← Указатели

Указатели · id 148529

النبوغ المغربي في الأدب العربي

عبد الله كنون

Полный текст (910 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

الرسائل أ- السلطانيات توقيع يوسف بن تاشفين على كتاب الفونش كتب الفونش إلى يوسف بن تاشفين لما سمع باستدعاء ملوك الطوائف له وعزمه على الجواز إلى الأندلس، كتاباً يهدده فيه ويغلظ له القول ليصرفه عن الجواز فوقع على ظهر كتابه «الجواب ما ترى لا ما تسمع» فعلم الفونش أنه بيلي برجل يفعل ولا يقول. كتابه بالفتح في واقعة الزلاقة إلى العدوة أما بعد حمد الله تعالى المتكفل بنصر أهل دينه الذي ارتضاه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد أفضل رسله وأكرم خلقه وأسراه، فإن العدو الطاغية لعنه الله لما قربنا من حماه، وتوافقنا بإزائه لقناه الدعوة وخيرناه بين الإسلام والجزية والحرب، فاختار الحرب فوقع الاتفاق بيننا وبينه على الملاقاة في يوم الاثنين الرابع عشر لرجب وقال الجمعة عيد المسلمين والسبت عيد اليهود وفي عسكرنا منهم خلق كثير والأحد عيدنا نحن فتفرقنا على ذلك واضمر اللعين خلاف ما شرطناه

стр. 387

وعلمنا أنهم أهل خدع ونقض عهود فأخذنا أهبة الحرب لهم وجعلنا عليهم العيون ليرفعوا إلينا أحوالهم فاتتنا الأنباء في سحر يوم الجمعة الحادي عشر من رجب المذكور بأن العدو قد قصد بجيوشه نحو المسلمين يرى أنه قد اغتنم فرصته في ذلك الحين فانتدبت إليه أبطال المسلمين وفرسان المجاهدين فتغشته قبل أن يتغشاها (١) وتغدته قبل أن يتعشاها، وانقضت جيوش المسلمين في جيوشهم انقضاض العقاب على عقيرته، ووثبت عليهم وثوب الأسد على فريسته، وقصدنا برايتنا السعيدة المنصورة، في سائر المشاهد المشهورة، في جيوش لمتونة نحو الفونش فلما أبصر النصارى رأيتنا المشتهرة المنتشرة ونظروا إلى مراكبنا المنظمة المظفرة، وغشيتهم بروق الصفاح، وأظلتهم سحائب الرماح، وزلزلت حوافر خيولهم رعود الطبول بذلك الفياح، التحم النصارى بطاغيتهم الفونش وحملوا على المسلمين حملة منكرة فتلقاهم المرابطون بنية صادقةٍ خالصة وهمم عالية فعصفت ريح الحرب، ووكفت ديم السيوف والرماح بالطعن والضرب، وطاحت المهج، وأقبل سيل الدماء في هوج، ونزل من سماء الله على أوليائه النصر العزيز والفرج، وولى الفونش مطعوناً في إحدى ركبتيه، طعنة أفقدته إحدى ساقيه، في خمسمائة فارس من مائة وثمانين ألف فارس ومائتي ألف راجل، قادهم الله إلى المصارع والحتف

стр. 388

العاجل، وتخلص لعنه الله إلى جبل هنالك ونظر النهب والنيران في محلته من كل جانب وهو من أعلى الجبل ينظرها شزراً، لم يجد عنها صبراً، ولا يستطيع عنها دفاعاً ولا لها نصراً فأخذ يدعو بالثبور والويل، ويرجو النجاة في ظلام الليل وأمير المسلمين بحمد الله قد ثبت في وسط مراكبه المظفرة، تحت ظلال بنوده المنشرة منصور الجهاد، موفور الأعداد، يشكر الله تعالى على ما منحه من نيل السؤال والمراد، وقد سرح الغارات في محلاتهم تهدم بناءها وتستلم ذخائرها وأسبابها، وتريه رأي العين دمارها ونهابها، والفونش ينظر إليها نظر المغشي عليه ويعض غيظاً وأسفاً على أنامل كفيه، وحين تمت الهزيمة وتتابع الفرار، عاد رؤساء الأندلس المنهزمون نحو بطليوس والغار، وتراجعوا حذراً من العار ولم يثبت منهم غير زعيم الرؤساء والقواد، أبو القاسم المعتمد بن عباد، فأتي إلى أمير المسلمين وهو مهيض الجناح، مريض عناء وجراح (١)، فهنأه بالفتح الجميل، والصنع الجليل، وتسلل الفونش تحت الظلام، فاراً لا يهدأ ولا ينام، ومات من الخمسمائة فارس الذين كانوا معه بالطريق أربعمائة فلم يدخل طليطلة إلا في مائة فارس والحمد لله على ذلك كثيراً.

стр. 389

ظهير (١) له في تلقيبه بأمير المسلمين وناصر الدين بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى أله وصحبه وسلم تسليماً، من أمير المسلمين وناصر الدين يوسف بن تاشفين، إلى الأشياخ والأعيان والكافة من أهل فلانة (٢) أدام الله كرامتهم بتقواه ووفقهم لما يرضاه. سلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، أما بعد حمد الله أهل الحمد والشكر، ميسر اليسر وواهب النصر، والصلاة على محمد المبعوث بنور الفرقان والذكر، فإنا كتبناه إليكم من حضرتنا العلية بمراكش حرسها الله في نصف محرم سنة ستة وستين وأربعمائة وإنا لما منَّ الله علينا بالفتح الجسيم، وأسبغ علينا من نعمه الظاهرة والباطنة وهدانا إلى شريعة نبينا محمد المصطفى الكريم، صلى الله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، رأينا أن نخصص انفسنا بهذا الاسم لنمتاز به على سائر أمراء القبائل وهو أمير المسلمين وناصر الدين فمن خطب الخطبة العلية السامية فليخطبها بهذا الاسم إن شاء الله تعالى، والله ولي العدل بمنه وكرمه والسلام.

стр. 390

كتاب عبد المؤمن إلى الشيخ محمد بن سعد المعروف بابن مردنيش صاحب شرق الأندلس يدعوه إلى الدخول في دعوتهم ويظن أنه من إنشاء الوزير أبي جعفر بن عطية من أمير المؤمنين أيده الله بنصره، وأمده بمعونته، إلى الشيخ أبي عبدالله محمد بن سعد وفقه الله، ويسره لما يرضاه، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد فالحمد لله الذي له الاقتدار والاختيار، ومنه العون لأوليائه والإقدار، وإليه يرجع الأمر كله فلا يمنع منه الاستبداد والاستئثار، والصلاة والسلام على محمد نبيه الذي ابتعثت بمبعثه الأضواء والأنوار، وعمرت بدعوته الأنجاد والأغوار، وخصم بدعوته الكفر والكفار، وعلى أله وصحبه الذين هم الكرام الأبرار، والمهاجرون والأنصار، والرضا عن الإمام المعصوم، المهدي المعلوم، القائم بأمر الله حين غيرته الأغيار، وانعدم الامتعاض له والانتصار. وهذا - كتابنا كتب الله لكم نظراً يريكم المنهج ويلقيكم الأبهج فالأبهج، وآتاكم الله من نعمة الإيمان، وعصمة الانقياد له والإذعان، ما تجدون به اليقين والثلج - من حضرة مراكش حرسها الله تعالى، ولا استظهار إلا بقوته وحوله، ولا استكثار إلا من إحسانه وطوله. ولما جعل الله هذا الأمر العظيم رحمة لخلقه ومطية لرقيه وقرارة لإقامة حقه، وحمل حملته الدعاء إليه، والدلالة به عليه والترغيب في

стр. 391

عظيم ما عنده ونعيم ما لديه، وجعل الإنذار والإعذار من فصوله المستوعبة، وأحكامه المرتبة، ومنتجاته المخلصة من الخطوب المليكة والأحوال المعطبة - رأينا أن نخاطبكم بكتابنا هذا أخذاً بأمر الله تعالى لرسوله في المضاء إلى سبيله، والتحريض على اغتنام النجاء وتحصيله، وإقامة الحجة في تبليغ القول وتفصيله، فأجيبوا - رفعكم الله - داعي الله تسعدوا، وتمسكوا بأمر المهدي ﵁ في اتباع سبيله تهتدوا، واصرفوا أعنة العناية إلى النظر في المال والتفكر في نواشئ التغير والزوال، وتدبروا جري هذه الأمور وتصف هذه الأحوال، وأعلموا أنه لا عزة إلا باعزاز الله تعالى فهو ذو العزة والجلال، ولا يغرنكم بالله الغرور، فالدنيا دار الغرور، وسوق المحال، وليس لكم في قبول النصيحة، وابتداء التوبة الصحيحة، والعمل بثبوت الأمان في هذه العاجلة الفسيحة، إلا ما تحبونه في ذات الله تعالى من الأمنة والدعة، والكرامة المسيعة والمكانة المربعة، والتنعم بنعيم الراحة المتصلة والنفس الممتعة، فنحن لا نريد لكم ولسائر من نرجو إنابته، ونستدعي قبوله وإجابته، إلا الصلاح الأعم، والنجاح الأتم، وتأملوا سددكم الله من كان بتلك الجزيرة حرسها الله من أعيانها وزعماء شأنها، هل تخلص منهم إلى ما يوده، وفاز بما يدخره ويعده، إلا من تمسك بهذه العروة الوثقى، وأستبقى لنفسه من هذا الخير الأدوم الأبقى وتنعم بما لقي من هذا النعيم المقيم ويلقى، وأما من أخلد إلى الأرض واتبع هواه، ورغب بنفسه عن هذا الأمر

стр. 392

العزيز إلى ما سواه، فقد علم بضرورتي المشاهدة والاستفاضة سوء منقلبه، وخسارة مذهبه ومطلبه، وتنقل منه حادث الانتقام اخسر ما تنقل به، وحق عليكم - وفقكم الله وسيركم لما يرضاه - أن تحسنوا الاختيار، وتصلوا الأذكار والاعتبار، وتبتدروا الابتدار، وما حق من انقطع إلى هذا الأمر الموصول الواصل، وأز مع ما يناله من خيره المحوز الحاصل، أن يناله منكم شاغل يشغله عن مقصوده، ويحيط به ما يصرفه عن محبوبه ومودوده. فقد كان منكم في أمر أهل بلنسية حين إعلانهم بكلمة التوحيد، وتعلقهم بهذا الأمر السعيد، ما كان ثم كان منكم في عقب ذلك ما اعتمدتموه في أمر أهل لورقة - وفقهم الله. حين ظهر اختصاصهم وبان إخلاصهم، وليس لذلك وأمثاله عاقبة تحمد، فالخير خير ما يقصد، والنجاة فيا ينزح عن الشر ويبعد، وإنا لنرجو أن يكفكم عن ذلك وأشباهه نظر موفق، ومتاع محقق، ويجذبكم إلى موالاة هذه الطائفة المباركة جاذب يسعد وسائق رشد، والله يمن عليكم بما ينجيكم ويمكن لكم في طاعته أسباب تأميلكم وترجيكم بمنه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. رسالة من عبد المومن أيضاً إلى أهل تلمسان وهي من إنشاء الكاتب أبي عقيل بن عطية من أمير المؤمنين أيده الله بنصره، وأمده بمعونته، إلى الطلبة الذين بتلمسان وجميع من فيها من الموحدين أدام الله كرامتهم بتقواه، سلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

стр. 393

أما بعد فالحمد لله الذي وسعت رحمته كل شيء على العموم والإطلاق وجمعت عصمته أهل الاجتماع على طاعته والاتفاق، وتمت نعمته تماماً على أبلغ وجوه الانتظام والاتساق، والصلاة على محمد نبيه المبتعث لتتميم مكارم الأخلاق، وعلى أله الطاهرين وصحبه المتوازرين أولى البواء إلى مرضاته والاستباق، والرضى عن الإمام المعصوم، المهدي المعلوم، علم الأعلام، وذخيرة الإيمان والإسلام، وبدر الكمال والتمام، الطالع بأشرف مطالع الإشراق، الفارع عند تطاول الرؤوس والأعناق، الجامع أشتات الفضل وأجناسه على الاستيفاء والاستغراق، وهذا كتابنا إليكم كتب الله لكم في خولكم النماء والزيادة، ومكن في تمكينكم وإصلاح شؤونكم الإنالة والإفادة، وبسط في أرجائكم ومتعلقات رجائكم اليمن والسعادة، من حضرة بجاية حرسها الله عن أحوال ترتب صلاحها على أفضل وأجوده، وفتوح تتابع افتتاحها في قريب المعمور وبعيده، وبشائر ينزه بشرها وسماحها عن الجري على معتاد الدأب المألوف ومعهوده، وآيات بينات أغنى تجليها واتضاحها عن كل برهان وجحوده، نسأل الله سبحانه عوناً بعين وينهض، وعملاً يتخلص بشكر آلائه الباهرة ويمحض، وقوة لا تنتكث بالعجز عن أداء حقوقه ولا تنتقض، وقد تقدم أعلامكم واصل الله سروركم، وضاعف شكوركم بما كانت من صنع الله تعالى في فتح هذه البلاد التي يسر مرامها بحوله واقتداره، ونور ظلامها بأضواء هذا الأمر السعيد وأنواره، وصير

стр. 394

أباطحها وآكامها من مواطئ أوليائه وأنصاره، وإن أبا زكرياء يحيى ابن العزيز بالله بن المنصور (١) وجميع إخوته وقرابته وخوولته حسين أتاهم الرائد الذي لا يكذب أهله، وانتحاهم القائد المبيح وعر المنتحى وسهله، لم يكن لهم بد من التولي عن قرارهم والتخلي عن أوطانهم وأقطارهم، لأمر قضى الله فيه هذا الأمر المبارك بخير قضائه، وشأن طوى الخيرة درج تضمنه واقتضائه، فكان مأمهم الذي اعتقدوا منعته وحصانته، واعتمدوا ثقته عليهم وأمانته، بلد قسنطينة عمره الله، لكونه بحيث لا ينال بقدرة مخلوق، وأين (٢) يستعلى بامتناعه على كل ملحوظ بعين المحاربة أو مرموق، وكانت جمل من عساكر الموحدين حين اختلال الجملة المذكورة فيه، واعتدادهم في عداد من يحويه ويؤويه، بجهة القلعة حرسها الله على إثر فتحها الميسر، ونيل أجرها على الوجه المتخير، فأنهض منهم بعون الله إلى تلك الجهة من رجي الخير في إنهاضه، وحض على خدمة هذا الأمر وأغراضه، فحين أم الناهضون المذكورون وفقهم الله بجهات قسنطينة حرسها الله، فتح لهم الفتح الذي تقدم إليكم بيان القول فيه وإعرابه، وأورد عليكم إبداع القدر في تقريبه وإغرابه، وعلمتم كيف انهزمت له جموع الضلال وأحزابه، وحل الموحدون

стр. 395

هناك وفقهم الله بساحة ذلك القطر وثراه، وغشيه منهم ما غشيه وعراه، وما ترك القطا به أن يطعم كراه. وكان التخييم الملاصق، والتدويم المراهق، والحق يتجلى، والنصر يتولى من إظهار الطائفة العزيزة ما يتولى، إلى أن صرف الله ألباب القوم المذكورين إلى قبلة الإصابة، وأراه أن النجاة في جانب هذه العصابة، والحياة في قرارها الذي هو مقر قرار اليمن والمثابة، فاتفق رأيهم على إنفاذ جماعة منهم فيهم أخو أبي زكرياء وشيوخ صنهاجة وقسنطينة معتصمين بهذه العروة الوثقى، مستسلمين للأمر الذي لا يقابل بعناد ولا يلقى، سائلين من التأمين والإبقاء ما يدوم خيره للمحق السائل ويبقى، ووصلت الجماعة المذكورة إلى هذه الحضرة المحروسة يسعى أملها بين يديها، ويعرف القصد عما لديها، وأنهت ما تحملته من المخاطبة، وأمته لها ولمن وراءها من حسن العاقبة، فمنَّ الله على جميعهم بتيسير مطلبهم، وإجمال منقلبهم، وصدروا إلى مرسلهم تتهلل أسرتهم، وتتجمل بحلل العافية والنعمة الصافية كرتهم، فأتوا قومهم على تطلع إلى بشراهم، وتمتع بطيب ذكراهم، وأعلموهم بالصنع الذي عرفهم تعظيم صنع الله وأدراهم، فرأوا أجمعين أن الله سبحانه سنى لهم بفضله غاية ما طلبوا، ورزقهم من حيث لم يحتسبوا، ووهبهم من إيواء الفضل وقبوله فوق ما استوهبوا، حين لم يكن لهم منجى إلا الذي نزحوا عنه وهربوا، وفتحوا أبواب المدينة المذكورة عند تيقن الأمر وتحققه، وتعرف سنة هذا الأمر المبارك وعظيم خلقه، وخرجوا عن آخرهم فرحين بفضل

стр. 396

الله ورحمته الواسعة، مستظلين بظلال هذه الدعوة المحيطة الجامعة، ودخل القطر من أمناء الموحدين وغزاتهم، وفقهم الله من أمر بعمارته، والاستقرار في قرارته، واستقبل أبو زكرياء المذكور ومن معه وفقهم الله هذه الجهة حرسها الله على أحسن حال وأكرم إقبال، وأتم الله نعمته بهذا الفتح المحيط، والصنع المبسوط، إتماماً بلغ الآمل غاية مأموله، أو السائل كافة مسؤوله، فذلك القطر هو الطرف الأعلى والرابط الأحق لأولى، ورأس الجسد الذي استتبع بعضه بعضاً واستتلى، وبه انعقدت روابط هذا الإقليم العظيم وقواعده، وفقدت ضرر من كان ينوي الضرر فواقده، ومعه تأتي جمع شمله وضمه، وإمساك شأنه كله وعزمه، وبه ختم كتابه وكرم الكتاب ختمه، والله نسأل بشكر هذه النعم المتظاهرة عوناً ممدوداً، وحولاً بمعاقد المعونة الربانية معقوداً وقوة تلقى من حمدها إلى كل جديد منها جديداً بمنه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. توقيعه على رسالة أبي جعفر بن عطية كان عبد المؤمن قد نقم على وزيره أبي جعفر إفشاءه لسر أفضى إليه به فقبض عليه ثم نكبه وقد صدرت من أبي جعفر إليه رسائل استعطاف بليغة يتنصل فيها من الذنب ويعتذر. فوقع عبد المؤمن على إحداها: «الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين».

стр. 397

رسالة أبي حفص الهنتاتي إلى عبد المؤمن بالفتح في ثورة أبن هود، وهي من إنشاء الوزير أبي جعفر بن عطية كتابنا هذا من وادي ماسة بعد ما تجدد من أمر الله الكريم، ونصره تعالى المعهود القديم، (وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم، ) فتح بهر الأنوار إشراقاً وأحدق بنفوس المؤمنين احداقاً، ونبه للأماني النائمة جفونا وأحداقاً. واستغرق غاية الشكر استغراقاً، فلا تطيق الألسن لكنه وصفه إدراكاً ولا لحاقاً، جمع اشتات الطلب والأرب، وتقلب في النعم أكرم منقلب، وملا دلاء الأمل إلى عقد الكرب (١). فتح تفتح أبواب السماء له. . . وتبرز الأرض في أثوابها القشب وتقدمت بشارتنا به جملة، حين لم تعط الحال بشرحه مهلة: كان أولئك الضالون قد بطروا عدواناً وظلماً، واقتطعوا الكفر معنى واسماً، وأملى الله تعالى لهم ليزدادوا إثماً، وكان مقدمهم الشقي قد استعمال النفوس بخزعبلاته واستهوى النفوس بمهولاته، ونصب له الشيطان من حبالاته، فأتته ألمخاطبات من بعد ومن كثب، ونسلت إليه الرسل من كل حدب، واعتقدته الخواطر أعجب عجب. وكان الذي قادهم إلى

стр. 398

ذلك، وأورد هم تلك المهالك، وصول من كان بتلك السواحل ممن ارتسم برسم الانقطاع عن الناس فيما سلف من الأعوام، واشتغل على زعمه بالقيام والصيام آناء الليل والأيام، لبسوا الناموس أثواباً، وتدرعوا الرياء جلباباً، فلم يفتح الله تعالى لهم للتوفيق باباً. ومنها في ذكر الثائر المذكور (١) . . فصرع بحمد الله تعالى لحينه، وبادرت إليه بوادر منونه، وأتته وافدات الخطابا عن يساره ويمينه، وقد كان يدعي أنه بشر بأن المنية في هذه الأعوام لا تصيبه والنوائب لا تنوبه، ويقول في سواه قولاً كثيراً ويختلق على الله إفكاً وزوراً، فلما رأوا هيئة اضطجاعه، وما خطته الأسنة في أعضائه وأضلاعه، ونفذ فيه من أمر الله تعالى ما لم يقدروا على استرجاعه، هزم من كان لهم من الأحزاب، وتساقطوا على وجوههم تساقط الذباب، وأعطوا على بكرة أبيهم صفحات الرقاب، ولم تقطر كلومهم الأعلى الأعقاب فامتلأت تلك الجهات بأجسادهم، وآذنت الآجال" بانقراض آمادهم، وأخذهم الله تعالى بكفرهم وفسادهم، فلم يعاين منهم إلا من خر صريعاً وسقى الأرض نجيعاً ولقي من أمر الهنديات فظيعاً، ودعت الضرورة باقيهم إلى الترامي في الوادي. فمن

стр. 399

كان يؤمل الفرار ويرتجيه، ويسبح طامعاً في الخروج إلى ما ينجيه، اختطفته الأسنة اختطافاً، وأذاقته موتا زعافاً، ومن لج في الترامي على لججه، ورام البقاء في ثبجه، قضى عليه شرقه، وألوى بذقنه غرقه، ودخل الموحدون إلى البقية الكائنة فيه يتناولون قتلهم طعناً وضرباً، ويلقونهم بأمر الله تعالى هولاً عظيماً وكرباً، حتى انبسطت مراقات الدماء، على صفحات الماء، وحكت حمرتها على زرقته حمرة الشفق على زرقة السماء، وجرت العبرة للمعتبر، في جري ذلك الدم جري الأبحر. توقيع المنصور الموحدي على كتاب الفونش كان المنصور الموحدي حسن التوقيع جداً يضرب به المثل في ذلك وكتب إليه الفونش حين كان يستعد لغزوة الأرك الشهيرة يتوعده ويهدده ويطلب إليه أن يبعث بقطع من أسطوله ليجوز هو إلى محاربته في عقر داره ويكفيه مؤونة الحركة فلما وصل كتابه إلى المنصور مزقه وكتب على ظهر قطعة منه «ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجهم منها أذلة وهم صاغرن» ثم كتب «الجواب ما ترى لا ما تسمع» وأنشد متمثلاً: ولا كتب إلا المشرفية والقنا. . . ولا رسل إلا الخميس العرمرم (١)

стр. 400

توقيع آخر له طلب يوماً من قاضيه أن يختار له رجلين لغرضين من تعليم ولد وضبط أمر فعرفه برجلين قال في أحدهما: هو بحر في علمه وقال في الآخر: هو بر في دينه. ولما خرج المنصور احضرهما واختبرهما فقصرا بين يديه وأكذبا الدعوى فوقع المنصور على رقعة القاضي «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ظهر الفساد في البر والبحر». رسالة للمأمون الموحدي من إنشائه في الإعلان بإبطال دعوى المهدي وعصمته من عبد الله إدريس أمير المؤمنين بن أمير المؤمنين بن أمير المؤمنين إلى الطلبة والأعيان والكافة، ومن معهم من المؤمنين والمسلمين، أوزعهم الله شكر نعمه الجسام، ولا أعدمهم طلاقة أوجه الأيام الوسام، وإنا كتبناه إليكم كتب الله لكم عملاً منقادا، وسعداً وقاداً، وخاطراً سليماً، لا يزال على الطاعة مقيماً، من مراكش كلاها الله تعالى وللحق لسان ساطع، وحكم قاطع، وقضاء لا يرد، وباب لا يسد، وظلال على الآفاق، تمحو النفاق، والذي نوصيكم به تقوى الله والاستعانة به، والتوكل عليه، ولتعلموا أننا نبذنا الباطل وأظهرنا الحق، وأن لا مهدي

стр. 401

إلا عيسى بن مريم، الناطق بالصدق، وتلك بدعة قد أزلناها، والله يعيننا على القلادة التي تقلدناها، كما أزلنا لفظ العصمة عمن لا تثبت له عصمة، وأسقطنا عنه وصفه ورسمه، وقد كان سيدنا المنصور ﵁ (١) هم أن يصدع بما به الآن صدعنا، وأن يرقع للأمة الخرق الذي رقعنا، فلم يساعده لذلك أمله، ولا أجله إليه أجله، فقدم على ربه بصدق نية، وخالص طوية، وإذا كانت العصمة لم تثبت عند العلماء للصحابة، فما الظن بمن لا يدري بأي يد يأخذ كتابه، أف لهم قد ضلوا وأضلوا، وسقطوا في ذلك وزلوا، اللهم أشهد أننا تبرأنا منهم تبرأ أهل الجنة من أهل النار، ونعوذ بك من أمرهم الرثيث، وفعلهم الخبيث، لأنهم في المعتقد كفار، والسلام على من اتبع الهدى واستقام. رسالة أخرى له من إنشائه أيضاً في توبيخ أهل أندوجر (٢) على تخلفهم عن قتال العدو إلى أهل الجماعة والكافة من فلانة، وقاهم الله عثرات الألسنة، وأرشدهم إلى محو السيئة بالحسنة. أما بعد، فإنه قد وصل من قبلكم كتاب وجه لكم أسهم الانتقاد،

стр. 402

من جميع الأشهاد، ورماكم بالداهية الدهياء، والداء العياء، أتعتذرون من المجال بضعف الحال، وقلة الرجال، لنلحقكم بربات الحجال، كأنا لا نعرف مناحي أقوالكم، وسوء تقلبكم في أحوالكم، لا جرم أنكم سمعتم بالعدو قصمه الله، وقصده ذلك الموضع عصمه الله، فطاشت قلوبكم خوراً، وعاد صفوكم كدراً وشممتم ريح الموت ورداً وصدراً، وظننتم أنكم أيحيط بكم من كل الجوانب، وأن الفضاء قد غص بالتفاف القنا، واصطفاف المقانب، ورأيتم غير شيء فحسبتموه طلائع الكتائب (١)، تباً لهمكم المنحطة، وشيمكم الراضية بأدون خطة، أحين ندبتم إلى حماية إخوانكم، والذب عن كلمة إيمانكم، نسقتم الأقوال وهي مكذوبة، ولفقتم الأعذار وهي بالباطل مشوبة، لقد آن لكم أن تتبدلوا حمل الخرصان، بمغازل النسوان، فما لكم ولصهوات الخيول وإنما على الغانيات جر الذيول (٢)، أتظهرون العناد تصريحاً وتلويحاً وتظنون أنكم إذا تفرقتم لا نجمع لكم شتاتاً ولا ندني منكم نزوحاً، أين المفر وأمر الله يدرككم، وطلبنا الحثيث لا يترككم، فأميطوا هذه النزعة النفاقية عن خواطركم قبل أن نمحو بالسيف أقوالكم

стр. 403

وأفعالكم، ونستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم، ونحن نقسم بالله لو اعتسفتم كل بيداء سملق (١) واعتصمتم بأمنع معقل وأحفل فيلق، ما ونينا عنكم زماناً، ولا تثنينا عن استئصالكم عناناً، فلا يغرنكم الامهال، أيها الجهال، فأدواء الأهواء بالسيف تنحسم، واذا رأيتم نيوب الليث بارزة فلا تظنون أن الليث يبتسم، فإن كفاكم صرير الأقلام وإلا شفاكم طرير الحسام، والسلام، على من استقام. توقيع له رفعت امرأة إليه رقعة تشكو فيها بجندي نزل دارها وآذاها فوقع عليها: «يخرج هذا النازل ولا يعوض بشيء من المنازل». رسالة للأمير سلمان الموحدي من إنشائه إلى ملك السودان ينكر عليه تعويق التجار نحن نتجاور بالإحسان، وإن تخالفنا في الأديان، ونتفق على السيرة المرضية، ونتألف على الرفق بالرعية. ومعلوم أن العدل من لوازم الملوك في حكم السياسة الفاضلة، والجور لا تعانيه إلا النفوس الشريرة الجاهلة، وقد بلغنا احتباس مساكين التجار ومنعهم من التصرف فيما هم بصدده،

стр. 404

وتردد الجلابة إلى البلد مفيد لسكانها ومعين على التمكين من استيطانها، ولو شئنا لاحتبسنا من في جهتنا من أهل تلك الناحية، لكنا لا نستصوب فعله، ولا ينبغي أن ننهي عن خلق ونأتي مثله، والسلام. توقيع له وقع إلى عامل له كثرت الشكاوى منه «قد كثرت فيك الأقوال، وأعضائي عنك رجاء أن تتيقظ فتنصلح الحال، وفي مبادرتي إلى ظهور الإنكار عليك نسبة إلى شر الاختيار، وعدم الاختبار. فاحذر فإنك على شفا جرف هار». كتاب السلمان أبي الحسن المريني إلى الملك الناصر محمد بن قلاوون صاحب مصر، في شأن ركب الحاج المغربي والمصحف الذي خطه بيده ووقفه على الحرم النبوي الشريف من عبد الله علي أمير المسلمين، ناصر الدين، المجاهد في سبيل رب العالمين، ملك البرين، مالك العدوتين (١)، ابن مولانا أمير المسلمين، المجاهد في سبيل رب العالمين، ملك البرين، وسلطان العدوتين، أبي سعيد ابن مولانا أمير المسلمين، المجاهد في سبيل رب العالمين، ملك البرين،

стр. 405

وسلطان العدوتين أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق، منح الله التأييد مقامه، وفسح لفتح معاقل الكفر وكسر جحافل الصفر أيامه. إلى السلطان الجليل الكبير الشهير العادل الفاضل الكامل الكافل الملك الناصر المجاهد المرابط المؤيد المنصور الأسعد الأصعد الأرقى الأوفى الأمجد الأنجد الأفخم الأضخم الأوحد الأوفى ناصر الدين عاضد كلمة المسلمين، محي العدل في العالمين، فاتح الأمصار، حائز ملك الأقطار مفيد الأوطار، مبيد الكفار، هازم جيوش الأرمن والفرنج والكراج والتتار، خادم الحرمين غيث العفاة غوث العناة مصرف الكتائب مشرف المواكب، ناصر الإسلام، ناشر الأعلام، فخر الأنام، ذخر الأيام، قائد الجنود، عاقد البنود، حافظ الثغور، حائط الجمهور، حامي كلمة الموحدين أبي المعالي محمد بن السلطان الجليل الكبير الشهير الخطير العادل الفاضل الكافل الكامل الحافظ الحافل المؤيد المكرم المبجل المكبر الموقر المعزز المعزز المجاهد المرابط المشاعر الأوحد الأسعد الأصعد الأوفى الأفخم الأضخم المقدس المرحوم الملك المنصور سيف الدنيا والدين، قسيم أمير المؤمنين، أبقى الله ملكه موصول الصولة والاقتدار، محمي الحوزة حامياً للديار، حميد المآثر المأثورة والآثار، عزيز الأولياء في كل موطن والأنصار، سلام كريم، زاك عميم، تشرق إشراق النهار صفحاته، وتعبق عن شذا الروض المعطار نفحاته، يخص إخاءكم العلي، ورحمة الله وبركاته.

стр. 406

أما بعد حمد الله الذي وسع العباد منا جسيماً وفضلاً جزيلاً، والهمهم الرشاد بأن أبدى لهم من آثار قدرته، على مقدار وحدته، برهاناً واضحاً ودليلاً، وألزم أمة الإسلام، حج بيته الحرام، من استطاع إليه سبيلاً، وجعل تعظيم شعائره من تقوى القلوب، ومثابات محط الأوزار والذنوب فما أجزل نعمته منيلاً، وأجمل رحمة ربه مقيلاً. والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد المصطفى من أفضل العرب فصيلة، في أكمل بقاع الأرض فضيلة، وأكرمها جملة وتفصيلاً، المجتبي لختم الرسالة، وحسم أدواء الضلالة، فأحسب (١) الله به النبوة تتميماً والرسالة تكميلاً، المخصوص بالحوض المورود، والمقام المحمود، يوم يقول الظالم (يا ويلتى ليتني لم اتخذ فلاناً خليلاً، ) المبوإ من دار هجرته، ومقر نصرته، محلاً ما بينه وبين منبره فيه روضة من رياض الجنة لم يزل بها نزيلاً (٢)، والرضى عن إله الأبرار، وأصحابه الأخيار، الذين فضلتهم سابقة السعادة تفضيلاً، وأمهلتهم العناية بأمر الدين إلى أن يوسعوا الأحكام برهاناً ودليلاً، فإنا نحيط علم الإخاء الأعز ما كان من عزم مولاتنا الوالدة قدس الله روحها ونور ضريحها، على أداء فريضة الحج الواجبة، وتوفيته مناسكه اللازبة فاعترض الحمام، دون ذلك المرام، وعاق القدر، عن بلوغ ذلك الوطر؛ فطوري كتابها، وعجل إلى مقر

стр. 407

الرحمة بفضل الله مئابها، وعلى الله أجرها، وعنده يحتسب ذخرها، وإن لدينا من نوجب إعظامها، ونقيمها بحكم البر مقامها، وعزمها إلى ما أملته مصروف، وأملها إلى ما كانت أملته موقوف، وهي محل والدتنا المكرمة المبرورة الأثيرة الموقرة المبجلة المفضلة المعززة المعززة المعظمة المطهرة أسني الله مكانتها، وسنى من هذا القصد الشريف لبانتها، وقد شيعناها إلى حج بيت الله الحرام، والمثول بحول الله تعالى ما بين زمزم والمقام، والفوز من السلام على ضريح الرسالة، ومثابة الجلالة، بنيل السول والمرام، لتظفر بأملها المرغوب وتنفر بعد أداء فرضها في كرم الوجوب. وحين شخص لذالكم الغرض الكريم موكبها، وخلص إلى قصد الحرم العظيم مذهبها، والكرامة تلحفها، والسلامة إن شاء الله تكنفها، أصحبناها من حور دولتنا وأحظيائها، ووجوه دعوتنا العلية وأوليائها، من اخترناه لهذه الوجهة الحميدة الأثر، والرحلة السعيدة الورد إن شاء الله تعالى والصدر، من أعيان بني مرين أعزهم الله تعالى والعرب، وأولاد المشائخ أولي الديانة والتقوى المالئين دلاء القرب، إلى عقد الكرب، وكل من له أثرة مشهورة، وشهرة بالمزايا الراجحة والسجايا الصالحة مأثورة، وقصدهم من أداء فرض الحج قصدها، ووردهم إن شاء الله تعالى من منهل بركاته الجمة وردها، وهكذا سيرنا من تحف هذه البلاد إليكم ما تيسر في الوقت تسييره وإن تعذر في كثير مما قصدناه

стр. 408

ولهذا الغرض أردناه تيسيره، لطول المغيب عن الحضرة، والشغل بتمهيد البلاد التي فتحها الله عليها في هذه السفرة، وعينا لإيرادها لديكم، وإيفادها عليكم أبا إسحاق ابن الشيخ أبي زكرياء يحيى بن عثمان السويدي، وأمير الركب الحسن بن عمران وغيرهم، كتب الله سلامتهم، ويمن ظعنهم وإقامتهم، ومقام ذلك الإخاء الكريم، يسني لهم من اليسرى والتسهيل القصد والسؤل، ويأمر نواب ماله من المالك، وقوام ما بها من المسالك، لتكمل العناية بهم في الممر والقفول، ومعظم قصدنا من هذه الوجهة المباركة إيصال المصحف العزيز الذي خططناه بيدنا، وجعلناه ذخيرة يومنا لغيرنا، إلى مسجد سيدنا ومولانا، وعصمة ديننا ودنيانا، محمد رسول الله ﷺ بطيبة (١) زادها الله تشريفاً، وأبقى على الأيام فخرها منيفاً، رغبة في الثواب، وحرصاً على الفوز بحظ من أجر التلاوة فيه يوم المئاب. وقد عينا بيد محل الوالدة المذكورة فيه، كرم الله جبهتها، ويمن وجهتها، من المال ما يشترى به في تلكم البلاد المحوطة من المستغلات ما يكون وقفاً على القراءة فيه، مؤبداً عليهم وعلى غيرهم من المالكية فوائده ومجانيه. والإخاء المذكور يتلقى من الرسل المذكورين ما إليهم في هذه الأغراض ألقيناه، ويأمر بإحضارهم لأدائهم بالمشافهة ما لديهم أو عيناه، ويوعز بإعانتهم على هذا الغرض المطلوب،

стр. 409

وييسرلهم أسباب التوصل إلى الأمل والمرغوب، وشأنه العون على الأعمال الصالحة، ولا سيما ما كان من أمثال هذا إلى مثل هذه السبل الواضحة، وشكر بإدراتكم موطد الأساس، مطرد القياس، متجدد مع اللحظات والأنفاس، والله يصل للإخاء العلي نظرة أيامه، ويوالي نصرة إعلامه، ويبقي الثغور القصية، والسبل السرية منوطة بنقضه وإبرامه، محوطة بمعاضدة أسيافه وأقلامه، والسلام الكريم العميم، يخص اخاءكم الأعز ورحمة الله وبركاته. كتاب منه إلى الملك الصالح أبي الفداء إسماعيل بن محمد بن قلاوون في التعزية بوالده وأغراض أخرى من عند أمير المسلمين، المجاهد في سبيل الله رب العالمين، المنصور بفضل المتوكل عليه، المعتمد في جميع أموره لديه، سلطان البرين، حامي العدوتين، موثر المرابطة والمثاغرة مؤازر حزب الإسلام حق المؤازرة، ناصر الإسلام، مظاهر دين الملك العلام، ابن أمير المسلمين، المجاهد في سبيل رب العالمين، فخر السلاطين، حامي حوزة الدين، ملك البرين، إمام العدوتين، ممهد البلاد، مبدد شمل الأعاد، مجند الجنود، المنصور الرايات والبنود، محط الرحال، مبلغ الآمال، أبي سعيد ابن أمير المسلمين، المجاهد في سبيل رب العالمين، حسنة الأيام، حسام الإسلام، أبي الأملاك، مشجي أهل العناد والإشراك، مانع البلاد،

стр. 410

رافع علم لجهاد، مدوخ أقطار الكفار، مصرخ من ناداه للانتصار، القائم لله بإعلاء دين الحق، أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق، اخلص الله لوجهه جهاده، ويسر في قهر عداة الدين مراده. إلى محل ولدنا الذي طلع في أفق العلا بدراً تماً، وصدع بأنوار الفخار فجلى ظلاماً وظلماً، وجمع شمل المملكة الناصرية فأعلى منها علماً وأحيي رسماً، حائط الحرمين، القائم بحفظ القبلتين، باسط الأمان، قابض كف العدوان، الجزيل النوال، الكفيل تأميله بحياطة النفوس والأموال، قطب المجد وسما كه، حسب الحمد وملاكه، السلطان الجليل، الرفيع الأصيل الحافل العادل الفاضل الكامل الشهير الخطير الأضخم الأفخم المصان المؤزر المؤيد المظفر الملك الصالح أبي الوليد إسماعيل ابن محل أخينا الشهير علاوة، المستطير في الآفاق ثناؤه، زين الأيام والليال، كمال عين إنسان المجد وإنسان عين الكمال، وارث الدول، النافث بصحيح رأيه في عقود أهل الملل والنحل، حامي القبلتين بعدله وحسامه، النامي في حفظ الحرمين أجر اضطلاعه بذلك وقيامه، هازم أحزاب المعاندين وجيوشها، هادم الكنائس والبيع فهي خاوية على عروشها، السلطان الأجل الهمام الأحفل الأفخم الأضخم الفاضل العادل الشهير الكبير، الرفيع الخطير، المجاهد المرابط، المقسط عدله في الجائر والقاسط) (١)، المؤيد المظفر،

стр. 411

المنعم المقدس المطهر، زين السلاطين - ناصر الدنيا والدين، أبي المعالي محمد ابن الملك الأرضىي، الهمام الأمضي، والد السلاطين الأخيار، عاقد لواء النصر في قهر الأرمن والفرنج والتتار، محيي رسوم الجهاد، معلي كلمة الإسلام في البلاد، جمال الأيام، ثمال الأعلام، فاتح الأقالم، صالح ملوك عصره المتقادم، الإمام، المؤيد، المنصور المسدد، قسيم أمير المؤمنين في تقلد، الملك المنصور، سيف الدنيا والدين قلاوون، مكن الله له تمكين أوليائه، ونمى دولته التي أطلعها السعد شمساً في سمائه، وأحسن إيزاعه للشكر أن جعله وارث آبائه. سلام كريم يفاوح زهر الربى مسراه، وينافح نسيم الصبا مجراه، يصحبه رضوان يدوم ما دامت تقل الفلك حركاته، ويتولاه روح وريحان تحييه به رحمة الله وبركاته. أما بعد حمد الله مالك الملك، جاعل العاقبة للتقوى صدعاً باليقين ودفعاً للشك، وخاذل من أسر النفاق في النجوى فأصر على الدخن والإفك، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسوله الذي محى بأنوار الهدى ظلم الشرك، ونبيه الذي ختم به الأنبياء وهو واسطة ذلك الملك ودعا به حجة الحق فمادت بالكفرة محمولة الأفلاك وماجت بهم حاملة الفلك، والرضا عن أله وصحبه الذين سلكوا سبيل أهداه فسلك في قلوبهم أجمل السلك، وملكوا أعنة هواهم فلزموا من محجة الصواب أنجح السلك وصابروا في جهاد الأعداء، فزاد خلوصهم مع الابتلاء والذهب يزيد خلوصاً على السبك، والدعاء

стр. 412

لأولياء الإسلام وحماته الأعلام، بنصر لمضائه في العدى أعظم الفتك، ويسر بقضائه درك آمال الظهور وأجمل بذلك الدرك، - فكتبناه إليكم كتب الله لكم رسوخ القدم، وسبوغ النعم، من حضرتنا مدينة فاس المحروسة وصنع الله سبحانه يعرف مذاهب الألطاف، ويكيف مواهب تلهج الألسنة في القصور عن شكرها بالاعتراف، ويصرف من أمره العظيم، وقضائه المتلقي بالتسليم، ما يتكون بين النون والكاف، ومكانكم العتيد سلطانه، وسلطانكم المجيد مكانه وولاؤكم الصحيح برهانه، وعلاؤكم الفسيح في مجال الجلال ميدانه - والى هذا زاد الله سلطانكم تمكيناً، وأفاد مقامكم تحصيناً وتحسيناً، وسلك بكم من سنن من خلفتموه سبيلاً مبيناً. فلا خفاء بما كانت عقدته أيدي التقوى، ومهدته الرسائل التي على الصفاء تطوى بيننا وبين والدكم نعم الله روحه وقدسه، وبقربه مع الأبرار في عليين أنسه، من مؤاخاة أحكمت منها العهود تالية الكتب والفاتحة، وحفظ عليها محكم الإخلاص معوذتاها المحبة والنية الصالحة، فانعقدت على التقوى والرضوان، واعتضدت تعارف الأرواح عند تنازح الأبدان، حتى استحكمت وصلة الولاء، والتأمت كلحمة النسب لحمة الإخاء فما كان إلا وشيكاً من الزمان، ولا عجب قصر زمن الوصلة أن يشكوه الخلان، ورد وارد أورد رنق المشارب وحق قول «ومن يسأل الركبان عن كل غائب» (١) أنبأنا باستئثار

стр. 413

الله تعالى بنفسه الزكية، وإكنان درته السنية، وانقلابه إلى ما أعد له من المنازل الرضوانية بجليل ما وقر لفقده في الصدور وعظيم ما تأثرت له النفوس لوقوع ذلك المقدور، حناناً للإسلام بتلك الأقطار، واشفاقاً من أن يعتور قاصدي بيت الله الحرام من جراء الفتن عارض الإضرار، ومساهمة في نصيب الملك الكريم والوصي الحميم. ثم عميت الأخبار وطويت طي السجل الآثار، فلم نر مخبراً صدقاً ولا معلماً بمن استقر له ذالكم الملك حقاً، وفي أثناء ذلك حفزنا للحركة عن حضرتنا استصراخ أهل الأندلس وسلطانها، وتواتر الأخبار بأن النصارى أجمعوا على خراب أوطانها، ونحن أثناء ذلك الشأن، نستخبر الوراد من تلكم البلدان، عما أجلى عنه ليل الفتن بتلك الأوطان، فبعد لأي وقعنا منها على الخبير وجاءنا بوقاية حرم الله بكم البشير، وتعرفنا أن الملك استقر منكم في نصابه، وتداركه الله تعالى منكم بفاتح الخير من أبوابه فأطفأ بكم نار الفتنة وأخمدها، وابرأ من أدواء النفاق ما أعل (١) البلاد وأفسدها، فقام سبيل الحج سابلاً، وعبد طريقه لمن جاء قاصداً وقافلاً، ولما احتفت بهذا الخبر القرائن، وتواترت بنقل الحاضر المعاين، أثار حفظ الاعتقاد البواعث، والود الصحيح تجره حقاً الموارث، فأصدرتنا لكم هذه المخاطبة المتفننة الأطوار، الجامعة بين الخبر

стр. 414

والاستخبار، الملبسة من العزاء والهناء ثوبي الشعار والدثار، ومثل ذالكم الملك رضوان الله عليه من تجل المصائب لفقدانه، وتحل عرى الاصطبار بموته ولات حين أوانه، لكن الصبر أجمل ما ارتداه ذو عقل حصين، والأجر أولى ما اقتناه ذو دين متين، ومثلكم من لا يخف وقاره، ولا يشف عن ظهور الجزع الحادث اصطباره، ومن خلفتموه فما مات ذكره، ومن قمتم بأمره فما زال بل زاد فخره، وقد طالت والحمد لله العيشة الراضية بالحقب، وطاب بين مبداه ومحتضره هنيئاً بما من الأجر اكتسب، وصار حميداً إلى خير منقلب، ووفد من كرم الله على أفضل ما منح موقناً ووهب، فقد ارتضاكم الله بعده لحياطة أرضه المقدسة، وحماية زوار بيته مقيلة أو معرسة، ونحن بعد بسط هذه التعزية، نهنيكم بما خولكم الله أجمل التهنية، وفي ذات الله الإيراد والإصدار، وفي مرضاته سبحانه الإضمار والإظهار، فاستقبلوا دولة ألقى العز عليها رواقه، وعقد الظهور عليها نطاقه، وأعطاها أمان الزمان عهده وميثاقه، ونحن على ما عهدنا عليه الملك الناصر رضوان الله عليه من عهود موثقة وموالاة محققة، وثناء كمائمه عن أذكى من الزهر غب القطر مفتقة. ولم يغب عنكم ما كان من بعثنا المصحفين الأكرمين اللذين خطتهما منا اليمين وآوت بهما الرغبة من الحرمين الشريفين إلى قرار مكين، وأنه كان لوالدكم الملك الناصر تولاه الله برضوانه، وأورده موارد إحسانه، في ذلكم من الفعل الجميل والصنع الجليل، ما ناسب مكانه الرفيع وشاكل فضله

стр. 415

من البر الذي لا يضيع، حتى طبق فعله الآفاق ذكراً، وطوق أعناق الوراد والقصاد برا، وكان من أجمل ما به تحفى وأتحف وأعظم ما يعرفه الملك العلام به في ذلك تعرف، إذنه للمتوجهين إذ ذاك في شراء رباع توقف على المصحفين، ورسم المراسم المباركة بتحرير ذلك الوقف مع اختلاف الجديدين، فجرت أحوال القراء فيهما بذلك الخراج المستفاد، ريثما يصلهم من خراج ما وقفناه عليهم بهذه البلاد، على ما رسمه ﵀ من عناية بهم متصلة، واحترام في تلك الأوقاف فوائدها به متوفرة متحصلة، وقد أمرنا مؤدي هذا لكمالكم وموفده على جلالكم كاتبنا الأسنى الفقيه الأجل الأحظى الأكمل، أبا المجد ابن كاتبنا الشيخ الفقيه الأجل الحاج الأتقى الأرضي الأفضل الأحظى الأكمل المرحوم أبي عبدالله بن أبي مدين حفظ الله عليه رتبته، ويسر في قصد البيت الحرام بغيته، بأن يتفقد أحوال تلك الأوقاف، ويتعرف تصرف الناظر عليها وما فعله من سداد وإسراف، وأن يتخير لها من يرتضى لذلك، ويحمد تصرفه فيما هنالك، وخاطبنا سلطانكم في هذا الشأن، جريا على الود الثابت الأركان، وإعلاماً بما لوالدكم رحمه الله تعالى في ذلك من الأفعال الحسان، وكمالكم يقتضي تخليد ذلكم البر الجميل، وتجديد عمل ذلكم الملك الجليل، وتشييد ما اشتمل عليه من الثراء الأصيل، والأجر الجزيل، والتقدم بالإذن السلطاني في إعانة هذا الوافد بهذا الكتاب، على ما يتوخاه في ذلك الشأن من طرق الصواب، وثناؤنا عليكم أثناء الذي

стр. 416

يفاوح زهر الربي، ويطارح نغم حمام الأيك مطرباً. وبحسب المصافاة، ومقتضى الموالاة نشرح لكم المتزايدات بهذه الجهات، وننبئكم بموجب إبطاء إنفاذ هذا الخطاب على ذلكم الجناب، وذلك أنه لما وصلنا من الأندلس الصريخ، ونادى منا للجهاد عزماً لمثل ندائه يصيخ، أنبأنا أن الكفار قد جمعوا أحزابهم من كل صوب، وفرض عليهم باباهم اللعين التناصر من كل أوب وأن تقصد طوائفهم البلاد الأندلسية بإيجافها، وتنقص بالمنازلة أرضها من أطرافها، ليمحوا كلمة الإسلام منها ويقلصوا ظل الإيمان عنها، فقدمنا من يشتغل بالأساطيل من القواد، وسرنا على إثرهم إلى سبتة منتهى الغرب الأقصى وباب الجهاد، فما وصلناها إلا وقد أخذ أخذه العدو الكفور، وسدت أجفان الطواغيت مجاز العبور، وأتوا من أجفانهم بما لا يحصى عدداً، وأرصدوها بمجمع البحرين حيث المجاز إلى دفع العدا، وتقلصوا عن الانبساط في البلاد، واجتمعوا إلى الجزيرة الخضراء - أعادها الله - بكل من جمعوه من الأعاد، لا كنا مع انسداد تلك السبيل، وعدم أمور نستعين بها في ذلكم العمل الجليل، حاولنا إمداد تلكم البلاد بحسب الجهد، وأصرخناهم بما أمكن من الجند، وجهزنا أجفاناً مختلسين فرصة الإجازة، تتردد على خطر جهز للجهاد جهازه، وأمرتنا لمصاحب الأندلس من المال، بما يجهز به حركته لمداناه محلة حزب الضلال، وأجرينا له ولجيشه العطاء الجزل مشاهرة، وأرضخنا لهم من النوال ما نرجو به ثواب

стр. 417

الأخرة، وجعلت أجفاننا تتردد في ميناء السواحل وتلج أبواب الخوف العاجل لإحراز الأمن الآجل، مشحونة بالعدد الموفورة والأبطال المشهورة، والخيل المسومة، والأقوات المقومة، فمن تاج حارب دونه الأجل، وشهيد مضى عند الله ، وما زالت الأجفان تتردد على ذلك الخطر، حتى تلف منها سبع وستون قطعة غزوية أجرها عند الله يدخر، ثم لم نقنع بهذا العمل في الإمداد، فبعثنا أحد أولادنا أسعدهم الله مساهمة به لأهل تلك البلاد، فلقي من هول البحر وارتجاجه، وإلحاح العدو ولجاجه، ما به الأمثال تضرب وبمثله يتحدث ويستغرب، ولما خلص لتلك العدوة بمن أبقته الشدائد، نزل بإزاء الكافر الجاحد، حتى كان منه بفرسخين أو أدنى. وقد ضرب بعطن صابح العدو ويماسيه بحرب بها يمنى، وقد كان من مددنا بالجزيرة جيش شريت شرارته، وقويت في الحرب إرادته، يبلون البلاء الأصدق، ولا يبالون بالعدو وهم منه كالشامة البيضاء في البعير الأورق، إلا أن المطاولة بحصارها في البحر مدة ثلاثة أعوام ونصف، ومنازلتها في البر نحو عامين معقوداً عليها الصف بالصف، أدى إلى فناء الأقوات في البلد، حتى لم يبق لأهليه قوت شهر مع انقطاع المدد، وبه من الخلق ما يربي على عشرة آلاف دون الحرم والولد، فكتب إلينا سلطان الأندلس يرغب في الأذن له في عقد الصلح، ووقع الاتفاق على أنه لاستخلاص المسلمين من وجوه النجح، فإذنا له فيه الإذن العام، إذ في إصراحه وإصراخ من بقظره من المسلمين

стр. 418

توخينا ذلك المرام، هنالك دُعِيَ النصارى إلى السلم فاستجابوا، وقد كانوا علموا فناء الأقوات وما استرابوا، فتمَّ الصلح إلى عشر سنين، وخرج من بها من فرسان ورجال وأهل وبنين، ولا رُزِقوا مالاً ولا عدَّة، ولا لقوا في خروجهم غير النزوح عن أول أرض مَسَّ الجلد ترابها شِدَّة، ووصلوا إلينا فأجزلنا لهم العطاء، وأسليناهم عما جرى بالحباء، فمن خيل تزيد على الألف عتاقها، وخلع تربى على عشرة آلاف أطواقها، وأموال عمّت الغني والفقير، ورعاية شملت الجميع بالعيش النضير، وكفَّ الله ضر الطواغيت عما عداها، وما انقلبوا بغير مَدَرةٍ (١) عفا رسمُها وصمَّ صداها. وقد كان من لطف الله حين قضى بأخذ هذا الثغر، أن قدّر لنا فتح جبل طارق من أيدي الكفر، وهو المطل على هذه المدرة، والفرصة منه إن شاء الله تعالى متيسرة، حتى يُفرَّق عِقْد الكفار، ويفرج بهذه الجهة منهم مجاوروا هذه الأقطار، فلولا إجلابهم من كل جانب، وكونهم سدُّوا مسلك العبور بما لجميعهم من الأجفان والمراكب، لما بالينا بإصفاقهم ولحللنا بعون الله عقد اتفاقهم، ولكن للموانع أحكام، ولا رادّ لما جرت به الأقلام، وقد أمرنا لذلك الثّغر بما يزيد به المدد، وتخيَّرنا له ولسائر

стр. 419

تلك البلاد العُدَد والعَدَد، وعُدْنا لحضرتنا فاس لتستريح الجيوش من وعثاء السفر، ونَرْتَبِط الجياد وننتخب العُدَد لوقت الظهور المنتظر، ونكون على أُهْبة الجهاد، وعلى مَرْقَبة الفرصة عند تمكنها في الأعاد، وعند عودنا من تلك المحاولة، نُيسِّر الركب الحجازي مُوَجهاً إلى هناكم رواحله، فأصدرنا إليكم هذا الخطاب، إصدار الود الخالص والحب اللُّباب، وعندنا لكم ما عند أحنى الآباء، واعتِقادُنا فيكم في ذات الله لا يخشى جديده من البلاء، وما لكم من غرض بهذه الأنحاء، فمُوَفّى قصده على أكمل الأهواء، موالي تتميمه على أجمل الآراء، والبلاد باتحاد الود متحدة، والقلوب والأيدي على ما فيه مرضاة الله منعقدة، جعل الله ذلكم خالصاً لرب العباد، مدخوراً ليوم التناد، مسطوراً في الأعمال الصالحة يوم المعاد، بمنه وفضله وهو سبحانه يصل إليكم سعداً تتفاخر به سُعودُ الكواكب، وتتضافر على الانقياد له صدور المواكب، وتتقاصر عن نيل مجده متطاولات المناكب والسلام الأتم يخصكم كثيراً أثيراً ورحمة الله وبركاته. كتاب السلطان أبي سعيد المريني الأصغر إلى الملك الناصر فَرَج بن برقوق يعلمه باستعداده لمناصرته على العدو المهاجم من عبد الله ووَليِّه عثمان أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين، سلطان الإسلام والمسلمين، ناشر بساط العدل في العالمين، المقتدي بآثار

стр. 420

آبائه الكرام، المُقتفي سُنتهم الحميدة في نصرة الإسلام، المعيل نفسه العزيزة في التهمّم بما قلَّده الله من أمور عباده, وحياطة ثغوره وبلاده، سيف الله المسلول على أعدائه، المنتشر عدله على أقطار المعمور وأنحائه، ظل الله تعالى في أرضه، القائم بسنته وفرضه، عماد الدنيا والدين علم الأئمة المهتدين: ابن مولانا السلطان المظفر الخليفة الإمام ملك الملوك الأعلام، فاتح البلدان والأقطار، مُمَهِّد الأقاليم والأمصار، جامع أشتات المحامد، ملجأ الصادر والوارد، الملك الجواد، الذي حلت محبته في الصدور محل الأرواح في الأجساد، أمير المسلمين، المجاهد في سبيل رب العالمين، أبي العباس ابن مولانا أمير المسلمين، المجاهد في سبيل رب العالمين أبي سالم ابن مولانا أمير المسلمين، المجاهد في سبيل رب العالمين، أبي الحسن ابن مولانا أمير المسلمين، المجاهد في سبيل رب العالمين، أبي سعيد ابن مولانا أمير المسلمين، المجاهد في سبيل رب العالمين، أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق، وصل الله تعالى أسباب تأييده وعضده، وقضى باتصال عرف تجديد سعده وأناله من جميل صنعه ما يتكفل بتيسير أمره وبلوغ قصده. إلى محل أخينا الذي نوثر حق إخائه الكريم، ونثني على سلطانه السعيد ثناء الولي الحميم، ونشكر ما له فينا من الحب السليم، والود الثابت المقيم، السلطان الجليل، الماجد الأصيل، الأعز الخطير المثيل، الشهير الأمجد الأرفع، الهمام الأمنع، السريّ الأرضى، المجاهد الأمضى الأوحد الأسنى، المكين الأحمى، خديم الحرمين الشريفين، حائز

стр. 421

الفخرين المنيفين، ناصر الدنيا والدين، محيي العدل في العالمين، الأجدّ الأود المكين الأخلص الأفضل الأكمل أبي السعادات فرج ابن السلطان الجليل، الأعز المثيل، الخطير الأصيل، الأرفع الأمجد، الشهير الهمام الأوحد، الأسمى الأسرى الأرضى، المجاهد الأمضى، خديم الحرمين الشريفين، حائز الفخرين المنيفين، الأفضل الأكمل المبرور المقدم المرحوم أبي سعيد برقوق ابن أنص، وصل الله لسلطانه المُؤَيَّد جَدَّاً لا يعجم عوده وعزّاً لا يميل عموده، ونصراً يملأ قطره بما يغص به حسوده، وعضداً يأخذ بزمام أمله السني فيسوقه ويقوده. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته: أما بعد حمد الله على سبوغ نعمائه، وترادف لطفه وآلائه، الذي عرفنا من ولائه الكريم ما سرنا من إطراد اعتنائه، وأبهج النفوس والأسماع من صفاء ولائه، ومواصلة صفائه، والصلاة والسلام الأكملين على سيدنا ومولانا محمد خاتم رسله وأنبيائه، ومبلغ رسالاته وأنبائه، صاحب المقام المحمود، والحوض المورود، واللواء المعقود، فأكرم بمقامه وحوضه ولوائه والرضى عن آله وصحبه وأوليائه، الذين هم للدين بدور اهتدائه ونجوم اقتدائه، وصلة الدعاء لمقامكم الكريم بدوام عزه واعتلائه واقتبال النصر المبالغ في احتفاله واحتفائه وحياطة أنحانه وأرجائه وتأييد عزماته وآرائه،

стр. 422

فإنا كتبنا إليكم كتب الله لكم سعداً سافراً، وعزماً ظافراً، من حضرتنا العلية بالمدينة البيضاء (١) كلأها الله تعالى وحرسها ونعم الله سبحانه لدينا واكفة السجال، وولاؤه ﷻ سابغ الأذيال، وخلافته التي ترعى بعين البر جوانبها، ونقتفي في كل منقبة كريمة يسيرها الحميدة ومذاهبها، وإلى هذا وصل سعدكم، ووالى عضدكم، وكتابنا هذا يقرر لكم من ودادنا ما شاع وذاع، ويؤكد من إخلاصنا إليكم ما تتحدث به السمار فتوعيه جميع الأسماع، وقد كان انتهى إلينا حركة عدو الله وعدو الإسلام، الباغي بالإجتراء على عباده سبحانه بالبؤس والانتقام الآخذ فيهم بالعيث والفساد، الساعي بجهده في تهديم الحصون وتخريب البلاد، وتعرفنا أنه كان يعلق أمله الخائب بالوصول إلى أطراف بلادكم المصرية، وانتهاز الفرصة على حين غفلة من خلافتكم العلية، والحمد لله الذي كفى بفضله شره، ودفع نقمته وضره، وانصرف ناكصاً على عقبه، خائباً من نيل إربه، ولقد كنا حين سمعنا بسوء رأيه الذي غلبه الله عليه، وما أضمر لخلق الله من الشر الذي يجد في أخراه ظلامه يسعى بين يديه عزمنا على أن نمدكم من عساكرنا المظفرة بما يضيق عنه الفضاء ونجهز لجهتكم من أساطيلنا المنصورة ما يحمد في إمداده المناصرة ويرتضى، فالحمد لله على أن كفى المؤمنين القتال، وأذهب عنهم الأوجال، ويسّر

стр. 423

لهم الأعمال، وهيأ لخلافتكم السنية وللمسلمين، هناء يتضمن السلامة لكم ولهم على تعاقب الأعوام والسنين. وبحسب ما لنا فيكم من الود الذي أسست المصافاة بنيانه، والحب الذي أوضح الإخلاص برهانه، وقع تخيّرنا فيمن يتوجه من بابنا الكريم لتفصيل مجمله، وتقرير ما لدينا فيه على أتم وجه الاعتقاد وأكمله، على الشيخ الأجل الشريف المبارك الأصيل الأسنى الحظيّ الأعز الحاج المبرور الأمين الأحفل الأفضل الأكمل أبي عبدالله محمد ابن الشيخ الأجل الأغر الأسنى الأوجه الأنوه الأرفع الأمجد الأثر الأزهى الشريف الأصيل المعظم المثيل الأشهر الأخطر الأمثل الأجمل الأفضل الأكمل المرضي المقدس المرحوم أبي عبد الله بن أبي القاسم بن نفيس الحسيني العراقي، وصل الله سعادته، وأحمد على حضرتكم السنية وفادته، حسب ما يفي بشرح ما حمَّلناه نقله، ويكمل بإيضاحه لديكم يقظته ونبله، إن شاء الله تعالى وهو يديم سعادتكم ويحفظ مجادتكم، ويسني من كل خير إرادتكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بيعة صاحب مملكة بُرْنُو من أقطار السودان للمنصور الذهبي. أنشأها له كاتب المنصور عبد العزيز الفشتالي الحمد لله الذي أعلى الكلمة الحق مناراً يسامي في مطالعها النجوم، وأزاح بها عن شمس الهداية المنيرة غياهب الغباوة المدلهمّة وسحاب

стр. 424

الغواية المركوم، وحيّ على الفلاح بها داعي التوفيق الذي نشر للنجاح كتابه الموقوت واستنجز للسعادة أجلها المعلوم، وشرف هذا الوجود، والعالم الموجود، بالخلافة النبوية، والإمامة الحسنة العلوية، التي صرفت الوجوه إلى قبلتها المشروعة، واستبان الحق بتبلُّج الصباح في مبايعتها والانقياد لدعوتها المسموعة، ونسخ بدولتها الغراء دول الحيف التي هي بسيف النبوة المصلت مقطوعة وبلسان السنة مدفوعة، وقوض بها مباني الادعاء التي هي على غير أساس الشرع الصحيح مرفوعة، وفرّق بكلمتها المجموعة على التوحيد فرق التثليث التي هي على مشاقّة الله ورسوله تابعة ومتبوعة، وخلع بظهورها على أعطاف الحنيفية السمحة رداء العز الفضفاض، واستلّ بتأييدها للدين المحمدي سيف الأنفة والامتعاض وأشار للأعادي من بأسها المروع بلسان الحية النّضناض، وفجر للمؤمنين ينبوع رحمتها الجاري على حصي عددها الرضراض، ومدّ بسيوفها المنتضاة الآفاق والأقطار تمهيداً أزال عن حكمه الاعتراض، وجلي بأنوارها المتألقة سدف الجهالة التي ادْلهم جوها وغيّم، وأسعد الوجود بيمنها الذي لبث في أكناف مجدها وخيم، وقضى لها بتوارث الأرض ومن عليها إن شاء الله إلى عيسى ابن مريم. والصلاة والسلام على مولانا محمد الذي تعاضدت البراهين القاطعة، على صدق رسالته البارعة، ونهج للدين القويم طريقة الحق المثلى ومادته الشارعة، وسوغ لمن آمن به مناهل المدى النميرة الزّلال وموارده

стр. 425

العذبة ومشارعه، نبي الرحمة، وشفيع الأمة، وعلى آله وأصحابه الكرام آية الهدى ومصابيح الظلام. والدعاء لمولانا الإمام، العلوي الهمام، أمير المؤمنين، ابن أمير المؤمنين، نجل سيد المرسلين، وخاتم النبيين، وسليل الوصيّ والسبطين الأكرمين. وبعد فإنه لما أذن الله في ليل الجهالة أن ينجاب، وفي شمس الحق الوهاجة أن يرتفع عنها الحجاب، وفي العز الخلق الجلباب، أن يعود إلى الشباب، وفي النجاح والاستقامة أن يفتح لهما الباب، وفي الأمارة أن سند السنة والكتاب وتتعلق من الشرع بأسباب، تدارك الله سبحانه الوجود وأعز العالم الموجود واستطارت الأنوار المضيئة للأغوار والجود، بطلوع شمس الخلافة النبوية، والإمامة الهاشمية العلوية، ففاضت على أديم البسيطة أنوارها، وارتفع إلى حيث السّبها والفرقدين منارها، وتبلج بالأصباح نهارها ولاحت في سماء المجد بدورها وأقمارها، وكادت تنهب نجوم السماء اتباعها وأنصارها، وانتشرت في الآفاق والأقطار على البعد والقرب آثارها، وهزت عطف الزمان انتشاء مناقبها وأخبارها وفاض ببركتها على أكتاف المعمور يمها الزاهر وتيارها، خلافة ينتمي إلى النبوة عنصرها وتستنبط من رسالة الوحي أسطرها، ويناط بعروتها الوثقى خصرها، وإمامة علي وليها والله نصيرها والسبط بدرها
следующие страницы →