أن تكون مدخولة للا؛ لإن مدخول لا إنما يكون جنساً كلياً فكيف استباح هنا أن تدخل هي وغيرها؟ ولا يصيرها انضمام غيرها إليها كلية بعد إذ كانت جزئية والجواب عن اليسيثني أنه ما أراد إدخال المعبودات الجزئية في النفي من حيث هي كذلك وإنما مراده أن الأدب هو الخروج عن هذا المسلك وترك الالتفات إلى ذوات المعبودات الخارجية وذلك بأن يجعل النفي متسلطاً على كل إله يقدر في الذهن مستحقاً للعبادة غير مولانا جل وعز كما صرح به من غير التفات إلى ما ادعي في الخارج وما لم يدع. ثم قال:
وأما كلام الهبطي فموقع الاعتراض منه هو قوله إن معبودات الكفار لا دخل لها في النفي، فإن القول بذلك يقتضي إنها مسلمة متروكة لم يتعرض لأبطالها وإن الكفار لم يقع الرد عليهم فهم مقرون على عبادتها واعتقاد ألوهيتها مع أن مدلول هذه الكلمة من إبطال كل إله سوى الله تعالى وإثبات الألوهية الله تعالى مما علم من الدين ضرورة. ومحمل كلامه عندنا وجهان. أحدهما إنها من حيث ذواتها أي الحجر والشجر والفلك والنار وغير ذلك لا تنفى، وهذا لا أشكال فيه ويوافق الخصوم عليه إذ لا إشكال أن الأجرام وكذا الأعراض لا دخل لها في مستحق العبادة المنفي في كلمة الإخلاص. الثاني إنها من حيث وصفها أي كونها آلهة باطلة لا تستحق أن تعبد ولا أن يتقرب إليها ولا بها لا تنفي أيضاً. وهذا أيضاً صحيح لا شك فيه لأن هذا الوصف أعني كونها آلهة باطلة لا
стр. 352
تضر ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع موجود لها قائم بها كما هو موجود في أذهان الموحدين العارفين فلم يصح تسلط النفي عليه من جهتين. أحداهما إنه موجود وكما لا يصح نفي الذوات الموجودة كذات الصنم لا يصح نفي وصفه الموجود له ككونه معبوداً بغير حق وفتنة ومضلة ووبالاً. الثانية أن المنفي في كلمة الإخلاص هو المثبت بإلا لما بعدها فلو كان المنفي هو الألوهية الباطلة الموجودة في الخارج لكان ذلك هو المثبت لله تعالى عن ذلك علواً كبيراً، ولما عُلِمَ عِلْمَ اليقين أن المثبت لله تعالى أنما هو الألوهية الحقية، علم أنها هي المنفية عن غيره لا الباطلة.
ب- في الأدب
مناظرة مالك بن المرحل
لابن أبي الربيع النحوي، في كان ماذا
وقعت هذه اللفظة في شعر مالك بن المرحل فأنكرها ابن أبي الربيع وقال: الصواب ماذا كان، فقال مالك:
عاب قوم كان ماذا. . . ليت شعري لم هذا
وإذا عابوه جهلاً. . . دون علم كان ماذا؟
وكثر النزاع بينهما وألف كل منها في المسألة منتصراً لرأيه. وكان الذي ألفه مالك كتاباً سماه الرمي بالحصى والضرب بالعصا وجزأه ثلاثة أجزاء. ولم نقف على شيء مما كتب ابن أبي الربيع. ودونك
стр. 353
فصلاً مما كتبه ابن المرحل فيما يشهد لإثبات كان ماذا من الجزء الأول مع اختصار وتصرف في بعض الألفاظ المزيد الإيضاح:
أيها القائل:
كان ماذا ليتها عدم. . . جنبوها قربها ندم
ليتني يا مال، لم أرها. . . إنها كالنار تضطرم
يقول لك مالك: لا بد لك أن تصيح من تحت طبق على طبق نيران: كان ماذا؟ «ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون».
إلى كم قيد في كان ماذا تقييداً بعد تقييد؟ لقد حصلت منها في أمر شديد. إلى كم تعيد فيها وتبدئ، وتنظم وتنشئ؟ غرك احتمالي لقدحك ومزحك، وصبري على ألم جرحك، حتى قلت:
ما لجرح بميت إيلام (١)
انتهزت الفرصة في أذاية صبور، ودلاك حلمه بغرور، حتى قلت:
كل حلم أتى بغير احتمال. . . حجة لاجئ إليها اللئام ((٢)
стр. 354
تالله لو نهيت الأولى لانتهت الآخرة، ولم تكن الفاقرة تتبعها الفاقرة ولكن أغضيت على القذى، وصبرت على الأذى، حتى قيل لو قدر لانتصر. وأتصل الأمر فصار ديدناً فلا جرم أن أتعقب كلامك، وألفت عليك لأمك، فأقول وإنما أخاطب من سمع خطابي، ونظر في كتابي:
اعلم أعزك الله أن هذا الرجل المشار إليه هو الذي أثار نار كان ماذا التي أحرقته حتى صاح: ليتني يا مال لم أرها. البيت، وذلك أنه مع رجلاً ينشد لي قصيدة في محل كريم جمعني وإياه وكان فيها:
وإذا عشقت يكون ماذا؟ هل له. . . دين علي فيغتدي ويروح؟
فقال: لحن هذا الناظم، لا يقال كان ماذا ولا يكون ماذا ولا فعل ماذا ولا أفعل ماذا ولا يجوز ما كان على هذه الطريقة ولا سمع. فاستشهدت عليه ببيت الجارية وهو:
فعاتبوه فذاب شوقاً. . . ومات عشقاً فكان ماذا؟
وبقول الشاعر:
فعدك قد ملكت الأرض طراً. . . ودان لك العباد فكان ماذا؟
فقال: هذا لحن ولا يحتج بمثل هذا. فقلت له: إيراد العلماء لهذا الشعر وقبولهم له حجة على جوازه. وهذا كثير. ذكر أبو علي
стр. 355
البغدادي في النيل من النوادر: أنبأنا الزبير حدثنا أخي هارون بسنده عن وهب بن مسلم عن أبيه قال دخلت مسجد النبي ﷺ مع نوفل بن مساحق فمررنا بسعيد بن المسيب فسلمنا عليه فرد ثم قال يا أبا سعيد من أشعر، أصاحبنا أم صاحبكم؟ يريد عمر بن أبي ربيعة وقيس الرقيات. فقال له ابن مساحق حين يقولان ماذا؟ قال حين يقول صاحبنا:
خليلي ما بال المطايا كأننا. . . نراها على الأدبار بالقوم تنكص
الأبيات. ويقول صاحبكم ماذا؟ (١) فقال له وهب: صاحبكم أشعر بالغزل وصاحبنا أكثر أفانين شعر، فلما انقضى ما بينهما استغفر سعيد مائة مرة يعد بالخمس.
قال المملوك: رضي الله عن سعيد بن المسيب لم يزد على أن فاوض صاحبه في مباح لم يجر في كلامه فحش ولا غيبة مسلم ثم استغفر الله مائة مرة. هكذا هكذا وإلا فلا لا. (٢)
أين هذا من الذي قيد فيه؟ وكم فيهم من فقيه سوء خبيث كثير الأذى والمضرة، يعيب ويغتاب من غاب عنه ألفاً ولا يستغفر الله مرة.
стр. 356
وحكى أبو علي قال: قرع باب ابن الرقاع فخرجت بنية له صغيرة فقالت من هاهنا فقالوا نحن الشعراء قالت وتريدون ماذا؟ قالوا نهاجي أباك فقالت تجمعتم من كل أوب ووجهة على واحد، لازلتم قرن واحد. قال: فاستحيوا ورجعوا.
قال المملوك. وكذلك حالي الآن بسبتة اجتمع كل من فيها من أصحاب هذا الرجل وأهل بلده للنقد علي ولم يبلغوا أن يكونوا قرن واحد، والله المستعان.
واستشهدت بحكاية أخرى أخرجها أيضاً في الذيل أولها لما أراد معاوية البيعة ليزيد كتب إلى مروان وهو وال على المدينة، وفي الحكاية: أو تفعل كما فعل أبو بكر قال فعل ماذا؟ وفيها أو تفعل كما فعل عمر فقال فعل ماذا؟ وبحكاية أخرى أخرجها ابن ظفر في كتابه أنباء نجباء الأبناء أولها بلغني أنه لما ولد لعبدالله بن جعفر ولده معاوية وكان لأم ولد والحكاية طويلة وفيها من كلام خالد بن يزيد بن معاوية يخاطب عبد الملك ابن مروان بلغني أن الحجاج تزوج إلى عبد الله بن جعفر ابنته أم كلثوم فغضب عبد الملك وقال كان ماذا؟ ولم لا يكون الحجاج كفؤاً لها قال خالد يا أمير المؤمنين إني لم أرد ذلك ولكنك تعلم أنه لم يكن بين بيتين من بيوت قريش ما كان بيننا وبين آل الزبير، يعني من العداوة، فلما تزوجت إليهم انقلب ذلك البغض حباً. واستشهدت له بشواهد من هذا النوع وإنما كان غرضي أن أثبت أن هذا النوع من الكلام قد قيل
стр. 357
وإنه فصيح ولم أتعرض إلى أنه على الاتصال ولا على التقديم والتأخير ولا على الانقطاع فتمادى على الإنكار. وقال: لا يحتج بأبي علي البغدادي فلم يكن من أهل الصناعة ولا بابن ظفر. وإنما يحتج بأهل صناعة العربية. فاستشهدت له بحكاية أخرى أخرجها العالم الجليل أبو الفرج الأصبهاني في كتاب الأغاني حيث قال:
يا دار أقفر رسمها. . . بين المحصب والحجون
وفي آخر الحكاية فكان ماذا؟ واستشهدت بحكاية أخرى أخرجها ابن قتيبة في عيون الأخبار قال: مر أعرابي بمؤذن وهو يقول أشهد أن محمداً رسول الله بنصب رسول الله فقال الأعرابي ويحك يفعل ماذا؟ وبحكاية أخرى من الكتاب المذكور قال: وصعد اليربوعي فخطب وقال أما بعد فإني والله ما أدري ما أقول ولا فيم أقمتموني أقول ماذا؟ فقال بعضهم قل في الزيت فقال الزيت مبارك فكلوا منه وادهنوا. وبحكاية أخرى منه قدم ابن جامع مكة بخير كثير فقال ابن عيينة: علام يعطي الملوك هذا الغلام هذه الأموال ويحبو نه هذا الحباء؟ قالوا يغنيهم قال يقول ماذا؟ فهذان رجلان من أئمة العلماء وصناعة العربية قد حكيا في تأليفيها المشهورين هذه الألفاظ. واستشهدت بحكاية أخرى أخرجها العالم أبو بكر الزبيدي وهو من أئمة العربية في تاريخ النحويين واللغويين. حدث بسنده عن العجوري قال: كان ثعلب من الحفظ
стр. 358
والعلم وصدق اللهجة والمعرفة بالعربية ورواية الشعر القديم ومعرفة النحو على مذهب الكوفيين، على ما ليس عليه أحد. وفي الحكاية من كلام ثعلب لصهره: إذا رآك الناس تذهب إلى هذا الرجل تقرأ عليه يقولون ماذا؟
قال المملوك فلما بلغه ذلك قال: لا يتنزل نطقهم لهذه الألفاظ منزلة نقلهم. قلت فيظهر من قولك أيها الرجل أن الزبيدي وابن قتيبة وثعلب وأبا الفرج الأصبهاني وغيرهم كانوا لحانين أيضاً، فالحمد لله استوى الماء والخشبة ولا عار على من لحن مع هؤلاء. ثم أوقفته على كتاب ألفه أبو علي المالقي في شرح الجمل هو بأيدي الناس وقد تكلم على ماذا فقال: ومن حكم ما مع ذا أن الألف لا تحذف منها وإن دخل عليها حرف الجر فتقول بماذا جئت؟ وعماذا سألت؟ ومن حكمها أنها يعمل فيها ما قبلها وإن كانت استفهاماً ثم قال: ويقوي ذلك حديث أم حبيبة حين قالت للنبي ﷺ : هل لك في بنت أبي سفيان فقال أصنع ماذا؟ انتهى كلامه.
قال المملوك: وخرج هذا الحديث في كتاب البخاري ومسلم والنسائي وأبي داود وابن خيثمة. فلما وقف على الجملة أكبرها وأعظمها ورأى أن الحديث المذكور تمخضت عنه بطون الأمهات الكبار، ودارت عليه كتائب من كتب الأئمة الأخيار، بين سمر القنا وبيض الشفار، فحصل في أمر عظيم، ووقع في مقعد مقيم، ثم نظر فرأى أن الطرق
стр. 359
كلها تجتمع في هشام بن عروة ابن الزبير ﵁ فقال هذا نقله بالمعنى وقد لحن فيه فقيل له ولم تقول ذلك؟ قال: إني لا أراه كان يحسن أدوات النقل وكانت أمه أمة وانفرد بنقل هذا اللفظ الذي لا يوجد في كلام العرب. فنقل الطلبة كلامه، وأكبروا جرأته وإقدامه، فأمر بالتقييد في ذلك ليوقف على كلامه فأضطر إلى القول بجواز ذلك وقال: أما أفعل ماذا، إذا ورد في كلام فصيح فيجوز على أن تكون ماذا منقطعة من أفعل ويكون التقدير ماذا تريد ومشى في تقييده على ذلك. ثم تكلم في بيت الجارية فقال رأيت ابن طاهر قد قال انه على الانقطاع. فظهر من كلام هذا الرجل أنه لم يكن عنده علم من الحديث ولا من بيت الجارية ولا أن ذلك جائز حتى وقف على كلام ابن طاهر في بيت الجارية بعد وقوع النازلة، فمن هناك تدلى وقال أن الحديث يجوز على الانقطاع. وانتقلنا - بحمد الله - من أن ذلك لا يجوز البتة ولا سمع إلى أنه يجوز على الانقطاع. ومع هذا فلم يزل مصمماً على قوله الأول أن الحديث منقول بالمعنى وأن ذلك لحن فيه فإنه أورد في تقييده أن النقل بالمعنى جائز، وهذا الذي ذكر لا ينازع فيه إنما ينازع في أنه لحن، وقد فرق كلامه في هشام بن عروة ﵁ في تقييده فأشار في موضع منه أنه كان ابن أمة وإن اللحن طرأ عليه من قبلها فقال: روى مسلم عن ابن أبي عتيق قال تحدثت أنا والقاسم عند عائشة وكان القاسم رجلاً لحاناً وكان الأم ولد فقالت له عائشة: ما لك لا تتحدث كما يتحرك ابن أخي
стр. 360
هذا؟ ثم قالت: أما إني قد علمت من أين أتيت هذا أدبته أمه وأنت أدبتك أمك. قلت: فهذه إشارة إلى أن هشاماً كان كذلك إلى ما صرح به في مجالسه، وهذا الذي نقل عن ابن أبي عتيق ﵁ لم يعن به اللحن الذي هو فساد الإعراب وإنما عنى به إخراج الحروف من غير مخارجها ونحو ذلك. كما حكي أن أعرابياً قال لعمر ﵁ أيظحى بضبي؟ فقال له عمر إنما يقال أيضحي بظبي فقال له الأعرابي كذلك نقول أو هي لغتنا. وأيضاً فإن القاسم كان صغيراً وعائشة هي أم المؤمنين وإنما قصدت بقولها التعليم والتأديب وليس له أن يقول في هشام بن عروة كما قال ابن أبي عتيق في القاسم ولا أن ينزل نفسه منزلته في هذا القول.
قلت: وأشار في موضع آخر إلى أنه كان قليل المعرفة باللسان قال: ومما يستحق الراوي أن تكون عنده جملة صالحة من اللسان حتى لا يتوحش من شيء سمع منه وإذا رأى منكراً نفر منه ولا بد أن يتقن جهات الإعراب وأبنية الأسماء والأفعال. ثم نقل فصلاً عن الأصمعي إن أخوف ما أخاف على طالب الحديث اذا لم يعرف اللحن أن يدخل في جملة قول النبي ﷺ من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار لأنه ﵇ لم يكن يلحن فمهما رويت عنه ولحنت فقد كذبت. قلت: وهذه إشارة أخرى إلى أن هشاماً لم يكن يحسن من ذلك شيئاً بحيث أنه دخل بمقتضى قوله في الجملة التي تلحن فتكذب فتتبوأ مقعدها من
стр. 361
النار. قلت: وكذلك أشار في موضع آخر إلى تضعيفه فقال: أن من المحدثين من يكتب حديثه ولا يحتج به. قلت: هذا صحيح في غير هشام بن عروة. قال بعض من تكلم في الرجال: أبو الحصين عبيد الله القداح ليس بالقوي مكي ضعيف مولى لبعض أهلها. وقال ابن أبي حاتم سألت أبي عن عبيد الله القداح فقال ليس بالقوي يكتب حديثه. وأما هشام بن عروة فمعاذ الله أن يكون من هؤلاء. وهذه نبذة من أخباره وما قيل فيه ﵁ (وذكرها) ثم قال:
فأما قوله وقد انفرد بهذه اللفظة التي لا توجد في كلام العرب فباطل قد جاء في حديث آخر ما يشبه هذا، أخرج الإمام أبو الفرج ابن الجوزي ﵀ في كتابه صفوة الصفوة عن أبي سعيد عن مسلم عن إبراهيم عن هشام الدستوائي عن عطاء بن السائب قال لما استخلف أبو بكر أصبح غادياً إلى السوق وعلى رقبته أثواب ليتجر بها فلقيه عمر وأبو عبيدة فقالا له إلى أين تريد يا خليفة رسول الله ﷺ ؟ قال: السوق، قالا تصنع ماذا وقد وليت أمر المسلمين؟ قال فمن أين يطعم عيالي؟ قالا انطلق حتى نفرض لك شيئاً فانطلق معهما ففرضوا له كل يوم شاة وماكسوه) (١) في الرأس والبطن. وخرج أبو داود في كتابه قال: ناموسي (٢) بن إسماعيل قال نا وهب قال نا داود عن عامر عن جابر بن
стр. 362
سمرة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يزال هذا الدين عزيزاً إلى اثني عشر خليفة. قال فبكى الناس وضجوا، ثم قال كلمة خفية فقلت لابي ما قال؟ قال كلهم من قريش. حدثنا ابن نفيل قال نازهير قال نا زياد بن خيثمة قال حدثني الأسود بن سعيد الهمداني عن جابر بن سمرة بهذا الحديث زاد: فلما رجع إلى منزله أتته قريش فقالوا ثم يكون ماذا؟ قال ثم يكون الهرج. قلت فقد اشترك هشام بن عروة مع غيره في رواية هذا النوع من الكلام لا فرق بين أفعل ماذا وتصنع ماذا وثم يكون ماذا. فلينظر في هؤلاء الرواة كما نظر في غيرهم وليبحث فلعل فيهم ابن أمة فيكون الحديث لحناً على مذهبه، ولعل فيهم مثل عبيد الله القداح، أعوذ بالله من الجهل والضلال. قلت: ثم إن هذا الرجل لما قهرته الأدلة، ووقف موقف الهوان والذلة، احتاج إلى المطالعة فوقف على كلام ابن طاهر في بيت الجارية كما ذكر، وعلى كلام غيره واضطر إلى التقييد في ذلك، فقال وهو يمشي الضراء) (١) ويقف وراء وراء: إنما أنكرت أن يكون ما قبل ماذا عاملاً فيها. قال وقد تبين بما لا خفاء معه أن أفعل ماذا ليس على تقدير ماذا أفعل، وإن ماذا منقطعة من أفعل. لكن بقي ذكر المعاني التي يأتي عليها الكلام فأقول: يظهر لي في أفعل ماذا إذا ورد في كلام العرب أنه يكون على ستة أوجه؛ أحدها أن
стр. 363
تأتي بافعل تعلم مخاطبك بالموافقة ثم تقول ماذا أي ماذا تريد. قلت وإذا أردت أن تخرج البيت على هذا الوجه كأن العاذل قال له إذا عشقت يكون كذا ويكون كذا فعدد له ما يطرأ عليه من المحن في الهوى فيقول موافقاً له: وإذا عشقت يكون أي يكون ما قلت ثم يقول ماذا؟ أي ماذا يكون علي؟ الوجه الثاني أن تقول افعل وتسكت على وجه التذكر ثم نقول ماذا؟ الوجه الثالث أن تقول افعل؟ على جهة الإنكار وتمثل بقول أم حبيبة لرسول الله ﷺ : إنا لنتحدث إنك تريد أن تنكيح درة بنت أبي سلمة فقال رسول الله ﷺ بنت أم سلمة؟ الوجه الرابع أن تقول افعل وتحذف المفعول تعظيماً للأمر وتهويلاً. الوجه الخامس أن تقول أفعل وتحذف المفعول لأن الذي بعد ذا يبينه. الوجه السادس أن يكون انتقالاً من كلام إلى كلام. ثم قال:
وإذا جاء افعل ماذا ويفعل ماذا؛ فقد يكون على وجه آخر غير الوجوه المذكورة وهو أن يكون المفعول محذوفاً كما تقول لإنسان يقول لك أفعل معي ما فعل فلان فتقول فعل! أي أدري أنه فعل شيئاً ولكني لا أعينه ثم تسأله عن تعيينه لتنظر في ذلك. ثم قال: وقد يكون على أن تذكر فعل لتحقق ما يقال. ومثال من ذلك أن يقول قائل زيد ضرب فتقول ضرب! على معنى أقلت ضرب؟ ثم قال: فإذا تتبع كلام العرب ومقاصدها في كلامها فيوجد أكثر مما ذكر. قال المملوك: انظر كيف قال أولاً أنه يكون على ستة أوجه ثم انه زاد وجهين بعد الحصر في ستة أوجه ثم قال
стр. 364
وإذا تتبع كلام العرب ومقاصدها في كلامها فيوجد أكثر مما ذكر، فقد صار المنحصر لا ينحصر. ثم قال بعد ذلك: ويمكن أن تجعل ما بمنزلة الذي وذا خبر لمبتدأ محذوف ويكون بمنزلة قوله تعالى «تماماً على الذي أحسن» على قراءة من قرأ أحسن بالرفع، وذا إشارة والتقدير افعل الذي هو هذا. ثم قال: ويمكن أن تجعل ذا بمنزلة الذي وتكون الصلة محذوفة على حسب قوله:
وكفيت جانبها اللتيا والتي (١)
قلت: انظر كيف زاد بعد قوله أن الوجوه لا تنحصر وجهين آخرين وهذا كله من قلة التحصيل. ثم أنه كر على بيت الجارية فقال: وإذا نظرت إلى الوجوه التي ذكرت بدا لك في بيت الجارية غير ذلك فأخرج بيت الجارية عن الجواز على تلك الوجوه وضعف الوجه الذي ذكره ابن طاهر وقال انه ضعيف ومعنى سخيف لأنه خال عن رشاقة، عار عن لباقة في كلام له مفقر بارد تركته ثم قال: وأما البيت الذي وقع فيه الكلام، وزلت بسببه الأقدام، فلا يشبه بيت الجارية لأنه قال: وإذا عشقت يكون ماذا؟ فإذا وقف على يكون وهو قد جعله جواباً إذا لأنها لا تخلو من الشرط فقد جعل جملة الجواب لا تفيد إلا ما أفادت جملة الشرط.
стр. 365
قلت: هذا اعتراض بليد لم يفهم من البيت إلا ما وقع في أذنيه فإن الرجل لا يحسن في الأدب شيئاً ولا يحسن أغراض الشعراء ولا ما جرى عليه عملهم حتى يفهم. هذا قول حبيب:
أجب أيها الربع الذي أنا سائله
فإنه ينظر فلا يرى كلاماً متقدماً ولا يسمع قول مخاطب يكون هذا جوابه فيظن أن الشاعر مجنون. قلت: وأنا بعون الله أبين للمبتدئين كيف يخرج البيت الذي فيه الكلام عند أهل الصناعة العربية وذلك أن فيه:
حق وإن جعل النصيح يصيح. . . أنا عاشق، هذا الحديث صحيح
واذا عشقت يكون ماذا هل له. . . دين علي فيغتدي ويروح؟
فكأن الناصح عنفه على العشق وعذله، وقال له أنت عاشق وجعل يصيح وينظر ويسمع فقال حق أنا عاشق، هذا الحديث صحيح، ثم قال وإذا عشقت يكون العشق كما تقول وماذا علي فيه؟ ويدل على ذلك بعد هذا:
فيه قضاء؟ لا ولا كفارة. . . فأرح فؤادي إن قولك ريح
فقد تبين المعني وظهر وجه التقرير والإعراب على الطريقة في صناعة العربية وصار يكون جواباً لإذا على رغم من أنكره فإن المنكر بعيد
стр. 366
من فهم الشعر ومن قوله، على أنه قد تكتب (١) وتكلف الشعر بالعروض على ما تقف عليه إن شاء الله. فإن قيل لي هذا مذهبك في البيت قلت نعم! ويمكن تخريجه على أكثر الوجوه التي فسرها هذا الرجل، بعد تحصيل الفهم لما قبل البيت كما ذكرت لك ولا يبعد عندي التقديم والتأخير من غير عمل كما أبين للمبتدي إن شاء الله وذلك أنك تقول ماذا أفعله؟ ثم تحذف الضمير فتقول ماذا أفعل؟ ثم تقلب فتقول أفعل ماذا؟ ويتبين لك في أن تقول أي شيء أفعله؟ ثم تقول أي شيء أفعل؟ برفع أي ثم تقول أفعل أي شيء بالرفع. فكذلك التقدير في يكون ماذا! والتقديم والتأخير في الكلام كثير ومن ذلك قوله تعالى: «إني لكم لمن الناصحين» على أحد القولين. وقد قالوا: أصبحت كيف؟ علقه أبو علي الفارسي.
وهذا الكلام مقتضب وإنما هو تذكير للعالم وتنبيه للنائم والله الموفق.
وأما حديث النبي ﷺ أعني حديث أم حبيبة فالتقديم والتأخير عندي فيه هو الصواب لأن غير ذلك يبدل معناه ويخرجه عن ظاهره ويطمس حسنه ونور فصاحته. وأما سائر ما تقدم فمهما يستوي فيه النظر.
قال المملوك: ونظير البيت المذكور قول عمر ﵁ للأعرابي الذي أنشده:
стр. 367
يا عمر الخير رزقت الجنة. . . أكس بنياتي وأمهنه
وكن لنا من الزمان جنة. . . أقسم بالله لتفعلنه
فقال له عمر: فإن لم أفعل يكون ماذا؟ فقال الأعرابي:
إذن أبا حفص لأذهبنه
فقال له عمر: وإذا ذهبت يكون ماذا؟ فقال الأعرابي:
يكون عن حالي لتسألنه. . . يوم تكون الأعطيات هنه
وموقف السؤال ينتهنه. . . إما إلى نار وإما جنة
قال فبكى عمر حتى اخضل لحيته ودعا بقميص فدفعه إليه وقال خذ هذا لأهوال ذلك اليوم لا للشعر. والحكاية رواها أبو علي البغدادي.
والبيت الثاني الذي تقدم وهو:
فعدك قد ملكت الأرض طرا. . . ودان لك العباد فكان ماذا؟
وقع في حكاية أوردها أئمة الأدباء في كتبهم قال جعفر بن القاسم الأمير بالبصرة: إني لفي الجامع الأعظم بالبصرة ومعي جماعة يعظونني إذ وقف على بعض المجانين فقال:
فعدك قد ملكت الأرض طرا. . . ودان لك العباد فكان ماذا
ألسنت تصير في لحد ويحوي. . . تراثك بعد، هذا ثم هذا
стр. 368
وينسبان أيضاً لبهلول يقولهما لبعض الخلفاء العباسيين وقد لقيه في بعض الطرق. ويروى البيت الأخير:
ألست تصير في لحد ويحثو. . . عليك الترب، هذا ثم هذا؟
ورأيت في كتاب ابن ظفر آن هشام بن المغيرة كان بينه وبين العاصي ابن وائل نبوة وكان أبو جهل بن هشام حديث السن معجباً بنفسه حديداً فمر بالعاصي بن وائل وهو في نادي قومه وابنه عمرو بن العاص بين يديه وهو طفل فقال أبو جهل كلاماً يتهدده به فلم يجبه العاصي بشيء فقال عمرو لأبيه: مالك لا تجيبه؟ قال أقول ماذا؟ قال تقول إذا كنت يومك ذا عاجزاً مهيناً فأنت غداً أعجز، ولو كنت تعول ألهاك عن وعيدك ذا ما به تنبز، فاستطير العاصي سروراً وقال أنت ابني حقاً وكان قبل ذلك يفضل غيره من ولده عليه.
قلت: والحكايات والأشعار التي وقعت فيها كان ماذا ويكون ماذا ونحو ذلك كثيرة وإنما أعود إلى إيرادها، لعلمي أنه متمادٍ على إنكاره وإنما احتاج إلى القول بالجواز في تقييده على الوجوه التي ذكر للضرورة، وما زال عن قوله إن ذلك لحن ولا يزول أبداً.
стр. 369
ج- في السياسة
مناظرة المهدي بن تومرت لعلماء مراكش
بحضرة علي بن يوسف بن تاشفين
دخل المهدي بن تومرت وأصحابه إلى مراكش وقد جاهر بدعوته واستعلن أمره. فذهب إلى المسجد الجامع ولقي هناك أمير المسلمين علي بن يوسف فوعظه وأغلظ له القول، وكان علي جالساً والوزراء واقفون حوله فقال الوزراء لابن تومرت سلم سلام الخلافة على الأمير، فقال ابن تومرت وأي أمير؟ إنما أرى جواري منقبات. فلما سمع ذلك علي بن يوسف أزال النقاب عن وجهه وقال صدق، فلما رآه ابن تومرت قال له الخلافة لله لا لك يا علي، وتمادى في وعظه وإرشاده وجادل العلماء الحاضرين جميعاً.
وقيل أنه كان سائراً في الطريق فرأى أخت علي بن يوسف حاسرة على عادة قومها فوبخها توبيخاً وعنفها فدخلت على أخيها تذرف الدموع مما لحقها من إهانة ابن تومرت وتقريعه. وأصبح العلماء والعامة لا يتكلمون في مراكش إلا بأمره، فجمع له علي بن يوسف مجلساً من علماء المغرب والأندلس يرأسهم وزيره العلامة مالك بن وهيب فلما التأم المجلس للمجادلة تولى الكلام قاضي المرية محمد بن أسود وقال
стр. 370
ما هذه الأقوال التي تنقل عنك في حق الملك العادل المنقاد إلى الحق والمؤثر لطاعة الله على هواه؟ قال ابن تومرت أن ما نقل عني قد قلته حقاً ولي من ورائه أقوال أخرى، أما قولك إن ملككم عادل منقاد للحق مؤثر طاعة الله على هواه، فهذه أقوال تقولونها وتنصرونه بها مع علمكم بأن الحجة متوجهة عليه، فهل بلغك يا قاضي أن الخمر تباع في هذه الديار جهاراً وأن الخنازير تمشي بين المسلمين وأن أموال اليتامى تؤكل ظلماً وعدواناً؟ وعدد من ذلك جميع المنكرات التي رآها، فلما سمع الملك كلامه ذرفت عيناه وأطرق حياء فسكت علماء السوء ولم يتكلم منهم أحد، فقال مالك بن وهيب وقد فهم نفسية ابن تومرت وأدرك غايته، نصيحتي لك أيها الملك أن تأمر بسجن هذا الرجل وأتباعه وتنفق عليهم كل يوم ديناراً لتكفي شرهم والا أنفقت عليهم كل خزانك ولا يجديك ذلك نفعاً، اجعل عليه كبلاً قبل أن تسمع له طبلاً. فوافقه الملك على ذلك، لكن الوزير بينتان بن عمر تدارك الأمر وقال يقبح بك أيها الملك أن تبكي من موعظة رجل، ثم تسجنه في مجلس واحد، فأصغى الملك لرأيه وصرف ابن تومرت وسأله الدعاء.
مناظرة السلطان زيدان بن المنصور الذهبي
للشيخ يحيى بن عبدالله بن سعيد الحاحي
كان للشيخ المذكور دالة على زيدان بن المنصور بسبب أنه أعانه
стр. 371
على حرب الثائر أبي محلي) (١) وإنقاذ مراكش من يده فكان بعد ذلك يراسله وينصحه. وكان زيدان يتحمل من ذلك أمراً عظيماً، ويداريه أشد المداراة. وهذه المناظرة تعطينا صورة من الصراع العنيف الذي كان يدور بينهما، وهو صراع بين الأفكار المجردة والواقع السياسي الذي لا يعدم من الحجج ما يناهض به تلك الأفكار، ولئن مثلت المناظرة في شخصية الشيخ المذكور معارضة سياسية جريئة فإنها تمثل في شخصية زيدان حكومة متبصرة عظيمة الثقة بنفسها.
(قال الشيخ) في خطابه لزيدان بعد الافتتاح (٢).
وبعد فالباعث به إليكم أمور ثلاثة مدارها على قوله ﷺ الدين النصيحة. قيل لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولخاصة المسلمين وعامتهم، الأول بيان سبب الركون إليكم، الثاني ذكر الحامل على دفع مناونكم، الثالث ملازمة النصح لكم والضجر مما يصدر من أعوانكم للرعية،
أما الأمر الأول فله أسباب كثيرة منها مراعاة الجناب النبوي
стр. 372
الكريم في أهل بيته. ورضي الله عن أبي بكر الصديق القائل: أرقبوا محمداً في أهل بيته، والقائل: لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلي أن أصل من قرابتي.
وأما الأمر الثاني فلما جرى به القدر من تغلب ذلك الإنسان المسلط على الرقاب والحريم والأموال، وإدخاله بتأويلاته البعيدة عن الصواب ما ليس في المذهب حتى تعدى ضروب الولاة إلى سائر الرعية فاضلها ومفضولها، ومد ذلك يد الوعيد المؤكد بالأمان إلينا في الأنفس والأموال.
وأما الأمر الثالث فهو مما دل عليه الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فسورة العصر قائمة البرهان في كل أوان وعصر، وقد قال تعالى في قضية كليمه رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيراً للمجرمين، وقال جل من قائل: وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان. وأما الستة فقوله ﷺ من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يقدر فبلسانه فإن لم يقدر فبقلبه وذلك أضعف الإيمان، وقد كنا مقتصرين على التغيير باللسان والعلم بكون التغيير العملي إليكم، حتى جذبتمونا إليه ودللتمونا بارتكاب أصعب مرام عليه، وقوله من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيس من رحمة الله. قال العلامة المواق: من أعان على عزل أمير وتولية
стр. 373
غيره ولم يأمن سفك دم مسلم فهو شريك في دمه إن سفك، ثم أتى الحديث المتقدم استعظاماً لذلك الأمر الفظيع، فإنا لله وإنا إليه راجعون، على أننا انخدعنا بالله حيث كتبت لنا مراراً وأنت وعاهدت، وكنت أتخوف من هذا الواقع بأزمور وأشفي ومراكش والغرب حتى أتاني القائد عبد الصادق بمصحف ذكر أنه السلطان تلمسان، في جرم صغير وقال لي أمرني السلطان أن أحلف لك فيه نيابة عنه على بقائه على العهد فيما بينك وبينه، ومن تأمين كل من أمنته، وإمضاء كل ما رأيته صلاحاً لأمته ﷺ ثم لم أكتف بذلك حتى أتاني القاضي وأكد كل ما تقدم متحملاً عنك بذلك وبعد استقرارك في دارك كتبت لي كتاباً بأنك باق على ما تعاهدنا عليه وأن الأمور كلها على معيار الشرع. فما راعني إلا وقد أخفرت في ذمة الله وأماني الذي عقدته للناس فمن مأسور ومقيد ومطلوب بمال ومطرود عن بلده، وأخبار أخرى ترد علينا من جهة السواحل أن الناس تباع فيها للعدو دمره الله ولم نر من اهتبل بذلك ممن قلدتموه أمور الثغور فلم ندر هل بلغك خبر ذلك فتسقط عنا ملامة الشرع أو لم يبلغك فأعلمنا لله تعالى لتطمئن قلوبنا فإني كاتبتك في ذلك فلم أر جواباً فقضيت والله من الأمر عجباً.
وأما الإجماع فلم نر من العلماء من نهى عن نصيحة خاصة المسلمين وتنبيههم على ما يصلح بهم وبالرعية بل عدوه من الدين لحديث الدين النصيحة وغيره. وما استشعرناه من امتعاضكم من عدم إلانة القول في
стр. 374
مكاتبتنا لكم، فما خاطبناكم قط رعياً لذلك ولو بنصف ما خاطب الأئمة الأول به أهل زمانهم اتكالاً على مطالعتكم لكتبهم وعلمكم بما لم نعلمه من ذلك. ويكفيكم نصح الفضيل بن عياض وسفيان الثوري وإمامنا مالك ﵃ لمعاصريهم من الولاة، وفيهم من بكى وانتفع، ومن غشي عليه وتوجع، ومن ندم واسترجع، إلى غير ما ذكر على اختلاف الاعصار وتنوع الدول، فبذلك اقتدينا وبما كان عليه أشياخنا وأسلافنا لكم ولأسلافكم كالفقيه شيخ والدنا ﵀ سيدي عبدالله الهبطي لجدكم المرحوم بكرم الله تعالى، فطمعت في نجح النصح دنيا وأخرى. فهذا أصل قضيتنا معكم وهلم جراً والذكرى تنفع المؤمنين.
(فأجابه زيدان):
وبعد، فقد ورد علينا كتابكم ففضضناً ختامه ووقفنا على سائر فصوله ثم إننا إن جاوبناكم على ما يقتضيه المقام الخطابي ربما غيركم ذلك وأدى إلى المباغضة والمشاحنة. ويحكى عن عثمان ﵁ أنه بعث لعلي كرم الله وجهه وأحضره عنده وألقى إليه ما كان يجد من أولاد الصحابة الذين اعصوصبو بأهل الردة الذين كان رجوعهم إلى الإسلام على يد الصديق، وهو في ذلك لا يجيبه، فقال له عثمان ما اسكتك؟ فقال له: يا أمير المؤمنين إن تكلمت ما أقول لك إلا ما تكره وإن سكت فليس لك عندي إلا ما تحب. ولكن لما لم أجد بداً من الجواب أرى أن
стр. 375
أقدم لك مقدمة قبل الجواب وذلك أن الحجاج لما ولاه عبد الملك بن مروان العراق وكان من سيرته ما يغني اشتهاره عن تسطيره هنا فتأول ابن الأشعث الخروج عليه وتابعه على ذلك جماعة من التابعين كسعيد بن جبير وأمثاله من أولاد الصحابة ولما قوي عزمهم على ذلك استدعوا الحسن البصري ﵁ فقال لا أفعل فإني أري أن الحجاج عقوبة من الله تعالى فتفزع إلى الدعاء أولى. وقد علمت ما كان من أمر عبد الرحمان بن الأشعث وسعيد وأمثاله. وقضية أهل الحرة مما أوقع بهم جند يزيد بن معاوية بالحرم الشريف (١) ما أوقع، ولما بلغه الخبر وهو بالشام أنشد:
ليت أخوالي ببدر شهدوا. . . جزع الخزرج من وقع الأسل
وشاع ذلك عنه وذاع وكان ذلك على عهد أكابر الصحابة وأولادهم فما تعرض أحد منهم للنكير عليه ولا تصدى للقيام بكلام.
ونرجع لجواب الكتاب، فأما ما حكيت عن الصديق ﵁ في أهل البيت والأحاديث الواردة في أنه يجب احترامهم وتعظيمهم وتبجيلهم لأجل النبي ﷺ فإن كان يجب عليكم تعظيمهم فإنه يجب علي من باب أولى، عملاً بقوله تعالى: «قل لا أسئلكم عليه
стр. 376
أجراً إلا المؤدة في القربي» واجرى عادة حكمه ما تصدى احد لعداوة أهل البيت إلا أكبه لوجهه. وأما ما أوردتم من أحاديث النصح فإني والله أحب أن تنصحني سراً وعلانية مع زيادة شكري عليها وأراها منك مودة واعدها محبة، ولكن أفعل من ذلك ما أقدر عليه لأن الله تعالى يقول: «لا يكلف الله نفساً إلا وسعها» وقد كثر قولهم. ولم آل جهداً في كذا، لأن النفوس الشريفة العلية لا تترك من فعل الخير والجد في اكتسابه إلا ما عز تناوله وصعب اكتسابه عليها.
وأما ما ذكرتم من امر أبي محلي وسيرته وما كان تسلط عليه لولا ما كان من نهوضكم إليه، أما تذكر استنهاضنا لكم المرة بعد المرة وتكررت في ذلك إليكم الرسل حتى أجبت إليه وهو أمر لا تحتاج فيه لإقامة حجة غير كونه خرج من الجماعة، وقوله ﷺ من أراد أن يشق عصاكم فاقتلوه كائناً من كان، والا فلو دخل الملك من بابه وبايعه أهل الحل والعقد وأخذ ذلك بوسائط مثل بيعة جدنا المرحوم التي تضافرت عليها علماء المغرب وأهل الدين المشاهير، ولو كان وصل لذلك بمثل هذه الوسائط لما وجب حربه ولا القيام عليه بما ذكرتم لأن السلطان لا ينعزل بالفسق والجور، وإلا فإن الصحابة ﵃ في زمن يزيد بن معاوية لا يحصى عددهم وما تصدى أحد منهم للقيام عليه ولا قال بعزله، وإلا فإنهم لا يقيمون على مثل ذلك ولو نشروا بالمناشير. وأما أبو محلي فبمجرد قيامه يجب عليك وعلى غيرك إعانتنا عليه لأنك في
стр. 377
بيعتنا وهي لازمة لك فالطاعة واجبة عليك. وأعلم أن والدك أفضل منك بدليل؛ (آباؤكم خير من أبنائكم إلى يوم القيامة) وكان عمنا عبد الملك رضي الله تعالى عنه وسمح له على ما كان عليه واشتهر به إعلاناً. وكان والدك في دولته وبيعه ووفد عليه ولم يستنكف من ذلك ولا ظهر منه ما يخالف السلطنة ولا أنكر عليها ولا تعرض لما يسوء ملك الوقت ولا سمع ذلك منه، فإن كان راضياً بفعله فهو مثله وإن لم يكن راضياً فما وجه سكوته والوفادة عليه؟ وإما ما ذكرتم من أن من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيس من رحمة الله؛ فهذه حجة عليك لا علينا لأني ما سعيت في قتل أحد ولا قتل من قتل إلا بأمر القضاة وأهل العلم. وأعلم أنه إذا كان هذا وعيداً في قتل الواحد فما بالك بمن يريد فتح باب الفتنة حتى لا يقف القتل على المائة والمائتين والألف والخمسة آلاف ونهب الأموال وكشف الحريم وغير ذلك. أما تعلم إن أيام فتنة أبي محلي قد هلك من النفوس والأموال بسببها ما لا يحصي عدده حاسب. ولا يستوفي نهايته كاتب، وكان ذلك في صحيفته لأنه المتسبب الأول الفاتح أبواب الفتنة لأنه كان يقتل كل من انتمى إلينا حتى قتل بسبيه في يوم واحد بمكان واحد خمسمائة قتيل ولولا أبو محلي ما قتلوا.
وأعظم في حرمة النفوس من هذا قوله تعالى: «ومن أجل ذلك، كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفسٍ أو فسادٍ في
стр. 378
الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً، وليس في قول المواق ما يحتج به على السلطان وإنما تكلم في أصحاب الخطط على الترتيب الذي كان على عهده، مثل أصحاب الشرط كصاحب شرطة السوق الذي ينفذ عن القاضي وغير ذلك من الولايات. وولاية أبي محلي لا تعد ولاية حتى يعد عزله عزلاً. وما عند المواق وغيره وقفنا عليه وعرفناه وتلقيناه من الشيوخ الجلة وعرفنا ما عند الشافعية والحنفية ودرسناه المرة بعد المرة. ولست ممن ينطبق عليه قوله ﵇: أشقى الناس عالم لم ينفعه الله بعلمه. ولكن لماذا تجنح بقول المواق لغرضك وتجعله حجة؛ ولم تجبنا نحن فيما كتبنا إليك فيه في يونس اليوسي وقلنا لك قال ﷺ الحرم لا يعيذ عاصيا قال: ألابي هذا مما يحتج به على أهل الزوايا، فأخبرنا عن الوجه الذي منعته به من الشرع ومتاعنا عنده وإماء أهلنا في داره وترتب في ذمته للمسلمين من الأموال والدماء ما يجل حصره، فإن كنت تريد العدل فهلا عدلت فيه؟ والناس خرجت على أطوارها وأحبوا الفتنة طلباً للراحة فإن كنت تصغي لمقالتهم وإسعاف شهواتهم والتعرض للسلطان، فهذا نفس خراب العالم.
ورأيت أن أقدم لك مقدمة أمام هذا، وإن كانت أدبية، قيل لابن الرومي، وهو علي بن العباس، لِمَ لَمْ تقل كعبدالله بن المعتز:
كأن آذريوننا. . . والشمس فيه كاليه
مداهن من ذهب. . . فيها بقايا غاليه
стр. 379
فأجاب بأنه قال: هو لا يقدر أن يقول مثل قولي في وصف الرقاقة:
إن أنس، لا أنس خبازاً مررت به. . . يدحو الرقاقة وشك اللمح بالبصر
ما بين رؤيتها في كفه كرة. . . وبين رؤيتها قوراء كالقمر
إلا بمقدار ما تنداح دائرة. . . في صفحة الماء يرمى فيه بالحجر
وقال كل منا يصف أواني بيته، ورب البيت أدرى بما فيه، وأهل مكة أدرى بشعابها، والصيرفي أعرف بنقد الدينار وقضية الخضر والكليم صلوات الله على نبينا وعليهما السلام فيها كفاية لمن يعتبر. . فأخبرنا كيف تحب أن نسلك مع الناس في الغرب، فإن كنت تحب أن نسلك فيهم مسلك مولاي عبد الله (١) فالزمان غير الزمان والأسعار قد ارتفعت وبلغت النهاية والله تعالى قد بعث أنبياءه وأنزل كتبه بحسب ما يقتضيه الزمان وهذا يعرفه من خالط الشرائع والكتب المنزلة وأخذ العلم من أفواه الرجال وأدبته مجالس العلم.
ونحن نلخص لكم الكلام على بعض ما أورد الناس في الخراج.
أما ما بنوا عليه فرضه في صدر الإسلام والدول العظام فلا نطيل بذكره لشهرته وأما في المغرب خصوصاً فأول من فرضه عبد المؤمن بن
стр. 380
علي وجعله على إقطاع الأرض بناءً على أن المغرب فتح عنوة واليه ذهب بعض العلماء ومنهم من يقول إن السهل فتح عنوة والجبل صلحاً. فإذا تقرر هذا علمت أن أهل هذا العصر قد بادوا واندثروا فيكون السهل كله لبيت المال وتعين أن ي كون الخراج فيه على ما يرضي صاحب الأرض وهو السلطان والجبل تتعذر معرفة ما كان الصلح عليه ولا سبيل إلى الوقوف عليه فيرجع للاجتهاد. وقد اجتهد سلفنا الكرام رضوان الله عليهم في فرضه لأول الدولة الشريفة على وفق أيمة السنة ومشائخ أهل العلم والدين في ذلك العهد فجرى الأمر على السنن الأقوم إلى أن هبت عواصف الفتنة لأيام ابن عمنا صاحب الجبل (١) وإزاله مولانا الإمام وصنوه المرحوم عن حواضر المغرب وسهله عند الزحف بالأتراك، وامتدت به الفتنة في الجبل إلى أن هلك (٢) مع النصارى، دمرهم الله في الغزوة الشهيرة وجاء الله من مولانا المقدس (٣) بالجبل العاصم للإسلام من طوفان الأهوال فقدر ﵁ الأشياء حق قدرها ورأى المغرب غب تلك الفتن قد فغر الأفواه لانتهابه عدوان؛ عدو عظيم من الترك، وعدو الدين الطاغية. فاضطر ﵀ إلى الاستكثار
стр. 381
من الأجناد لمقاومة الأعداء والذب عن الدين وحماية ثغور الإسلام فدعا تضاعف الأجناد إلى تضاعف العطاء وتضاعف العطاء إلى تضاعف الخراج وتضاعف الخراج إلى الإجحاف بالرعية، والإجحاف بالرعية أمر يستنكف ﵁ من ارتكابه ولا يرضاه في سيرة عدله طول أيامه، فلم يبق له حينئذ إلا أن أمعن النظر في أصل الخراج فوجد بين السعر الذي بني عليه في قيمة الزرع والسمن والكبش الذي تعطي الرعية منذ زمان الفرض بحسبه وبين سعر الوقت أضعافاً. فحينئذ تحرى العدل فخير الرعية بين دفع كل شيء بوجه أو دفع ما يساوي سعر الوقت فاختاروا السعر مخافة أن يرتفع إلى ما هو أكثر فأسعفهم ﵁ وعرف الناس الحق فلم ينكره واحد من أهل الدين ولا من أهل السياسية. وليت شعري لو طالبنا نحن الناس اليوم بسعر الوقت الذي ارتفع إلى أضعاف مضاعفة ماذا تقولون وقد انتقدتم علينا ما هو أخف من ذلك؟
وأما ما تقضبه من العجب لتعطيل أجوبتنا عنك حتى نراجع منك فإن كتابك أكدت مبناه على قضية أهل أزمور فأنفذنا من أخرج الذي كان به وأقصاه عنه وسرح من كان عنده فتوقف الجواب حتى يرجع الخديم فحينئذ أجبناكم بما وصلكم. وكون تعطيل الجواب منشأه ما من الله به علينا من رجوعنا إلى سرير ملكنا واجتماعنا بأبناء أمنا فأعلم أن أهل المغرب لما تمالووا علي وخرجت إلى المشرق والتقيت بالترك
стр. 382
والأروام وجالسوني وجالستهم وخاطبوني وخاطبتهم، منهم مشافهة ومنهم مراسلة، كنت أيام مقامي بأرضهم كمقامي على سرير ملكي لأن كبيرهم وصغيرهم ورئيسهم ومرؤوسهم كان ينتجع فضلي ويمد كف رغبته لنعمتي وواسيت الجميع عطاء مترفاً مع قلة الزاد والذخيرة، وترفعت عن مراسلة الأماثل والأكابر من العجم والعرب ولم أكن لأحد بل تجردت بما قدرت عليه من الأخبية حتى جعلت محلة برمتها وخيلها فترامي علي العجم بالرغبة وبسطوا أكف الضراعة في المقام عندهم والدخول في جملتهم وعرضوا على الإقطاعات السنية والبلادات الملوكية بلطف مقال وأدب خطاب حتى قال القبطان مراد رئيس المجاهدين: وما مثلك يكون مع الغرب، ها نحن نخدمك بأموالنا وأنفسنا وبما لنا من السفن حيث أردت وأحببت وما انفصلت عنهم حتى كتبت لهم بخطي إني أحمل أهلي وحاشيتي وأرجع إليهم إلا أن تمكن لي الدخول في الملك والغلبة على البلاد وقد قفلت من عندهم ولم يتعلق ثوب عفافي بما يشينه معهم ولا مع العرب ولكن ليس لأحد علي منة ولا نعمة إلا فضل الله تعالى «وكان فضل الله عليك عظيماً».
ثم إني دخلت سجلماسية على رغم أنف أهلها وواليها ومنها دخلت للسوس وجعلت ولي الله تعالى العارف أبا محمد عبد الله بن مبارك واسطة بيني وبين أخي حتى اجتمعت بأهلي ومالي وبعث إلى الترك بأحد
стр. 383
بلكباش اسمه مصطفى صولحي إلى السوس راغبين إنجاز الوعد فجنحت للسير إليهم. فرأيت الأهل والأتباع قد عظم عليهم الأمر واستكبروا الخروج فأسعفت رغبتهم في المقام بالمغرب وشيعت الرسول قافلاً إلى قومه من سجاماسة عند الدخول الثاني لها ومغالبة أهلها عليها وعززته برسول من عندي إليهم بتحف وأموال ورد بها عليهم مع رسولهم. ثم إني اقتحمت مراكش مع أهل فاس على كثرة عددهم وعددهم وقلتي ووحدتي وفتح الله علي ثم خرجت للسوس مرة أخرى وأوقعت بولد مولاي أحمد الشريف وجموع مراكش وقد تعصبوا عليه لأنهم شيعة جده ففضضته على رغمهم ونازلته بالسهل والحزن حتى أمكن الله منه وحكم بيني وبينه. ثم نجم نجم الغوي أبي محلي وغلبت على الرأي وقد قال من هو أفضل مني مولانا علي كرم الله وجهه لا رأي لمن لا يطاع، ودخل هذه البلاد وخرجت أنا للسوس بينما تجتمع لنا قبائلنا في المكان الذي كان اجتماعهم فيه إلى أن بلغتهم وقصد إليهم أبو محلي فقاتلوه ورحل عنهم بعد أن أثخنوا فيه بالقتل ثم وافيتهم بالمكان والحرب بيننا سجال فهل سمعتم خلال هذه الأحوال كلها إني احتجت لأحد فيما قل أوجل وهذا كله بحيث لا يخفى عليك، اللهم إلا أن تعتد الوفادة التي وفدنا عليك من قبيل الاضطرار والاحتياج فلا ندري.
على إني ما قصدتك لطلب دنيا، بل لأني كنت أسمع ما أنت عليه من
стр. 384
متانة الدين والصلاح والإقبال على طاعة الله والتمسك بسنة رسول الله ﷺ لا غرو ومن كان هذا وصفه جدير بأن يقصد للدعاء والتبرك ولإصلاح القلب. ولو علمت أن ذلك يعد ويظن أنه نوع من الاحتياج والله ما كنت لأقف على أحد ولو أنه يملكني الدنيا بحذافيرها لأن الخير والشر بيد الفاعل المختار وهو أولى إليه بالاضطرار.
وإما سربي فما تروع قط حتى يأمن. وأما من كان في الدار التي ذكرتم فإنما هم أهلي ومتروك أعمامي، وأما ما أخبركم به القاضي فكل ما حمل عني فهو حق وقد التزمته إلى الآن إلا ما طرأ علينا فيه النسيان ذكرونا به فإنا لا نخرج عنه.
وأما يمين المصحف وأني كنت حلفت فيه للقائد عبد الصادق فلا والله ما حلفت فيه ولا نحلف لأحد إلى لقاء الله. أما علمت إني حضرت بيعة صاحب المغرب (١) سامحه الله وحضر أولاد السلطان واستحلفهم له إلا أنا فإنه قال: فلان لا يحلف ولا يحتاج إليه فما نأمره به يفعله وعظم ذلك على إخوتي وظهرت في وجوههم الكراهية لأجله. ولكن
стр. 385
الذي قلت لعبد الصادق احلف للمرابط (١) وأنا أوفي لك به وما زلت على ذلك إلى الآن.
وأما الامتعاض من عدم إلانة القول وحسن الخطاب كما قال الله تعالى: «وقولوا للناس حسناً» وأنك لم تبلغ ولو نصف ما خاطب به الأيمة رضوان الله عليهم أهل زمانهم اتكالاً على علمنا به فحسبي نصح الفضيل بن عياض وسفيان التوري ومالك بن أنس ﵃ فهذه المسألة حسبي في الجواب عنك والسلام.
стр. 386
الرسائل
أ- السلطانيات
توقيع يوسف بن تاشفين
على كتاب الفونش
كتب الفونش إلى يوسف بن تاشفين لما سمع باستدعاء ملوك الطوائف له وعزمه على الجواز إلى الأندلس، كتاباً يهدده فيه ويغلظ له القول ليصرفه عن الجواز فوقع على ظهر كتابه «الجواب ما ترى لا ما تسمع» فعلم الفونش أنه بيلي برجل يفعل ولا يقول.
كتابه بالفتح في واقعة الزلاقة إلى العدوة
أما بعد حمد الله تعالى المتكفل بنصر أهل دينه الذي ارتضاه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد أفضل رسله وأكرم خلقه وأسراه، فإن العدو الطاغية لعنه الله لما قربنا من حماه، وتوافقنا بإزائه لقناه الدعوة وخيرناه بين الإسلام والجزية والحرب، فاختار الحرب فوقع الاتفاق بيننا وبينه على الملاقاة في يوم الاثنين الرابع عشر لرجب وقال الجمعة عيد المسلمين والسبت عيد اليهود وفي عسكرنا منهم خلق كثير والأحد عيدنا نحن فتفرقنا على ذلك واضمر اللعين خلاف ما شرطناه
стр. 387
وعلمنا أنهم أهل خدع ونقض عهود فأخذنا أهبة الحرب لهم وجعلنا عليهم العيون ليرفعوا إلينا أحوالهم فاتتنا الأنباء في سحر يوم الجمعة الحادي عشر من رجب المذكور بأن العدو قد قصد بجيوشه نحو المسلمين يرى أنه قد اغتنم فرصته في ذلك الحين فانتدبت إليه أبطال المسلمين وفرسان المجاهدين فتغشته قبل أن يتغشاها (١) وتغدته قبل أن يتعشاها، وانقضت جيوش المسلمين في جيوشهم انقضاض العقاب على عقيرته، ووثبت عليهم وثوب الأسد على فريسته، وقصدنا برايتنا السعيدة المنصورة، في سائر المشاهد المشهورة، في جيوش لمتونة نحو الفونش فلما أبصر النصارى رأيتنا المشتهرة المنتشرة ونظروا إلى مراكبنا المنظمة المظفرة، وغشيتهم بروق الصفاح، وأظلتهم سحائب الرماح، وزلزلت حوافر خيولهم رعود الطبول بذلك الفياح، التحم النصارى بطاغيتهم الفونش وحملوا على المسلمين حملة منكرة فتلقاهم المرابطون بنية صادقةٍ خالصة وهمم عالية فعصفت ريح الحرب، ووكفت ديم السيوف والرماح بالطعن والضرب، وطاحت المهج، وأقبل سيل الدماء في هوج، ونزل من سماء الله على أوليائه النصر العزيز والفرج، وولى الفونش مطعوناً في إحدى ركبتيه، طعنة أفقدته إحدى ساقيه، في خمسمائة فارس من مائة وثمانين ألف فارس ومائتي ألف راجل، قادهم الله إلى المصارع والحتف
стр. 388
العاجل، وتخلص لعنه الله إلى جبل هنالك ونظر النهب والنيران في محلته من كل جانب وهو من أعلى الجبل ينظرها شزراً، لم يجد عنها صبراً، ولا يستطيع عنها دفاعاً ولا لها نصراً فأخذ يدعو بالثبور والويل، ويرجو النجاة في ظلام الليل وأمير المسلمين بحمد الله قد ثبت في وسط مراكبه المظفرة، تحت ظلال بنوده المنشرة منصور الجهاد، موفور الأعداد، يشكر الله تعالى على ما منحه من نيل السؤال والمراد، وقد سرح الغارات في محلاتهم تهدم بناءها وتستلم ذخائرها وأسبابها، وتريه رأي العين دمارها ونهابها، والفونش ينظر إليها نظر المغشي عليه ويعض غيظاً وأسفاً على أنامل كفيه، وحين تمت الهزيمة وتتابع الفرار، عاد رؤساء الأندلس المنهزمون نحو بطليوس والغار، وتراجعوا حذراً من العار ولم يثبت منهم غير زعيم الرؤساء والقواد، أبو القاسم المعتمد بن عباد، فأتي إلى أمير المسلمين وهو مهيض الجناح، مريض عناء وجراح (١)، فهنأه بالفتح الجميل، والصنع الجليل، وتسلل الفونش تحت الظلام، فاراً لا يهدأ ولا ينام، ومات من الخمسمائة فارس الذين كانوا معه بالطريق أربعمائة فلم يدخل طليطلة إلا في مائة فارس والحمد لله على ذلك كثيراً.
стр. 389
ظهير (١) له في تلقيبه بأمير المسلمين وناصر الدين
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى أله وصحبه وسلم تسليماً، من أمير المسلمين وناصر الدين يوسف بن تاشفين، إلى الأشياخ والأعيان والكافة من أهل فلانة (٢) أدام الله كرامتهم بتقواه ووفقهم لما يرضاه. سلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، أما بعد حمد الله أهل الحمد والشكر، ميسر اليسر وواهب النصر، والصلاة على محمد المبعوث بنور الفرقان والذكر، فإنا كتبناه إليكم من حضرتنا العلية بمراكش حرسها الله في نصف محرم سنة ستة وستين وأربعمائة وإنا لما منَّ الله علينا بالفتح الجسيم، وأسبغ علينا من نعمه الظاهرة والباطنة وهدانا إلى شريعة نبينا محمد المصطفى الكريم، صلى الله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، رأينا أن نخصص انفسنا بهذا الاسم لنمتاز به على سائر أمراء القبائل وهو أمير المسلمين وناصر الدين فمن خطب الخطبة العلية السامية فليخطبها بهذا الاسم إن شاء الله تعالى، والله ولي العدل بمنه وكرمه والسلام.
стр. 390
كتاب عبد المؤمن إلى الشيخ محمد بن سعد
المعروف بابن مردنيش صاحب شرق الأندلس
يدعوه إلى الدخول في دعوتهم ويظن أنه من إنشاء الوزير أبي جعفر بن عطية
من أمير المؤمنين أيده الله بنصره، وأمده بمعونته، إلى الشيخ أبي عبدالله محمد بن سعد وفقه الله، ويسره لما يرضاه، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد فالحمد لله الذي له الاقتدار والاختيار، ومنه العون لأوليائه والإقدار، وإليه يرجع الأمر كله فلا يمنع منه الاستبداد والاستئثار، والصلاة والسلام على محمد نبيه الذي ابتعثت بمبعثه الأضواء والأنوار، وعمرت بدعوته الأنجاد والأغوار، وخصم بدعوته الكفر والكفار، وعلى أله وصحبه الذين هم الكرام الأبرار، والمهاجرون والأنصار، والرضا عن الإمام المعصوم، المهدي المعلوم، القائم بأمر الله حين غيرته الأغيار، وانعدم الامتعاض له والانتصار. وهذا - كتابنا كتب الله لكم نظراً يريكم المنهج ويلقيكم الأبهج فالأبهج، وآتاكم الله من نعمة الإيمان، وعصمة الانقياد له والإذعان، ما تجدون به اليقين والثلج - من حضرة مراكش حرسها الله تعالى، ولا استظهار إلا بقوته وحوله، ولا استكثار إلا من إحسانه وطوله.
ولما جعل الله هذا الأمر العظيم رحمة لخلقه ومطية لرقيه وقرارة لإقامة حقه، وحمل حملته الدعاء إليه، والدلالة به عليه والترغيب في