Полный текст (910 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
على ما علم من تحفظه الشديد؛ ولكن يا أسفي لضياع شعر هذا النابغة الفذ وغيره من شعراء هذا العهد، الذين نعتقد أنه لو وصلت إلينا جميع آثارهم لما بقي من ينغض رأساً عند ذكر أدب المغرب، لا من أمثال صاحب رسالة الفاخرة بين العدوتين، ولا من أمثال صاحبي كتاب المطرب.
ونذكر الآن مختصر تراجم النابهين من أدباء هذا العصر، لأن الاتساع في ذلك والإحاطة يجمعهم مما يضيق عنه صدر هذا الموضوع.
مالك بن المرحل
هو أبو الحكم مالك بن المرحل السبتي ، أعظم شعراء المغرب شهرة على الإطلاق، ولد سنة ٦٠٤ ونشأ بسبتة خامل الذكر خفي المنزلة فأنهضه أدبه وشعره، وعوضاه من الخمول الظهور؛ فكان في عصره شاعر المغرب غير مدافع، وأطمع شعرائه أسلوباً وأرشقهم لفظاً، وأبلغهم معني. استعان على ذلك بالمقاصد اللسانية لغة وبياناً، ونحواً وعروضاً وقافيةً وحفظاً للجيد من الشعر، واضطلاع بمعرفة معانيه وتراكيبه؛ فإنه كان في ذلك نافذة الذهن، شديد الإدراك، قوي العارضة، تسريع البديهة. وكان قد تلا القرآن بالسبع، وذلك مما زاده بصراً بأسرار العربية.
كان ابن المرحل يتعاطى صناعة التوثيق ببلده سبتة، واستقضي مرة بعض الجهات، وكان مداحاً ليعقوب المنصور المريني ومختصاً به، وعلى تعميره، وتقدمه في السن لم يضعف في رواية العلم والشعر والملح والفوائد، بل كان إنما يزداد سعة درع وانفساح باع في ذلك، ومن شعره لما بلغ الثمانين سنة:
يا أيها الشيخ الذي عمره ... قد زاد عشراً بعد سبعيناً
سكرت من أكواس خمر الصبا ... فحدك الدهر ثمانيناً
стр. 212
وله تأليف سبق ذكرها، وأخباره وأشعاره تأتي في المنتخبات، وتوفي بفاس سنة ٦? ? هـ.
الملزوزي
هو أبو فارس عبد العزيز الملزوزي، شاعر الدولة المرينية وبلبلها الصداح، يأتي بعد ابن المرحل في قوة العارضة وتدفق الطبع والتفنن والإبداع في ضروب القول. وكان المنصور شديد التقريب له فرافقه في جميع حركاته، ما كان منها بالأندلس أو بغيرها، وصدر منه في وصف تلك الوقائع الحربية قصائد فخمة، منها تلك التي قالها بعد عودة المنصور من غزوته الكبرى بالأندلس سنة ٦٨٤ وهي ملحمة فريدة في الأدب المغربي تناهز أبياتها المائتين والخمسين بيتاً، هنأه فيها بالنصر على العدو وعدد أياديه على الرعية، ونوه بالأبطال من قبائل زناتة، فأجازه المنصور عليها بعشرة ألاف دينار، وأعطى لمنشدها بين يديه وهو الأستاذ أبو زيد الغرابلي ألف دينار، وسنثبتها في محلها من هذا الكتاب. وللملزوزي أرجوزة بارعة سماها نظم السلوك في أخبار من نزل المغرب من الملوك. وقد استشهدنا بأبيات منها فيما تقدم.
أبو العباس العزفي
هو أبو العباس أحمد بن الرئيس أبي طالب اللخمي من بيت العز في الذي تداول رياسة سبتة من لندن أواخر دولة الموحدين، كان شاعراً غزلاً رقيق الحاشية، شفاف الديباجة، بديع التشبيه، حسن المقابلة، وهو فاضل أهل بيته في هذا الباب، على أنه ما فيهم إلا فاضل ابن فاضل، ذكره أخوه الحافظ أبو القاسم في كتابه (الإشادة في المشتهرين من المتأخرين بالإجادة) فقال في حقه: «هو أخي، الذي بإخائه أزهى وأنتخي، وكبيري المعتمد بإجلالي وتوقيري، ولولا خوفي من أن يلزمني ما لزم مادح نفسه، لأطنبت في وصف ما له من المحاسن التي فاق بها
стр. 213
أبناء جنسه، مع أنها لم تزل على منصة البيان مجلوة، وبألسنة الإبداع متلوة» دخل غرناطة سنة ٧٠٥ فلقي بها كل تجلة وإكرام، وبقي بها إلى أن توفي في ٢٨ ذي الحجة عام ٧٠٧ هـ.
أبو العباس الجزنائي
هو أبو العباس أحمد بن شعيب الجزنائي الفاسي، شاعر كاتب متضلع في فنون الأدب ، حافظ للجيد من الشعر ذكر أنه كان يحفظ عشرين ألف بيت للمحدثين. وكان له بصر نافذ في نقد الشعر، وشعره مما سابق به الفحول وكتابته حسنة وخطه جيد. وكان كاتباً في ديوان الإنشاء عند أبي الحسن المريني، وتسري جارية رومية اسمها صبج من أجمل الجواري وأحسنهن، ولقنها حظاً من العربية، فنظمت الشعر؛ وكان شديد الغرام بها فهلكت فلم يطبق عليها صبراً، وقال فيها أشعار رائعة هي مثال البلاغة والانسجام.
كان من أهل المعرفة بصناعة الطب، والنظر في التعاليم، وتهتك في علم الكيمياء، وخلع فيها العذار وله فيها موضوعات كثيرة. توفي بتونس في جملة مخدومه أبي الحسن يوم عيد الأضحى سنة ٧٤٩ هـ.
أبو عبدالله المكودي
هو أبو عبدالله محمد بن عبد الرحمن المكودي الفاسي ، شاعر مبدع من أهل الظرف والأدب والانطباع، بيته فيما علمت من بيوتات فاس العريقة في المجد والحسب. نبغ بالشعر فبرز فيه، واشتغل بالكتابة في الديوان السلطاني زماناً؛ إلا أنه شاعراً أكثر منه كاتباً. وهو من الشعراء الذين يعنون بتصوير العواصف
стр. 214
النفسية الدقيقة، والتعبير عن الإحساسات القلبية العميقة، فيكون لشعرهم أثر جميل في النفوس، ووق حسن في القلوب. وكان قد غلب عليه الشراب واللهو، فزري به ذلك، وحط من قدره، فلم يلحظ بالعين التي كان يجب أن يلحظ بها، ولم يرتفع ذكره ما بين الأدباء والشعراء المعاصرين. ولقد دخل غرناطة فيما يحدثنا به ابن الخطيب، فلم يؤبه له، ولم يحتفل به، وهكذا الاسترسال في مجاهل الهوى يخل بالشرف، ويقدح في المروءة وتوفي سنة ٧٥٣ هـ.
ابن عبد المنان
أبو العباس أحمد بن يحيى بن أحمد بن عبد المنان الأنصاري الخزرجي من أهل مكناس ، كاتب الدولة المرينية الشاعر الأديب، الوصاف المعجب. كتب أولاً لأبي عنان وله فيه أمداح بارعة، ثم السعيد أبي بكر وأبي سالم إبراهيم، وأبي عمر تاشفين، وأبي زيان محمد، وأبي فارس عبد العزيز، وأبي زيتان الثاني، وأبي العباس أحمد المستنصر، وصفه الأمير إسماعيل بن الأحمر في نثير الجمان فقال: «به تشرف المصر وتظرف العصر، وحيط الصقع، وخيط الرقع، فتباهي الكلام بإقدامه، وحط رأس التطوع بين أقدامه، إن وصف بين، وإن حلي زين». وهي أوصاف تنبئ عما كان له من الكفاية والاقتدار في الميدانين السياسي والأدبي، وشعره منوع الأغراض، ينتقل فيه من فن إلى فن بغاية السهولة، ولذلك يطول نفسه، ويأتي السابقات الجياد. وهو لطيف التصوير، بليغ التعبير، وصف الساعة العجيبة التي ركبها أبو عنان في مواجهة مدرستيه بفاس فأحسن الوصف، وكذلك وصف قتل الأسد بين يدي مخدومه المذكور، بقصره من المدينة البيضاء فاس الجديد، ودخول المحتال في الأكرة المعدة للتحرش بالأسد والشبكة المعدة لصيد الأسود في الفلاة وغير ذلك؛ فأجاد في الجميع إجادة بالغة. وسنورد هذه الآثار البديعة في المنتخبات، وتوفي ابن عبد المنان سنة ٧٩٢.
стр. 215
ابن جابر المكناسي
هو أبو عبد الله محمد بن جابر الغساني المكناسي، شاعر مجيد عام بالقراءات وتوجيهها، متصرفي في فنون العربية والأدب، أكثر شعره الوصف والنظم التعليمي. ويمتاز بالسلاسة والعذوبة وقوة التخيل. كان له شهرة مطبقة في أيام حياته، وكان في مكناس كعبة القصاد من الأدباء والطلبة وغيرهم يجدون لديه ما تصبو إليه أنفسهم من مذاكرة الأدب، ومدارسة اللغة، وكان حلو النادرة بديع الحكاية، فكه المحضر، لا يكاد جليسه يسلو عنه. له نزهة الناظر لابن جابر، في وصف بلده مكناس وله غيرها. وتوفي سنة? ? ? هـ.
وهو غير ابن جابر صاحب البديعية فإن ذلك أندلسي.
стр. 216
عصر السعديين
стр. 217
سياسة الدولة
هذه ثانية دولة عربية صريحة قامت في المغرب بعد الأدارسة، بل ثانية دولة علوية بقطع النظر عما أرجف به خصومها من الطعن في نسبها. وهي لم تستند في قيامها إلى مهدوية ولا إلى عصبية، وإنما من أول الأمر كان نهوضها التحقيق أمنية وطنية، هي تنظيم القوات الجهادية وقيادتها لطرد الأجانب المحتلين لشواطئ البلاد وذلك بطلب من المجاهدين أنفسهم، فأشبهت في هذا الأمر الدولة الإدريسية من حيث كونها مطلوبة لا طالبة، وكون نهضتها سياسية من أول الأمر لم تموه بشيء من الدعاوى الكاذبة؛ وكون القائمين بنصرتها والمنضوين تحت لوائها هم البربر الذين قاموا بنصرة الأدارسة من قبل، وانضووا تحت لوائهم. والعجيب هو أنهم نصروهم على دولة بني وطاس البربرية، فلم ينظروا إلى ما تقتضيه عصبية النسب واللغة والقومية من الاحتماء لهم والدفاع عن سلطانهم أن يزول، وفي زواله فشل أمرهم وذهاب ريحهم؛ لكنها كانت زاغت عن الصراط المستقيم واشتغلت بالتهالك على طلب السلطة، وظنت الملك هو هذه المواكب التي يظهرون فيها بمظاهر الفخفخة والاختبال، من غير نظر في مصالح الرعية ولا اهتمام بتحصين البلاد من هجمات العدو. فسرعان ما اختلت الأمور، وتعرضت الأمة لشقاء الاحتلال وتحكم الأجنبي فيها فكثرت إغارة البرتغاليين على الشواطئ واحتلوا منها ما احتلوا وأخذوا يعدون العدة لضم أطراف المغرب بعضها إلى بعض، وتمثيل مأساة عام ١٩١٢ في ١٥١٢، فكيف لا يتحد البربر والعرب على رفع هذا العار عنهم وتلافي الخطر المحيق بهم؟ وبعد فهل تريد دليلاً أقوى من هذا على صحة إسلام البربر وصدق إيمانهم وتغلغل الروح الديني والتعاليم المحمدية في نفوسهم، حيث غلبوا الرابطة الدينية على العصبية الجنسية والأخوة الإسلامية على النعرة القومية، فدلوا بذلك على اتحادهم مع العرب وائتلافهم بهم اتحاد الروح مع الجسم وائتلاف اليمين بالشمال؟ اللهم إن من يزعم غير ذلك، ويكابر في هذه الحقيقة الملموسة فإنما غرضة السعاية وبث سموم البغضاء بين ذوي القرابات الوشيجة والأرحام المشتبكة.
стр. 218
دبت عوامل الانحلال في جسم الدولة الوطاسية وأخذ الضعف منها مأخذاً عظيماً فقصرت سلطتها على حواضر المغرب، ولم يبق لها نفوذ فيما عداها من البلاد النائية، والقبائل العاتية. وقد استنفذ مجهودها واستفرغ قوتها ما كان قائماً بين أفرادها من التنازع على نيل السلطة والاستبداد بصولجان الملك، ثم ما كانت تعانيه من قتال العدو المحتل بالثغور، وخصوصاً القريبة من عاصمة الدولة فاس؛ فلم يكن لديها قوة كافية تمكنها من القيام بدور حاسم في السواحل السوسية البعيدة حيث طغي سيل المستعمرين البرتغاليين، لما عرفوا أنهم بمنجي من طلب رجال الدولة وتعقب آثارهم، ولذلك أخذوا في بناء المعاقيل والحصون والتهيوء والاستعداد لليوم الذي له ما بعده؛ فضاق المسلمون بهم ذرعاً وغصوا بمكانهم من تلك البلاد التي هي حلق السوس وفم عاصمة الجنوب.
ورأت قبائل المصامدة المباركة ذلك فساءها أن يكون عبيدها بالأمس أسيادها اليوم، وأن تبلغ القحة بأولئك البله الأغرار إلى أن يتحدوها في بلادها، ويجرءوا على خطي أسود الشري في عرينها؛ فتقدموا إليهم بنفوس أبية وأنوف حمية. لكنهم لما كانوا يعرفون أن يد الله مع الجماعة، وأن القوة في الاتحاد، أخذوا يبحثون عن ذلك الشخص الذي يولونه قيادهم؛ فسرعان ما أرشدوا إليه فكان هو الشريف أبو عبدالله محمد القائم بأمر الله وكان مقيماً بدرعة، فبعثوا إليه فقدم عليهم. واجتمع فقهاء المصامدة وشيوخ القبائل، وبايعوه فكان هو واضع الحجر الأساسي في بناء هذه الدولة الشامخ، ولقد ساعده الحظ وكتب له الظفر فأجلى الأعداء عن أرض الوطن وزحزح قدمهم التي كانت قد رسخت فيها، فتيمن المسلمون بطلعته وتفاءلوا بطائره.
وكان له ولدان أرضعاً أفاويق النجابة والبراعة، واقتعدا أسنمة النجدة والشجاعة فدعي الناس إلى بيعة أكبرهما وهو أبو العباس أحمد الأعرج الذي دخل مراكش سنة? ? ? وحارب الوطاسيين وجاذبهم حبل السلطة في المغرب زماناً، حتى تدخل الناس في الصلح بينهما فانبرم عقده على أن يكون للأشراف السعديين من تادلة إلى السوس، وللوطاسيين من تادلة إلى المغرب الأوسط. وكان الساعي في عقد هذا الصلح جماعة من العلماء والشرفاء والأعيان. ثم شالت نعامة السلطان أبي العباس الأعرج ونهض أخوه أبو عبدالله محمد الشيخ المهدي، وكان شهماً ذكياً عالي
стр. 219
الهمة، رفيع القدر، عالماً متفنناً، أديباً أريحياً سياسياً محنكاً، فذلل الصعاب وسنى العقاب، وتغلب بطول أمله وحسن مصابرته للأمور على جميع المشاق، وكان يقول: «ينبغي للملك أن يكون طويل الأمل، فإن طول الأمل لا يحسن إلا منه، لأن الرعية تصلح به» فمهد البلاد وأخضع العباد ودخل فاس سنة? ٥? وأجلى منها آخر ملوك بني وطاس. ثم قضى عليه بعد ذلك وعلى دولته فصفا له ملك المغرب من أقصاه إلى أقصاه؛ فقعد قواعده وشاد مبانيه، وأحيي مراسم السلطنة الدارسة، ومعالمها الطامسة، وكانت سيرته وسياسته كلها مثال الحزم والضبط ودليل الحكمة والاقتدار.
ثم تلاه ابنه عبدالله الغالب فاقتفى أثره في حسن السيرة، وكان محبوباً من الشعب بجميع طبقاته. ونشطت الحركة الاقتصادية في زمانه، وكثر البنيان، واستبحر العمران، وكانت أيامه كلها أيام دعة وأمن ورخاء وعافية، ولما توفي قام على العرش ولده محمد، وكان الغالب أخوان تغرباً بالجزائر مدة توليته الملك خوفاً على أنفسهما منه، وهما الغازي أبو مروان عبد الملك المعتصم بالله، وأبو العباس أحمد المنصور الذهبي. فحين سمعا بوفاة أخيهما واستيلاء ابنه على الملك، وانتزاعه تراث أبيها من أيديها، لم يرضيا بالدنية، ووثبا وثبة الأسد الهصور؛ فلم يهدأ لهما بال حتى دبرا بينهما خطة الدفاع عن حقها المغتصب؛ فسافر الغازي أبو مروان إلى القسطنطينية العظمى ومثل بين يدي السلطان سليم الثاني وطلب إليه أن يمده بجيش يدخل معه المغرب فينتزع الملك من ابن أخيه، فلم يجبه إلى طلبه لاشتغاله بأمر تونس التي كان الأسبان يهاجمونها في ذلك الحين. فبقي هناك حتى جهز السلطان حملة سنان باشا التي انتزعت تونس من أيدي الأسبان فصحبها أبو مروان وأبلى فيها بلاء حسناً، ثم كان هو أول من أبلغ بشارة الفتح إلى السلطان فجازاه على ذلك بأن أمر كتيبة من الجيش التركي الجزائري يبلغ عددها أربعة آلاف رجل، فدخلت معه إلى المغرب بعد أن اشترطت عليه أن يعطيها عشرة آلاف عن كل مرحلة.
وما إن شارف فاس حتى خرج إليه ابن أخيه، لكن جيش هذا انضم إلى عمه. وكان الغازي يكاتب القواد والوزراء أيام مقامه بالجزائر ويعدهم ويمنيهم. فلما جاء كانوا كلهم على هواه، فانقادوا إليه، وهكذا رجع الملك إلى نصابه
стр. 220
فاستقل به أبو مروان ناهضاً بأعبائه، مضطلع بشؤونه، وكانت تلك المدة التي قضاها مشرداً عن بلاده ووطنه قد عملت عملها في تنشئته وتدريبه على السعي المحمود والعمل النافع. كما أن تحولاته ومشاهداته قد أكسبته خبرة واسعة بجميع الشؤون، ودربة سياسية نادرة، فأدخل عدة إصلاحات مهمة على الإدارة والسياسة، أهمها ما كان مختصاً بتنظيم الحربية، حيث اقتبس سائر نظم الجندية العثمانية. وسار بالجند المغربي في سبيلها حتى بلغ النهاية، فلم تحل واقعة وادي المخازن حتى كان لديه جيش منظم مدرب على أصول الحربية الفنية يندر وجود مثله في ذلك الحين عند المالك المعادية كالإسبان والبرتغال، وهما إذا ذاك من أعظم شعوب أوربا قوة وأمضاهم شوكة.
وقد شاهدنا نتيجة هذا الإصلاح العملي للجيش في قهره أكثر من مائة ألف جندي أراد ملك البرتغال أن يستذل بهم المغرب ويخضعه لحكمه؛ فساء فاله، وخاب أمله، وكان الباحث عن حتفه بظلفه، والجاذع مارن أنفه بكفه؛ إذ وقع متردياً في هاوية البوار، وباء هو وجيوشه الكثيفة بالدمار، وذلك في واقعة وادي المخازن الشهيرة التي جرت يوم الاثنين منسلخ جمادى الأولى سنة? ? ٦.
نعم شاهدنا هذه النتيجة السارة، وان لم يكتب لبطلها العظيم أن يشاهدها مع الأسف حيث أنه توفي أثناء المعركة محموماً. لكنا نؤمن أنه ما أغمض عينيه حتى أغمضها عن يقين ثابت، واعتقاد راسخ بالنصر والغلبة، حيث عرف أنه قد بني وأحسن البناء فاطمأن قلبه، وهدأ روعه، وصعدت روحه إلى الملأ الأعلى تشرف من برزخها على ميدان القتال، وتبارك المجاهدين وتستقبل أرواح الشهداء في عليين.
ولما انكشفت الموقعة عن اندحار العدو وانكساره، نظر الناس فوجدوا سلطانهم قد توفي، فما كان بأسرع منهم إلى بيعة أخيه وخليفته ورفيقه في غربته السلطان أبي العباس أحمد المنصور الذهبي. وإنه ليوم عظيم وعيد فخم حيث خرج الناس من الموقعة وهم سكارى بنشوة النصر. وزاد فرحتهم انتصاب هذا الملك الهمام على عرش آبائه الكرام لما كانوا يعرفونه من نجدته وشجاعته،
стр. 221
وجوده وحلمه وأخلاقه العالية التي لا يمكن تعدادها هنا، فناهيك به من يوم اجتمعت فيه أسباب الفرح، وغابت عنه موجبات الترح.
وماذا أحدثك بعد عن سيرة هذا السلطان وما بلغه المغرب في أيامه السعيدة من القوة والعظمة والحضارة والرقي والرفاهية والعمران? لقد كان المنصور بحق واسطة عقد الملوك السعديين، وقد رأيت أنه لم يكن فيهم إلا فاضل ابن فاضل، ومن ينشد مع القائل:
إذا سيّدُ منا خلا قام سيد ... قؤول لما قال الكرام فعول
فالمنصور كان عالماً إلى درجة الاجتهاد، وإلى أن جزم علماء عصره بأنه المجدد في القرن العاشر. وكان أديباً شاعراً كاتباً سابق فحول الصناعتين من أدباء دولته، وكان سياسياً محنكاً وقائداً شجاعاً وإدارياً منظماً ومصلحاً اجتماعياً كبيراً. وبالجملة فلقد اجتمعت فيه أوصاف الزعامة وأشراط الإمامة، حتى لقد كان دماغ الأمة المفكر وقلبها النابض ويدها العاملة.
يكفيك أن تنظر إلى مشاريعه العظام ومآتيه الجسام؛ فمن فتح السودان وتوات وتيكرارين، حتى أصبحت الصحراء الأفريقية كلها في قبضة يده وتحت تصرفه؛ فاتسعت دائرة نفوذه إلى ما لم يبلغه قبله في هذه الجهة سلطان واكتسبت المغرب بذلك جلالة قدر ورفعة شأن، وجعل يتقلب في النعماء كيف شاء؛ إذ لا يخفى أن هذه البلاد الشاسعة كانت تحتوي على منابع الثروة الطائلة، وكنوز الغنى الوافر؛ فقد كان الذهب يُجبي إليه منها بالأعمال، وكان في دار سكة المنصور أربع عشرة مائة مطرقة كل يوم تضرب الدينار الوهاج، وهذا غير المصوغات والحلي، ولذلك سمي المنصور الذهبي- إلى إحيائه سُنّة المشورة وجعله الحكومة شرعية أشبه شيء بالحكومات الدستورية النيابية، وذلك بفتحه للديوان الشوري الذي كان يعقد مجالسه كل يوم أربعاء من الأسبوع، ويحضره وجوه الأمة وسراتها فيتفاوضون في شؤون المملكة وتدبير سياستها، فلا يقطع في أمر بدون أن يعرف رأي الأمة فيه- إلى بنائه للقصور التاريخية العظيمة كالبديع، وغير القصور من الحصون والجسور- إلى إعادته تنظيم الجند من جديد
стр. 222
موفقاً بين النظام المستعجم الذي جنح له أخوه المعتصم، وكرهه الناس وقوفاً مع العوائد، والنظام العربي الذي كان قبله؛ فجاء في غاية ما يكون من النظام والترتيب. وسيأتي وصفه في قصائد شعرائه في قسم المنظوم- إلى تنشيطه للصنائع الوطنية بأنواعها وإدخال ما لم يكن معروفاً منها قبل، وتعضيده للفلاحة الذي أتي بأحسن النتائج، حتى في أنواع المزروعات التي لم يسبق للبلاد بها عهد، كقصب السكر الذي نجحت زراعته نجاحاً كبيراً، مما أدى إلى إنشائه لمعاصر السكر العديدة في بلاد سوس ومراكش والغرب، حتى كثرت هذه المادة الضرورية بالمغرب ولم يبق لها ثمن، فكانت أكثر صادراته إلى أوروبا وغيرها. وكان يبادل الإيطاليين بها الرخام- إلى غير ذلك مما يطول تتبعه.
ولا يمكننا أن نأتي في هذه النبذة على وصف ضخامة ملك أبي العباس المنصور وحسن سيرته، وإنما حسبنا أننا أشرنا إلى لمع من ذلك. ويقال بالجملة إن أيامه كانت غرة في جبين التاريخ المغربي، وإن الدولة السعدية لو لم تنجب إلا إياه لكفاها فخراً. على أن الدهر الخؤون لم يلبث أن أعلن حربه عليها بعد وفاة المنصور فتردت من ذلك العلو الشاهق إلى الحضيض الأسفل.
ومن السخف أن يحاول الإنسان الكلام على حياة هذه الدولة بعد وفاة المنصور وإن امتدت إلى حين. وكذلك نحن ننتهي هنا، وفي اعتقادنا أننا أعطينا القارئ صورة مصغرة من سياسة هذه الدولة وسيرتها في رعيتها التي أولتها قيادها وسلمت لها أمرها عن رضى وطيب خاطر منها؛ فلم تخيب فيها ظنها، وأتت بما يتناسب مع طيب عنصرها وشرف أصلها، إلا ما كان من أفراد قليلين لا يمكن أن يؤخذ الأبرياء بذنبهم، وهم فوق ذلك شبان أغرار لم يصدروا في شيء من أعمالهم عن خبث نية أو سوء قصد.
стр. 223
الحركة العلمية
لو صح ناموس النشوء والارتقاء وكان كل شيء في هذا الوجود مطرداً مستمراً يتصل أوله بآخره، وترتبط أطرافه بعضها ببعض، لكان للمعارف اليوم في بلاد المغرب شأن غير هذا الشأن؛ إذ قد رأيت ما كانت عليه من التقدم والانتشار في عصر المرينيّين، فما ظنك لو بقيت سائرة نحو غايتها القصوى من التكمّل والنماء منذ ذلك العهد إلى الآن؟
ولا نقصد أنها في هذا العصر تقصر عما كانت عليه في العصر السابق أو تقل عنه شأناً، وإنما نتأسف للوقوف الذي اعتراها في تلك الفترة التي كانت الدولة الوطّاسية مسيطرة فيها على المغرب والتي لم تذق البلاد فيها طعم السلم والراحة، حتى كاد اليأس يستولي على النفوس، لولا أن تدارك الله هذه الأمة بضم شملها واجتماع كلمتها على يد زعيم هذه الأسرة السعدية المباركة كما سبق القول.
وحينئذ بعد استقرار الأحوال ورجوع الأمن إلى نصابه، عاد لكل شيء رونقه وبهجته، وأقبل كل على شأنه. ورجال العلم أيضاً أخذوا في إحياء ما اندثر وجمع ما تبعثر من سالف ذلك المجد العلمي والتاريخ الأدبي؛ فلم تنشب حركة العلوم والآداب أن عاودها النشاط والانتعاش، وخصوصاً بعد ما أنست من الملوك السعديين وعلى رأسهم المنصور الذهبي ذلك التعضيد الذي سبقت الإشارة إليه.
بيد أنها إن كانت نهضت من جديد فإنها لم تعدم ما يقعد بها عن استئناف السير إلى الأمام، نتيجة للركود العام الذي أصاب الحياة الفكرية، فمنذ هذا العهد في سائر بلاد الإسلام؛ فقد أصبح العلماء وأكثرهم نشاطاً وأعظمهم اجتهاداً هو من يقف عند الغاية التي وصل إليها من قبله في هذا العلم أو ذاك ومن يجتز المقررات التي وقع الفراغ منها قبله. فإن أظهر براعة وأبدى تفوقاً ففي هذه
стр. 224
الظاهرة التي عمّت فأعمت، وهي ظاهرة الاختصار والتعمق فيه التي أشرنا في العصر السابق إلى مضارها الجسيمة، حتى أفضى الأمر إلى أن أصبحت العلوم في حالة من الغموض والإبهام تصد عنها كثيراً من الطلاب. وهذا الأمر إن لم يكن أخرها كثيراً، فقد عاقها عن التقدم والانتشار طوال المدة التي بقيت فيها قيد الإنشاء والإعادة.
العلوم الشرعية:
ويقال بالجملة أن العلوم الشرعية كالفقه والحديث والتفسير قد كانت منتشرة بكثرة على نسبة ترتيبها هذا، الذي ذكرناه؛ وإنما الذي ظهرت عليه آثار التحول هو الفقه، فالغالب أن كتبه التي كانت مستعملة في العصر المريني قد اطرحت الآن ولم يبق منها إلا القليل، وأخذت كتبٌ أُخر مختصرة عوضاً عنها وظهر نشاط كثير وتنافس في شرح هذه المختصرات والتعليق عليها.
وإن ننس لا ننس ما جد في هذا العصر من كثرة الإقبال على علوم القراءة وشدة العناية بها، حتى لقد تخصص بها علماء كثيرون لا يزاولون غيرها من العلوم، كما شارك فيها سائر العلماء، بل كان وصف العالمية لا يكمل إلا بها. ويمكننا أن نقول إن هذا كان عصرها الذهبي في إفريقية كلها، الذي بلغت فيه إلى أوج الكمال. وحسبك دليلاً أن وقف القرآن الذي وقع الإجماع عليه وجرى العمل به في المغرب منذ ذلك الوقت إلى الآن، إنما وضع في هذا العصر وكان واضعه هو الأستاذ الصماتي.
أما الكلام فقد قامت له أيضاً دولته، إذ وجد ما حفز الهمم للاشتغال به، وهو تلك المناظرة العنيفة التي قامت بين الشيخين الخرُّوبي واليسيثني أولاً، وبين هذا الثاني والشيخ الهبطي ثانياً، في مسألة الهيللة، هل الحق مما يدخل في النفي بلا، وهل تنتفي بها ألوهية الصنم وغيره مما عُبد من دونه باطلاً أم لا? وقد استمرت هذه المناظرة زماناً طويلاً وثار بسببها شرّ كبير بين العلماء حتى تدخل السلطان نفسه فيها ولم يُجدِ ذلك شيئاً. وبقيت المسألة على حالها إلى أن تأدّت إلى العصر العلوي، فلم تعدم من يروجها من الطلبة. ثم تصدى لها
стр. 225
أبو علي اليوسي فلم يترك مقالاً لقائل على عادته، وقطعت جهيزة قول كل خطيب.
ولم تكن هذه المناظرة هي الوحيدة من نوعها فقد قامت بين اليسيثني أيضاً، والشيخ عبد الوهاب الزقاق مناظرة أخرى في مسألة خلف الوعد من الله تعالى، فقال الزقاق أن ذلك يصح منه، وخالفه اليسيثني. وألف كل منهما في المسألة منتصراً لرأيه، مما يدل على زيادة اعتنائهم بهذا العلم وكثرة اشتغالهم به.
وأما التصوّف فقد كان طغى عليه سيل التدليس والتلبس، فقيض الله له مثل ابن خجو والهبطي، فهذباه ونقحاه. وكان الشيخ أبو العباس الصومعي، حامل رايته علماً وعملاً، ومن لم يستغل مقامه وجاهه ولا استغله أحد على كثرة هذا الصنف في المتصوفة بهذا العصر.
هذا ما يرجع إلى علوم الشريعة. وأما علوم الأدب فالنحو بالخصوص مما ظهر عليه أثر التحول جليّاً واضحاً، فاقتصر طلابه على اثنين أو ثلاثة من الكتب المختصرة أو المنظومة لا يجاوزونها إلى غيرها أبداً، وقد نشط العلماء في شرح هذه الكتب والتعليق عليها نشاطاً لا مزيد فوقه.
وأما علوم البلاغة فإنها كانت نافقة جداً، إلا أن أثرها في الألفاظ كان أقوى منه في المعاني، وعلى الأخص عند بعض الأدباء الذين شغفوا بالبديع فأكثروا منه إلى حد الإغراب. وقد كان على رأسهم المنصور الذهبي الذي هو في ملوك المغرب كابن المعتز في ملوك المشرق إلا أن هذا لم تدركه حرفة الأدب كما أدركت سلفه.
وأما علم التاريخ فهو الوحيد من علوم الأدب الذي ازدهر في هذا العصر ازدهاراً كبيراً إذ رزق رجالاً أكفاء انصرفوا لخدمته ووجهوا اهتمامهم إليه، وبالخصوص تاريخ السعدييّن الذي لولا هذه العناية لظل محجوباً عن الباحثين، كتاريخ الوطاسيين قبله، محاطاً بالغموض الذي يحوج المؤرخ إلى الرجم بالظنون وافتراض الفروض ولعل هذا الاهتمام كان منشأه تعضيد الأشراف السعديّين للمؤرخين وعلى الأخص المنصور الذي اجتمع في بلاطه عدد كبير منهم كالعلامة المقرّي صاحب نفح الطيب وأزهار الرياض وغيرهما وأبي العباس بن القاضي وعبد العزيز الفشتالي ومحمد بن علي
стр. 226
النسب ومحمد بن عيسى الكاتب وغيرهم. ناهيك بفدائه لابن القاضي المذكور لما وقع في أسر الإفرنج بألوف الدنانير الذهب.
العلوم الكونية:
وهذا في العلوم الأدبية. وأما العلوم الكونية فما كان مما تقتضيه في الجملة، طبيعة العمران البشري وخلة الاجتماع الإسلامي فإنه كان منتشراً بكثرة، وذلك كالهندسة والهيئة والطب وما إليها. وما عدا ذلك فلم نقف له على خبر.
أما الطب فقد كان للدولة مزيد اعتناء بأهله واهتمام بشأنه، وحسبك ما أسداه المنصور لطبيبه الخاص أبي عبد الله محمد الطيب، وما خلع عليه هو ورجال دولته، لما استقلّ من مرضه المخوف وتداركه الله على يد الطبيب المذكور عام? ? ? وكان هناك أطباء كثيرون منهم أبو القاسم الوزير صاحب كتاب المفردات المشهور وأحمد المريد وابن سعيد المرغيثي وغيرهم. ومما يدل على ارتقاء شأن الطب في هذا العصر ما وصفه المنصور من أنواع الوقاية والعلاج في كتابه الذي بعثه إلى ولده بمراكش عند ظهور الوباء ونص المراد منه: «والى هذا أسعدكم الله أول ما تبادرون به قبل كل شيء هو خروجكم إذا لاح لكم شيء من علامات الوباء ولو أقل القليل حتى بشخص واحد، ثم لا تغفلوا عن استعمال الترياق أسعدكم الله، فالزموه وإذا استشعرتم بسلامة بحرارة وتخوفتموها فاستعملوا الوصف من الوزن المعروف منه ولا تهملوا استعماله. وأما ولدنا حفظه الله لمكان الشبيبة فحيث يمنعه الحال من المداومة على الترياق فها هي الشربة النافعة لذلك قد تركناها كثيرة هنا لكم عند التونسي فيكون يستعملها هو والأبناء الصغار المحفوظون بالله، حتى إذا أحس ببرد المعدة من أجلها تعطوه الترياق فيعود إليها. والبراءة التي ترد عليكم من سوس أو من عند الحاكم أو من عند ولد خالكم أو من عند غيرهما لا تقرأ ولا تدخل داراً بل تعطى لكاتبكم هو الذي يتولى قراءتها ويعرفكم مضمنها. ولأجل أن الكاتب يدخل عليكم ويلابس مقامكم فلا يفتحها إلا بعد إدخالها في خل ثقيف وتنشر فتيبس وحينئذ يقرأها ويعرفكم بمضمنها إذ ليس يأتيكم من سوس ما يستوجب الكتمان».
ومما في هذه الرسالة مما يتعلق بالبيطرة وهي طب الحيوان قوله: «وأوصيكم
стр. 227
أعزكم الله أن تتفقدوا فرسنا الأحمر الصغير ولا تتركوهم يعطونه القصيل لئلا يكثر لحمه ويزاد ألمه، بل انظر من يركبه كل يوم، بل لا ينزع السرج بالكلية عن ظهره بياض النهار كله وأعطوه لصاحب روض المسرّة يركبه في ذهابه وإيابه للمسرة أو لداره وأوصوه أن لا يركبه غيره.
وأما الهيئة فقد كان لها فضل انتشار أيضاً، لمكان الحاجة إليها في معرفة أوقات الصلاة والإمساك والإفطار في الصوم وغير ذلك، وقد ألفت فيها وحدها ومع الحساب كتب عديدة. ومن علمائها المشهورين: البوعقيلي والمرغيثي وغيرهما.
وفي غير ما ذكر نقول أنهم ذكروا في ترجمة المنصور كدليل على نبوغه وعبقريته أنه قرأ كتاب إقليدس الهندسي وفك جداوله بنفسه من غير استعانة على ذلك بأحد لفقد «من يحسن ذلك الشأن في عصره». وهذا لا يتوافق مع ما عرف عن هذا العصر من استبحار العمران وكثرة البنيان وشيوع فنون الزخرفة من النقش والتزويق وغير ذلك مما لولاه لما أمكن بناء قصر البديع العديم النظير وغيره من الحصون المنيعة والقناطر الرفيعة التي تحتاج في وضع تصميماتها وبنائها إلى جهود الجبابرة، وعقول الجهابذة من رجال الفن والهندسة المعمارية.
وفعلاً فإننا نرى أنه كان هناك رجال ممن يحسنون «ذلك الشأن» أو على الأقل من شارك فيه نظرياً مثل ابن القاضي الذي ألف كتاب المدخل إلى الهندسة، وأبي القاسم الغول الذي ألف كتاب كيفية قسم المياه على قواديس الديار. ولا بد أن يكون هناك آخرون لم نعرفهم وعنهم أخذ هذان وغيرهما، فبإضافة هؤلاء إلى الرجال العمليين الذين كانوا موجودين بكثرة يتضح ما في قولهم لفقد من يحسن ذلك الشأن في عصره، من المبالغة. إنما الواقع أن الاشتغال بهذه العلوم كان نسبياً وبمقدار مع طغيان الإقبال على العمل دون النظر، والأول وإن كان هو الأجدى والأنفع إلا أن الثاني له خطره ومزيته في حفظ النماء العلمي وصون التراث الفني.
ولا نظن الكلام على الآثار الفنية الرائعة التي تخلفت عن هذا العهد وأخصها قصر البديع بمراكش وما توحي به من رسوخ قدم الصانع المغربي في فنون المعمار وعمل
стр. 228
المقربصات والزليج والنقش على الجص والخشب والتلوين والتذهيب وما إلى ذلك- إلا من الكلام المعاد، لا سيما وهذه مقابر السعديين بمراكش ما زالت ماثلة العيان تغني مشاهدتها عن كل بيان. أما قصر البديع فقد نقض مع الأسف الشديد، ولم تبق إلا أوصافه المعجبة المطربة مسجلة في الأشعار البليغة التي قيلت فيه، وكتب على جدرانه، ويتضمن قسم المنظوم من هذا الكتاب جملة صالحة منها. . لكن الذي ينبغي تسجيله في الكلام على الحياة الفنية في هذا العصر هو النهضة الموسيقية التي تتمثل في المحافظة على الطرب الأندلسي بجميع ألحانه ونغماته. وقطعه وأدواته، ثم تجديده وتكميله بما هو منه بسبيل كإضافة بعض الآلات وتوليد بعض الطبوع، ومن ذلك طبع الاستهلال الذي استنبطه الحاج علي البطلة، من أهل فاس، على عهد السلطان عبد الله الغالب بن محمد الشيخ المهدي وهو خارج عن شجرة النغمات الأصول والطبوع المتفرعة عنها، التي وضعها الموسيقيون لذلك. ولكنّ الغالب عليه أن يكون فرعاً من الذيل كما في كتاب الحايك الموسيقار المشهور. وإلى هذا فإن ضروباً من الزينة في اللباس والفراش والأثاث على العموم قد ابتكرت في هذا العصر، مما يدل على ذوق فني رفيع. ونذكر على سبيل المثال من ذلك المنصورية التي يقال إن المنصور الذهبي أول من لبسها، وكذلك الحائطي، ويطلق على الستور المزخرفة التي تزين بها جدران البيوت وقاعات الجلوس. وللشعراء فيه أوصاف جميلة. ومن الجدير بالذكر أن المرأة كان لها يد طولي في هذا الصدد، فقد سجل المؤرخون أن العريفة بنت خجو- وأسرة خجو أسرة معروفة بالعلم والفضل- هي التي هذبت حواشي مُلك السعديّين وخاصة في داخل قصورهم وحالاتهم في الطعام واللباس وعاداتهم مع النساء وما إلى ذلك، إذ كان قيامهم أولاً من البادية، فلم يكونوا يتقيدون بآداب الحضارة وسير أهلها. . وعلى ذكر المرأة لا ينبغي أن ننهي الكلام في هذا الفصل حتى نشير إلى ظاهرة حرية بالتسجيل في ميدان النشاط النسوي المغربي ألا وهي مساهمة المرأة في الحكم والسياسة أواخر أيام بني وطاس وأول عهد السعديين، إذ شاهد الناس لأول مرة على دست الحكم في مدينة تطوان السيدة عائشة بنت علي بن راشد، وهي سيدة من بيت شريف؛ فإن والدها السيد علي بن راشد كان شخصية لامعة في الجهاد، وترأس بناحية غمارة واختطّ مدينة شفشاون بقصد تحصين تلك الناحية من نصارى سبتة. وكانت ابنته هذه التي اشتهرت بالحرّة ذات ذكاء ودهاء ومعرفة وسياسة، تزوجت
стр. 229
بالسيد المنظري الصغير حاكم مدينة تطوان وحفيد القائد أبي الحسن المنظري الكبير مجدد بناها وحاكمها الأول. فلما توفي زوجها توالت هي حكم المدينة وضبطتها أحسن ضبط، ثم تزوجها السلطان أحمد الوطاسي وبنى بها في تطوان في شهر ربيع الأول سنة ٩٤٨. ونجحت في السفارة السيدة سحابة الرحمانية والدة عبد الملك المعتصم بطل معركة وادي المخازن؛ فإنها كانت أول من أبلغ بشارة فتح تونس إلى السلطان العثماني بالقسطنطينية وطلبت منه كمكافأة لها على ذلك مساعدة ابنها بجيش الجزائر على استعادة ملك والده، فأجاب طلبها، الأمر الذي لم ينجح فيه عبد الملك نفسه من قبل. وفي الميدان الحربي أثبتت السيدة مريم أخت عبد الملك هذا كفاءتها في قيادة ثلاثة آلاف جندي من الرماة تركهم أخوها بمعيتها في قصبة مراكش فامتنعت بها على ابن أخيهما محمد أثناء انتزاع ملك والدهما منه. ولم يكن نبوغ المرأة المغربية في هذا العصر قاصراً على الناحية السياسية والحربية، فقد اشتهرت في ميدان العمل الاجتماعي السيدة مسعودة الوزكيتيّة والدة المنصور الذهبي ومن منشآتها الخالدة مراكش المسجد الجامع بباب دكّالة منها وجسر وادي أمّ الربيع وغير ذلك من أعمال البر والإحسان الكثيرة. واشتهرت بالعلم والتقوى والصلاح السيدة عائشة بنت أحمد بن عبدالله بن عمران والدة ابن عسكر المؤرخ السياسي المعروف. وكان لها في المجتمع المغربي مقامٌ محترم جداً. على أنّ النساء من هذه الطبقة كثيرات في هذا العصر فلا نطيل بذكرهن
стр. 230
الهيئة العلمية وآثارها
نذكر هنا على جاري العادة ملخص تراجم المشاهير من علماء هذا العصر، ونتبعها ببيان أسماء الكتب التي ألفت فيه في مختلف ضروب المعرفة، تتميماً للفائدة وإحاطة بالموضوع من جميع جوانبه.
سُقَيْن
هو أبو محمد سقين السفياني العاصمي القصري أحد مشاهير رجال الحديث بالمغرب ، روى عن الشيخ زرّوق وابن غازي وأبي الفرج الطنجي وأبي مهدي الموساوي وغيرهم. ورحل إلى المشرق سنة ٩٠٩ فحجّ وسمع بمصر من أصحاب ابن حجر كالقلقشندي وغيره، فحصلت له رواية واسعة لم يحصّلها غيره ممن كان في وقته، ثم آب إلى السودان ودخل كنو وغيرها فعظّمه أهلها واكبّوا على الأخذ عنه. وبقي يتجوّل مدة، ثم رجع لفاس سنة? ? ٤ فتولى الخطابة بجامع الأندلس والفتوى وأقبل على قراءة الحديث، حتى توفي سنة ٩٥٦ وكان قد خرج لضريح مولاي بوسلهام فجلس ذات يوم على شاطئ البحر يقرأ دلائل الخيرات فخرجت فيه إحدى سفن الإفرنج، فقاتل حتى قتل شهيداً مبروراً ﵀.
وقد قيّد بخطه كثيراً من فوائد الحديث وجمع كثيراً من الكتب، وكان مشاركاً في الطب أقرأ ألفيّة ابن سينا وعنه أخذها الناس.
القَصَّار
هو أبو عبدالله محمد بن قاسم القيسي الفاسي عرف بالقصار الفقيه المحدث النسّابة ، ولد بفاس سنة ٩٣٨ وأخذ بها عن مشائخ عدة، وبرز في الحديث فصار
стр. 231
إماماً فيه مقدماً على غيره تضرب أكباد الإبل للأخذ عنه والسماع منه. وكان نسابة واعية، عارفاً بتشعّب الأنساب ومحل افتراقها واجتماعها حافظاً ثقة عدلاً ضابطاً شديد الاتباع للسنة، ظاهر الخشية والورع على قدم السلف الصالح. وليّ الفتوى على عهد أبي العباس المنصور والخطابة والإمامة بمسجد القرويين. وسعى الحسدة في تأخيره عن هذه الوظائف عند خليفة السلطان على فاس؛ فكتب السلطان من مراكش بتجديد عهد الولاية له قائلاً إننا لا نبدّله بمن هو مثله فضلاً عمن هو دونه.
وولي أيضاً نظارة أحباس الضعفاء والمساكين، وكان لا يولّاها إلا ذوو الدّين المتين من العلماء العارفين بقسمة الأرزاق العادلين فيها مثل يحيى السرّاج الذي كان ناظرها قبل القصار.
وبقي القصار حاملاً راية العلم بفاس والمغرب، ناهضاً بأعباء ما كلف به من الوظائف، حتى اخترمته المنية في رمضان? ? ? ? ؛ فانتقل إلى الدار الآخرة بعد أن جدد معالم الدين الدارسة، وأحيى مراسم العلم الطامسة. وطار له صيت عظيم في بلاد المشرق والمغرب، فحدّث الشيخ عبد الواحد بن عاشر أنه لقي بمصر في رحلته الحجازية الشيخ عبدالله الدنوشري فسأله عن أشياخه فذكر منهم القصّار فقال الدنوشري يمدحه:
قد حاك شقّات العلوم أيّمةٌ ... وكسوا بها بالفضل من هو عار
رقّت حواشيها وراق طرازها ... لكنّها تحتاج للقصّار
وقد ضاع بفقده علم كثير، لأنه لم يؤلف كتاباً قطّ، ولم يخلف بعده أثراً يذكر ما عدا فهرسته وإنظامه الكثيرة ومسوّداته التي بيعت وزناً بالأرطال.
أحمد الفاسي
هو أبو العباس أحمد بن يوسف الفهري الفاسي الحافظ الثقة ، ولد سنة ٩٤١ بالقصر الكبير وطلب الحديث بفاس فبرز فيه حتى كان يحفظ أحاديث الصحيحين
стр. 232
جميعها، ويستحضر ما اتفقا عليه وما انفرد به أحدهما عن الآخر، وما خالف في متن أو سند، تصحح نسخها من لفظه. وضم إلى ذلك المعرفة البليغة بالرجال والعلل وكل ما هو من وظيفة المحدث. وبوصف ديانته الكاملة أيضاً صح أن يطلق عليه الحافظ الضابط الثقة.
وله تآليف منها شرح العمدة لعبد الغني المقدسي في الأحكام، وحاشية على شرح الصغرى للسنوسي في الكلام، ورسالة في حكم الذكر جهرة وأخرى في حكم السماع، وأخرى في وزن الأعمال وتكفير النيّات وأخرى في أولاد المشركين، وغير هذا وكانت وفاته عام ١٠٢١ هـ.
السرَّاج
هو أبو زكرياء يحيى بن محمد السراج الحميري الفاسي، حفيد يحيى السراج المحدث الكبير المتوفي في العصر السابق. كان هذا فقيهاً مقدماً فيه، وَلِيَ الفتوى بفاس والإمامة والخطابة بمسجد القرويين، وولي أيضاً نظارة أحباس الضعفاء والمساكين، فقام بها خير قيام، وكان يدرس المدونة بمدرسة العطارين ويستحضر ما قيد عليها، وله حاشية على مختصر خليل وفتاوي تشهد بمزيد فضله، ولد بفاس سنة ٩٢١ وتوفي سنة ١٠٠٨ هـ.
ابن عاشر
هو أبو مالك عبد الواحد بن احمد بن علي بن عاشر الأنصاري الفاسي ، أحد القراء والفقهاء المشاهير، ولد بفاس سنة ٩٠٠ وقرأ على الجلة من علماء عصره، وكان أستاذاً عارفاً بالقراءات وتوجيهها وبالضبط والرسم وجميع ما هو من وظيفة المقرئ. فقيهاً مشاركاً في الأصلين والحديث والتفسير والتصوف والنحو والعروض والبيان والمنطق والطب والهيئة والحساب. على قدم السلف في الزهد
стр. 233
والورع والقيام بوظائف الدين حتى الغزو والرّباط في سبيل الله، نزيهاً متواضعاً شديد الإنصاف يأخذ العلم عمن هو دونه، ويتولى جميع أموره بنفسه.
له النظم المعروف بالمرشد المعين على الضروري من علوم الدين، جمع فيه بين العقائد والفقهيات والتصوف وهو من الكتب التعليمية النافعة. قال ابن الطيب القادري: «وسمعنا أنه ابتدأ نظمه حين أحرم بالحج فنظم أفعال الحج مرتبة بقوله:
وإن ترد ترتيب حجك اسمعا ... بيانه والذهن منك استجمعا
ثم لما انفصل عن حجه كل ما يتعلق بالقواعد الخمس من الضروري الذي لا يسع المكلف جهله» وله شرح مورد الظمآن للخراز في الرسم، ونظم في العمل بالربع المجيب وغير ذلك، وتوفي ﵀ عام ١٠٤٠ هـ.
ميَّارَه
هو أبو عبدالله بن أحمد ميّارة الفاسي من أعلام الفقه في هذا العصر ومشاهير المؤلفين فيه، ولد ببلده فاس سنة ٩٩٩ واشتغل بطلب العلم؛ فمهر وظهر وبرز في علم الفقه، فكان راسخ القدم في الأحكام مستحضراً للنقول ذاكراً للنوازل، عمدة في ذلك. وما تزال كتبه من أهم المراجع الفقهية وكتب الدراسة المختارة في هذا الباب. له شرح المرشد المعين على الضروري من علوم الدين كبير وصغير، وشرح تحفة الحكام وشرح لامية الزقاق، وتكميل المنهج وشرحه، كمّل به المنهج المنتخب في قواعد المذهب الزقاق واختصر شرح الخطاب على مختصر خليل في ثلاثة مجلدات وسماه زبدة الأوطاب في اختصار الحطاب وله أيضاً نصيحة المغترين في الرد على ذوي التفرقة بين المسلمين، وهو تزييف للنظرية العنصرية التي نبغ دعاتها في هذا العصر خاصة بمدينة فاس. وأخذ عن ابن عاشر وأبي العباس المقّري وعبد الرحمن العارف وأبي الحسن البطّيوي وغيرهم. وكانت وفاته سنة ١٠٧٢.
стр. 234
الصُّمَاتي
هو أبو عبدالله محمد بن أبي جمعة الصماتي الهبطي، الأستاذ المقرئ صاحب تقييد وقف القرآن الذي جرى عليه عمل أهل المغرب عموماً من لدن زمن واضعه إلى الآن. توفي بفاس سنة ٩٣٠ هـ.
اليسيثني
هو أبو عبدالله محمد بن أحمد بن عبدالرحمن اليسيثني الفاسي، الفقيه المتكلم النظار، ولد سنة ٨٩٧ ونشأ حريصاً على طلب العلم مجتهداً فيه. أخذ بفاس عن مشاهير أعلامها، ورحل إلى المشرق سنة ٩٣٠ فأخذ عن أهل تلمسان وقسنطينة وتونس ومصر ومكة، فاتسعت دائرة معارفه، وكثر تحصيله. ثم رجع إلى فاس فتولى بها الفتوى، ودرس الفقه والأصول والنحو والبيان والحديث والتفسير وكان زاهداً ورعاً متفانياً في النصح والإرشاد، وألف تآليف محرّرة، منها رسالة في تصحيح قبلة فاس وأخرى في طهارة بول المريض غير المتغير وأخرى في مسألة خلف الوعيد من الله تعالى وأخرى في مسألة الهيللة وأخرى في حقوق الملك والرعية وغير ذلك. وتوفي سنة ٩٥٩ هـ.
المَنجُور
هو أبو العباس أحمد بن علي بن عبدالله المنجور الفاسي ، علامة داهية متفنن. انفرد في عصره برئاسة الفقه والأصول والكلام والمنطق والنحو والبيان والعروض والتاريخ، وكان موسيقياً بارعاً، وكان أحد الأبطال في لعب الشطرنج والنرد.
خدم العلم مدّة حياته فبرز في صناعة التدريس والتأليف وبذّ أقرانه بسلامة
стр. 235
الذوق وصفاء الذهن وصحة الفهم، حتى كان يقال عنه إن فهمه لا يقبل الخطأ. وصار في الأخير رئيس الهيئة العلمية بالمغرب غير مدافع. وكان أبو العباس المنصور يجلّه ويكرمه ويحضّه على التأليف كثيراً، ويعطيه العطايا السنيّة، فحدثنا الإفراني عنه أنه كان يقول: ما عهدنا بذل المئين إلا في أيام الأشراف السعديّين، وما عهدنا بذل الألوف إلا في أيام المنصور.
له في الكلام مرح مقاصد ابن زكرى، وفي الفقه شرح المنهج المنتخب للزقاق، وفي النحو شرح الألفية وضعه بأمر المنصور وغير ذلك. ولد سنة ٩٢٦ وتوفي سنة ٩٩٥ هـ.
الهبطي
هو أبو محمد عبدالله بن محمد الهبطي الطنجي ، العالم العامل الناصح المخلص. قال في الدوحة: «كان ﵁ آية من آيات الله تعالى في أرضه وعباده، قائماً على قدم الجدّ في الزهد واتباع السنّة، والانزواء عن الدنيا وتعليم العلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. لا يترك أحداً من أهله وبنيه وأصحابه يخرج عن التقشف وينقطع في الدنيا ولم ير أحد من الرجال والنساء بزاويته إلا أن يكون تالياً لكتاب الله أو ذاكراً لأسمائه ومتعلّماً لمعرفته إلى أن لقي الله تعالى على ذلك.»
قال: «وكتبت من خط الشيخ أبي الحسن الأغزاوي المعروف بالحاجّ، قال أبو زيد عبد الرحمن بن شريح أن الله ﵎ يبعث لهذه الأمة عند رأس كل مائة من يجدد لها دينها الحديث، ولا يبعد أن يكون منهم الشيخ سيدي أبو محمد الهبطي ﵁.» قال: «وقد قال هذا القول كثير من الأعلام، وكان الشيخ أبو القاسم بن علي بن خجو يقول هو غزّاليّ هذا الزمن. ولقد منّ الله به علينا وعلى المسلمين.» وناهيك بها شهادة من مثل ابن خجو. ثم قال:
«وكان أحرص الناس على تعليم الله، ويأمر من يلقي بتعليم الأهل والأولاد والعبيد والخدام والإماء عملاً بقوله ﷺ «لأن يهدي الله على يدك رجلاً واحداً خير
стр. 236
لك من حمر النعم». وكان كثيراً ما يحض على فهم مدلول الشهادة بل اتخذ ذلك هجيراه، لما رأى من استيلاء الجهل على الخلق، وألّف في علم الهيللة أجزاء كثيرة أكبرها جرماً وأكثرها فائدة كتاب الإشادة بمعرفة مدلول كلمة الشهادة، وكانت سيرته الذكر والذكرى وبذل النصيحة لكافّة الورى.»
وله أيضاً ألفية عامرة الأبيات بالنصح والإرشاد وذمّ البدع الشائعة في الوقت وما عليه متصوفة الزمان من المنكرات والمحظورات، ونظم في العدة معروف وغير ذلك. وتوفي عام ٩٦٣ هـ.
ابن خجّو
هو أبو القاسم بن علي بن محمد بن خجّو الخلّوفي الحسّاني، الفقيه شيخ السنة وأحد العلماء الناصحين. درس بفاس على مشاهير العصر العلامة ابن غازي والشيخ زروق وأضرابها، وكان صوفياً فاضلاً متورعاً سالكاً نهج الحق شديد الشكيمة على أهل البدع، آمر بالمعروف ناهيك عن المنكر، باذلاً في نصرة السنة غاية مجهوده لا يبالي من خالفه، منصفاً عديم المثال في جدّه واجتهاده وعِلمه وعمله.
له كتب غاية في التحرير والإتقان، وكلها تدور على محور الإصلاح الديني والإرشاد التعليمي والنصح الممحوض، منها كتاب الغنيمة وكتاب ضياء النهار وكتاب النصائح وشرح نظم الهبطي في العدة وشرح نظم بيوع ابن جماعة للسنوسي وغير ذلك. وفي شرحه لنظم البيوع ذكر جملة من البدع الشائعة في عصره فاستغرق ما ينيف عن الأربعين صفحة في عدّها واستنكارها.
وكان السلطان محمد الشيخ السعدي، لما صفا له ملك المغرب ودخل فاس بعث إلى سائر أهل الفقه والعلم أن يحضروا عنده، فكان من جملة من حضر أبو القاسم فأعجب به السلطان كثيراً وأجلّه وأكرمه، ورغب إليه في الإقامة بفاس فأجاب طلبه وقال فيه: (ما رأيت أفضل منه علماً وصلاحاً.) وتوفي سنة ٩٥٦ هـ.
стр. 237
أحمد الصومعي
أبو العباس أحمد بن أبي القاسم بن سالم بن عبدالعزيز بن شعيب الشعبي الهروي الزّمراني دفين الصومعة من بلاد تادلة ، الشيخ الصوفي الرّاسخ القدم في طريق القوم علماً وعملاً، وصفه الحافظ أبو العباس المقّري وكان قد لقيه بمراكش فقال: «هو نفع الله بعلومه آية من آيات الله في المجاهدة لا يكاد يفتر عن ذلك أصلاً. استغرق نهاره وليله في أنواع الطاعات من صلاة وذكر وقراءة قرآن وإقراء علوم الحقيقة. شاهدته وكثير من تآليفه تقرأ بين يديه، وشاهدت من كثرة حفظه لحكايات الصالحين عجباً، يذكر بكل محل ما يناسبه، وله ولوع باقتناء الكتب، حتى لقد ترك يوم موته ما يقرب من ألف وثمانين مجلداً. وقد قصده الناس لزيارته من البلاد الشاسعة ورأيته يوم الجمعة بجامع الكتبيين والناس يزدحمون على تقبيل يده وطلب الدعاء منه، حتى لا يخلص منهم إلا بعد جهد جهيد، وكانت له زاوية بالصومعة يطعم بها الطعام، ثم سكن مراكش وترك بعض بنيه بالزاوية مقتفياً سنّته» له مؤلفات عديدة أكثرها في التصوف كشرح الحكم في أربعة أسفار ومختصره ومختصر مختصره، وشرح المباحث الأصلية، وشرح منازل السائرين للشيخ الإمام الهروي، وغير ذلك. قال المقري لما استجزته ﵀ أخرج لي ستين مجلداً كلها من تصنيفه. وتوفي ببلده الصومعة في سنة ١٠١٣.
ابنُ القاضي
هو أبو العباس أحمد بن القاضي المكناسي، نسبة إلى قبيلة مكناسة لا إلى مدينة مكناس ، الفاسي ولد عام ٩٦٠ وزاول قراءة العلوم ببلده، ثم رحل إلى المشرق فدرس به على المشاهير، ثم انقلب راجعاً إلى فاس فأسره بعض قرصان الإفرنج وفداه أبو العباس المنصور بمال جزيل.
стр. 238
وكان متضلعاً من علوم الفقه والحديث والعربية والتاريخ. وهو الغالب عليه، بله الحساب والفرائض، واستقضي بسلا ردحاً من الزمان ثم آب إلى فاس فأكب على التدريس، وكان مشغوفاً بنشر العلم وبثّه فلم يزل كذلك حتى توفي عام ١٠٢٥ وخلّف عدة كتب نفيسة خدم بها التاريخ المغربي خدمة تذكر أبد الدهر فتشكر، وهي المنتقى المقصور على محاسن أبي العباس المنصور، وجذوة الاقتباس فيمن كان من الأعلام بفاس ودرة الحجال في أسماء الرجال ذيل به تاريخ ابن خلكان وغير هذه مما يأتي ذكره.
القدّومي
هو أبو العباس أحمد بن قاسم الغساني الشهير بالقدومي، إمام العربية وشيخ الإقراء في عصره . كان عارفاً بالنحو معرفة تامة، وعليه المدار فيه، متحققاً بالقراءات وتوجيهها وبالضبط والرسم وجميع ما هو من وظيفة المقرئ وألف حاشية على شرح الألفية للمرادي وهي نفيسة للغاية. وكانت وفاته سنة ٩٩٣ هـ.
الزيّاتي
هو أبو علي الحسن بن يوسف الزياتي النحوي المقرئ ، ولد عام ٩٦٤ وطلب العلم بفاس فنبغ في علوم العربية والقراءات من نحو وتصريف ورسم القرآن وضبطه، أخذ عن القدومي وغيره وألف شرح الجمل للمجراد وحاشية شرح الضبط للتنسي وغير ذلك. وتوفي سنة ١٠٢٣ هـ.
البُعْقيلي
هو أبو زيد عبدالرحمن العقيلي الجزولي، العالم الفلكي البارع له تعقبات على المنجمين تدل على تضلعه بالفن وهو الذي أحدث الساعة الرخاميّة بالجامع
стр. 239
الأعظم بتارودانت. وله شرح روضة الأزهار وشرح اليسارة وغير ذلك. وتوفي سنة ١٠٠٦ قال أبو عبدالله ابن المبارك الأقاوي: «لم أتأسف على موت فقيد تأسفي عليه، لانقراض علوم الهيئة بموته، ولم يخلف مثله فيها.»
أبو القاسم الوزير
هو أبو القاسم بن محمد بن إبراهيم الغسّاني الفاسي المعروف بالوزير ، أحد مهرة الأطباء في هذا العصر، خدم في أطباء الخاص عند أبي العباس المنصور وألف كتباً منها شرح نظم ابن عزرون في الحميات، وحديقة الأزهار في شرح ماهية العشب والأزهار المعروف بمفردات الوزير وغير ذلك. ولد عام ٩٦٠ وكان حيّاً عام ٩٩٤ هـ.
الغول الفشتالي
هو أبو القاسم المعروف بالغول الفشتالي، الفقيه القاضي المتطبب المشارك في كثير من التعاليم، له رسالة في الطواعين، ونظم جيد في الطب، ورسالة في كيفية قسم المياه لقواديس الديار وغير ذلك. وتوفي عام ١٠٥٩.
* * *
أسماء الكتب المؤلفة في هذا العصر
وإليك الآن بيان الكتب المؤلفة في هذا العصر، مضافاً إليها ما ذكرناه في هذه التراجم لتتألف من الجميع قائمة المجموعة النفيسة التي ضمت من جديد إلى المكتبة المغربية:
стр. 240
كتب الحديث والتفسير وتوابعهما:
اللُّباب في تفسير الكتاب للحاج الشّطيبي المتوفي سنة ٩٦٠، حاشية على تفسير الزمخشري وغيره للمنصور الذهبي. الفتح النبيل في أسماء العدد في التنزيل لابن القاضي، الدر الأزهر في مناسبات الآيات والسور لعبد الله بن طاهر الشريف المتوفي سنة ١٠٤٥، نظم اصطلاح الحديث له، حاشية على تفسير الجلالين لعبد الرحمن العارف المتوفى سنة ١٠٤٦، تفسير الفاتحة له، حاشية على البخاري له، نظم نخبة الفكر لابن حجر في الاصطلاح العربي الفاسي المتوفي سنة ١٠٥٢، تفسير القرآن لعلي بن عبد الواحد الأنصاري السّجلماسي المتوفى سنة ١٠٥٤، نظم اصطلاح الحديث له، شرح ابن بري له، إتقان الصنعة في قراءة السبعة لأحمد بن شعيب المتوفى سنة ١٠١٥، حاشية على شرح الضبط للزياتي، شرح الخرّاز لابن عاشر.
كتب الفقه والتصوف وتوابعهما:
شرح العمدة في الأحكام، لعبدالغني المقدسي، لأحمد الفاسي، شرح الرائية للشريشي في التصوف له، رسالة في حكم الذكر جهرة له، رسالة في حكم السماع له، رسالة في وزن الأعمال وتكفير النيات له، رسالة في أولاد المشركين له. شرح الرسالة المسمى بالإيضاح لأحمد بن علي الشتوي المتوفى سنة ٩٦٥، المرشد المعين على الضروري من علوم الدين لابن عاشر، حاشية على شرح التتائي الصغير على المختصر له، زبدة الأوطاب في اختصار الحطاب لميّارة، شرح تحفة ابن عاصم في الأحكام له، شرح تحفة الزقاق فيها له، شرح المرشد المعين نسختان كبير وصغير له، تنبيه المغترين على حرمة التفرقة بين المسلمين له، حاشية على مختصر خليل للأبار المتوفي سنة ١٠٧١، الفتاوى له، شرح تحفة ابن عاصم لعلي بن عبد الواحد، نظم أصول الفقه له، حاشية على المختصر لعبد الرحمن العارف، حاشية على المحلي في الأصول له، حاشية على المختصر للسراج، الفتاوى له، حاشية على خليل للجنان المتوفي سنة ١٠٥٠، حاشية على خليل لأبي محمد التمجروتي المتوفي سنة ٩٨٠، الروض اليانع في فوائد النكاح وآداب المجامع له، نيل الأمل فيما به جرى العمل لابن القاضي. تنبيه الصغير من الوالدان في الرد على زاعم الفتوى آجليان للكلالي المتوفى سنة ١٠٤٧، المسألة الإمليسية في الأنكحة الإغريسية له، نظم أحكام العدة
стр. 241
للهبطي، ألفية في النصائح الدينية له. شرح نظم العدة لابن خجر، شرح نظم بيوع ابن جماعة له، كتاب الغنيمة له، كتاب ضياء النهار له، كتاب النصائح له، كتاب اللائق لمعلم الوثائق لأحمد بن عرضون المتوفي سنة ٩٩٣، مقنع المحتاج في آداب الأزواج له، اختصاره له، كتاب في آداب الصحبة له، نظم في أحكام الزكاة للعربي الفاسي، شرح الرسالة لحسن بن داود الرسموكي، شرح التلقين له، مدارج الراغب في شرح مختصر ابن الحاجب له، شرح نظم بيوع ابن جماعة له، كشف قناع الالتباس عن البدع الشائعة بفاس للعقيلي المتوفي سنة ١٠٧٦، سلاح أهل الإيمان في محاربة الشيطان العثماني المتوفي سنة ١٠٢٧، بداية السلوك إلى بساط ملك الملوك له، شرحه له، تنبيه الغافل على مرتبة العامل له، الانتباه في صدق عبودية العبد لمولاه له، نظم الشهداء له. وصلة الزلفي في التقرب بآل المصطفى للشيخ أحمد وعلي المتوفى سنة ١٠٤٧، بذل المناصحة في فعل المصافحة. فلك السعادة في فضل الجهاد والشهادة للهادي السجلماسي المتوفى سنة ١٠٥٦، تصحيح البداية وتحقيق النهاية للصومعي المتوفى سنة ١٠١٣، الدرر في فضائل الأدعية له، لباب اللباب في معاملة الملك الوهاب ثلاث نسخ له، بداية المريد نسختان له، مصباح السالكين له، مفتاح السعادة له، أنور المصباح له، نتائج الأفكار له، نصيحة الراغب له، وسيلة الصديق له، الزهرة العالية له، شمس المواسم له، حزب الوسيلة له حزب الفتح له، شرح منازل السائرين له، شرح الحكم العطائية ثلاث نسخ له، شرح حزب البحر له، شرح الشريشية له، شرح المباحث الأصلية للحاج الشطيبي، شرح الشيشية للتجيبي المتوفى سنة ١٠٣٠، شرح المباحث الأصلية له، شرح الشريشية له، شرح المشيشية للزياتي.
كتب المنطق والكلا
الإشادة بمعرفة مدلول الشهادة للهبطي، مراصد المعتمد في مقاصد المعتقد للعربي الفاسي، الطالع المشرق من أفق المنطق له، تلقيح الأذهان بتنقيح البرهان له، العقيدة الكبرى لعبدالله بن طاهر الشريف، العقيدة الصغرى له، شرح مقاصد ابن زكري في التوحيد للمنجور، حاشية على شرح كبرى السنوي في التوحيد له، شرح المقاصد لعبد الواحد الفلاني المتوفى سنة ١٠٠٣، شرح الكبرى
стр. 242
للحفصي المتوفى سنة ١٠٣٧، شرح صغرى السنوسي في التوحيد له، نظم في المنطق له، حاشية على الصغرى لأحمد بن علي الشريف العلمي المتوفى سنة ١٠٢٧ حاشية على الصغرى للزياتي، شرح صغرى الصغرى للسنوسي في التوحيد للسكتاني المتوفى سنة ١٠٦٢، حاشية على شرح الصغرى له، حاشية على شرح الصغرى لعبد الرحمن العارف، حاشية على مختصر السنوسي في المنطق العلي الياصلوتي المتوفى سنة ١٠٣٩.
كتب النحو والتصريف والبيان وما إليها
حاشية على طول السعد في علوم البلاغة لعلي الياصلوتي، مراقي المجد في آيات السعد للمنجور، شرح ألفية ابن مالك له، حاشية على شرح المرادي للألفية لعبد الواحد الفلالي، إعراب أوائل الأحزاب لداود بن محمد السملالي، نظم في تصريف الأفعال لحسن بن داود الرسموكي، حاشية على شرح المرادي للقدومي، حاشية على شرح المكودي للألفية لمجبر المتوفى سنة ٩٨٥، شرح لامية ابن مالك للمكلاتي المتوفي سنة ١٠٤١، شرح جمل الجراد للزياتي، حاشية على شرح المكلاتي له، حاشية على شرح الألفية للمكودي له، حاشية على شرح الشريف على الأجرومية له، شرح النصف الأول من توضيح ابن هشام له، شرح الجمل للرسموكي المتوفي سنة ١٠٤٩، حاشية على المكودي له، شرح الأجرومية لعلي بن عبد الواحد، نظم في التصريف له، شرح الألفية القاسم ابن القاضي المتوفى سنة ١٠٢٢، شرح تصريف المكودي له، حاشية على شرح الشريف له، نظم الأجرومية للعربي الفاسي، شرح نظم الضرير المراكشي في البيان لإبراهيم ابن محمد التمنارتي.
كتب التراجم والتاريخ والرحلات:
كتاب الجمان في تاريخ الزمان للحاج الشطيبي، دوحة الناشر لمحاسن من كان بالمغرب من أهل القرن العاشر لابن عسكر المتوفى سنة ٩٨٦، مناهل الصفا في تاريخ دولة الشرفا لعبد العزيز الفشتالي، الممدود والمقصور من سنا أبي العباس المنصور لمحمد بن عيسى المتوفى سنة ٩٩٠، نظم وفيات ابن قنفذ لمحمد بن علي الفشتالي، ذيل نظم الوفيات للمكلاتي، المنتقى المقصور على مآثر أبي العباس
стр. 243
المنصور لابن القاضي، درة الحجال في أسماء الرجال له، جذوة الاقتباس فيمن حل من الأعلام بفاس له، أغنية الرائض في طبقات أهل الحساب والفرائض له، درة السلوك فيمن حوي الملك من الملوك له، لقط الفرائد من حقائق الفوائد له، الإلمام ببعض من لقيته من علماء الإسلام لعبد الواحد الفلالي، الفوائد الجمة في إسناد علوم الأمة لعبد الرحمن التمنارتي المتوفى سنه ١٠٧٠، التعريف برجال البخاري لعلي بن عبد الواحد، نظام السيرة له، المعزى في أخبار أبي يعزي للصومعي، مرآة المحاسن للعربي بن الفاسي وهي ترجمة والده، أنوار الزمان بقدوم مولانا زيدان لقاسم ابن القاضي، النفحة المسكية في الرحلة التركية لأبي الحسن التمجروتي المتوفى سنة ١٠٠٣.
كتب الأدب والشعر:
شرح لامية العجم للاغوسي، مقدمة لديوان المتنبي مع ترتيبه على حروف الهجاء له، مدد جيش التوشيح لعبد العزيز الفشتالي، مقدمة لديوان المتنبي له، شرح مقصورة المكودي له، شرحها أيضاً لعبد الواحد الفلالي، ديوان خطب لعلي بن عبد الواحد، ديوان شعر لعبد الرحمن التمنارتي، ديوان شعر لعبدالله ابن طاهر الشريف، شرح ديوان المتنبي للنابغة الهوزالي.
كتب الطب والهيئة والحساب وما إلى ذلك:
حديقة الأزهار في شرح ما هيئة العشب والأزهار لأبي القاسم الوزير، نظم ابن عزرون في الحميات له، أرجوزة في الطب للغول الفشتالي، رسالة في الطواعين له، رسالة كيفية قسم المياه القواديس الديار له، نظم في الطب لعلي بن عبد الواحد، نظم العمل بالربع المجيب لابن عاشر، تصحيح قِبلة فاس لليسيثني، شرح روضة الأزهار للبعقيلي، شرح اليسارة له، البرق الوامض في الحساب والفرائض لقاسم ابن القاضي، شرح سلك اللآلي في المخمس الخالي له، محاذي على قصيدة ابن ليون في التكبيس له، محاذي على الروضة له، شرح جداول الحوفي لابن القاضي، شرح الروضة لأحمد معيوب، المقنع لابن سعيد المرغيثي المتوفي سنة ١٠٨٩، شرحان عليه كبير وصغير له، اليواقيت في الحساب والفرائض
стр. 244
والمواقيت للعقبلي، شرح المنية له، شرح الروضة له، المقرب في الربع المجيب لأحمد بن حميدة المطر في المتوفى سنة ١٠٠١، شرح الروضة له، كتاب في الكيمياء للحاج الشطيبي، كتاب في السياسة للمنصور الذهبي.
الحياة الأدبية
كانت الحركة الأدبية في عهد بني وطاس قد وقفت وقوفاً كلياً إذ لم تجد مضطرباً في ذلك الجو المضطرم بأعاصير الفتن والحروب. فلما قامت الدولة السعدية واستتب الأمن والراحة بدأ الأمل يتجدد في نهضة الأدب وانتعاش روحه من جديد، لا سيما وقد ظهر من تنشيط الملوك السعديين له وأخذهم بضبعه ما قوي ذلك الأمل، وبالفعل فما جاءت أيام المنصور الذهبي حتى عاد لدولة الأدب سالف مجدها وسابق عزها، فصرنا نرى أفواج الشعراء تموج في بلاط ذلك السلطان وبلغاء الكتاب يغص بهم ديوانه، وعدنا نشهد مساجلة السلطان لأهل مجلسه ومطارحته إياهم اللطائف الأدبية.
وإنك لتعد من نوابغ أدباء هذا العصر الذين زانوا طلعته، وطرزوا حلته، ولا تعدهم لأنهم كثير. لكن قيدومهم على الإطلاق وزعيمهم باتفاق هو فخر الدولة السعدية وذخرها إمام النظم والنثر، عبد العزيز الفشتالي الذي كان المنصور يقول في شأنه: «نفتخر به على ملوك الأرض، ونباري لسان الدين بن الخطيب» وفي الحقيقة إنه من حسنات هذا العصر، ومن أفضل أدباء المغرب الذين برزوا في الصناعتين، وكان متولياً في دولة المنصور رئاسة ديوان الإنشاء، فكان الكل يعترف برياسته ويقر بفضله.
وهناك أديب فشتالي آخر هو الوزير ابن علي. وكان كاتباً شاعراً أيضاً. ومن الأدباء أيضاً النابغة الهوزالي الذي كان يعتبر بحق شاعر الدولة، وهو متنيي النزعة، فخم الألفاظ، جزل المعاني؛ إلا أن آثاره ضاعت ولم يصل إلينا منها غير النزر اليسير.
стр. 245
أما غير هؤلاء فهم ممن يمثلون المدرسة الأندلسية في رقة الشعر وسلاسته وانطباعه، وناهيك بأبي الحسن الشامي والقاضي الشاطبي والوزير الشيظمي من ثالوث شعري جميل.
وهناك طائفة من الشعراء كانت تمزج الجد بالهزل، وتنفخ في الفن روح الفكاهة، مستقلة بهذا المذهب، تجيئ فيه وتذهب، وكان المنصور يعجبه ذلك منها ويثبتها عليه كثيراً، وقد انفرد عصره بهذا اللون من الأدب أو كاد إلا أنه لم يتمكن من القوة والظهور، لأن وفاة المنصور قضت عليه في مهده. ومن أفراد هذه الطائفة ابن عمرو الشاوي ورابح بن عبد الصمد، وأبو إسحاق الزرويلي، ولسنا في حاجة إلى ذكر العلماء والقضاة والرؤساء الذين كانوا يتعاطون الأدب ويطلعون بين آونة وأخرى على الجمهور بنتائج أفكارهم، خصوصاً في الأعياد والمواسم والحفلات العديدة التي كان المنصور يقيمها لغير مناسبة، ولها، فإن هؤلاء أكثر من أن يخصوا. بله الأدباء غير المغاربة ممن أووا إلى حرم المنصور، وتفيئوا ظله من شاسع البلدان، ونازح الأقطار، إذ كان يرفع أقدارهم وينزلهم منازلهم. وفي مقدمة هؤلاء أبو العباس المقري صاحب نفح الطيب.
ولقد انتظم في مجلسه يوماً وفد عمدته ثلاثة أشخاص مكي ومدني ومقدسي؛ فقام المكي وقال يا أمير المؤمنين إن المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال قد شد أهلها إليك الرحلة وأنشد:
إن أمير المؤمنين أحمد ... بحر الندى وفضله لا يجحد
فطيبة ومكة أهلهما ... والمسجد الأقصى بذاك تشهد
ثم قال: نصرك الله إنه لم يتفق مثل هذا الملك قصدت إيالته، وقال المقري وهو راوي الحكاية، فتبسم لذلك أيده الله وأجزل لهم في العطاء وإجراء النفقة عليهم كما هو دأبه بكل وافد عليه من أي بلد كان.
على أن المنصور نفسه حري بأن يعد في شعراء هذا العصر، فهو من ملوك
стр. 246
المغرب كابن المعتز في ملوك المشرق كما تقدم، وقد كان كلفاً مثله بالبديع من جناس وتورية وتفريع؛ وفيا ثبت من آثاره بقسم المنتخبات دلائل ناطقة بطول باعه وقوة عارضته. ومثله ولده زيدان وابنا أخويه محمد المتوكل بن عبد الله الغالب، والأمير محمد بن عبد القادر بن محمد الشيخ المهدي في البراعة الأدبية ونظم الشعر البليغ، وسنورد لكل منهم بعض الآثار في محلها، وإذا كان لنا أن نستخلص من هذا الواقع التاريخي بعض الحقائق فهي أن الحياة الأدبية تتأثر بالحياة السياسية إلى أبعد حد؛ ذلك أنه لما تدهورت سياسة البلاد في آخر عمر المرينيين وعلى عهد الوطاسيين كان الأدب يعاني حالة من الركود كاد لا يبقى له معها وجود، ثم لما أذن الله بانبعاث القوات الشعبية وزحفها لتدارك الحالة تحت قيادة الأشراف السعديين دبت الحياة في النفوس، وانتعشت الأحوال فهب الأدب من مرقده، وكان تشجيع رجال الدولة لأهله معيناً على نموه وازدهاره.
وقد أعطيناك هذه الصورة المصغرة عن الحياة الأدبية في هذا العصر، ولعلك تتشوف إلى تراجم بعض الأدباء سالفي الذكر، فدونك ما يقتضيه المقام، من ذلك.
عبدالعزيز الفشتالي
هو الوزير صاحب القلم الأعلى، أبو فارس عبد العزيز بن محمد الفشتالي الفاسي ، ولد سنة ٩٥٢ ودرس بفاس على العلامة المنجور، وأبي العباس الزموري والقاضي الحميدي وعبد الواحد الشريف وغيرهم، وبرع في فنون الأدب والتاريخ والسياسة؛ فعلت رتبته عند المنصور وزهت به دولته، حتى قال المنصور عنه كلمته السابقة وقال صاحب سلافة العصر في حقه: «كاتب المنصور، وربيب تلك الدولة المشيدة القصور، وخادم سناها الممدود والمقصور. المعترف لسان البراعة عن حصر مناقبه بالقصور. فاضل زهت به الأقلام والأعلام، وأقرت بفضله العلماء الأعلام وخضعت لأدبه سماسرة الكلام. وأضاءت بأنوار بلاغته حنادس الظلام. فهو إذا نثر أفحم الورقاء ذات السجع، وإذا نظم أخجلت أفكاره دراري السماء ذات الرجع؛ فجاء بما شاء وكيفما شاء، من محاسن الأشعار والإنشاء. الخ، أما
стр. 247
منزلته في الكتابة فإنه طبقة عصره غير مدافع، وأما في الشعر فإنه متين السبك محكم الرصف، ناصع الألفاظ حسن التصرف في جميع فنون الشعر، لا سيما الوصف الذي أجاده وتقدم فيه بشاهد قصائده العديدة التي قالها في قصر البديع الذي بناه المنصور بمراكش فنقشت على جدرانه وسقوفه، وطرزت بها فرشه وأروقته ما يأتي طرف منه في قسم المنظوم، وله تصانيف منها مناهل الصفا في تاريخ دولة الشرفاء، أي السعديين، مشتمل على تاريخ هذه الدولة منذ نشأتها إلى وقته، وعلى نبذة من محاسن المنصور في عدة مجلدات. ومنها مدد الجيش، ذيل به جيش التوشيح لابن الخطيب، قال في النفح: (استهله بقوله والحمد لله الذي أمد جيش محمد بعثرته») وأتى فيه بكثير من موشحات أهل العصر من المغاربة وضمنه من كلام أمير المؤمنين المنصور ما زاده حسناً ورونقاً، ومنها مقدمة في ترتيب ديوان المتنبي على حروف المعجم، ومنها شرح مقصورة المكودي، وبالجملة فهو من مفاخر هذه الدولة كما قال المنصور عنه، وكانت وفاته سنة ١٠٣٢.
النابغة الهوزالي
أبو عبدالله محمد بن علي الهوزالي شاعر الدولة الرسمي ، كان شديد الاتصال بالمنصور والقرب منه يقوم عنده في الاحتفالات الرسمية والمواسم والأعياد ينشده ويعجب هو بشعره كثيراً، ويصله ويخلع علمه.
وكان قوي المراس على المعاني الشعرية فخم الألفاظ نابه المعاني، جيد النظم رائع الأسلوب، متضلعاً من اللغة والأدب، بصيراً بمواقع الكلم، متصرفاً في ضروب المدح أحسن التصرف، ووصفه الشيخ عبد الواحد الشريف فقال: «الفقيه المتفنن ذو الفهم القويم والإدراك المستقيم، قائد العويصات بنواصيها ومستنزل عصم القوافي من صياصيها، شعلة الذكاء الذي يزري سناه بنور ذكاء، وقد علمت أنه كان يلقب بالنابغة ولا ندري ما إذا كان مرادهم بذلك الوصف أو التشبيه، وله شرح على ديوان المتنبي، وكان يلي قضاء المدينة المحمدية أعني تارودانت. وتوفي بمراكش في شعبان سنة ١٠١٢.
стр. 248
ابن عيسى
هو أبو عبدالله محمد بن أحمد بن عيسى الصنهاجي ، كاتب سر المنصور، وأحد أعيان أدباء دولته، له تضلع بعلوم العربية ومعرفة كبيرة بالتواريخ وأيام الناس وسير الملوك، وقلمه في الكتابة بارع، وعارضته في الترسل قوية وله شعر قليل، وألف كتاب الممدود والمقصور من سنا أبي العباس المنصور، قال المقري، : وهذه التسمية وحدها مطربة. توفي في سجن مخدومه بفاس سنة ٩٩٠.
ابن علي الفشتالي
أبو عبدالله محمد بن علي بن إبراهيم الفشتالي، أحد وزراء المنصور ، ومن صدور الأدباء في عصره، كان كاتباً مجوداً ماهراً في الصناعة، شاعراً بارعاً متفنناً في ضروب النظم. قال صاحب الريحانة في حقه: «وزير مولاي أحمد، أديب فاس وريحانة فضلائها الأكياس. تقدم فيها متقلداً قلادة إنشائها، فائقاً برسائله على سائر أدبائها؛ وله ماء شعر تشربه أفواه الأسماع، ورياض منثور تغرد حمائم قوافيه مطرب الأسجاع».
من مآثره الأدبية اللامية التي نظم فيها ما تضمنه تأليف ابن قنفذ في وفيات الأعيان من زمن البعثة إلى تمام المائة الثامنة، وزاد عليه إلى تمام ألف سنة رامزاً إلى التواريخ بنقط الحروف الأبجدية على ما شاع عند أدباء العصور المتأخرة، وقد ذيل على هذه القصيدة الأديب المكلاتي وأشار إلى وفاة المترجم بقوله:
«شكى» الدر فقد ناظم وبكى له ... بكاء محب بان عن مرتحل
وذلك في سنة ١٠٢١.
стр. 249
أبو الحسن الشامي
هو أبو الحسن علي بن أحمد الخزرجي الشامي ، به شهر قومه لأن من الشام كان قدوم سلفهم، وهم من بيوتات فاس، وكان لهم مع أبي العباس المنصور مصاهرة، وكان أبو الحسن هذا أحد شعراء دولته والمقربين منه، وهو شاعر مفن كلف بإدخال المذيع والمحسنات اللفظية في شعره؛ لكن حيث لا يظهر عليها أثر التكلف والصنعة، يحكم الوصف ويجده وأبدع من وصفه غزله الذي يستثير عاطفة الحب من مكامنها في القلوب.
له لطائف أدبية نظماً ونثراً سنأتي على ذكرها في محلها، ومن وصفه عند ابن معصوم: «أديب له في الأدب مذهب، طرازه بحسن البلاغة مذهب، وشعره ألطف من دل الحبيب، وأسحر من مقلة الشادن الربيب؛ يتصور فيه ولا يتكلف، ويتقدم ولا يتخلف؛ فهو إذا تغزل أهدى نفحات نجد، وإذا تذكر أورى لفحات شوق ووجد، على أن عليه من الجزالة ديباجة، تفوق عبقري الوشي وديباجه، ولا يشينه من الكلام حوشيه ولا يلم بساحة أنسه وحشيه». توفي سنة ١٠٣٢.
ابن عمرو الشاوي
أبو عبدالله محمد بن عمرو بن أبي القاسم الشاوي . قال الشيخ عبد الواحد الشريف في وصفه: «الفقيه الأديب الكاتب الذي ارتفع صيته في مقامات الأخلاق وسما، وغدا بين النظراء في عذوبة الشمائل علماً. وحصل من الأدب اليانع على حظ وافر ونصيب، ورمي إلى غرض الإجادة في منازعه بالسهم المصيب، وتدرع من حسن الخلق جبة لا تلقيها رياح الانزعاج والغضب؛ فنسلت القلوب إلى محبته من كل حدب، فلأن، أبقاه الله تضرب به في لين العريكة الأمثال، وتتهاداه لفضائله وفواضله الملوك والأقيال، وأنا له من الخير الجزيل كل منال.»
стр. 250
ويظهر من هذا، ومن بعض نوادره مع المنصور أنه كان ظريفاً خفيف الروح حلو الحديث، فلم نعد به طوره حين عددناه في شعراء الفكاهة، بل إن منزعه هذا في شِعره شديد الوضوح، بحيث لا يحتاج إلى من ينبه عليه، وهو مع ذلك فصيح العبارة لطيف الإشارة، لا يتكلف ولا يتعمق، فيكاد يكون كلامه مرآة تتمثل فيها سهولة خلقه التي يتحدث عنها الشيخ عبد الواحد الشريف. وقد أثبتنا في المنتخبات نبذة من آثاره كغيره من أداء هذا العصر.
следующие страницы →