← Указатели

Указатели · id 148529

النبوغ المغربي في الأدب العربي

عبد الله كنون

Полный текст (910 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

سبعة في نسق. . . ب ب ب بو ب ب ب حلف لا يمشي شاعره لداره إلا على الذهب كان الشاعر الفيلسوف الموسيقار أبو بكر بن باجة منقطعاً إلى الأمير أبي بكر ابن تافلويت المسوفي الصنهاجي صهر علي بن يوسف، وما جرى له معه أنه حضر يوماً بمجلسه فألقى على بعض قيناته موشحته: جزر الذيل أيما جر. . . وصل الشكر منك بالسكر وختمها بقوله: عقد الله راية النصر. . . لأمير العلا أبي بكر فلما طرق الشعر والتلحين سمع ابن تافلويت صاح واطرباه وشق ثيابه وقال ما أحسن ما بدأت وما ختمت، وحلف لا يمشي ابن باجة إلى داره إلا على الذهب، فخاف الشاعر الحكيم سوء العاقبة فاحتال بأن جعل ذهباً في نعله ومشي عليه. من حكاياتهم في العفاف ذكر الأستاذ أبو جعفر بن الزبير قال: أنشدني أبو الخطاب بن

стр. 562

خليل قال أنشدني القاضي أبو حفص بن عمر لنفسه وقد أهديت له جارية فوجدها ابنة سرية كان قد تسراها فردها إلى مهديها وكتب له: يا مهدي الرشاء الذي ألحاظه. . . تركت فؤادي نصب تلك الأسهم ريحانة كل المني في شمها. . . لولا المهيمن واجتناب المحرم ما عن قلى صرفت إليك وإنما. . . صيد الغزالة لم يبح للمحرم إن الغزالة قد علمنا قبلها. . . سر المهاة وليتا لم نعلم يا ويح عنترة الذي قد شفه. . . ما شفني فشدا ولم يتكلم (يا شاة ما قنص لمن حلت له. . . حرمت علي وليتها لم تحرم) (١) من محاسن الكناية دخل الفقيه أبو الحسن بن الصباغ على القاضي أبي القاسم الشريف السبتي يوماً لأداء شهادة عنده فوجد بين يديه جماعة من الغزاة يؤدون شهادة فسيع القاضي منهم وقال لهم هل ثم من يعرفكم؟ فقالوا نعم، يعرفنا علي الصباغ فقال القاضي أتعرفهم يا أبا الحسن؟ فقال نعم يا سيدي معرفة محمد بن يزيد، فيما أنكر عليه شيئاً بل قال لهم عرف

стр. 563

الفقيه أبو الحسن ما عنده فانظروا من يعرف معه رسم حالكم فانصرفوا راضين ولم يرتهن الشاهد في شيء من حالهم ولا كشف القاضي لهم ستر القضية وإنما أشار أبو الحسن الصباغ إلى قول الشاعر: أسال عن ثمالة كل حي. . . فكلهم يجيب ومن ثماله؟ فقلت محمد بن يزيد منهم. . . فقالوا: الآن زدتهم جهاله غريبة رابغ قال ابن رشيد في رحلته: ذكر غريبة عنت لنا برابغ وما عنت، بل أغنت في معنى الآية الكريمة وأقنت، وهي قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا (ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه ورسله بالغيب). صحبني في الطريق من المدينة على ساكنها الصلاة والسلام إلى البيت الحرام أحد الشيوخ من شرفاء المدينة، فلما وافينا رابغ رأيت أمراً عجباً من تخلل الوحش، الغزال والأرنب بين الجمال والرحال، بحيث يناله الناس بأيديهم والناس ينادون حرام! حرام! والجوارح قد سلسلت خيفة تعدي جاهل، يتعسف المجاهل، فقال لي ذلك الشيخ الشريف: تأمل تر عجباً هكذا جرت عادتنا في هذه الطريق إذا مررنا به ونحن محرمون تجد به من الوحش ما ترى فإذا عدنا محلين لم نجد

стр. 564

به شيئاً، فلما عدنا كان كما قال فبان لي من معنى الآية ما لم يكن عندي بالمشاهدة. آخر ما نسمع منهم لما احتضر أبو محمد الأصيلي قال: اللهم إنك قد وعدت الجزاء على المصيبة ولا مصيبة علي أعظم من نفسي فأحسن جزائي فيها يا أرحم الراحمين وكان ذلك آخر ما نسمع منه. ودخل أبو عبد الله المقري على عبد الرحمن بن عفان الجزولي وهو يجود بنفسه وكان رآه قبل ذلك معافى، فسأله عن السبب فأخبره أنه خرج إلى لقاء السلطان أبي الحسن المريني فسقط عن دابته فتضعضت أركانه فقال: ما حملك أن تتكلف هذا في ارتفاع سنك فقال: أما علمت أن حب الرياسة آخر ما يخرج من قلوب العارفين. وقال ابن الطيب القادري: دخلت على محمد بن قاسم جسوس في مرضه الذي توفي فيه فسمعته ينشد هذه الأبيات وما فهمت ما يقول إلا بمشقة: سلام على أهل الحمى حيثما حلوا. . . هنيئاً لهم يا حبذا ما به حلوا لهم أظهر المولى شموس بهائه. . . فيا ليت خدي في التراب لهم نعل

стр. 565

متى يا غريب الحي يأتي بشيركم. . . فتبتهج الدنيا ويجتمع الشمل صلوني على ما بي فإني لوصلكم. . . وإن لم أكن أهلاً فأنتم له أهل كلم نوابغ للكاتب محمد بن سلمان من رجال الأنيس إذا حصلت الألفة، سقطت الكلفة. بكتم الأسرار، تستعبد الأحرار. ترك التدبير، أخرج يوسف من البير. الثقيل، هو البلاء كما قيل. الجاه، لا يفلح من رجاه. حب المال يطيل الآمال، خوف العقاب، يفك الرقاب. الذل ممقوت، ولو جلب الياقوت. رزقك معك، حيثما سرت تبعك. الكروب، أشد من الحروب. من اغتابك، فقد أثابك. العاقل يختار، وإن كان ذا إقتار. الفرقة، هي الحرقة. الشرور، تميت السرور. لا ترض بالسؤال، ولو جلب اللآل.

стр. 566

المقالات البلاغة النبوية للقاضي عياض . . وأما فصاحة اللسان وبلاغة القول فقد كان ﷺ من ذلك بالمحل الأفضل والموضع الذي لا يجهل سلاسة طبع وبراعة منزع وإيجاز مقطع ونصاعة لفظ وجزالة قول وصحة معان وقلة تكلف أوتي جوامع الكلم وخص ببدائع الحكم وعلى ألسنة العرب يخاطب كل أمة بلسانها ويحاورها بلغتها ويباريها في منزع بلاغتها حتى كان كثير من أصحابه يسألونه في غير موطن عن شرح كلامه وتفسير قوله، من تأمل حديثه وسيره علم ذلك وتحققه وليس كلامه مع قريش والأنصار وأهل الحجاز ونجد ككلامه مع ذي الشعار الهمداني وطهفة النهدي وقطن بن حارثة العليمي والأشعث بن قيس ووائل بن حجر الكندي وغيرهم من أقيال حضرموت وملوك اليمن. وانظر كتابه إلى همدان: «إن لكم فراعها (١) ووهاطها وعزازها (٢)

стр. 567

تأكلون علافها (١) وترعون عفاءها (٢)؛ لنا من دفئهم (٣) وصرامهم (٤) ما سلوا بالميثاق والأمانة ولهم من الصدقة الثلب) (٥) والناب والفصيل (٦) والفارض) (٧) والداجن) (٨) والكبش الحوري (٩) وعليهم فيها الصالغ (١٠) والقارح (١١)» وقوله لنهد: «اللهم بارك لهم في مخضها ومخضها ومذقها (١٢) وابعث راعيها في الدثر (١٣) وافجر له الثمد (١٤) وبارك لهم في المال والولد، من أقام الصلاة كان مسلماً ومن آتى الزكاة كان محسناً ومن شهد أن لا إله إلا الله كان مخلصاً، لكم يا بني نهد ودائع الشرك (١٥) ووضانع الملك (١٦)، لا تلطط (١٧) في الزكاة ولا تلحد في الحياة ولا تتثاقل عن الصلاة» وكتب لهم: «في الوظيفة الفريضة (١٨) ولكم الفارض (١٩) والفريش (٢٠) وذو العناق الركو (٢١) والفلو (٢٢) الضبيس (٢٣) لا يمنع سرحكم (٢٤) ولا يعضد طلحكم (٢٥) ولا يحبس

стр. 568

دركم (١) ما لم تضمروا الرماق) (٢) وتأكلوا الرباق (٣) من أقر فله الوفاء بالعهد والذمة ومن أبي فعليه الربوة (٤) ومن كتابه لوائل بن حجر: «إلى الأقيال العباهلة (٥) والأرواع (٦) المشابيب (٧)» وفيه «في التيعة (٨) شاة لا مقورة الألياط (٩) ولا ضناك (١٠) وأنطوا الثبجة (١١) وفي السيوب (١٢) الخمس ومن زنامم (١٣) بكر فاصقعوه مائة واستوفضوه (١٤) عاماً ومن زنامم ثيب فضرحوه (١٥) بالأضاميم (١٦) ولا توصيم (١٧) في الدين ولا غمة (١٨) في فرائض الله وكل مسكر حرام ووائل بن حجر يترفل (١٩) على الأقيال». أين هذا من كتابه لأنس في الدقة المشهور لما كان كلام هؤلاء على هذا الحد وبلاغتهم على هذا النمط وأكثر استعمالهم هذه الألفاظ، استعملها معهم ليبين للناس ما نزل إليهم وليحدث الناس بما يعلمون، وكقوله في حديث عطية السعدي قال: اليد العليا هي المنطية واليد

стр. 569

السفلى هي المنطاة، قال: فكلمنا رسول الله ﷺ بلغتنا. وقوله في حديث العامري حين سأله فقال له النبي ﷺ : سل عنك أي سل عما شئت وهي لغة بني عامر. وأما كلامه المعتاد وفصاحته المعلومة وجوامع كلمه وحكمه المأثورة فقد ألف الناس فيها الدواوين وجمعت في ألفاظها ومعانيها الكتب ومنها ما لا يوازي فصاحة ولا يبارى بلاغة كقوله: المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم وقوله: الناس كأسنان المشط والمرء مع من أحب ولا خير في صحبة من لا يرى لك ما ترى له والناس معادن وما هلك إمرؤ عرف قدره والمستشار مؤتمن وهو بالخيار ما لم يتكلم ورحم الله عبداً قال خيراً فغنم أو سكتت فسلم وقوله: أسلم تستلم وأسلم يوتك الله أجرك مرتين وإن أحبكم إلي وأقربكم مني مجالس يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً الموطئون أكنافاً الذين يألفون ويؤلفون وقوله لعله كان يتكلم بما لا يعنيه (١) وقوله: ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيهاً ونهيه عن قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال ومنع وهات وحقوق الأمهات ووأد البنات، وقوله: اتق الله حيث

стр. 570

كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن وخير الأمور أوساطها وقوله: أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما وقوله: الظلم ظلمات يوم القيامة وقوله في بعض دعائه: اللهم إني أسألك رحمة من عندك تهدي بها قلبي وتجمع بها أمري وتلم بها شعثي وتصلح بها غائبي وترفع بها شاهدي وتزكي بها عملي وتلهمني بها رشدي وترد بها ألفتي وتعصمني بها من كل سوء أللهم إني أسألك الفوز في القضاء ونزل الشهداء وعيش السعداء والنصر على الأعداء. إلى ما روته الكافة عن الكافة من مقامات ومحاضراته وخطبه وأدعيته ومخاطباته وعهوده مما لا خلاف أنه نزل من ذلك مرتبة لا يقاس بها غيره وحاز فيها سبقاً لا يقدر قدره. وقد جمعت من كلماته التي لم يسبق إليها ولا قدر أحد أن يفرغ في قالبه عليها كقوله حمي الوطيس ومات حتف أنفه ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين والسعيد من وعظ بغيره في أخواتها، ما يدرك الناظر العجب في مضمنها ويذهب به الفكر في أذاني حكمها وقد قال له أصحابه ما رأينا الذي هو أفصح منك فقال: وما يمنعني وإنما أنزل القرآن بلساني لسان عربي مبين. وقال مرة أخرى: أنا أفصح العرب بيد أني من قريش ونشأت في بني سعد فجمع له بذلك ﷺ قوة عارضة البادية وجزالتها ونصاعة ألفاظ

стр. 571

الحاضرة ورونق كلامها إلى التأييد الإلهي الذي ممدده الوحي الذي لا يحيط بعلمه بشري وقالت أم معبد في وصفها له حلو المنطق فصل لا نزر ولا هذر كأن منطقه خرزات نظمن وكان جهير الصوت حسن النغمة ﷺ . الألقاب والنعوت لابن الحاج الفاسي يتعين على العالم أن يتحفظ من هذه البدعة التي عمت بها البلوي وقل أن يسلم منها كبير أو صغير وهي ما اصطلحوا عليه من تسميتهم بهذه الأسماء القريبة العهد بالحدوث التي لم تكن لأحد ممن مضى بل هي مخالفة للشرع الشريف وهي فلان الدين، والعالم أولى من يتحفظ على نفسه من هذه الأشياء ويذب عن السنة في حق نفسه وفي حق غيره. . . ألا ترى أن هذه الأسماء فيها من التزكية ما فيها فيقع بسبيها في المخالفة بدليل كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وأقوال العلماء. أما الكتاب فقوله تعالى: «فلا تزكوا أنفسكم» وقوله تعالى: «ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا، أنظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثماً مبينا» وأما السنة فقول رسول الله صلى الله عليه

стр. 572

وسلم: لا تزكوا على الله أحداً ولكن قولوا إخاله كذا وأظنه كذا وأما قول العلماء فقد قال أبو عبد الله القرطبي ﵀ في كتابه شرح أسماء الله الحسنى فقد دل الكتاب والسنة على المنع من تزكية الإنسان نفسه، ثم قال: قال علماؤنا ويجري هذا المجرى ما قد كثر في الديار المصرية وغيرها من بلاد العراق والعجم من نعتهم أنفسهم بالنعوت التي تقتضي التزكية والثناء كزكي الدين ومحيي الدين وعلم الدين ويشبه ذلك هـ. . . فإذا قال مثلا محيي الدين أو زكي الدين فلا بد أن يسأل عن ذلك يوم القيامة ويقال له هذا هو الذي أحيى الدين وهذا هو الذي زكي الدين إلى غير ذلك فكيف يكون حاله إذ ذاك حين السؤال بل حين أخذه صحيفته فيجدها مشحونة بما تقدم ذكره من التزكية؟ وقد اختلف علماؤنا رحمة الله عليهم في هذه الآية «ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد» هل الملائكة الكرام يكتبون كل ما يتلفظ به الشخص المكلف كان ما كان أو لا يكتبون إلا ما تضمنه الأمر والنهي وعلى هذا القول الثاني هي المسألة التي نحن بسبيلها إذ أنها احتوت على أشياء مذمومة في الشرع الشريف وهي (. . . . . . . .) لغيره والكذب ومخالفة السلف رضي الله

стр. 573

ولو وقف أمرنا على هذا لكان قريباً لأنه إذا تقرر عندنا أن هذا كذب وتزكية يرجى لأحدنا التوبة والإقلاع ولكن زدنا على ذلك الأمر المخوف وهو أنا نرى أن ذلك جائز أو مندوب إليه بحسب ما سولت لنا انفسنا من أن الناس إذا خوطبوا بغير هذه الأسماء تشوشوا من أجل ذلك وتولدت الشحناء والبغضاء فوضعنا لهم التزكية الخالصة حتى لا يتشوشوا ولا تتولد البغضاء ولا العداوة. لا جرم أن العداوة والبغضاء والشحناء قد كنت عند بعضهم وحصل منها أوفر نصيب كل ذلك بسبب هذه البدعة فبقيت البواطن متنافرة مع الأذهان في الظاهر فأدت هذه البدعة إلى الأمر المخوف لأن صفة المنافق أن يكون باطنه ومعتقده خلاف ظاهره نعوذ بالله من ذلك. ولو كانت هذه الأسماء تجوز لما كان أحد أولى بها من أصحاب رسول الله لي ﷺ إذ أنهم شموس الهدى وأنوار الظلم وهم أنصار الدين حقاً كما نطق به القرآن والخير كله في الاتباع لهم في الاعتقاد والقول والعمل. ألا ترى إلى النبي ﷺ لما أن دخل بزينب أم المؤمنين ﵂ قال لها ما اسمك قالت برة، فكرة ذلك الاسم وقال لا تزكوا أنفسكم لما فيه من اشتقاق اسم البر ومعلوم بالضرورة أنها ما اختيرت السيد الأولين والأخرين ألا وهي من البر بحيث المنتهى لكنه ﵊ كرة ذلك الاسم وان كان حقيقة لما فيه من التركية فجدد اسمها زينب وكذلك فعله ﵊ مع جويرية أم

стр. 574

المؤمنين (وكان اسمها برة أيضاً) فإذا كره ذلك في حق من فيه ذلك. حقيقة ونهى عنه بقوله لا تتزكوا أنفسكم فما بالك بأحوالنا اليوم؟ ومن هذا الباب أيضاً ما خرجه أبو داود في سننه عن شريح عن أبيه هانئ ﵁ أنه لما وفد على رسول الله ﷺ مع قومه سمعهم يكونه بأبي الحكم فدعاه رسول ﷺ فقال أن الله هو الحكم وإليه الحكم فلم تكنى أبا الحكم فقال إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم فرضي كلا الفريقين بكمي فقال رسول الله ﷺ ما أحسن هذا فما لك من الولد فقال لي شريح ومسلم وعبد الله قال فمن أكبرهم قال شريح قال فأنت أبو شريح. فإن قال قائل إنما هذه الأسماء مجاز لا عبرة بها وقد صارت أيضاً كأسماء الأعلام حتى لا يعرف أحد إلا بها فقد خرجت عن باب التركية إلى باب أسماء الأعلام العباس وعلي. فالجواب أن هذا يرده ما نشاهده في الوجود مباشرة وهو أن الواحد منا إذا قيل له اسمه العلمي الشرعي كالعباس وعلي تشوش من ذلك على من ناداه به ووجد عليه الحق لكونه ترك ذلك الاسم وعدل عنه إلى غيره فهذا يوضح ويبين أن التركية باقية مقصودة في هذه الأسماء وإنها لم تبرح ولم تخرج عن موضعها الذي وضعت له. مع إنه لولم يكن فيها لا كذب ولا تزكية لكان منهياً عنها لأن النبي ﷺ نهى عن التشبه بالأعاجم وهذه الأسماء ما ظهرت إلا من قبلهم. وقد رأيت لبعض الشيوخ من

стр. 575

يقتدي بهم في العلم والفتوى والدين يقول إنه أدرك أباه ومن كان في سنه لا يتسمون بهذه الأسماء ولا يعرفونها وكان سببها أن الترك لما تغلبوا على الخلافة تسموا إذ ذاك هذا شمس الدولة وهذا ناصر الدولة وهذا نجم الدولة إلى غير ذلك فتشوفت نفوس بعض العوام ممن ليس له علم إلى تلك الأسماء لما فيها من التعظيم والفخر فلم يجدوا سبيلاً إليها لأجل عدم دخولهم في الدولة فرجعوا إلى أمر الدين فكانوا في أول ما حدثت عندهم هذه الأسماء إذا ولد لأحدهم مولود لا يقدر أن يكتبه فلأن الدين إلا بأمر يخرج من جهة السلطان فكانوا يعطون على ذلك الأموال حتى يسمى ولد أحدهم بفلان الدين فلما إن طال المدى وصار الأمر إلى الثراء فلم يبق لهم بالتسمية بالدولة معنى إذ أنها قد حصلت لهم فانتقلوا إلى الدين ثم فشا الأمر وزاد حتى رجعوا يسمون أولاًدهم بغير مال يعطونه على ذلك ثم انتقل إليه بعض من لا علم عنده ولا عمل ثم صار الأمر متعارفاً متعاهداً حتى أنس به بعض العلماء فتواطئوا عليه فإنا لله وانا إليه راجعون. كان الناس يقتدون بالعالم ويهتدون بهديه فصار الأمر إلى أن يحدث الأعاجم ومن لا علم عنده شيئاً فيقتدي العالم بهم فلا حول ولا قوة إلا بالله على عكس الأمور وانقلاب الحقاًئق. ولم يرض الإمام الحافظ النووي ﵀ من المتأخرين بهذا الاسم قط وكان يكرهه كراهة شديدة على نقل عنه وصح وقد وقع في بعض الكتب المنسوبة إليه ﵀ أنه قال إني لا أجعل أحداً في حل ممن يسميني بمحيي

стр. 576

الدين وكذلك غيره من العلماء العاملين بعلمهم. وقد رأيت بعض الفضلاء من الشافعية من أهل الخير والصلاح إذا حكي شيئاً عن النووي ﵀ يقول قال يحيى النووي فسألته عن ذلك فقال إنا نكره أن نسميه باسم كان يكرهه. فعلى هذا فهذه الأسماء إنما وضعت عليهم تفعلاً وهم برءاء من ذلك. النارجيل لابن بطوطة وهو جوز الهند وهذا الشجر من أغرب الأشجار شأناً وأعجبها أمراً وشجره شبه شجر النخل لا فرق بينهما إلا أن هذه تثمر جوازاً وتلك تثمر تمراً وجوزها يشبه رأس ابن آدم لأن فيه شبه العينين والفم وداخلها شبه الدماغ إذا كانت خضراء وعليها ليف شبه الشعر وهم يصنعون منه حبالاً يخيطون بها إلى المراكب عوضاً من مسامير الحديد ويصنعون منه الحبال للمراكب والجوازة منها وخصوصاً التي بجزائر ذيبة المهل، تكون بمقدار رأس الأدمي ويزعمون أن حكيماً من حكماء الهند في غابر الزمان كان متصلاً بملك من الملوك ومعظماً لديه وكان الملك وزير بينه وبين هذا الحكيم معاداة فقال الحكيم للملك أن رأس هذا الوزير إذا قطع ودفن تخرج منه نخله تثمر بثمر عظيم يعود نفعه

стр. 577

على أهل الهند وسواهم من أهل الدنيا فقال له الملك فإن لم يظهر من رأس الوزير ما ذكرته قال إن لم يظهر فاصنع برأسي كما صنعت برأسه، فأمر الملك برأس الوزير فقطع واخده الحكيم وغرس نواة تمر في دماغه وعالجها حتى صارت شجرة وأثمرت بهذا الجوز وهذه الحكاية من الأكاذيب ولكن ذكرناها لشهرتها عندهم. ومن خواص هذا الجوز تقوية البدن وإسراع السمن والزيادة في حمرة الوجه وإما الإعانة على الباءة ففعله فيها عجيب، ومن عجائبه انه يكون في ابتداء أمره أخضر فمن قطع بالسكين قطعة من قشره وفتح رأس الحوزة شرب منها ماء في النهاية من الحلاوة والبرودة ومزاجه حار معين على الباءة فإذا شرب ذلك الماء أخذ قطعة القشرة وجعلها شبه الملعقة وجرد بها ما في داخل الجوزة من الطعم فيكون طعمه كطعم الجوزة إذا شويت ولم يتم نضجها كل التهام وتعدى به ومنه كان غذائي في أيام إقامتي بجزائر ذيبة المهل مدة من عام ونصف عام ومن عجائبه أنه يصنع منه الزيت والحليب والعسل. فأما كيفية صناعة العسل منه ويسمون فإن خدام النخل منه الفازانية يصعدون إلى النخلة غدواً وعشياً إذا أرادوا أخذ مائها الذي يصنعون منه العسل وهم يسمونه الأطواق فيقطعون العذق الذي يخرج منه الثمر ويتركون منه مقدار إصبعين ويربطون عليه قدراً صغيرة فيقطر فيها الماء الذي يسيل من

стр. 578

العذق فإذا ربطها غدوة صعد إليها عشية ومعه قد حان من قشر الجوز المذكور أحدهما مملوء ماء فيصب ما اجتمع من ماء العذق في أحد القدحين ويغسله بالماء الذي في القدح الآخر وينجر من العذق قليلاً ويربط عليه القدر ثانية، ثم يفعل غدوة كفعله عشياً فإذا اجتمع له الكثير من ذلك الماء طبخه كما يطبخ ماء العنب إذا صنع منه الرب فيصير عسلاً عظيم النفع طيباً فيشتريه تجار الهند واليمن والصين ويحملونه إلى بلادهم ويصنعون منه الحلواء. وأما كيفية صنع الحليب منه فإن بكل دار شبه الكرسي تجلس فوقه المرأة ويكون بيدها عصى في أحد طرفيها حديدة مشرفة فيفتحون في الجوزة مقدار ما تدخل تلك الحديدة ويجرشون ما في باطن الجوزة، وكل ما ينزل منها يجتمع في صحفة حتى لا يبقى في داخل الجوزة شيء ثم يمرس ذلك الجريش بالماء فيصير كلون الحليب بياضاً ويكون طعمه كطعم الحليب ويأتدم به الناس. وأما كيفية صنع الزيت فإنهم يأخذون الجوز بعد نضجه وسقوطه عن شجره فيزليون قشره ويقطعونه قطعاً ويجعل في الشمس فإذا ذبل طبخوه في القدور واستخرجوا زيته وبه يستصبحون ويأتدمون به ويجعله النساء في شعورهن وهو عظيم النفع.

стр. 579

أطول الطريق للشيخ زروق أصول طريقتنا التي تنبني عليها عشرة أشياء: خمسة ظاهرة وخمسة باطنة. أما الخمسة الظاهرة فأولها ملازمة السمع والطاعة لأمراء المسلمين وعامتهم وخاصتهم من أهل الله، فلا يخالف عليهم بقول ولا بفعل بل إيمان وتسليم، الثاني لزوم الخمس في الجماعة بحسب الإمكان فإن كان في الجامع الأعظم فهو أولى وتكفي المرأة والصبي وأي من كان من المسلمين في تحصيل فضلها، الثالث القناعة بقليل الرزق وكثيره بأي وجه تحصل من الوجوه المباحة، الرابع إقامة الأوراد الشرعية بحسب ما يكون صالحاً بالإنسان في دينه ودنياه وذلك يختلف باختلاف الناس، الخامس إيثار الخمول بترك الفضول وعدم المنازعة والعناد في كل قول وفعل وفي ذلك يقول القائل: وقائلة مالي أراك مجانباً. . . أموراً وفيها للتجارة مربح فقلت لها مالي بربحك حاجة. . . فتحن أناس بالسلامة نفرح وأما الخمسة الباطنية فأولهها الأعراض عما يرجي أو يحشى من قبل الخلق بأن لا يرجى عنهم لا دفع ولا جلب ولا يتوجه إليهم (. . . . . . . . . . . . . .).

стр. 580

قلت أو جلت إلا منه. الثالث إقامة رسم الشريعة بلزوم الأسباب من غير استناد ولا اعتماد، بل كما قال ابن عطاء الله: لا بد من الأسباب وجوداً والغيبة عنها شهوداً فأثبتها من حيث أثبتها الحق بحكمته ولا تستند إليها لعلمك بأحديته. الرابع الخروج من الكلف بأن تكلف ولا تتكلف وإن جرى لك شيء من ذلك فلا تعدله ودع الخلق وما دفعوا إليه فمراد الحق ما هم عليه. الخامس أن لا تعمل عملاً إلا بقصد ونية فكل عمل لا تصحبك فيه نية ولا قصد صالح فلا تقر به فإنه لا فائدة فيه. وبعد هذه الخمس خمس لا بد لك منها، مجاملة الخلق، ومحاسنتهم في الأمور والحذر منهم في عين حسن الظن بهم، وموافقتهم في كل أمر لا يخالف الشرع ولا يضر بالدنيا ولا ينقص العقل، وإتباع العلم في كل ورد وصدر، فقد قال رسول الله ﷺ : العلم إمام العمل والعمل تابعه. وقال ﷺ : لمن استوصاه اتق الله حيث كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن فين ثم قال الشيوخ: الإنسان مبتلى بنفسه والوقوع في المعصية لا يقضي بعدم الاستدراك، فالواجب على المريد أن لا يعزم على محذور ولا يفرط في مأمور فإن وقع فليبادر المعصية بالتوبة والنقيصة بالإنابة. والفرق بين المعصية والنقيصة أن المعصية ما فيه إثم كالزنى والنقيصة ما فيه عيب كالطمع.

стр. 581

وقد قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي ﵁: اجعل التقوى وطنك، ثم لا يضرك فرح النفس ما لم ترض بالعيب أو تصر على الذنب أو تسقط منك الخشية بالغيب اهـ. وهو مدار الأمر وجملته وبالله التوفيق. التاريخ والألفاظ المستعملة فيه لأحمد بن عرضون أعلم أن الأدباء والكتاب اختلفوا في التاريخ هل يكون بما مضى من الشهر أو بما بقي منه أو بها. فمنهم من يؤرخ بما مضى كان أقل ما بقي أو أكثر أو مساوياً فيقول لثلاث خلون ولعشر خلون ولا يؤرخ بما بقي لأنه مجهول لأن الشهر يكون من ثلاثين ومن تسعة وعشرين كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ وهذا القول ارتضاه الأكثرون لأنه أسلم من الكذب. . . ومنهم من يؤرخ بالأقل سواء كان ماضياً أو باقياً قصداً لاختصار اللفظ وتقريبه فيقول لثلاث بقين ولا يقول لسبع وعشرين خلت ويقول لثلاث خلت ولا يقول لسبع وعشرين بقيت. ثم اختلف القائلون بهذا إذا استوى الماضي والباقي فمنهم من يجوز التاريخ بالماضي وبالباقي أيهما شاء،

стр. 582

ومنهم من يؤرخ بالماضي فقط، وبعض المتأخرين أجاز التحرز في التاريخ بالباقي فيقول لثلاث بقين؛ إن بقين. والتاريخ بالليالي دون الأيام، بهذا استمر العمل قديماً حفظاً على الليلة السابقة وإشعاراً بأن الشهر قمري تسبق الليلة نهارها في دخوله وجرياً على مهيع العرب في تغليب المؤنث على المذكر في التاريخ. قال الرعيني عدل أهل العصر ومن قبلهم قريباً إلى التاريخ بالأيام فيكتبون في الأول من كذا وفي الثاني ثم يتبعون الأيام يوماً بعد يوم إلى آخر الشهر وسقط بذلك تكلف خلت وخلون وبقيت وبقين، وأكثر العمل الآن عليه وهو أقبل من الأول، وليس فيه ما زعموا من إغفال الليلة فإن الليلة وإن دلت على يومها فاليوم أقوى دلالة عليها لتقدمها عليه قال وتحد المذكر إن أرخت بالأيام على الأصل من ثبوت التاء في الأول وتسقطها من الثاني عكس المؤنث ولم تثبت التاء في الثاني من المذكر وإن كان ذلك الأصل قبل التركيب لئلا تجمع بين علامتي تأنيث في كلمة؛ فإن الاسمين قد صيرا اسماً وأحدة من أحد عشر إلى تسعة عشر. وأعلم أنه ليس شيء من أسماء الشهور يضاف إليه شهر إلا ثلاثة رمضان وربيعان قيل لأنها كلها أعلام للشهور الموضوعة عليها أو صفات قامت مقام الأعلام إلا الربيعين ورمضان فإنها باقية على الصفة المحضة.

стр. 583

ويقال محرم والمحرم وذو قعدة وذو القعدة وذو حجة وذو الحجة وما سواها من الشهور لا يقال بالألف واللام لأنها أعلام وتلك لمح فيها الوصف الأصلي. والشهور كلها مذكرة إلا جمادي تقول جمادى الأولى وجمادى الثانية ويقال جمادى الآخرة بمد الهمزة والأخيرة بقصر الهمزة وياء بعد الخاء ولا يقال الأخرى فإن الأخرى تأنيث الآخر بفتح الخاء وكذلك الأيام تذكر كلها إلا الجمعة. وقال في المنهج: الألفاظ التي تستعمل في أول الشهر: مفتتح ومهل وغرة وصدر وعقب بضم العين وسكون القاف أوضمهما فيقال وذلك في مفتتح كذا وفي مهله وغرته وصدره وعقبه، فأما المفتتح فيقال في أول يوم منه خاصة، وأما الغرة فيقال في اليوم الأول والثاني والثالث، لا خلاف في ذلك، وأما المهل ففيه خلاف منهم من يجعله كالمفتتح ومنهم من يجعله كالغرة، وأبو علي الفارسي منع أن يقال في أول يوم من الشهر مستهل لأن الاستهلال قد انقضى ونص على أن يؤرخ بأول الشهر أو بغرته أو بليلة خلت منه، وأما العقب بالضم فقال بعض النحويين يقع على ما تقع عليه الغرة، ومنهم من قال: يقال جئت في عقب الشهر إذا جئت بعد ما مضى ولم يحد هذه البعدية بيوم ولا بيومين ولا بثلاثة، وأما الصدر فقيل الذي

стр. 584

يظهر من كلام بعض النحاة واللغويين أنه كالغرة وقيل من أوله إلى ثلثه وقيل الثلثان والنصف وكلا القولين مستقرأ من المدونة. وأما الألفاظ التي تستعمل في وسط الشهر فهي وسط ومنتصف وسواء فيقال: وذلك في وسط شهر كذا وفي منتصفه وسوائه، وهذه الألفاظ ظاهرة في النصف لا غير ويصح في لفظ الوسط أن يكون للعشر الأواسط لأنها وسط باعتبار أن قبلها عشراً وبعدها عشراً. وأما الألفاظ التي تستعمل آخر الشهر فهي عقب بفتح العين وكسر القاف أو سكونها ومنسلخ وسلخ فيقال وذلك في عقب شهر كذا ومنسلخ شهر كذا وسلخه فالعقب للثلاثة الأخيرة منه والمنسلخ والسلخ لليوم الأخير منه والصواب أن لا يؤرخ بالعقب لا في أول الشهر ولا في آخره لئلا يصحف أحدهما الآخر فيقع اللبس. قال الرعيني وتكتب في العشرة الأولى حملاً على المعنى والأول حملاً على اللفظ، والوسطى والوسط والآخرة والأواخر ولا تقل الأخرى لئلا يلتبس بالتواني وتمتنع الأوائل والأواسط والآخر لما فيه من وصف المؤنث بالمذكر.

стр. 585

التوشيح والوشاحون للإفراني التوشيخ لغة مأخوذ من الوشاح قال في الأنوار والوشاح خزر تنظم بجواهر وأحجار نفيسة نظمين مختلفين تتقلد بهما المرأة يلتقيان عند صدرها وبين كتفيها كحمائل السيف ومنه التوشيح الذي في الحديث وهو أن يخالف الرجل بين طرفي الثوب آخذاً لهما من تحت إبطيه عاقداً لهما على رقبته اهـ. ومن هذا التوشيح عند أهل البديع ومخترعه قدامة وهو أن يكون أول الكلام دالاً على الفظ ولهذا سموه توشيحاً فإنه يتنزل المعنى فيه بمنزلة الوشاح ويتنزل أول الكلام وآخره منزلة العاتق والكشح اللذين يجول عليهما الوشاح. ومن غريب التوشيح البديعي ما ذكر أن عدي بن الرقاع أنشد الوليد بن عبد الملك بحضرة جرير والفرزدق قصيدته التي أولها: عرف الديار توهماً فاعتادها، حتى انتهى لقوله: تزجي أغن كان إبرة روقه، ثم شغيل الوليد عن الاستماع فقطع عدي الإنشاد فقال الفرزدق إنه سيقول: قلم أصاب من الدواة مدادها، فلما عاد الوليد للاستماع وعاد.

стр. 586

للإنشاد قال: قلم أصاب من الدواة مدادها، فقال الفرزدق: والله لما سمعت صدر بيته رحمته فلما أنشأ عجزه انقلبت الرحمة حسداً وقال الشريف الغرناطي (أبو القاسم الشريف) في شرح المقصورة لما أنشد أبيات ابن الزقاق ومنها: على عاتقي من ساعديها حمائل. . . وفي خصرها من ساعدي وشاح استعمل ابن الزقاق الوشاح في معنى النطاق وهو ما تديره المرأة على خصرها والوشاح ما تتقلده على عاتقها فيكون منها في موضع حمائل السيف من الرجل. وقد خطيء أبو تمام في قوله: من الهيف لو أن الخلاخل صورت لها وشحاً جالت عليه الخلاخل لأنه استعمل الوشاح في الحقاًب، وإنما وصفوا الوشاح بالقلق والحركة لأن ذلك يدل على رقة الخصر وضمور البطن، وسمي التوشيح توشيحاً أخذاً من وشح بمعنى زين، قال الثعالبي على قول الحلي: ما روضة وشح الوسمي بردتها، ما نصه وشح هو من التوشيح وهو التزيين يقال: وشحت الشيء إذا زينته ومنه الوشاح اهـ. وأما التوشيح عرفاً فقال ابن خلدون أن أهل الأندلس لما كثر

стр. 587

الشعر في قطرهم وتهذبت مناحيه وفنونه وبلغ التنميق فيه الغاية استحدث المتأخرون منهم فناً سموه بالموشح ينظمونه أسماطاً أسماطاً وأغصاناً أغصاناً يكثرون منها ومن أعاريضها المختلفة ويسمون المتعدد منها بيتاً وأحداً ويلتزمون غدد قوافي تلك الأغصان وأوزانها متتالياً فيما بعد إلى آخر القطعة وأكثر ما ينتهي عندهم إلى سبعة أبيات ويشتمل كل بيت على أغصان عددها بحسب الأغراض والمذاهب وينسبون فيها ويمدحون كما يفعل في القصائد اهـ. ولم يلتزموا في أوزانه بحراً من البحور الخمسة عشر بل صنعوا على كل بحر منها وربما استعملوه في الألحان المولدة والطبوع المخترعة والنغمات المستحدثة الخارجة عن أوزان العرب رأساً وهذا الاستعمال أغلب عليهم، ثم قال ابن خلدون: وأول من اخترع التواشيح بجزيرة الأندلس مقدم بن معافر القبري من شعراء الأمير عبد الله بن محمد المرواني وأخذ عنه ذلك أبوعبد الله أحمد بن عبد ربه صاحب كتاب العقد ولم يظهر لهما مع المتأخرين ذكر وكسدت موشحاتهما، فكان أول من برع في هذا الشأن بعدهما عبادة القزاز شاعر المعتصم بن صمادح صاحب المرية وقد ذكر الأعلم البطليوسي أنه سمع أبا بكر بن زهر يقول الوشاحون كلهم عيال على عبادة فيما اتفق له من قوله:

стр. 588

بدر تم شمس ضحى. . . غصن نقا مسك شم ما أتم ما أوضحا. . . ما أورقا ما أنم لا جرم من لمحا. . . قد عشقا قد حرم وزعموا أنه لم يسبق عبادة وشاح من معاصريه الذين كانوا زمن الطوائف وجاء من بعده جماعة منهم ابن ارفع رأسه شاعر المأمون بن ذي النون صاحب طليطلة قالوا وقد أحسن في ابتداء موشحته التي طارت له حيث يقول: العود قد ترنم بأبدع تلحين. . . وشفت المذانب رياض الياسمين وفي إثنائها يقول: تخطر ولم تسلم، عساك المأمون مروع الكتائب، يحيي بن ذي النون ثم جاءت الحلبة التي كانت في أيام الملثمين فظهرت لهم البدائع فمن فرسان حلبتهم الأعمى التطيلي ويحيى بن بقي، ومن موشحات الأعمى: كيف السبيل إلى. . . صبري وفي العالم، أشجان والركب وسط الفلا. . . بالخرد النواعم، قد بانوا

стр. 589

وذكر غير واحد من المشايخ أن أهل هذا الشأن بالأندلس يذكرون أن جماعة من الوشاحين اجتمعوا في مجلس من إشبيلية وكان كل وأحد منهم قد صنع موشحة وتأنق فيها فتقدم الأعمى التطيلي فلما افتتح موشحته المشهورة بقوله: ضاحك عن جمان، سافر عن بدر ... ضاق عنه الزمان، وحواه صدري خرق ابن بقي موشحته وتبعه الباقون وذكر إلا لم البطليوسي أنه سمع ابن زهر يقول ما حسدت قط وشاحاً على قول إلا ابن بقي حين وقع له: أما ترى أحمد. . . في مجده العالي. . . لا يلحق أطلعه الغرب. . . فأرنا مثله. . . يا مشرق وكان في عصرهما من الوشاحين المطبوعين أبوبكر الأبيض وكان في عصرهما أيضاً الحكيم ابن باجة صاحب التلاحين المعروفة، ومن الحكايات التي اشتهرت عنه أنه حضر مجلس مخدومه ابن تيفلويت صاحب سرقسطة فألقى على بعض قيناته موشحته: جرر الذيل أيما جر. . . وصل السكر منك بالسكر

стр. 590

فطرب الممدوح حتى ختمها بقوله: عقد الله راية النصر. . . لأمير العلا أبي بكر فلما طرق ذلك التلحين سمع ابن تيفلويت صاح: واطرباه وشق ثيابه وقال ما أحسن ما بدأت به وما ختمت وحلف بالإيمان المغلظة لا يمشي ابن باجة إلى داره إلا على الذهب فخاف ابن باجة سوء العاقبة فاحتال بأن جعل ذهباً في نعله ومشى عليه وذكر أبو الخطاب بن زهر (١) أنه جرى في مجلس أبي بكر بن زهر ذكر أبي بكر الأبيض الوشاح المتقدم الذكر فغض منه أحد الحاضرين فقال كيف تغض ممن يقول: ما لذ لي شرب راح. . . على رياض الاقاح لولا هضيم الوشاح. . . إذا انثنى في صباح أوفي الأصيل أضحى يقول. . . ما للشمول لطمت خدي وللشمال هبت فمال. . . غصن اعتدال ضمه بردي مما أباد القلوبا بمشي لنا مستريباً. . . يا لحظه زذ نوبا ويالماه الشنيبا برد غليل صب عليل. . . لا يستحيل فيه عن عهد

стр. 591

ولا يزال في كل حال. . . يرجو الوصال وهو في الصد واشتهر بعد هؤلاء في صدر دولة الموحدين محمد بن أبي الفضل ابن شرف قال الحسن ابن دويدة حسدت حاتم بن سعيد على هذا الافتتاح: شمس قارنت بدراً. . . راح ونديم وابن هردوس الذي له: يا ليلة الوصل والسعود. . . بالله عودي وابن مؤهل الذي له: ما العيد في حلة وطاق، وشم طيب. . . وإنما العيد في اللاق، مع الحبيب وأبو إسحاق الرويني قال ابن سعيد سمعت أبا الحسن سهل ابن مالك يقول أنه دخل على ابن زهر وقد أسن وعليه زي البادية إذ كان يسكن بحصن استبة فلم يعرفه فجلس حيث انتهى به المجلس وجرت المحاضرة أن أنشد لنفسه موشحة وقع فيها: كحل الدجى يجري. . . من مقلة الفجر. . . على الصباح ومعصم النهر. . . في حلل خضر. . . من البطاح فتحرك ابن زهر وقال أنت تقول هذا قال اختبر قال ومن تكون فعرفه فقال ارتفع فو الله ما عرفتك قال ابن سعيد وسابق الحلبة التي

стр. 592

أدركت هؤلاء هو أبوبكر بن زهر وقد شرقت موشحاته وغربت. قال وسمعت أبا الحسن ابن سهل بن مالك يقول قيل لابن زهر لو قيل لك ما أبدع ما وقع لك في التوشيح قال كنت أقول: ما للموله. . . من سكره لا يفيق. . . يا له سكران قال في نفح الطيب هذا مطلع موشح يستعمله أهل المغرب إلى الآن ويروى أنه من أحسن الموشحات قلت وأبو بكر بن زهر هو أول من عصر سلافة التوشيح لأهل عصره ولذلك قال فيه تلميذه أبو الخطاب بن دحية في كتاب الطرب من أشعار أهل المغرب والذي انفرد به شيخنا الموشحات وهي زبدة الشعر وخلاصه. من الفنون التي أغرب فيها أهل المغرب على أهل المشرق. . . قال ابن خلدون واشتهر بعد ابن زهر ابن حيون والمهر بن الفرس بغرناطة قال ابن سعيد ولما سمع ابن زهر قوله: لله ما كان من يوم بهيج. . . بنهر حمص على تلك المروج ثم انعطفنا على فم الخليج نفض مسك الختام. . . عن عسجدي المدام ورداء الأصيل. . . تطويه كف الظلام قال أين كنا من هذا الرداء وكان معه في بلده طرف أخبر ابن

стр. 593

سعيد عن والدته أن مُطَرَّفاً هذا دخل على ابن الفرس فقام له وأكرمه فقال لا تفعل فقال ابن الفرس كيف لا أقوم لمن يقول: قلوب تصابت. . . بألحاظ تصيب. . . فقل كيف نبقى. . . بلا وجد وبعد هؤلاء ابن حزمون بمرسية ذكر ابن الرئيس أن يحيى الخزرجي دخل عليه في مجلس فإنشده موشحة لنفسه فقال له ابن حزمون ما الموشح بموشح حتى يكون عارياً عن التكلف قال مثل م إذا؟ قال على مثل قولي: يا هاجري هل إلى الوصال. . . منك سبيل أو هل يُرى عن هواك سال. . . قلب العليل وأبو الحسن بن سهل بن مالك بغرناطة قال ابن سعيد كان والدي يُعجب بقوله: إنّ سيل الصباح في الشرق. . . عاد بحراً في أجمع الأفق فتداعت نوادب الورق. . . أتُراها خافت من الغرق فبكت سُحرةً على الورق واشتهر بإشبيلية لذلك العهد أبو الحسن بن الفضل قال ابن سعيد عن والده سمعتُ سهل بن مالك يقول يا ابن الفضل لك على الوشّاحين الفضل في قولك:

стр. 594

فواحسرتا لزمان مضى. . . . عشية بان الهوى وانقضى وأُفرِدتُ بالرَّغم لا بالرِّضا. . . وبتُّ على حَرِّ جَمْر الغَضا أُعانِقُ بالفكر تلك الطُّلول. . . وألثُمُ بالوَهمِ تلك الرُّسوم قال وسمعت أبا بكر الصَّابوني يُنشد الأستاذ أبا الحسن الدَّباج موشحاته غير ما مرَّة فما سمعتُه يقول لله درُّه إلا في قوله: قسماً بالهوى لذِي حِجر. . . ما لِلَيل المشوق من فجر جمد الصُّبح ليس يطَّردُ. . . ما لِلَيلي فيما أظنُّ غَدُ صَحَّ يا ليلُ أنكَّ الأبدُ أو فقُصَّت قَوادِمُ النَّسْر. . . فنُجُوم السَّماءِ لا تَسْرِي واشتهر ببرَّ العُدوَة ابنُ خلف الجزائري صاحب الموشحة المشهورة: يد الصباح قد قدَحت. . . زِنَادَ الأنوار، في مجَامر الزَّهر وابن زَجر البِجائي وله من موشحة: ثغرُ الزمان مُوافِق. . . حيَّاك بابْتسَام قال ابن خلدون ومن محاسن الموشحات للمتأخرين موشحة ابن سهل شاعر إشبيلية وسَبْتة من بعدِها فمنها قوله: هَل درَى ظَبيُ الحِمَى أن قد حمى. . . قلب صب حِلَّه عن مكْنَسِ

стр. 595

فهو في حَرّ وخَفْقٍ مثلما. . . لَعِبَتْ ريحُ الصبا بالقَبَسِ وأما المشارقةُ فالتكلُّف عندهم ظاهر على ما عانوه من الموشحات ومن أحسن ما وقع لهم في ذلك موشحة ابن سناء المُلك المصري اشتهرت شرقاً وغرباً وأولها: يا حبيبي ارفع حجاب النور. . . عن العِذار تنظرِ المسْكَ على الكافور. . . في جُلَّنار كلِّلي، يا سُحْبُ تيجان الرُّبى. . . . بالحُلِي واجعلي، سوار ها مُنْعَطِفَ. . . الجَدْوَلِ ومن أحسن موشحات الشارقة موشحة عبد العزيز بن سرايا الحِلِّي: شُقَّ جَيْبُ الليْلِ عن نَهْدِ الصباح. . . أيُّها السَّاقُون وله: جَرَّدَ الأُفقُ صَارِمَ الفَجْر. . . مِن جُفُون الغَسَق

стр. 596

تقسيمُ العُلومُ إلى فلسفيّة ومِلِّيَّة وبيان ما تواطأت عليه المِلَّة والفلسفة مِنْهَا لأبي علي اليوسي العلوم على الجُملة إما قديمة وإما حادثة، وإن شئت قلت أمَّا فلسفية وإمَّا مِلِّيَة، أو إمَّا قديمة وإمَّا إسلامية، وهو أضبط لأن من القديم ما ليس بفلسفي كعلوم العرب، غير أن هذه لمَّا لم تكن علوماً مهمة صح أن لا يُبإلى بها في التقسيم بل يقتصر على ذكر الفلسفية والإسلامية وما سوى ذلك يُذكَر تبعاً فنقول: أمَّا الفلسفية فمنها مقبول في المِلَّة ومنها مردود، والمقبول منه مأخوذ ومنه متروك، ولنبدأ بتقسيم الفلسفيات جرْياً مع عباراتهم فيها مع الإلمام بما يُقبَل وما لا، فنقول: العلم إمَّا مقصود لذاته أو لغيره، أمَّا الأول فهو الفلسفة الأولى المقصود بها تكميل النفس الناطقة والاطلاع على حقائق الأشياء بقدر الطاقة وهو إمَّا نظري وإمَّا عملي، والأول إما مُجرّد عن المادة مطلقاً وهو العِلم الإلهي أو في الذِّهن فقط وهو العلم الرياضي أو مقيد بالمادة وهو العلم الطبيعي، والثاني أمَّا متعلق بنفس الشخص من حيث هي ويسمى سياسة النفس وعلم الأخلاق أو بها وبما يحتاج

стр. 597

إليه من شهوات قواها وهو علم تدبير المنزل، أو بما يعم وهو الملكية والسَّلطنة، فإن كان الحافظ لنظامها والقائم بأحكامها الظاهرة والباطنة شخصاً دلت عليه القِرَانات الكبار وتميز عن البشر ما أُفِيضَ عليه من قُوى المجردات فهو النبي وهو دولة النبوءة، وإن كان قائماً بتدبير ظواهرها فقط ودلَّت عليه القِرانات المتوسطة فهي السلطنة وهو السلطان، وقد يعُمُّ حكمه وقد يخصّ. قلت أما دلالات القرانات الكبار والمتوسطة فلا مانع منه، إذ لا مانع أن يُجري الله تعالى عادته بخلق شيء أو إنزال شيء أو تخصيص شيء ما بشيء عند طلوع كوكب أو غروبه أو اجتماعه بكوكب آخر أو بَيْنُونَتِه عنه أو قربه منه أو بعده ثم يلهم الله من يشاء من عباده علم ذلك فيعلم ويحكم به اتِّباعاً لتلك العادة ولا تأثير في شيء من ذلك لشيء، بل التأثير كله لله تعالى الواحد القهار، وأما الفيض من قُوَى المجردات فهو وهم باطل لا حاصل له، فكل ما يثبتونه من المجردات والعقل الفياض باطل، وإنما الله تعالى واحد موجود واجب الوجود وكل موجود من هذه العوالم حادث أثر عنه خلقه بقدرته ومشيئته عن عدم، وهو تعالى المخصَّص للنبي بما اختصّ به من النبوءة والكرامة، وهو المُمِدُّ له ولغيره لا إله ولا فاعل ولا مُعطِيَ ولا مانع غيره سبحانه.

стр. 598

وأما الثاني أعني المقصود لغيره، فإما للذِّهن وما يُنَاط به من المعاني وهو المنطق، وإما لِلِّسَان وما يُناط به من الألفاظ وهو الأدب، وهذا مُحدَث. ثم إن الشريعة المطهرة على القَيِّم بها أفضل الصلاة والسلام جاءت بما يُغنِي عن العلوم العملية المذكورة فتُرِكَت، وذلك أن مَدَارَها إمَّا على حفظ النفس وهو في الشريعة بالقصاص ونحوه، وإمّا على العقل وهو فيها بتحريم ما يزيله والحدِّ عليه، أو المالي وهو فيها بالتَّنْمِية بالتِّجارات وسائر المعاملات وحَدِّ الحرابة والسرقة وتحريم الربا والغش ونحو ذلك، أو العِرْض وهو فيها بعد القذف مثلاً أو النَّسب وهو فيها بتحليل النكاح وتحريم السِّفاح وحد الزنى، أو تهذيب النفس بالتخلية والتحلية, والقيام بالتعبد ومعرفة المعبود والاعتراف بالشرع ومن جاء به وهو مبسوط فيها على أكمل وجه وكذا سياسة العباد بالنبوءة والخلافة فأسقط المتأخرون هذا القسم من علوم القدماء استغناءً عنه واقتصروا على الأقسام الباقية أعني العلم الإلهي والرياضي والطبيعي والمنطقي. أما العلم الإلهي فهو العلم الباحث على الموجود من حيث ثبوته وما يعرض له أو على المعلوم من حيث هو على الخلاف في موضوعه، ومنفعته تبيين المعتقَد الحق من الباطل وسُمِّيَ إلهياً لأن فيه أحكام

стр. 599

الربوبية وهذا العلم هو المقصود بالذات للإنسان في كماله وفوزه في الدارين وكل ما سواه من العلوم تبَعٌ له فما كان منها دينياً فوسيلة إليه وما كان دنيوياً فبمثابة الخديم له ولهذا توفرت رغبات العقلاء على طلبه ثم اختلفت الطرق إليه فمن العقلاء من رام إدراكه بالنظر وهم الحكماء ومنهم من رام إدراكه بالرياضة بالجوع والعزلة والخلوة كالنسَّاك وهم الصوفية في ملتنا ومنهم من رامه بالنظر وليس من أهله فأخطأ الحق وضلَّ وأضل كالثَّنِويَّة والمُعطِّلة وسائر المنكرين للشرائع، ومنهم من عجز ورام التعلُّق بالمولى تعالى على ما هو شأن العبودية أو غفل فأمدَّهم الله تعالى فضلاً منه ومِنَّة ببعث الرسل مع التأييد بالعقل الصائب. . . وأما العلم الرياضي فهو العلم الباحث عما تجرد عن المادة في الذهن فقط كما مَرَّ، وأنواعه أربعة: علم الهندسة، وعلم الهيئة، وعلم العدد، وعلم الموسيقى وذلك أن نظره في الكم وهو إمَّا متَّصل بأن يُفرَض بين أجزائه حدّ مشترك تتلاقى عنده وكلاهما أما قارُّ الذات بأن يكون مجتمع الأجزاء في الوجود أولاً، فالأول علم الهندسة وموضوعه الكم المتصل القارُّ الذات وهو المقدار فهو علم يعرف به أحوال المقادير ولواحقها وأوضاعها وأشكالها، ومنفعته اكتساب الحِدَّة وارتياض الفكر مع ما يستتبع ذلك من المصالح في الأبنية والمنازل وغير ذلك ويتفرع عنه عشرة علوم، والثاني علم الهيئة وهو العلم الباحث عن

стр. 600

الأجرام البسيطة فلكية أو عنصرية من حيث الكم والكيف والحركة والسكون وموضوعه الأجرام المذكور من تلك الحيثية فمرجع مبحثه الزمان وهو الكم المتصل غير القارِّ الذات، وهو محتاج إلى علم الهندسة لأن مقدّمَات براهينه منها والعلوم المتفرعة عليه خمسة. . . والثالث علمَ العَدد وهو العلم الباحث عن العدد من حيث انقسامه إلى الزوج والفرد وإلى الصحيح والكَسْر وغير ذلك وما يعتريه من الأحوال كالضرب والجمع والقسمة ونحو ذلك وموضوعه العدد من تلك الحيثية وهو الكم المنفصل ومنفعته ارتياض الذهن وضبط الأموال والمعاملات ويتنوع إلى ستة أنواع. . . والرابع علم الموسيقى وهو العلم الباحث عن النّغم وما يعتريها من الإيقاعات وانتظام اللحون المختلفة وإيجاد الآلات الصالحة لذلك. . . وأما العلم الطبيعي فهو العلم الباحث عن الجسم الطبيعي أي المادي وهو المحسوس من حيث هو مُعرَّض للتغيُّر والانفعال والثبات في أحواله وموضوعه الجسم من تلك الحيثية وفائدته معرفة أحوال الأجسام البسيطة والمركبة من الأفلاك والعناصر والمولدات والاطلاع على موادها وصورها وعللها وغاياتها وأعراضها اللازمة والمفارقة وسائر خواصِّها وأسرارها الغريبة ويتفرع منه عشرة علوم. . . وأما المنطق فهو العلم الباحث عن المعلومات التصوُّرية والتصديقية
следующие страницы →