← Указатели

Указатели · id 148529

النبوغ المغربي في الأدب العربي

عبد الله كنون

Полный текст (910 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

فباحت بشجنها، وتكلمت على فننها، وقالت كل يحاول جهده، ويقول بما عنده، إلي لا لكم الفخار، وأنتم لنا أعشاش وأوكار، وفروعكم لخطبائنا منابر، ولقيانا ستائر، أليس رؤوسكم لأقدامنا خاضعة، ولنا كلما نزلنا ساجدة وراكعة، وإنا على ما زعمتم بنا من الجوى وتباريحه، آخذون في ذكر الله وتسبيحه، شغلنا ذلك بالأسحار، والعشي والإبكار، قال الراوي: فبينما أعجب مما سمعت، وأهم بتقييد ما رويت، إذ نشأت غمامة تصافح أهدابها الأرض، وتسد الآفاق على الطول والعرض، يحدوها الرعد، ويستنجز منها الوعد. وكأن صوت الرعد خلف سحابة. . . حاد إذا ونت الركائب صاحا أخفى مسالكها الظلام فأوقدت. . . من برقها كي تهتدي مصباحاً جادت على التلعات فاكتست الربى. . . حل أقام لها الربيع وشاحاً فنثرت الأرض جواهر تغار منها البحور، وتزدان بها من أجياد الأزهار اللبات والنحور، فاختفت بعد ما تجلت، وألقت على البطاح ما فيها وتخلت، ثم قالت يا ذوات الأطواق، الباحات بالأشواق، المفتخرات على الأدواح، بالغدو والرواح، بكاو كذب، ونوحكن لعب،

стр. 492

لو كان حقاً ما ادعيت من الجوى. . . يوماً لما طرق الجفون كراك أو كان روعك الفراق إذا لما. . . ضنت بماء جفونها عيناك ما الفضل إلا لمن أحيا الأرض بعد أن كاد زرعها يهيج، فاهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، فقلائدها مدبجة، ورؤوس أشجارها متوجة، فلولاي لم يكن لك مرعي ولا مسرح في الأرض ولا مسعى. قال الراوي: فبينما هي طلق اللسان، وتعد مالها من الحسن والإحسان، إذ طلعت الغزالة، وهي في مشيها مختالة. مرآة تبر لم تشح بصياغة. . . كلا ولا جليت بكف الصيقل حتى إذا بلغت إلى حيث انتهت. . . وقفت كوقفة سائل عن منزل وهي قايلة أعماله كسراب، وعارض منجاب، إذا طلعت عليه الشمس ذاب، ألم تسمعوا بأني يوح) (١)، أغدو في مصالح العالم وأروح، فلولاي ما جرت الأنهار، ولا تفتقت الأزهار، قال الراوي: فلما رأيت إفراط اللجاج، والتعدي على الحجاج، قلت الحق أبلج، والبطل لجلج، هلا أعطيتم القوس باريها، وأسكنهم

стр. 493

الدار بانيها، فمن كلام من يعقل. إذا فاض نهر الله بطل نهر معقل (١)، ألم تعلموا أن جامع هذه الفضائل وإمامها ومالكها الذي أحكم انتظامها، عالم المسلين محيي سنة الفضل في العالمين المساجد الفاضل، السحاب الهاطل، السَّنِي، السُّنّي، فخر المغرب الأكبر، محمد بن أبي بكر صاحب الدلاء الكريم الجواد، الكثير الرماد، كافي الله إنعامه، وجازاه عن مقام الدين الذي أراد جداره أن ينقض فأقامه، فهو الممدوح بكل لسان، والماجد الذي لم يختلف في فضله اثنان، والسخي الذي إذا ملأ الراحة خف عليه التعب، وإذا ذكر القدر الذي ارتفع هان عليه الفكر الذي انتصب، كم ساجلت جوده الغمائم، فأمست على افتضاحها ثنايا البروق وهي بواسم، متى طرقت حماه والليل قد سجى، تجد حطباً جزلاً وناراً تأججاً. تلوح في غرة الأيام بهجته. . . كأنها ملة الإسلام في الملل فاعترفت الأزهار بأن شذاها من نسماته، وأقرت الشمس بأنها من قسماته، وسلم الغمام بأنه من صلاته، وقال الحمام لا أتغنى إلا بمدائحه، ولا أرد إلا موارد منائحه، قال الراوي: فلما وقع التسليم لمعجزاته المحمدية، ومناقب أبيه البكرية، قضيت المناسك، وودعت المسالك، وطفت تلك البقاع طواف الوداع فلما أردت

стр. 494

الخروج، والرجوع على خضرة تلك المروج، نادتني الأزهار من كمائمها، والثمار من أغصانها، سمعاً لهذا الماجد الذي صار إجماعاً، وأحببته أنت عياناً ونحن سماعاً، ونحن قيم عليك بمواهبه التي كاثرت النجوم عدا، وطالت البحر مدا، إلا ما خدمت بهذه الفكاهة جنابه الفسيح، وأغنيت بها المساكين الذين يعملون له في كل بحر (١) من أشعار المديح، فقلت أجبت هذا القسم الكريم، وإنه لقسم لو تعلمون عظيم، فيا له من حج مبرور، وعمل متقبل مشكور، فراند الفوائد في سلكه منظومة، وصحائف لذاته بالمسك مختومة.

стр. 495

مقامة الحجام لابن الطيب العلمي أخبرنا بعض الظرفاء، من ذوي المروءة والوفاء، من أعتمد على نقله وروايته، وأحكم بصحة عقله ودرايته، قال جلست يوماً ما مع جماعة من الأحباب، على شيء من الشراب، نتذاكر ما مر في أيام الشباب، وبيننا شاب حسن الصورة، عليه الملاحة مقصورة، واللطائف في شمائله محصورة، إلا أن شعر شاربه قد طال، واسترسل غاية الاسترسال، فسألناه عن سبب طوله، وعدم قص طويله، فقال أنا أخبركم بخبر يعجب لذكره الحاضرون، ويطرب لسماعه المنصتون والناظرون، كنت من شأني أتزخرف في المكاسب، وأتخير منها ما يناسب، فصليت يوماً صلاة الاستخارة فوجدت نفسي مائلة إلى التجارة، فقصدت مدينة سنجار، وفتحت بها حانوتاً بسوق التجار، ووضعت فيه من محاسن القماش، ما أستعين به على المعاش، وزينت الدكان، بحسب الإمكان، وكسوتها بالأستار على أربعة أركان، وعاملت أهل الأسواق، مكارم الأخلاق، واستعنت بالقربة، عن ليالي الغربة، فاتفق لي في بعض الأيام، ضرورة إلى دخول

стр. 496

الحمام، فوجدت في طريقي جماعة من النسوان، بينهن فتاة كأنها قضيب البان، فلمحت من تحت الإزار معصمها، وقد سطع صفاوه، وأبصرت من تحت النقاب جسمها، وقد لمع ضياؤه فوقفت وقد جرى من الجفون دمي، وعجزت عن نقل قدمي، ثم تبعتها من بعيد، ولاحظتها إلى أين تريد، فدخلت داراً يدل إتقان بابها، على سعادة أربابها، فنظرت فإذا بالقرب من ذلك المكان، خياط يخيط في دكان، وعنده من الصناع والأعوان، ذوو أذقان ومردان، وصنوان وغير صنوان، فقلت في نفسي من هذا الخياط أستفهم، عما علي أبهم، فرجعت إلى دكاني، ثانياً عناني، وأحضرت عدة من التفاصيل وجئت بها حانوت الخياط بقصد التفصيل، فجالسته، وحاورته وآنسته، وفصلت ذلك القماش، وعجلت له من الأجرة ما يحصل به الانتعاش، ففرح بحضوري، واعتنى بأموري، ووجدت عنده معرفة بالأدب، وشكا لي من ضيق الحال والسغب، وأنشدني لنفسه من شعره المستعذب: أنا الخياط لي رزق ولكن. . . أرى حالي من الإفلاس عبره ذراعي فيه من فقري مقص. . . ورزقي خارج من عين إبره فاستحسنت نظمه، وحملت همه، وصار يتلقى كلامي بالقبول، ويقف ممتثلاً ما أقول، فسألته عن صناع دكانه، ودار جيرانه، فما زال يشير إلى كل دار ويشرح حالها، ويعرفني تفصيلها وإجمالها،

стр. 497

حتى أفضى الحديث إلى الدار التي أختارها، وقصدي أن تتضح لي أخبارها، فقال هي دار خطيب البلد، وهو رجل كثير المال قليل الولد، مشهور بالتوقرة الزائدة، ولا له من الأولاد إلا ابنة واحدة، وهي روحه التي بين جنبيه، والسواد الذي فيه نور عينيه، وقد منعها الأزواج، وخطبها جماعة من البلد، فلم يسمح لها بالزواج، فقلت والله لقد شوقتني إليها، وحدثتني نفسي بخطبتها والعمل عليها، فهل تعرف امرأة تعرفني باسمها، وتوصل خطبتي إلى أمها، فدلني على عجوز مشهورة في عقد النكاح، تعرف بياقوتة الملاح، فلما لقيتها أوضحت لها الحال، ووعدتها أن تمت المسألة بتحف ومال، فسمعت كلامي، وضمنت لي بلوغ مرامي، وأنشدت: أنا ياقوتة الملاح وربي. . . في أموري هو الكفيل بقوت إن سلكت القفار جئت بوحش. . . أو سلكت البحار جئت بحوت ويقود الصعاب لطف احتيالي. . . بخيوط تكون من عنكبوت ألقني في لظى فإن غيرتني. . . فتيقن أن لست بالياقوت ثم فارقتني وذهبت، واشتعلت نار وجدي والتهبت، ومضى علي شهر لا أدري أمرها، ولا أعرف مستقرها، فذرفت العيون، وسهرت الجفون، وساءت الظنون، وقلت: غاب الرسول فلم يعد بجوابه. . . ففهمت معنى الحال في تأخيره

стр. 498

فكأنه لم يلق أمراً طائلاً. . . فأراد بالتأخير ستر أموره ما ضره لو جاءني بجوابه. . . فعلمت ما قد كان عند حضوره إن كان خيراً نلت منه بشارة. . . أو غيره فكرت في تدبيره قال: وبعد ذلك حضرت، وقد انفطرت كبدي بما انتظرت، فلاح من وجهها عدم القبول وخيبة المأمول، وقالت: والله لقد تحيلت وتوسلت، فما ظفرت ولا توصلت، لم يوافق أبوها على زواجها، ولا سمحت نفسه بإخراجها، ولكن والدتها رثت لحالك ووافقت على ذلك، فقلت لها لقد يئست من حياتي، ودنت وفاتي، فساعديني قبل فراق الدنيا بنظرة واحدة، ولك ولأمها، التكرمة الزائدة، فليس لي غرض غير قليلة في جسمها، وأخرى في معصمها: وبعد ذلك طاب الموت فاغتنمي. . . اجري ولا تهملي أمري أمت كمدا وساعديني على حال بليت بها. . . وعجلي فلعلي لا أعيش غدا ثم تصعدت زفراتي، وتجددت حسراتي، وتزايد شهيقي، وغصصت بدمعي لا بريقي، فقالت: أترضى بذلك النزر القليل، قلت: نعم والله على ما نقول وكيل، فاستصحبت من الذهب ما أرضاها، وركبت سفينة النصح، وقالت بسم الله مجراها ومرساها، وذهبت وقد دهت عيناها، فغابت عني قليلاً، ثم عادت فرأيت

стр. 499

وجهها جميلاً، وقالت: لقد رثت لك الوالدة، وسمحت لك بنظرة واحدة، بعد إن قلت لها لا بأس بنظرة العين، ورغبتها في أجر من يجمع بين المحبين، فإياك أن تنقض عهداً، أو تتعدى حداً، وتقرر الميعاد يوم الجمعة وقت الصلاة، ووالدها على المنبر في مصلاه، فصمت، وتصدقت، وانتظرت ذلك الوقت، إلى أن دنا الميعاد، ودخل الوقت أو كاد، فخرجت من داري، وقد صفت أكداري، وحسنت هيئتي، وسرحت لحيتي، واستعملت ما يناسب من الطيب، وقصدت دار الخطيب، فاجتزت بحجام عنده مرآة، ومقصات مستحسنات، فناولني المرآة حتى رأيت وجهي فيها، فوجدت شعر شاربي قد طال، وتعين أن يخفف ويزال، فأمرته بقصه، وأن يأخذ منه بمقصه، فامتثل أمري، وقص ما طال من شعري، فسألته عن اسمه وأصله، لعلي استدل بذلك على فعله، فقال: اسمي قتور، وأصلي من خيبر، فقلت: اسم عتيث، وأصل خبيث، فقصدت إعطاءه درهماً عن إجرته، فسبقتني يدي إلى كيس الذهب، لما طبع عليه الإنسان من عجلته، ولما نظر إليه وإلى ما فيه من الذهب، طار عقله وذهب فناولته منه ديناراً، لأكفى منه عاراً، فانكب على قدمي، وبالغ في الثناء على كرمي، وقال مثلك من خدمة الإنسان، وهل جزاء الإحسان، إلا الإحسان، والله لقد

стр. 500

أغنيتي من كرمك، ولا أعود أموت إلا تحت قدمك، فأثنيت عليه بالخير، وأسرعت عنه في السير، فأسرع حتى لقيني ولازمني ولاصقني، وما تأخر عني ولا سبقني، فقلت له انقطع عني، ولا تتبعني، وما الذي تريد مني، فقال: معاذ الله أن أفارق من أحسن إلي، وتفضل بهذا الدينار علي، والله ما أنا من أولاد الزنى، ولا من أبناء الحنا، هذا والعجوز مراقبة وصولي ومنتظرة لدخولي، فاعترضني جمع من المساكين، وقالوا تصدق علينا أن الله يجزي المتصدقين، فناوله ديناراً آخر وقلت صرفه وفرقه عليهم، وتولى إيصال ذلك بيدك إليهم، فرماه إلى الفقراء في الهواء، وقال اقتسموا هذا بينكم على السواء، ثم هرولت فأدركني، ودخلت من الباب، فأراد أن يمسكني وقال: إلى أين يا سيداه، وقد دخل وقت الصلاة، فلم أرد عليه الجواب، بل أدخلت وأغلقت دونه الباب، فما لبث أن طرق الباب. وقال يا سيدي فاتك الصواب، قد أقيمت الجمعة، والأقوام إلى الصلاة مجتمعة، فقالت لي المرأة: دع غلامك يذهب، فقد تعدى وغلب، فقلت والله ما هو لي بغلام، ولا لي معه كلام، فأخرجي إليه، والعني والديه، فخرجت إليه، وأنكرت عليه، فرمى عمامته وبكى، وقال إلى الله المشتكى سيدي في هذه الدار أدخلوه، وطمعوا في ماله فقتلوه، وزاد في الاستغاثة واجتمع عليه الناس حلقتان

стр. 501

أو ثلاثة، ولم يزل يصرخ ويستغيث، ويقول ألا نجد ألا مغيث، والعجوز راجفة، والبنت واجفة، والأم خائفة، والطوائف واقفة، «أزفت الآزفة، ليس لها من دون الله كاشفة» وما زال يصيح يا سيداه، يا مولاه، خرج الناس من الصلاة، فاتك الثواب، عدمت الصواب، حصلت وراء الحجاب، ضرب بيني وبينك بسور له باب، فخرج الناس من الجمعة، وعلى الباب طوائف مجتمعة، واتصل بالخطيب الخبر، فبادر إلى داره وحضر، فرأى الناس مجتمعين، والى الحجام مستمعين، فلما وقع نظره عليه، أدناه إليه، وقال له ما الحديث، وإلى كم تصرخ وتستغيث، فقال إن سيدي قد دخل إلى هذه الدار، ومعه كيس فيه ألف دينار، ثم لما أدخلوه، طمعوا فيه فقتلوه، وهو في هذه الدار، فأدخل وعرفني الأخبار. قال الراوي: هذا ونحن نسمع الكلام، ونتوقع الحمام، فوجدت في الدار بئراً، فرميت نفسي فيها، وأمرت النساء يسترونها بما يخفيها، فدخل الخطيب إلى نسائه، وعرف من قول الحجام، وفوق إليهن ساهم الملام، فحلف له بما أرضاه، وقلن حاش لله، فخرج إليه بغيظ شديد وقلب دونه الحديد، وقال يا غلام، دع عنك هذا الكلام، فما عندي من يتهم بكلامك، ولا من ترميه سهامك، فصرح بأعلى صوته وقال: قتلوه وليتني مت قبل موته،

стр. 502

ولو كان حياً ما فاتته صلاة الجمعة، ولكان حاضراً وأنا فيها معه، وأحزناه واأسفاه واسيداه وأمولاه، غروك فأدخلوك، وطمعوا في مالك فقتلوك، ائذن لي بالدخول، فأنا أعرف ما أقول، فأمره الخطيب بالدخول إلى داره، ومعه من الحاضرين من بعثه فضوله على كشف أخباره، فدخل الدار في جمع كبير. فأوقعته المقادير على فم البير، فقال سيدي في هذا المكان، ولا بد من النزول فيه ولو كان ما كان، ثم نظر في نواحي البيت واستدعى بإناء فيه زيت، وحل عمامته وبل طرفها، وأوقدها لمكيدة عرفها، وأدلاها في ذلك البير، وأدارها فأنارت أي تنوير، فرآني جالساً بمكاني وقد حل بي من الويل ما كفاني، فاستغاث كذب المماطل، وجاء الحق وزهق الباطل، سيدي في هذا البير والإنسان جار تحت المقادير، فأخرجت من ذلك المكان، على أقبح حال وأسوأ شأن، فقال لي الخطيب أن أردت الخلاص فاصدق، فقلت ما دخلت إلا لأسرق، فحملت على تلك الحال إلى الوالي فسجنني وأخذ أموالي، فبقيت في الحبس سنة، في عيشة خشنة، ما رأيت فيها لذة بينة، وعلمت أن من أحسن لكل رديء الأصل، شقي كما شقيت، ولقي ما لقيت، وكان مما نظمته في حبسي مخاطباً لنفسي: تجنب ردي الأصل واحد هو اجتهد. . . على طرده فالخير في شرف النفس

стр. 503

وإياك أن تغتر منه بملمس. . . يلين وجنبه اجتنابك للرجس فإن الأفاعي قاتل سمها لمن. . . تداني إليها وهي كينة المس ويكفيك في صدق الوصية ما جرى. . . علي وما لقيت من ذلك النحس تقصدته بالخير كافي بضده. . . وأوليته المعروف جازاه بالعكس وكم ليلة قضيتها في عساكر. . . من البق والناموس في ذلك الحبس أقاسي الأسى من ذلك المدبر الذي. . . رأى قصده نقلي إلى ظلمة الرمس وضيع أموالي وعرضي ومقصدي. . . ولكن حمدت الله إذ سلمت نفسي وكانت العادة جارية بعرض المحابيس على السلطان، في كل شهر رمضان، فأحضرت بعد سنة بين يديه، وسألني عن الأمر الذي حبست عليه، فقلت: لي قضية أذكرها بين يديك، وإذا أنهيتها فالأمر إلى الله ثم إليك. فأذناني، واستفهمني عن شأني، فذكرت له الحكاية على الوجه الصحيح، وأوضحت له الحال فلم يحتج إلى تصحيح، فعجب من حالي، وأمر برد مالي، وتبليغ آمالي، وأمر الخطيب أن يزوجني من بنته المذكورة، وقام بالصداق من عنده على أحسن صورة، وأحضر ذلك المدبر وسلمه إلي، وحكمني فيه عند وقوفه بين يدي، فذهبت به إلى داري، وصفت بتلك المحبوبة أكداري، فصلبته على الباب مرجوماً، وأبقيته سبع ليال وثمانية أيام حسوماً، وسمعت هاتفاً يقول: قضت نحبها نفس هذا اللعين. . . وفي صلبه نعمة مطلقة

стр. 504

فلا رحم الله تلك العظام. . . ولا برحت بلظى محرقة وما مر به أحد إلا لعنه، واستظرفه على الخشب واستحسنه، وانشدت: نلت جبري بكسر قلبي وصبري ورقيبي رأيته مشنوقاً رام نفعا فضر من غير قصد (ومن البر ما يكون عقوقاً) وأقسمت لا قصصت شعر شاربي، ولو استرسل إلى ترائبي، فهذا سبب طولها، وقد رضيت بتطويلها، ثم أنشد: أرى الإحسان عند الحر ديناً. . . وعند النذل منقصة وشينا كما النيسان في الأصداف در. . . وفي بطن الأفاعي صار سماً (١)

стр. 505

المقامة الحسابية (١) لبعض أدباء فاس ) أخبر الراغب بن عبد الوارث) قال خرجت إلى وادي فاس، في إبان ربيع عطر الأنفاس، يوم خميس مع أنيس، ينسى الغريض بتحبيره للقريض، فانخنا بمنزل، عن الجموع بمعزل، وإذا شيخ طالع، مع غلام بارع، فجلسا بمرأى منا ومسمع، وصرفا وجههما عن المجمع، وتنازعا الحديث ساعة زمانية، بلغ الشيخ فيها أمانيه، ثم أخرج الغلام لوحاً من ردنه، مصنوعة لعلم الحساب وما كان من فنه، وجعل يرسم في ذلك اللوح، بإشارة من الشيخ ممتزجة بروح، فقال لي صاحبي المؤنس، إن أمر هذا الشيخ لملبس، ولا بد من نقض غزله، وإبراز جده من هزله، فأنشد بصوت يسمع الصم، وتخر له الجبال الشم، ما قال ابن جزي في مثله، وقد أبدع في قوله: يا ناصبا علم الحساب حبالة. . . لقناص ظبي ساحر الألباب

стр. 506

إن كنت ترزق بالحساب وصاله. . . فالله يرزقنا بغير حساب فدار الشيخ وأنشد، ورد بصوت أشد: ما رصدته بل صادني بقسيه. . . وبمد شبكة صدغه الكتاب ووقعت في فخ له، ذا غرة. . . إذا لم يكن صيد الظباء حسابي ثم أخذته العزة فتاه، وأدار وجه إلى فتاه، فانطلق الأنيس، ينشد الفتي ليميس: يا (ميتي) ومناءي. . . (ارفع حجاب) التجني (١) (جمعت) من كل صنف. . . من الجمال وفن ولم يكن في (حسابي). . . أن تصرف الوجه عني ثنيت قلبي لما. . . (كسرته) بتثن فلم يبرح لقوله، ولم يتزحزح عن محله، فأعاد وشاد، وأحسن الإنشاد: يا (منية) لي لم يكن. . . لي في (حساب) أن سيسنح

стр. 507

(ارفع حجاب) الهجر عن. . . صب إلى اللقيا ترنج فاضت (جداول) دمعه ... (وضربت) عنه (بالمجنح) إن كنت (جامع) زخرف. . . من وشى بالله (فاطرح ( فما كان بأسرع من أن قاده إبليس، وأتى به كما أتي بعرش بلقيس، والشيخ يتبع التلميذ، كالذي أخذته النبيذ، وقد عبس، وما نبس، ولا فاه (١)، مما وافاه، سوى أن قال «ساحران تظاهرا» منيت منهما بما لم يكن في خلدي جرى، فحين أبرز برد أسنانه، وأصلت الكلام عضب لسانه، عرفنا أنه أبو سلامه، فاحسنا تحيته وسلامه، وقلنا لندفع لجاجه، بك والله الحاجه، يا ثمر غرسنا وعطر عرسنا، قال أبعد ما بي سخرتما، ولفتاي سحرتما؟ فما زلنا نعالج قلقه، حتى فتحنا مغلقه، وقال مباسطاً للأنيس، استفززنا بصوتك المغناطيس، فأنشده قول من قال، وأحسن في المقال: وقالت فتاة المنحنى ذات ليلة. . . وقد سمحت من بعد صد وإعراض إذا ما مضى مما تبقى من الدجى. . . ثلاثة أسباع وتسع من الماضي أتيتك لا يدري بذاك رقيبنا. . . أجر ردآ مرط على الأرض فضفاض

стр. 508

فكان ذهاب الليل عند مجيئها. . . فكم كان باقيه وماضيه يا قاض فطرب طرباً شديداً، وانبسط انبساطاً جديداً، وقال أتعرف مغزاه، وإلى كم ليله جزاه، فقال ليس لي به يدان، ولست من فرسان هذا الميدان فطوقنا بفهمه، ورنقنا بعلمه، قال بشرط أن تكون من الألباء، وأن لا تعود إلى التفريق بين الأحباء، فقال وهو مضمر الخلاف نعم، «وما يسرني بها حمر النعم» فقال أنه تجزأ دجاه وانتشر، إلى خمسمائة وستة عشر، أربعمائة واثنان وثلاثون لماضيه، وأربعة وثمانون لباقيه، تسع الماضي ثمانية وأربعون، وثلاثة أسباع الباقي، ستة وثلاثون، ومجموع هذين هما الباقي، فإن يمضيا بلغت روح الدجي الراقي، فقال قد فهمنا، وبما كثرت همنا وإنا لنظما، لوروده نظماً، فقال اسمع أوتيت فهما، «وقل رب زدني علماً»: لقد قسمت لـ (سيرها) شبة شعرها. . . وباقيه سدس غير قسمته ماض ثلاثة أسباع لقائل (ابلج). . . و (ماجد) ابدى تسع ماض لمرتاض (١) وذان هما الباقي فإن يمضيا قضى م الدجى وتجلى الصبح بادي إيماض لذا طلعت وابن الغزالة طالع. . . غزالتك الشماء أنت بها راض

стр. 509

وهلك ما هو أخصر، وهو للظمئان أقصر: دجاها (يسرها) و (تبكي) لفائت وباقيه (عيد) فاقض ما ذو الحجا قاض (١) ولك أن تقول، وهو أقرب للعقول، أنه جزأه إلى ثلاثة وأربعين، وجعل الماضي ستة وثلاثين، وإن شئت المنظوم، فخذه غير مكظوم: دجاها (جلي) ما مضى منه (أبلج). . . وباقيه (باد) فاقض ما ذو الحجا قاض (٢) ثم أدار حديثاً اشهى للنفوس، من إدارة السقاة للكؤوس، وقال هل بقي في السفط، شيء من ذلك النمط، فانشده قول القائل، المشهور بين الأوائل: غزال قد غزا قلبي. . . بالحاظ وأحداق له الثلثان من قلبي. . . وثلثا ثلثه الباقي وثلثا ثلث ما يبقى. . . وباقي ثلث للساقي وتبقى أسهم ست. . . لتقسم بين عتاق

стр. 510

فقال وقد ابتسم، إلى كم قلبه اقتسم، فقال مالي به دراية، ولم اسمع فيه رواية، وإن كشفت الغطاء عن المبهم، فلك أجر من علم وفهم، «قال لقد أوتيت سؤالك، ولكن الشرط أملك، فإنه قسمه إلى واحد وثلاثين، كما هو مقرر في دواوين، وأن أحببت شقيقه، على الحقيقة، فاسمع مني، واحفظ عني: قضيت ثلثي ليل هجرك باكياً. . . حتى غدا (المجهول) ناراً في جبل وقضيت ثلثي ثلثه في جرعتي. . . حرق الهوى نهلاً وتارات علل وأبدت ثلثي ما تبقى منه في. . . علي، أو أنه كان تنفعني لعل وقصرت ثلثي ذلك الباقي على. . . نظري لشبهك في السماء وقد كمل والثلث وهو الواحد الباقي بدا. . . فيه شقيقك قلت سبحان الأجل وإن اتقنت باب الجبر والمقابلة، يلح لك وجه الحق في مقابلة، ولما آذنت الشمس بالغروب، مال أبو سلامة للهروب، فودعناه وداع كاره لغيبته، وانصرف تلميذه معه وهو تمام بغيته.

стр. 511

المقامة النطوانية له (اخبر الراغب بن عبد الوارث) قال: انتظمت في تطوان برفقاء، انتظام الأخوة الأشقاء «صنوان وغير صنوان» ونزلت معهم إلى البحر أيام عيد النحر، ونحن في زي بني مروان، فوجدنا على طرفه، منطيقاً ملك بطرفه، ولدانا لم يملكهم ذو إيوان، ذوي قدود أسنة، وخدود أجنة وثغور تفتر عن أقحوان، فاصخت له أذني استمع كلامه، حتى تحقق عندي أنه أبو سلامة، الذي لم يشتمل على مثله ديوان، ولما انتشر الطعام لدينا وصفه طاهيه بين يدينا، بعثنا إليه بخوان، وانتخبنا له ألطف رسول، وقلنا له قل هل لك سول، في منادمة هؤلاء الإخوان، فبلغه هديتنا، وادى إليه وصيتنا، فقال لست رفقائي بخوان، ولا أترك الريحان، لأم غيلان واختار التناغم على الغزلان، وابدل السلم بالحرب العوان، فرجع الرسول خائباً، بشاب معه آئبا، وقد علا على وجهه هوان، فلما اخبرنا بخبره المستطرف أي استطراف، قلنا للشاب وكان من النخب الظراف، آن أتيتنا به فلك كذا وكذا حلوان، فذهب وأسرع، حتى أتاه يهرع، وتخنث عليه

стр. 512

تخنث الغوان، فما لبث أن وقع في فخه، وسقط على مخه، سقوط النشوان، ولما جاء بالمصيد، قال ها بيت القصيد، لبى دعوتي دون لعل ولوان) (١)، فشكرنا له الصنع، وحبوناه دون منع، ما استوجب من الحلوان، ثم وثب ودرج، وبقي في حرج، فانشد غير متوان: صادني ظبي بدل وغنج. . . وبطرف ذي احورار ودعج إن خطا يحسده الخطي أو. . . يتجلى قلت من عدن خرج إن رنا يرنو له القلب إلى. . . ما دعا لبيك من دون حرج قادني نحو بلاء ورمى. . . بزمامي من يديه ودرج قال الراوي: فقلت مستدعياً كلامه، سحرت والله أبا سلامة، وحيل بين العير والنزوان (٢)، فقال ايه يا ابن عبد الوارث، حتى متى تعين أخاك الحارث (٣)، في تبديد شمل السلوان، فقلت ليت شعري ألما فرقت أجمع، إن دعوت الغلمان، جاءوا أجمع، فقال إي والله ولا عدوان، فدعوناهم لنادينا، فأجابوا منادينا، من دون تراخ ولا توان، فأماط الترح، ولبس المرح، واستحال سخطه لرضوان، ورأى شاباً منهم يجر

стр. 513

رداء مرطه، ويعض سالفاً له أخرجه من قرطه فاستحسنه وقال في الأوان: قد عض سالف شعره من بعد أن. . . أبداه من قرط تحير ناظره خيط الظلام من الهلال بدا على. . . قمر وفي وسط الثريا آخره فاستحيى الفتي وأطلق دلاله، فكاد أن يفارق هلاله، فقال أيضاً وما توان: وكأن سالف شعره في قرظه. . . أفعى تطل من الهلال براس ويردها نشر الشعاع بخده. . . لما بدا كالشمس والنبراس ثم قال كأنكم أضمرتم غيبة، وخالجت قلوبكم ريبة باختياري الذكران على النسوان، كلا والذي حف الجنة بالمكاره والنار بالشهوات، ما دنست وجه علمي بما ليس لي بموات، ولكن طبعني على حب الحسان سوان، فما لاح ذو جمال، إلا استدعاني واستمال، ولو إني وطوان وقد علقت بالنساء والولدان غير ما مرة، وذقت من الهوى حلوه ومره، ثمرات مختلفات الألوان، وغاية الأمر إن ظفرت أن أطرب وأمرح، وفي رياض المحاسن أسرح ولا أغوى للشيطان أن أغوان: إذا ما ظفرت بوصل حبيب. . . وزار على غفلة للرقيب تعقفت عنه ولا مانع. . . سوى إن ربي علي رقيب فقلنا يا تجرب حب الولدان والنساء (فهو به في كل حكم وائتساء) إيما أفضل حب المرد أم الغوان، فأنشد، وأرشد، لفضيلة النسوان.

стр. 514

حب النساء شاع في البراري. . . كما جرى المثل في الأقطار وحسنهن طائل الأعمار. . . وغير مسرع إلى توار والشمس أثبت من الأقمار. . . في سيرها في الفلك الدوار لاكنهن داعي افتقار. . . بالصرف للدرهم والدينار وقلماً يسلمن من إكثار ثم قال، وما استقال، ولا تحرك منه عضوان: حب الذكور ذاع في الأمصار. . . كما فشا الإيمان في الأنصار وحسنهم أوفق للنظار. . . وغير محتاج إلى انتظار والبدر لا حرج فيه جار. . . والشمس بالعكس لدى الأنظار لاكنهم اجلب لاحتقار. . . إلى ذوي الأخطار والأقدار وقلما يسلون عن إكثار ولما نشر علينا أحاديثه الاصمعية المنبئة عما له من الألمعية، وظاهر الأمر على باطنه عنوان، نشرنا عليه من التحف والملابس، ما لم يكن لخاطره ملابس، حتى أحتاج في طيه لعوان، فقال شكر الله إحسانكم إلي، وتفضل عليكم كما تفضلتم علي، بتجدد النعم تجدد الملوان، وليست الدنيا بفاخرة، إلا إذا كانت مطية للآخرة، «وإن الدار الآخرة هي الحيوان» وإن من تمام الإكرام، وليس فيه إبرام، إن

стр. 515

تتكفلوا لي بهذا الرهوان (١)، وأشار إلى رهوان صائد، فاكتريناه منه بالزائد، وقلنا نحن له صوان وحيث تهيأ المسير، سار معنا حيث نسير، حتى إذا دخلنا المدينة فقدنا الخوان ولم نجد من يخبرنا عن مسالكه، والزمنا الشرع غرم الرهوان لمالكه، وطارت فعلته بما في أرجاء تطوان.

стр. 516

مقامة للوزير ابن إدريس حدثنا الفتح بن سلامة، عن نصر بن كرامة، قال ألحفني السعد ببرده، وأتحفني بحلو عيشه وبرده، وبوأني من حمى الخلافة العلوية العلية ظلالاً، وأعلق كفي من خدمة الحضرة المولوية العبد الرحمانية حبالاً في دولة علوية اعلى العلاء أعلامها، وحمى الإلاه حماها، عقد السعود على التناصر عقدها وذمامها واليمن قد واخاها، فبلغت بطلعتها أمنها ومرامها، وتوصلت لمناها، وبنى الأيمة من قريش مجدها ومقامها، بين الورى وعلاها، حموا الشريعة بالسيوف وأوضحوا أعلامها، وتنوروا بسناها فكنت منتظماً في سلك كتابها، ومعهوداً في خدمة أعتابها وصحبت ركاب مولانا العلي العلوي، وجيشه المنصور المولوي، في إحدى قدماته من الحوز، في سفر أسفر طالعه عن وجه الظفر والفوز: في عسكر ملأ القلوب مهابة. . . والأرض خيلاً بالعوارف يفهق للفتح والتمكين فيه دلائل. . . وعليه ألوية السعادة تخفق نهض لها أيده الله غرة ذي الحجة ميت عام (ناشر (١)) والسعد

стр. 517

لمعهود العناية ناشر، والرعب يقدم جنوده، والسعد ينشر ألويته وبنوده، والنصر تحت ظلال أعلامه وحفظ الله من خلفه وأمامه: والدهر معتدل الآناء مقتبل. . . والشمس حلت ببرج السعد والشرف ومطارف السندس بالآفاق قد نشرت، وجيوش النور حشدت ألوانها وحشرت، والأرض تجلى عروساً في ملابسها. . . وشت حلاها يد الأنواء بالزهر والنسيم قد عطر بنشره الأندية، وغازل الأغصان فنازعها المطارف والأردية، وجر ذيل دلاله في الآكام والأودية: والريح تلطم فيه أرداف الربى. . . مرحاً وتلثم أوجه الأزهار ومنابر الأغصان قد قامت بها. . . خطباء مفصحة من الأطيار وألسن الحال تهدي إلى التفكر في مصنوعات الله وترشد، وكأنها تتمثل بقول أبي نواس وتنشد: تأمل في نبات الأرض وانظر. . . بدائع ما بها صنع الملك عيون من لجين شاخصات. . . على أطرافها الذهب السبيك على قضب الزبرجد شاهدات. . . بأن الله ليس له شريك والناظر الأديب المتأمل، ينشد قول المجنس الممثل:

стр. 518

إن هذا الربيع شيء عجيب. . . تضحك الأرض من بكاء السماء ذهب حيثما ذهبنا ودر. . . حيث درنا وفضة في الفضاء والجيش المنصور بحر متلاطم الأمواج، يسير فيملأ الفضاء ويغص الفجاج، ويقيم فيكون هالة على بدر سعود وشرف، وسور حفظ لا يعرف له طرف، قد رصت صفوفه، وتعددت ألوفه، وتنوعت أجناسه وصنوفه: من كل أبيض قد تقلد أبيضاً. . . عضباً وأسمر قد تقلد أسمراً والخيل تمرح في أعنتها، وتمضي في الخيلاء على سنتها، قد حليت من الأسلحة بما راق وراع، وأعجز وصفه ألسن اللسن وأسلة اليراع! مؤصلة من ذي العقال وداحس. . . وآل الوجيه والنعامة والخيفا فمن أشهب لبس النور رداء، وسابق البرق عداء: فكأنه في حليه وسلاحه. . . صبح تقلد حلية الجوزاء ومن أدهم خلع الليل عليه إهابه، وأثبت بين عينيه شهابه: فكأنما لطم الصباح جبينه. . . فاقتص منه فخاض في أحشائه وأحمر فأما وصفه فمطهم عتيق، وأما لونه فعقيق، وأصفر كأنما

стр. 519

صيغ من ذهب، أو خلق من لهب: ألقي الأصيل عليه من نضارته. . . غلالة وشت الظاما حواشيها ومن أزرق قد تسربل حلة السماء وتحلى بالنجوم، أو رام استراق السمع فرمته بشهب الرجوم: عطايا أمير المؤمنين وبره. . . بأجناده والبر بالجند يحمد مليك حليفاه التوكل والرضا. . . وأوصافه علم وحلم وسؤدد يصابحه أمن ويمن ورحمة. . . ويعضده فتح ونصر مجدد فتى المجد أما هديه فموفق. . . رشيد وأما رأيه فمسدد به الدين سام والشريعة غضة. . . تروق وركن المجد عال مشيد وإن له في مقصد الحكم حكمة. . . يحل بها في الله طوراً ويعقد فلا زال محمود المساعي مؤيداً. . . يغور ثناه في البلاد وينجد فسرنا تحت ظلال العدل والأمن، نستجلي كل حين من غرته الميمونة طالع الفتح واليمن، ونرفل في أردية المعالي الضافية، ونكرع في بحار الجود الصافية، ونتمسك من النجح بالعهود الوافية، ونرتع في روض الأمان والعافية: وقد بدت لنا وجوه الهدى. . . مسفرة ولاح نور الفلاح

стр. 520

فلما خيمنا بشاطئ وادي العبيد، قابلنا بوجه الجبار العنيد، وأبدى من مده آية الإعجاز، وقال بلسان حاله لا تجاز لا مجاز، واستعان من ثلج الجبال بالمذاب، فأرانا بحراً طامي العباب: نهر يريك السهم سرعة جريه. . . والبحر عمقاً والشفير سعيراً فليسلم النفس المريد عبوره. . . إن لم يكن لطف الإله ظهيراً فأحجم عن عبوره القوم، واستبشر بالزبون العارف بالسباحة والعوم، وبات الناس في الآراء يترددون، ولقصص الناجين والغرقى يعددون، وقصارى أمنية كل واحد عبور ذلك الصراط، والانتظام في سلك الناجين والانخراط، حتى أنشد بعضهم واستحسن، وتمنى ما تمنى الحسن (١): ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة. . . بسهب الشنين أو بسهب بني ورا وهل تعبرن نهر العبيد ركائبي. . . وهل أتركن دايا وأدواءها ورا فلما تبلج أدهم الليل عن أشهب الصباح، وحيعل الداعي بحي على الفلاح، وتولت نجوم الليل تقفو إثره، وغدت سيوف ذكاء تخرق ستره، وأدى الناس النفل والفرض، وأشرقت بنور ربها الأرض:

стр. 521

ولاحت لنا شمس الغداة كغادة. . . بدا حاجب منها وضنت بحاجب صدر الأذن المولوي بالعبور، وقدم له الصور فالصبور، وجعل فاتحة ذلك نجله الأسعد، وفرعه الأنجب الأصعد، سيدنا ومولانا محمد، تفاؤلاً لتستحسن العاقبة وتحمد، وكان قد تقدم الأمر المطاع بإعداد المعادي (١) للإعانة على عبور ذلك العدو العادي، فلم يكن إلا أن عبر الأول مكتفياً بالمختصر عن المطول، وظهر من لطف الله وسعادة مولانا ما عليه المعول، وحمد الناس الله على ما سهل من ذلك وخول، تتابع العبور على الريح والأعواد، مع سلامة الأنفس والأزواد، وشاهد الناس لجيش مولانا المحتمي، شبه ما ظهر من الكرامة العبد الله بن الحضرمي، ولا غرو أن يعطى التابع حكم المتبوع، ويظهر للعيان حقيقة ما هو مروي ومسموع، وله قوم يسعدكم ويسعد بهم، ويظهر عنايته على من تعلق بسببهم: وإذا السعادة لاحظتك عيونها. . . نم فالمخاوف كلهن أمان واصطد بها العنقاء فهي حبالة. . . واقتد بها الجوزاء فهي عنان ولما خيمت الجموع بالعدوة الأخرى، ورأوا السلامة غنيمة

стр. 522

وذخرا، وعاين الناس ما تعودوه مع أمير المؤمنين من النجاة والسعود، والفوز المشهور المشهود، والتيسير المعلوم المعهود، هنأ بالسلامة بعضهم بعضاً، وجعلوا ذلك بينهم سنة وفرضاً، فلا تلقى غير حامد وشاكر، ومقر بنعم الله ذاكر، واسع لديهم المجال، في الروية والارتجال، فمن ناظم وناثر، ومقصر ومكاثر، ومن قائل: أرى نهر العبيد غداً عنيداً. . . يعاملنا بجور واشتطاط عبرناه على خطر وخوف. . . على غير اختيار واحتياط وذلله الإله لنا فسرنا. . . من الريح المسخر في بساط يهنئ بالعبور البعض بعضاً. . . كأنما قد عبرنا على الصراط ومن متمثل في عبور الوادي، على المعادي: لئن كنا ركبناها ضلالاً. . . فيا له إنا تائبونا فأخرجنا عن المرغوب منها. . . (فإن عدنا فإنا ظالمونا) ومن منشد، وإلى ألطف الله مرشد: عبرت نهر العبيد قهراً. . . على بساط من الهواء ولما حمد الناس الإيراد والإصدار، واستقرت بهم بعد العبور الدار، شكروا على فضل الله إمامهم، وجعلوا القبيلة التادلية أمامهم،

стр. 523

المحاضرات خير العلم ما حوضر به شجاعة إدريس الأزهر حدث داود بن القاسم بن عبد الله بن جعفر الأوربي، قال: شهدت مع إدريس بن إدريس بعض غزواته للخوارج الصفرية من البربر، فلقيناهم وهم ثلاثة أضعافنا، فلما تقارب الجمعان ترجل إدريس فتوضأ وصلى ركعتين ودعا الله تعالى، ثم ركب فرسه وتقدم للقتال، فقاتلناهم قتالاً شديداً، فكان إدريس يضرب في هذا الجانب مرة، ثم يكر في الجانب الآخر، فلم يزل كذلك حتى ارتفع النهار، فرجع إلى رايته فوقف بإزائها والناس يقاتلون بين يديه، فطفقت أنظر إليه وأديم الالتفات نحوه، وهو تحت ظلال البنود، يحرض الناس ويشجعهم، فأعجبني ما رأيت من شجاعته وقوة بأسه، فالتفت نحوي فقال: يا داود مالي أراك تديم النظر إلي، قلت أيها الإمام أنه أعجبني منك خصال لم أرها في غيرك. قال: وما هي يا داود. قلت أولها ما أراه من حسنك وجمالك وثبات قلبك، ومن طلاقة وجهك وما خصصت به من البشر عند لقاء عدوك، قال: ذلك

стр. 524

بركة جدنا رسول الله صلى عليه وسلم ودعائه لنا وصلاته علينا وإراثة أبينا علي بن أبي طالب ﵁ وكرم وجهه. قلت أيها الإمام أراك تبصق بصاقاً مجتمعاً وأنا أطلب الريق في فمي فلا أجده، قال: يا داود ذلك لاجتماع عقلي وثبات جأشي وعدم الريق من فيك لطيش بك وافتراق عقلك، ولما خامرك من الرعب. قال: فقلت أيها الإمام وأنا أيضاً أتعجب من كثرة تقلبك في سرجك وقلة قرارك في موضعك. قال ذلك مني زعم للقتال وعزم وصرامة وهو أحسن في الحرب فلا تظنه رعباً، ثم أنشأ يقول: أليس أبونا هاشم شد أزره. . . وأوصي بنيه بالطعان وبالضرب فلسنا نمل الحرب حتى تملنا. . . ولا نشتكي مما يؤول إلى النصب ولكننا أهل الحفائظ والنهى. . . إذا طار أرواح الكماة من الرعب الحسن الحجام كان بين الحسن بن محمد بن القاسم بن إدريس من ملوك الأدارسة وبين عمه أحمد بن القاسم حروب شديدة ومنازعات على الحكم، فحمل الحسن ذات يوم في قتال على فارس من جند عمه، فطعنه في المحاجم، ثم فعل ذلك بثان وثالث، كل ذلك لا يطعنهم إلا في

стр. 525

موضع المحاجم. فقال أحمد عمه: إنما ابن أخي حجام، فلزمه هذا اللقب، وقال فيه الشاعر: وسميت حجاماً ولست بحاجم. . . ولكن لطعن في مكان المحاجم محاسن الزهد والورع لما توفي والد الشيخ علي بن حرزههم ورثه هو وأخوه أبو القاسم فاتفقا على قسم التركة بينهما بدون تدخل أحد من الناس. وقام علي إلى ورده من الليل فجال خاطره في التركة وجعل يفكر ما يأخذه منها لنفسه وما يترك لأخيه حتى لم يدر ما صلى. فلما أصبح بعث لأخيه أبي القاسم، وقال له: أحضر الشهود حتى أتصدق عليك بميراثي في أبي، فقال له لا تفعل، فقال له لئن لم تقبل لأتصدقن به على الجذمي، فلما رأى ذلك منه أحضر البينة وقبله. وكان عبد الرحمن بن عاش فقيهاً متورعاً من أهل فاس، باع فندقاً من بعض قرابته وتصدق بثمنه، فمات المشتري فورثه منه فباعه وتصدق بثمنه أيضاً، ولم يشأ أن يقبض عنده ما كان تصدق به. وزرع فداناً بباب عجيسة وحصده ودرسه، وكان العام شديداً

стр. 526

فجاءه الناظر عليه، فقال أخرج إلى زرعك حتى تكتاله، فقال غداً الجمعة لا أقدر على الخروج، فقال له أن تركته نهب، لأن الناس في حاجة شديدة والموضع قريب تدرك منه الجمعة، فخرج غدوة واشتغل في كيله ونقله وأتى المدينة فوجد الناس قد انصرفوا من الصلاة، فتصدق بالطعام الذي وجد في ذلك الفدان وحبس الفدان على المساكين. وكان للشيخ أبي القاسم بن خنوشة بستان وأعطي في فاكهته سوماً، فقال للمشتري: اتركني هذه الليلة حتى أرى رأيي، أما أن أنفذ لك البيع أو أرده. فلما كان من الغد جاء من أعطاه في البستان ستين ديناراً أو أكثر زيادة على القيمة الأولى، فبعث الشيخ أبو القاسم للمشتري الأول، وقال له أعطيت في البستان زيادة، فإن أردت أن تمسك بستانك بالثمن الأول، فأفعل وإن أردت أن تأخذ الزيادة فهي لك لأني البارحة أنفذت لك البيع بقلبي بالسوم الذي أعطيتني فأخذ المشتري الزيادة التي زاد المشتري الثاني ولم يأخذ الشيخ إلا الثمن الأول. وكان الشيخ صالح بن حرزهم فقيهاً ورعاً وهو عم الشيخ علي ابن حرزهم، رحل إلى المشرق فانقطع مدة بالشام، وفي قرية بيت المقدس قدم للصلاة فبقي هنالك حتى نزل عليه يوماً أبو حامد الغزالي مع أصحابه وكان في المسجد عريش عنب قد ظهر فيه الحصرم، فقال أصحاب أبي حامد اشتهينا حصرماً، فقال لهم سلوا

стр. 527

إمام المسجد على من حبس عنبه؟ فسألوا الشيخ صالحاً فقال لا أدري على من حبس ولا تعرضت له ولا أكلت منه قط، فأخبروا أبا حامد بما قال، فقال هذا مغربي له أعوام في هذا المسجد لم يتعرض له قط وأنتم من ساعة واحدة لم تملكوا نفوسكم. ودعا السلطان أبو الحسن المريني فقهاء الحضرة الفاسية إلى وليمة وما فيهم إلا ذو صلاح ودين، فمنهم من قال إني صائم، ومنهم من أكل وقلل، ومنهم من أكل الغلات فقط، ومنهم من شمر للأكل عن ساعديه، ومنهم من قال: هاتوا من طعام الأمير على وجه البركة، فإني لا أقدر أن آكل الآن، فسألهم الشيخ أبو إبراهيم الأعرج عن ذلك فقال الأول طعام شبهة تسترت منه بالصوم وقال الثاني كنت آكل بمقدار ما أتصدق لأنه مجهول الأرباب والمباشر كالغاصب وقال الثالث اعتمدت القول بأن الغلات للغاصب إذ الخراج بالضمان وقال الرابع طعام مستهلك ترتبت القيمة في ذمة مستهلكه فحل تناوله وقد مكنني منه فحل لي وقال الخامس طعام مستحق للمساكين قدرت على استخلاصه فاستخلصته وأوصلته إليهم، وكان قد تصدق بما أخذ.

стр. 528

تحري القاضي ابن محسود للعدالة كان أبو محمد بن محسود الهواري من أهل الفضل والدين وكان من أهل فاس قاضياً بها فتزل به ضيف فرهن غزل امرأته في سمن يأتدم به الضيف فإذا ذلك السمن مر لا يطاق أكله فبينما ابن محسود في مجلسه إذ نظر السمان مقبلاً إليه مع خصمه فقام وأمر من حضر أن يحكم بينهما فلما عاد إلى مجلسه أخبرهم بأن ذلك السمان قد كان أعطاه سمناً مراً وقال خشيت من أجل ذلك أن لا أسمع منه كما أسمع من خصمه فكرهت الحكم بينهما. ملح أهل التصوف بعث أبو زيد الهزميري إلى أبي عمران الشولي وكان كثير الصلاة إنه لم يبق بينك وبين الله حجاب إلا الركيعات فرجع إليه أن الاتصال كان منها فلا كان الانفصال عنها. ودخل أبو عبدالله المقري على عبد الرحمن بن عفان الجزولي وهو يجود بنفسه وكان رآه قبل ذلك معافى فسأله عن السبب فأخبره أنه خرج إلى لقاء السلطان أبي الحسن المريني فسقط عن دابته فتضعضعت أركانه فقال ما حملك أن تتكلف هذا في ارتفاع سنك فقال حب الرياسة آخر ما يمرج من قلوب الصديقين. وسئل ابن شاطر المراكشي

стр. 529

عن معنى قول ابن الفارض: فلم أله باللاهوت عن حكم مظهري. . . ولم أنس بالناسوت موضع حكمتي فقال: يقول ما أنا بالحلاج ولا يبلعام. وكان ابن شاطر هذا من صحب أبا زيد الهزميري وابن البناء ورزق بمخالطة الأولياء حلاوة القبول فلا تكاد تجد من يستثقله وربما سئل عن نفسه فيقول ولي مفسود. وأعطاه السلطان أبو عنان المريني ألف دينار ليحج بها فمر على تلمسان فصار يدفع منها شيئاً فشيئاً للمتفرجين بغدير الوريط شرقي عباد إلى أن نفدت فلما ورد أبو عنان تلمسان لقيه بسوق العطارين من منشر الجلد فقال له أبو عبد الله حج مبرور فقال له إذا جهلت أصل المال فانظر مصارفه ويأبى الله إلا أن ينفق الخبيث في مثله فضحك السلطان. ودخل الأبلي وهو عالم تلمسان على تلميذه أبي القاسم الفخار السلوي وهو يعجن طين الفخارة فقال له ما علامة قبول هذه المادة أكمل صورة ترد عليها فقال أن تدفع عن نفسها ما هو من غير جنسها من حجر أو زبل أو غيره فأدركه وجد عظيم حتى أنه صاح وقام وقعد وبقي هنيئة مطرقة برأسه مفكراً ثم قال هكذا هي النفوس البشرية.

стр. 530

وكل ناطقة في الكون تطربني قيل لأبي علي الحرالي المراكشي كيف أصبحت فأنشد: أصبحت ألطف من مر النسيم إذا ... سرى على الروض، كاد الوهم يؤلمني من كل معنى لطيف أجتلي قدحاً ... وكل ناطقة في الكون تطربني وكان بعض تلامذته مولعاً بالشراب فعكف ليلة على الشرب حتى سقط على زجاجة فجرح في وجهه فلما أصبح صار إلى الشيخ وأثر الزجاجة ظاهر عليه فأنشده: لا تسفك دم الزجاجة بعدها. . . إن الجروح كما علمت قصاص فخجل التلميذ وكان ذلك سبب توبته. وكان أبو عبدالله بن أبي بكر الدلائي ينصت للسماع في آخر عمره ويتأثر به فانتهى ذلك لأبي العباس ابن القاضي فكتب له: عهدك ما تصبو وفيك شبيبة. . . فمالك بعد الشيب أصبحت صابياً فأجابه: نعم لاح برق الحسن فاختطف الحشا. . . فلبيته من بعد ما كنت آبياً
следующие страницы →