حتى سخرت من في الوجود وأنفت لآدم من السجود، وقلت أن الله لم يوح، في الفلك إلى نوح، وأبرمت لاحتطاب نار الخليل حبلاً، وبريت لقدار ثمود نبلاً (١)، وحططت عن يونس شجرة اليقطين، وأوقدت مع هامان على الطين، وقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها، وافتريت على العذراء البتول فقذفتها، وكتبت صحيفة القطيعة بدار الندوة، وظاهرت الأحزاب بالقصوى من العدوة، وابعضت كل قرشي، وأحببت لأجل وحشي (٢) كل حبشي، وقلت بأن بيعة السقيفة، لا توجب إمامة خليفة، وشحذت شفرة غلام المغيرة بن شعبة، واعتلقت من حصار الدار وقتل أشمطها (٣) بشعبة، وقلت تقاتلوا رغبة في الأبيض والأصفر، وسفكوا الدماء على الثريد الأعفر، وغادرت الوجه من الهامة خضيباً (٤)، وناولت من قرع سن الحسين قضيباً، ثم كنت بحفرة المعصوم لائذاً، وبقبر المهدي ﵁ عائذاً، لقد آن لمقالتي أن تسمع، وأن تغفر لي هذه الخطيئات أجمع، مع إني مقترف وبالذنب مغترف:
فعفوا أمير المؤمنين فمن لنا. . . برد قلوب هدها الخفقان
والسلام على المقام الكريم ورحمة الله وبركاته.
стр. 457
رسالة أبي الخطاب بن دحية
إلى والي بجاية يسأله تسريح خديم له أخذ في غزاة البحر
وقد ارتكب فيها غريب اللغة على عادته (١)
الشيخ الفقيه الأديب الجحجاح (٢) الهرماس (٣) أبو فلان، جحمظ (٤) الله قعثبان (٥) شفترته (٦).
هذا العطريس (٧) في اليم (٨) أخذ رجلاً لا يملك حذرفوتا (٩) فيرى الزبرقان (١٠) فيخاله حواري (١١) ويرى الجعل (١٢) فيحسبه زعبجاً (١٣) وله (١٤) قرحة أمحشت (١٥) من الحر، وتعطل كفرها (١٦) فابعث إلى هذا العثري (١٧) من يخضد (١٨) شوكته والسلام.
стр. 458
رسالة إلى عبد الواحد المراكشي
من صديق له صبي لم يبلغ الاحتلام، يخبره ببعض الفتوح
كتب من منزل مسوس وقد تبلج فجر الفتح فأسفر، وقال فريق الضلال وشيعته أين المفر، وقد ألقى النصر جرانه، وأعز الله حزبه المؤيد وأعوانه، وشر الحال على غاية الإيجاز، لأجل الاستعجال في إنهاء هذه البشائر والانحفاز، أن الناكثين النابذين للعروة الوثقى، المتمسكين بالسبب الأشقى، حاصرهم الموحدون أنجدهم الله، أشد الحصار وقطعوا عنهم مواد المعائش وزرافات الأنصار، ولسان التأييد يتلو علينا بالعشي والإشراق، (ما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة مالها من فواق) ولحين ما أخذ الموحدون أنجدهم الله في حسم دائهم العضال، وجردوا لهم من عزماتهم الصادقة، ما هو أمضى من النصال، طاحوا مجدلين بالحضيض، وملأ ج مانهم الفضاء العريض، وخيب الله ظنونهم الكاذبة وآمالهم، وصيرهم إلى أمهم الهاوية فكانت أولى لهم، ذلك بأنهم أتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم وأمكن الله من رأس ضلالهم المدعو بأبي قصبة، فقهره الحزب المنصور وغلبه، وحز الحسام منه قنه ورقبة،
стр. 459
عقد توبة لميمون الخطابي (١)
يقول العبد الذي اعترف بما اقترف لمولاه، وأقر له بما أضاعه لا بما أطاعه على ما منحه من النعم وأولاه، الميمون بن علي الخطابي، جبر الله بالتقوى كسره، وفك من حبائل الدنيا أسره، لم أزل مدة أيام بل عدة أعوام، أخالل كل مخل بديني، واستظل من إطالة البطالة بكل ظل مضل يرديني، وأخالف كل صالح مصلح، وأحالف كل طالح غير مفلح، وأجر أذيال المجون على أرض الراحة، وأطلق عنان مهر الغفلة في ميدان النسيان فيطيل جماحه ومراحه، راكباً مطاياً التسويف دون إهمال، مستوطئا فرش الكسل والانهماك في الشهوات والانهمال، مستوطناً ربع التصابي بقلة الأعمال وكثرة الآمال، سالكاً سبيل الهزل وطريقه، تاركاً قبيل الجد وفريقه، لا أثني عناني، إلى ما يعنيني، ولا أزال أعاني، ما يعنيني، ولطائف الله التي يضيق عن حمل أصغرها الأمكنة الفسيحة، ولا يطيق بلوغ شكرها الألسنة الفصيحة، ضاحية الورود، ضافية البرود وقد طنبت علي قبابها وأرواقها، وخلعت بعنقي ثيابها وأطواقها وأطردت بماء النعمة مذانبها
стр. 460
وأنهارها، وتساوي في القدوم بالكرم ليلها ونهارها، وأنا مع ذلك لا أزيد إلا غفلة عن القصد السني وسهواً، ولا استزيد إلا اشتغالاً عن المقصود السني ولهوا، إلى أن أجرى الله عادة إحسانه وجوده، وأرادت مراداته السائقة السابقة إخراج العبد المذكور من عدم الغفلة إلى ظهور الإلهام ووجوده، فسلط رعد الخوف على سحائب سمائه فكشفها وجلاها، وحل بساحة أرضها سكر السلو فسكرها من سواه وخلاها، وقلد أجياد فكره بقلائد حمده وشكره وحلاها، وسل من سويداء قلبه محبة غيره فتزهها عنه وسلاها فلاح إصباح النجاح وآذن ليل الغفلة بالصباح، ونادي منادي الوصلة بمنار العزلة حي على الفلاح وصاح كالئ، صبح النجح بالسفر المعرسين شدوا المطي فقد سال نهر النهار، ومال جرف الليل والنهار، وانفجر عمود الفجر بنوره الوضاح، فلاح، فأفاق العبد المذكور من نوم الركون، إلى السكون والكرى، وشمر للسير ذيوله وضمر للسبق خيوله إذ سمع عند الصباح يحمد القوم السرى.
ثم كتب العبد المذكور عقداً وعهد مع المولى الجليل عهداً، وهو على خوف ووجل يسأله ادراك ما أمله، والوصول إلى ما أم له، ويتبرأ من حوله وقوته إليه، ويتوكل في جميع أموره عليه، ويقف بقدم الندم بين يديه، معترفاً بما كان له مقترفاً، وراجياً أن يكون من بحر الإحسان لدار الامتنان مغترفاً، والعقد المذكور:
стр. 461
هذا ما اشترى المولى اللطيف الجليل، من العبد الضعيف الذليل الميمون ابن علي، اشترى منه في صفقة واحدة دون استبقاء ولا تبعيض، ولا استثناء بتصريح ولا تعريض، جميع المنزل المعروف بمنزل القلب والفؤاد، الذي من سكانه الإخلاص والمحبة والوداد، حده من القِبلة قبوله الأوامر المطاعة، ومن الشرق لزوم السمع والطاعة، ومن الجنوب الإقبال على ما عليه أهل السنة والجماعة، ومن الغرب دوام المراقبة في كل وقت وساعة، بكل ما يخص هذا المبيع المذكور ويعمه، وينتهي إليه كل حد من حدوده ويضمه، من داخل الحقوق وخارجها، ومداخل المنافع ومخارجها، وبكل ما له من الآلات التابعة له في التصرف، والحواس الجارية معه في حالتي الإضاعة والتشرف، السالكة مسلكه في التنكر والتعرف، من يدين ورجلين، ولسان وشفتين، وعينين وأذنين، اشتراء صحيحاً تاماً، شائعاً في جميع المبيع المذكور وعاماً، ثبتت قواعده، وظهرت بالتسليم الصحيح شواهده، بلا شرط ولا ثنيا ولا خيار، ولا بقيا مع حظ نفس ولا اختيار، بثمن رتبته العناية الربانية، ونسخته المشيئة الإلاهية، بين عاجل وآجل، فالعاجل العون على كل مندوب ومفترض، والصون عن كل غرض وعرض، والثناء على النعم الظاهرة والباطنة، وإهداء الآلاء المتحركة والساكنة. والآجل الفوز بالدار القدسية، والحضرة الأنسية، التي فيها ما امتد به جناح التواتر بالخبر الصادق وانتشر، ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر
стр. 462
على قلب بشر، من النعيم السرمدي، والحبور الدائم الأبدي.
سلم العبد المذكور هذا المبيع المذكور تسليماً تبرأ فيه من الملكة، ورفع به يد الاعتراض عما يفعل المولى الجليل فيما ملكه، وأيقن أنه المتصرف فيه في سره وجهره، وعلم أن الملك المذكور تحت يد عنزته وقهره، يجري فيه أحكامه القاهرة، وينفذ فيه قضاياه الباهرة، ومقتضي قدرته الظاهرة، وقد أحاط المولى الجليل بهذا المبيع المذكور، إحاطة ظهور، ولم يخف عليه شيء من قليله وكثيره، وجليله وحقيره، ومبانيه ومساكنه، ومتحركه وساكنه، واطلع عليها اطلاع عليم قدير، «ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير».
ولما أسلم العبد المذكور المبيع المذكور وأمضاه، واستسلم لمولاه فيما حكم به وقضاه، تفضل عليه مولاه وغمره بجوده العميم وأولاه، وجعل له السكني بهذا المنزل المذكور مدة حياته، والإقامة فيه إلى حين مماته، وإتيان وفاته، إذ يستحيل على المولى الجليل الحلول في شيء، أو السكون إلى شيء، وهو موجد كل شيء وخالق كل ميت وحي، ومريد كل رشد ومقدر كل شيء (١) به قيام جميع العبيد، وعن قدره غناهم وفقرهم لأنه الفعال لما يريد، وهو ميسرهم لليسرى فمنهم شقي وسعيد، وله الغني عن كل شيء وهو الغني الحميد.
стр. 463
وقد أمر المولى الجليل بخدمة هذا المنزل المذكور خدمة التقرب إليه، وجعل له التصرف فيه لقبول أمره للفوز بما لديه، وبهذا المنزل المذكور بساتين تسمى بساتين الإخلاص، وجنات تعرف بجنات حضرة القلب المعروف بمحل الاستخلاص، التزم العبد المذكور تسهيل أرضها من شوك الشرك والارتياب، وتذليلها من حجر العجب والاضطراب، في حالتي الحضور والغياب، وتنقيتها من أعشاب الحسد والحقد والكبر، وزوال ما فيها من عوارض الغش والخديعة والمكر، وإن يقطع منها كل عود لا منفعة فيه بحديد الفكر، مثل عود الحرص والطمع، ويغرس مكانه شجر الزهد والورع، ويقلم أغصان الميل إلى الأدران والأقذار، وأفنان الركون إلى الأغيار والأكدار، وقضبان السكون إلى الشهوات والأوطار، ويفتح أبواب البذل والإيثار، بمفاتح الجود الحميد المساعي والآثار، ويطلق ينابيع التوكل على مصرف الأقدار، وإن يخدم ما توعر من سواقي مياهها الإخلاصية وحياضها، ويمشي بالمصلحة المصلحة لدوحاتها وغياضها، ويفجر بها مياه الصفاء من الأكدار، المتصلة بساقية الوفاء في الإيراد والإصدار، والملاصقة لساقية ترك الجفاء في هذه الدار، حتى يبدو إن شاء الله صلاحها، ويكثر ببركة الله إصلاحها، وتهب بقبول القبول أرواحها، وتثير بجنى المنى أدواحها، فتنبت قرنفل التنقل، وعود التقبل، وآس الأنس
стр. 464
والسوسان، وياسمين اليأس من كل إنسان، ونعمان النعمة التي لا يصفها لسان.
وقد علم العبد المذكور أن بخارج هذا المنزل حرس الله إيمانه، وأدام أمانه، جيشاً يغير عليه في مسائه وصباحه، وينتهز فيه الفرصة في غدوه ورواحه، ويقطع جادة السبيل بالمرور عليها إلى حضرة الملك الجليل وملك هذا الجيش المذكور النفس الكثيرة الأغراض، الميالة إلى ما يعرض من الأعراض، المعتكفة على المشارب المهلكة والإعراض، وخادم الملك المذكور الشهوة الموقوفة على خدمته، المعدودة في أعلى خزنته، ووزيره المفاخرة، وزمامه المنافسة في زهرة الدنيا وحاجبه المكاثرة، وقيم جيشه المقدم، وفارسه الأقدم، شجاع الغضب، الذي عنده يتولد الهلاك وبه يكون العطب. وطلب العبد المذكور من مولاه السداد بعساكر العزم، وفوارس الحزم، ورغب منه الإعانة بكتائب السداد والتوفيق ومواكب الرشد والتحقيق، وإرسال جيوش الاصطبار، وفوارس الانتصار في ميادين الاختبار، والتدرع بدروع الأذكار، وجولان خيل السعادة في ميادين الاختيار، والعون بأعلام العلم، والسكون في حصن الحلمٍ، حتى يذهب حدة النفس ويزيل كيدها ويميتها في المجاهدة بسيوف المجادلة ويقطع قوتها وأيدها، أو تمديد التسليم بقهرها واضطرارها، وينطق بلسان اعترافها وإقرارها، أنها أسقطت جملة دعواها واختيارها، ودخلت تحت امتثال الأوامر
стр. 465
الربانية ودخل من باب اللطف في حرم كرم الإلاهية، فمر الظهور بذلك نفسه، وأظهر الحضور أنسه، حتى تتطهر النفس المذكورة من الأخلاق العرضية، وتترقى عن الأغيار الأرضية، وتظهر عليها الشمائل الحميدة والشيم الرضية، وتنادي: «يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية».
أشهد على إشهاد البائع المذكور من اشهده به على نفسه عارفاً بقدره، في صحته وطوعه وجواز أمره، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى أله وصحبه وسلم تسليماً.
إهداء أبي القاسم الشريف ديوان شعره إلى ابن الخطيب
الحمد لله الكبير المتعال، فهو المسؤول أن يعصمنا من خطل القول وزلل الأعمال، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأرسال، هذه أوراق ضمنتها جملة من بنات فكري، وقطعاً ما يجيش به في بعض الأحيان صدري، ولو حزمت لأضربت عن كتبها كل الإضراب، ولزمت في دفنها وإخفائها دين الأعراب، ولكني آثرت على المحو الإثبات، وتمثلت بقولهم: أن أحسن ما أوتيته العرب الأبيات، وإذاً هي عرضت على ذلك المجد، وسألها كيف نجت من الوأد، فقد أويتها من حرمكم إلى ظل ظليل، وأحللتها من فنائكم إلى معرس ومقيل،
стр. 466
وأهديتها علماً بأن كرمكم بالإغضاء عن عيوبها كفيل، فاغتنم قليل الهدية مني أن (جهد المقل) غير قليل، فحسبها شرفاً أن تبوأت في جنابك كنفاً وداراً، وكفاها فخراً ومجداً أن عقدت بينها وبين فكرك عقداً وجواراً.
كتاب الأستاذ ابن حكم السلوي إلى المقري الجد
وكان بعث له بمحرر للبيع فسأله إبداله بإحرام تونسي
الحمد لله الذي أمر عند كل مسجد بأخذ الزينة، وصلواته الطيبة، وبركاته الصيبة، على من ختم به شريعته وأكمل دينه، وعلى أله وأصحابه الذين اتبعوه والذين يتبعونه، وبعد فما تعلق به الإعلام، أن تعوضوا المحرر بإحرام، لا يخفى على مثلكم جنسه ومجانسه، ومن كلام العرب: كل ثوب ولابسه، وإن أربى على ثمن الأول ثمن الثاني، فلست عن الزيادة والحمد لله بالواني.
رسالة لأبي بكر بن شبرين
إلى أبي الحكم بن مسعود وهو شاهد بالمواريث يداعبه فيها
أطال الله بقاء أخي وسيدي لأهل الفرائض يحسن الاحتيال في مداراتهم، وللمنتقلين إلى الدار الآخرة يأمر بالاحتياط في أمواتهم،
стр. 467
ودامت أقلامه مشروعة لصرام الأجل المنسأ معدة لتحليل هذا الصنف المنشأ، من الصلصال والحمأ، فين ميت يغسل وآخر يقبر، ومن أجل يطوى وكفن ينشر. . . فكلما خربت ساحة، نشأت في الحانوت راحة، وكلما قامت في شعب مناحة، اتسعت للرزق مساحة، فيباكر سيدي الحانوت وقد احتسى مرقته وأسبل عنفقته، . . . فيلحظ هذا برفق، وينظر إلى هذا شزراً، ويأمر بشق الجيوب تارة والبحث عن المناطق أخرى، ثم يأخذ القلم أخذاً رفيقاً، ويقول وقد خامره السرور: رحم الله فلاناً لقد كان لنا صديقاً، وربما وأراه بالإزعاج الحثيث، وقال مستريح كما جاء في الحديث (١)، وتختلف عند ذلك المراتب وتتبين الأصدقاء والأجانب، فينصرف هذا وحظه التهديد، والنظر الحديد، ثم يغشى دار الميت، ويسأل عن الكيت والكيت، ويقول علي بما في البيت، أين رعاء الثاغية والراغية، أين عتود الأملاك بالبادية، وقد كانت لهذا الرجل حال وأي حال، وذكر في الأسماء الخمسة فقيل ذو مال، وعيون الأعوان ترنو من خلل، وأعناقهم تشرئب إلى ما خلف الكلل، وأرجلهم تدب إلى الأسفاط دبيب الصقر إلى الحجل، والموتى قد وجبت منهم الجنوب، وحضر الموروث والمكسوب، وقيد المطعوم والمشروب، وعدت الصحاح، ووزن بالأرطال، وكُيل بالأقداح،
стр. 468
والشهود يغلظون على الورثة في الألية، ويسيئونهم بالسباب في النشأة الأولية، والروائح حينئذ تفغم الأرض طيباً وتهدى إلى الأرواح شذى يفعل في الأبدان فعلاً عجيباً، والدلال يقول هذا مفتاح الباب، والسمسار يصيح قام النداء فما تنتظرون بالثياب، والشاهد يصيح فتعلو صيحته والمشرف يشرف فتسقط سبحته، . . . ثم يشرع في تقسيم الفرض، ولو أكفئت السماوات على الأرض ويقال لأهل السهام أحسنوا فإن الإحسان ثالث مراتب الإسلام، وقد نص ابن القاسم (١) على أخذ أجرة القسام، وسوغه أصبغ (١٤٨) وسحنون (١٤٨)، ولم يختلف فيه مطرف وابن الماجشون (١٤٨)، ولعل الخروج إلى الانبساط يجر عذراً، ونسأل الله حمداً يوجب المزيد من نعمائه وشكراً، والله يصل عز أخي ومجده، ويهب له قوة تخصه بالفوز عنده، ويزيده بصيرة يتبع بها الحقوق إلى أقصاها، وبصراً لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ودام يعد الخراريب (٢) والفلوس والأطمار (٣)، ويملأ الطوامير بأقلامه البديعة الصنعة، ويقرن الطومار بالطومار،
стр. 469
المقامات
مقامة الافتخار (١)
ببن العشر الجوار
لعبد المهيمن الحضرمي
برزت يوماً لخارج بلد فاس الأشهر، وانتهيت إلى واديها المعروف بوادي الجوهر، فلم يكن غير بعيد، وإذا بمحفل يرتج بالغيد، وقد دار بينهن عتاب، بألفاظ تعجز عنها ألسنة الكتاب، بيضاء وسمرا، في مفاتنة كبرى، وكاملة وقصيرة في معاطاة كثيرة، وسمينة ورقيقة، في معاتبة حقيقة، وعربية وحضرية، في مجادلة قوية، وعجوز وصبية، في مخاصمة بذية، فبينما أنا أنظر في تلك الوجوه المشرقة والقدود المرونقة، واذا بجارية يغلب ضياء وجهها ضياء الشمس، فوقفت بين الصفوف وسلمت ببنانها الخمس، ثم تقدمت وقالت:
الحمد لله الذي جعل البياض طراز كل جمال، وشرف أهله بالحياء والكمال وأعطاهم عزة لا تبيد، وصير السمر لهم عبيد، ألا
стр. 470
وإن على قلبي جمرة، من معاتبتك يا ذات السمرة أعندك يا سمراء ما عندي، وليس قدك كقدي ولا خدك كخدي، جبيني ذو ابتهاج، ودواني كقطع الزاج (١)، ورشح عرفي كمسك اذفر، يرشح من تحت البرد والمغفر، وتغري أقحوان، وديباج وجهي أرجوان، وإن أسبلت شعري المضفور فظلام ليل على بياض كافور، ثم أنشدت:
قل للذي أزرى بأهل البياض. . . ما أنت إلا باطل الاعتراض
فورد خدي أبداً زاهر. . . في كل فصل فوق خدي رياض
يا حاسدي مت كمداً إنما. . . تجني المنى من الحدود الغضاض
ثم سلمت بالبنان، وأمسكت العنان، فتقدمت السمراء وحطت اللثام، عن وجه شهي الإلتثام، وأبلغت في السلام، وأقبلت تواضعه على رؤوس الأقدام، فوقفت كالغلام وأفصحت في الكلام، وقالت:
الحمد لله الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم وجعله أفضل الحيوان، وفرق بين الصور والألسنة والألوان، وزين الأبيض بشعر كالغسق، وامتداد الحاجبين وسواد الحدق، وأجل ما يقف له العاشقون إجلالاً، ويرتجلون فيه الأشعار ارتجالاً، مسكة الخال، وعقرب الدلال ثم
стр. 471
التفتت إلى البيضاء وقالت: يا أشبه شيء بجبن الروم، أخرقت حجاب الأشروم (١)، ما زال طعامك قليل الملح، وجفنك كثير الرشح، ولبنك أذى، وعسلي أنا غذا، ولوني لون الخمر، وطعمي طعم التمر، ثم أنشدت:
الحمد لله ليس التبر كالورق. . . قد أحسن الله في خلقي وفي خُلقي
فالجسم مني ضار صيغ منظره. . . بمسكة فغدا طيباً لمنتشق
يا من يعيرنا باللون إن لكم. . . جهلاً يقود إلى الطغيان والحمق
كم أسمر قلبه كافورة وله. . . من العادة نجم لاح في الأفق
فلما فرغت من كلامها، وما أبدعته من حسن نظامها، تبرقعت بنقابها، وسلمت على الصفين، وقبلت أسارير الكفين، وإذا بجارية تتخطى الرقاب، بعد أن حطت النقاب عن ديباج صقيل، ورنت بطرف كحيل، ومالت بقد قويم وردف ثقيل، فسمعتها تقول: إليكم يا ذوي العقول، فلعلكم تحكمون بيني وبين هذه القصيرة، فإنها عمية البصيرة، تعيب الكمال، وهي الطبقة الثانية من الجمال، ثم قالت في الثناء على ذي الجلال وأجادت في المقال:
الحمد لله فالق الأصباح من بعد الغيوم، لا إله إلا هو الحي القيوم،
стр. 472
وصلى الله وسلم على محمد نبيه الذي ارتضاه لنفسه حبيباً وخليلاً، وأرسله لجميع خلقه نبياً ورسولاً، ثم قالت: أين هذه التي تعيب ما لا يعاب، وتدخل نفسها في الأمور الصعاب، لا تحجب عين الشمس بالغربال، والثعلب لا يقابل بالأشبال، يا هذه خطابك إلي من غير الواجب، ألم تسمعي أن العين ولو علت فوقها الحاجب، فإلى كم يا زريعة يأجوج ومأجوج، يكون فرسك معي للشر مسروج، ثم صالت وما اعتدت فأنشدت:
نحن قوم لنا بهاء البنود. . . ولدينا تفاخر بالقدود
كل زين أزينه بكمالي. . . وجمالي وغنج لحظي وجيدي
وإذا ما القصار قلدن حلياً. . . صار كالدر في نحور القرود
فلما أتمت كلامها، وأنهت نظامها، إذا بالقصيرة قد أقبلت تجر أذيالها وتواتر أقوالها، فولولت وصاحت، وأعلنت بما في ضميرها وباحت، ثم قعدت على أعلى مكان، وتكلمت بأفصح لسان، فقالت تخاطب الطويلة: يا شقيقة الزرافة، إلى كم تطيلين هذه الخرافة، يا ناقة العشير (١)، وقصبة النشير (٢)، ويا كاملة الصاد (٣)، وقليلة القصاد، نحن
стр. 473
أهل المعاني الرقاق وفتنة العشاق، وعلى منظرنا طلاوة، ورونق وحلاوة، فأرى لك من الرأي والتدبير أن تأخذي معي في التقصير، فإن الله تعالى خلق الكامل والمتوسط والقصير، على أن القصر والكمال، إنما هو في الأفعال، ثم قعدت على أعلى مكان، وتكلمت بأفصح لسان، فقالت:
الحمد لله الملك الكبير، الذي ليس له حاجب ولا وزير، وصلى الله وسلم على محمد نبيه وعلى أله ما هب نسيم وفاح عبير. ثم أنشدت:
غزلان الأنس ذوو القصر. . . وشفاء النفس مع البصر
فيعيش القلب بمنظرنا. . . وتقر العين من النظر
وإذا ما الروض أتيت فلذ. . . بقصار القد من الشجر
إياك النخل فإن لها. . . طولاً يهديك إلى الغرر
وبينما هما في طويل من الكلام وعريض، يتنازعان أبيات القريض، إذا بضجيج، كضجيج الناس في الحجيج، والناس قد تطاولت أعناقهم، وشخصت أحداقهم وإذا أنا بقلاع، يسوق مركباً موسوقاً بالسلاع، فقلت ما هذه السفينة، فقيل لي هذه الجارية السمينة، فدار المحفل عليها كالحلقة، فقلت سبحان من لا يمل من خلقة، فحطت من القلق رداءها، وغاظت بأعكانها حسادها وأعداءها، وقد تكلل العرق على جبينها
стр. 474
كدر الحباب، وفتنت بروض خدها ذوي الألباب ثم قالت:
الحمد الله باسط الرزق وسابغ النعم المنفرد في ديموميته بالقدم، والصلاة على خيرته من خلقه سيد العرب والعجم، صلاة تنجي العبد يوم المزدحم، ثم اعتمدت بكفها على عطفها، ومالت كالبحر الزاخر، فقدمت المقادم وأخرت المواخر وقالت: أين هذه المسفولة الصوت، الواقفة بين ميدان الحياة وميدان الموت المنفوضة اللحم، التي حرم عليها كما حرم على بني إسرائيل الشحم، المنغصة العيش، الكثيرة الطيش، الضعيفة المخاخ، الشديدة الفخاخ، النحيلة من غير علة، الهزيلة من غير قلة، كفي يا مسقومة عني هذه الغرارة، وأعلمي أن على جسمي من الزينة نضارة، أقتنص بها القلوب من غير حيلة ولا إدارة، ونهدي وأعكاني، يغنياني عن الشورة (١) في أركاني، ثم أنشدت:
الحمد لله في سر وفي علن. . . حمداً يخلصني من ظلمة المحن
قد نلت ما أشتهي في الدهر من أرب. . . في العقل والقلب مني ثم في البدن
أن البهاء يزين الخلق منظره. . . كما تزان حلى الأشجار بالدمن
أرحت قلبي من هم ومن سهر. . . وساعد السعد بالأفراح في زمني
يا من تعود بالتوبيخ كف فما. . . يشبه العجف في الأنعام بالسمن
стр. 475
وذهبت لتجلس، فما استقر بها القعود، إلا وجارية وقفت كأنها كوكب السعود، تبتهج باللطف والابتسام، وتضطرب كما يضطرب الحسام، وتبسم عن ثغر كاللئال، ريقه كالعذب البارد الزلال، ثم قالت: إلي إلى يا معشر العشاق فعلى مثلي تندب الأطلال ويجري الدم المراق، وحمدت الله بقولها:
الحمد لله الذي أودع الحكمة في النفوس الرقاق، باعث الخلق وناشرهم يوم التلاق، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المخصوص بالحوض والشفاعة واللواء والبراق، ما حدا حاد وساق الركب إليه مشتاق، يا من حضر في مجلسنا، ولاذ بأنسنا، أسمعت مقالة هذه العاهة، وما ظهر منها من قلة النزاهة، هذه التي تفتح فمها مثل التمساح، وتبلغ القرع وتخرجها صحاح، وإن قرب منها الرجل لمقصد أو سول، غرق في بحر بسول، قلبها بالعلف هائم، كما تفعل البهائم. ثم أبرقت وأرعدت، وقالت فأنشدت:
يا عاهة ليس لها من خلاق. . . هواك قد أنساك يوم التلاق
والحشر والنشر وأهواله. . . وخجلة العبد وخوف المساق
لو كان للقلب به فكرة. . . لكان للجسم ضنى واحتراق
نحن رقاق في النفوس ولا. . . يرق قلب الصب الأوراق
ثم قالت: وما حيلك أيتها العاهة إذا جاوزت الأربعين،
стр. 476
وأتتك العلل بجيش ظاهر غير كمين، وقد تدلت منك الحواصل، وهجرك الصديق المواصل، وتكمشت منك الحلاقم، وتفرقت على أعضائك البلاغم، وتعطلت منك القوائم، فلا تتحركين إلا بعجلة ودعائم وأنشدت:
إذا رق الحسام قضى وأمضى. . . وخط بحده جيد النفاق
وإن رق الزجاج وراق فيه. . . رقيق الخمر لذ لكل راق
فتبصره نحيلاً في نحيل. . . ويعظم فعله عند المذاق
ثم إني سمعت صوتاً يصيح، ويقول بلسان فصيح:
مهلاً رويداً يا جميع من حضر. . . حتى أقول بين بدو وحضر
من هن ربات الخدود الناضرة. . . ذات الخيام أو نساء الحاضرة
نحن جوار من بنات البادية. . . ملامح الحسن علينا بادية
فإن بدت منكن لي مكلمة. . . أنا التي أردها مكلمة
ثم حطت اللثام، عن وجه يشبه البدر ليلة التمام وقالت:
الحمد لله الذي أمره بين الكاف والنون، الحاضر الناظر القاهر الذي بيده ملكوت كل شيء واليه ترجعون، وصلى الله على النبي الذي نور الأفئدة فأبصرت البصائر وقرت العيون، وأنشدت:
стр. 477
قد مال الحسن إلى العرب. . . نحن الأقمار بلا كذب
فلا أرج ولنا غنج. . . ولنا دعج بالسحر حبي
ولنا كرم ولنا همم. . . ولنا ذمم للمكتئب
ولقاصدنا فينا أرب. . . فيما يرجوه من الأرب
قد شرف محتدنا وكفي. . . أن المختار من العرب
صل ما دمت عليه تفز. . . يوم الأهوال من الكرب
ثم قالت: نحن ربات القلوب، ومنتهى غاية كل مطلوب، جمالنا أبدع جمال ولساننا أفصح لسان، فالعربية بهذا البيان قمر في شكل إنسان. وسكتت فإذا بجارية حضرية، ذات جمال فائق وهمة سنية، نادتها: كفي عن الجدال، ودعي هذا الاحتيال، فإن من بالمعاطاة يلوذ، كمن يدخل بجهله في زقاق غير منفوذ، إياك أن تذكري في هذا المحفل نسباً أو قبيل، وإن أردت أن تفتحي للحرب باباً فأنا على السبيل، وأعلمي أن رعيان الجمال، لا يفتخرون بحسن ولا بجمال، ثم قالت:
الحمد لله الذي فضل على البادية الحاضرة، وأعطانا الراحة في الدنيا وأعاننا على طريق الآخرة، وخصنا بأحسن الملابس وأيمن المواطن، وأثمن قلوبنا في الظاهر والباطن، ووشحنا بالحلى والحلل، وأسكننا في القصور والدور في ظل الحجب والكلل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له عدة للقائه يوم تكون النفوس حاضرة، والوجوه
стр. 478
الناضرة إلى ربها ناظرة، وصلى الله على محمد وعلى أله وأصحابه وأصهاره، وأزواجه وحزبه وأنصاره، وقالت: ما أعطيت الهمة السنية، إلا للجارية الحضرية، خدي مورد، ونحرني مفند، ولا يرى صدري العابد الزاهد إلا تنهد، ثم أنشدت:
ألا إنما الحسن حسن الحضر. . . علينا ومنا وفينا ظهر
فإن كنت يا هذه نجمة. . . بأعلى السماء فإني قمر
بسحر الجفون وغنج العيون. . . أسل القلوب كسل الشعر
ومن ليل شعري ظلام المسا. . . ومن وجنتي الصباح الأغر
فلما أتمت الحضرية الأبيات، وقد أفصحت في المبادئ والغايات، إذا بهزة عظيمة في المحفل، كاد يرجع أعلاه منها أسفل، فأتت عجوز قد اشتبكت مع صبية، وبينهما معاطاة ومجادلة قوية، والصبية تنادي وتقول: كثر الحمق وقلت العقول، يا قوم اعدلوا بيني وبين هذه العجوز، بكلام يتعقل ويجوز، فقالت العجوز: يا هذه الزمي الوقار، وكفي النقار، فأنا أفصح منك وأعلم، وأسبق وأقدم، ولا أحق بالتعظيم، ممن له الحق القديم، ثم قالت:
الحمد لله راحم الشيب، وساتر العيب، وجامع الناس ليوم لا شك فيه ولا ريب. أنا من ذوات العهود والمواثق، أجمع بين المعشوق والعاشق، وأزوج العرائس، وأقبل النفائس، وأشرف المجالس، ولا
стр. 479
تجري السفينة إلا بمحاولة الرانس، ألجم الرجل بالشكيمة، وأرده في الأركان يدور كالبهيمة، على أنني أقضي له المئارب والأوطار ويجد عندي كل سلعة لا توجد عند العطار، وأرفع المؤن والوظائف، ولا أطالبه بشيء من التكالف، وأقنع منه بالزبيبة، وأكون له تارة محدثة وتارة طبيبة، فانظري أيتها الصبية من يكون لك عون، ولا تمشي على أثري فتغرقي كما غرق فرعون، فإني أكثر منك بحثاً عن المناسب، ولي معرفة وذهن ثاقب، وإن شئت مناظرتي ومناضلتي ففكري في العواقب ثم أنشدت:
أمنت الدهر يا بنت الزواني. . . وصار لك إليها نصب العيان
فكم طفل قضى في خفض عيش. . . وأخلف ظنه بعد الأمان
إله العرش عمرني وأبقي. . . سعودي ثم ساعدني زماني
جررت الذيل في زمن افتخاري. . . ونزهت الجفون بمهرجان
وإني اليوم من ستين عاماً. . . ولكني أعد من الحسان
فيوم في المجالس باتعاظ. . . ويوم في المحافل والمغاني
(قال الكاتب) وكانت العجوز مخطوبة البنان، مسوكة الفم وليس لها أسنان، مصبوغة الحاجب والسالف، تندب على ما فاتها في الزمن السالف، ثم أنشدت، فأجادت فيما قصدت:
стр. 480
إذا جف لين التين يحلو مذاقه. . . وأحلى مذاقاً في الثمار العجائز
عجزت وليس القلب مني عاجزاً. . . وإني لمن قد رام حربي مبارز
فطعمي ذكي طيب النشر عاطر. . . وإنسان عيني للمحبين غامز
ثم قالت: وإن أردت يا هذه المجون والرقاعة، فأنا والله ربة الصناعة وأستاذة الجماعة، وإذا بالصبية قد أتت تدرج درج القطا على الأقدام، وتبدت فأقبلت إقبال العام، ووردت ورود الغني على أهل الإعدام، وهي تزعم بنفسها كما يزعم البطل المقدام، إذا ساعدته الأيام، ترمق بلحظ نائم وتفعل بأشفارها في قلوب العاشقين ما تفعله الصوارم، ثم نادت: أيتها العجوز الشمصا، يا من كشفت بعيبها عن نفسها الغطا، أما قنعت يا عجوز، يا نشوز، أما كفاك، سد الله بالشوك فاك، هيهات هيهات يا عجوز، يا بنت الدروز، أن يكون لك بعد الهرم طلق، أو يكون الجديد مثل الخلق، أما رأيت شعري الفاحم، وتغري الباسم وغصني الناعم. ثم حطت النقاب، فأخرجت الشمس من تحت السحاب، وقد سلمت على القوم فأفصحت، وقالت فأوضحت:
الحمد لله الذي غرس ريحانة الشباب، في قلوب ذوي الألباب، ثم قالت، وللعجوز أشارت: ويحك لو كنت تبكين على ما مضى، لكان لك أقرب إلى الرضى وأنشدت:
نور الشباب له عز وسلطان. . . وللسعادة أرجاء وأوطان
وللمحاسن أوصاف تقوم بها. . . وللحقائق آيات وبرهان
стр. 481
روض الشباب تبدت فيه أربعة. . . ورد وزهر ونسرين وريحان
من قال إن زمان الشيب يشبهه. . . عهد الشباب فذاك القول بهتان
يأتي العجوز اندبي ما قد مضى أسفاً. . . ترحلت عنك أوقات وأزمان
وأنتم يا أهيل الحسن كلكم. . . بيني وبينكم في الحرب ميدان
فلما فرغت الصبية من النظام، أقبلت الجواري والعجوز عليهن من أمام، فقالت لها: بورك فيك من صبية، وفي ألفاظك الزكية، وسأقول بينكن مقاله أنصاف يقتضيها الحق وجميل الأوصاف، أما البيضاء وذات السمرة، فتلك فانيدة وهذه تمرة، وزينة الدنيا ذهب ونقرة، ثم قالت للكاملة والقصيرة، مسألتكما عندي يسيرة، إذا كانت الصورة الحسناء كاملة، فهي من النعم الشاملة، وعلى هذا فالقصيرة الذراع، لا يمتد لها في مجال الفخر باع، فإن القصر مذلة، بسبب هذه العلة، فتأدبي مع ذات الكمال، فإنها أبهى منك وأمتع للرجال، ولو كنت بالسوية معها في الجمال، ثم قالت للسمينة والرقيقة، تالله لا أخفي عنكما من معاني الحسن حقيقة، فالسمينة رياض وجنان، والرقيقة روح وريحان، ثم قالت للبدوية والحضرية، سأفصل بينكما بحكم الإنصاف في هذه القضية، أما القول الصحيح فكل واحدة منكما في زيها أملح مليح، فالعربية تصلح للحضر والسفر، والحضرية لا تصلح إلا للحضر، وأما أنا والصبية، فحجتها واضحة وحجتي غير جلية، لأنها أبرع مني في الجمال، وأنفع للرجال، وأما العجوز مثلي فقد هرمت بمضايقة الآجال، فما لأحد فيها مجال. ثم انصرف القوم، وارتفع العتاب واللوم.
стр. 482
المقامة الزهرية
في منح المكارم البكرية لمحمد المكلاتي
حدثنا بشر بن سرور، عن سهل بن ميسور، عن الضحاك بسنده عن بسام، قال: تراءت لي من الأماني الوجوه الوسام، وأنا من نشاط الشيبة وافر الحظوظ والأقسام، لم يفتني من قواعد اللهو إلا الحج، فأقمت من قول القائل وظائف العين والثج (١)،
أحجج إلى الروض لتحظى به. . . وارم جمار الهم مستنفراً
من لم يطف بالروض في زهره. . . من قبل أن يحلق قد قصرا
فلبيت داعيه، ، وأصغيت إليه بأذن واعية، وأزمعت المجاز، إلى المشاعر التي ليس بينها وبين اللذات حجاز (٢)، وأعملت يعملات العزم، وأدخلت على معتل التواني عوامل الجزم، فتخيرت من السمر أطيب أوقاته، وأحرمت مع حجيج الأنس من ميقاته، وسرت
стр. 483
والنسيم معتل، وخد الثرى بمدامع الأنداء مبتل، فأتيت روضا قد تولاه الولي، ووسمه الوسمي (١) وأظلته رايات الصباح، وباكرت الصبا تقبيل نوره من قبل أن ترشف شمس الضحى ريق الغوادي من ثغور الأقاح؛ فأقمت منه
حيث الغدير وقد أجادت نقشه. . . كف النسيم ومرها في جوشن
وغصون أدواح الرياض تهزها. . . نغم القماري بالغناء المحسن
ما بين ثغر للأقاح مفلج. . . وجبين نهر بالنسيم مغضن
ووجوه هاتيك الرياض سوافر. . . غيد تزان في المياه بأعين
والأرض تجلى في رياض أخضر. . . والجو يبرز في قناع أدكن
وما زلنا بين تلك المنازل ترمي جمار الفوايد، ونرد من ذلك أحلى المصادر وأعذب الموارد، إلى أن ارتقت الشمس درجة العلى، واستوت لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلا، فترامينا على تلك الظلال، مستحسنين قول من قال:
وقانا لفحة الرمضاء واد. . . وقاه مضاعف الغيث العميم
يصد الشمس أني قابلتنا. . . فيحجبها ويأذن للنسيم
стр. 484
وأسقانا على ظمأ زلالاً. . . ألذ من المدامة للنديم
تروع حصاه حالية الغواني. . . فتلمس جانب العقد النظيم
فإنا لكذلك إذ برق الجو فسل علينا نصوله المذهبة، وارتفعت للغمام فماطيط مطنبة، وجعل السحاب يسوق المواكب، وأخذ الرباب) (١) رتب الكتايب، فتصبب عرقاً، ونادم الروض فغنى وسقى، فما أغمد سيف ذلك البرق، ولا انقشع ذلك الودق، إلا والمساء قد طفَل، والروض في ثوب الأصيل قد رفل
ورب عشية فيها طفقنا. . . نرود الظل والماء القراحا
وقد ضرب الضريب (٢) بها قباباً. . . على البطحاء أبهجت البطاحا
وكان جنابها المخضر آساً. . . فأصبح وهو مبيض أقاحاً
كأن الخضر (٣) جربها يميناً. . . ومد عليها جبريل جناحاً
فبتنا حيران دولاب يهدل، وأغصان تنثني وتعتدل، وستر الظلام ينسدل، فانجلى الأفق عن روضة غارت منها الرياض، ينساب من مجرتها ما يفعم الحياض، وأنستنا ما طوى النهار عنا من المحاسن،
стр. 485
ووردنا من بقية أنسنا ماءها غير كدر ولا آسن
تحسب النجم في دجى الليل زهراً. . . في رباها وتحسب الزهر نجماً
فمتعنا الطرف في الروضتين، وحصلنا من الأنس على جنا الجنتين، حتى إذا عبث الابتسام بالوجوم، وفاض نهر المجرة على حصباء النجوم، وكاد جرف الليل ينهار، سمعنا من بين جلبة الطير والأزهار:
هات المدام إذا رأيت شبيهها. . . في الأفق يا فرداً بغير شبيه
فالصبح قد ذبح الظلام بنصله. . . فغدت حمائمه تخاصم فيه
قال الراوي فأوجست خيفة في نفسي، واعتضت الخيفة بدل أنسي، وقمت مذعوراً لفرط الدهش، والجو بين الضياء والغبش، «يقلب الله الليل والنهار، إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار، » فتراءت لي وجوه الرياض تثعب دماً، كأنما اكتست الآفاق من حمرته عندما، فتوهمته من بقايا الشفق أسفر عنها ضوء الفلق، فإذا هو ينادي بلسان طليق: أنا أخو الرياض (الشقيق)، كم كسوته جمالاً، وكسبته من ورق ورقي مالاً، من وجهي تعرف نضرة النعيم ومزاج كأسي من تسنيم، فدع قول عياض (١)، ووصفه إياي بين الرياض، وخل من الألوان
стр. 486
المخضر، وأسمع ما قيل الحسن أحمر فالأزاهير عساكر وأنا لها أعلام، فحسبي ما قال علماء الشعر الأعلام:
وكأن محمر الشقيق إذا تصوب أو تصعد
أعلام ياقوت نشر. . . ن على رماح من زبرجد
فصاح به (النمام)، أقصر فلي بحضرتكما إلمام، متى جملت الرياض، ومتى أغنيت الحياض، وأني لوجهك النضرة، وقد أبدى صفحة، ليس لها عرف ولا نفحة، أما ذكرت سواد قلبك، وقضاء ربك، وقد جرح القاضي (١) شهادتك، ورد نداءك وإشادتك:
انظر إلى الزرع وخاماته. . . تحكي وقد ماست أمام الرياح
كثيبة خضراء مهزومة. . . شقائق النعمان فيها جراح
نعم صبغك مستحيل، وأعلامك مؤذنة بالرحيل عن الرسم المحيل، فما النضرة، إلا للخضرة، أو ما علمت أن بها يشبه العذار، إذا استدار، ما أحسن الريحان في الجلنار فإن قلت نمام فما نم إلا بأمره، ولا باح إلا بسره
لم كرة النمام أهل الهوى. . . أساء إخواني وما أحسنوا
стр. 487
إن كان نمام فعكوسه. . . من غير تأديب لهم مأمن
فناداه (البان)، وقد ظهر عليه وبان، أيها المفتخر بفيه، المتحلي بما ليس فيه، تسرق السمع بأدني فرس، فشأنه كله خلس، أما علمت أن النمام في النار أما كفاك هذا العار، بغيض الذات، هادم اللذات، تطير من اسمك الناس وما له في التنقل من ناس،
أقول وطرف الرجس الغض شاخص. . . إلى وللنمام حولي إلمام
أيا رب حتى في الحدائق أعين. . . علينا وحتى في الرياحين نمام
ما الحسن إلا للقضيب الممشوق، والقد المعشوق، المكتسي فاخر الملبس، الزاهي في الديباج الأطلس، إلي تنسب القدود الملاح، وعلى قامتي يعذل العاذل ويلحي اللاح.
تبسم زهر البان عن طيب نشره. . . وأقبل في حسن يجل عن الوصف
هلموا إليه بين قصف ولذة. . . فإن خصور البان تصلح للقصف
فأجابه (البهار) البهار، البادي فضله على فضل النهار:
نفش غصن البان أذنابه. . . وقاس وقت الصبح عجباً وفاح
وقال هل في الروض مثلي فقد. . . تغزى إلى قدي قدود الملاح
فحدق النرجس يهزأ به. . . وقال حقاً قلت ذا أم مزاح
стр. 488
بل أنت بالطول تحامقت يا. . . مقصود عجب بالدعاوي القباح
فقال غصن البان من تيهه. . . ما هذه الأعين إلا وقاح
أما راقك الياقوت الأصفر، وسط الدر الأبيض على الزمرد الأخضر، يشهد بمنافعي البينة، في الفصول والأزمنة، شموا النرجس ولو يوماً في السنة، فأنا غذاء الروح، لمن يغدو عني ويروح، لطيف المزاج، أصلح للعلاج، وأزيل من الدماغ مضرة دخان السراج، وأخف على العشاق، يوم التلاق.
وإذا قضيت لنا بعين مراقب. . . بأرب فلتك من عيون النرجس
فنهض إليه (البنفسج) وثار، وتكلم بألسن كأنها أوائل النهار، وقال لا يظهر لك أمر، ولا يسلم لك فخر، إلا على الورد، فما لأمرك عليه من رد.
خجلت خدود الورد من تفضيله. . . خجلاً توردها عليه شاهد
للرجس الفضل المبين وإن أبي. . . آب وحاد عن الطريقة جاحد
فضل قديم، يعرفه المدام والنديم، وأما أنا فبهجة لازوردية، ونسمة عنبرية، ريحانة الجيوب، المحببة للقلوب
يا مهدياً لي بنفسجاً أرجاً. . . ترتاح صدري له وينشرح
стр. 489
بشري تصحيفه عاجلاً. . . بأن ضيق الأمر ينفسح
فأقبل (الورد) في جنوده، ناشراً لراياته وبنوده، محمر الوجنات، منكراً على البنفسج ما جاء به من الترهات.
ولقد رأيت الورد يلطم خده. . . ويقول وهو على البنفسج يحنق
لا تقربوه وإن تضوع نشره. . . من بينكم فهو العدو الأزرق
كيف يفخر النرجس من بين الرياحين، على نخبة الملوك والسلاطين.
إن كنت تنكير ما ذكرنا بعدما. . . وضحت عليك دلائل وشواهد
فانظر إلى المصفر لوناً منهما. . . وأفهم فما يصفر إلا الحاسد
ألم تسمع ما قيل، مما سيلقي عليك القول الثقيل.
من فضل النرجس فهو الذي. . . يرضى بحكم الورد إذ يرأس
أما ترى الورد غداً قاعداً. . . وقام في خدمته النرجس
أنا مشرف الربيع، وظهر ما له من البديع، أنعش الأرواح، فأنا عروس الأفراح، نوافح ذكية وروايح شذية، أبديت ألواناً لأهل الأدب، يقضون لها بالعجب، فمني الأبيض والأسود الحالك، ومني وراء ذلك، أصفر فاقع، وما نصفه قاني ونصفه ناصع،
стр. 490
وبالهند مني شجر تخرج ورداً عليه مكتوب: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فأنا للرياحين ملك ملوكها، ووسط عقودها وسلوكها.
فمن ذا يضاهيني بوصف فضيلة. . . وفضلي على كل الرياحين ظاهر
زماني على الأزمان بي متشرف. . . وفخري لمن يبغي التفاخر قاهر
فرام (المنثور)، أن يراجعه بالمنظوم والمنثور، ويذكر له من ذلك ما هو مأثور، فأسكته، ورد عليه وبكته، وتحامل عليه، ولم يصغ إليه، فأما الأبيض فاستسلم، وأبي الدعاء على من ظلم، وكل من الأصفر والأزرق باح بالشكوى، إلى عالم السر والنجوى، فلم يزل يسيل مدامعه، ويمد إلى الله أصابعه، وعنده تجتمع الخصوم، وإليه تعالى ينتهي الظالم والمظلوم.
حاذر أصابع من ظلمت فإنه. . . يدعو بقلب في الدجا مكسور
فالورد ما ألقاه في جمر الغضا. . . إلا الدعا بأصابع المنثور
قال الراوي، فبينما هما في مطارحة وجواب، ومفاخرة وإعجاب، إذ أقبلت مطوقة الرياض، ولها من الجو انصباب وانقضاض.
ورقاء قد أخذت فنون الشوق عن. . . يعقوب والألحان عن إسحاق
وأنا الذي أملى الهوى من خاطري. . . وهي التي تملي من الأوراق
стр. 491
فباحت بشجنها، وتكلمت على فننها، وقالت كل يحاول جهده، ويقول بما عنده، إلي لا لكم الفخار، وأنتم لنا أعشاش وأوكار، وفروعكم لخطبائنا منابر، ولقيانا ستائر، أليس رؤوسكم لأقدامنا خاضعة، ولنا كلما نزلنا ساجدة وراكعة، وإنا على ما زعمتم بنا من الجوى وتباريحه، آخذون في ذكر الله وتسبيحه، شغلنا ذلك بالأسحار، والعشي والإبكار،
قال الراوي: فبينما أعجب مما سمعت، وأهم بتقييد ما رويت، إذ نشأت غمامة تصافح أهدابها الأرض، وتسد الآفاق على الطول والعرض، يحدوها الرعد، ويستنجز منها الوعد.
وكأن صوت الرعد خلف سحابة. . . حاد إذا ونت الركائب صاحا
أخفى مسالكها الظلام فأوقدت. . . من برقها كي تهتدي مصباحاً
جادت على التلعات فاكتست الربى. . . حل أقام لها الربيع وشاحاً
فنثرت الأرض جواهر تغار منها البحور، وتزدان بها من أجياد الأزهار اللبات والنحور، فاختفت بعد ما تجلت، وألقت على البطاح ما فيها وتخلت، ثم قالت يا ذوات الأطواق، الباحات بالأشواق، المفتخرات على الأدواح، بالغدو والرواح، بكاو كذب، ونوحكن لعب،
стр. 492
لو كان حقاً ما ادعيت من الجوى. . . يوماً لما طرق الجفون كراك
أو كان روعك الفراق إذا لما. . . ضنت بماء جفونها عيناك
ما الفضل إلا لمن أحيا الأرض بعد أن كاد زرعها يهيج، فاهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، فقلائدها مدبجة، ورؤوس أشجارها متوجة، فلولاي لم يكن لك مرعي ولا مسرح في الأرض ولا مسعى. قال الراوي: فبينما هي طلق اللسان، وتعد مالها من الحسن والإحسان، إذ طلعت الغزالة، وهي في مشيها مختالة.
مرآة تبر لم تشح بصياغة. . . كلا ولا جليت بكف الصيقل
حتى إذا بلغت إلى حيث انتهت. . . وقفت كوقفة سائل عن منزل
وهي قايلة أعماله كسراب، وعارض منجاب، إذا طلعت عليه الشمس ذاب، ألم تسمعوا بأني يوح) (١)، أغدو في مصالح العالم وأروح، فلولاي ما جرت الأنهار، ولا تفتقت الأزهار، قال الراوي: فلما رأيت إفراط اللجاج، والتعدي على الحجاج، قلت الحق أبلج، والبطل لجلج، هلا أعطيتم القوس باريها، وأسكنهم
стр. 493
الدار بانيها، فمن كلام من يعقل. إذا فاض نهر الله بطل نهر معقل (١)، ألم تعلموا أن جامع هذه الفضائل وإمامها ومالكها الذي أحكم انتظامها، عالم المسلين محيي سنة الفضل في العالمين المساجد الفاضل، السحاب الهاطل، السَّنِي، السُّنّي، فخر المغرب الأكبر، محمد بن أبي بكر صاحب الدلاء الكريم الجواد، الكثير الرماد، كافي الله إنعامه، وجازاه عن مقام الدين الذي أراد جداره أن ينقض فأقامه، فهو الممدوح بكل لسان، والماجد الذي لم يختلف في فضله اثنان، والسخي الذي إذا ملأ الراحة خف عليه التعب، وإذا ذكر القدر الذي ارتفع هان عليه الفكر الذي انتصب، كم ساجلت جوده الغمائم، فأمست على افتضاحها ثنايا البروق وهي بواسم، متى طرقت حماه والليل قد سجى، تجد حطباً جزلاً وناراً تأججاً.
تلوح في غرة الأيام بهجته. . . كأنها ملة الإسلام في الملل
فاعترفت الأزهار بأن شذاها من نسماته، وأقرت الشمس بأنها من قسماته، وسلم الغمام بأنه من صلاته، وقال الحمام لا أتغنى إلا بمدائحه، ولا أرد إلا موارد منائحه، قال الراوي: فلما وقع التسليم لمعجزاته المحمدية، ومناقب أبيه البكرية، قضيت المناسك، وودعت المسالك، وطفت تلك البقاع طواف الوداع فلما أردت
стр. 494
الخروج، والرجوع على خضرة تلك المروج، نادتني الأزهار من كمائمها، والثمار من أغصانها، سمعاً لهذا الماجد الذي صار إجماعاً، وأحببته أنت عياناً ونحن سماعاً، ونحن قيم عليك بمواهبه التي كاثرت النجوم عدا، وطالت البحر مدا، إلا ما خدمت بهذه الفكاهة جنابه الفسيح، وأغنيت بها المساكين الذين يعملون له في كل بحر (١) من أشعار المديح، فقلت أجبت هذا القسم الكريم، وإنه لقسم لو تعلمون عظيم، فيا له من حج مبرور، وعمل متقبل مشكور، فراند الفوائد في سلكه منظومة، وصحائف لذاته بالمسك مختومة.
стр. 495
مقامة الحجام
لابن الطيب العلمي
أخبرنا بعض الظرفاء، من ذوي المروءة والوفاء، من أعتمد على نقله وروايته، وأحكم بصحة عقله ودرايته، قال جلست يوماً ما مع جماعة من الأحباب، على شيء من الشراب، نتذاكر ما مر في أيام الشباب، وبيننا شاب حسن الصورة، عليه الملاحة مقصورة، واللطائف في شمائله محصورة، إلا أن شعر شاربه قد طال، واسترسل غاية الاسترسال، فسألناه عن سبب طوله، وعدم قص طويله، فقال أنا أخبركم بخبر يعجب لذكره الحاضرون، ويطرب لسماعه المنصتون والناظرون، كنت من شأني أتزخرف في المكاسب، وأتخير منها ما يناسب، فصليت يوماً صلاة الاستخارة فوجدت نفسي مائلة إلى التجارة، فقصدت مدينة سنجار، وفتحت بها حانوتاً بسوق التجار، ووضعت فيه من محاسن القماش، ما أستعين به على المعاش، وزينت الدكان، بحسب الإمكان، وكسوتها بالأستار على أربعة أركان، وعاملت أهل الأسواق، مكارم الأخلاق، واستعنت بالقربة، عن ليالي الغربة، فاتفق لي في بعض الأيام، ضرورة إلى دخول