← Указатели

Указатели · id 148529

النبوغ المغربي في الأدب العربي

عبد الله كنون

Полный текст (910 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

اللهم إنا نسألك توبة سابقة منك إلينا لتكون توبتنا تابعة إليك منا، وهب لنا التلقي منك كتلقي آدم منك الكلمات، ليكون قدوة لولده في التوبة والأعمال الصالحات، وباعد بيننا وبين العناد والإصرار، والشبه بإبليس رأس الغواة وأجعل سيئاتنا سيئات من أحببت، ولا تجعل حسناتنا حسنات من أبغضت، فالإحسان لا ينفع مع البغض منك، والإساءة لا تضر مع الحب منك، وقد أبهمت الأمر علينا لنرجو وتخاف فآمن خوفنا ولا تخيب رجاءنا، وأعطنا سولنا فقد أعطيتنا الإيمان من قبل أن نسألك، وكتبت وحببت وزينت وكرهت وأطلقت الألسن بما به ترجمت، فيعم الرب أنت، فلك الحمد على ما أنعمت فأغفر لنا ولا تعاقبنا بالسلب بعد العطاء، ولا بكفران النعم وحرمان الرضى، اللهم رضنا بقضائك، وصبرنا على طاعتك، وعن معصيتك، وعن الشهوات الموجبات للنقص والبعد عنك، وهب لنا حقيقة الإيمان بك، والتوكل عليك، حتى لا نخاف غيرك، ولا نرجو غيرك، ولا نحب غيرك، ولا نعبد شيئاً سواك، وأوزعنا شكر نعمائك، وغطنا برداء عافيتك، وأنصرنا باليقين والتوكل عليك، وأسفر وجوهنا بنور صفاتك، وأضحكنا وبشرنا يوم القيامة بين أوليائك، وأجعل يدك مبسوطة علينا وعلى أهلينا وأولادنا ومن معنا برحمتك، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك، يا نعم المجيب، يا من هو في علوه قريب يا ذا الجلال والإكرام، يا محيطاً بالليالي والأيام، أشكو إليك من غم الحجاب، وسوء الحساب،

стр. 317

وشدة العقاب وإن ذلك لواقع، ما له من دافع، إن لم ترحمني لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، ولقد شكا إليك يعقوب فخلصته من حزنه، ورددت عليه ما ذهب من بصره، وجمعت بينه وبين ولده، ولقد ناداك نوح من قبل فنجيته من كربهً، ولقد ناداك أيوب من بعد فكشفت ما به من ضره، ولقد ناداك يونس فنجيته من غمه ولقد ناداك زكرياء فوهبت له ولداً من صلبه، بعد يأس أهله وكبر سنه، ولقد علمت ما نزل بإبراهيم فأنقذته من نار عدوه، وأنجيت لوطاً وأهله من العذاب النازل بقومه، . . فها أنا ذا عبدك إن تعذبني بجميع ما علمت فأنا حقيق به، وإن ترحمني كما رمتهم مع عظم إجرامي فأنت أولى بذلك وأحق من أكرم به، فليس كرمك مخصوصاً بمن أطاعك، وأقبل عليك، بل هو مبذول بالسبق لمن شئت من خلقك وإن عصاك وأعرض عنك، وليس من الكرم أن لا تحسن إلا لمن أحسن إليك، وأنت المفضل الغني، بل من الكرم أن تحسن إلى من أساء إليك، وأنت الرحيم العلي، كيف وقد أمرتنا أن نحسن إلى من أساء إلينا، فأنت أولى بذلك منا، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. يا ألله، يا ألله، يا الله، يا رحمان يا رحيم يا حي يا قيوم، يا من هو هو يا هو إن لم نكن لرحمتك أهلاً أن ننالها فرحمتك أهل أن تنالنا، يا رباه يا مغيث من عصاه أغثنا يا رب يا كريم، وارحمنا يا بر يا رحيم، يا من وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم، أسألك

стр. 318

الإيمان بحفظك، إيماناً يسكن به قلبي من هم الرزق وخوف الخلق وأقرب مني بقدرتك قرباً تمحق به عني كل حجاب محقته عن إبراهيم خليلك، فم يحتج لجبريل رسولك، ولا لسؤاله منك، وحجبته بذلك عن نار عدوه، وكيف لا يحجب عن مضرة الأعداء من غيبته عن منفعة الأحباء، كلا إني أسألك أن تغيبني بقربك مني حتى لا أرى ولا أحس بقرب شيء ولا ببعده عني، إنك على كل شيء قدير، أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون، فتعالى الله الملك الحق، لا إله إلا هو رب العرش الكريم، ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه، إنه لا يفلح الكافرون، وقل رب أغفر وأرحم وأنت خير الراحمين، هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين، الحمد لله رب العالمين. صلاة لمحمد بن سليمان الجزولي من كتابه دلائل الخيرات أفضل صلوات الله، وأحسن صلوات الله، وأجل صلوات الله، وأجمل صلوات الله وأكمل صلوات الله، وأسبغ صلوات الله، وأتم صلوات الله، وأظهر صلوات الله، وأعظم صلوات الله، وأذكى صلوات الله وأطيب صلوات الله، وأبرك صلوات الله، وأوفي صلوات الله، وأسنى صلوات الله، وأعلى صلوات الله، وأكثر صلوات الله، وأجمع صلوات الله، وأعمً

стр. 319

صلوات الله، وأدوم صلوات الله، وأبقى صلوات الله، وأعز صلوات الله، وأرفع صلوات الله على أفضل خلق الله، وأحسن خلق الله، وأجل خلق الله، وأكرم خلق الله، وأجمل خلق الله، وأكمل خلق الله، وأتم خلق الله، وأعظم خلق الله عند الله، رسول الله، ونبي الله، وحبيب الله، وصفي الله، ونجي الله، وخليل الله، وولي الله، وأمين الله، وخيرة الله من خلق الله، ونخبة الله من برية الله، وصفوة الله من أنبياء الله، وعروة الله، وعصمة الله، ونعمة الله، ومفتاح رحمة الله، المختار من رسل الله، المنتخب من خلق الله، الفائز بالمطلب في المرهب والمرغب المخلص فيما وهب، أكرم مبعوث، أصدق قائل، أنجح شافع، أفضل مشفع، الأمين فيما استودع، الصادق فيما بلغ، الصادع بأمر ربه، المضطلع بما حمل، أقرب رسل الله إلى الله وسيلة وأعظمهم غداً عند الله منزلة وفضيلة، وأكرم أنبياء الله الكرام الصفوة على الله، وأحبهم إلى الله، وأقربهم زلفى لدى الله، وأكرم الخلق على الله، وأحظاهم وأرضاهم لدى الله، وأعلى الناس قدراً، وأعظمهم محلاً، وأكملهم محاسن وفضلاً، وأفضل الأنبياء درجة، وأكملهم شريعة، وأشرف الأنبياء نصاباً، وأبينهم خطاباً، وأفضلهم مولداً ومهاجراً وعترة وأصحاباً وأكرم الناس أرومة، وأشرفهم جرثومة، وخيرهم نفساً، وأطهرهم قلباً، وأصدقهم قولاً، وأزكاهم فعلاً، وأثبتهم أصلاً، وأوفاهم عهداً، وأمكنهم مجداً، وأكرمهم طبعاً، وأحسنهم صنعاً، وأطيبهم

стр. 320

فرعاً، وأكثرهم طاعة وسمعاً، وأعلاهم مقاماً، وأحلاهم كلاماً، وأزكاهم سلاماً، وأجلهم قدراً وأعظمهم فخراً، وأستاهم نورا، وأرفعهم في الملأ الأعلى ذكراً، وأصدقهم وعداً، وأكثرهم شكراً، وأعلاهم أمراً، وأجملهم صبراً، وأحسنهم خيراً، وأقربهم يسراً، وأبعدهم مكاناً، وأعظمهم شأناً وأثبتهم برهاناً، وأرجحهم ميزاناً، وأولهم إيماناً، وأوضحهم بياناً، وأفصحهم لساناً، وأظهرهم سلطاناً. صلاة لإبراهيم التازي وتعرف بالصلاة التازية اللهم صل صلاة كاملة وسلم سلاماً تاماً على محمد نبي تنحل به العقد، وتنفرج به الكرب، وتقضي به الحوائج وتنال به الرغائب، وحسن الخواتم، ويستسقى الغمام بوجهه وعلى أله وصحبه، تحميد لمحمد ميارة يذكر فيه هداية الإسلام وجهاد النبي ﵇ الحمد لله مرشد هذه الأمة لما اختار لها من الإيمان والإسلام شرعة ومنهاجاً معين من أراد به خيراً على فهم قواعدهما وحفظ فروعهما حتى امتزجت بلحومهم ودمائهم امتزاجاً، فانتفعوا بمعرفة ضروري علم دينهم ونفعوا من الخلق أفراداً أو أزواجاً، نحمده ونشكره على نعمه التي

стр. 321

لا نحصيها وكيف يحصى البحر سياحاً والقطر ثجاجاً) (١) ونستعينه ونستغفره لذنوبنا التي ارتكبناها انحرافاً واعوجاجاً، ونؤمن به ونتوكل عليه افتقاراً إليه واحتياجاً، ونبرأ من الحول والقوة إليه براءة نجد لها سروراً وابتهاجاً، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا التي صيرت حلونا مراً وعذبنا أجاجاً، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد لداء ضلاله علاجاً، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تمازج الروح والظوع مزاجاً، وتكون لكل خير سلماً ومعراجاً، ونشهد أن سيدنا ونبينا ومولانا محمداً عبده ورسوله الذي أطلعه الله في ظلمات الشرك سراجاً وأمره بمحاربة أهل الكفر حتى دخلوا في دين الله أفواجاً، صلى الله وسلم عليه وعلى أله وأصحابه الذين حفظوا دينه وأذاعوه فصار مصباحاً وهاجاً، صلاة وسلاماً نستمطر بهما العفو استمطاراً ونستنتج الغفران استنتاجاً. صلاة لمحمد بن ناصر من كتابه الغنيمة، (حرف الهمزة) اللهم صل على سيدنا ومولانا محمد وعلى آل سيدنا محمد صلاة تكون لنا معاذاً من الشيطان ومكلأ، اللهم صل على سيدنا ومولانا محمد وعلى آل

стр. 322

سيدنا محمد صلاة تغفر لنا بها ما جنيناه عمداً أو خطأ، اللهم صل على سيدنا ومولانا محمد وعلى آل سيدنا محمد صلاة تسددنا بها في أمورنا كلها معاداً ومبدأ، اللهم صل على سيدنا ومولانا محمد وعلى آل سيدنا محمد صلاة تجعل لنا بها مهيعاً إلى رضوانك موطأ (١). اللهم صل على سيدنا ومولانا محمد وعلى آل سيدنا محمد صلاة تجعل لنا بها عندك قدراً وخطراً وقرباً وحباً وشرفاً ومعبأ (٢)، اللهم صل على سيدنا ومولانا محمد وعلى آل سيدنا محمد صلاة تجعل لنا بها في الجنة مقيلاً ومبوءاً. صلاة للمعطي بن الصالح من كتابه الذخيرة، يذكر فيها شرف الإسراء بالنبي ﷺ - اللهم صل وسلم على سيدنا ومولانا محمد وعلى آل سيدنا محمد سلطان المملكة المتوج بتاج اليمن والبشرى، ومحل الخير والبركة، المبعوث بالرفق والهداية واليسرى، الذي لما أردت أن تشرف قدره على ما فوق العرش وتحت الثرى، وتظهر مزيته على أحبائك وأصفيائك دنيا وأخرى، أسريت به إلى بساطك لتريه ما خفي عن العقول من أسرار قدرتك، وباهر آياتك الكبرى، وتطلعه على ما رمزت له به في دقائق رقائق سورة

стр. 323

الإسراء، وتتحفه بكمال القرب والاصطفاء وتخبره بأنه أولى بذلك المقام وأحرى، وأنه الإمام الأعظم والحبيب الأكرم والصفي المؤيد بخطاب «أفتمارونه على ما يري» والنبي أشرف بقولك «ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوي إذ يغشى السدرة ما يغشى ما زاغ البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربه الكبرى» فصل اللهم عليه وعلى أله صلاة تشرح بها صدورنا للذكرى، وتحفظنا بها من نكبات الدهر وعوارض العسرى، وتهب علينا نوافح بركتها المحمدية كل حين تترى، بفضلك وكرمك يا أرحم الراحمين يا رب العالمين. تحميد لخالد العمري من خطبة له إثر عزل أحد ولاة الجوار بمدينة طنجة عام ١٢٤٣ ه ـ الحمد لله الذي كشف عنا البلايا ودفع عنا المكاره ونفى عنا الأسواء، وصرف عنا بغيرته الصمدانية كأساً كنا نتجرعها ولا نكاد نسيغها من أيدي أرباب العنف والأهواء، ومال بجيش اليسر على جيش العسر فانجابت عنا بحمده أحلاك العنا، والحمد لله الذي صرف عنا الأذى وأذهب رفقاً بنا معشر المسلمين عنا الحزن، وكحل بيمناه جفوننا بعد ما ألفت السهاد من أجل الفساد بمرود الوسن، فاعتظنا ولله مزيد الحمد من ليالي النحوس والخنى، ليالي السعود والهنا، والحمد لله الذي كبت العدو وجبر الصدع وغير الشيطان وقد شابت من مفرقه النواصي واللمم،

стр. 324

ورد اليد العادية عنا، رد الغيور يد الجاني عن الحرم، فاستوجب منا أن نلهج بالحمد والشكر له على كل حال، وما كان من حال. بلسان العجل لا بلسان الونا، نحمده تعالى ونشكره، على ما خولنا من سوابغ النعم، ونستقيله عز جنابه ونستغفره من نواهي أقيستها تنتج فوادح النقم، حمداً واستغفاراً يحصل بهما للحامد والمستغفر مثل ما يحصل للمفرد والقارن (١) من التكرمة في منى، ونومن به ونتوكل عليه ونبرأ من الحول والقوة إليه، توكل من أناب، وبراءة من جئت يداه من غروس التكريم ثمرالمنى، ونعوذ به من شرور أنفسنا التي لم يوقف لها على حساب، ومن سيئات أعمالنا التي أثبتتها أقلام الكرام الكاتبين في كتاب، فإنه جل وعلا خير واق يقينا من وقع مالها وللهوى من بيض وسهام وقنا، من يهد الله فلا صارف له عن التشبث بأذيال الدين، ومن يضلل فلا هادي له ولا ناصر ولا معين، وما التوفيق إلا من عند الله والله خلقكم وما تعملون سراً وعلناً. صلاة للمختار الكنتي من كتابه نفح الطيب، ضمنها عمود النسب الكريم اللهم صل وسلم على أشبه ولد إبراهيم بإبراهيم، المشرف بالطواسين

стр. 325

والحواميم (١) اللهم صل وسلم على المنبأ من ذرية نابت (٢) الذي شرفه وذكره والتنويه به في جميع الدهور ثابت، اللهم صل وسلم على المختار من ضئضئ (٣) عدنان المحبو بالسبع المثاني والقرآن. . الخ.

стр. 326

الخُطب خُطبة لطارق بن زياد قالها في جيشه الذي فتح به الأندلس بعد أن أحرق الأحفان التي حملتهم إلى الجبل المسمى باسمه قطعاً لأملهم في الرجوع. أيها الناس: أين المفر؟ البحر من ورائكم والعدو أمامكم وليس لكم والله إلا الصدق والصبر. واعلموا أنكم في هذه الجزيرة أضع من الأيتام في مأدبة اللئام. وقد استقبلكم عدوكم بجيشه، وأسلحته وقواته موفورة. وأنتم لا وزر لكم إلا سبوقكم، ولا أقوات نكم إلا ما تستخلصونه به من أيدي عدوكم. وإن امتدت بكم الابام على افتقاركم، ولم تنجزو لكم أمراً، ذهبت ريحكم وتعوضت القلوب من رعبها منكم الجراءة عليكم. فادفعوا عن أنفسكم خدلان هذه العاقبة من أمركم بمناجزة هذا الطاغية، فقد ألقت به إليكم مدينته الحصينة. وإن انتهاز الفرصة فيه لممكن أن سمحتم لأنفسكم بالموت وإلى لم حدركم أمراً أنا عنه بنجوة، ولا حملنكم على حطة أرخص متاع فيها النفوس (من

стр. 327

غير (١) أن أبدأ بنفسي. واعلموا أنكم إن صبرتم على الأشق قليلاً استمتعتم بالأرفه الألذ طويلاً، فلا ترغبوا بأنفسكم عن نفسي فما حظكم فيه بأوفى من حظي. وقد بلغكم ما أنشأت هذه الجزيرة من الحور الحسان، من بنات اليونان، الرافلات في الدر والمرجان، والحلل المنسوجة بالعقيان، المقصورات في قصور الملوك ذوي التيجان. وقد انتخبكم الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين من الأبطال عرباناً، ورضيكم لملوك هذه الجزيرة أصهاراً وأختاناً. ثقة منه بارتياحكم للطعان، واستماحكم بمجالدة الأبطال والفرسان، ليكون حظه منكم ثواب الله على إعلاء كلمته وإظهار دينه بهذه الجزيرة وليكون مغنمها خالصة لكم من دونه ومن دون المؤمنين سواكم. والله تعالى ولي إنجادكم على ما يكون لكم ذكراً في الدارين. واعلموا أني أول مجيب إلى ما دعوتكم إليه وأني عند ملتقى الجمعين حامل بنفسي على طاغية القوم «لذريق» فقاتله إن شاء الله تعالى فاحملوا معي فإن هلكت بعده فقد كفيتكم أمره ولم يعوزكم بطل عاقل تسندون أموركم إليه وإن هلكت قبل وصولي إليه فأخلفوني في عزيمتي هذه وأحملوا بأنفسكم عليه واكتفوا لهم من فتح هذه الجزيرة بقتله فإنهم بعده يخذلون.

стр. 328

خطبة إدريس الأزهر قالها بإثر مبايعته وهو ابن إحدى عشرة سنة الحمد لله أحمده وأستعينه واستغفره وأتوكل عليه وأعوذ به من شر نفسي ومن شر كل ذي شر، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله أرسله إلى الثقلين بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجا منيراً ﷺ وعلى آل بيته الطاهرين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً - أيها الناس! إنا قد ولينا هذا الأمر الذي يضاعف للمحسن فيه الأجر، وللمسيء الوزر، ونحن والحمد لله على قصد جميل فلا تمدوا الأعناق إلى غيرنا، فإن ما تطلبونه من إقامة الحق إنما تجدونه عندنا. خطبة أخرى له لما فرغ من بناء فاس وحضرت الجمعة الأولى صعد المنبر وخطب الناس ثم قال: اللهم إنك تعلم إني ما أردت ببناء هذه المدينة مباهاة ولا مفاخرة، ولا سمعة ولا مكابرة، وإنما أردت أن تعبد فيها ويتلى كتابك وتقام حدودك وشرائع دينك وسنة نبيك محمد ﷺ ما بقيت الدنيا. اللهم وفق سكانها وقطانها للخير وأعنهم عليه، وأكفهم مؤونة أعدائهم، وأدر عليهم الرزق وأغمد عنهم سيف الفتنة والشقاق، إنك على كل شيء قدير.

стр. 329

خطبة لعبدالله بن ياسين خطبها في شيوخ المرابطين وقد طعن في حروبه مع «برغواطة» يا معشر المرابطين: إنكم في بلاد أعدائكم، وإني ميت في يومي هذا لا محاله، فإياكم أن تجبوا وتفشلوا فتذهب ريحكم، وكونوا ألفة وأعواناً على الحق وإخواناً في ذات الله تعلى، وإياكم والمخالفة والتحاسد على طلب الرياسة فإن الله يؤتي ملكه من يشاء ويستخلف في أرضه من أحب من عباده، ولقد ذهبت عنكم فانظروا من تقدمونه منكم يقوم بأمركم يقود جيوشكم ويعزو عدوكم ويقسم بينكم فيئكم ويأخذ زكاتكم وأعشاركم. خطبة للقاضي عياض في الحض على (. . .) عباد الله سلموا الأمور إلى من بعده أزمة مقاديرها تنجحوا، واشتروا راحة قلوبكم بإخلاص التوكل على الله تربحوا، وأعلموا أن الحرص لا يزيد المرء على ما قسم له، وتصاريف القدر تقطع لكل أمل أمله، وإنما يدرك الإنسان بسعيه ما كتب له لا ما طلب، ويبلغ بكده ما قسم له لا ما أمل واحتسب فأجملوا رحمكم الله في الطلب (. . .) وتوكلوا على الله حق توكله ترزقوا، وأريحوا أنفسكم من النصب في طلب الدنيا والكد، فإنه لا مانع لما أعطى الله ولا معطي لما منع ولا

стр. 330

ينفع ذا الجد منه الجد، ألا وإن التوكل على الله والثقة به أحد أبواب الإيمان، ومن أفضل درجات العدل والإحسان، وهو حقيقة العبودية والتوحيد، وموجب الرضا والتسليم للرقيب الشهيد، فقد جرى القلم بما كان ويكون، ونفذ قضاء الله بكل خير وشر وحركة وسكون، وانقطعت الأطماع عن تأميل غير ما تقدم من مشيئاته، (وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً، لا مبدل لكلماته، ) ففيم التعب والطلب وقد سبق لك في الكتاب ما سبق؟ وعلام اللهف والأسف على أمر قد فرغ منه قبل أن تخلق، ألم يضمن لك ربك رزقك وما وعد في سمائه، ألم يعلمك أنه لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه؟ فعامل ربك أيها العبد بالتوكل والتسليم، تفز بالعيش الهني والثواب الجسيم. عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: كنت خلف النبي ﷺ يوماً فقال: يا غلام! إني أعلمك كلمات ينفعك الله بهن، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، وأعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، جفت الأقلام وطويت الصحف. إن أحسن الحديث وأبلغ المواعظ كلام الله تعالى (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه) جعلني الله

стр. 331

وإياكم ممن توكل عليه في كل حالاته، واتقاه سبحانه حق تقاته، وغفر لي ولكم ولجميع المسلمين. خطبة للمهدي بن تومرت خطبها في شيوخ المصامدة عاهداً إلى عبد المومن إن الله سبحانه وله الحمد من عليكم أيتها الطائفة بتأييده وخصكم من بين أهل العصر بحقيقة توحيده، وقيض لكم من ألفاكم ضلالاً لا تهتدون، وعمياً لا تبصرون، لا تعرفون معروفاً ولا تنكرون منكراً، قد فشت فيكم البدع واستهوتكم الأباطيل وزين لكم الشيطان أضاليل وترهات أنزه لساني عن النطق بها وأربأ بلفظي عن ذكرها فهداكم الله به بعد الضلالة وبصركم بعد العمى، وجمعكم بعد الفرقة وأعزكم بعد الذلة ورفع عنكم سلطان هؤلاء المارقين وسيورثكم أرضهم وديارهم. ذلك بما كسبته أيديهم وأضمرته قلوبهم «وما ربك بظلام للعبيد» فجددوا الله سبحانه خالص نياتكم وأروه من الشكر قولاً وفعلاً ما يزكي به سعيكم ويتقبل أعمالكم وينشر أمركم، واحذروا الفرقة واختلاف الكلمة وشتات الآراء، وكونوا يداً واحدة على عدوكم، فإنكم إن فعلتم ذلك هابكم الناس وأسرعوا إلى طاعتكم وكثر أتباعكم وأظهر الله الحق على أيديكم، وإلا تفعلوا شملكم الذل وعمكم الصغار واحتقرتكم العامة فتخطفتكم الخاصة.

стр. 332

خطبة للقاضي أبي حفص بن عمر يحذر فيها من مذهب الفلاسفة ويحض على اتباع السنة وهو متأثر في ذلك، ولا شك، بحملة المنصور الموحدي على الفلسفة إياكم والقدماء وما أحدثوا، فإنهم عن عقولهم حدثوا. أتوا من الافتراء بكل أعجوبة، وقلوبهم عن الأسرار محجوبة، الأنبياء ونورهم، لا الأنبياء وغرورهم عنهم يتلقى وبهم يدرك السول، (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول، ) الدين عند الله الإسلام، والعلم كتاب الله وسنة محمد ﵇، ما ضر من وقف عندهما، ما جهل بعدهما، خير نبي في خير أمة (يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، ) دلهم من قرب عليه، واختصر لهم الطريق إليه، فما ضر تلك النفوس الكريمة، والقلوب السليمة، والألباب العظيمة، ما زوي (١) عنها من العلوم القديمة، نقاهم من الأوضار والأدناس، وقال كنتم خير أمة أخرجت للناس، كتابهم أعظم كتاب أنزل، ونبيهم أكرم نبي أرسل، السيد الإمام، لبنه التمام، خير البرية على الإطلاق بعث ليتمم مكارم الأخلاق، أنزل الكتاب إليه، (مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه) هو الشفاء والرحمة، وفيه العلم كله والحكمة، معجز في وصفه عزيز في رصفه، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ) آياته باهرة قائمة، ومعجزاته باقية دائمة،

стр. 333

إذ هي للنبوة والرسالة خاتمة، لا تنقضي عجائبه، ولا تنتهي غرائبه، ماذا أقول، وقد بهر العقول، حسبي حسبي (قل لو كان البحر مداداً لكلمات رني لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي). وعليكم من جميع أموركم بمزج الرأفة بالغلظة واللين بالعنف وأعلموا مع هذا أنه لا يصلح أمر آخر هذه الأمة إلا على الذي صلح عليه أمر أولها. وقد اخترنا لكم رجلاً منكم وجعلناه أميراً عليكم. هذا بعد أن بلوناه في جميع أحواله من ليله ونهاره ومدخله ومخرجه، واختبرنا سريته وعلانيته، فرأيناه في ذلك كله ثبتاً في دينه متبصراً في أمره وإني لأرجو أن لا يخلف الظن فيه. وهذا المشار إليه هو عبد المومن فاسمعوا له وأطيعوا ما دام سامعاً مطيعاً لربه فإن بدل أو نكص على عقبه أو ارتاب في أمره ففي الموحدين اعزهم الله بركة وخير كثير، والأمر لله يقلده من شاء من عباده. خطبة للمنصور المريني كان له بإسبانيا غزوات عظيمة ومن بعض خطبه فيها يحض جيشه على القتال قوله: يا معشر المسلمين، وعصابة المجاهدين: إن هذا يوم عظيم، ومشهد جسيم، ألا وإن الجنة قد فتحت لكم أبوابها، وزينت أترابها، فخذوا في طلابها، فإن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة.

стр. 334

فشمروا عن ساعد الجد معاشر المسلمين، في جهاد المشركين، فمن مات منكم مات شهيداً، ومن عاش عاش غانماً مأجوراً حميداً، فاصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون. خطبة لابن رشيد قام ابن رشيد للخطبة يوم الجمعة بعد فراغ المؤذن الثاني ظنه الثالث فكثر لغط الناس فقال بديهة أيها الناس رحمكم الله: إن الواجب لا يبطله المندوب، وإن الأذان الذي بعد الأول غير مشروع الوجوب، فتأهبوا لطلب العلم وانتبهوا، وتذكروا قول الله تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا، ) وقد روينا عنه ﷺ أنه قال: من قال لأخيه، والإمام يخطب، أنصت فقد لغى، ومن لغى فلا جمعة له، جعلني الله وإياكم ممن علم فعمل، وعمل فقبل، وأخلص فتخلص. خطبة وعظية لأبي مدين الفاسي عباد الله: نجا المخنفون فخففوا الأثقال لتلحقوا، وفاز المتقون فإن شئتم الفوز فالله فاتقوا، وترافق السعداء على الجادة فإياهم فرافقوا، وسابق النجباء إلى العبادة فسارعوا إليها وسابقوا، ووصل المشمرون، فماذا ينتظر المقصرون، «هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة وهم لا

стр. 335

يشعرون» أخرج الأمام أحمد في الزهد والحاكم في المستدرك والبيهقي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ ﷺ قال لرجل وهو يعظه اغتنم خمساً قبل خمس، شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك. «استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله ما لكم من ملجأ يومئذ وما لكم من نكير» في الحلية عن بلال بن سعيد قال: قال عبد الرحمن: يقال لأحدنا أتحب أن تموت؟ فيقول لا. ويقول سوف أعمل، فلا يحب أن يموت ولا يعمل، وأحب شيء إليه أن يؤخر عمل الله ولا يحب أن يؤخر عمل الدنيا. «يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور» ولا تتخيلوا الإقامة في دار لا بقاء لها، وتظنوا إن من جد على الجادة كمن تباهى بالباطل ولها، كلا! والله إن ما ولدناه فللتراب، وما جمعناه فللذهاب، وما شيدناه فللخراب، وما اكتسبناه في كتاب، وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً، اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً» روى الإمام مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: يقول العبد، مالي مالي! وإنما له من ماله ثلاث، ما أكل فأفتني، أو لبس فأبلى، أو تصدق فأمضى، وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس. «كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم! كذلك وأورثناها قوماً آخرين، روى الديلمي عن أنس أن رسول الله صلى الله

стр. 336

عليه وسلم قال: أصلحوا دنياكم واعملوا لآخرتكم كأنكم تموتون غداً. «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد، واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون» جعلني الله وإياكم ممن قدم من دنياه لأخراه، واستجاب لربه من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله، وأجارني وإياكم من عذابه المهين، وغفر لي ولكم ولوالدينا ولجميع المسلمين. خطبة في التذكير والترغيب لأبي عبدالله الرهوني أيها الناس، حصحص لكم الحق فتبصروا، وتبين لكم الرشد من الغي فالزموا الطاعة وتذكروا، وحمتم على سلوك الطريق المستقيم فاستقدموا ولا تتأخروا وحذرتم من العدول عنها فخافوا الله واحذروا، وأشبعت عليكم النعم ظاهرة وباطنة فاعرفوا حقها واشكروا، واعلموا أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا، وإياكم والتقصير في العمل فلن تسعدوا مع التقصير أو تعذروا، وكونوا من قوم أشرقت لهم أنوار الهداية فأبصروا، وتليت عليهم آيات الله فتدبروا، ولا تكونوا ممن استعبدتهم الدنيا فشربوا من كؤوس حبها حتى سكروا، وقطعوا أعمارهم في اتباع شهواتها فخابوا وخسروا، وأنهجوا سبيل الذين استعدوا لمواطن القيامة كأنهم شاهدوا أهوالها وحضروا، ورأوا عذاب النار فكفوا أنفسهم عن السوء وانزجروا، وسمعوا ما أعد الله لأوليائه في الجنة فاجتهدوا

стр. 337

بالطاعة وبادروا، وقد تحققتم يا عباد الله أنه ليس بعد هذه الدار، منزل ولا قرار، سوى الجنة أو النار، فاختاروا لأنفسكم وانظروا. . . في الصحيح عنه ﵊ أنه قال: ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر تلقاء وجهه، فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق ثمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة، إن أحسن ما أنتم له سامعون، كلام من نحن له عابدون (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون). خطبة للسلطان مولاي سليمان العلوي في التحذير من بدع المواسم والطوائف الضالة أما بعد أيها الناس، شرح الله لقبول النصيحة صدوركم، وأصلح بعنايته أموركم، واستعمل فيها يرضيه آمركم ومأموركم، فإن الله قد استرعانا جماعتكم وأوجب لنا طاعتكم، وحذرنا إضاعتكم، ولهذا نرثي لغفلتكم وعدم إحساسكم، ونغار من استيلاء الشيطان بالبدع على أنواعكم وأجناسكم، فألقوا لأمر الله آذانكم، وأيقظوا من نوم الغفلة أجفانكم، وطهروا من دنس البدع إيمانكم، وأخلصوا لله سركم وإعلانكم، وأعلموا أن الله أوضح لكم طريق السنة لتسلكوها، وصرح

стр. 338

بذم اللهو والشهوات لتملكوها، فامتثلوا أمره في ذلك وأطيعوه، وأعرفوا فضله عليكم وعوه، واتركوا عنكم بدعة هذه المواسم التي أنتم بها متلبسون، والضلالة التي يزينها أهل الأهواء ويلبسون (١)، افترقوا أوزاعاً) (٢)، وانتزعوا الأموال انتزاعاً وأنفقوها فيما هو حرام كتاباً وسنة وإجماعاً، وصاروا يترقبون للهوهم الساعات وتتزاحم على حبال الشيطان وعصيه (٣) منهم الجماعات، وكل ذلك حرام ممنوع، والإنفاق فيه انفاق في غير مشروع، فأنشدكم الله عباد الله هل فعل رسول الله ﷺ لعمه سيد الشهداء موسماً؟ وهل فعل سيد هذه الأمة أبو بكر السيد الأنبياء ﷺ موسماً؟ وهل تصدى لذلك أحد من الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين؟ ثم أنشدكم الله هل زخرفت على عهد رسول الله المساجد؟ أوزوقت أضرحة الصحابة والتابعين الأماجد؟ كأني بكم تقولون في نحو هذه المواسم وزخرفة أضرحة الصالحين وغير ذلك من أنواع الابتداع: حسبنا الاقتداء والاتباع، (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون (وهذه المقالة قالها الجاحدون، وقد رد الله مقالهم، ووبخهم وما أقالهم، والعاقل من اقتدى بالسلف المهتدين، أهل الصلاح والدين، (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم.) كما في الحديث، وبالضرورة إنه لن يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها، فقد قبض رسول

стр. 339

الله ﷺ وعقد الدين قد سجل، ووعد الله بإكماله قد عجل، (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً) قال عمر بن الخطاب ﵁ على منبر رسول الله ﷺ بحضرة الصحابة ﵃: أيها الناس قد سنت لكم السنن وفرضت لكم الفرائض، وتركتم على الجادة، فلا تميلوا بالناس يميناً ولا شمالاً، ألا وإنه ليس في دين الله، ولا فيما شرع نبي الله، أن يتقرب بغناء ولا شطح، في فرح أو قرح، والذكر الذي أمر الله به وحث عليه ومدح الذاكرين به هو على الوجه الذي كان يفعله ﷺ ، ولم يكن على طريق الجمع ورفع الأصوات على لسان واحد، فهذه سنة السلف، وطريقة صالحي الخلف، فمن قال بغير قولهم فلا يستمع، ومن سلك غير سبيلهم فلا يتبع، (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً) فما لكم يا عباد الله ولهذه البدع؟ أأمنا من مكر الله؟ أم تلبيساً على عباد الله؟ أم منابذة لمن النواصي بيديه؟ أم اغتراراً من الرجوع إليه؟ فتوبوا واعتبروا، وغيروا المناكر واستغفروا، فقد أخذ الله بذنب المترفين من دونهم، وعاقب الجمهور لما أغضوا عن المنكر عيونهم، وساءت بالغفلة عن الله عقبى الجميع ما بين العاصي والمداهن والمطيع، ومن أراد منكم التقرب بصدقة، أو وفق المعروف من إطعام أو نفقة، فعلى من ذكر الله في كتابه، ووعد فيهم بجزيل ثوابه، كذوي

стр. 340

الضرورة غير الخافية، والمرضى الذين لستم بأولى منهم بالعافية، ولا يتقرب إلى مالك النواصي، بالبدع والمعاصي، بل بما يتقرب به الأولياء الصالحون، والأتقياء المفلحون، أكل الحلال، وقيام الليال، ومجاهدة النفس في حفظ الأحوال، بالأقوال والأفعال، البطن وما حوى، والرأس وما وعى، وآيات تتلى، وسلوك الطريقة المثلى، وحج وجهاد، ورعاية السنة في المواسم والأعياد، ونصيحة تهدى، وأمانة تؤدى وصلاة وصيام، واجتناب مواقع الآثام، (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) الصراط المستقيم كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ وليس الصراط المستقيم كثرة الرايات، والاجتماع للبيات، وحضور النساء والأحداث وتغيير الأحكام الشرعية بالبدع والإحداث، والتصفيق والرقص، وغير ذلك من أوصاف الرذائل والنقص، (أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً) في الحديث عنه ﷺ : يجاء بالرجل يوم القيامة وبين يديه راية يحملها، وأناس يتبعونه فيسأل عنهم ويسألون عنه (إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب) فإياكم عباد الله ثم إياكم وهذه البدع، فإنها تترك مراسم الدين خالية خاوية، والعكوف على المناكر يحيل رياض الشرائع ذابلة ذاوية، ومن المنقول عن كل الملل، والمشهور في الأواخر والأول، أن المناكر والبدع إذا فشت في قوم أحاط بهم سوء كسبهم، وأظلم ما بينهم وبين ربهم، وانقطعت عنهم الرحمات

стр. 341

ووقعت فيهم المثلات، وشحت السماء، وغيض الماء، واستولت الأعداء، وانتشر الداء، وجفت الضروع، ونقصت بركة الزروع، لأن سوء الأدب مع الله يفتح أبواب الشدائد، ويسد طرق الفوائد، والأدب مع الله ثلاثة، حفظ الحرمة بالاستسلام والاتباع، ورعاية السنة من غير إخلال ولا ابتداع، ومراقبة الله في الضيق والاتساع لا ما يفعله هؤلاء المتسمون بالفقراء، وكل ذلك كذب على الله وافتراء. عن العرباض بن سارية ﵁ قال وعظنا رسول الله ﷺ موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مودع فاعهد إلينا قال أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، فإنه من يعش بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجد، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وها نحن عباد الله أرشدناكم، وحذرنا كم وأنذرناكم فمن ذهب بعد لهذه المواسم، أو أحدث بدعة في شريعة أبي القاسم، فقد سعى في هلاك نفسه، وجر الوبال عليه وعلى أبناء جنسه، وتله الشيطان للجبين (١)، وخسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم).

стр. 342

خطبة وعظية للعربي الزرهوني على حسب أطوار الإنسان وسنيه عباد الله! إن الله تبارك وتعلى، كتب علينا الانتقال من هذه الدار، وأمرنا بالنظر فيها والاعتبار، والتزود منها لدار القرار، وخالف بمقتضى حكمته بين مقادير الأعمار، فمن معجل تخترمه المنية في ريعان شبابه، وعنوان عمره ولبابه، ومن موجل ينسأ له في أجله، حتى يستوفي ما كتب له من رزقه وعمله، فالعبد لا يدري متى يأتيه حمامه، وتنقضي بوفاته أيامه، فما أحقه وأولاده أن يعمر أوقاته بطاعة مولاه، الذي خلقه وسواه، ليكون يوم لقياه من الفائزين. فيا من بلغ سن الاحتلام، وحطت عنه الأقلام، وتعبد بشرائع الإسلام، خذ نفسك بالاجتهاد في الطاعة، ولا تطلب الربح بغير بضاعة، ولا تفتتح عمرك بالتفريط والإضاعة، فتكون من الجاهلين. ويا من بلغ العشرين، لا تطمئن إلى ما بقي من السنين، ولا تغترر برونق شبابك، فإنك لا تدري متى يقف المنون بيابك، وتفرد من بين أصحابك وأحبابك، ويذهب بك في الذاهبين. ويا من بلغ الثلاثين راجع نفسك عن هواها، فقد كمل شبابها واستحكمت قواها، فأنفق جديد عمرك في الطاعة ولا تركن إلى سواها، وهب أنه قد بقي من عمرك مثل ما مضى، فهل تجد لما فرطت فيه من صالح العمل عوضاً؟ ففكر في أمر نفسك وكن لها من الناصحين. ويا من بلغ الأربعين ذهب عنك معظم الأيام، وشرعت في النقصان بعد

стр. 343

التمام، فأخلص إلى ربك المتاب، وقل كما جاء في الكتاب: «رب أوزعني أن اشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحاً ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين» ويا من بلغ الحسين ذهب أكثر عمرك وأطيبه، وبقي أقله وأتعبه، وبدت في رأسك طلائع المشيب، وأوشكت شمس عمرك أن تغيب، فهل لك أن تقلع وتنيب؟ وتسمع وتجيب؟ فما أقبح العصيان بعد المشيب؛ وإن كان مستقبحاً في كل حين. ويا من بلغ الستين بلغت العمر الذي أعذر الله فيه إلى العباد، وعزمت على السفر البعيد فأين الزاد؟ فتزود التقوى إن الله يحب المتقين. ويا من بلغ السبعين لمقترب الآجال فيك دلائل، فاغتنم ما بقي من أيام عمرك القلائل، قبل أن تنتقل إلى دار البقاء ولم تحصل من صالح الأعمال على طائل، فتصبح من النادمين. ويا من بلغ الثمانين عشت ما قد كفاك، وكلت جوارحك وضعفت قواك، وأبغضك من كان يحبك ويهواك، وذهب عنك حلو العيش وبقي المر فتأهب للرحيل، وتهيأ للسفر الطويل، وأعلم أنك عما قريب من الراحلين. ويا من بلغ التسعين وقفت على ثنية الوداع، وأشرفت على اللحاق بمن فقدت والاجتماع، فإنك وإن كنت في الأحياء معدود في الميتين. ويا من بلغ المائة، وما أظنه في هذه الفئة، بلغت الغاية القصوى من السنين، وما بعد المائة من بقاء فلا تكن من المغرورين. ويا من غدت سنه بين هذه الحدود المحدودة، والأعداد المعدودة، اعمل على شاكلة

стр. 344

الرحيل، وتزود للسفر الطويل، وإياك والتسويف والتعليل، خشية أن يأتيك الموت عما قليل، فتموت وأنت من المفرطين. خطب رسول الله ﷺ فقال: أيها الناس! كأن الموت في الدنيا على غيرنا كتب، وكأن الحق فيها على غيرنا وجب، وكأن ما نشيعه من الأموات سفر عما قليل إلينا راجعون نبوئهم أجداثهم، ونأكل ثرائهم، كأنا مخلدون بعدهم. يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً، إن وعد الله حق، فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور، اللهم أكتبنا في ديوان من ختمت لهم بالحسنى، وتممت لهم الفوز بالرضوان في المقر الأسنى، ووفقنا اللهم لطاعتك، وأعنا على ذ كرك وحسن عبادتك، إنك جواد كريم، رؤوف رحيم.

стр. 345

المناظرات أ- في الدين مناظرة أبي عمران الفاسي الفقهاء القيروان قال عبد الجليل بن أبي بكر الديباجي: جرت عندنا بالقيروان مسألة الكفار هل يعرفون الله تعالى أولاً؟ فوقع فيها اختلاف كثير وتنازع بين العلماء. وكان اكثر من يعتني بها رجل مؤذن يركب حمارة ثم يذهب من واحد إلى آخر ولا يترك متكلماً ولا فقيهاً إلا ويناظره في هذه المسألة وعظمت حتى كثر الجدال بها في الأسواق. ثم أتوا أبا عمران الفاسي فقال ما بالكم؟ قالوا أصلحك الله أنت تعلم أن العامة إذا حدث بها حادث يفزعون إلى علمائهم، وأنت تعلم ما جرى في هذه المسألة. فقال أبو عمران إن أنتم أنصفتم وأحسنتم الاستماع أجبتكم. فقالوا نعم. فقال لا يكلمني إلا واحد منكم. فقصده ذلك الواحد فقل أرأيت لو انك لقيت رجلاً وقلت له هل تعرف أبا عمران الفاسي فقال لك اعرفه فقلت صفه لي فقال هو رجل يبيع البقل والحنطة والزيت في شوق ابن هشام ويسكن البصرة أكان يعرفني؟ قال لا. ثم قال له فلو لقيت آخر وسألته عني فقال لك نعم أعرفه. فقلت صفه لي فقال هو

стр. 346

رجل يدرس العلم ويفتي الناس ويسكن بقرب السماط أكان يعرفني؟ قال نعم. قال له والأول ما كان يعرفني؟ قال لا، قال: فكذلك الكافر الذي يقول إن للمعبود صاحبة وولداً وإنه جسم من الأجسام، فانفصلوا عن رأيه. مناظرة الخروبي والليسيثني والهبطي وما عقب به اليوسي عليها كتب أبو عبد الله الخروبي الطرابلسي رسالة إلى أهل فاس يتكلم فيها على القواعد الخمس فجاء فيها قوله أثناء الكلام على القاعدة الأولى وهي لا إله إلا الله: «ومن الأدب أن لا يتناول نفيك عند النطق بحرف النفي إلا ما ادعاه المشركون من الآلهة سوى الله تعالى وليكن الحق ﷻ ثابتاً عندك في حالة النفي والإثبات. والى هذا أشار بعض العلماء حيث قال: النفي لما يستحيل كونه والإثبات لما يستحيل عدمه، فنقم الناس عليه هذه العبارة لما يلزم عليها من الكذب في الخبر الإلهي. وكان اليسيثني مفتي الحضرة يومئذ فكتب عليه يقول: أن ذلك لا يصح من أوجه، الأول أنه يخالف ما اتفق عليه النحاة والمتكلمون من أن الاله المراد به الجنس والحقيقة ولا يبني مع لا إلا إذا كان كذلك فهو كلي ولا شيء مما ادعاه المشركون بكلي، إذ ما يدعونه ويعبدونه جزئيات خارجية متشخصة، الثاني أنه لو كان كذلك لكان الاستثناء منقطعاً ولا قائل به والأصل في الاستثناء الاتصال. الثالث أنه ليس فيها ادعاه

стр. 347

كبير أدب بل الأدب أن يكون النفي شاملاً لوجود كل إله يقد سوى الحق سبحانه على ما قاله النحاة أو للماهية لا بقيد على ما قاله المتكلمون كما هو معروف في بحثهم مع النحاة حيث يقيدون بالوجود. الرابع أن في كلامه تناقضاً حيث نقل عن بعض العلماء أن النفي لمن يستحيل كونه والإثبات لمن يستحيل عدمه فإن من يستحيل كونه مفهومه كلي لا يحضر فيما ادعاه المشركون فإن سلم هذا الكلام لزمه التناقض. وما قاله هذا العالم هو الحق الذي لا شك فيه، وقد اعترض الهبطي كلامهما معاً فقال في بيان وجه المواخذة على الخروبي: إنه سلط النفي على ما ادعاه المشركون، وما ادعاه المشركون ثابت موجود لا يتناوله النفي بالكلية. وقال في وجه المواخذة على اليسيثني مخاطباً له: أنكم تعقبتم على الخروبي قصر النفي على ما ادعاه المشركون فقط حتى إنه لو ادخله في جنس الالاه ليعم لكان مسلماً عندكم. والحق أن جنس الإله المعبود بحق، غير جنس الإله المعبود بالباطل. إذ كل واحد مميز بحده محتو على أفراده. ولما قال الهبطي ما ذكر رد عليه اليسيثني وشنع عليه الناس تشنيعاً عظيماً في قوله إن معبودات الكفار لا دخل لها في النفي ثم وصلت المسألة إلى السلطان وهو محمد الشيخ السعدي فبعث إلى الهبطي وعقد بفاس مجلساً للمناظرة لكن الهبطي لم يشأ أن يدخل فيها فانفصلوا على غير طائل ولم تزل المسألة مثار نزاع شديد بين الطلبة والمؤلفين في التوحيد

стр. 348

حتى تادت إلى العصر العلوي فتصدى لها أبو علي اليوسي وبسطها بما لا مزيد عليه من البيان في كتابه القيم «مناهج الخلاص من كلمة الإخلاص». ونحن نقتضب من كلامه جملاً نقرر بها معنى ما تقدم، فإنه قال بعد هذا الكلام: وإذ قد تعرضنا لكلام هؤلاء الأئمة فلا بد أن نتصفحه بعض التصفح ونشير إلى ما عند كل واحد في كلامه ما لا بد من الإشارة إليه والتنبيه عليه معطياً إن شاء الله كل ذي حق حقه، ومعطياً أيضاً الحق حقه، فإن لحوم العلماء مسمومة، والصدع بالحق سنة معلومة. ثم قال: أما كلام الخروبي فموضع الاعتراض منه هو قوله إن النفي لا يتناول إلا ما ادعاه المشركون من آلهة سوى الله تعالى فإنه يظهر إنه أراد الآلهة الخارجية عند المشركين من حجر وشجر وفلك ونحو ذلك فاعترض عليه اليسيثني بأن هذه الخارجية جزئيات ومدخول لا يجب أن يكون كلياً إلى آخر كلامه. واعترض عليه الهبطي بأن تلك الآلهة الخارجية موجودة فلم يصح نفيها فإن نفي الموجود كذب. وهذا مبني على أن المراد من قوله ما ادعاه المشركون مصدوقه الخارجي وليس هذا بواجب أن يراد، ولا بد أن تعلم أنه من الأشياء الضرورية أن كل لفظ واقع على كلي كالإنسان والفرس والشجر ونحو ذلك لا بد له من اعتبارين أحدهما مفهومه وهو ما يتصور منه كالحيوان الناطق من الإنسان والحيوان الصاهل من الفرس مثلاً الثاني مصدوقه وهو ما يقع عليه من الأفراد باعتبار وجود معناه فيه كزيد وعمرو وزينب وهند للإنسان، فأما

стр. 349

الأول وهو المفهوم فهو كلي أبداً في نحو هذا وهو متصور في الذهن سواء كان له وجود في الخارج أم لا. وأما الثاني وهو المصدوق فقد يوجد للكلي منه واحد وقد يوجد كثير وقد لا يوجد شيء أصلاً كالشريك وبحر من زئبق. إذا تقرر هذا فنقول قول الخروبي ما ادعاه المشركون يحتمل أن يريد به مصدوقه الخارجي كالشجر والحجر وهذا موضع الاعتراض ويحتمل أن يريد به مفهومه وهو مفهوم الشريك الكلي أو الشركاء فإن المشركين على اختلاف نحلهم وتباين مللهم من وثني وفلكي وثنوي ومثلث وغير هؤلاء متفقون على أمر واحد هو القدر المشترك بينهم وهو تجويز أن يكون مع الله جل اسمه وتعالت كلمته من يشاركه في استحقاق العبادة ثم لم يقتصروا على هذا التجويز بل حكموا بوجود ذلك غير إنهم اختلفوا بعد ذلك فمنهم من يثبت شريكاً واحداً هو فاعل الشر كالثنوي، ومنهم من يثبت اثنين كالنصراني المثلث. وهؤلاء غلاء المشركين القائلون بالشركة في الألوهية الحقيقية. ومنهم من لا تنضبط حاله بل يثبت ما اتفق له ما قام له عليه داع إلى الشركة وباعث إلى العبادة كغيرهم من الوثنيين والفلكيين ونحوهم فقد اجتمعوا على إثبات الشريك المستحق العبادة في الجملة. وهذ مفهوم كلي من غير التفات إلى مصدوقاته الخارجية في زعمهم. ولا شك أن هذا المفهوم الكلي قد ادعوه كلهم ولا أشكال أنه هو المنفي في الكلمة المشرفة فيجب أن يكون هو

стр. 350

المعنى في قول ما ادعاه المشركون فلا يبقى على الخروبي اعتراض لا من قبل اليسيثني لأن هذا كلي لا جزئي ولا من قبل الهبطي لأن هذا منفي ليس بموجود ولا يصح وجوده. ثم قال: وقول المعترض إن في كلام الخروبي تناقضاً حيث أتى بكلام ذلك العالم فإن من يستحيل كونه مفهومه كلي إلى آخره يقال لهذا المعترض من يستحيل كونه مفهومه كلي وله مصدوق جزئي وهو معبود الكافر بحسب وصفه المدعى باطلاً فإن كونه مستحقاً لأن يعبد مستحيل وهكذا كلام الخروبي له مفهوم كلي ومصدوق جزئي فلم غلبت في كلام هذا العالم رعاية المفهوم حتى صح كلامه وفي كلام الخروبي رعاية المصدوق حتى بطل كلامه؟ » ثم قال: وأما كلام اليسيثني فموقع الاعتراض منه قوله ليس فيما ادعاه، يعني الخروبي، كبير أدب بل الأدب أن يكون النفي شاملاً لكل إله يقدر سوى الحق سبحانه الخ فالظاهر منه أنه يقول ينبغي للخروبي أن لا يقتصر بالنفي على ما ادعاه المشركون من الآلهة الباطلة بل يجعل النفي متوجهاً إليها وإلى غيرها من كل ما يقدر سوى الله تعالى، ومبنى الاعتراض عليه أنه أراد أن يضم ما وقع عند الخروبي من الجزئيات الخارجية إلى كل ما يقدر ليعم النفي فيقع الاعتراض من جهتين. إحداهما أن تلك الجزئيات الخارجية موجودة فلا يصح نفيها. الثانية أن في هذا تهافتاً لأنه قال أولاً في اعتراضه على الخروبي أن الجزئيات لا يصح

стр. 351

أن تكون مدخولة للا؛ لإن مدخول لا إنما يكون جنساً كلياً فكيف استباح هنا أن تدخل هي وغيرها؟ ولا يصيرها انضمام غيرها إليها كلية بعد إذ كانت جزئية والجواب عن اليسيثني أنه ما أراد إدخال المعبودات الجزئية في النفي من حيث هي كذلك وإنما مراده أن الأدب هو الخروج عن هذا المسلك وترك الالتفات إلى ذوات المعبودات الخارجية وذلك بأن يجعل النفي متسلطاً على كل إله يقدر في الذهن مستحقاً للعبادة غير مولانا جل وعز كما صرح به من غير التفات إلى ما ادعي في الخارج وما لم يدع. ثم قال: وأما كلام الهبطي فموقع الاعتراض منه هو قوله إن معبودات الكفار لا دخل لها في النفي، فإن القول بذلك يقتضي إنها مسلمة متروكة لم يتعرض لأبطالها وإن الكفار لم يقع الرد عليهم فهم مقرون على عبادتها واعتقاد ألوهيتها مع أن مدلول هذه الكلمة من إبطال كل إله سوى الله تعالى وإثبات الألوهية الله تعالى مما علم من الدين ضرورة. ومحمل كلامه عندنا وجهان. أحدهما إنها من حيث ذواتها أي الحجر والشجر والفلك والنار وغير ذلك لا تنفى، وهذا لا أشكال فيه ويوافق الخصوم عليه إذ لا إشكال أن الأجرام وكذا الأعراض لا دخل لها في مستحق العبادة المنفي في كلمة الإخلاص. الثاني إنها من حيث وصفها أي كونها آلهة باطلة لا تستحق أن تعبد ولا أن يتقرب إليها ولا بها لا تنفي أيضاً. وهذا أيضاً صحيح لا شك فيه لأن هذا الوصف أعني كونها آلهة باطلة لا

стр. 352

تضر ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع موجود لها قائم بها كما هو موجود في أذهان الموحدين العارفين فلم يصح تسلط النفي عليه من جهتين. أحداهما إنه موجود وكما لا يصح نفي الذوات الموجودة كذات الصنم لا يصح نفي وصفه الموجود له ككونه معبوداً بغير حق وفتنة ومضلة ووبالاً. الثانية أن المنفي في كلمة الإخلاص هو المثبت بإلا لما بعدها فلو كان المنفي هو الألوهية الباطلة الموجودة في الخارج لكان ذلك هو المثبت لله تعالى عن ذلك علواً كبيراً، ولما عُلِمَ عِلْمَ اليقين أن المثبت لله تعالى أنما هو الألوهية الحقية، علم أنها هي المنفية عن غيره لا الباطلة. ب- في الأدب مناظرة مالك بن المرحل لابن أبي الربيع النحوي، في كان ماذا وقعت هذه اللفظة في شعر مالك بن المرحل فأنكرها ابن أبي الربيع وقال: الصواب ماذا كان، فقال مالك: عاب قوم كان ماذا. . . ليت شعري لم هذا وإذا عابوه جهلاً. . . دون علم كان ماذا؟ وكثر النزاع بينهما وألف كل منها في المسألة منتصراً لرأيه. وكان الذي ألفه مالك كتاباً سماه الرمي بالحصى والضرب بالعصا وجزأه ثلاثة أجزاء. ولم نقف على شيء مما كتب ابن أبي الربيع. ودونك

стр. 353

فصلاً مما كتبه ابن المرحل فيما يشهد لإثبات كان ماذا من الجزء الأول مع اختصار وتصرف في بعض الألفاظ المزيد الإيضاح: أيها القائل: كان ماذا ليتها عدم. . . جنبوها قربها ندم ليتني يا مال، لم أرها. . . إنها كالنار تضطرم يقول لك مالك: لا بد لك أن تصيح من تحت طبق على طبق نيران: كان ماذا؟ «ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون». إلى كم قيد في كان ماذا تقييداً بعد تقييد؟ لقد حصلت منها في أمر شديد. إلى كم تعيد فيها وتبدئ، وتنظم وتنشئ؟ غرك احتمالي لقدحك ومزحك، وصبري على ألم جرحك، حتى قلت: ما لجرح بميت إيلام (١) انتهزت الفرصة في أذاية صبور، ودلاك حلمه بغرور، حتى قلت: كل حلم أتى بغير احتمال. . . حجة لاجئ إليها اللئام ((٢)

стр. 354

تالله لو نهيت الأولى لانتهت الآخرة، ولم تكن الفاقرة تتبعها الفاقرة ولكن أغضيت على القذى، وصبرت على الأذى، حتى قيل لو قدر لانتصر. وأتصل الأمر فصار ديدناً فلا جرم أن أتعقب كلامك، وألفت عليك لأمك، فأقول وإنما أخاطب من سمع خطابي، ونظر في كتابي: اعلم أعزك الله أن هذا الرجل المشار إليه هو الذي أثار نار كان ماذا التي أحرقته حتى صاح: ليتني يا مال لم أرها. البيت، وذلك أنه مع رجلاً ينشد لي قصيدة في محل كريم جمعني وإياه وكان فيها: وإذا عشقت يكون ماذا؟ هل له. . . دين علي فيغتدي ويروح؟ فقال: لحن هذا الناظم، لا يقال كان ماذا ولا يكون ماذا ولا فعل ماذا ولا أفعل ماذا ولا يجوز ما كان على هذه الطريقة ولا سمع. فاستشهدت عليه ببيت الجارية وهو: فعاتبوه فذاب شوقاً. . . ومات عشقاً فكان ماذا؟ وبقول الشاعر: فعدك قد ملكت الأرض طراً. . . ودان لك العباد فكان ماذا؟ فقال: هذا لحن ولا يحتج بمثل هذا. فقلت له: إيراد العلماء لهذا الشعر وقبولهم له حجة على جوازه. وهذا كثير. ذكر أبو علي

стр. 355

البغدادي في النيل من النوادر: أنبأنا الزبير حدثنا أخي هارون بسنده عن وهب بن مسلم عن أبيه قال دخلت مسجد النبي ﷺ مع نوفل بن مساحق فمررنا بسعيد بن المسيب فسلمنا عليه فرد ثم قال يا أبا سعيد من أشعر، أصاحبنا أم صاحبكم؟ يريد عمر بن أبي ربيعة وقيس الرقيات. فقال له ابن مساحق حين يقولان ماذا؟ قال حين يقول صاحبنا: خليلي ما بال المطايا كأننا. . . نراها على الأدبار بالقوم تنكص الأبيات. ويقول صاحبكم ماذا؟ (١) فقال له وهب: صاحبكم أشعر بالغزل وصاحبنا أكثر أفانين شعر، فلما انقضى ما بينهما استغفر سعيد مائة مرة يعد بالخمس. قال المملوك: رضي الله عن سعيد بن المسيب لم يزد على أن فاوض صاحبه في مباح لم يجر في كلامه فحش ولا غيبة مسلم ثم استغفر الله مائة مرة. هكذا هكذا وإلا فلا لا. (٢) أين هذا من الذي قيد فيه؟ وكم فيهم من فقيه سوء خبيث كثير الأذى والمضرة، يعيب ويغتاب من غاب عنه ألفاً ولا يستغفر الله مرة.
следующие страницы →