← Указатели

Указатели · id 148529

النبوغ المغربي في الأدب العربي

عبد الله كنون

Полный текст (910 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

فجاءه الناظر عليه، فقال أخرج إلى زرعك حتى تكتاله، فقال غداً الجمعة لا أقدر على الخروج، فقال له أن تركته نهب، لأن الناس في حاجة شديدة والموضع قريب تدرك منه الجمعة، فخرج غدوة واشتغل في كيله ونقله وأتى المدينة فوجد الناس قد انصرفوا من الصلاة، فتصدق بالطعام الذي وجد في ذلك الفدان وحبس الفدان على المساكين. وكان للشيخ أبي القاسم بن خنوشة بستان وأعطي في فاكهته سوماً، فقال للمشتري: اتركني هذه الليلة حتى أرى رأيي، أما أن أنفذ لك البيع أو أرده. فلما كان من الغد جاء من أعطاه في البستان ستين ديناراً أو أكثر زيادة على القيمة الأولى، فبعث الشيخ أبو القاسم للمشتري الأول، وقال له أعطيت في البستان زيادة، فإن أردت أن تمسك بستانك بالثمن الأول، فأفعل وإن أردت أن تأخذ الزيادة فهي لك لأني البارحة أنفذت لك البيع بقلبي بالسوم الذي أعطيتني فأخذ المشتري الزيادة التي زاد المشتري الثاني ولم يأخذ الشيخ إلا الثمن الأول. وكان الشيخ صالح بن حرزهم فقيهاً ورعاً وهو عم الشيخ علي ابن حرزهم، رحل إلى المشرق فانقطع مدة بالشام، وفي قرية بيت المقدس قدم للصلاة فبقي هنالك حتى نزل عليه يوماً أبو حامد الغزالي مع أصحابه وكان في المسجد عريش عنب قد ظهر فيه الحصرم، فقال أصحاب أبي حامد اشتهينا حصرماً، فقال لهم سلوا

стр. 527

إمام المسجد على من حبس عنبه؟ فسألوا الشيخ صالحاً فقال لا أدري على من حبس ولا تعرضت له ولا أكلت منه قط، فأخبروا أبا حامد بما قال، فقال هذا مغربي له أعوام في هذا المسجد لم يتعرض له قط وأنتم من ساعة واحدة لم تملكوا نفوسكم. ودعا السلطان أبو الحسن المريني فقهاء الحضرة الفاسية إلى وليمة وما فيهم إلا ذو صلاح ودين، فمنهم من قال إني صائم، ومنهم من أكل وقلل، ومنهم من أكل الغلات فقط، ومنهم من شمر للأكل عن ساعديه، ومنهم من قال: هاتوا من طعام الأمير على وجه البركة، فإني لا أقدر أن آكل الآن، فسألهم الشيخ أبو إبراهيم الأعرج عن ذلك فقال الأول طعام شبهة تسترت منه بالصوم وقال الثاني كنت آكل بمقدار ما أتصدق لأنه مجهول الأرباب والمباشر كالغاصب وقال الثالث اعتمدت القول بأن الغلات للغاصب إذ الخراج بالضمان وقال الرابع طعام مستهلك ترتبت القيمة في ذمة مستهلكه فحل تناوله وقد مكنني منه فحل لي وقال الخامس طعام مستحق للمساكين قدرت على استخلاصه فاستخلصته وأوصلته إليهم، وكان قد تصدق بما أخذ.

стр. 528

تحري القاضي ابن محسود للعدالة كان أبو محمد بن محسود الهواري من أهل الفضل والدين وكان من أهل فاس قاضياً بها فتزل به ضيف فرهن غزل امرأته في سمن يأتدم به الضيف فإذا ذلك السمن مر لا يطاق أكله فبينما ابن محسود في مجلسه إذ نظر السمان مقبلاً إليه مع خصمه فقام وأمر من حضر أن يحكم بينهما فلما عاد إلى مجلسه أخبرهم بأن ذلك السمان قد كان أعطاه سمناً مراً وقال خشيت من أجل ذلك أن لا أسمع منه كما أسمع من خصمه فكرهت الحكم بينهما. ملح أهل التصوف بعث أبو زيد الهزميري إلى أبي عمران الشولي وكان كثير الصلاة إنه لم يبق بينك وبين الله حجاب إلا الركيعات فرجع إليه أن الاتصال كان منها فلا كان الانفصال عنها. ودخل أبو عبدالله المقري على عبد الرحمن بن عفان الجزولي وهو يجود بنفسه وكان رآه قبل ذلك معافى فسأله عن السبب فأخبره أنه خرج إلى لقاء السلطان أبي الحسن المريني فسقط عن دابته فتضعضعت أركانه فقال ما حملك أن تتكلف هذا في ارتفاع سنك فقال حب الرياسة آخر ما يمرج من قلوب الصديقين. وسئل ابن شاطر المراكشي

стр. 529

عن معنى قول ابن الفارض: فلم أله باللاهوت عن حكم مظهري. . . ولم أنس بالناسوت موضع حكمتي فقال: يقول ما أنا بالحلاج ولا يبلعام. وكان ابن شاطر هذا من صحب أبا زيد الهزميري وابن البناء ورزق بمخالطة الأولياء حلاوة القبول فلا تكاد تجد من يستثقله وربما سئل عن نفسه فيقول ولي مفسود. وأعطاه السلطان أبو عنان المريني ألف دينار ليحج بها فمر على تلمسان فصار يدفع منها شيئاً فشيئاً للمتفرجين بغدير الوريط شرقي عباد إلى أن نفدت فلما ورد أبو عنان تلمسان لقيه بسوق العطارين من منشر الجلد فقال له أبو عبد الله حج مبرور فقال له إذا جهلت أصل المال فانظر مصارفه ويأبى الله إلا أن ينفق الخبيث في مثله فضحك السلطان. ودخل الأبلي وهو عالم تلمسان على تلميذه أبي القاسم الفخار السلوي وهو يعجن طين الفخارة فقال له ما علامة قبول هذه المادة أكمل صورة ترد عليها فقال أن تدفع عن نفسها ما هو من غير جنسها من حجر أو زبل أو غيره فأدركه وجد عظيم حتى أنه صاح وقام وقعد وبقي هنيئة مطرقة برأسه مفكراً ثم قال هكذا هي النفوس البشرية.

стр. 530

وكل ناطقة في الكون تطربني قيل لأبي علي الحرالي المراكشي كيف أصبحت فأنشد: أصبحت ألطف من مر النسيم إذا ... سرى على الروض، كاد الوهم يؤلمني من كل معنى لطيف أجتلي قدحاً ... وكل ناطقة في الكون تطربني وكان بعض تلامذته مولعاً بالشراب فعكف ليلة على الشرب حتى سقط على زجاجة فجرح في وجهه فلما أصبح صار إلى الشيخ وأثر الزجاجة ظاهر عليه فأنشده: لا تسفك دم الزجاجة بعدها. . . إن الجروح كما علمت قصاص فخجل التلميذ وكان ذلك سبب توبته. وكان أبو عبدالله بن أبي بكر الدلائي ينصت للسماع في آخر عمره ويتأثر به فانتهى ذلك لأبي العباس ابن القاضي فكتب له: عهدك ما تصبو وفيك شبيبة. . . فمالك بعد الشيب أصبحت صابياً فأجابه: نعم لاح برق الحسن فاختطف الحشا. . . فلبيته من بعد ما كنت آبياً

стр. 531

همة عالم كان الفقيه أبو العباس الحباك المكناسي خطيباً بالقرويين فعزل هو والفقيه القوري القاضي في يوم واحد، ثم طلب بعد ذلك لخطبة جامع الأندلس فأبى وقال إن كان عزلي بجرحة فلا يحل لكم تقديمي وإن كان عن غير جرحة فقبولي من قلة الهمة. عالم ابن دلأل قال أبو البركات ابن الحاج: كنت ببجاية وقدم علينا رجل من فاس برسم الحج، يعرف بابن الحداد، فركب الناس في الأخذ عنه والرواية لما يحمله كل صعب وذلول مع أنه لم تكن منزلته هناك في العلم، فعجبت لذلك حتى قلت لبعض الطلبة: لقد أخذتموه بكلتا اليدين ولم أركم مع من هو أعلى قدراً منه كذلك، فقالوا لي لأنه قدم علينا ونحن لا نعرفه في زي حسن بخادم يخدمه يظن من يراه أن أباه من أعيان أهل بلده، فسألناه أحي أبوه أم لا؟ قال بل حي، قلنا أهو من أهل العلم؟ قال لا هو دلال في سوق الخدم فلذلك آثرناه على من هو فوقه في العلم، قال: فقلت لهم حق له أن ترتفع منزلته ويعلو صيته لتخلقه وفضله.

стр. 532

حسن الجواب حضر يحيى بن الزيتوني يوماً بين يدي المعتمد وعنده ابن زيدون، فكأن هذا استجهله وأراد أن يخجله، فقال له: أفاس أنت يا أبا زكرياء؟ يوهم أنه يسأله عن بلده، وخبأ له فيها شيئاً، ففهم ابن الزيتوني مراده وأجابه سريعاً منسوب أعزك الله فلج ابن زيدون في أداه فقال نعم الفتى أبو زكرياء ففهم ابن الزيتوني أنه يريد يعم الفسي أبا زكرياء فصدمه بمثله ورماه بشكله فقال له عبدك أعزك الله يريد عندك أي يعمني عندك - لا عند غيرك من الفضلاء ولما أجابه الجواب المذكور خجل أبو الوليد واستخف الطرب جميع من حضر. وحضر القاضي المليلي وعبد المهيمن الحضرمي صاحب العلامة للسلطان أبي الحسن المريني مجلس السلطان فجرى ذكر الفقيه ابن عبد الرزاق فقال المليلي جمع من الفنون كذا حتى وضع يده على عبد المهيمن وقال للسلطان مخاطباً: ويكتب لك أحسن من ذا فوضع عبد المهيمن يده على المليلي وقال نعم يا مولاي ويقضي لك أحسن من ذا. وحدث المقري الكبير قال: نظرت يوماً مع إبراهيم بن حكم الكناني السلوي في تكملة بدر الدين ابن مالك لشرح التسهيل لأبيه ففضلت عليه كلام أبيه ونازعني ابن حكم فقلت:

стр. 533

عهود من الآباء توارثها الأبناء فما رأيت بأسرع من أن قال: بنوا مجدها لكن بنوهم لها أبني، فبهت من العجب. ولما أوقع السلطان مولاي رشيد بأهل الدلاء كان أبو عبد الله المرابط منهم من اختصه لنفسه فكان يتردد إليه مع العلماء على كراهية منه وفهم السلطان ذلك منه فانشده في بعض الأيام: ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى. . . عدواً له ما من صداقته بد ففطن المرابط وقال على البلدية أصلح الله الأمير وإن من سعادة المرء أن يكون عدوه عاقلاً فاستحسن السلطان والحاضرون بديهه وحسن جوابه. بين عبد المؤمن ووزيره خرج عبد المؤمن يوماً مع وزيره أبي جعفر بن عطية متنزهاً إلى بعض بساتين مراكش فمر في طريقه بشارع من شوارع المدينة فإذا بطاق في دار عليه شباك خشب قد قابله منه وجه جارية كأنه الشمس الضاحية قد بادرت الطاق تنظر إليه فنظر إليها عبد المؤمن فأعجبه حسنها وحلت من قلبه كل محل فقال ارتجالاً:

стр. 534

قدت فؤادي من الشباك إذ نظرت فقال أبو جعفر: حوراء ترنو إلى العشاق بالمقل فقال عبد المؤمن: كأنما لحظها في قلب عاشقها فقال أبو جعفر: سيف المؤيد عبد المؤمن بن علي وقال أبو جعفر: دخلت على عبد المؤمن وهو في بستان له قد أينعت ثماره، وتفتحت أزهاره، وتجاوبت على أغصانها أطياره، وتكامل من كل جهة حسنه وهو قاعد في قبة مشرفة على البستان، فسلمت وجلست وجعلت أنظر يمنة ويسرة متعجباً مما أرى من حسن ذلك البستان فقال لي: يا أبا جعفر أراك كثير النظر إلى هذا البستان قلت: يطيل الله بقاء أمير المؤمنين والله إن هذا منظر حسن فقال يا أبا جعفر المنظر الحسن هذا؟ قلت نعم فسكت عني فلما كان بعد يومين أو ثلاثة أمر بعرض العسكر آخذي أسلحتهم وجلس في مكان مطل وجعلت العسكر تمر عليه قبيلة بعد قبيلة وكتيبة إثر كتيبة لا تمر كتيبة إلا والتي بعدها أحسن منها جودة سلاح وفراهة خيل وظهور قوة فلما رأى ذلك التفت إلي وقال يا أبا جعفر هذا هو المنظر الحسن لا ثمارك وأشجارك.

стр. 535

أعاقبه بالحلم حضر أبو العباس الجراوي الشاعر والطبيب سعيد الغماري يوماً بباب السلطان يوسف بن عبد المؤمن فقال السلطان لبعض خدمه أنظر من بالباب من الأصحاب فخرج الخادم إلى الباب ثم عاد إليه فقال أحمد الجراوي وسعيد الغماري. فقال يوسف من عجائب الدنيا شاعر من جروان وطبيب من غمارة فبلغ ذلك الجراوي فقال «وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه» أعجب منهما والله خليفة من كومية. فيقال أن السلطان لما بلغه ذلك قال أعاقبه بالحلم عنه والعفو ففيه تكذيبه. المنصور الموحدي والفيل أتي قوم المنصور الموحدي بفيل من السودان هدية فأمر لهم بصلة ولم يقبله منهم وقال نحن لا نريد أن نكون أصحاب الفيل. سوء الفال أهدي يوسف بن تاشفين إلى المعتمد بن عباد جارية مغنية قد نشأت بالعدوة فخرج بها إلى قصر الزهراء على نهر إشبيلية وقعد على الراح، فغنته الجارية بهذه الأبيات: حملوا قلوب الأسد بين ضلوعهم. . . ولووا عمائمهم على الأقمار

стр. 536

وتقلدوا يوم الوغى هندية. . . أمضى اذا انتضيت من الأقدار إن خوفوك لقيت كل كريهة. . . أو أمنوك حللت دار قرار فوقع في نفسه أنها عرضت بساداتها فلم يملك غضبه ورمي بها في النهر فهلكت. وكان الكاتب أبو بكر محمد بن نصر الأوسي مختصاً بالوزير أبي جعفر بن عطية فقال فيه: أبا جعفر نلت الذي نال جعفر. . . ولا زلت بالعليا تسر وتحبر عليك لنا فضل وبر ونعمة. . . ونحن علينا كل مدح يحبر وكان أبو جعفر قد أحس من عبد المؤمن التغير الذي أفضى إلى قتله. فلا سمع هذا من أبي بكر تغير وجهه لأن جعفر بن يحيى كان آخر أمره الصلب فكأنه تنعى إليه نفسه. وقف على الشعراء قال ابن حبوس دخلت مدينة شلب من بلاد الأندلس ولي يوم دخلتها ثلاثة أيام لم أطعم فيها شيئاً، فسألت عمن يقصد إليه فيها فدلني بعض أهلها على رجل يعرف بابن الملح، فعمدت إلى بعض

стр. 537

الوراقين فسألته سحاءة (١) ودواة فأعطانيها فكتبت أبياتاً امتدحه بها وقصدت داره فإذا هو في الدهليز فسلمت عليه فرحب بي ورد علي أحسن رد وتلقاني أحسن تلق وقال أحسبك غريباً، قلت نعم فقال لي من أي طبقات الناس أنت؟ فأخبرته أني من أهل الأدب من الشعراء ثم أنشدته الأبيات التي قلت، فوقعت منه أحسن موقع، فأدخلني إلى منزله وقدم إلى الطعام وجعل يحدثني فما رأيت أحسن محاضرة منه، فلما آن الانصراف خرج ثم عاد ومعه عبدان يحملان صندوقاً حتى وضعه بين يدي، فتحته فأخرج منه سبعمائة دينار مرابطية فدفعها إلي وقال هذه لك ثم دفع إلي صرة فيها أربعون مثقالاً وقال هذه من عندي فتعجبت من كلامه وأشكل علي جداً وسألته من أين كانت هذه لي فقال لي سأحدثك: إني أوقفت أرضاً من جملة مالي للشعراء غلتها في كل سنة مائة دينار ومنذ سبع سنين لم يأتني أحد التوالي الفتن التي دهمت البلاد فاجتمع هذا المال حتى سيق لك وأما هذه فمن حر مالي يعني الأربعين ديناراً فدخلت عليه جائعاً فقيراً وخرجت عنه شبعان غنياً.

стр. 538

بين أمرين كتب الأمير سلمان الموحدي إلى الأمير أبي الحسن يوم جمعة: اليوم يوم الجمعة. . . يوم سرور ودعه وشملنا مفترق. . . فهل ترى أن نجمعه فأجابه بقوله: اليوم يوم جمعة. . . وربنا قد رفعه والشرب فيه بدعة. . . فهل ترى أن ندعه مُلح نحوية سئل ابن البناء العددي عن قوله تعالى «إن هذان لساحران» لم لم تعمل إن في هذا فقال لما لم يؤثر القول في المقول لم يؤثر العامل في المعمول فقيل له هذا لا ينهض جواباً فإنه لا يلزم من بطلان قولهم بطلان عمل إن فقال أن هذا الجواب نوارة لا تحتمل أن تحك بين الأكف. وحدث أبو القاسم الشاطبي قال لي الشيخ القاضي أبو القاسم الحسني يوماً وقد جرى ذكر حتى التي للابتداء وأن معناها التي يقع بعدها

стр. 539

الكلام سواء كان ذلك متعلقاً بما قبلها لم يتم دونه أولاً بل لا يكون الأمر إلا كذلك، قال وحدثني بعض الأصحاب أنه سمع رجلاً يصلي أشقاء رمضان فقرأ من سورة الكهف إلى قوله تعالى ثم أتبع سبباً، فوقف هناك وركع وسجد قال فظننت أنه نسي ما بعد، ثم ركع وسجد حتى يتذكر بعد ذلك ويعيد أول الكلام، فلما قام من السجود ابتدأ القراءة بقوله حتى إذا بلغ، فلما أتم الصلاة قلت له في ذلك فقال أليست حتى للابتداء؟ قال القاضي الشريف فيجب أن يفهم أن الاصطلاح في حتى وفي غيرها من حروف الابتداء ما ذكر. وجلس العلامة محمد الصغير الورزازي ذات يوم حين إقامته بمصر مع جماعة من العلماء والأعيان وقدم إليهم طعام فأخرج كل واحد منهم ملعقة معه وأخذ يأكل بها فأخذ هو يأكل بيده وترك الملعقة، فقالوا له ما هذا يا شيخ المغاربة فأنشدهم متمثلاً بقول ابن مالك في الألفية: وفي اختيار لا يجيء المنفصل. . . إذا تأتي أن يجيء المتصل وقيل أن هذه الحكاية وقعت للرابط الدلائي. وجلس بعض الطلبة يوماً بين يدي المنصور الذهبي فأنشد هذين البيتين:

стр. 540

زماننا كأهله. . . وأهله كما ترى وسيرهم كسيره. . . وسيره إلى ورا وخفض زماننا عند الإنشاد فقال له المنصور كيف خفضت الزمان، فقال الطالب والله لأخفضه كما خفضني، فأعجب ذلك المنصور. ومات أبو العلامة الطرنباطي النحوي فكان في المعزين له رجل عامي جلس فقال يا رسول الله برفع رسول، فقال له الطرنباطي لحنك أشد علي من موت أبي. من محاسن التصحيف قال ابن قطرال المراكشي كنت بالمدينة إذ أقبل رافضي بفحمة في يده فكتب على جدار هناك: من كان يعلم أن الله خالقه. . . فلا يجب أبا بكر ولا عمراً قال فسرت إليها وجعلت مكان يحب يسب فرجع فوجده كما أصلحت فجعل يلتفت يميناً وشمالاً كأنه يطلب من فعل ذلك ولم يتهمني، فلما أعياه الأمر انصرف.

стр. 541

حديث اللظافة) (١) اصطحب أبو إسحاق التلمساني ومالك بن المرحل في مسير فآواهما الليل إلى مشجر فسألا عن صاحبه فدلا عليه فاستضافاه فأضافهما فبسط قطيفة بيضاء ثم عطف عليها بخبز ولبن وقال لهما استعملا من هذه اللظافة حتى يحضر عشاؤكما وانصرف فتحاورا في اسم اللنظافة لأي شيء هو منهما حتى ناما فلم يراع أبا إسحاق إلا مالك يوقظه ويقول قد وجدت اللظافة، قال كيف؟ قال أبعدت في طلبها بما لم يمر قط على مسمع هذا البدوي، فضلاً عن أن يراه ثم رجعت القهقرى حتى وقعت على قول النابغة: بمخضب رخص البنان كأنه. . . عنم يكاد من اللطافة يعقد فسنح لبالي أنه وجد اللطافة وعليها مكثوب بالخط الرقيق (اللين) فجعل إحدى النقطتين للطاء فصارت اللطافة اللظافة واللين اللبن وإن كان قد صحف عنم بغنم وظن أن يعقد جبن فقد قوي عنده الوهم، فقال أبو إسحاق ما خرجت عن صوبه فلما جاء سألاه فأخبر أنها اللبن واستشهد بالبيت كما قال مالك.

стр. 542

نجابة الأولاد أمر المأمون الموحدي بقتل أشياخ الموحدين وأشرافهم فقتلوا عن آخرهم ولم يبق منهم على أحد ولم يراع والداً ولا ولداً حتى أنه أتي بولد أخته وهو صبي صغير ابن ثلاث عشرة سنة، وكان قد حفظ القرآن فلما قدم ليقتل قال له يا أمير المؤمنين أعف عني لثلاث قال وما هي؟ قال يصغر سني وقرب رحمي منك وحفظي للكتاب العزيز فأعجبه قوة جأش الغلام وإقدامه على الكلام في مثل ذلك المقام، ثم نظر إلى القاضي المكيدي كالمستشير له، فقال يا أمير المؤمنين «إنك أن تذرهم يضلوا عبادك» الآية فقتله. وطلب الشيخ أبو اسحق الغافقي لتأديب ولد لبعض رؤساء سبتة فقرأ معه كتاب الجمل للزجاجي حتى إذا وصل لقوله في حروف المضارعة يجمعها قولك «نأيت» قال له ذلك الولد يا سيدي ينبغي أن تقدم الهمزة على النون لما في ذلك من حسن اللفظ والمناسبة، أما حسن اللفظ فنأى معناه بعد وأني معناه قرب والتفاؤل بالقرب حسن، وأما المناسبة في أن يكون لكل واحد من هذه الأحرف ضعف ما قبله، فإن الهمزة لمعنى واحد؛ للمتكلم وحده، والنون المعنيين للمتكلم ومعه غيره أو المعظم نفسه، فهو ضعف الهمزة، والياء لأربع معان الغائب والغائبين والغائيين والغائبات نحو يقوم

стр. 543

ويقومان ويقومون ويقمن فهي ضعف النون، وأما التاء فهي ضعف الياء لتمان معان للمخاطب والمخاطبة والمخاطبين والمخاطبتين والمخاطبين والمخاطبات نحو تقوم يا زيد وتقومين يا هند وتقومان يا زيدان ويا هندان وتقومون يا زيدون وتقمن يا هندات وللغائبة والغائبتين نحو هند تقوم والهندان تقومان، فلما سمع الشيخ هذا منه قال له: مثلك لا ينبغي أن يشغل غيره بل غيره هو الذي يشغله ولم يعد للقراءة معه. وكان القاضي محمد ابن أبي القاسم ابن سودة إماماً بالقرويين وكان يؤخر صلاة الصبح تأخيراً مفرطاً رحمة بالضعفاء، فحدث أن سأل بعض المارة صبياً مبكراً إلى الكتاب هل يدرك صلاة الصبح بالقرويين فقال والله لا يمشى لها إلا بالمظلة، كناية عن إنها لا تصلى إلا بقرب طلوع الشمس. وقال ابن الطيب العالمي كنت ماراً يوماً في جماعة من الأصحاب ووافق ذلك فصل الشتاء فمررنا بين الرياض والقضب عارية من أوراقها فقلت لهم على سبيل الاختبار أيكم يخبرني عن الغصن لأي شيء يتعرى في البرد ويكتسي في الحر وكان القياس خلاف ذلك فانقطعوا إلا ما كان من صاحبنا أبي العباس سيدي أحمد الشريف فإنه قال وهو يومئذ حدث صغير السن جداً إنما يتعرى في الشتاء لأن الناس أحوج إلى

стр. 544

الشمس منهم إلى الظل فلو اكتسى لكان حائلاً بينهم وبينها واكتسي في الصيف لأنهم أحوج إلى الظل فلو تعري لم يجدوا وقاية من حر الشمس فهو يترك حقه في حق الناس، قال وأنت إذا تأملت قول الشاعر: سألت الغصن لم تعري شتاء. . . وفي وقت المصيف أراك كاس فقال لي الربيع على قدوم. . . خلعت على البشير به لباسي عرفت فضل ما بين الجوابين وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وقد نظم معنى الشريف الكاتب أبو عبد الله بن سلمان من رجال الأنيس: سألت قضيب البان لم أنت تكتسي. . . مصيفاً وتعرى في الشتاء من الورق فقال أخلي الشمس تسخن زائري. . . لا خلع سهم البرد منه إذا مرق وألبس ثوبي في المصيف حنانة. . . ليأوي إلى ظلي ولولاه لاحترق بديهة الجراوي حدث صفوان بن إدريس أن أبا العباس الجراوي كان في حانوت وراق بتونس وهناك فتى يميل إليه فتناول الفتى سوسنة صفراء وأومأ بها إلى خديه مشيراً وقال أين الشعراء تحريكاً للجراوي فقال هذا ارتجالاً:

стр. 545

وعلوي الجمال إذا تبدي. . . أراك جبينه بدراً أنارا أشار بسوسن يحكيه عرفاً. . . ويحكي لون عاشقه اصفراراً الأصيل في فاس قال الشريشي أخبرني ابن منصور قال خرجت بخارج فاس عشية مع فتى وراق فنظر إلى صفرة الشمس واستنشق برد النسيم وأنشدني مرتجلاً: انظر إلى الشمس في الأصيل. . . كأنها وجنتا عليل ورق هذا النسيم حتى. . . كأنما يشتكي نحولي بين ابن عبدوس وابن الجهم قال ابن عبدوس الفاسي سرت يوماً إلى علي بن الجهم فأنشدني بيتين في العناق: سقى الله ليلاً ضمني بعد هجعة. . . وأدنى فؤادي من فؤاد معذبي فبثنا جميعاً لو تراق زجاجة. . . من الماء في بيتنا لم تسرب فاقتدح زندي لإيراد مثله فقلت: لا والمنازل من نجد ولياتنا. . . بعيد إذ جسدانا بيننا جسد

стр. 546

كم رام فينا الكرى مع لطف مسلكه. . . نوماً فما انفك لا خد ولا عضد ما أنصفوني دعوني فاستجبت لهم. . . حتى إذا قربوني منهم بعدوا الوجد مع الوجد كان رجل يتعشق قينة كانت ورثت من مولاها مالاً تنفق عليه منه فلما فرغ المال ملها فقال فيه عقيل بن عطية ابن أخي الوزير ابن عطية: لا تلحه إن مال عن حبها. . . فلم يكن ذلك من ود لما رآها قد صفا مالها. . . قال صفا الوجد مع الوجد حسن الاعتذار صبح يحيى بن عبد المنان السلطان أبا العباس المريني عند المساء فأنكر عليه وظنه ثملاً فقال: صبحته عند المساء فقال لي. . .ماذا الكلام وظن ذاك مزاحاً فأجبت إن ضياء وجهك غرني. . . حتى توهمت المساء صباحاً حسن التعليل سأل السلطان أبو سعيد المريني كاتبه عبد المهيمن الحضرمي عن

стр. 547

تهادي المحبين التفاح دون الخوخ وكلاهما حسن المنظر، طيب المخبر شديد الشبه بأخيه، سديد تشبيه الوجنات به لمتوخيه. فقال من عند مولانا، فقال أرى أن ذلك لاشتمال التفاح على الحب الذي يذكر بالحب والهوى، والخوخ على النوي الذي يذكي اسمه صفرة الجوى. من اللطائف في التشميت عطس السلطان أبو العباس المريني وكان ابن عبد المنان حاضراً فقال: يرحمك الرحمان من عاطس. . . وليهنك الحمد على عطستك ويغفر الله لنا كلنا. . . وليسبل الستر على وجنتك وعطس السلطان مولاي سليمان وقارئ الحديث عنده يقول يرحمك الله من قوله ﷺ : إذا عطس أحدكم فليقل الحمد الله فإذا قال فليقل له أخوه أو صاحبه يرحمك الله، فقال الشيخ حمدون ابن الحاج وكان حاضراً: عطست وقارئ الحديث يقول. . . (يرحمك الله) قول الرسول فكان الرسول المشمت إذ. . . عطست وذلك أعظم سول

стр. 548

شاعر بليد الطبع ! كان ابن عمرو الشاوي قديم الصحبة المنصور وأخيه المعتصم واغترب مع الأخير في الجزائر مدة مديدة ولما أفضت الخلافة للمنصور سوغه مغارم مسفيوة بحذافيرها مكافأة على الهجرة إلا أنه استثنى منها أعشار الزيت فكتب له ابن عمرو بأبيات ليشملها العطاء فأعطاها له أيضاً فكان يبيع منها بالآلاف من العين وهذه الأبيات: أبحر الندى خير الملوك سجية. . . وأفضل سلطان رقي فوق منبر لقد سرت في الإسلام أحسن سيرة. . . وخصصت بالنصر العزيز المؤزر أمولاي لاحظني بجودك إنني. . . فقير نوال من لدنك موفر فهذا زمان الزيت قد جاء مقبلاً. . . ولي رغبة فيه بغير تنكر فمنها اشتعالي في الدجا وتطيبي. . . ودهن طعامي ثم منها تعطري لأني بليد الطبع أشتاق ريحها. . . ففي الزيت يا مولاي مسكي وعنبري المودة في القربى كتب الشيخ التاودي ابن سودة لقاضي فاس أبي عبد الله الهواري يستعطفه في تسريح شريفين من السجن: أقاضي الورى رفقاً بآل محمدٍ. . . وراع رعاك الله في حقهم جنباً

стр. 549

وذا سابع الميلاد فافكك وثاقهم. . . وكن تالياً إلا المودة في القربى) (١) فأجابه: أيا عالماً قد طبق الشرق والغربا. . . وأبدى لنا ما يشرح الصدر والقلبا وذاك بنصح لي بنظم مهذب. . . وفي طيه عتب وأحبب به عتبا وها أنا ذا في الحين لبيت أمركم. . . وما أبتغي إلا المودة في القربى إنك لبحر قصد الشاعر أبو بحر بن عبد الصمد مروان بن سمجون الطنجي زعيم المغرب وشيخه في وقته بقصيدة صنعها فيه جاء فيها: فدى للفقيه ابن عبد الملك. . . رجال حلومهم تستزل يرومون إدراك غاياته. . . وهيهات بالقول لا بالعمل جرى وجروا في ميادينه. . . فجاء بها سابقاً في مهل إمام أقام منار الهدى. . . وعز على أهل تلك النحل وبين للناس فصلاً ففصلاً. . . غوامض أسرار تلك الملل وضم إلى الرأي متن الحديث. . . وعلم الكلام وفهم الجدل

стр. 550

فلما أنشده إياها استحسنها واهتز لها طرباً وقال له أبو من؟ فقال أبو بحر، فقال إنك لبحر عند اسمك ووصله بصلة سنية. حلم المنصور الموحدي وعلمه قال ابن الخطيب: حدثني شيخي أبو الحسن بن الجياب عن حدثه من أشياخه، قال: عرض أبو عبد الله ابن عياش والمكاتب ابن القالي على المنصور كتابين وهو في بعض الغزوات في كلب البرد وبين يديه كانون جمر وكان ابن عياش بارع الخط وابن القالي ركيكه ويفضله في البلاغة أو العكس، الشك مني، فقال المنصور أي كتاب لو كان بهذا الخط وأي خط لو كان بهذا الكتاب، فرضي ابن القالي وسخط ابن عياش فانتزع الكتاب من يد المنصور وطرحه في النار وانصرف فتغير وجه المنصور وابتدر أحد الأشياخ فقال: يا أمير المؤمنين طعنتم له في الوسيلة التي عرفته ببابكم فعظمت غيرته لمعرفته بقدر السبب الموصل إليكم فري عن المنصور وقال لأحد خدامه: اذهب إلى السبي فاختر أجمل نسائه الأبكار وائت ابن عياش فقل له هذه تطفيء من خلقك، قال ابن عياش يخاطب ولده وقد حدث الحديث هي أمك يا محمد أو فلان، وقال ابن خميس: حدثني خالي أبو عبد الله ابن عسكر أن الكاتب أبا عبد الله ابن عياش كتب يوماً كتاباً ليهودي فكتب فيه ويحمل على البر

стр. 551

والكرامة، فقال له المنصور: أتقول في كافر يحمل على البر والكرامة؟ قال ابن عياش ففكرت ساعة وقد علمت أن الاعتراض يلزمني. فقلت: قال رسول الله ﷺ إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه، وهذا عام في الكافر وغيره، فقال نعم هذه الكرامة فالمبرة من أين أخذتها، قال: فسكت ولم أجد جواباً قال فقرأ المنصور: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين فسررت بذلك وشكرته. وروى ابن رشيد الفهري عن شيخه أبي بكر بن حبيش قال: أخبرني أبو بكر بن محرز قال كان شيخنا أبو عبد الله الحجري بقي لم يشهد الجمعة نحو أربعين سنة يمنعه من ذلك عذر كما منع مالك بن أنس ﵁ وكان الناس يقولون إنما يتركها لمكان ذكر الموحدين فيها، فكان ذلك يبلغ أمير المؤمنين المنصور فيغضي عنه ويقول لعل له عذراً. ويحكى أن الشاعر المجيد أبا بكر بن مجبر أنشد يوسف بن عبد المؤمن قصيدة يهنئه فيها بفتح منها: إن خير الفتوح ما جاء عفواً. . . مثلاً يخطب الخطيب ارتجالاً

стр. 552

وكان أبو العباس الجراوي الشاعر حاضراً فقطع عليه قوله وقال يا سيدنا اهتدم بيت وضاح: خير شراب ما كان عفواً. . . كأنه خطبة ارتجال فبدر يعقوب المنصور وهو حينئذ وزير أبيه وسنه قريب العشرين وقال أن كان اهتدمه فقد استحقه، لنقله إياه من معنى خسيس إلى معنى شريف فسر أبوه بجوابه وعجب الحاضرون. من إكرام أبي العلاء الموحدي للعلماء قال ابن رشيد أخبرني شيخنا أبو بكر بن حبيش قال أخبرني سهل بن مالك قال: كان الطلبة يحضرون مجلس أبي العلاء فيتذاكرون بين يديه ويتكلم أمير المؤمنين فتكلم يوماً على السلم الذي هو من أقسام البيوع فسكن اللام قال سهل فأعدت السلم وقلت: قال الفقهاء في السلم، والسلم من حكمه كذا وكررته مرات معتنياً بفتحة اللام، فنظرت إليه يحدق إلى النظر كالمصغي لما أقول فلم يعدها إلى أن انقضى المجلس فلما وصلت منزلي أدركني بعض مالكه ومعه كسوة من ثيابه وصرة فيها خمسمائة دينار، وآخر بفرس مطهم فقال: مولانا يقرأ عليك السلام ويقول لك هذا من ثيابه ومن ركابه تصلي فيها وتدعو له وهذه برسم النفقة.

стр. 553

هي الشمس كانت الأميرة تميمة بنت يوسف بن تاشفين بارعة الحسن، قائمة الأدب، فرآها يومين كاتب لها وكانت قد أمرت محاسبه وبرزت لذلك، فبهت. ولما نظرت إليه عرفت ما دهاه، وفطنت لما عراه، فأومأت إلى نفسها وأنشدته: هي الشمس مسكنها في السماء. . . فعز الفؤاد عزاء جميلاً فلن تستطيع إليها الصعود. . . ولن تستطيع إليك النزولا حيوانات معلمة ذكر ابن حموية السرخسي في رحلته أن قوماً قصدوا المنصور الموحدي ومعهم حيوانات معلمة، منها أسد وغراب، أما الأسد فيقصده من دون أهل المجلس ويربض بين يديه، وربما أومأ بالسجود ومد ذراعيه، وأما الغراب فكان يقول: النصر والتمكين لسيدنا أمير المؤمنين، وفي ذلك يقول بعض الشعراء: أنس الشبل ابتهاجاً بالأسد. . . ورأي شبه أبيه فقصد أنطق الخالق مخلوقاته. . . شهدوا والكل بالحق شهد أنك الخيرة من صفوته. . . بعدما طال على الناس الأمد

стр. 554

فأعطاهم وكساهم. أحب سلا أسر محمد بن سوار الأشبوني الشاعر وجرت عليه من في الأسر فقداه ابن عشرة كريم سلا فمدحه بمدائح كثيرة ومنها قوله: أحب سلا من أجل كونك من سلا. . . فكل سلاوي إلى حبيب لصيرتها مضراً ونيلك نيلها. . . وكفك بطحاها وأنت خصيب (١) نتيجة العلم كان في غرفة المؤقت بمئذنة القرويي ساعة غريبة، من صنع المعدل أبي عبد الله الصنهاجي وقد وصفها أحد الشعراء بقوله: روح من الماء في جسم من الصفر. . . ولد بلطيف الحذق والنظر إذا بكى دار في أحشائه فلك. . . خافي المسير وإن لم يبك لم يدر وفي أعاليه حسبان يفصله. . . للناظرين بلا ذهن ولا فكر مترجم عن مواقيت يخبرنا. . . بها فيوجد فيها صادق الخبر

стр. 555

قضى به الخمس في وقت الوجوب وإن. . . غطى على الشمس ستر الغيم والمطر محدد كل ميقات تخيره. . . ذووا التأمل للأسفار والحضر نتيجة العلم والأفكار صوره. . . - يا حبذا - مبدع الأفكار في الصور تظليل صحن القرويين كان بصحن جامع القرويين بفاس ومظلات من شقق الكتان نشر في زمن الصيف لتظليل المصلين يوم الجمعة أحدثها القاضي محمد ابن داود وذلك بأن جعل حبالاً تجري في حلق على جوانب الصحن ترفع بها المظلات وقت الحاجة إليها وجعل في مواضع منها فرجاً يتنسم الناس منها الهواء، وفيه يقول الشاعر منوهاً بعمله هذا: تفتحت الدنيا بعد لك في الورى. . . وفسحت لما ضاق للخلق جامعاً شكى صحنه شمس الظهيرة ضاحياً. . . فأظللته ظلاً على الوهج دافعاً تحت ثريا القرويين جلس الأستاذ المزياتي ومعه محمد بن عبدون ومالك بن المرحل ومحمد بن خلف تحت ثريا القرويين الكبرى ليلة السابع والعشرين من رمضان وهي تتوهج نوراً فأنشد فيها ارتجالاً: انظر إلى ثرية نورها. . . يصدع باللألاء سجف الغسق

стр. 556

فقال ابن عبدون: كأنها في شكلها ربوة. . . انظم النور بها فاتسق وقال ابن المرحل: أعيذها من شر ما يتقى. . . من فجأة العين برب الفلق وقال ابن خلف: باهى بها الإسلام ما أشرقت. . . كاساتها عند مغيب الشفق وذكر الثعالبي قال كنا نقرأ المقامات الحريرية بين العشاءين بعنزة جامع القرويين في زمن الصيف على الأستاذ منديل بن أجروم فجعل يقرر الاستعارة في قوله تعالى: فاصدع بما تومر فجاءت ريح قوية فضربت المصابيح إلى الجدران فأطرق الأستاذ ثم رفع رأسه فقال: ولما ضربنا في بيان استعارة. . . مثالاً بصدع الحق صدع زجاج أرتنا عياناً صدعها الريح إذ غدت. . . تكسر في الجدران كل سراج قاض حضرمي كان القاضي أبو عبد الله محمد الحضرمي والد الرئيس عبد المهيمن الحضرمي شديداً في باب القبول على الشهداء فيذكر أن أحد الظلمة

стр. 557

عرض له كتاب رسم في قضية نزلت به فنقده القاضي ومطل في تخليصه فتحيل على أن كتب بحائط مجلس القاضي ما نصه: بسبتة قاض حضرمي اذا انتسب ... وفي حضرموت الشؤم واللؤم في النسب فمن شؤمه لا يثبت العقد عنده ... ومن لؤمه يرمي أولي الفضل بالريب فلما وقعت عين القاضي على المكتوب وفهمه أمر بإزالته وأمسك من عنانه. فتحت لنجلك باب الفتوح كان للقاضي أبي عبد الله بن عبد الرزاق الجزولي ولد قد فتن به فربما تدخل في قضايا الناس بما يريب فلا ينهاه، فقال فيه أبو عبد الله العز في مورياً بيابين من أبواب فاس: أقاضي فاس لقد شنتها. . . وأحدثت فيها أموراً شنيعة ظلمت العباد ورمت العناد. . . وخادعت في الدين كل الخديعة فتحت لنجلك باب الفتوح. . . وأغلقت للناس باب الشريعة) (١)

стр. 558

فبادر مولى الوري فارس (١). . . بعزلك عنها السد الذريعة بين ابن المرحل وابن رشيق كان بين ابن رشيق الثعلبي ومالك بن المرحل خصام أدى إلى تهاجيهما، فنظم ابن رشيق قصيدة جاء في مطلعها: لكلاب سبتة في النباح مدارك. . . وأشدها عند التهارش مالك شيخ تفاني في البطالة عمره. . . وأجل محكيه الكلام الآفك واتخذ لها كنانة كأوعية الكتب وكتب عليها «زمام معجل إلى مالك بن المرحل» وعمد إلى كلب وجعلها في عنقه وأوجعه ضرباً حتى لا يأوي إلى أحد وطرده بالزقاق، فذهب الكلب يعوي وخلفه من الناس أمة، وأخذ الكتاب وقرئ فحمل على ابن المرحل فلم يخف عليه أنه من عمل ابن رشيق، فقال في جوابه: كلاب المزابل آذينني. . . بأبوالهن على باب داري وقد كنت أوجعها بالعصا. . . ولكن عوت من وراء الجدار

стр. 559

زكانة ابن البناء قال ابن شاطر: كنت قاعداً مع ابن البناء بمراكش في دكان طبيب فإذا برجل جاء إليه وقال له يا سيدي آن والدي توفي وكان متهماً بالمال ولم يترك لي شيئاً وقيل لي أن ماله مدفون بداره، فأحب أن تعمل خاطرك معي لوجه الله، ففكر الشيخ برهة ثم قال للرجل: صور في صورة الدار في الرمل فصور له الدار من غير أن يدع منها شيئاً فأمره أن يزيل صورتها فأزالها فأمره بإعادتها ثانياً ففعل، فأمره بإزالتها وبإعادتها ثالثاً وقال له: إن مالك في هذا الموضع منها، فانصرف الرجل وبحث في ذلك الموضع فوجد به المال. شعر للشريف المومناني يغنيه ابن الطراحة كان الشريف أبو الحسين المومناني من العلم والجاه بالمكانة التي لا تجهل وكان قد ولي القضاء بمدينة بجاية وحضر في مجلس كان فيه المغني إبراهيم ابن الطراحة فاقترح بعض الحاضرين على المغني المذكور أن يغني لهم قول بشار بن برد: رأين الغواني الشيب لاح بمفرقي. . . فأعرضن عني بالعيون الفواتر وكن إذا أبصرنني أو سمعن بي. . . سعين يعلقن الكرى بالمحاجر

стр. 560

وكان من عادة ابن الطراحة ألا يغني من الشعر ما انتهى إلى حفظ المغني محمد ابن يعقوب وسمع منه، وكان ابن يعقوب إذ ذاك في أول ظهوره فقال ابن الطراحة لمقترح ذلك عليه: كلامكم عندي لا يرد، والأمر ممتثل، فإن شئتم فاقترحوا على سيدنا أبي الحسين زيادة على البيتين، فأنشد الشريف بديهة: فوا أسفا ولي الشباب وقد غدا. . . ينافرني من كان بالأمس زائري فلولا مشيبي ما أضيعت مودتي. . . ولا عاد محبوبي القريب منافري فغنى ابن الطراحة الشِعر كما طلب منه ورغب هو. محتسب وشاعر روى ابن عربي الحاتمي في محاضراته قال: أتي محتسب كان عندنا بفاس بشاعر جنى جناية فأمر بضربه فسأله العفو حتى أغضبه فصاح في الضراب شد عليه ففي صيحته تلك ضرط ضرطات فقال الشاعر في ذلك والسياط تأخذه: اسمعوني وأعجبوا. . . ضرط المحتسب ضرطة صافية. . . طار منها العتب سهلت حلق سلا. . . وغرت وادي سبو

стр. 561

سبعة في نسق. . . ب ب ب بو ب ب ب حلف لا يمشي شاعره لداره إلا على الذهب كان الشاعر الفيلسوف الموسيقار أبو بكر بن باجة منقطعاً إلى الأمير أبي بكر ابن تافلويت المسوفي الصنهاجي صهر علي بن يوسف، وما جرى له معه أنه حضر يوماً بمجلسه فألقى على بعض قيناته موشحته: جزر الذيل أيما جر. . . وصل الشكر منك بالسكر وختمها بقوله: عقد الله راية النصر. . . لأمير العلا أبي بكر فلما طرق الشعر والتلحين سمع ابن تافلويت صاح واطرباه وشق ثيابه وقال ما أحسن ما بدأت وما ختمت، وحلف لا يمشي ابن باجة إلى داره إلا على الذهب، فخاف الشاعر الحكيم سوء العاقبة فاحتال بأن جعل ذهباً في نعله ومشي عليه. من حكاياتهم في العفاف ذكر الأستاذ أبو جعفر بن الزبير قال: أنشدني أبو الخطاب بن

стр. 562

خليل قال أنشدني القاضي أبو حفص بن عمر لنفسه وقد أهديت له جارية فوجدها ابنة سرية كان قد تسراها فردها إلى مهديها وكتب له: يا مهدي الرشاء الذي ألحاظه. . . تركت فؤادي نصب تلك الأسهم ريحانة كل المني في شمها. . . لولا المهيمن واجتناب المحرم ما عن قلى صرفت إليك وإنما. . . صيد الغزالة لم يبح للمحرم إن الغزالة قد علمنا قبلها. . . سر المهاة وليتا لم نعلم يا ويح عنترة الذي قد شفه. . . ما شفني فشدا ولم يتكلم (يا شاة ما قنص لمن حلت له. . . حرمت علي وليتها لم تحرم) (١) من محاسن الكناية دخل الفقيه أبو الحسن بن الصباغ على القاضي أبي القاسم الشريف السبتي يوماً لأداء شهادة عنده فوجد بين يديه جماعة من الغزاة يؤدون شهادة فسيع القاضي منهم وقال لهم هل ثم من يعرفكم؟ فقالوا نعم، يعرفنا علي الصباغ فقال القاضي أتعرفهم يا أبا الحسن؟ فقال نعم يا سيدي معرفة محمد بن يزيد، فيما أنكر عليه شيئاً بل قال لهم عرف

стр. 563

الفقيه أبو الحسن ما عنده فانظروا من يعرف معه رسم حالكم فانصرفوا راضين ولم يرتهن الشاهد في شيء من حالهم ولا كشف القاضي لهم ستر القضية وإنما أشار أبو الحسن الصباغ إلى قول الشاعر: أسال عن ثمالة كل حي. . . فكلهم يجيب ومن ثماله؟ فقلت محمد بن يزيد منهم. . . فقالوا: الآن زدتهم جهاله غريبة رابغ قال ابن رشيد في رحلته: ذكر غريبة عنت لنا برابغ وما عنت، بل أغنت في معنى الآية الكريمة وأقنت، وهي قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا (ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه ورسله بالغيب). صحبني في الطريق من المدينة على ساكنها الصلاة والسلام إلى البيت الحرام أحد الشيوخ من شرفاء المدينة، فلما وافينا رابغ رأيت أمراً عجباً من تخلل الوحش، الغزال والأرنب بين الجمال والرحال، بحيث يناله الناس بأيديهم والناس ينادون حرام! حرام! والجوارح قد سلسلت خيفة تعدي جاهل، يتعسف المجاهل، فقال لي ذلك الشيخ الشريف: تأمل تر عجباً هكذا جرت عادتنا في هذه الطريق إذا مررنا به ونحن محرمون تجد به من الوحش ما ترى فإذا عدنا محلين لم نجد

стр. 564

به شيئاً، فلما عدنا كان كما قال فبان لي من معنى الآية ما لم يكن عندي بالمشاهدة. آخر ما نسمع منهم لما احتضر أبو محمد الأصيلي قال: اللهم إنك قد وعدت الجزاء على المصيبة ولا مصيبة علي أعظم من نفسي فأحسن جزائي فيها يا أرحم الراحمين وكان ذلك آخر ما نسمع منه. ودخل أبو عبد الله المقري على عبد الرحمن بن عفان الجزولي وهو يجود بنفسه وكان رآه قبل ذلك معافى، فسأله عن السبب فأخبره أنه خرج إلى لقاء السلطان أبي الحسن المريني فسقط عن دابته فتضعضت أركانه فقال: ما حملك أن تتكلف هذا في ارتفاع سنك فقال: أما علمت أن حب الرياسة آخر ما يخرج من قلوب العارفين. وقال ابن الطيب القادري: دخلت على محمد بن قاسم جسوس في مرضه الذي توفي فيه فسمعته ينشد هذه الأبيات وما فهمت ما يقول إلا بمشقة: سلام على أهل الحمى حيثما حلوا. . . هنيئاً لهم يا حبذا ما به حلوا لهم أظهر المولى شموس بهائه. . . فيا ليت خدي في التراب لهم نعل

стр. 565

متى يا غريب الحي يأتي بشيركم. . . فتبتهج الدنيا ويجتمع الشمل صلوني على ما بي فإني لوصلكم. . . وإن لم أكن أهلاً فأنتم له أهل كلم نوابغ للكاتب محمد بن سلمان من رجال الأنيس إذا حصلت الألفة، سقطت الكلفة. بكتم الأسرار، تستعبد الأحرار. ترك التدبير، أخرج يوسف من البير. الثقيل، هو البلاء كما قيل. الجاه، لا يفلح من رجاه. حب المال يطيل الآمال، خوف العقاب، يفك الرقاب. الذل ممقوت، ولو جلب الياقوت. رزقك معك، حيثما سرت تبعك. الكروب، أشد من الحروب. من اغتابك، فقد أثابك. العاقل يختار، وإن كان ذا إقتار. الفرقة، هي الحرقة. الشرور، تميت السرور. لا ترض بالسؤال، ولو جلب اللآل.
следующие страницы →