي ورفع الحجاب له أيضاً.
وتلخيص ابن البناء هذا هو الذي قال عنه ابن خلدون أثناء الكلام على الحساب من العلوم العددية «أنه ضابط لقوانين أعماله مفيد» ورفع الحجاب قال عنه: «هو كتاب جليل القدر أدركنا المشيخة تعظمه وهو جدير بذلك». ولابن البناء كتب كثيرة نأتي على ذكرها بعد هذا. وكانت وفاته ببلده سنة ٧٢١.
стр. 200
ابن البقال
محمد بن محمد بن علي بن المقال أبو عبد الله العلامة الأصولي المعقولي الفيلسوف، من أهل تازة ، عرف به بلديه الأستاذ أبو الحسن بن بري فقال: كان من العلماء المحققين المصلين المشاركين، أخذ أولاً بتازة علم الفرائض والعدد على أبي عبد الله العباس بن مهدي والنحو والكلام على أبي عبد الله الترجالي واستوطن فاساً ودأب على القراءة واستفرغ وسعه في المعقول سنين عديدة، حتى حصل التعاليم وأتقنها ثم أخذ أخيراً في التفسير والفقه الخلافي وكان له حظ وافر من اللغة والأدب والبيان والعروض والشعر والكتابة. وكان آخر عمره كثير التلاوة القرآن، محافظاً على صلاة الجماعة، وله وردة من الليل، وبالجملة ما رئي في وقته من حصل من علوم الفلاسفة مثل ما حصله مع الديانة والوقوف مع الشريعة. وأخذ في آخر عمره في تدريس الفقه، فكان آية. وتوفي بفاس سنة ٧٢٥ ودفن أثر صلاة الجمعة داخل باب الفتوح، وقد قارب الخمسين. قال في نيل الابتهاج: وله أجوبة حسنة في التفسير والأصول أجاب بها أبا زيد بن العشاب.
اللجائي
أبو زيد عبد الرحمن بن أبي الربيع اللجائي الفاسي، العالم الرياضي الكبي ر. كان متحققاً بأجزاء من علم الهندسة والهيئة والحساب. نشأ في حجر والده أبي الربيع. وكان من فقهاء فاس، وممن أخذ عن القرافي. وهو الذي أدخل مختصر ابن الحاجب الفقهي إلى فاس، فكان يأخذه بطريقته من قراءة الفقه، ولكنه رأى ذات يوم في النوم كأنه صعد إلى السماء وأخذ يقلب نجومها واحداً بعد واحد فقص رؤياه على أبيه، فقال له أقصد ابن البناء وأخذ عنه علومه، قال ابن قنفد: «كان اللجائي آية في فنونه، ومن بعض أعماله أنه اخترع أسطرلاباً ملصوقاً في جدار والماء يدير شبكته على الصفيحة، فيأتي الناظر فينظر إلى ارتفاع
стр. 201
الشمس كم هو وكم مضى من النهار، وكذلك ينظر ارتفاع الكوكب بالليل وهو من الأعمال الغريبة، وقد وقفت عليه زمان قراءتي بين يديه» وتوفي سنة ٧٧٣ هـ.
عائشة بنت الجيار
هي الطبيبة البارعة عائشة بنت الشيخ الكاتب الوجيه أبي عبد الله بن الجيار المحتسب بسبتة ، قرأت الطب على صهرها الشيخ الشهير أبي عبد الله الشريسي ونبغت فيه. قال في بلغة الأمنية: أدركتها رحمة الله عليها وقد بلغت من السن نحو سبعين سنة. وكانت امرأة عاقلة عالية الهمة، نزيهة النفس، معروفة القدر لمكان بيتها. لها تقدم بالطبع وجزالة في الكلام، عارفة بالطب والعقاقير، وما يرجع إلى ذلك، بصيرة بالماء وعلامته وتأثل لها بطريقتها صيت شيده الأمراء، فطالما كانوا يجيزونها بالهدايا والتحف وغيرها، لأجل ما خبروه من حرفتها، وكانت لها رباع تستغلها. ولم تزل سيدة محفوظة المنصب إلى أن توفيت بعد أن عهدت بتوقيف رباعها في سبيل البر وسبل الخيرات رحمها الله ونفعها.
* * *
أسماء الكتب المؤلفة في هذا العصر
وهاك الآن جدولاً بأسماء الكتب المؤلفة في هذا العصر مما وقفنا عليه فقط، لأننا ندعي إحصاءها جميعاً. كيف وأصحاب الكتب أنفسهم لا يجوز أن يدعي أحد الإحاطة بمعرفتهم، فما بالك بكتبهم؟ وقد سرنا في ذلك على الترتيب الذي توخيناه في العصر السابق.
كتب الحديث والتفسير وتوابعها:
ترجمان التراجم في بيان وجه مناسبة تراجم البخاري لابن رشيد، السنن الأبين في السند المعنعن له، المحاكمة بين مسلم والبخاري له، تعليق على البخاري لأحمد
стр. 202
زروق، جزء في علم الحديث له. التعلل برسوم الإسناد بعد انتقال أهل المنزل والناد لابن غازي، نظم الطرق العشر له، اختصار فتح الباري لابن هلال المتوفى سنة ٩٠٣، شرح أحاديث الشهاب لابن منصور المغراوي السجلماسي من أهل هذا العصر، الروض الأنيق في شرح الموطأ له، حل أغراض البخاري المبهمة في الجمع بين الحديث والترجمة له، شرح الشفا للزموري من أهل القرن التاسع، شرح الشفا لابن السكاك المتوفى سنة ٨١٨، شرح الموطأ للزناتي المتوفى سنة ٧٠٢ مشيخة عبد المهيمن الحضرمي المتوفي سنة ٧٤٩ برنامج مشيخة أبي محمد بن أبي مسلم الأنصاري القطري المتوفى سنة ٧٧٣، شرح ابن بري له. تجريد الصحاح الثلاثة: البخاري ومسلم والترمذي؛ لأبي عبدالله الكرسيوطي الفاسي المولود سنة ٦٩٠، حاشية على صحيح مسلم لابن الشاط. أربعون حديثاً في الجهاد لأبي القاسم التجيبي السبتي المتوفى سنة ٧٣٠، اختصار الكشاف لابن العابد الفاسي المتوفي سنة ٧٦٢، تفسير الباء في البسملة لابن البناء العددي، تفسير الاسم فيها له، تفسير سورة الكوثر له، تفسير سورة العصر له، حاشية على الكشاف له، الدليل في مرسوم خطة التنزيل له، المتشابه اللفظ في القرآن له، كتاب تسمية الحروف وخاصية وجودها في أوائل السور له. تفسير القرآن لأبي القاسم السلوي من أهل القرن التاسع، شرح مسلم له، مورد الظمئان في رسم القرآن للخراز، عمدة البيان في الرسم أيضاً له، شرح الحصرية في القراءات له، شرح ابن بري له، شرح العقيلة في القراءات له. الدرر اللوامع لابن بري، التحفة في القراءات الميمون الفخار المتوفي سنة ٧١٦ الدرة له، المورد له، شرح مورد الظمئآن للشوشاوي المتوفى سنة ٩٠٠ الفوائد الجميلة على الآيات الجليلة له، الأجوبة في التفسير لابن المقال المتوفى سنة ٧٢٥، النافع في أصل حرف نافع للجاديري المتوفى سنة ٨١٨ على ما في الجذوة، شرح ضبط القيسي له، شرح ابن بري له، فهرست له، نظم التيسير في القراءات لابن المرحل، شرح حرز الأماني في القراءات لابن آجروم، البارع في قراءة نافع له، الشافي في اختصار التيسير والكافي لابي القاسم بن عمران الحضرمي السبتي المتوفى سنة ٧٥٠.
كتب الفقه والتصوف وتوابعها:
شرح مختصر خليل ثمان مجلدات للقوري المتوفي سنة ٨٧٢، المنهل المورود شرح
стр. 203
المقصد المحمود للجنان من أهل القرن الثامن، شرح وثائق الغرناطي له، القواعد الخمس لأبي سعيد الرعيني الفاسي المتوفى سنة ٧٧٩ المقدمات له، شرحها له، الجامع المفيد له، تنبيه الغافل وتعليم الجاهل له، اختصار مقدمة ابن رشد له، الروضة البهية في البسملة والتصلية له، المهاد في الجهاد له، الأسئلة والأجوبة له. المسائل الفقهية المنوطة بالأحكام الشرعية لابن منصور المغراوي السجلماسي. الغرر في تكميل الطرر. طرر أبي إبراهيم الأعرج للكرسوطي الفاسي، الدرر في اختصار الطرر له، تقييدان على الرسالة كبير وصغير له، تلخيص التهذيب لابن بشير له، تقييد على مختصر الطليطلي له، تقييد على المدونة لابن أبي يحيى التسولي المتوفي سنة ٧٤٩، شرح الرسالة له، شرح التهذيب له، الأجوبة له، كتاب المناسك لابن هلال، الفتاوى له، تقييد على المدونة لعبد النور العمراني، الفتاوى له، تحرير المقالة في نظائر الرسالة لابن غازي، المسائل الحسان له، شفاء الغليل له، تكميل التقييد له، إرشاد اللبيب إلى مقاصد الحبيب له، الكليات الفقهية له، الجامع المستوفي بجداول الحوفي في الفرائض. رسالة الإخوان من أهل الفقه وحملة القرآن لابن ميمون الإدريسي المتوفى سنة ٩١٧، مراسم الطريقة في علم الحقيقة لابن البناء العددي، شرحه له، عواطف المعارف له، عمل الفرائض له، الفصول في الفرائض له، مقالة في الإقرار والإنكار له، مقالة في المدبر له، رسالة في إحصاء أسماء الله الحسنى له. الدر النثير لأبي الحسن الصغير، تقييد على المدونة له، تقييد على الرسالة له، تقييد على التهذيب له، نظم في الفرائض لعبد العزيز اللمطي، نظم في التصوف له. نهاية الرائض في الفرائض للجدميوي من أهل القرن السابع، كفاية المرتاض في تعاليل الفراض له، مفتاح الغوامض في أصول الفرائض له، نصح ملوك الإسلام في تعريفهم بحقوق أهل البيت لابن السكاك، تعليق على تقييد أبي الحسن الصغير للتازغدري المتوفي سنة ٨٣٢، الوثائق للقاضي الفشتالي المتوفى سنة ٧٧٩، الجمع بين كتابي ابن القطان الفاسي وابن المواق على أحكام عبد الحق الإشبيلي لابن عبد الملك المراكشي، المفيد في الفقه لإبراهيم الفجيجي المتوفي حوالي سنة ٦٠٠، تقييد على المدونة لأبي عمران العبدوسي المتوفى سنة ٧٧٦، تقييد على الرسالة له، تقييد على التهذيب له، شرح المدونة للزناتي، شرح الرسالة له، تقييد على المدونة لأبي موسى الجنائي المتوفي سنة ٨٣٠، حلية الأعيان في شرح عمدة البيان وهي مختصر للوغليسي في فرائض
стр. 204
الأعيان للشوشاوي الفتاوى له، تعليق على المدونة للسطي المتوفى سنة ٧٥٠، تعليق على مختصر ابن شاس له، شرح الحروفية له، اختصار أحكام ابن القطان للقباب المتوفى سنة ٧٧٩، شرح قواعد القاضي عياض له، شرح بيوع ابن جماعة له. تحفة الحكام للزقاق المتوفي سنة ٩١٢، المنهج المنتخب على قواعد المذهب له، معتمد الناجب في إيضاح شبهات ابن الحاجب لأنقشاب من أهل القرن الثامن، شرح الرسالة له. المجالس في الفقه للقاضي المكناسي المتوفى سنة ٩١٧، التنبيه والإعلام فيما قضى به القضاة وافتي به المفتون من الأوهام له. تقييد على الرسالة نسخ متعددة لعبد الرحمن الجزولي المتوفى سنة ٧٤١، غنية الرائض في علم الفرائض لابن الشاط، دلائل الخيرات لأبي سليمان الجزولي المتوفى سنة ٧٨٠، حزب سبحان الدائم له، كتاب في التصوف له. المباحث الأصلية، نظم في التصوف لابن البناء السرقسطي الفاسي، المدخل لابن الحاج الفاسي، النصيحة الكافية لأحمد زروق، إعانة المتوجه المسكين على طريق الفتح والتمكين له، النصح الأنفع له، عدة المريد له، قواعد التصوف له، الأصول في الفصول له، تحفة المريد له، الروضة له، مزيل اللبس عن أسرار القواعد الخمس له، شرح الرسالة الكبير له، شرح الرسالة الصغير له، شرح الأرشاد له، شرح القرطبية له، شرح الغافقية له، شرح المباحث الأصلية له، شرح الحكم العطائئة أربع وعشرون نسخة له، منهاج حزب البحر له، شرح الحزب الكبير له، شرح مشكلات الحزب الكبير له، شرح حقائق المقري له، شرح قطع الششتري له، شرح الأسماء الحسني له، رشح مراصد ابن عقبة له.
كتب الكلام والمنطق والأصول:
شرح العقيدة القدسية لأحمد زروق، الاقتضاب والتبيين في علم أصول الدين لابن البناء العددي، رسالة في الفرق بين الخوارق الثلاث المعجزة والكرامة والسحر له، منتهى السول من علم الأصول له، تنبيه الفهوم على مدار العلوم في الأصول له، شرح تنقيح القرافي له. شرح تنقيح القرافي للشوشاوي، الأجوبة في التفسير والأصول لأبن البقال، أنوار البروق في تعقب القواعد والفروق لابن الشاط. اختصار حدود الشيرازي للرعيني الفاسي. نظم في الكلام لعبد العزيز اللمطي، نظم في المنطق له، نظم في الجدل له، نظم في الأصول له.
стр. 205
كتب التراجم والتاريخ والجغرافية
الغرة الطالعة في شعراء (. . .) السابعة لابن هانئ، الذيل والتكملة لابن عبدالملك المراكشي، البيان (. . . . . . . . . . . . .). الذخيرة السنية في أخبار الدولة المرينية، القرطاس لابن (. . .)، أزهار البستان في أخبار الزمان له، المغرب في صلحاء المشرق والمغرب للرعيني الفاسي، الرحلة له، نظم مراحل الحجاز له، نظم رجال الحلية لابن جابر المكناسي، الروض، هتون في أخبار مكناسة الزيتون لابن غازي. زهرة الآس في بناء فاس لأبي الحسن الجزناني من أهل القرن الثامن، تاريخ أبي سعيد الأصغر للتاورني مات أول القرن التاسع. الإشادة في ذكر المشترين من المتأخرين بالإجادة لأبي القاسم العزفي متوفى سنة ٧١٧، ملء العيبة لابن رشيد. تحفة النظار لابن بطوطة، رحلة العمدوي الحاحي. تاريخ عبد الله الزرعي الجذميوي السبتي في ٤٠ سفراً، كتاب الكوكب الوقاد فيمن حل بسبتة من العلماء والصلحاء والعباد للحضرمي، بلوع الأمنية ومقصد اللبيب فيمن كان بسبتة من مدرس وأستاذ وطبيب له، فرغ منه يوم الخميس ٢١ شعبان ٨٢٤.
كتب الأدب والدواوين الشعرية:
ديوان ترسيل أبي المطرف ابن (. . .) بن هانئ، رفع الحجب سنورة عن محاسن المقصورة لأبي القاسم الشريف، رياضة الأبي في شرح قصيدة الخزرجي له، (. . . . .) له. إحكام التأسيس في أحكام التجميس لابن (. . .)، إيراد المريع رائد الشجيع والترصيع له، وصل القوادم (. . .)، جزء في العروض، المقصورة للمكودي، (. . .) العروض (. . .)، نظم الثلث الأول من أدب الكاتب له، العشريات (. . .) به له، الوسيلة الكبرى المرجو نفعها في الدنيا والأخرى له، نظم في البيان لعبد العزيز اللمصي. المنفرجة التازية لابن يحبش التازي المتوفى سنة (. . .)، أرض المريع في صناعة البديع لابن البناء العددي، عيوب الشعر له، فنون في معرفة الشعر له، قانون في الفرق بين الحكمة والشعر له، نزهة الناظر لابن جاد السمبط البردة له، القصيدة الصيدية لإبراهيم الفجيجي وهي قصيدة تشتس على ون من الوصف والحماسة وتدبير الصيد وغير ذلك مما
стр. 206
يتعلق بهذه الرياضة الجميلة. شرح المقامات الحريرية للزناتي، النصح التام للخاص والعام. قصيدة في المواعظ والحكم لإبراهيم التازي المتوفى سنة ٨٦٦.
كتب النحو واللغة:
شرح التسهيل لأبي القاسم الشريف، شرح كتاب سيبويه لابن رشيد، نظم فصيح ثعلب لابن المرحل، شرحه له، نظم غريب القرآن له، نظم اختصار إصلاح المنطق له، الرمي بالحصى والضرب بالعصا له، رد به على ابن أبي الربيع النحوي، الأجرومية لابن آجروم، الكليات النحوية لابن البناء العددي، شرح الألفية للمكودي، شرح الأجرومية له، البسط والتعريف في علم التصريف له، نظم المعرب من الألفاظ، شرح المقصور والممدود له، تحفة الناظر في غريب الحديث للرعيني الفاسي، شرح غريب الشهاب لابن منصور المغراوي السجلماسي، شرح غريب البخاري له، شرح غريب الموطأ له. المذكر والمؤنث للجاديري، شرح الألفية الابن غازي، شرح الآجرومية لأبي عبدالله الشريف من أهل القرن الثامن، شرح شواهد الشريف شارح الآجرومية للدقشون المتوفي سنة ٩٢١ نظم الآجرومية لميمون الفخار، لامية الجمل للمجراد المتوفى سنة ٧٧٨، شرح جمل الزجاجي لأبي عبدالله الغافقي السبتي المتوفي سنة ٧٣٠، شرحه أيضاً لأبي محمد بن مسلم الأنصاري القصري. ألفية في النحو لعبد العزيز اللمطي.
كتب في مختلف العلوم الكونية
علم الجدول لابن البناء العددي، شرحه له، التلخيص في الحساب له، رفع الحجاب في الحساب له، مقدمة على أقليدس له، المستطيل في بيان أحكام النجوم له، المدخل إلى علوم النجوم له، جزء في العمل بالرومي له، منهاج الطالب في تعديل الكواكب له، علم الأسطرلاب له، العمل بالشكارية والدرقالية له، رسالة في ذكر الجهات وبيان القِبلة له، جزء في الأنواء وصور الكواكب له، كتاب الفلاحة له، قانون معرفة الأوقات بالحساب له، قانون في معرفة فصول السنة له، قانون في ترحيل الشمس له، طبائع الحروف له، صناعة الأوفاق له، مقالة في العزائم والرقى له، مقالة في عمل الطلسمات له، مقالة في الزجر
стр. 207
والفال والكهانة له، مقالة في خط الرمل له، اليسارة في تقديم السيارة له، رسالة في كرية الأرض له، رسالة في تحقيق رؤية الأهلية له، الرد على من قال إن وقت العصر يعلم بوقوع قرص الشمس على بصر القائم مقابلاً له، نظم أبي مقرع في علم الهيئة. الدوحة المشتبكة في ضوابط دار السكة لأبي الحسن بن يوسف الحكيم المديوني، شرح تلخيص ابن البناء العددي لابن هيدور المتوفى سنة ٨١٦، شرح رفع الحجاب له، روضة الأزهار في علم الليل والنهار للجاديري، اقتطاف الأنوار في اختصار روضة الأزهار له، كتاب في العمل بالاسطرلاب والصفيحة الشكارية والربع بالحساب والجدول له، تنبيه الأنام على ما يحدث في أيام العام له، شرح نظم أبي مقرع له، منية الحساب في علم الحساب لابن غازي، شرحها له. السملالية، رجزية في الحساب لإبراهيم السملالي من أهل القرن التاسع، نظام المراقبة العليا في تعبير الرؤيا لابن جابر، كنوز الأسرار ولواقح الأفكار لأنقشاب، رجز في علم الأوفاق لعمر بن عبد العزيز الجزناي، توفي في أوائل القرن التاسع. موسوعة منظومة تحتوي على نيف وعشرين علماً لعبد العزيز اللمطي.
стр. 208
الحياة الأدبية
قدمنا أن هذا العصر كان هو العصر الذهبي للعلوم الأدبية في المغرب. وعليه فيكون هو أزهى عصور الإنتاج الأدبي فيه، لأن هذا الإنتاج ينبع غالباً تلك العلوم رقياً وانحطاطاً. خصوصاً عندما يكون الاعتماد على الدراسة والتلقين، لا على السليقة والطبع.
وفوق ذلك، فإن الوسط الأدبي في المغرب، لم يبلغ من الرقي في عصر من العصور ما بلغ في هذا العصر، فقد اشترك في تكوينه جميع الطبقات من الملوك فمن دومنهم إلى السوقة. أما الملوك فقد علمت أن أكثر سلاطين بني مرين كانوا من أهل العلم والمعرفة والمشاركة في فنون الأدب، وبالطبع فإن وزراءهم وحجابهم وقوادهم فضلاً عن كتابهم وقضاتهم كانوا كذلك؛ إذ يستحيل أن يقرب بساط الملوك، إذا كانوا ملوكاً بمعنى الكلمة، غير أهل الكفاآت النادرة من أرباب المعارف المتنوعة، وكذلك كنت لا تجد في منصب من مناصب الدولة إلا رجلاً كفوء لا يؤتى من قصور، ولا يعاب من تقصير، حتى ذوو البيوتات الذين كانوا يتوارثون الرياسة في هذا العصر كبني العز في وعبد المهيمن وأبي مدين والمكودي والقبائلي، لم يكونوا على ما عهد في أمثالهم من الاعتداد بالأحساب والاتكال على الأنساب وإنما كانوا كما قيل:
إنا وإن أحسابنا كرمت ... لسنا على الأحساب نتكل
تبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا
هؤلاء ممن دون الملوك، ولكنهم فوق السوقة. وأما السوقة فقد أشرنا فيما سبق (. . .) أثرت فيهم نهضة علوم اللسان وما مكنت لهم من تذوق أسرار اللغة ومهم أغراض الأدب، حتى لمن كان منهم في طبقة صاحب حديث «اللظافة» الآني
стр. 209
ولا يخفى أن في هذا العصر استفحل ذلك الشعر العامي الذي يتحدث عنه ابن خلدون في المقدمة، وهو من نظم عوام المغاربة؛ فيكون من الدلائل القاطعة على تمام استعرابهم، وبالتالي على رقي الوسط الأدبي عندهم، لأنهم ما نقلوا الشعر من رطانتهم إلى العربية حتى كان قد تغلغل الروح العربي فيهم إلى حد بعيد جداً. ولا عبرة بما في ذلك الشعر من ألفاظ ركيكة وتراكيب ضعيفة، وإنما العبرة بكونه نظماً على الأسلوب العربي وبألفاظ عربية في الجملة، يصدر من عوام المغرب الذين لم يثقفوا علماً ولا أدباً.
والعجب ممن تخفي عليه هذا الأمر، فراح ينعي على المغرب حظه من اللغة والأدب، ويستشهد بذلك الشعر الذي هو من قول عوام أهله. ولقد كان خليقاً أن يستشهد به على قوة انتشار اللغة العربية وآدابها في المجتمع المغربي الذي يقول عامته مثل ذلك الشعر؛ ولكنه لقصوره لم يعرف أن المغرب شعراء كأعظم شعراء بلاده إن لم يكونوا أعظم منهم. وابن خلدون لم يجعل هؤلاء العوام هم شعراء المغرب، وإنما أتى بهم دليلاً على ضعف الملكة الشعرية عند أهل الأمصار، وخصوصاً الأعجام منهم. ولو زاولوا الصناعة بالتعليم، وهو يغرق على عادته في هذه النظرية فيتناسى ما لأهل هذه الأمصار من اليد الطولي على العربية وآدابها خصوصاً في عصره، وقد كان محاطاً بكثير من نبغائهم الذين لا يقصرون عن غيرهم في فن ولا أدب؛ فجاء مؤلفاً كتاب المطرب في أدب الأندلس والمغرب، ففها عنه أن أولئك العوام هم شعراء المغرب، فانكرا العلم والأدب على المغاربة، فظهما المغرب والتاريخ الأدبي أشد الظلم، وكانا كمن يسمع أزجال عوام المصريين فيحكم على مصر بالعقم الأدبي ناسياً الشوقيات وغيرها من الآيات البينات) (١).
وبعد فما نريد أن نقوله هو أن هذا الوسط الأدبي الطافح بعناصر الحياة،
стр. 210
كان هو مهد هذه الحركة الأدبية الذي فيه نشأت، ومنه درجت، فما ظنك بما تكون عليه من قوة المادة والروح؟
نعم، وقد كان هذا الوسط يغري كثيراً من ذوي الشخصيات الأدبية الكبيرة في إفريقية والأندلس فيؤمون الحضرة الفاسية، ويستوطنونها ناسين بما يلقونه فيها من التجلة والإكرام، أوطانهم الأصلية ومعاهد شبابهم الأولى، وعلى رأس هؤلاء ابن خلدون وابن الخطيب وابن جزي وغيرهم ممن سبقت الإشارة إلى بعضهم. وقد كان انتقالهم إلى المغرب في هذا العصر طوعاً ومن تلقاء أنفسهم، بل اختياراً وإيثاراً له على أوطانهم لا كما كان في العصر السابق كرهاً واضطراراً، لأن عاصمة الدولة ومقر السلطة المركزية كان في مراكش، فلا معدي لذوي المصالح وأرباب الكفايات من اللجوء إليها ولا كذلك في هذا العصر، فإن قيام دولة بني نضر في غرناطة، والدولة الحفصية في تونس، ودولة بني عبد الواد في تلمسان كان حرياً أن يصرف وجه النخبة من أبناء هذه البلاد عن المغرب، مع أن الأمر كان كما قلنا بالعكس، فما ذلك إلا دليل على أن الجو الأدبي في المغرب هو الذي كان يستميلهم إليه.
والحاصل أن في هذا العصر بلغ الأدب المغربي كماله، فتخلص من سائر التأثيرات الأجنبية عن النفس المغربية، وشق لنفسه طريقاً نحو الغاية المقصودة، وهي سد حاجة تلك النفس الظامئة إلى حياة أدبية حرة تتمثل فيها عواطفها ومشاعرها وسجاياها ومزاياها مصورة بصورة طبق الأصل لا رياء فيها ولا تصنع ولا ادعاء ولا تقليد؛ فبلغ تلك الغاية وأوفي عليها بمزيد التفنن والإبداع، ولا سيما في الشعر الذي حمل الطابع المغربي وحده منذ هذا العصر، فتجد الحقيقة فيه تسبق الخيال، والطبع يغلب الصنع والقصد إلى الوضوح أكثر من التعمق، والرقة والجزالة والسهولة في غير ضعف ولا غرابة ولا فسولة ولا ننس وصف الشاعر ابن زمرك لطريقة أدباء المغرب بأنها عربية، وهو الذي نقلناه في الكلام على الحياة الأدبية في العصر السابق، ويكفي أن في هذا العصر نبغ ذلك الشاعر الذي يحق أن يقال عنه، إنه شاعر المغرب الأكبر، ونعني به مالك بن المرحل الذي طبقت شهرته العالم العربي على رغم ما مني به أدباء المغرب من خمول الذكر، والذي لم يسع ابن خلدون إلا أن يعترف بشاعريته
стр. 211
على ما علم من تحفظه الشديد؛ ولكن يا أسفي لضياع شعر هذا النابغة الفذ وغيره من شعراء هذا العهد، الذين نعتقد أنه لو وصلت إلينا جميع آثارهم لما بقي من ينغض رأساً عند ذكر أدب المغرب، لا من أمثال صاحب رسالة الفاخرة بين العدوتين، ولا من أمثال صاحبي كتاب المطرب.
ونذكر الآن مختصر تراجم النابهين من أدباء هذا العصر، لأن الاتساع في ذلك والإحاطة يجمعهم مما يضيق عنه صدر هذا الموضوع.
مالك بن المرحل
هو أبو الحكم مالك بن المرحل السبتي ، أعظم شعراء المغرب شهرة على الإطلاق، ولد سنة ٦٠٤ ونشأ بسبتة خامل الذكر خفي المنزلة فأنهضه أدبه وشعره، وعوضاه من الخمول الظهور؛ فكان في عصره شاعر المغرب غير مدافع، وأطمع شعرائه أسلوباً وأرشقهم لفظاً، وأبلغهم معني. استعان على ذلك بالمقاصد اللسانية لغة وبياناً، ونحواً وعروضاً وقافيةً وحفظاً للجيد من الشعر، واضطلاع بمعرفة معانيه وتراكيبه؛ فإنه كان في ذلك نافذة الذهن، شديد الإدراك، قوي العارضة، تسريع البديهة. وكان قد تلا القرآن بالسبع، وذلك مما زاده بصراً بأسرار العربية.
كان ابن المرحل يتعاطى صناعة التوثيق ببلده سبتة، واستقضي مرة بعض الجهات، وكان مداحاً ليعقوب المنصور المريني ومختصاً به، وعلى تعميره، وتقدمه في السن لم يضعف في رواية العلم والشعر والملح والفوائد، بل كان إنما يزداد سعة درع وانفساح باع في ذلك، ومن شعره لما بلغ الثمانين سنة:
يا أيها الشيخ الذي عمره ... قد زاد عشراً بعد سبعيناً
سكرت من أكواس خمر الصبا ... فحدك الدهر ثمانيناً
стр. 212
وله تأليف سبق ذكرها، وأخباره وأشعاره تأتي في المنتخبات، وتوفي بفاس سنة ٦? ? هـ.
الملزوزي
هو أبو فارس عبد العزيز الملزوزي، شاعر الدولة المرينية وبلبلها الصداح، يأتي بعد ابن المرحل في قوة العارضة وتدفق الطبع والتفنن والإبداع في ضروب القول. وكان المنصور شديد التقريب له فرافقه في جميع حركاته، ما كان منها بالأندلس أو بغيرها، وصدر منه في وصف تلك الوقائع الحربية قصائد فخمة، منها تلك التي قالها بعد عودة المنصور من غزوته الكبرى بالأندلس سنة ٦٨٤ وهي ملحمة فريدة في الأدب المغربي تناهز أبياتها المائتين والخمسين بيتاً، هنأه فيها بالنصر على العدو وعدد أياديه على الرعية، ونوه بالأبطال من قبائل زناتة، فأجازه المنصور عليها بعشرة ألاف دينار، وأعطى لمنشدها بين يديه وهو الأستاذ أبو زيد الغرابلي ألف دينار، وسنثبتها في محلها من هذا الكتاب. وللملزوزي أرجوزة بارعة سماها نظم السلوك في أخبار من نزل المغرب من الملوك. وقد استشهدنا بأبيات منها فيما تقدم.
أبو العباس العزفي
هو أبو العباس أحمد بن الرئيس أبي طالب اللخمي من بيت العز في الذي تداول رياسة سبتة من لندن أواخر دولة الموحدين، كان شاعراً غزلاً رقيق الحاشية، شفاف الديباجة، بديع التشبيه، حسن المقابلة، وهو فاضل أهل بيته في هذا الباب، على أنه ما فيهم إلا فاضل ابن فاضل، ذكره أخوه الحافظ أبو القاسم في كتابه (الإشادة في المشتهرين من المتأخرين بالإجادة) فقال في حقه: «هو أخي، الذي بإخائه أزهى وأنتخي، وكبيري المعتمد بإجلالي وتوقيري، ولولا خوفي من أن يلزمني ما لزم مادح نفسه، لأطنبت في وصف ما له من المحاسن التي فاق بها
стр. 213
أبناء جنسه، مع أنها لم تزل على منصة البيان مجلوة، وبألسنة الإبداع متلوة» دخل غرناطة سنة ٧٠٥ فلقي بها كل تجلة وإكرام، وبقي بها إلى أن توفي في ٢٨ ذي الحجة عام ٧٠٧ هـ.
أبو العباس الجزنائي
هو أبو العباس أحمد بن شعيب الجزنائي الفاسي، شاعر كاتب متضلع في فنون الأدب ، حافظ للجيد من الشعر ذكر أنه كان يحفظ عشرين ألف بيت للمحدثين. وكان له بصر نافذ في نقد الشعر، وشعره مما سابق به الفحول وكتابته حسنة وخطه جيد. وكان كاتباً في ديوان الإنشاء عند أبي الحسن المريني، وتسري جارية رومية اسمها صبج من أجمل الجواري وأحسنهن، ولقنها حظاً من العربية، فنظمت الشعر؛ وكان شديد الغرام بها فهلكت فلم يطبق عليها صبراً، وقال فيها أشعار رائعة هي مثال البلاغة والانسجام.
كان من أهل المعرفة بصناعة الطب، والنظر في التعاليم، وتهتك في علم الكيمياء، وخلع فيها العذار وله فيها موضوعات كثيرة. توفي بتونس في جملة مخدومه أبي الحسن يوم عيد الأضحى سنة ٧٤٩ هـ.
أبو عبدالله المكودي
هو أبو عبدالله محمد بن عبد الرحمن المكودي الفاسي ، شاعر مبدع من أهل الظرف والأدب والانطباع، بيته فيما علمت من بيوتات فاس العريقة في المجد والحسب. نبغ بالشعر فبرز فيه، واشتغل بالكتابة في الديوان السلطاني زماناً؛ إلا أنه شاعراً أكثر منه كاتباً. وهو من الشعراء الذين يعنون بتصوير العواصف
стр. 214
النفسية الدقيقة، والتعبير عن الإحساسات القلبية العميقة، فيكون لشعرهم أثر جميل في النفوس، ووق حسن في القلوب. وكان قد غلب عليه الشراب واللهو، فزري به ذلك، وحط من قدره، فلم يلحظ بالعين التي كان يجب أن يلحظ بها، ولم يرتفع ذكره ما بين الأدباء والشعراء المعاصرين. ولقد دخل غرناطة فيما يحدثنا به ابن الخطيب، فلم يؤبه له، ولم يحتفل به، وهكذا الاسترسال في مجاهل الهوى يخل بالشرف، ويقدح في المروءة وتوفي سنة ٧٥٣ هـ.
ابن عبد المنان
أبو العباس أحمد بن يحيى بن أحمد بن عبد المنان الأنصاري الخزرجي من أهل مكناس ، كاتب الدولة المرينية الشاعر الأديب، الوصاف المعجب. كتب أولاً لأبي عنان وله فيه أمداح بارعة، ثم السعيد أبي بكر وأبي سالم إبراهيم، وأبي عمر تاشفين، وأبي زيان محمد، وأبي فارس عبد العزيز، وأبي زيتان الثاني، وأبي العباس أحمد المستنصر، وصفه الأمير إسماعيل بن الأحمر في نثير الجمان فقال: «به تشرف المصر وتظرف العصر، وحيط الصقع، وخيط الرقع، فتباهي الكلام بإقدامه، وحط رأس التطوع بين أقدامه، إن وصف بين، وإن حلي زين». وهي أوصاف تنبئ عما كان له من الكفاية والاقتدار في الميدانين السياسي والأدبي، وشعره منوع الأغراض، ينتقل فيه من فن إلى فن بغاية السهولة، ولذلك يطول نفسه، ويأتي السابقات الجياد. وهو لطيف التصوير، بليغ التعبير، وصف الساعة العجيبة التي ركبها أبو عنان في مواجهة مدرستيه بفاس فأحسن الوصف، وكذلك وصف قتل الأسد بين يدي مخدومه المذكور، بقصره من المدينة البيضاء فاس الجديد، ودخول المحتال في الأكرة المعدة للتحرش بالأسد والشبكة المعدة لصيد الأسود في الفلاة وغير ذلك؛ فأجاد في الجميع إجادة بالغة. وسنورد هذه الآثار البديعة في المنتخبات، وتوفي ابن عبد المنان سنة ٧٩٢.
стр. 215
ابن جابر المكناسي
هو أبو عبد الله محمد بن جابر الغساني المكناسي، شاعر مجيد عام بالقراءات وتوجيهها، متصرفي في فنون العربية والأدب، أكثر شعره الوصف والنظم التعليمي. ويمتاز بالسلاسة والعذوبة وقوة التخيل. كان له شهرة مطبقة في أيام حياته، وكان في مكناس كعبة القصاد من الأدباء والطلبة وغيرهم يجدون لديه ما تصبو إليه أنفسهم من مذاكرة الأدب، ومدارسة اللغة، وكان حلو النادرة بديع الحكاية، فكه المحضر، لا يكاد جليسه يسلو عنه. له نزهة الناظر لابن جابر، في وصف بلده مكناس وله غيرها. وتوفي سنة? ? ? هـ.
وهو غير ابن جابر صاحب البديعية فإن ذلك أندلسي.