الفخرين المنيفين، ناصر الدنيا والدين، محيي العدل في العالمين، الأجدّ الأود المكين الأخلص الأفضل الأكمل أبي السعادات فرج ابن السلطان الجليل، الأعز المثيل، الخطير الأصيل، الأرفع الأمجد، الشهير الهمام الأوحد، الأسمى الأسرى الأرضى، المجاهد الأمضى، خديم الحرمين الشريفين، حائز الفخرين المنيفين، الأفضل الأكمل المبرور المقدم المرحوم أبي سعيد برقوق ابن أنص، وصل الله لسلطانه المُؤَيَّد جَدَّاً لا يعجم عوده وعزّاً لا يميل عموده، ونصراً يملأ قطره بما يغص به حسوده، وعضداً يأخذ بزمام أمله السني فيسوقه ويقوده.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
أما بعد حمد الله على سبوغ نعمائه، وترادف لطفه وآلائه، الذي عرفنا من ولائه الكريم ما سرنا من إطراد اعتنائه، وأبهج النفوس والأسماع من صفاء ولائه، ومواصلة صفائه، والصلاة والسلام الأكملين على سيدنا ومولانا محمد خاتم رسله وأنبيائه، ومبلغ رسالاته وأنبائه، صاحب المقام المحمود، والحوض المورود، واللواء المعقود، فأكرم بمقامه وحوضه ولوائه والرضى عن آله وصحبه وأوليائه، الذين هم للدين بدور اهتدائه ونجوم اقتدائه، وصلة الدعاء لمقامكم الكريم بدوام عزه واعتلائه واقتبال النصر المبالغ في احتفاله واحتفائه وحياطة أنحانه وأرجائه وتأييد عزماته وآرائه،
стр. 422
فإنا كتبنا إليكم كتب الله لكم سعداً سافراً، وعزماً ظافراً، من حضرتنا العلية بالمدينة البيضاء (١) كلأها الله تعالى وحرسها ونعم الله سبحانه لدينا واكفة السجال، وولاؤه ﷻ سابغ الأذيال، وخلافته التي ترعى بعين البر جوانبها، ونقتفي في كل منقبة كريمة يسيرها الحميدة ومذاهبها، وإلى هذا وصل سعدكم، ووالى عضدكم، وكتابنا هذا يقرر لكم من ودادنا ما شاع وذاع، ويؤكد من إخلاصنا إليكم ما تتحدث به السمار فتوعيه جميع الأسماع، وقد كان انتهى إلينا حركة عدو الله وعدو الإسلام، الباغي بالإجتراء على عباده سبحانه بالبؤس والانتقام الآخذ فيهم بالعيث والفساد، الساعي بجهده في تهديم الحصون وتخريب البلاد، وتعرفنا أنه كان يعلق أمله الخائب بالوصول إلى أطراف بلادكم المصرية، وانتهاز الفرصة على حين غفلة من خلافتكم العلية، والحمد لله الذي كفى بفضله شره، ودفع نقمته وضره، وانصرف ناكصاً على عقبه، خائباً من نيل إربه، ولقد كنا حين سمعنا بسوء رأيه الذي غلبه الله عليه، وما أضمر لخلق الله من الشر الذي يجد في أخراه ظلامه يسعى بين يديه عزمنا على أن نمدكم من عساكرنا المظفرة بما يضيق عنه الفضاء ونجهز لجهتكم من أساطيلنا المنصورة ما يحمد في إمداده المناصرة ويرتضى، فالحمد لله على أن كفى المؤمنين القتال، وأذهب عنهم الأوجال، ويسّر
стр. 423
لهم الأعمال، وهيأ لخلافتكم السنية وللمسلمين، هناء يتضمن السلامة لكم ولهم على تعاقب الأعوام والسنين. وبحسب ما لنا فيكم من الود الذي أسست المصافاة بنيانه، والحب الذي أوضح الإخلاص برهانه، وقع تخيّرنا فيمن يتوجه من بابنا الكريم لتفصيل مجمله، وتقرير ما لدينا فيه على أتم وجه الاعتقاد وأكمله، على الشيخ الأجل الشريف المبارك الأصيل الأسنى الحظيّ الأعز الحاج المبرور الأمين الأحفل الأفضل الأكمل أبي عبدالله محمد ابن الشيخ الأجل الأغر الأسنى الأوجه الأنوه الأرفع الأمجد الأثر الأزهى الشريف الأصيل المعظم المثيل الأشهر الأخطر الأمثل الأجمل الأفضل الأكمل المرضي المقدس المرحوم أبي عبد الله بن أبي القاسم بن نفيس الحسيني العراقي، وصل الله سعادته، وأحمد على حضرتكم السنية وفادته، حسب ما يفي بشرح ما حمَّلناه نقله، ويكمل بإيضاحه لديكم يقظته ونبله، إن شاء الله تعالى وهو يديم سعادتكم ويحفظ مجادتكم، ويسني من كل خير إرادتكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بيعة صاحب مملكة بُرْنُو من أقطار السودان
للمنصور الذهبي. أنشأها له كاتب المنصور
عبد العزيز الفشتالي
الحمد لله الذي أعلى الكلمة الحق مناراً يسامي في مطالعها النجوم، وأزاح بها عن شمس الهداية المنيرة غياهب الغباوة المدلهمّة وسحاب
стр. 424
الغواية المركوم، وحيّ على الفلاح بها داعي التوفيق الذي نشر للنجاح كتابه الموقوت واستنجز للسعادة أجلها المعلوم، وشرف هذا الوجود، والعالم الموجود، بالخلافة النبوية، والإمامة الحسنة العلوية، التي صرفت الوجوه إلى قبلتها المشروعة، واستبان الحق بتبلُّج الصباح في مبايعتها والانقياد لدعوتها المسموعة، ونسخ بدولتها الغراء دول الحيف التي هي بسيف النبوة المصلت مقطوعة وبلسان السنة مدفوعة، وقوض بها مباني الادعاء التي هي على غير أساس الشرع الصحيح مرفوعة، وفرّق بكلمتها المجموعة على التوحيد فرق التثليث التي هي على مشاقّة الله ورسوله تابعة ومتبوعة، وخلع بظهورها على أعطاف الحنيفية السمحة رداء العز الفضفاض، واستلّ بتأييدها للدين المحمدي سيف الأنفة والامتعاض وأشار للأعادي من بأسها المروع بلسان الحية النّضناض، وفجر للمؤمنين ينبوع رحمتها الجاري على حصي عددها الرضراض، ومدّ بسيوفها المنتضاة الآفاق والأقطار تمهيداً أزال عن حكمه الاعتراض، وجلي بأنوارها المتألقة سدف الجهالة التي ادْلهم جوها وغيّم، وأسعد الوجود بيمنها الذي لبث في أكناف مجدها وخيم، وقضى لها بتوارث الأرض ومن عليها إن شاء الله إلى عيسى ابن مريم.
والصلاة والسلام على مولانا محمد الذي تعاضدت البراهين القاطعة، على صدق رسالته البارعة، ونهج للدين القويم طريقة الحق المثلى ومادته الشارعة، وسوغ لمن آمن به مناهل المدى النميرة الزّلال وموارده
стр. 425
العذبة ومشارعه، نبي الرحمة، وشفيع الأمة، وعلى آله وأصحابه الكرام آية الهدى ومصابيح الظلام.
والدعاء لمولانا الإمام، العلوي الهمام، أمير المؤمنين، ابن أمير المؤمنين، نجل سيد المرسلين، وخاتم النبيين، وسليل الوصيّ والسبطين الأكرمين.
وبعد فإنه لما أذن الله في ليل الجهالة أن ينجاب، وفي شمس الحق الوهاجة أن يرتفع عنها الحجاب، وفي العز الخلق الجلباب، أن يعود إلى الشباب، وفي النجاح والاستقامة أن يفتح لهما الباب، وفي الأمارة أن سند السنة والكتاب وتتعلق من الشرع بأسباب، تدارك الله سبحانه الوجود وأعز العالم الموجود واستطارت الأنوار المضيئة للأغوار والجود، بطلوع شمس الخلافة النبوية، والإمامة الهاشمية العلوية، ففاضت على أديم البسيطة أنوارها، وارتفع إلى حيث السّبها والفرقدين منارها، وتبلج بالأصباح نهارها ولاحت في سماء المجد بدورها وأقمارها، وكادت تنهب نجوم السماء اتباعها وأنصارها، وانتشرت في الآفاق والأقطار على البعد والقرب آثارها، وهزت عطف الزمان انتشاء مناقبها وأخبارها وفاض ببركتها على أكتاف المعمور يمها الزاهر وتيارها، خلافة ينتمي إلى النبوة عنصرها وتستنبط من رسالة الوحي أسطرها، ويناط بعروتها الوثقى خصرها، وإمامة علي وليها والله نصيرها والسبط بدرها
стр. 426
الذي حيّاه منبرها وسريرها.
والحمد لله الذي اصطفى من هذه الدوحة النبوية الشماء، والشجرة الطيبة الهاشمية التي أصلها ثابت وفرعها في السماء، إماما ألقى الله له في القلوب حباً جميلاً، ومولى جعله الله على مرضاته سبحانه علامة ودليلاً وخليفة استرعاه بحسن الرعي لخلقه وعباده كفيلاً، وإنتضي من بأسه وبسالته الحماية حمى الشريعة حساماً صقيلاً، مولانا أمير المؤمنين وخليفة الله في الأرضين، وسليل خاتم النبيين، ووارث الأنبياء والمرسلين، المفترضة طاعته على الخلق أجمعين، والممنون بإمامته المقدسة على العالمين، بحر الندى والباس، وعصمة الله للناس، أمير المؤمنين، المنصور بالله مولانا أبا العباس صلوات الله عليه وعلى آله الخلفاء الراشدين والأئمة الطيبين الطاهرين، وطيب بأنفاس المغفرة لحودهم أجمعين. إمام تهتز لذكره أعطاف المنابر، وتتقلد من شريف دعوته أبهى من نفيس الجواهر، وتستضيء البلاد بإكليل شرفه الزاهر، وتسكن العباد تحت ظل رحمته الوارف الوافر، أبقى الله أيامه الغر بقاء يصحب النصر دوامه، وخلد له ولأعقابه هذا الأمر الكريم إلى يوم القيامة.
ولما طلعت، أيدّه الله على هذه الأصقاع الزنجية طلائع إمامته النبوية وخلافته، ولاحت في سمائها شهب مناقبه المنيفة الدالة على فخامة شرفه وأنافته، وتُلِيَت لمجده الآيات البينات التي تشهد له بتراث الرسالة،
стр. 427
وتقضى له على الإسلام وعلى الأنام بحكم الولاء والكفالة، وأوضح الله سبحانه للناس من اعتقاد وجوب طاعته والاقتداء بإمامته، والانقياد لدعوته، وتقليد بيعته ما جاء به كتابه الحكيم، ووردت سنة نبيه الكريم كما قال ﵇: لا تزال الخلافة في قريش ما بقي منهم اثنان، وكما ورد في صحيح الحبر أن الخلافة في قريش والقضاء في الأنصار وفي الحبشة الأذان، ويدل على هذا تعاضد الخبر والعيان، فلا ناكر أن ليس في المعمور على هذا الشرط غيره أيده الله من ثان، فنهض بدليل الشرع أنه إمام الجماعة حقاً المستوفي شروطها، والوارث للخلافة النبوية والحريص على بيضة الإسلام أن يحوطها، وإن القائم بهذا الأمر على الإطلاق غيره دَعِيّ، ومحاوله دون إذنه المشروع بدعي، فتعين لذلك أن الرجوع إلى الحق فريضة، واستبان بما تقرر وعلم أن إمارة لا تلاقي في الشروع محلها المشروع منبوذة مرفوضة، وعروتها لذلك مفهومة ومنقوضة.
فانتدب لهذه الآثار، وصحيح الأخبار، وصرف إلى رضا الله العناية ووقف من الشرائع المشروعة حيث مركز الراية، ومنتهى الغاية، الرئيس أبو العلاء إدريس أكرمه الله انتداب من وقفت به مطية التوفيق، على حضرة الإخلاص والتصديق، وأخذت بزمامه السعادة إلى حيث الفوز برضا الله ورضا رسوله حقيق، والتأييد صاحب ورفيق، وروض الآمال أنيق وراح الراحة والاطمئنان عتيق إلى تقلد بيعة إمام الجماعة أمير المؤمنين، المنصور بالله زاده الله تقديساً وتشريفاً، التي تُؤَسَّسُ إن شاء الله على تقوى
стр. 428
من الله ورضوان، وتشهد عقدها الكريم ملائكة الرحمان، وآثر أسعده الله أن يؤدي فرضها المعدود من فروض الأعيان، وحكمها الذي توجه به خطاب الشرع العام إلى القاصي والدان، وينشر سنتها المشروعة في صقعه وما يليه من الأصقاع والبقاع بالسودان، تقلداً يستضيء إن شاء الله بأنواره، ويستشرف به العين المكين على مناره، ويخمد به للجهل جذوة ناره وتنتظم به في اتباع الحق زمرة أنصاره ويجتلي به صورة إنسانه، ويستوجب من الله عوارف صنعه وإحسانه ورهف به للعدو على العزمات حد سيفه وسنانه، ويقرع به لرضا الله باب القبول، ويتضاعف له ببركته العمل المقبول، ويستنشق بمشهد عقده الكريم نواسم النبوة، ويعود له به الزمان للشباب والفتوة، ويرفع به منار الإمارة على قواعد الشرع الوثيقة، ويعدل به في كل الأحوال عن المجاز إلى الحقيقة، وتتسنى له به وهي المقصد الأسني والخاتمة الحسنى الأسوة الحسنة بإمامي بني العباس السفاح والمنصور، ويحيي سنتها التي نقلها ثقات الأعلام والصدور، في مبايعتهما الإمام الخليفة المهدي الأكبر سليل سيد المرسلين، وجد مولانا أمير المؤمنين الذي رأى أمام دار الهجرة أنه تراث الخلافة أولى وأحق، وفي منصب الإمامة على شرطها أعرق، وبسريرها ومنبرها أليق.
فتأكد للمنتدب أيده الله بهذه الآثار الشريفة، والمناقب المنيفة، العزم والقصد، وأنجز له فيما أراده صادق الوعد، وساعد نيته الصالحة فيه السعد، فبايعه أعلى الله يده على الأمن والأمانة، والعفاف والديانة، والعدل
стр. 429
الذي يُشَيِّدُ المجد أركانه، مبايعة شايَعه على عقدها الكريم، أكرمه الله، أتباعه، وجموعه وأشياخه، بكم الوفاق والاتفاق، والمواثيق الشديدة الوثاق، وبجميع الأيمان الصادقة الإيمان، أعطوا بها صفقة أيديهم، ورفع بها العقيرة مناديهم عارفين أن يد الله فيها فوق أيديهم، وأمضوها على السمع والطاعة، والانتظام في سلك الجماعة، إمضاء يدينون به في السر والجهر، والعسر واليسر، والرخاء والشدة، والأزمان المشتدة، والتزموا شروطها طوعاً واستوعبوها جنساً ونوعاً بنيّات منهم خالصة صادقة، وعِدّة من الله بالخير لهم سابقة، وسعادة بالحسنى لاحقة، أبروا عقدها، وأحكموا وعدها وعهدها، على حكم الكتاب والسنة والجماعة، والأخذ بسنتها أعقاباً عن أعقاب، وأحقاباً إثر أحقاب، إلى يوم القيامة واقتراب الساعة، لا يلحق عقدها الكريم فسخ، ولا يعقبه بحول الله نسخ، ولا يتطرق إليه نقض ولا نكث ولا يشوبه بشوائب الشبهات بحث، وأجمع على هذا أسعده الله بالمواثيق المستفيضة والأيمان اللازمة المغلظة هو وأتباعه إجماعاً شرعياً، وحتموه على أنفسهم حتماً مقضياً واعتقدوه اعتقاداً أبدياً، وعرضوا على التزامه بمشهد عقده المبارك أفراداً وأزواجاً، وحداناً وأفواجاً، وأشهدوا على الوفاء به بأيمانهم الصادقة البرور، ومواثيقهم المثلجة للصدور، قائلين بالله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس العليم بالخفيات، والخبير بالآجال الوفيات، وبجميع الرسل الكرام والأنبياء، وملائكة الرحمان في الأرض والسماء، وعلى
стр. 430
أنهم إن حادوا عن هذا السبيل، وانقادوا الدعاء داعي التغيير والتبديل، أو انحرفوا عن هذا المنهاج وسنته، فهم برآء من حول الله وقوته، ومن دينه وعصمته، ومستوجبين لعذابه وغضبه وسخطه ونقمته، وبُعداء من رحمته، ومن شفاعة نبيه الكريم يوم القيامة لأمّته، وأنهم خالعون لربقة الإسلام، وخارجون عن سنة الرسول ﵇، أعلنوا بهذا إعلاناً تعضده النجوى، وأدّوه بشروطه الجارية على مذاهب الفتوى، وأحكامه اللازمة لكلمة التقوى، استرضاء لله وللخلافة النبوية، والإمامة العلوية، ورياضة للنفوس على بيعتها المباركة الميمونة النقيبة، واستيفاء لشروطها وأقسامها الواجبة والمستحبة والمندوبة، مستسلمين إلى الله بالقلوب الخاشعة، ومتضرعين إلى بابه الكريم بالأدعية النافعة، في أن يعرفهم خير هذا العقد الكريم، والعهد الصميم بدءاً وختاماً، وأن يمنحهم بركته التي تصحبهم حالاً ودواماً، لا رب غيره ولا خير إلا خيره.
أشهد على نفسه بما فيه وعلى رعيته الرئيس أبو العلاء إدريس أسعده الله وأكرمه وبتاريخ المحرم الحرام من عام تسعين وتسعمائة من الهجرة النبوية.
كتاب المنصور الذهبي إلى الشيخين البدر القرافي والزين البكري
في إعلامهما ببعض الفتوح وتشوُّفه للأندلس
من عبد ربه المجاهد في سبيله أحمد المنصور بالله أمير المؤمنين الحسني
стр. 431
إلى الفاضل الذي اعتجر بالتقوى وهو زين العابدين، وتحلى بحلى المعارف الربانية وتلك حلى العارفين، والسالك الذي برز في الطريقة، وسلك على المجاز الواضح إلى الحقيقة، ففاتَ شأْوَ السابقين، والعارف الذي تجرد عن رعونة الأهواء النفسانية فكان سلوكه على التجريد إلى حضرة الواصلين الشيخ العالم الحجة الوافي، السيد بدر الدين القرافي، والشيخ العارف الواصل، السرية الكامل، سلالة العلماء، سبط الفضلاء، أبي عبد الله زين العابدين ابن الشيخ السامي المقام، قطب المشائخ الأعلام، فخر علماء الإسلام، الشهير البركة في الأنام، أبي عبد الله محمد بن أبي الحسن الصديقي، أبقاكما الله وأرواحكما تتعطر برياحين الأنس، في حضرة القدس وتَشمُّ النفحات الهابَّة من رياض المشاهدة على مدارج الأنس ومعارج النفس، وسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته:
وبعد حمد الله مفيض أنوار عناية أحمد على صاحبه الصدّيق، مظهر كنوز المعارف الربانية جيلاً بعد جيل من بيت عتيق، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي اختار لمرافقته صاحبه في الغار والعريش والطريق والرضا عن آله أيمة الخلق، وسيوف الحق، وأصحابه الذين فاضت أنوار هدايتهم على الغرب والشرق، وببركتهم انتسق لنا الفتح انتساق الأسلاك، وبفضلهم يعلو سعدنا على الكفر علوّ القطب على دائرة الأفلاك- فكتبنا هذا إليكم من حضرتنا السعيدة مراكش حاطها الله وصُنْعُ الله لها مفعم السجال، واسع المجال، وعزمتها الماضية تبعث
стр. 432
إلى العِدَى رسل الأوجال. والأيام بعز صولتها، ويمن دولتها, بهذه المغارب باسمة الثغور، مؤذنة باتصال أمرها العزيز بحول الله إلى أن تطوى ملاءة الدهور.
هذا وإنه اتصل بعلي مقامنا كتابكما الذي صدحت على أفنان البلاغة سواجعه، وعذبت في موارد المحبة الصديقية مناهله ومشارعه ولطفت في كل معنى من المعاني أفانينه ومنازعه، وتألّفت على الإجادة في كل مقصد من المقاصد مواصله العذبة ومقاطعه، وأينعت بأزهار العناية الربانية أباطِحَه الفيح وأجارعه، ومعه المنظومات التي سحّت بالحكم ديمها، ورسا في البلاغة، قدمها، وربا في منبت المواهب الربانية يراعها الفصيح وقلمها، وحلت من نفوسنا موقعها العجيب محلاً من دونه الثريا في مطلعها والبدر ليلة تمامه إعجاباً بها وتنويهاً بمهديها، وابتهاجاً بالخوارق التي اطلق الله على لسان مبديها، وإلى هذا فليحط علمكما بأن مقامنا تَنفَق فيه على الدوام إن شاء الله نفائس بضائعكم، وتنمو فيه مع الأيام سعود مطالعكم، وتسمو فيه على كل مقام مقاماتكم، وتستوضح فيه على المحبة الصميمة أماراتكم الواضحة وعلاماتكم، فعلى هذا تنعقد منكم الخناصر، وتشتد الأواخي والأواصر، بعز الله ومنه.
ثم ما نستطرد لكم ذكره على جهة البُشري، وإهداء المسرة الكبرى إعلامكم أن عدو الدين طاغية قَشْتَالة الذي هو اليوم العدو الكبير للإسلام
стр. 433
وعميد ملل التثليث وعبدة الأصنام لما أَنِس من تلقاء جانبنا نار العزم تلتهب منا التهاباً، وبحر الاحتفال تضطرب أمواجه الزاخرة بكل عَدَد وعُدّة اضطراباً، وهم منا قد همَّت بتجديد الأسطول، والاستكثار من المراكب المتكفلة للجهاد إن شاء الله بقضاء كل دين ممطول، وعَلِم أن الحديث إليه يُساق، وإلى أرضه بالخسف والتدمير بحول الله يهفو كلّ لواء خفّاق رام خذله الله مكافاتنا على ذلك، بما أمّل أن يفُتَّ به في عضدنا الأقوى وعزمنا الذي بعناية الله يزداد ويقوى فرمى بمخذول من أبناء أخينا عبد الله كان رُبِّيَ لديه، وطوَّحت به الطوائح منذ ثمانية عشر عاماً، إليه، إلى مَلِيلِيةَ إحدى الثغور المصاقبة لغرب مالكنا الشريفة التي هي إلى كفالة ولدنا وولي عهدنا، كافل الأمة من بعدنا، الأمير الأجل الأرضى، صارم العزم المنتضى، وحسام الدين الأمضى، أبي عبد الله محمد الشيخ المأمون بالله وصل الله لراياته التأييد والظهور، والعز الذي يستخدم الأيام والدهور، فالتف عليه من اغتر بأباطيله الواهية البناء، من أوباش العامة والغوغاء، ومن قضي له من أجناد تلك الناحية بالشقاء جموع تُكاثر الرمل، وتفوت الحصا والنمل، لاح بها للشقي خُلَّبُ بارق أكذبته أمنيته إذ صدقته منيته، فصمم نحوه ولدنا أعزه الله بجنود الله التي إليه، وبعساكر تلك الممالك التي ألقينا زمام تدبيرها بين يديه فما راع الشقي إلا انقضاضه عليه من الجو انقضاض الأجدل، وتصميمه إليه بعزائم تدك الطود وتفلق الصخر والجندل فاستولى عليه بحمد الله للحين، وعلى جنوده الأشقياء في يوم أغر محجل وساعة أنزل الله فيها على الخوارج المارقين،
стр. 434
العذاب المعجّل، فاستأصلتهم الشِّفار، وحصدت هشيمهم المُصَوَّح أسِنَّة النار، وقبض على الشقي في يوم كان شفاء للصدور، ومنتزهاً لحملة السيوف وربات الخدور، وأحرز الله تعالى فخر هذا الفتح العظيم، والمنّ الجسيم، لولدنا أعزه الله في خاصة أجناده، ونهض وحده بأعبائه ونحن على سرير ملكنا وادعون مطمئنون، وأجنادنا في أوطارنا لاهون ومفتون، فلم يحتج إلى إنجاده، من قبلنا ولا إمداده، والعاقبة للمتقين، والحمد لله حمد الشاكرين.
وعرَّفناكم لتأخذوا بحظكم من السرور بهذه البُشرى التي سرّت الإسلام وساءت بحمد الله عبدة الأوثان والأصنام، وتعلموا مع ذلك ما عليه الأحوال اليوم بحول الله لدينا من خفق رايات العزم، وشحذ آراء الحزم، وإعمال عوامل الجزم، إلى مجازاة عدو الدين إن شاء الله على فعلته التي عادت عليه أسفاً ولهفاً، وإعادة ما كان أسلف من ذلك إن شاء الله بالمكيال الأوفى، وقدمنا إليكم التعريف لتمدونا إن شاء الله بأدعيتكم الصالحة في أوقات الإجابة، وتحرصوا على التماسها هنالك وبالحرمين الشريفين من كل ذي خضوع وإنابة، أن يؤيدنا الله على عدو الدين بفضله، وينجز لنا وعده الصادق في إظهار دين الحق على الدين كله، ويسهل علينا بفضله ومعونته أسباب فتح الأندلس، وتجديد رسوم الدين بها وإحياء أطلاله الدُّرُس، حتى ينطلق لسان الدين في أرضها بكلمة الله التي طالما سكت عنها نداؤه وخرس، وشرق بريقه
стр. 435
فغُصَّ وخنَس، فبيده الحول والقوة، وعنايته العناية المرجوة.
ثم نوصيكم بحسن الوقوف مع أصحابنا فيما يشتري من الكتب العامية برسم خزانتنا الكريمة الأمامية العلية، ثم الإتحاف بديوان الشيخ والدكم التماساً لجميل بركاته، وتمسكاً بما سبق من الإجازة العامة في سائر منظوماته وموضوعاته ومروياته، وهذا موجبه إليكم، والسلام الأتم مُعَاد عليكم ورحمة الله وبركاته.
توقيعه على كتاب جُؤْذر
لما انتصر جُؤْذَر مولى المنصور الذهبي على إسحاق سُكيَة صاحب السودان فرَّ هذا أمامه واعتصم ببلده كَاغُو فحاصره جؤذر فطلب الصلح على خراج عظيم يؤديه المنصور كل سنة فكتب جؤذر بذلك للمنصور يستأمره فيه فغضب المنصور ووقع على كتاب جؤذر «أتمدُّونني بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم، الآية.» ثم أرسل القائد محموداً باشا وعزل به جؤذراً وكان الفتح على يده.
كتابٌ للسلطان مولاي الحسن العَلوي
إلى قُضاة مراكش من إنشاء الكاتب إدريس بن محمد العَمْرَوي
وبعد فقد بلغنا من أخبار متعاضدة، وطرق عن التحامل متباعدة،
стр. 436
أن خطة القضاء والإفتاء صارت ملعبة ومتجراً، لا يعرف أصحابها فيها سآمة ولا ضجراً، وأن الرُّشا فيها تقبض سراً وعلانية، والأحكام تصدر بنية وبلا نية، قد عُدِلَ فيها عن منهاج العَدْل، من غير اكتراث بتأنيب ولا عذل، والحقوق نزلت بمعرض الضياع، والمراتب المعظمة بهذه البقاع، صارت كسراب بقاع، (١) وأن بعض القضاة حمله ما حمله، إلى التطاول للدعاوى البعيدة منه واستجلاب القضايا المصروفة عنه، وتوجيه أعوانه للإتيان بالخصماء من البلاد التي قُضاتها لهم الاستقلال، ولم يصده عن الترامي لذلك ما لا يستقل به من الأثقال، مع العلم بأن من صرفت عنه قضية، فقد صرفت عنه بلية، لو لم يكن الغرض الدنيوي الذي أغراه، والشر الذي استحوذ عليه وأغواه، حتى ظهرت على القضاة أمارات الغني والرفاهية، ودهتهم من الميل للزخارف كل داهية، وتبختروا في الحلل والنمارق، وذهلوا عن الأثر المأثور «مَن وَلِيَ القضاء ولم يفتقر فهو سارق، كما بلغنا أن طائفة من العدول أُذِنَ لهم في الشهادة إفتياتاً من غير اعتبار للشروط التي شرطناها، ولا وقوف مع الحدود التي بيناها وحددناها، واتُّخذ منهم ومن الأعوان والوكلاء أشراك للطمع، وجسور بناها التهور والهلع، يُمرُّ عليها ما يُلْمَزُ بأجرة الخطاب وحق العلم (٢) وتُعَدُّ للاستئثار بها حالتي الحرب والسلم، هذا مع أنّا بالغنا
стр. 437
في اختياركم لتطهير الصحيفة، وإبعاد ساحة الشريعة عن الأمور الشنيعة المخيفة، واختبرنا وخبرنا وانتقينا وأبقينا، ولكن صدق الصادق المصدوق ﷺ «الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة.»
إنِّي لأفتح عيني حين أفتحها. . . على كثير ولكن لا أرى أحداً
فإذا كان أهل العلم تصدر منهم هذه الفعال، فأي شيء تركوه للجهال، وإذا كان منصب الشريعة تُحاز به البراطيل (١) وتبدو من جانبه الرفيع هذه الأباطيل، فأي ملام يتوجه على عامة الناس، على اختلاف الأنواع والأجناس.
مَن غُصَّ داوى بشرب الماء غُصّته. . . فكيف يصنع من قد غُصَّ بالماء
كيف ولم تزل تتلى عليكم آيات كتاب الله، وأحاديث رسول الله، أأنتم عنها ساهون أم أنتم عن التذكرة لاهون، أفلا تتدبرون قول الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾، وقوله ﷺ ولعن الله الراشي والمرتشي والرائش أي الذي يمشي بينهم. . . هذا واسألوا عن سيرة من تقدم من قضاة هذه الحضرة المراكشية كالفقيه السيد محمد عاشور، والفقيه السيد الطالب بن حمدون، فقد كانوا من الدين والخير بمكانة،
стр. 438
وأعطوا الخطة حظها من العفاف والصيانة، وخرجوا منها بيض الصحائف حمر الوجوه، فأعرفوا فضلهم، واقتفوا سبيلهم، وتشبهوا أن لم تكونوا مثلهم، وأعلموا أننا بحول الله لا نزال نبحث عن أحوالكم بالتنقيب والتنقير، ونعاملكم بالتحذير قبل التعزير، وباللين ثم الجد، وبالطفح ثم الحد، لأن الله كلفنا بكم، وسائلنا عنكم وأمور الشريعة عندنا أهم من كل مهم وآكد من كل أكيد، وما على هذا من مزيد، آن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت واليه أنيب.
توقيعات له
كان ﵀ كما يحكي عن المنصور الموحدي حسن التوقيع. فمما وقع به على كتاب قوم بالغوا في الشكوى إليه بعبد الله بن موسى وهو ممن أحسن إليه أيام كونه بسوس قبل ولايته «لا يستوي من انفق منكم من قبل الفتح وقاتل»
وكتب إليه الطلبة يستأذنونه في إقامة نزهتهم قبل الإبان وهو بفاس عسى أن يحضرها فوقع لهم «حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وأزينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا»
ورفع إليه أهل فاس اعتذارهم عما كان بها من الفتنة قائلين إن ذلك من فعل السفهاء، فوقع «السفيه إذا لم ينه فهو مأمور».
стр. 439
وكتب إليه بعض مشايخ القبائل وقد أوقع بهم «أتهلكنا بما فعل السفهاء منا» فوقع له «وسكنتم في مساكن الذي ظلموا أنفسهم».
(ب) الاخوانيات
رسالة للقاضي عياض إلى الفتح ابن خاقان
حمله فيها تحية للرئيس أبي عبد الرحمان بن طاهر
عمادي أبا نصر، مثنى الوزارة ووحيد العصر، هل لك في منة تفوت الحصر، تخف محملاً وتبلغ أملاً، وتشكر قولاً وعملاً، شكراً تترنم به الحداة ثقيلاً ورملاً، إذا بلغت الحضرة العلية مستلماً، ولقيت الطاهر ابن طاهر فخر الوزارة مسلماً، وحللت من فنائه الأرحب حرماً، ولمست بمصافحته ركن المجد يندي كرماً فقف شوقي بعرفات تلك المعارف، وانسك شكري بمشاعر تلك العوارف، وأطف إكباري بكعبة ذا الجلال سبعاً، وبويء لودي في مقر ذلك الكمال ربعاً، وأبلغ عني تلك الفضائل سلاماً، يلتئم بصريح الحب التئاماً، ويحسن عني بظهر الغيب مقاماً، ويسير بأرج الحمد إنجاداً واتهاماً.
رسالة لأبي الحسن بن مروان الرباطي الكاتب
إلى ابن الربيب المؤرخ وقد استعار منه نسخة من تاريخ غريب
يا أخي سدد الله آراءك، وجعل عقلك أمامك لا وراءك، ما يلزمني
стр. 440
من كونك مضيعاً أن أكون كذلك، والنسخة التي رمت إعارتها هي مؤنسي إذا أوحشني الناس، وكاتم سرتي إذا خانوني فما أعيرها إلا بشيء أعلم إنك تتأذى بفقده إذا فقد جزء من النسخة وأنا الذي أقول:
أنس أخي الفضل كتاب أنيق. . . أو صاحب يعنى بود وثيق
فإن تعره دون رهن به. . . تخسره أو تخسر وداد الصديق
وربما تخسر هذا وذا. . . فاسمع رعاك الله نصح الشفيق
رسالة لابن هانئ السبتي أجاب بها أبا القاسم الشريف
وكان بعث له بقصيدة همزية فرد عليه بقصيدة مثليها وهذا النثر
هذا بني، وصل الله سبحانه لي ولك علو المقدار، وأجرى وفق أو فوق إرادتك وإرادتي لك جاريات الأقدار، ما سنح به الذهن الكليل واللسان الفليل، في مراجعة قصيدتك الغراء، الجالبة السراء الآخذة بمجامع القلوب، الموفية بجوامع المطلوب، الحسنة المهيع والأسلوب، المتحلية بالحلى السنية، العريقة المنتسب في العلى الحسنية، الجالية لصدأ القلوب ران عليها الكسل، وخانها المسعدان السؤل والأمل، فمتى حامت المعاني حولها، ولو أقامت حولها (١)، شكت ويلها وعولها،
стр. 441
وحرمت من فريضة الفضيلة عولها (١)، وعهدي بها والزمان زمان، وأحكامها الماضية أماني مقضية وأمان، تتوارد آلافها، ويجمع إجماعها وخلافها، ويساعدها من الألفاظ كل سهل ممتنع، مفترق مجتمع، مستأنس غريب، بعيد الغور قريب، فاضح الحلي، واضح العلا، وضاح الغرة والجبين، رافع عمود الصبح المبين، أيد من الفصاحة بأياد، فلم يحفل بصاحبي طييء وإياد، وكسي نصاعة البلاغة، فلم يعبأ بهمام وابن المراغة، شفاء المحزون، وعلم السر المخزون، ما بين منثوره والموزون.
والآن لا ملهج ولا مبهج، ولا مرشد ولا منهج، عكست القضايا فلم تنتج، فتبلد القلب الذكي، ولم يرشح القلم الزكي وعم الإفحام، وغم الأحجام، وتمكن الإكداء والإجبال، وكورت الشمس وسيرت الجبال، وعلت سآمة، وغلبت ندامة، وارتفعت ملامة، وقامت لنوعي الأدب قيامة، حتى إذا ورد ذلك المهرق، وفرع غصنه المورق، تعنى به الحمام الأورق، وأحاط بعداد عداته القصص والشرق، وأمن من الغصب والسرق، وأقبل الأمن وذهب لإقباله الفرق، نفخ في صور أهل المنظوم والمنثور، بعث ما في القبور، وحصل ما في الصدور، وتراءت للأدب صور، ومرت للبلاغة
стр. 442
كور، وهمت لليراعة درر، ونظمت للبراعة درر، وعندها تبين إنك واحد حلبة البيان، والسابق في ذلك الميدان يوم الرهان، فكان لك القدم، وأقر لك مع التأخر السابق الأقدم، فوحق فصاحة ألفاظ أجدتها حين أوردتها وأسلتها حين أرسلتها، وأزنتها حين وزنتها، وبراعة معان سلكتها حين ملكتها، وأرويتها حين رويتها، وأوريتها وأصلها حين فصلتها، ووصلتها ونظام جعلته بجسد البيان قلباً، ولمعصمه قلباً، وهصرت حدائقه غلباً وارتكبت رويه صعباً، ونثار اتبعته له خديماً، وصيرته لمدير كأسه نديماً، ولحفظ ذمامه المدامي أو مدامه الذمامي مديماً، لقد فتنتني حين أتتني، وسبتني حين صبتني، فذهبت خفتها بو قاري، ولم يرعها بعد شيب عذاري، بل دعت للتصابي فقلت مرحباً وحللت لفتنتها الحبا، ولم أحفل بشيب، وألفيت ما رد نصابي نصيب، وإن كنا فرسي رهان، وسابقي حلبة ميدان، غير أن الجلدة بيضاء، والمرجو الأغضاء بل الإرضاء.
بني، كيف رأيت للبيان هذا الطوع، والخروج فيه من نوع إلى نوع، أين صفوان بن إدريس، ومحل دعواه بين رحلة وتعريس، كم بين ثغاء بقر الفلاة وزئير ليث الفريس، كما أني أعلم قطعاً وأقطع علماً، وأحكم قضاء وأمضي حكماً، أنه لو نظر إلى قصيدتك الرائقة، وفريدتك
стр. 443
الحالية (١) الفائقة، المعارضة بها قصيدته، المنتسخة بها فريدته، لذهب عرضاً وطولاً، ثم اعتقد لك اليد الطولي، وأقر فارتفع النزاع، وذهبت له تلك العلامات والأطماع، ونسي كلمته اللؤلؤية، ورجع عن دعواه الأدبية، واستغفر ربه من الألهية.
بني، وهذا من ذلك، ومن الجري في تلك المسالك، والتبسط في تلك المآخذ والمتارك، أينزع غيري هذا المنزع أم المرء بنفسه وابنه مولع، حياً الله الأدب وبنيه وأعاد علينا من أيامه وسنيه، ما أعلى منازعه، وأكبر منازعه، وأجل مآخذه، وأجهل تاركه وأعلم آخذه، وأرق طباعه، وأحق أشياعه وأتباعه، وأبعد طريقه، وأسعد فريقه، وأقوم نهجه، وأوثق نسجه، وأفصح عكاظه، وأصدق معانيه وألفاظه، وأحمد نظامه ونثاره، وأغنى شعارة ودثاره، فعانبه مطرود، وعاتبة مصفود، وجاهله محصود، وعالمه محسود، غير أن الإحسان فيه قليل، ولطريق الإصابة فيه علم ودليل، من ظفر بها وصل، وعلى الغاية القصوى منه حصل، ومن نكب عن الطريق، لم يعد من ذلك الفريق، فليهنك أيها الابن الذكي، البر الزكي، الحبيب الحفي، الصفي الوفي، إنك حامل رايته، وواصل غايته، ليس أولوه وآخروه لك بمنكرين، ولا تجد أكثرهم شاكرين، ولولا أن يطول الكتاب،
стр. 444
وينحرف الشعراء والكتاب، لفاضت ينابيع هذا الفصل فيضاً، وخرجت إلى نوع آخر من البلاغة أيضاً، قرت عيون أودائك، وملئت غيظاً صدور أعدائك، ورقيت درج الآمال، ووقيت عين الكمال، وحفظ منصبك العالي بفضل ربك الكبير المتعالي، والسلام الأتم الأنم، الأكمل الأعم، يخصك به من طال في مدحه إرقالك وأغذاذك، وراض روض حمده وأبلك وطلك ورذاذك، وغدت مصالح سعيه في سعي مصالحك وسينفعك بحول الله وقوته وفضله ومنته معاذك، ووسمت نفسك بتلميذه فسمت نفسه بأنه أستاذك، ابن هانئ ورحمة الله تعالى وبركاته.
رسالة لابي جعفر الجنان المكناسي بعث بها لابن الخطيب
وقد فاتحه بنظيرتها محركاً قريحته
يا خاطب الآداب مهلاً فقد. . . ردك عن خطبتها ابن الخطيب
هل غيره في الأرض كفء لها. . . وشرطها الكفاة قوله مصيب
أصبح للشرط بها معرساً. . . فاستفت في الفسخ فهل من مجيب
أيها السيد الذي يتنافس في لقائه ويتغالى، ويصادم بولائه صرف الزمان ويعالى، وتستنتج نتائج الشرف مقدمات عرفانه، وتقتنص شوارد العلوم برواية كلامه فكيف بمداناة عيانه، جلوت علي من
стр. 445
بنات فكرك عقائل نواهد، وأقمت بها على معارفك الجنة دلائل وشواهد، واقتنصت بشوارد بديهتك من المعالي أوابد شوارد، وفجرت من بلاغتك وبراعتك حياضاً عذبة الموارد، ثم كلفتني من إجراء ظالعي في ميدان ظليعها (١)، مقابلة الشمس النيرة بالراج عند طلوعها، فأخلدت إخلاد مهيض الجناح وفررت فرار الأعزل عن شاكي السلاح، وعلمت أنني إن أخذت نفسي بالمقابلة، وأدليت دلو قريحتي للمساجلة، كنت كمن كلف الأيام رجوع أمسها، أو طلب ممن علته السماء محاولة لمسها، وإن رضيت من القريحة بسجيتها وأظهرت القدر الذي كنت امتحت من ركيتها، أصبحت مسخرة للرائين والسامعين، ونبت عن اسمي دواوينهم كما تنبو عن الأشيب عيون العين، ثم إن أمرك يا سيدي، لا يحل وثيق مبرمه، ولا يحل نسخ محكمه، فامتثلت امتثال من لم يجد في نفسه حرجاً من قضائك ورجوت حسن تجاوزك وإغضائك، أبقاك الله قطباً لفلك المكارم والمآثر وفصاً لخاتم المحامد والمفاخر والسلام.
стр. 446
رسالة للقاضي أبي عبد الله الفشتالي إلى ابن الخطيب
جواباً عن مخاطبة مدح وثناء بعث بها إليه
وافت يجر الزهو فضلة بردها. . . حسناء قد أضحت نسيجة وحدها
لله أي قصيدة أهديت لو. . . يهدى المعارض نحو غاية قصدها
لابن الخطيب بها محاسن جمة. . . يلقى الخطيب فهاهة في عدها
سر البلاغة منه أودع حافظاً. . . قد صانه حتى فشا من عندها
في غير ما عقد نفثت بسحرها. . . فلذا أتى سلساً منظم عقدها
لم أدر ما فيها رقمت معنوناً. . . من طرسها أو معلماً من بندها
حتى دفعت بها لأبعد غاية. . . باعاً تقاصر في البلوغ لحدها
حران من نظم ونثر إن من. . . يلقاهما يرجع بذلة عبدها
أولى يداً بيضاء موليها فما. . . لي قدرة حتى أقوم بحمدها
ورفضت تكذيب المنى متشيعاً. . . لعلي مرءاها بصادق وعدها
فبذلت شعري رافعاً من قدرها. . . وهززت عطفي رافلاً في بردها
خذها أعز الله جنابك، وادال للأنس على الوحشة اغترابك، كنغبة الطائر المتحفز، ونهبة السائل المستوفز، ومقة اللحظ، قلقة
стр. 447
اللفظ، قد جمعت من التزامها وانقحامها بين بطء فند) (١)، وصلود زند، ونوعت فعلى إقدامها وإحجامها إلى قاصر ومتعد. وليتني إذ جادت سحابة ذلك الخاطر الماطر الودق، وإنجاب العشا عن قريحة فكرتي بتقاضي الجواب انجياب الطوق، أيقنت إني قد سد على باب القول وأرتج، وقلت هذه السالبة الكلية، لا تنتج، فنبذت طاعة الداعية من تلكم الإمرة، ولم أفة أذا أعوزت الحلوة بالمرة. لكني قلت وجد المكثر كجهد المقل، والواجب يكفي الامتثال فيه بالأقل، فبعثت بها على علاتها وأبلغتها عذرها في أن كنت عن شوقها بلغاتها، وهي لا تعدم من سيدي اغضاء كريم وإرضاء مليم، والله يصل بالتانيس الحبل، ويرد الألفة ويجمع الشمل والسلام الكريم يخص تلك السيادة ورحمة الله وبركاته.
رسالة لعبد العزيز الفشتالي بعث بها إلى المقري
صاحب نفح الطيب جواباً عن كتاب كتبه له قبيل تشريقه
يا نسمة عطست بها أنف الصبا. . . فتضمخت بعبيرها قنن الربا
هبي على ساحات أحمد وأشرحي. . . شوقي إلى لقياه شرحاً مطنباً
وصفي له بالمنحى من أضلعي. . . قلباً على جمر الغضا متقلباً
стр. 448
بان الأحبة عنه، حي قد ثوى. . . منهم، وآخر قد نأى وتغيباً
فعساك تسعد يا زمان بقربهم. . . فأقول أهلاً باللقاء ومرحباً
السيادة التي سواها الله من طينة الشرف والحسب، وغرس دوحتها الطيبة بمعدن العلم الزاكي المحتد والنسب، سيادة العالم الذي تمشي تحت علم فتياه العلماء الأعلام، وتخضع لفصاحته وبلاغته صيارفة النثر والنظام، وحملة الأقلام، كلها خط أو كتب. واذا استطار بفكره الوقاد سواجع السجع انثالت عليه من كل أوكارها ونسلت من كل حدب، وحكت بانسجامها السيل والقطر في صبب، الفقيه العالم العلم، والمحصل الذي ساجلت العلماء لتدرك في مجال الإدراك شأوه فلم، سيدنا الفقيه الحافظ حامل لواء الفتيا، ومالك المملكة في المنقول والمعقول من غير شرط ولا ثنيا، أبو العباس أحمد بن محمد المقري أبقاه الله تعالى للعلم يفتض أبكاره، ويجني من روضه اليانع ثماره. سلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته كتبه المحب الشاكر عن ود راسخ العماد، ثابت الأوتاد، مزهو الأغوار والأنجاد، ولا جديد إلا الشوق الذي تحن إلى لقيا كم ركائبه وترتاح، وتحوم على مورد الأنس بكم حوم ذات الجناح على العذب القراح، جمع الله تعالى الأرواح المؤتلفة على بساط السرور وأسرة الهنا، وأتاح للنفوس من حسن محاضرتكم قطف المشتهى وهو غض الجنى.
وقد اتصل بالمحب الودود الرقيم الذي راقت من سواد النقش
стр. 449
وبياض الطرس شياته، وأرانا معجز أحمد فبهرت آياته، وخبا سقط الزند لما أشرقت من سماء فكركم آياته، فاطربنا بتغريد طيور همزاته على أغصان ألفاته، وعودنا بالسبع المثاني بناناً أجادت نثر زهراته على صفحاته، ثم مررنا بتضاعيفه بسوق الرقيق، فرمنا السلوك على منحاها فعمي علينا الطريق، وقلنا واهاً على سوق ابن نباتة وكساد رقيقها، واستلاب البهجة عن نفيس دررها وأنيقها، لا كسوق نفق فيها سوق الغزل، وعلا كعب الرامح والأعزل، وتظافر على سحر النفوس والألباب هاروت الجد وماروت الهزل، وقد القينا السلاح وجحنا للسلم وتهيأنا للسباحة فوقفنا بساحل اليم، وسلمنا لمن استوت به سفينة البلاغة على الجودي، فأبنا والحمد لله على السلامة بالفهاهة والعي، وقلنا ما لنا وللإنشاء، فهو فضل الله يؤتيه من يشاء.
وعذراً أيها الشيخ عن البيت الذي عطست به أنف الصبا فقذفت به البديهة من الفم، وشرقت به صدر قناة القلم، كما شرقت صدر القناة من الدم، وأما ما تحمل الرسول من كلام، في صورة ملام لا بل مدام، أترع به من سلاف المحبة كأس وجام، فلا وربك ما هي إلا نفحة نفحت، لا سموم لفحت، هززنا به جذع أدبكم كي يتساقط علينا رطباً جنيا، ويهمي ودقه على الربع المحيل من أفكارنا وسمياً وولياً، فجاد وأروى، وأجاد فيما روي، وأحيا من القرائح ميتاً كان حديثاً يروي، وطرسا بين أنامل الأيام ينشر ويطوى، أحيا الله تعالى قلوبنا
стр. 450
بمعرفته ونواسم رحمته، وعرج بأرواحنا عند الممات إلى المحل الأخص بالمؤمن من حضرته.
وأهدي السلام، المزري بمسك الختام، على الفقيهين الأمجدين، الصدرين الأنجدين الفذين التوأمين، الفاضلين المجيدين، فارسي البراعة واليراعة، ورئيسي الجماعة في هذه الصناعة، رضيعي لبان الأدب وواسطتي عقده، ومجيلي قدحه المعلى وموريي زنده، الممتعين بشميم عراره ورنده، الكارعين بالبحر الفياض من هزله وجده، الآتيين بالجنس والفصل من رسمه وحده، الكاتب البارع أبي الحسن سيدي علي ابن أحمد الشامي، والكاتب البليغ أبي عبدالله سيدي محمد بن علي الوجدي، وأقر لهما الود المستحكم المعاقد، الصافي المناهل العذب الموارد، وأني قائم بورد الثناء عليكم وعليهما لدى المقام العلي الأمامي الناضري دام سلطانه، وتمهدت أطواره وأوطانه. وننهي إليكم أن الفقيه المحب الأستاذ سيدي محمد بن يوسف طلق اللسان بالشكر صادح على أيك الثناء عن تلكم السيادة بما أوليتموه به من جزيل الإحسان، وقابلتموه به عند الورود والصدر من البشر والكرامة وجميل الامتنان، والسلام التام معاد عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
стр. 451
رسالة للأديب محمد ابن إبراهيم الفاسي إلى الشهاب محمود الخفاجي
جواباً عن كتاب بعث به إليه
بعد تقبيل ثريا ذلك الثري، الذي عبق في الشام عنبراً، وقد جيد الزمان درراً، لا زال منبع البيان، ومنتجع الأعيان، ولا برح جوهر حصبائه يفضله العيان على قلائد العقيان، هذا وصل إلي وصل الله إليك أسباب العلا، وألبسك رائق الحلى، كتابك الخطير في رقعة من محاسن لفظك الرائق الجلباب، المزري برونق ريق الشباب، وبهجة من بدائع خطك المستوقف للناظر، المخجل بحسنه الوشي الفاخر، والروض الناصر فأجناني ثمر البر يانعاً، وجلا على وجه الود أبيض ناصعاً.
وأراني كيف انقياد القوافي. . . في زمام البيان سمعاً وطوعاً
وفتح للمخاطبة باباً طالما كنت له هياباً، ورفع حجاباً ترك القلب وجابا ما زلت أغازلها أملاً، فلا أطيق لها عملاً، وألاحظها أمداً، أذوب دونه كمدا.
وفي تعب من يحسد الشمس نورها. . . ويزعم أن يأتي لها بضريب
لا جرم أنه اقتضاني خالص ود وصحيح عهد، لم يلتفت مني إلى
стр. 452
معذرة ولم يكلني إلى ما في الوسع من المقدرة، وقد يعود على علمك بحر القريحة ثمداً، وحسام الذهن معضداً، فتكلفتها بحكم هذا الغرام تحت حصر ونازح بصر، فإن سمحت بالأغضاء، وسامحت في الاقتضاء، سلمت لك اليد البيضاء وظهرت لشكرك بالفضاء، وأما العذر الذي توخيت ولا عدمت شرحه وحميت بقوة الكلام سرحه، فإني غني عن تكلفات إيضاحه، ومد أوضاحه، فالذي يثبت في النفوس، من الود المصون المحروس، لا يخشى عليه من تسلط الطموس والدروس، ولا أقول أن ودي لك كالتبر إذ لا يصفو ما لم يشبه لهيب الجمر، ولا كالراح، حيث يفتقر في الرقة إلى المساء والصباح، بل أقول أن ودي لك أبيت اللعن، كالفرات العذب، يشفي غليل القلب ويطفي لهيب الصب، يحل بالأرض الميتة فيحييها، ويمر بالروضة الذابلة فيتوجها بالأزهار ويحليها، وأنت أعزك الله لا تثريب عليك إذ كل يعمل على شاكلته، ويجري في أموره على مقتضى مرتبته، فإن حنو السيد، وأنت ذاك، يستكثر قليله، وإخلاص العبد، وهو أنا يستحقر كما علمت جليله، والحب أغلب ومعرفة المرء نفسه أصوب.
وإن تفضلت بالاستفسار عن أحوال العبد فإن الحال في خير، والمآل يعلمه الله تعالى، وبالجملة فسهم المصيبة أن سدده الدهر، فعلى مثله وقع، والتألم بمثل هذه الحالة قد ارتفع:
ولم أر مثل الصبر، أما مذاقه. . . فحلو، وأما وجهه فجميل
стр. 453
وكذلك كل من دعا الصبر لما شاء أجاب، وأراه من نشره الأفق المنجاب، وأقامه بين مبرات وألطاف، وأعطاه ما أحب جني قطاف ولله در القائل:
يعيش المرء ما استغنى بخير. . . ويبقى العود ما بقي اللحاء
وهو الدهر لا يرد عن مراده، ولا يصادر في إصداره وإيراده:
فيوم علينا ويوم لنا. . . ويوم نُساء ويوم نسر
على أن طول الغيبة ليس لشيء علم الله آثرته على لقياكم إذ استبدله طوعاً لكنه ارتكاب للأخف من الضررين، واختيار للأهون من الشرين:
عسى غلطاً يثني الزمان عنانه. . . بدور أمور والأمور تدور
فتدرك آمال وتقضى مآرب. . . وتحدث من بعد الأمور أمور
فلذلك قنعت من البحر الوشل، وسرحت في رياض المنى بين عسى ولعل، فقد قيل إذا دار الفلك، فعليك أو فلك، ولله في خلقه أمر لا تدرك العقول حكمته «وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته» وما اجتليته في كتابك الخطير وروض خطابك المطير، استدعى شيئاً من نظم العبد ونثره، والتنويه بذلك من خامل ذكره، فلا عدمت منك مولى على الإحسان مثابراً، وحكيماً لكسر
стр. 454
إكسير الخاطر جابراً، مع تشتت الحال لبعد مزارك، ونأي داري عن دارك، وأقيم إني صممت على التغافل عن الجواب وهو الأولى بالصواب، إذ ليس بلبيب من يقيس الشبر بالباع والجبان بالشجاع، وكيف لا وكل من تكلف فوق طاقته افتضح لساعته، لكن عدم الامتثال محذور، والملجأ إلى ما لا يطاق معذور، فتكلفت ما يعرض عليك من المسمطات سوى القصائد المشار إليها بذكر بعضها فإنها متقدمة على ورود مشرفتكم ومثلك من سد الخلل وتجاوز عن الزلل، والله يبقيك، ومن كل سوء يقيك والسلام.
(ج) (المتفرقات)
رسالة للقاضي أبي موسى بن عمران
المتوفي سنة ٥٧٨ إلى ولد له بفاس قد ناهز الحلم
إلى ولدي فلان، هداه الله وصانه، وجمله بالعلم والتقوى وزانه، كتبت إليكم عن اشتياق كثير، وبمشيئة الله تعالى تتيسر الأمور، ويتكاثف السرور، وإذا وجدتكم على ما أحبه من أدوات الحفظ والأداء، ولزام آداب العقلاء، جازيتكم بما يرضيكم، وبما يزيد على أقصى تمنيكم، وقد أجمعت الأيمة على أن الراحة، لا تنال بالراحة، وإن العلم، لا ينال براحة الجسم، فادرس تروس، واحفظ تحفظ، واقرأ ترق،
стр. 455
ومهما ركنت إلى الدعة، كنت في أهل الضعة، وما رأيت الناس مجتمعين على حمده فاجتلبه، وما رأيتهم مجتمعين على ذمه فاجتنبه، والاعدل الأقسط، أن تسلك السبيل الأوسط:
وما المرء إلا حيث يجعل نفسه. . . ففي صالح الأعمال نفسك فاجعل
رسالة أبي جعفر بن عطية إلى عبد المؤمن يستعطفه بها
عطفاً علينا أمير المؤمنين فقد. . . بان العزاء لفرط الهم والحزن
قد أغرقتنا ذنوب كلها لجج. . . ورحمة منكم أنجى من السفن
وصادفتنا سهام البين عن عرض. . . وعطفة منكم أوقي من الجنن
هيهات للخطب أن تسطو حوادثه. . . بمن أجارته رحماكم من المحن
من جاء عندكم يسعى على ثقة. . . بنصره لم يخف بطشاً من الزمن
فالثوب يطهر بعد الغسل من درن. . . والطرف يرهص بعد الركض في سنن
أنتم بذلتم حياة الخلق كلهم. . . من دون من بها كلا ولا ضنن
ونحن من بعض من أحيت مكارمكم. . . كلتا الحيا تين من روح ومن بدن
وصبية كفراخ الورق من صغر. . . لم يألفوا النوح في فرع ولا فتن
قد أوجدتهم أياد منك سالفة. . . والكل لولاك لم يوجد ولم يكن
تالله لو أحاطت بي كل خطيئة، ولم تنفك نفسي عن الخيرات بطيئة،
стр. 456
حتى سخرت من في الوجود وأنفت لآدم من السجود، وقلت أن الله لم يوح، في الفلك إلى نوح، وأبرمت لاحتطاب نار الخليل حبلاً، وبريت لقدار ثمود نبلاً (١)، وحططت عن يونس شجرة اليقطين، وأوقدت مع هامان على الطين، وقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها، وافتريت على العذراء البتول فقذفتها، وكتبت صحيفة القطيعة بدار الندوة، وظاهرت الأحزاب بالقصوى من العدوة، وابعضت كل قرشي، وأحببت لأجل وحشي (٢) كل حبشي، وقلت بأن بيعة السقيفة، لا توجب إمامة خليفة، وشحذت شفرة غلام المغيرة بن شعبة، واعتلقت من حصار الدار وقتل أشمطها (٣) بشعبة، وقلت تقاتلوا رغبة في الأبيض والأصفر، وسفكوا الدماء على الثريد الأعفر، وغادرت الوجه من الهامة خضيباً (٤)، وناولت من قرع سن الحسين قضيباً، ثم كنت بحفرة المعصوم لائذاً، وبقبر المهدي ﵁ عائذاً، لقد آن لمقالتي أن تسمع، وأن تغفر لي هذه الخطيئات أجمع، مع إني مقترف وبالذنب مغترف:
فعفوا أمير المؤمنين فمن لنا. . . برد قلوب هدها الخفقان
والسلام على المقام الكريم ورحمة الله وبركاته.
стр. 457
رسالة أبي الخطاب بن دحية
إلى والي بجاية يسأله تسريح خديم له أخذ في غزاة البحر
وقد ارتكب فيها غريب اللغة على عادته (١)
الشيخ الفقيه الأديب الجحجاح (٢) الهرماس (٣) أبو فلان، جحمظ (٤) الله قعثبان (٥) شفترته (٦).
هذا العطريس (٧) في اليم (٨) أخذ رجلاً لا يملك حذرفوتا (٩) فيرى الزبرقان (١٠) فيخاله حواري (١١) ويرى الجعل (١٢) فيحسبه زعبجاً (١٣) وله (١٤) قرحة أمحشت (١٥) من الحر، وتعطل كفرها (١٦) فابعث إلى هذا العثري (١٧) من يخضد (١٨) شوكته والسلام.
стр. 458
رسالة إلى عبد الواحد المراكشي
من صديق له صبي لم يبلغ الاحتلام، يخبره ببعض الفتوح
كتب من منزل مسوس وقد تبلج فجر الفتح فأسفر، وقال فريق الضلال وشيعته أين المفر، وقد ألقى النصر جرانه، وأعز الله حزبه المؤيد وأعوانه، وشر الحال على غاية الإيجاز، لأجل الاستعجال في إنهاء هذه البشائر والانحفاز، أن الناكثين النابذين للعروة الوثقى، المتمسكين بالسبب الأشقى، حاصرهم الموحدون أنجدهم الله، أشد الحصار وقطعوا عنهم مواد المعائش وزرافات الأنصار، ولسان التأييد يتلو علينا بالعشي والإشراق، (ما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة مالها من فواق) ولحين ما أخذ الموحدون أنجدهم الله في حسم دائهم العضال، وجردوا لهم من عزماتهم الصادقة، ما هو أمضى من النصال، طاحوا مجدلين بالحضيض، وملأ ج مانهم الفضاء العريض، وخيب الله ظنونهم الكاذبة وآمالهم، وصيرهم إلى أمهم الهاوية فكانت أولى لهم، ذلك بأنهم أتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم وأمكن الله من رأس ضلالهم المدعو بأبي قصبة، فقهره الحزب المنصور وغلبه، وحز الحسام منه قنه ورقبة،
стр. 459
عقد توبة لميمون الخطابي (١)
يقول العبد الذي اعترف بما اقترف لمولاه، وأقر له بما أضاعه لا بما أطاعه على ما منحه من النعم وأولاه، الميمون بن علي الخطابي، جبر الله بالتقوى كسره، وفك من حبائل الدنيا أسره، لم أزل مدة أيام بل عدة أعوام، أخالل كل مخل بديني، واستظل من إطالة البطالة بكل ظل مضل يرديني، وأخالف كل صالح مصلح، وأحالف كل طالح غير مفلح، وأجر أذيال المجون على أرض الراحة، وأطلق عنان مهر الغفلة في ميدان النسيان فيطيل جماحه ومراحه، راكباً مطاياً التسويف دون إهمال، مستوطئا فرش الكسل والانهماك في الشهوات والانهمال، مستوطناً ربع التصابي بقلة الأعمال وكثرة الآمال، سالكاً سبيل الهزل وطريقه، تاركاً قبيل الجد وفريقه، لا أثني عناني، إلى ما يعنيني، ولا أزال أعاني، ما يعنيني، ولطائف الله التي يضيق عن حمل أصغرها الأمكنة الفسيحة، ولا يطيق بلوغ شكرها الألسنة الفصيحة، ضاحية الورود، ضافية البرود وقد طنبت علي قبابها وأرواقها، وخلعت بعنقي ثيابها وأطواقها وأطردت بماء النعمة مذانبها
стр. 460
وأنهارها، وتساوي في القدوم بالكرم ليلها ونهارها، وأنا مع ذلك لا أزيد إلا غفلة عن القصد السني وسهواً، ولا استزيد إلا اشتغالاً عن المقصود السني ولهوا، إلى أن أجرى الله عادة إحسانه وجوده، وأرادت مراداته السائقة السابقة إخراج العبد المذكور من عدم الغفلة إلى ظهور الإلهام ووجوده، فسلط رعد الخوف على سحائب سمائه فكشفها وجلاها، وحل بساحة أرضها سكر السلو فسكرها من سواه وخلاها، وقلد أجياد فكره بقلائد حمده وشكره وحلاها، وسل من سويداء قلبه محبة غيره فتزهها عنه وسلاها فلاح إصباح النجاح وآذن ليل الغفلة بالصباح، ونادي منادي الوصلة بمنار العزلة حي على الفلاح وصاح كالئ، صبح النجح بالسفر المعرسين شدوا المطي فقد سال نهر النهار، ومال جرف الليل والنهار، وانفجر عمود الفجر بنوره الوضاح، فلاح، فأفاق العبد المذكور من نوم الركون، إلى السكون والكرى، وشمر للسير ذيوله وضمر للسبق خيوله إذ سمع عند الصباح يحمد القوم السرى.
ثم كتب العبد المذكور عقداً وعهد مع المولى الجليل عهداً، وهو على خوف ووجل يسأله ادراك ما أمله، والوصول إلى ما أم له، ويتبرأ من حوله وقوته إليه، ويتوكل في جميع أموره عليه، ويقف بقدم الندم بين يديه، معترفاً بما كان له مقترفاً، وراجياً أن يكون من بحر الإحسان لدار الامتنان مغترفاً، والعقد المذكور: