Полный текст (302 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وطه حسين جريا وراء دعوة "جاك الب" التركى وهم جميعا من تلاميذ (دوركايم) العالم الاجتماعى الاسرائيلى الذي نقل آراء كارل ماركس من ميدان الاقتصاد والسياسة إلى ميدان الأخلاق والاجتماع. والذى يؤمن بأن الفرد لا قيمة له وانما القيمة للمجتمع. وأن القيم كلها كالاخلاق والأديان والعقائد والآداب انما بخلقها المجتمع ولذلك فهى ليست ذات قيمة أو أهمية حقيقية.
وقد كان طه حسين تابعا لأحمد غايف التركى في القول: بأن المدينة الاوربية كل لا يتجزأ، أما ان يؤخذ كله أو يترك كله وهو قول مردود وكأن الطرف الثانى يقول: أن التجديد في الأدب والثقافة كالتجديد في العلم لا يمكن أن يقوم الا على أساس تعاون الماضى والحاضر، وأن الفكر يبنى في حاضره على ما أسس في ماضية.
ولم يكن لدى العالم الإسلامي مانعا من قبل الحضارة باعتبارها نتاجا بشريا اشترك فيه الجنس الانسانى كله وقد حمل العرب أمانتها فترة تزيد على أربعة قرون.
أما الذين قالوا بالتوقف دون الاقتباس فلم يكونوا على فهم صحيح بحقيقة الإسلام وقدرته على تقبل التطور وحقيقة مفاهيم الفكر العربي، ذاك أن القاعدة في ذلك هى اننا لا نتقبل كل شيء، ولا الإسلامي تتحول لى صور ممسوخة من الأمم الأخرى، وأن عاينا أن نضع أمام أنفسنا أولا المحافظة على ملامحنا الحقيقية ومعالم شخصيتنا الواضحة والايمان الصادق بتراثنا وقوميتنا وتاريخنا ولغتنا ومشخصات فكرنا ثم نقتبس ما يزيد هذه الشخصية قوة وحياة ودفعنا إلى الامام في طريق الحضارة جنبا إلى جنب غير متخلفين في ركب الأمم.
وقد كان هذا المبدأ "البناء على الاساس" هو حصاد المعركة الفكرية الطويلة الممتدة خلال اكثر من مائة عام.
فالمزج بين القديم والجديد والماضى والحاضر والشرق والغرب انما يقوم على وجود شخصيتنا أولا والمحافظة على ملامح فكرنا العربي الإسلامي الواضح حيث لا يجوز أن يطمس ملامحه الاقتباس.
وقد كنا طوال تاريخنا (١) متحركين غير جامدين ولا متوقفين (٢) اصلاء أكبر من الاحداث وغير أمعات تجرى مع التيار (٣) لدينا من المرونة والحيوية ما يمكننا من التكيف مع الظروف والمقاومة الدائمة لكل محاولة للطغيان عليها أو سحقنا ومن القدرة ما يمكننا من مواجهة التحدى برد الفعل السريع الذي يرقى فوق الاحداث ولا يجعلنا نضيع في زحمتنا.
وقد كان "الاقتباس" في معناه مزيج من "المعالم الاساسية" التراث الجديد ومن هذا كله يتكون شيئا جديدا هو شخصيتنا الفكرية العربية الإسلامية المتجددة.
وكان هذا التيار "الوسط" أصدق التيارات التي حققت ما أراده دعاة الثقافة القديمة من بعث التراث وتجديده ما أراده دعاة الثقافة القديمة من بعث التراث وتجديده بأساليب جديدة وحقق خير ما اراده دعاة التغريب الذين يريدون منا التحول نهائيا إلى الصورة الغربية.
وكان مفهوم الاقتباس، أن معنى نقل الحضارة ليس في مستوى مفهوم نقل الثقافة. وأن نقل الحضارة ليس معناه نقل كل الحضارة فهناك فوارق واضحة بين الثقافة والحضارة.
غير أن "التغريب" ام يكن يهدف الا إلى النقل الكامل للقضاء على شخصيتنا وكياننا، ولذلك كان يضغط علينا ليحولنا من الاقتباس إلى النقل عن طريق دعاته وعملائه.
وقد حدث انحراف فعلا ولكن اثارة لم تمتد طويلا، فان بعض دعاة التغريب أنفسهم قد تحولوا عن دعواهم تحول منصور فهمى والدكتور هيكل ومحمود عزمى.
وهكذا سار تيار النقل وتيار الاقتباس جنبا إلى جنب، كان الاقتباس يعنى الاعتدال وكان النقل يعنى الاندفاع وقد كان لمادية الفكر الغربي وتحلل الجوانب المنقولة من الحضارة الغربية أثرها في موجة الانحراف التي أصابت الأمة الإسلامية.
ذلك أن أول أثار الثقافة للغربية والحضارة الغربية كانت القضاء على مقومات حياتنا الفكرية وهى مقومات روحية مقتبسة من الدين والخلق فظهرت ملامح الذاتية الفردية واسراف الطبقة الوسطى في تقليد الطبقة العليا المترفة التي صنعها الاستعمار له، وتفشى الوصولية والزلفى والتبذل واستشراء روح الخنوثة والميوعة،
стр. 107
حيث سرت روحها إلى الصحافة والاغانى والكتابة والمسرح.
وبلغ الاهتمام غايته بالالفاظ، واستولى روح من اليأس، صاحبه روح من الاستهانة والسخرية بامجادنا وتراثنا وأعلامنا وتاريخنا ولغتنا وديننا، وبدأ الوجود العربي تحت ضغط صراع الثقافات المتعددة من أمريكية وفرنسية وبريطانية، وثنائية التعليم الغربي والقديم، مزيجا غربيا مضطربا من القديم والجديد، دون أن يتبلور ذلك في حضارة جديدة أو ثقافة جديدة، وحرص الاستعمار على أن تظل هذه الجماعات المختلفة والآراء المختلفة، والدعوات المختلفة ما بين إسلامية وعربية وبابلية وأشرية وبربرية قائمة حتى لا يتم "الامتزاج والتباور" بين أجزاء البلاد العربية التي أفصلت فعلا بحواجز وحدود وقامت فيها حكومات وعروش ونظم مختلفة ما بين ملكية وجمهورية وامارات وما بين حماية ووصاية وانتداب واستقلال واحتلال.
وبذلك أمكن للتغريب أن يسيطر وأن يحول الحياة الاجتماعية في الأمة العربية تحت ضغط "النزعة المادية" إلى الاندفاع وراء اللذات والمتاع مما أدى إلى افلاس عدد كبير من التجار وسقوط عدد كبير من اعيان البلاد وهو ما أطلق عليه فريد وجدى "المبالغة في المتاع بالحياة المادية" مما أدى إلى استيلاء الاجانب أصحاب البنوك والأندية على هذه الثروات تحت تأثير التهالك على الشهوات على نحو خطير لم يعرف من قبل.
وقد كان حرص الغرب على نقل هذا الجانب الآثم من حضارته إلى بلادنا خطير الأثر في عملية التغريب والقضاء على كياننا، وكان أخطر ما فيه من أثر هو القضاء على كياننا، وكان أخطر ما فيه من أثر هو القضاء على الكيان الاجتماعى والاقتصادى والنفسى لنا، مما يجعلنا عاجزين عن الجهاد والنضال في سبيل مقاومة الاستعمار، وما يؤدى إلى سحق قولنا وهدم معالم روحنا المعنوية وتطرق الفساد إلى النفوس والوصول إلى درجة التحلل التي تقضى قضاءا نهائيا على كياننا.
ولذلك كان كتاب الغرب يحرصون على تسجيل هذا المعنى في دراساتهم ومشاهداتهم: يقول روث فرانسيس في كتابة الشرق الناهض "لقد أصبحت البضائع التي تغمر الأسواق الشرقية هى الجوارب الحريرية والأثاث والمفروشات وثياب السهرة المكشوفة والأحذية العالية الكعوب. والسيارات والمشروبات الكحولية والمياه المشبعة بالصودا والكتب الافرنجية.
وقد حرص التغريب أن يربط بين التجديد وبين الاباحة وأن يجعل التجديد هدما دون بناء وأن يكون التجديد في أعماق معاينه هو ترويج البضائع الاجنبية وازدراء المصنوعات الوطنية وهدمها وجعل كل قديم مزدرى.
وكان لضغط التغريب أثره في أن العربي كان يعرف عن شكسيبر وبرناردشو وكبلنج أكثر مما يعرف عن المتنبى والجاحظ وابن الرومى.
وكانت غزوات المفكرين الغربيين لبلادنا انما تهدف للبحث عن صور مسمومة يراد بها الاساءة، والقاء محاضرات ترمى فيها بالاتهامات حتى أن أحدهم كان لا يتورع عن أن يحاضرنا في الجعية الجغرافية عن عقليتنا بأسم (عقلية الشعوب المنحطة) أمثال الدكتور ليفى برول ويفسر هذه الشعوب بأنها شعبنا.
والجمعيات الثقافية التي أنشئت في بلادنا كان هدفها ربطنا بالغرب، من هذه جمعيات التاريخ المصري ونادى الانجليزى الذي كان يتولى رئاسته اللور ملنر وبرنامجها كما ذكرت الصحف هو «افهام الرأى العام الانجليزى الخدمات التي أدتها الحكومة المصرية الحكومة البريطانية والحلفاء في خلال الحرب» كما كان هدف هذه الجمعيات خلق صداقات بين المصريين والفرنسيين من ناحية وبينهم وبين الانجليز من ناحية أخرى تولى رئاستها أجانب ثم مصريين متغربين.
حتى الجمعية المصرية التي أنشئت ١٨٣٦ باللغة الانجليزية كان هدفها كما ذكر توفيق أسكاروس (الأهرام ١٣/ ١/١٩٢٥) بجمع معلومات خاصة بمصر وما لها من العلاقات بينها وبين بلدان أفريقيا وآسيا وأن أعضائها كانوا من الأجانب وأغلبهم الانجليز، وقد استعملت طبعا هذه المعلومات والأبحاث لخدمة الاستعمار البريطانى ومهدت لوضع يده على بلادنا وقد عزا الدكتور محمد حسنى ولاية (الاهرام ٣/ ١/١٩٣٤) جمود روح البحث العلمى في مصر إلى وقوعها تحت نير الحكم الاجنتى عصورا طويلة وما يتبع ذلك من التضييق على ميادين الاقتصاد والعلم والزراعة.
ولا شك أن حركة التغريب كانت تستهدف أن تظل معرفتنا بتاريخنا ناقصة، مما كان له أبعد الأثر في ضعف الوطنية والقومية. ولذلك دعا عباس مصطفى عمار
стр. 108
(الاهرام ١/ ٤/١٩٣٤) الذين يعالجون ضعف الوطنية عندنا ويثيرون الشعور القومى أن يتأكدوا أن الاهتمام بشئوننا السياسية وحدها لا يكفى، وأن تقوية العقيدة الوطنية أنما يكون بقدر فهمنا لهذا الوطن الذي نعيش فيه من حيث جغرافيته وتاريخيه ومدنيته وحضارته كما أدى التغريب إلى فقدان "الطابع" وانعدام التجانس الفكرى وأن الاستعمار الفكرى حرص على أن لا يصهر في بوتقة واحدة حتى لا يحدث "التجميع" الذي هو اخطر عوامل مقاومة الاستعمار ولذلك كان يعول كثيرا على اثارة عناصر التفكك والتمزيق والتجزئة مما يحول دون خا ٥ طابع واضح.
وقد كان أبرز عوامل فقد الطابع كما أوردها عباس عمار (الاهرام ٣/ ٩/١٩٢٥) هى: احتقار تراث الاجداد والنظر إلى الدين نظرة ليس فيها احترام ولا تقديس والامان بمادية الغرب والسخرية بروحانية الشرق واعتبار كل ما في الغرب جميل حتى أباحيته ونواحى الضعف فيه وكل ما في الشرق حقير أن استحق أن ينظر اليه بعين الاحترام يوما ما فزمنه قد انقضى. وقد آن الأوان للتخلص من تراثه ووئده حيا كما اعتبر ظاهره الزواج من الغرب لها أبعد الاثر في هذا التفكك لما يؤدى إلى تنشئة الاولاد النشأة الغربية التي لا صلة لها بالشرق والتعلم بالغة الاجنبية وتجاهل اللغة العربية.
ونعى عبد العزيز الإسلامبولى (المعرفة- يولية ١٩٣٣) على مفكرينا التنكر لأبنائنا وأجدادنا واكار أدبنا ولغتنا والزراية بتاريخنا وثقافتنا وقطع الصلة بين ماضينا وحاضرنا» وطالب بالتعرف إلى التراث العربي والبحث عن اثارة ومخلفاته من إسلامي وعربي وقبطى وفرعونى في أديانه وفلسفاته وروحانياته ومادياته، وأننه لابد للتجديد من شرط الدين والقومية الصحيحة.
وليس أدل على اضطرابنا في المرحلة أننا احتفلنا بذكرى رينان وهو الداعية الاستعمارى الذي جهر باتهامنا بالقصور وصاحب نظرية الآرية والسامية.
стр. 109
الحملة على العقائد والقيم
انصبت حملة "التغريب" على ثلاث قيم هامة في الفكر العربي الإسلامي هى: الدين واللغة والتاريخ فقد كان مفهوما أن القضاء على العوامل الثلاث من شأنه أن يحقق لمعركة التغريب نصرا بعيد المدى.
***
الحملة على الإسلام
ولقد كان "الدين" عنصرا هاما في الفكر العربي الإسلامي ولايزال دعامة كبرى من دعائمه لا سبيل إلى تجاهل مدى خطرها وأثرها. كانت وستظل عاملا فعالا في الثقافة والحضارة الإسلاميتين والنهضة التي حققتها. وعندما أصيب الدين بالضعف ودخلت عليه القشور والزيوف والبدع وانتفت عنه عوامل القوة ممثلة في التجديد والاجتهاد كان مصدر الاضطراب والجمود الذي أصاب الوطن العربي والعالم الإسلامي، ولذلك فان ظهور أول حركة لتجديد الإسلام ورفع الزيوف عنه ممثلة في دعوة "محمد بن عبد الوهاب" كان علامة على يقظة الفكر العربي الإسلامي كان الدين عاملا هاما في حياة الأمة العربية وكان الإسلام وهو دين الاغلبية قد اسبغ حضارة عربية إسلامية اشتركت فيها جميع العناصر وكان لها أثرها الواضح في قوة الأمة الإسلامية وهيبتها، ولما كانت عناصر القوة والحرية والكرامة والوحدة والتجمع والذود عن الكيان والاجهاد في سبيل الله من ابرز عناصر الإسلام وهى اذا استيقظت في الأمة كانت عاملا بعيد المدى في مقاومة الاستعمار والقضاء عليه لذلك عول الاستعمار في غزوة الفكرى وحملته التغريتية في حشد اكثر قواه لزلزلة قواعد الإسلام والقضاء عليه وعزله عن المجتمع وتحطيم قواعده وأبعاده عن ميدان السياسة والاجتماع والفكر وسلبه سلطانه وفرض قوانين اجنبية وتشريعات غربية بدلا منه حتى تزول أثاره القوية في مقاومة الاستعمار.
من أجل هذا وجه الاستعمار للإسلام حملات عنيفة قاسية موصف الإسلام بأنه دين مناف للمدنية وأنه ليس صالحا الا للزمن الذي ظهر فيه ومحيط الصحراء الذي عاش فيه.
وحاول كرومر أن يقنع المصريين والعرب بأنهم لا يمكن أن يرقوا في سلم الحضارة والتمدن الا بعد أن يتركوا بالجمود والتعصب وبث فيهم روح البغض".
وردد هانوتو الفرنسي أن تقدم المسلمين مستحيل لأن الإسلام يحول دون ذلك، وأن كل حكومة أنفصلت عن الشرق وسارت على منهج أوربا نجحت وأن "موات" الشرقى وضعفه وتخاذله وتواكله "وحياة" الغربي وقوته وانتصاره مصدرها اتصال الأول بالدين وانفصال الثانى عنه، وأن الرابطة الوطنية أقوى من الرابطة الدينية.
وردد عشرات غيرهم مثل هذه الاتهامات حول النبى والقرآن والإسلام وزوجات النبى والطلاق وتعدد الزوجات ومجافاة الإسلام للمدنية، وتعصب الإسلام ومعاملة الأقليات والأجانب.
وجرت في هذا المجال محاولات نقد للأنظمة والشرائع القديمة واتهامها بأنها لم تعد صالحة نظرا لاختلاف الزمن وقيل أن أغلب هذه الأنظمة والآراء بدائية وذلك بقصد القضاء على قداسة الشريعة، وجرت محالات للمقاومة بين الأديان السماوية وأيجاد شته بينها ووضع الكتب السماوية موضع النققد وايجاد شبه وشكوك واحياء الأساطير والاسرائيليات والاحتفال بها وتحويلها إلى أدب وفن وتعمد الفصل بين الدين والقومية، والدين والتاريخ، والدين والأدب واذاعة مذاهب متطرفة في البحث تدعو إلى عدم الاحتفال بتمجيد الأمة والغض من تاريخها أو الاكثرات بنصر الإسلام او هزيمته ودون التقيد بما ترضاه القومية أو تنفر منه العاطفة الدينية. ويتصل بهذا الحملات التي أثيرت على الغيب وتشكيك الناس فيما يخرج من دائرة المحسوس.
وكل هذا المخطط الذي جرى على السنة كتاب الغرب وغيرهم من كتابنا السائرين في مجرى التغريب يهدف إلى الدين والقضاء عليه والقضاء على الروح
стр. 110
المعنوية التي تحمل راية جهاد المحتلين والمنيرين وتفكيك الرابطة بين المسلمين والقضاء عليها نهائيا وهما الحائلان الهامان أمام اضطرار الاستعمار ونموه وتدعيم مقامه.
وحول هذه النقط ردد الكتاب الغربيون اتهامات متعددة فندها كتابنا في ردود قوية: كان أبلغها ما كتبه محمد عبده وفريد وجدى ومصطفى الغلابينى ومحب الدين الخطيب وشكيب وأرسلان وأحمد زكى باشا ورشيد رضا وعبد القادر المغربى.
وكان مجمل الرد على ذلك بأن الشريعة الإسلامية كليات وحدود عامة قابلة للتطور مرنة، تستطيع مسايرة الحضارة وهى بذلك شريعة لا تصطدم بالواقع وتجرى مع كل زمان وكل أمة، وقد قام الإسلام على النظر العقلى والاقناع بالحجة: وأقر قاعدة تلاقى العقل مع الشرع والتجاوب مع الزمن وتطور البيئة واختلافها ودعامته في الحكم: الشورى، والحاكم فيه ليس بالمعصوم ولا هو مهبط الوحى وهو مطاع مادام على الحق ورضى المسلمين عنه، وليس في الإسلام سلطان الهى. كما ليس في الإسلام وسلطة ولا أكليروس وفيه- إلى ذلك- تسامح مع العلم وتقبل له، وتسامح مع الطوائف الأخرى وحماية لحقوقها وحرية اعتقادها وحماية مصالح الدنيا واباحة الزينة والطيبات والمزج بين الروحية والمادية.
وأن الجمود الذي استولى على المسلمين ليس سببه الإسلام، فجوهر الإسلام الذي دفع الأمة بقوة عجيبة وأنشأ هذه الحضارة الضخمة لم يتغير وجاء الخطر حين أخذ المسلمون بالتقليد وترويج خرافات وأوهام وثنية نسبت إلى الدين الذي لم يكن في حقيقتة الا محررا للعقول والأفهام من معانى الوثنية أو من معانى الاستبداد، أما المرأة فقد كرمها الإسلام ومنحها من الحقوق في الحياة والمال والقضاء ما سبق الغرب بقرون طويلة:
***
الحملة على نظم المجتمع
واتصلت الحملة على الإسلام بالحملة على نظم المجتمع وهدم الأخلاق واللغة والتاريخ وقد أذيع الإلحاد ونشرت الاباحة تحت اسم حرية الفكر بالدعوة إلى التحرر من قيود البيئة والوراثة وكل ما فيها من عقائد وعادات ونظم وقوانين مع التشكيك في كل العقائد والآراء الموروثة والمتداولة.
وجرت محاولات أخرى لنقل ما حدث في تركيا من القضاء على اللغة العربية والكتابة بالحروف اللاتينية.
واتصل هذا بالعمل على زلزلة النظام الاجتماعى وتحطيم الأسرة. وانتشار المخدرات وظهور الكوكايين وحماية المحتل له وتجارة الرقيق الأبيض ودور البغاء. وقد ظلت هذه التجارات محتكرة للانجليز وأعوانهم، ومضت فرنسا وبريطانيا تصدر المورفين والحشيش وتحمى أعمال تسميم الأمة بحاجز ضخم أطلق عليه اسم المحاكم المختلطة والمحاكم القنصلية والامتيازات الأجنبية تحمى المهربين واللصوص والسفاكين ومصاصى دماء الشعوب وفي الصحافة والسينما جرت محاولات متصلة لعرض الصورة المنحرفة والمائعة والرخرة وتغايب الحديث عن الممثلات والمغنيات والراقصات وأحاديث الأزياء والسهرات وملكات الجمال واستعراضات المانيكان والحديث عن مذاهب العرى والأدب الماجن والكتابة المكشوفة والاختلاط ووصف الشهوات واثارة الأهواء وترجمة القصص الاباحية وقد طغا هذا على كل شيء، وانزوى الحديث عن المثل العليا والقيم والأفكار الحية والتسامى فاذا جرى حديث حولها فهو عن المذاهب الغربية في الفلسفة والأدب والاجتماع والترجمة لعظماء الغرب وتمجيد دعاة الاستعمار والحاد والاثارة.
وحجب التراث العربي والإسلامي وسير أعلام العرب والإسلام وجرى أضعاف النعرة الوطنية والدينية باثارة الشكوك والاتهامات أو بالغض من شأن العاطفيات والحماسة باعتبارها عيب وخطأ أمام المذهب العلمى الحديث.
وقد كان لتعمق تيار للتغريب أثره الحياة الفكرية العربية فقد اضطربت الطوائف المختلفة واهتزت أمامها القيم. وانطوى معنى الزهادة والتجرد وغلبت روح اليغمية على حد قول داود بركات (لا تجد اليوم الشيخ الأزهرى العالم الذي يكتفى بالجراية مأكلا ولا الزعبوط ملبسا .. ولا تجد الراهب في عزلته في صومعته لا يشغله شاغل غير تسبيح ربه).
ومرجع هذا إلى غلبة النزعة المادية وتسلطها واختفاء روح التجرد والأريحية.
واتصل بهذا ما جرى من السخرية بالجادين والعالمين واحتقار المتدينين والاكتفاء بقشور الحضارة وغلبة روح التفرنج، وأعلن كرومر أن المسلم غير
стр. 111
المتخلق بأخلاق أوروبية لا يصلح لحكم مصر وأن المستقبل الوزارى سيكون للمصريين المتربيين تربية أوروبية.
وانتهى هذا إلى ضعف الفكر والعلم والدين عن التجرد واستشرى التطاحن والتسابق في الميادين المادية وتفشت "المنفعة" في جسم الأمة.
حتى الشبان العرب الذين سافروا إلى أوربا عادوا ليضعوا ثقافتهم وأقلامهم في خدمة الطبقات الحاكمة والأحزاب والاقطاعيين ممن أسماهم كرومر أصحاب المصالح الحقيقية فقد كانوا يتطلعون إلى بيئة السادة من الأغنياء والمترفين والوصول إلى المناصب العليا وقد علمتهم الثقافة الأوربية تغليب المنفعة على القيم ولم تكن الدعوة إلى الحرية عندهم مذهبا فكريا ولا عقيدة اجتماعية بل قشورا لامعة لا تخفي وراءها الا تدمير القيم الحقيقية لذلك لم يستطيعوا قيادة الأمة وانما اكتفوا بأن عاشوا على هامش الحكام المستبدين وفي ظلهم.
стр. 112
- ٢ -
حملات التجزئة
كانت حملات تجزئة الكيان من أقوى حملات الغزو الفكرى والثقافي والسياسى التي شنها الاستعمار على الوطن العربي والفكر العربي والإسلامي خلال هذه الفترة كجزء مكمل لحلات التغريب والتبعية الثقافية. كان الهدف هو تقطيع أوصال الأمة إلى دول لها حدود ونظم وقوانين وعملات ومناهج تعليمية مختلفة وصحف، مع إيقاد نيران الصراع بين هذه الأجزاء وبين ملوكها وأمرائها وحكامها، ثم "تجزئة التجزئة" وذلك بتقسيم القطر الواحد إلى أحزاب وعنصريات واثارة عصبياتها لقديمة وخلافاتها الدينية والجنسية والفكرية وخلق قوة شعوبية يؤيدها الاستعمار تعمل على مهاجمة القيم والتراث والآراء والعقائد المتعارف عليها وتحطيمها والنيل منها وذلك توسيعا لشقة الصراع وعملا على دعم سياسة التمزيق وتعميق جذور التجزئة.
(الشعوبية)
وقد تركزت في الشعوبية كل دعوات "التمزيق" و"التجزئة" واثارة القوميات الضيقة، ولما كانت "الأمة الوجود العربي" قبل النفوذ الغربي والاحتلال والغزو الثقافي موحدا: ثقافة وأرضا، فقد حرص الاستعمار أن يثبت أقدامه عن طريق تمزيق هذه الوحدة في دول وجزئيات وتيارات، واتخذ دعوة "الشعوبية" ركيزة لتثبيت هذه التجزئة، والشعوبيون هم خصوم وحدة الأمة العرب وهم دعاة كل ما من شأنه أن يحول دون عودتها إلى الوحدة مرة أخرى وذلك بخلق قوميات ضيقة، واتخاذ سلاح الغزو الثقافي وسيلة إلى تفتيت وحدة العرب، كالفينيقية والفرعونية والبربرية وخلق دعوات جديدة كدعوة البحر المتوسط والكيان المصري والكيان السورى والكيان اللبنانى والكيان السودانى.
وقد اتخذ الشعوبيون عديدا من الصور على هيئة كتاب وأحزاب وهيئات وصحف وحملوا لواء هذه الدعوات بقصد التفريق بين العرب والبربر في المغرب والسوريين واللبنانيين في المشرق والموارنة والدروز في لبنان والمسلمين والمسيحيين في مصر والسنة والشيعة في سوريا والعراق والعرب والأكراد في العراق.
وحملت هذه الدعوات لواء التبشير عن طريق البحث العلمى القائم على المغالطات واتخاذ الصحافة والكتابة ودور النشر وبعض الاذاعات وسلطان الحاكمين وسيلة لنشر هذه الآراء والدفاع عن هذه النظريات المضللة.
وقد كان حصاد هذه النظريات الشعوبية، ما أذيع من أن اللبنانيين ليسوا عربا وأن أصلهم فرنسي والدعوة بأن سوريا أمة تامة، هذه الدعوة التي حمل لواءها أنطوان سعادة، وأن العلويين بقية من الصليبيين وأن الدين العلوى جزء من الديانة المسيحية. وقد حرض الاستعمار الفرنسي على نشر هذه الدعوات وأيدها، وكان من ثمارها "سليمان المرشد" أحد زعماء العلويين الذي أمدته فرنسا بالمال عندما ادعى الألوهية (١٩٤٦) كما فتحت فرنسا باب الهجرة للأرمن إلى سوريا وفتحت بريطانيا باب الهجرة للأشوريين من العراق إلى الجزيرة في سوريا لخلق شعوبية جديدة، وفي العراق استغلت الشعوبية الخلاف القديم بين السنة والشيعة، كما عمد الاستعمار إلى خلق صراع بين الأكراد والعرب في العراق وأجج ثوراتهم وثورات السريان أعوام ١٩٣٠ و ١٩٣١ و ١٩٣٢ وكانت الشعوبية في فلسطين أشد خطرا فإن تصريح بلفور قد أباح قيام شعوبية قيام شعوبية عارمة تهدف إلى خلق حاجز أجنبى بين الأجزاء العربية في آسيا وأفريقيا وفي مراكش خلق أمة من البربر لا صلة لها بالعرب حتى في الدين وذلك بإرجاع البربر إلى التقاليد القديمة، وإيفاد الأرساليات المسيحية إلى المناطق البربرية ومساعدتها في نشر النصرانية ومنع اختلاط العرب بالبربر وجعل الانتقال بينهما يتم بواسطة جواز سفر. ويعد الحزب القومى السورى أكبر منظمة شعوبية قامت في الوطن العربي.
стр. 113
دعوات التجزئة
-تجزئة المغرب: البربر والعرب.
-تجزئة لبنان: الدروز والموارنة/ القوميون السوريون/ الكتائب.
-تجزئة مصر: المسلمون والمسيحيون.
-التجزئة بالقومية الضيقة: المصرية.
-التجزئة بإحياء الماضى القديم (١) الفينيقية.
(٢) الفرعونية.
-دعوات التبعية: ثقافة البحر المتوسط.
-دعوات التموية: توحيد الإسلام والمسيحية.
стр. 114
تجزئة المغرب: البربر والعرب
اتجهت جملة التجزئة التي قامت بها فرنسا لشمال أفريقيا (١) التجنيس (٢) الفرنسة (٣) الادماج (٤) الفصل بين البربر والعرب.
وكانت حملة التجزئة الأولى هي "التجنيس" وتحويل أهل المغرب (تونس والجزائر ومراكش) إلى فرنسيين وفتح باب التجنيس بالجنسية الفرنسية أسوة بما فعلوه في مراكش واستصدروا فتوى من رجال الدين والعملاء بأن تجنيس المسلمين لايتعارض مع الدين ثم اتجهوا إلى "الفرنسة" عن طريق "تمسيح" الشعب العربي ولما باءت هذه المحاولات بالفشل اتجهوا إلى فكرة تمزيق عنصرى الأمة العربية المغربية: البربر والعرب وذلك بالفصل بين البربر وبين لغة العرب وقضائهم وثقافتهم في اتجاه إلى اقامة ثقافة منفصلة للبربر تستمد من تراثهم القديم قبل ارتباطهم بالعرب. وقد عمدوا في هذا إلى البحث عن الروحانية القديمة التي عرفها البربر في اتصالهم بروما وأذاعوا فيهم الدعوة إلى تحريرهم من سيطرة العرب الروحية والزمنية.
وقد قامت الثقافة الفرنسية الاستعمارية التي تحمل لواء التغريب إلى توجيه الاستعمار نحو هذا العمل حين أشار الباحثان "جود فروي" و"مونيين" في رسالة لهما عن التعليم إلى خطورة ترك كتلة ملتحمة من المغاربة تتكون، وتكون لغتها واحدة وأنظمتها واحدة. قالا: لابد أن تستعمل لفائدة عبارتنا القديمة "فرق تسد" وان وجود العنصر البربرى هو آلة مفيدة لموازنة العنصر العربي ويمكننا أن نستعمله ضد الحكومة المراكشية نفسها. وأنه يجب أن تقوم اللغة الفرنسية- لا البربرية- مقام اللغة العربية كلغة مشتركة ولغة للمدينة".
ورسمت هذه الدعوة أن تقوم برامج التعليم في المدارس البربرية على اللغة الفرنسية وتحذف منها اللغة العربية والديانة الإسلامية وأن تكتب اللهجات البربرية بحروف لاتينية. وأن يعلم البربر كل شئ ما عدا الإسلام" وقد بدأت هذه السياسة تظهر (سبتمبر عام ١٩١٤) بزعامة "المرشال ليونى" مقنن الغزو الثقافي في المغرب، ومسنو الجنرال مود في سوريا ولبنان وكرومر في مصر.
وقد حققت فرنسا الخطوات التنظيمية لذلك حين أصدرت الظهير البربرى الأول ١٩١٩ والثانى ١٩٣١ ومجملها أن القبائل ذات التقاليد البربرية يجري عليها الحكم والادارة بموجب شرعها الخاص وعادتها أما ظهير (١٦ مايو ١٩٣١) فقد قضى باغلاق محاكم الشرع الإسلامي بين البربر على أن ترجع قضاياهم إلى هيئة ... تسمى الجماعة تربط مباشرة بالسلطة الفرنسية وتنصيب قضاة فرنسيين من البربر وأعلنت أنها إنما تفعل ذلك بدعوى احترام التقاليد البربرية.
وأفسح الفرنسيون المجال للبعثات التبشرية بين البربر لتنصيرهم، ووجهوا حملة أعلامية دعائية إلى البربر على أساس أنهم شعب مستقل عن "الغزاة العرب" ينحدر ن شعوب أوربية، وأنهم أوروبيون أصلا، ولذلك يجب أن يرتبطوا مع فرنسا وأن يتجهوا إلى الغرب. وعمد الفرنسيون من ناحية أخرى إلى احياء العرف والعادات والتقاليد القديمة. واعترفوا بها مصدر للتشريع المدني. وأقاموا لهم عملاء وأعوانا من شيوخ القبائل الذين أصبحوا حلفائهم ويعد وجلاوى باشا مراكشي الذي حاصر قصر السلطان محمد الخامس نموذجا لهؤلاء الشيوخ.
وهكذا تركزتسياسة التجزئة في المغرب في (١) القضاء على مقومات الوحدة بين العرب والبربر (٢) غزو البربر بتمزيق وحدتهم مع العرب في اللغة والقضاء والثقافة (٣) دفع عدد ضخم من المستوطنين الفرنسيين والأوربيين إلى الهجرة إلى المغرب العربي للقضاء على الأصل العربي وتقليل وزنه، وبذلك تقوم ثلاث قوميات
стр. 115
أقلها القومية العربية مع اتحاد البربر مع قومية المستوطنين كما اتخذت حركة "التجزئة" وسيلة بالغة الخطورة ين عزلت المغرب العربي عن المشرق العربي وعمدت إلى اقفال أبوابه ثقافيا واقتصاديا عن باقى أجزاء الأمة في آسيا.
كما حالت بين الأجزاء الثلاثة: تونس والجزائر ومراكش بعضها عن الآخر، وأقامت في كل اقليم سياسة وثقافة وخطط استعمار تختلف عما اتخذته في القطر الآخر، ولم يستطيع المثقفون في الأقطار الثلاثة الالتقاء الا في القاهرة لارتياد الأزهر أو في باريس.
***
(حركة المقاومة ورد الفعل)
وقد قاوم المغرب بأقطاره الثلاث هذه الدعوات وحطمها في جهاد طويل ممتد وكان عبد العزيز الثعالبى (تونس) هو رائد دعوة الوحدة العربية والربط بين المغرب والعالم العربي وقد قام بحملات متعددة في القاهرة ودمشق وبغداد ودعا إلى توحيد الثقافة بين البلاد العربية وهاجم في القاهرة بعنف أساليب التجزئة والتغريب والتجنيس والفرنسية التي تصطنعها فرنسا في الشمال الافريقى كما قام المغاربة الذين التجئوا إلى الاستماتة برفع صوت المغرب عاليا ضمن الجامعة الإسلامية، وقد كان للشيخ على باشا حنبه والشيخ العنابي أثرهما الكبير في الدعوة للشخصية العربية المغربية في السويد والدانمرك والنرويج وقد عقد لذلك مؤتمر في استكهولم ١٩١٧.
كما كان لعبد الحميد بن باديس وجمعية العلماء في الجزائر التي قام عليها، أثرها الكبير في مقاومة هذا الاتجاه وذلك بمكافحة البدع والخرافات ومهاجمة "الأيدلوجية" التي أقامتها حملات التغريب لتجزئة المغرب وفصل العرب عن البربر فقد دعم اللغة العربية بانشاء المدارس العربية في المساجد والزوايا.
وكذلك قامت حركة "رد الفعل" والمقاومة للغزو الفكرى على أساس علمى صحيح قوامه العقل والاستقراء فهدمت كل النظريات التي قدمها الغرب وكشفت كيف أن عنصرى الأمة (البربر والعرب) قد امتزجا منذ ألف وأربعمائة عام وأن الفوارق المختلفة قد ذابت كلها ولم يبق لها وجود حى وأن أطلاق اسم البربر أنما جاء نتيجة لانقسام الدولة الرومانية بعد وفاة الامبراطور (ثيودوسيرس) عام ٢٨٨ م بين بيزنطة وروما، وكان من نصيب بيزنظة ما يعرف الآن بالجبل الأخضر من ولاية بنى غازى إلى مصر، أما باقى أفريقيا فقد كان من نصيب روما وقد أشار البستانى في دائرة معارفه إلى لفظ (البربر) وقال أنه مأخوذ من لفظ (ورورا) باللغة السنسكريتية ومعناه غريب. ولم يكن لفظ خاص بأمة خاصة بل أطلقه اليونانيون على من لم يتكلم لغتهم وبه سمو ايطاليا (بربار) ثم اخذه الرومان وأطلقوا على من لم يتكلم اليوناينية اللاتينية.
وقد جرى تقارب اللغتين العربية والبربرية إلى حد كبير يدركه من له المام بهما.
٣ - وكان للحركة السلفية في مراكش بقيادة "محمد بن العربي العلوى" دورها كرد فعل على احتضان حركة التجزئة والغزو الفكرى لمشايخ الطرق. وقد حملت الحركة السلفية لواء عملين هامين في محيط الفكر العربي هما:
(١) التحرر والجهاد ومقاومة الاستعمار، ودعوة الشعب إلى العلم والاصلاح ومقاومة الجمود وتحطيم الخرافات وتربية الشخصية الإسلامية على مبادئ الإسلام (٢) وتكوين وحدة سياسية تحت لواء الروابط الثقافية والعقائدية. كما دعت الحركة السلفية إلى مقاومة الاقليمية والتجزئة وجعل اللغة العربية صالحة لأن تكون لسان العالم العربي كله وصلة الوصل بين سائر أفراده.
***
الرد على النظرية البربرية
وقد كان مجمل الرد على النظرية البربرية قائما على أساس ما اتفق عليه النبايون من أن القبائل البربرية ترجع إلى أرومتين مهمتين، وهما يرنس وما دغبش. بحوث لا يوجد بين البرابرة من يخرج عن هذين الأصلين. فهما اما برانس كالمصامدة وصنهاجه وكنامه أو بتر كنقوسة وضريبيه. وقد ذكر المؤرخون أن البرانس من واد مازيع بين كنعان بن حام وان البتر من ذرية بربن قيس، وأن قبائل البربر كانت تسكن الشام وتجاور العرب في المساكن والأسواق، فازداد العنصران امتزاجا وتداخلا منذ أقدم العصور، فالبتر عرب مصريون والبرانس أغلبهم من عرب اليمن. ونص كثير من
стр. 116
المؤرخون على انهم قدموا من آسيا فمروا بمصر وليبيا ودخلوا المغرب.
ولم يكد "ادريس" يشارف العقد الثانى حتى جمع حوله من العرب الأقحاح وأناط بهم مهمة نشر اللغة العربية بين البربر، وتعليم القبائل المنضوية تحت راية الأدارسة الدين، وسارت اللغة العربية في أعقاب جيوش (ادريس) فتركزت حيث ساروا وأن الفضل في تعريب برابرة الريف لا يرجع للادارسة وحدهم.
ومن هذا ينكشف مدى بطلان نظرية العرب والبربر بعد أن امتزجا منذ آلاف السنين.
وهكذا فشلت دعوة التجزئة التي قام بها الفرنسيون في تونس والجزائر ومراكش لاحياء القومية البربرية.
المراجع
عبد العزيز بن عبد الله: مظاهر الحضارة المغربية.
هلال الفاسى: الحركات الاستقلالية للمغرب العربي.
(د) نبيه أمين فارس: هذا العالم العربي.
الأهرام: "أغسطس ١٩٢٥: شمال أفريقيا وأصول سكانه".
стр. 117
النظرية الفينيقية (لبنان)
وتعد مؤامرة فصل لبنان عن الوحدة العربية من أهم أحداث حركة "التجزئة" التي قام بها الاستعمار عن طريق الغزو الفكرى. فقد قامت هذه الحركة على أساسين.
(١) خلق دعوة فكرية تعتمد على عزل لبنان، واعتباره قطرا مستقلا له حضارة تتصل بالغرب والبحر الأبيض المتوسط.
(٢) خلق قوى حزبية كتائبية تعتمد على الارهاب والقتل. تحمل لواء هذه الاتجاه ولا تتورع عن اغتيال أحرار الفكر الذين يقفون في وجه الاستعمار.
ولحملة التجزئة في لبنان تاريخ قديم منذ بدأ صراع الاستعمار حول تقسيم العالم العربي والسيطرة عليه. ووقوع لبنان بين نفوذ فرنسا وبريطانيا ومؤامراتهما، هذه المؤامرات التي أدت إلى خلق النزاع والصراع بين الدروز والموارنة وهما عنصرى لبنان، وقد امتدت هذه المؤامرة حتى حققت أزمة دموية عام ١٨٦٠ كان لها أثرها في دعم النفوذ الأجنبى وتأكيد سلطان فرنسا وارتباط المارونيين بها وقيام وضع (التجزئة) في لبنان، وهو ما أطلق عليه "الوضع الخاص للبنان تكملة الدول الغربية الستة" وقد أعطى السلطان، لهذه الدول عهدا بأن يكون للبنان وضع إدارى وسياسى خاص ولا تزيد علاقته بتركيا عن العلاقة الاسمية، فقد كان يرشح لبنان حاكميه ويعرض أسماءهم على سفراء الدول التي تحمى استقلال لبنان فيختار السفراء واحدا منهم ويصدر السلطان الفرمان الخاص به.
كان من حق لبنان الا يدفع أى ضرائب للاستانة أو يجند رجاله أو تمر القوات التركية ببلاده إلا بإذن، ولقد استغلت فرنسا هذا الموقف استغلالا كان بعيد المدى في مفاهيم أهل لبنان وتفكيرهم ومحاولة عزلهم عن الفكر العربي والوحدة العربية. فأحيت تاريخا قديما ارتبط بتصريحات لويس التاسع إلى بطريك لبنان التي حاول أن يربط بين لبنان وفرنسا وفي هذا قوله "نحن على يقين من أن هذه الأمة التي وجدناها قائمة تحت اسم القديس مارون انما هى قسم من الأمة الفرنسية، لأن اخلاصها للفرنساويين بعضهم لبعض".
وقد ضمن لويس رسالته "٢١ مايو ١٢٥٠" تعهدا بأن تحمى فرنس لبنان" أما نحن وكل الذين يخلفوننا على عرش فرنسا فتتعهد بأن توليكم وشعبكم نفس الحماية التي لفرنسا وبين أنفسهم وأن تعمل على الدوام كل ما هو ضرورى لسعادتكم" وقد ارتبط هذا بموقف المارونية من الحروب الصليبية حيث أمد الموارنة الصليبيين بثلاثين ألف نبال وإذا كان لهذا الخطاب معنى حقيقي في مفهومنا اليوم قائما هو اخفاء مطامع فرنسا تحت اسم الطائفية وحماية المارونية.
ثم أعلن لويس الرابع عشر (٢٨ أبريل ١٦٤٩) الحماية الفرنسية على الطائكية المارونية.
وعمل الغزو الثقافي الغربي في حملة التجزئة الضخمة على لبنان في محاولة تصوير لبنان بصورة القطر الذي ليس عربيا وليس لاتينيا أوربيا وانما هو جسر وممر، وأنه مكون من طائفتين من المسلمين والمسيحين. وأن كل طائفة منهما تضم طوائف فالمسيحية تضم الموارنة والأرثوذكس والكاثوليك والإسلامية تضم: السنة والشيعة والدروز.
وادعت فرنسا أن الشعب العلوى هو بقية الصليبيين وأن الدين العلوى جزء من الديانة المسيحية وأن اللبنانيين من أصل فرنسي.
وأثارت فرنسا دعوى فينيقية لبنان وذلك في محاولة عزلها عن الجماعة العربية.
وقد تبين من بعد أن "الفينيقية" هي موجة عربية صدرت من جزيرة العرب كالفرعونية تماما.
وقد حملت البعثات التبشيرية والمراسلين الأمريكان والفرنسيين لواء هذه الدعوة لهدفين واضحين: (أولهما) التفريق بين جزئي لبنان: المارون والدروز (أو المسيحيين والمسلمين) على نفس النحو الذي اتخذته فرنسا فى
стр. 118
المغرب (ثانيا) عزل لبنان عن العالم العربي وإقامة قومية خاصة به تستمد معالمها ومقوماتها من الكيان القومى الضيق، والارتباط مع الغرب.
ولذلك فإن فرنسا لم تلبث بعد احتلال لبنان ١٩١٧ ان نفذت منهاجا ضخما للقضاء على عروبة لبنان وعزله عن العروبة. بعد أن كانت الارساليات الغربية قد تقدمت بهذه المحاولة سنوات تزيد عن ستين عاما.
وكان أبرز معالم ذلك هو: وضع اللغة الفرنسية في مستوى اللغة العربية في الدستور وفي المدرسة والمحكمة والمصرف، والصحافة، والكتابة وبذلك خلقت ثنائية فكرية وثقافية أدت إلى كثير من الانحراف الفكرى.
كما حاول الاستعمار الفرنسي في غزوته الثقافية على دعوة الوحدة العربية التي كان لبنان أول من حمل لواءها ودعا إليها في العشرينيات من القرن العشرين، والحقيقة الثابتة ان المسيحيين في الشام وفي لبنان بالذات هم أول من حمل لواء الدعوة إلى القومية العربية ولكن الاستعما حرصا منه على تمزيق كيان لبنان الداخلى وعزله عن القومية العربية عمد إلى خلق "ازدواج لبنان" بدعم الطابع الطائفي تحت اسم المحافظة على الكيان اللبناني.
غير أن مؤامرة التجزئة ما لبث أن انكشفت، وتبين أولا أن الصراع بين بريطانيا وفرنسا هو الذي خلق الطائفية وعمقها بأحداث ١٨٦٠ التي حرضت عليها بريطانيا وأن الطائفية- كما يقول ادوارد حنين (مجلة: الندوة اللبنانية ٢٢ نوار ١٩٥) ليست الا مزيجا من قشور الدين دون لبه، ومن شعائر الاديان دون الامان، ومن غيرة القساوسة والمشايخ دون رأفتهم. ومن سذاجة اللبناني دون فطنته ومن عمل السياسة دون وعيها وضميرها ومن خبث السياسيين وقسوة قلوبهم".
كما تكشفت حقائق الامتزاج بين طائفتي لبنان "حتى أن بعض العائلات الدرزية تربط نفسها بوشائج الأخوة والقربى إلى بعض العائلات اللبنانية المارونية وبالعكس، وأن ما جرت به العادة بين الموارنة والشيعيين وبين المسيحيين والمسلمين ".
وتكشف " أن بريطانيا عملت على على إزالة المملكة الناشئة في مصر بالاحتلال وتهديم الامارة المتمكنة في لبنان بالفتنة".
وأن الاستعمار بنفوذه قبل احتلال لبنان وبأدواته ووسائله بعد احتلاله عمد إلى "انماء روح التفرقة بين اللبنانيين" وقال حبيب أبو شهلا "ان الطائفية في لبنان معطلة للوحدة القومية ومسببة للتفكك في الجسم اللبناني وأن الانانية الطائفية والتوازن الطائفى والمصلحة الطائفية نكبة عظيمة وشر مستطير" وقد تأكد باجماع الرأى أن المطامع الأوربية هى التي مزقت لبنان.
وقد ألقت الأربعينات على لبنان ضياء جديدا حين أعلن استقلال لبنان ١٩٤٣ اذا كان هذا الاستقلال نقطة تحول ونقطة التقاء.
فقد أعلن رياض الصلح أن (لبنان وطن ذو وجه عربي- وأن لبنان لن يكون للاستعمار مقرا ولا لاستعمار الأقطار العربية ممرا).
وكان هذا مقاومة لأفكار التجزئة التي تمثلت في منظمة (الحزب القومى السورى) ثم وجه بشارة الخورى وهو من أصدق الوطنيين الذين حكموا لبنان عند اعتزاله النظر إلى القومية العربية فقال "لا تحولوا وجوهكم عن دنيا العرب فان لكم فيها اخوان فكر وقلب ولسان".
***
الحزب القومى السوى والكتائب
وقد ركزت هذه الدعوة إلى تجزئة لبنان وعزله عن الأمة العربية في منظمتين في لبنان: هما الحزب القومى السورى الذي يعمل في سوريا ولبنان وحزب الكتائب وهما متحدين في الأهداف- وان كان حزب الكتائب في حقيقته منظمة طائفية متطرفة- غير أنها تحمل نفس الأهداف في الولاء لفرنسا لا للبنان وفي الايمان بوسائل الارهاب والاغتيال.
وقد حمل الحزب القومى السورى لواء الدعوة إلى الاقليمية والتجزئة وتزييف الحقائق للقضاء على الوحدة العربية ومقاومة دعوة القومية العربية فالوطن السورى- عند الحزب القومى السورى- هو البيئة الطبيعية التي نشأت فيها الأمة السورية. وهى ذات حدود جغرافية تميزها عن سواها تمتد من جبال طوروس في الشمال إلى قناة السويس والبحر الأحمر في الجنوب.
وحدد الحزب موقف سوريا من الأمة العربية فقال
стр. 119
انطوان سعادة (مارس ١٩٨٣) أن العرب ليسوا فاتحين كغيرهم من الأمم التي مرت بهذه البلاد والفتح لم يغير الهوية القومية السورية وأن اندماج القضية السورية القومية في القضية العربية كان سببه وقوع بلاد عربية غير سورية تحت التسلط التركى مما ساعد تولد فكرة اجتماع امم العالم العربي الخاضعة لتركيا على القيام بحركة تحريرية مشتركة" كما وصف العرب بالصحراويين وبلادهم بالصحراء وقال انهم متخلفون عن بيئة سوريا وعنده " أن الأمة السورية هى الأمة المؤهلة للنهوض بالعالم العربي".
وجرى الحزب القومى السورى على هدم التراث العربي واحياء تراث الشعوب التي حكمت سوريا قبل الإسلام كالآشوريين والكلدانيين والبابليين والحيثيين والفينيقين.
وبذلك حملت منظمة القوميين السوريين لواء حملة التجزئة في لبنان لمقاومة الوحدة بين أجزاء الكيان العربي وجرى الأب لامنس في كتابه عن سوريا على نفس النهج فأعلن أن السوريون أمة تامة وأن القضية السورية قضية قائمة بنفسها ومستقلة عن أى قضية أخرى. وأن الأمة السورية هى وحدة الشعب السورى والمولدة من تاريخ طويل وأن الوطن السورى هو البيئة الطبيعية التي نشات فيها الأمة السورية.
وجرى أنطوان سعادة على نفس النهج فقال بأن الأمة العربية شئ غير قائم في الواقع وأن هناك شعوبا متعددة تتكلم اللغة العربية. وأن العرب لم يؤثروا في سوريا أى أثر يذكر، وانما هى أثرت في العرب. وهو نفس ما تردد في مصر بالنسبة للعرب في الدعوة إلى مصر الضيقة والى الماضى الفرعونى.
ولم تقف منظمة (الحزب القومى السورى) إلى حد اذاعة هذه الآراء والدعوة لها وانما عملت على فرضها بالقوة عن طريق الارهاب المسلح والقضاء على من يقف في وجهها بحجة أن الشعب العربي لا يعرف ما يريد، وهدفها الاتجاه إلى قلب الأوضاع باسم "تغيير عقلية الحكم". ولو كانت هذه الدعوة مجردة خالصة من التبعية والعمالة للاستعمار والغزو الاستعمارى الفكرى والتغريب لكان هناك مجال لقيام سجال فكرى بينها وبين مبادئ القومية العربية. للكشف عن مدى زيف هذه الآراء، غير أن تأكد الصلة بين هذه المنظمة وبين الاستعمار قد حكم عليها بأن توضع في صف الاستعمار نفسه كمنظمات التبشير ومختلف هيئات العمل الاستعمارى في ميدان الغزو الفكرى العربي.
وذلك أن أنطوان سعادة انما بدأ دعوته إلى فكرة القومية السورية في المهجر ثم تابع الدعوة ١٩٢٩ بعد عودته إلى وطنه لبنان ثم أنشأ في (١٦ نوفمبر ١٩٣٢) الحزب القومى السورى وكون تشكيلاته العسكرية متأثرا بالفاشية والنازية على أساس الارهاب والتعصب والأقليمية والخيانة.
وقد أظهر عداءه للكيان اللبناني، مع أعضاء حزبه، وحكم عليه بالسجن وحل الحزب عام ١٩٣٧ وعاد إلى المهجر، وفي أبريل ١٩٤٤ أنشأ أتباعه الجزب القزمى الاجتماعى برئاسة نعمت ثابت. فلما عاد أنطوان سعادة ١٩٤٧ إلى لبنان رأس الحزب ثم بدأ يدخل مرحلة تنفيذ فكرته باحداث انقلاب في لبنان وفق مخططه الاستعمارى واتصل بالسلطات الاجنبية وانكشفت هذه التحضيرات (يونيو ١٩٤٩) التي اتجهت إلى تسلم الحكم بالعنف حل الحزب وعلن سعادة التعبئة الشعبية العامة واعلن الثورة في لبنان حيث هاجم انصاره المخافر ودور الحكومة (تموز ١٩٤٩) ثم هرب سعادة إلى دمشق حيث قبض عيه وحوكم في ٢٠ يوليو ١٩٤٩ وحكم عليه بالإعدام، غير أن الحزب عاد مرة أخرى بصورة أخرى كان لها بعد الحرب العالمية الثانية دور كبير في خيانة أهداف القومية العربية. وكان للحزب تاريخ واضح في التغريب والتجزئة والعمل للاستعمار عن طريق عصابته الارهابية التي كانت سلاح المستعمر وأداته في القضاء على الأحرار وقتلهم أمثال: رياض الصلح أول من قال (ان لبنان وطن ذو وجه عربي) وعدنان المالكى داعية القومية العربية في الجيش السورى ونسيب المثنى الصحفى اللبنانى الحر.
وقد التقى حزب الكتائب اللبنانى مع الحزب القومى السورى في أهدافه ومخططاته واغتيالاته يؤمنا بأن الاخلاص للقومية العربية خيانة واشتراكا في كل مؤامرة ضد الوحدة وضد تجمع الأمة العربية وحريتها واتخذوا لهم من لبنان قاعدة ومنطلقا.
وقد أيد الحزبان الصهيونية في فلسطين ووقفا في وجه العمل لتحرير فلسطين وكشفا عن دورهما بالوقوف صراحة في صف الصهيونية وهاجموا وثيقة الاستقلال التي أعلنها رياض الصلح واتفقا مع الجنرال كانرو (١٩٤٤) على مقاومة التيار العربي.
وقد عمل سعادة مع الألمان والأمريكان والانجليز وكان أيمانه بفرنسا أنها "الأم".
стр. 120
وقد واجه الفكر العربي الإسلامي المعاصر هذه الدعوة، بالتقنين والتحليل وكشف عن مغالطاتها واخطائها وزيفها وعناصر الافتعال فيها والهوى الاستعمارى والتغريبى الواضح في مخططها.
وأول عوامل الخطأ في نظرية أنطوان سعادة اضطرابه في تحديد المنطقة التي يعتبرها (الوطن السورى) وتغييره حدود هذه المنطقة عدة مرات بالزيادة والحذف.
وأن نظريته قامت على أساس الخروج من نطاق لبنان دون الدخول في حوزة العروبة، وزعمه أن سوريا منطقة منفصلة من الأمة العربية.
فقد عين حدود سوريا ببادية الشام ثم أدخل إليها قسما كبيرا من العراق ثم بلغ بحدودها إلى جبال بختيارى وبذلك أدخل العراق كله في حدود سوريا وقد فسدت منذ وقت بعيد نظرية العامل الجغرافى في تكوين القوميات والأمم وتأكد أندعامتى القومية هما اللغة والتاريخ.
ومن مغالطات سعادة معارضته للغة كعنصر من عناصر القومية ورفض القول بأنه متى استبدل المرء لغة جديدة بلغته خسر قوميته، وقد أعلن نظرية لا تثبت للمنافسة وهى أن في الإمكان أن تقبل الأمة لغة جديدة دون أن تفقد خصائصها وهو قول لا أساس له.
ولقد كانت الدعوة إلى "التجزئة" وخيانة القومية العربية، وتأييد الصهيونية وخيانة لبنان العربي بأحداث انقلاب ضده. وتأييد المستعمرين كلها من العوامل التي كشفت زيف الدعوة فضلا عن سيرها ضد التيار الضخم، تيار التقاء الجزء بالكل وارتباط سوريا الأكيد بالأمة العربية تاريخيا وفعليا.
ويرى ساطع الحصرى أن الدافع الذي دفع أنطوان سعادة إلى التحامل على القومية العربية هو (١) ان فكرة العروبة تختلط في ذهنه مع معانى البداوة والصحراوية (٢) ومع الفكرة الإسلامية (الحزبية المحمدية) فقد توهم أن فكرة الوحدة العربية قناع لهدف إسلامي وهو في هذا غير سليم النظرة.
стр. 121
نظرية البحر المتوسط
هذه دعوة من دعاة التجزئة والتغريب معا وهى ليست قاصرة على لبنان وحده وانما هى: دعوة "فرنسية" تحاول أن تربط العالم العربي: المغرب بأقطاره ومصر ولبنان بأوربا. بدلا من ارتباطها بالأمة العربية، وهى أحدى نظريات التجزئة الثقافية وهى دعوة القول بأن لحوض البحر المتوسط وحدة جغرافية وتجارية واجتماعية وفكرية قوامها: الفكر اليوناني والنظام الرومانى والدين السامى وأن الذين ساهموا في ابداع هذه الحضارة: الفنيقيون أصحاب الفضل استنباط الحروف الهجائية ومن نماذج مصرية ويونانية ورومانية وسواهم وقد حاول الاستعمار الفرنسي أن يذيع دعوى أن اللبنانيين ليسوا عربا بل فنيقيين وأن حضارتهم هى حضارة البحر المتوسط وأنهم لا يمتون للعرب بصلة وقربى الا باللغة- كما نادى موسوليني ابان دعوته الفاشية إلى حضارة المتوسط- وقد حمل الاستعمار الفرنسي لواء الدعوة إلى بعث أمجاد الفنيقيين عن طريق الشعر العربي (قدموس- سعيد عقل) وجرت مع ذلك محاولة بعث اللغة العامية واتخاذها أداة الكتابة وقد دعمت نظرية البحر المتوسط والاتجاه إلى الغرب بدلا من الاتجاه نحو الشرق والصحراء.
كما حاولت فرنسا تأكيد الدعوة إلى حضارة المتوسط في المغرب كمحاولة لربط تونس والجزائر ومراكش بأوربا والغرب وفرنسا ووقف تيار الارتباط مع الأمة العربية التي هى جزء منها.
وقد واجه الفكر العربي هذه المعركة كما واجه أفكار التجزئة الأخرى وأعلن زيفها وشكك في جديتها، وقال ذلك أن الثقافة أمر معنوى ويمكن ربطه بالعوامل الجغرافية.
كما تبين أن الفنيقيين فرع من الأمة العربية، وأن الحضارة الفنيقية جزء من الحضارة العربية. وأن العرب عندما دخلوا معترك التاريخ سيطروا على البحر المتوسط حولوه إلى بحر عربي. وكان لثقافتهم أثرها في شاطئ البحر الأبيض المواجه، فقد تأثرت ايطاليا وفرنسا واسبانيا بهذه الثقافة.
стр. 122
المسلمون والمسيحيون: مصر
اتخذ الاستعمار الانجليزى في مصر من قضية الاقليات نقطة ارتكاز في "مؤامرة التجزئة" فقد أثار الخلاف بين المسلمين والأقباط وادعى حماية الأقباط وخلق مشكلة الأكثرية والأقلية، وبينما كان المصريون يعيشون في ظل مجتمع متحد قبل الاحتلال، حرص الانجليز على ضم فريق من المسيحيين اليهم وخقوا لهم وضعا معينا في مختلف ميادين العمل والتعليم.
وقد سجل المؤرخون الأوربيون المنصفون سماحة المسلمين أزاء الأقليات وأن الإسلام أكد حقوق أهل الكتاب من غير المسلمين، غير ان النفوذ الغرب اتخذ من حماية الأقليات وسيلة للتدخل لتوطيد أقدامه، وخلق عددا من المشاكل والخلافات والفتن بين الطوائف المختلفة.
وكان لبنان أبرز مثل لقدرة الاستعمار على استغلال الخلاف بين الموارنة والدروز، أما في مصر فإن الموقف قد اختلف عن ذلك نظرا لليقظة وضبط النفس والقدرة على افساد الخطة التي حاولها الاستعمار.
وقد شهد بذلك فوردو كاتنج (٢٧/ ١٠/١٩٢٩ - الأهرام) فقال أن الأقليات المسيحية واليهودية كانت تعامل على الدوام خير معاملة في البلاد الإسلامية إلى أن تأتى دولة أوربية وتستخدم تلك الأقليات لقلب الحالة.
وقد كان للأقباط منذ تعريب مصر مكانة مرموقة حيث كان إليهم إدارة البلاد وأعمال المال وبينما اختص الأتراك بالمناصب العسكرية والادارية واختص المسلمون بالقضاء اختص المسيحيون بأعمال المال، ولم يكن عدد الأقباط عام ١٩٠١ يزيد عن عشر سكان القطر بينما كانوا يحتلون ٤٥ في المائة من الوظائف ويحصلون على ٤٠ في المائة من المرتبات، بينما لم يزد نصيب المسلمين منها عن ٤٤ في المائة وقد أحرز عددا منهم الباشوية، وكان أول قاض قبطى هو (عبد الملاك كتكوت) بمحكمة قنا الأهلية كما عين يوسف عبد الشهيد مديرا لديوان القضايا بمديرية المنيا وسرور بك وكيلا لمديرية الدقهلية وكان ذلك رمزا لاتحاد البلاد كما ألف الأقباط الجمعية الخيرية القبطية برئاسة قربانص مفتاح.
غير أن الاستعمار البريطانى بدأ يدس بين المسلمين والأقباط على نحو يفهم منه أن هناك أقليو أكثرية وأنهم- أى البريطانيين- يراعون فريق المسلمين كما يحمون فريق الأقلية، وذلك حتى يجعلوا نفوذهم مرجعا للفريقين، وقد بدأت سنة ١٩٠٧ حملة صحفية قادتها صحيفتا "الوطن ومصر" المسيحيتين حيث هاجمتا الإسلام هجوما عنيفا اضطرت معه اللواء والمؤيد للرد عليها فكتب اللورد في تقريره (١٩٠٨) يقول أنه يوجد فرق ظاهرى شاسع بين المسلمين والأقباط. ولكن هذا الفرق لا يكاد يذكر في الواقع. غير أن الضرورة تحتم أن الأقلية تتأثر بالأغلبية" وتحت ضغط الاشاعات التي روجها المستعمر بأن هناك دستور سيوضع وستهمل حقوق الأقلية، رفع الأقباط إلى كرومر عام ١٩٠٨ مذكرة ضمنوها بأربع مطالب:
١ - المساواة الكاملة مع المسلمين فيما يختص بالتعيين في الوظائف.
٢ - اغلاق المحاكم يوم الأحد.
٣ - تعيين عضو آخر في الجمعية الاستشارية.
٤ - تعليم الدين للطلبة المسيحيين في المدارس الأميرية.
وقد قبلت السلطات المطلبين الأول والثالث. وتبادلت جريدتى اللواء والمؤيد التهانى لهذه الخطوة نحو المساواة الاجتماعية.
غير ان الاستعمار لم يشأ أن يلتقى الأقباط والمسلمون فوسع شقة الخلاف حيث أزال امتياز
стр. 123
المسيحيين في العمل المالى وأخذ يدفع بعض المسلمين اليه. (توفيق حبيب وجاك تاجر (ك) أقباط ومسلمون) ثم لم يلبث أن عين بطرس غالى رئيسا للوزراء (١٣ - نوفمبر ١٩٠٨) وقد كان هذا عملا مستغربا اذ أنه لأول مرة يرأس الوزارة مسيحى في بلد له أغلبية مسلمة، وقد أثار هذا عاصفة من النقد في مجال الصحافة، وان كان بطرس غالي عندما سألته الصحف المسحية عن مطالب المسيحيين لم يشأ أن يعلن عن وجهته واكتفى بأن قال أنه لا ينوى التدخل في هذه المسألة. وكان بطرس غالى قد رأس المحكمة المخصوصة لمحاكمة أهالى دنشواى ووقع مع كرومر سرا اتفاقية السودان ١٨٩٩ التي قضت على كل صلة لمصر بالسودان وقد كان هذا كله مما أعده الانجليز للوصول إلى النهاية التي وقعت بعد اذ تقدم شاب متحمس من شباب الحزب الوطنى فاغتال رئيس الوزاراء ٢٠/ ٢/١٩١٠ وان كان قد ثبت أن هذا الشاب كان مدفوعا بمفاهيم السياسة لا بالعاطفة الدينية.
وبذلك وصل الانجليز إلى غايتهم في تعميق شقة الخلاف، وكان مصطفى كامل من قبل قد حاول أن يجمع بين عنصرى الأمة. وضم إلى حركته عددا كبيرا من أعيان الأقباط أمثال ويصا واصف ومرقص حنا وهو القائل "ان المسلمين والأقباط شعب واحد مرتبط بالوطنية والعادات والأخلاق وأسباب المعاش ولا يمكن التفريق بينهما مدى الأبد. وأن الأقباط اعوة لنا بين الوطن وقد شهد (مرقس حنا) بعد وفاة مصطفى كامل بأنه هو الذي "أرانا طريق الحرية والأخاء وأفهمنا أن الاتحاد هو السلم الأول للوصول إلى الحرية والاستقلال"
وقد أمكن أن يتلقى نخبة من رجال العنصرين في مؤتمر عام استنكروا فيه عمل تلك الفئة التي اتجهت إلى استعداء سلطات الاحتلال. بيد أن الاستعمار استطاع أن يدفع بالغلاة إلى العمل على اثارة الخلاف مرة أخرى وتعميقه وأعانت على ذلك الصحف الأوربية في الخارج والأفرنجية في مصر التي وصمت المصريين المسلمين بأقبح النعوت (إبراهيم عبده- تاريخ الأهرام ص ٣١٠) وقد كسب الاستعمار من هذه الفرقة أن شغل المصريين عن الجهاد الأساسى الذي يقوم ضد الاحتلال إلى الانقسامات والخلافات المذهبية.
ثم عقد الأقباط مؤتمرهم في أسيوط (مارس ١٩١١) وثم به اعداد مطالب خمسة هى:
(١) راحة يوم الأحد.
(٢) المساواة في الوظائف.
(٣) تشخيص العناصر القبطية في الهيئات النيابية.
(٤) المساواة في التعليم في مجالس المديريات واعانة مدارس الأقباط.
(٥) الانفاق من الخزينة المصرفية على جميع المرافق المصرية على السواء.
وقد واجهت صفوة رجال الأمة هذا المؤتمر بالتسامح ولم تشأ أن تعقد مؤتمرا حمل اسم المؤتمر الإسلامي حتى تفسد على المستعمر خطته في التفرقة بل عقدوا مؤتمرا "مصريا" ضم المسلمين والمسيحيين في مصر الجديدة برئاسة رياض باشا (مايو ١٩١١) وقد رفض هذا المؤتمر تقسيم الأمة المصرية إلى عنصرين أكثرية إسلامية وأقلية قبطية ودعا إلى وحدة الأمة السياسة وسجل هذا في عبارة مضيئة: "ان لكل أمة دينا رسميا. ودين كل أمة هو دون الأكثرية منها ومن غير المفهوم ان يكون في الأمة أكثر من دين رسمى واحد وعليه فلا معنى للاعتراف بأقليات دينية تعمل في السياسة بهذه الصفة".
وبذلك حطم المصريون مؤامرة "التجزئة الدينية" بعد أن استمرت أكثر من ثلاث سنوات.
وعندما طالبت مصر بحقوقها بعد الحرب العالمية الأولى، ومنعت بريطانيا المصريين من حضور اجتماعات مؤتمر الصلح، هب المصريون جميعا مسلمين ومسيحيين في ثورة ١٩١٩: وكان القساوسة ومشايخ الأزهر يتبادلون الخطابة والدعوة إلى الحرية الوطنية في الأزهر والمساجد والكنائس وكانت الأعلام التي رسم عليها الهلال والصليب تظهر متعانقة في كل مكان، وسجلت الحركة الوطنية مبدأ واضحا هو: الدعوة إلى حرية مصر على أساس أن الجميع مصريون، ولما أصدرت بريطانيا تصريح ٢٨ فبراير من جانب واحد لم تنس أن تنص على أن من المسائل المعلقة بينها وبين مصر "حقوق الأقليات" وعندما بدأ وضع الدستور دس الاستعمار البريطانى دسائسه مرة أخرى بين المسلمين والأقباط فظهر اتجاه يدعو إلى تحديد تمثيل نسبى لجميع الطوائف الدينية: وقال أنصار هذا النظام (جاك تاجر- أقباط ومسلمون) أنه اذا ضمنوا للأقليات الدينية تمثيلا ثابتا في الجمعية الوطنية فانهم يمنعون بذلك الانجليز من التدخل في شئون مصر الداخلية بدعوى حمايتهم للأقليات،
стр. 124
وقد أيد هذا بعض المسلمين غير أن أغلبية الأعضاء عارضوا هذا الاتجاه كما عارضه المستنيرون من المسيحيين: وكان الرأى أن هذا لو تحقق سيبقى على الانقسامات القديمة ويضعف الوحدة القومية، وقد جرت مساجلات طويلة في الصحف في هذا الشأن حمل فيها لواء الدعوة إلى تحديد التمثيل "توفيق دوس" ومن شايعه وحمل لواء الدعوة إلى الاطلاق (عزيز ميرهم) ومن شايعه.
ومما كتبه عزيز ميرهم في هذا الصدد تحت عنوان حماية أقليات (افتتاحية الأهرام ٨ مارس ١٩٢٢) قوله "لا أنكر في مصر أقليات من قبط وعرب ويهود وطوائف من المسيحيين الشرقيين وأن كثيرا من هذه الأقليات يتمتع بقوانين خاصة وامتيازات مختلفة من التمثيل في الهيئات النيابية، وقد وجدت هذه الأٌليات بحكم أسباب تاريخية لا تختلف كثيرا عن الأسباب التي أنتجت ما يشابهما من الأقليات التاريخية في بلاد الغرب. من هذم الأسباب قيام الوطنية في الماضى على أساس الدين قبل قيامها على وحدة الدم والتاريخ والوطن. وانما تقدم الغرب على الشرق في فكرة بناء الوحدة القومية على أساس وحدة الدم والتاريخ والوطن. أما في الشرق فلتساهل الدين الإسلامي وتسامحه لم يمنع الإسلام الطوائف غير الإسلامية من المعيشة والانتشار في جواره." ثم أشار إلى الصعوبات التي وقعت بين طواءف من الأديان في الشرق وقال أن هذه الخصومات لم تكن الا أعمالا فردية وقتية، وقد وضع الإسلام منذ نشأته قاعدة حرية الدين وأجاز للطوائف غير الإسلامية حق مباشرة شئونها الداخلية بنفسها. وأن مصالح الأقليات في مصر مضمونة ضمانا قلما من مدة مديدة ومنها تمتع الأقباط في مصر بالأنظمة الدينية الخاصة بهم والتمتع بشعائرهم الدينية وحق بناء المدارس والكنائس والأديرة من غير قيد، وحق امتلاك الأملاك الموقوفة عليها وادارتها.
وقال ان ادعاء بريطانيا حماية الأقليات انما يفتح باب الدسائس واسعا، وأشار إلى الأساليب التي يستعملها الانجليز تحت ستار حماية الأقليات للتفريق بين الطائفتين، وقال أن الأمة المصرية قامت تنادى بمبدأ واحد وأن جميع عناصرها قد التقت في وحدة المطلب ووحدة الوطن وأن مثل هذا الاجراء- تحديد نسب التمثيل- تدخل معيب تأباه كرامة شعب يريد الحياة".
وعادت الأهرام فسجلت شعور المصريين (٩/ ٢/عام ١٩٢٣) ورغبتهم في الغاء مذهب الأكثرية والأقلية الذي خلقه الانجليز وابتدعوه "ليغروا به ضعاف النفوس وضعاف العزائم حتى يستميلوهم إلى قوتهم فيكونون خدمة لها في ما تطمع وتريد".
وقد نص دستور ١٩٢٣ على المساواة التامة بين جميع المصرين أيا كان دينهم أو عقيدتهم كما نص على حريتهم في ممارستهم لشعائر دينهم وقبولهم بالوظائف الحكومية. وجرت التقاليد على أن يكون دائما ضمن مجلس الوزاراء وزير قبطى.
ولكن بريطانيا لم تتوقف عن اثارة النعرة الطائفية فترددت تحذيرات الصحف منها في سنوات ١٩٢٨ و ١٩٢٩ معلنة "أن الأكثرية والأقلية بضاعة من بضائع أوربا السياسية تصنع للتصدير إلى الخارج وترسل إلى الشرق التعس الذي القى فيه هذا الميكروب منذ دهر بعيد فغفل عنه وعمل عمله. وأن الشرق لم يعرف في ابان مجده وحضارته مثل هذه التفرقة، وقد سجل "جاك تاجر" في كتابه أقباط ومسلمون: أن الاندماج بين المسلمين والمسيحيين في الحضارة والثقافة قد بلغ حدا بعيدا وأن تقاليد المسلمين في مصر لم تخل من الأثر الفرعونى، بينما طبع الإسلام بروحه الأقلية القبطية التي ظلت متمسكة بالمسلمين، وقد كف الأقباط عن التكلم بلغتهم وتعلموا اللغة العربية ونقلوا عباداتهم في الكنائس إلى اللغة العربية أيضا وما حل القرن الثانى عشر حتى أصبحت كلها: تتحدث باللغة العربية، كما أخذ الأقباط عن المسلمين ختان الأطفال كما تشبهوا بالمسلمين من حيث المظهر وهو ما عجز عنه اليونان والرومان من قتل الأتراك من بعد وكان هذا علامة على امتزاج العرب بالأسر المصرية والتقاء المسلمين والمسيحيين في وحدة حضارية وثقافية كاملة.
стр. 125
التجزئة بالقومية الضيقة: المصرية والفرعونية
كانت حملة التجزئة بخلق القوميات الضيقة جزءا من خطة التمزق والقضاء على وحدة الفكر العربي الإسلامي وخلق وحدات فكرية اقليمية ضيقة تقوم على أساس المفاهيم المحدودة بحدود كل اقليم بحيث تصبح هناك نزعات وفلسفات ضيقة. مصرية وسورية ولبنانية وعراقية وتونسية ومغربية وهكذا، وقد تمثلت هذه المفاهيم في أساس أنه شخصية مستقلة منفصلة وتلغ هذا العمل مداه في معاداة مفاهيم الأقطار الأخرى، فمصر غير العرب ولبنان غير سوريا وتونس غير مراكش كما جرت محاولات للفصل بين كل قطر على أساس أن لكل قطر مقومات خاصة وعلامات مميزة فكرية وجنسية ونفسية، وان كل قطر شعب، وكل اقليم له جنس وحضارة وماضى وتراث وكانت كل هذه المحاولات مصطنعة مفتعلة حيث كانت الأمة العربية منذ قرون "متحدة" في فكرها ومقوماتها تتلاقى جميعا يترك مشترك وتاريخ واحد ولغة واحدة.
وقد كانت دعوة التجزئة بالقومية الضيقة أقوى ما تكون في مصر، ذلك لأن مصر سقطت في يد الاستعمار منذ ١٨٨٢ مبكرة عن الوجود العربي كله ماعدا الجزائر، ولذلك كانت عملية الغزو الثقافي لعزلها عن الوحدة العربية بعيدة المدى، وكانت عملية تغربتها وردها إلى ماضيها القديم الساتق على ماضيها العربي باسم احياء مجدت والتغنى بعظمة الأهرام وأبو الهول التي لا مثيل لها في العالم.
وقد ارتبطت الدعوة إلى القومية المصرية الضيقة بالدعوة الفرعونية واحياء ماضى مصر القبطى. وقد حشد الاستعمار لبث دعوة الفرعونية كل القوى: فكانت الصحف التي تسير في ركابه تدعو كل يوم دعوى الفرعونية وتربط مصر الحديثة لماضيها القديم وتتحدث عن الحضارة الفرعونية كما تبرع روكفلر بعشرة ملايين دولار لانشاء متحف للآثار الفرعونية في مصر ومع ذلك الجهد المبذول فقد ظلت الدعوة الفرعونية غامضة، حيث لم يكن هناك تراث فكرى حقيقى يمكن أن تقوم على أساسه الدعوة.
وكان من أبرز الأخطاء تجاهل الحقيقة التي تقوم على أن الفرعونية عصرا من العصور وليست جنسا من الأجناس.
وظن البعض أن الهدف أن تحيا مصر اليوم حياة مصر منذ خمسين قرنا مضت، تعيش كما كان الفراعنة يعيشون. أو احياء الفرعونية في الفن والأدب أو ترك الدين الذي ندين به للغابية أو اللغة التي تكتب بها.
وقد قيل في مجال خلق المقارنة أن الغرب ليستطيع اقامة حضارة قوية الدعائم الا بعد أن وصل بينه وبين حضارة اليونان والرومان.
وعارضت صفوة المفكرين أن يكون الفن المصري فرعونى، لأن الفن الفرعونى انما هو فن وثنى قائم على التهاويل والأساطير والخرافات.
ووحد الفكر العربي الإسلامي أن الفرعونية لا تتمشى مع روح العصر، اذا لم يكن لها ثقافة، وأنها توقفت منذ ظهور الإسلام وجمدت، وفصل بيننا وبينها تاريخ اجابا الفعالية قوامه: اللغة العربية والإسلام.
стр. 126
لم تكن الدعوة الاقليمية أو دعوة التجزئة قاصرة على دعوة واحدة وانما تعددت دعواتها وتنوعت، فكانت هناك (١) الدعوة إلى المصرية (٢) والدعوة إلى المصرية الفرعونية القبطية (٣) والدعوة إلى المصرية النيلية- ومن الناحية الأخرى كانت هناك دعوات الوحدة العربية والجامعة الإسلامية والرابطة الشرقية.
وكان الهدف من اثارة هذه الدعوات جميعها ومناقشتها في الصحف والتركيز على احداها بعد الأخرى .. وقيام دعاة لهذه ولتلك، ومحاضرات وكتب وأحاديث، كان الهدف من ذلك كله خلق جو من البلبلة والتمزيق للفكر .. وتفسيخه حتى يعجز عن السير في تياره الطبيعى وأداء واجبه.
وكان الاستعمار البريطانى في مصر حريصا على التركيز على دعوة القومية الضيقة بأنواعها الموقوف بها ضد الوحدة العربية التي كان معروفا أنها الاتجاه الطبيعى والمجرى الأساسى العميق الذي يؤدى إلى تضامن سائر دول العالم العربي في وحدة سياسية وهو ما يحرص الاستعمار على افساده. كما حرص الغزو الثقافي في مجال التجربة إلى أن يحمل الأقباط لواء الدعوة إلى القومية المصرية ذات اللون الفرعونى المرتبط بالقبطية بينما يحمل المسلمون لواء الدعوة إلى القومية المصرية ذات اللون النيلى أو اللون الإسلامي.
وكان لظهور الأفكار القومية في أوربا أثره في الاتجاه إلى دعوة القومية، غير أن الاستعمار حصر هذه الدعوة في المجال المحلى الضيق، وبذلك ظهرت دعوة "تمصير" الفكر وعزله عن الفكر العرقى تأثرا بالمفاهيم الأوربية، ومحاولة خلق صورة ذات ملامح للقومية المصرية والشخصية المصرية قوامها ميل المصريين إلى التدين وتمسكهم بعادات اجتماعية معينة، وهى صورة لا تزيد عن أنها جزء من صور القومية العربية والشخصية العربية، فقد كانت ملامح الأجزاء العربية كلها متحدة في المشاعر والتقاليد والأخلاق والفكر والتأثر بالأحداث المختلفة نتيجة للركيزة الأساسية من الثقافة العربية والتراث الإسلامي والأديان والتاريخ المشترك.
وجرى في ظل هذه التيارات الدعوة إلى الأدب المحلى الذي يصور الحياة المصرية وحدها، وجرت الدعوة إلى اللغة المحلية والانفصال عن اللغة العربية الأم والعصبية للاقليم وتفضيله ورفعه فوق كل اقليم.
وجرت الدعوة إلى "مصر للمصريين" وكانت تحمل هدف فصل المصريين عن الأمة العربية وعن جيرانها فقد هاجم دعاة القومية الضيقة لأولئك الذين هبوا لمساعدة الليبيين من أهل طرابلس الغرب عند الهجوم الايطالى عليهم وقالوا أن على المصريين ألا يتأثروا بعواطف غير منبعثة من اقليمهم وحده.
وحملت دعوة مصر للمصريين الكراهية للارتباط بالعرب أو المسلمين أو دعوة الخلافة وكانت مثل هذه الدعوة تجرى في سوريا والسودان وفي كل مكان بدأت فيه حركة مقاومة للاستعمار.
ولم يشأ أحد أن يرى الطريق للصحيح بعيدا عن العاطفة الاقليمية العصبية المندفعة بفعل الغزو الثقافي وتحت رداء التجزئة ويفهم أن الوحدة المصرية عمل نافع لالغاء الخلافات الذهبية والحزبية والارتفاع عليها كمقدمة لتكوين حلقة من وحدة أكبر كالوحدة العرقية، اما كان الدعاه يرون أن مصر وحدة مستقلة، منفصلة تقوم على أساس الهرم أو النيل فقط وتحمل الكراهية للعرب ولكل ما هو عرقي وترى أنهم دخلاء غزاة كاليونان والرومان.
وكانت الحركة الفكرية قد رسمت خطة لدعم هذه التجزئة بدعوة القومية المحلية لدراسة الكتابات الهيروغليفية وتاريخ الفراعنة والربط بين العصر الفرعونى والعصر القبطى.
واستهدف هذا العمل القول أن مصر أمة مستقلة لها مقوماتها العقلية والاجتماعية, وأنها ظلت معزولة عمن جاورها، تفصل بينها وبين جيرانها البحار والصحارى وأن الصحراء تحيطها شرقا وغربا وأنها نمت منفردة من أقدم الأزمان كوحدة تاريخية منعزلة لها تراث خاص وتقاليد مستقلة.
وكانت تحاول أن تصور العرب بصورة مزرية، هى صورة اولئك الأعراب الذين يقيمون في الخيام يرعون الأغنام، وهى صورة غير صحيحة اطلاقا فالكيان العربي في حضرة لا تقل من حيث المدنية والحضارة والثقافة عن مصر. وان بغداد ودمشق والمدينة وطرابلس والخرطوم وتونس ومراكش والجزائر لا تقل من حيث الحضارة والثقافة عن القاهرة, وأن لكل قطر حاضرته وباديته.
стр. 127
١ - الدعوة المصرية
كانت الدعوة إلى "المصرية" تحمل هدف اقامة أدب محلى. وفن فرعونى. واحياء التاريخ المصري القديم في حلقاته الثلاث: الفرعونية والقبطية والرومانية واعتبار العرب غزاة كالفرس والترك والانجليز. والعمل على تمصير كل شئ: اللغة والفكر والتاريخ. وقد ارتبطت الدعوة إلى المصرية بالعودة إلى الماضى الفرعونى وقدمت في سبيل ذلك أبحاث أخرى لمحاولة اثبات أن المصريين ليسوا من العرب ولا من الشرق ولكنهم من دول البحر الأبيض يرتبطون مع الغرب مع أوربا في العقلية والثقافة وتركيب الجمجمة والقشرة، وكان الدكتور محمد شرف قد أذاع أن المصريين أمة غير شرقية وأن جماجم المصريين تشبه الشعوب التي عاشت حول حوض البحر الأبيض في جنوب أوربا ولا علاقة لهم بآسيا أصلا. وقال أنه من البحث في الدم يتضح أن المصريين هم من الطراز الأدرى من ٢ إلى ٤ وليسوا من الطراز الآسيوى.
ويمكن القول أن مصر الحديثة هى نفسها من سلالة مصر القديمة وأن الفحص عن الدم اثبت أنها غير أفريقية وغير آسيوية وانما أوربية وردد سلامة موسى آراء اليوت سمث التي أذاعها في كتابه المصريون القدماء.
The Aneieut Egypt imas
بما يفيد المشابهة بين المصريين وسلالة البحر المتوسط والتي تقول بأن شعوب البحر المتوسط من جهاته الأربع تنتهي إلى أصل واحد وأن قدماء المصريين وقدماء الانجليز يرجعون إلى سلالة واحدة. كما أن هناك كلمات فرعونية تتفق لفظا ومعنا مع الكلمات الانجليزية الحديثة .. وأنه ليس هناك فرقا بيننا وبين الأوربيين في السلالة والدم. وأنه لذلك ليس بيننا وبين الأوربيين خصومة فنحن وهم ننتمى إلى أصل واحد ونتفق في المزاج النفسى والذهنى ونختلف قليلا في الأخلاق لاختلاف الأحوال الاقتصادية وليس هناك فرق الا أننا نعيش حضارة زراعية وهم يعيشون حضارة صناعية.
وليس معنى هذا القول اذا تظرنا اليه نظرة مجردة- الا أنه دعوة لنا إلى قبول الاستعمار البريطانى والتغريب والغزو الثقافي والانفصال عن الأمة العربية والإسلام والشرق، باعتبارنا جزء من أوربا وبيننا وبين بريطانيا نسب قديم وهو معنى استعمارى ودعوة إلى قتل روح النضال الفكرى والمقاومة السياسية.
واذا كانت الدعوة إلى "المصرية" الضيقة هي في حقيقتها دعوة تغريبية فانها قد حققت بعض جوانب اليقظة للفكر العربي الإسلامي اذ خلقت الدعوة إلى الاستقلال عن الفكر الغربي وعدم نقله آليا أو سيطرته على ثقافتنا. فقد ظهرت صيحات تطالب بأن علينا أن نمصر الفن والأدب فلا نقتبسه من الأدب والفن الأجنبيين أو اعطائه روحا ايطالية أو فرنسية فان ذلك يمسخه مسخا على حد تعبير عبد الله حسين (الأهرام ١٦/ ٥/١٩٢٣).
فهو يرى أننا نقتبس من البلاد الأوربية علومها الحديثة واختراعاتها وسياراتها وقاطراتها واقتصادها، ولكننا يجب ألا نواصل الامعان في اقتباس الفن الأوربى وجعل النهضة الفنية في مصر قائمة على رقاقية أجنبية .. ذلك أن الفن كالشعير والأدب والعادات من مشخصات القومية فاذا جعل الفن أجنبيا آذينا قوميتنا وحكمنا على فننا بالعقم واستحال علينا النهوض، ١ هـ.
كما أن الدعوة إلى القومية المصرية بالرغم من خضوعها للغزو الثقافي الغربي قد أعانت على تحقيق وحدة عنصرى مصر بما أعان على مقاومة خطة الاستعمار بالتفريق بينهما، غير أن الدعوة إلى المصرية بالرغم من- الأفلام المتعددة القوية ذات النفوذ وواضحة الكثرى التي كانت تظهرها- لم تستطع أن تقدم مخططا واضحا لها ينفصل انفصالا تاما عن الوحدة العربية، ذلك لأن عناصر الفكر العربي كلها كانت عميقة التغلغل في أى دعوة قومية مهما كانت ضيقة وجزئية، وأن الفصل بين الدعوة المصرية وبين الوحدة العربية أو الفكر العربي أو اللغة العربية أو التاريخ العربي كان أمر ميئوسا منه، وأن محاولة الارتباط بتراث فرعونى كان مستحيلا. وأن لم يكتب لها أى نجاح فضلا عن ذلك الهجوم العنيف الذي بقيته الدعوة ودعاتها من مثقفى الوجود العربي على أساس من العلم لا العاطفة.
وقد كان من أبلغ المتناقضات أن دعاة التغريب كانوا في الوقت الذي ينكرون على المصريين الارتباط بالتراث العربي وهو الماضى القريب الحى المتصل بحاضرنا باللغة والدين والتاريخ، يدعونهم إلى الارتباط بماض أفسد اينالا في القدم بتعد عنا خمسة آلاف سنة وليس له قيم ولا تراث ولا ثقافة وقد انقطعت رابطته وزالت بعد ظهور الإسلام وتعيرب مصر.
стр. 128
٢ - التيار الفرعونى
كانت الدعوة الفرعونية في مصر والفينيقية في لبنان والآشورية في العراق: دعوات تجزئة وانفصال تقوم على أساس احياء الماضى القديم وبعثه، والغاء الماضى العربي الطبيعى واعتبار العرب غزاة.
وكان العثور على حجر رشيد عام ١٨٠١ ونقله إلى لندن وقيام (شامبليون) بتفسير كتاباته علم ١٨٢٢ هو نقطة البدء في هذه الدعوة التي اتسع نطاقها مع حملات الغزو الثقافي في عهد الخديو إسماعيل ثم حمل لوائها الاستعمار البريطانى بعد احتلال مصر.
وكان تأسيس متحف بولاق الفرعونى ١٨٦٣ بواسطة ماريت وماسبيرو دعاة الفرعونية ودار الآثار العربية ١٨٦٩ والمتحف القبطى ١٩٠٠ علامة على الشروع في خطة "البابلية" والمسخ لتاريخنا وتصويرنا في صورة البلاد التي غزاها العرب والرومان واليونان والتي لها ماض فرعونى وقبطى ويونانى وعربي. وأن الصلة بيننا وبين العرب هى صلة غزو وليست رابطة أساسية قامت على أساسها الحياة الفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية في محيط الأمة العربية منذ تعربت هذه المنطقة جميعا وارتبطت اللغة العربية والإسلام وشاركت في ذلك التراث والثقافة والتاريخ الحافل بالأمجاد.
وقد عمد الانجليز إلى الدعوة الفرعونية كأساس الحركة الانفصالية ودعوة التجززئة فأثاروا حملة ضخمة- لا في مصر وحدها- ولكن في العالم العربي كله للكشف عن الآثار القديمة والتهليل لهذه الآثار، وخلق تيار فرعونى قومى يحمل لواء الدعوة إلى فرعونية مصر وقد تحقق للاستعمار نصرا كبيرا في هذا المجال بالكشف عن قبر توت عنخ آمون ١٩٢٢ مما عمق هذا التيار وظهر محمود مختار بتماثيله الفرعونية ونحت تمثال نهضة مصر في باريس ١٩٢٠ ثم انشاء قبر سعد زغلول على الطراز الفرعونى ووضع صورة أبى الهول على طوابع البريد واتخاذ الجامعة المصرية تمثال الآلهة الفرعونية رمزا لشارتها.
وقد حاول ماسبيروا عام ١٩٠٨ وضع نظرية لربط مصر المعاصرة بمصر الفرعنية في محاولة ملفتة قوامها أن مصر قاومت كل الغزاة وأثرت فيهم بما فيهم العرب، وأن المصريون اقباط أصلا. وأن التراث الفرعونى القبطى صمد في وجه الفتح الإسلامي وأن الأقباط حافظوا على نقاوة دمهم بينما اختلطت دماء المسلمين مع دماء شعوب أخرى. وقال أن القومية المصرية تقوم على أساس تغلب مصر على دخلائها وأن المصريين أصلهم فرعونى وأنه لا يوجد مصران: مصر مسلمة وأخرى قبطية بل توجد مصر واحدة، وأن مسألة مسلم وقبطى مسألة دينية فقط.
وكانت الاكتشافات الفرعونية قد بدأت عام ١٩٠٣ عندما ظهرت مقبرة اللك تحتمس الرابع واكتشف مستر كارتر مقبرة الملكة حتشبسوت وكشف (كوبيل) ١٩٠٤ عن مقبرة (تى) والملوك اخناتون وحرمحب وسبيتاح وأبضى كارنفون وكارتر في الحفر عن طيبة من عام ١٩١٧ حتى اكتشفوا عام ١٩٢٢ قبر توت عنخ آمون .. وتوالت الأبحاث واشترك فيها المصريون فكانت حفريات متصلة لم تتوقف وكان أحمد كمال باشا (المتوفى عن ٧٣ سنة في أغسطس ١٩٢٣) أبى الأثريين في مصر وصاحب المدرسة التي أنشئت لتمصير على الآثار، قد تحقق لم أنشاء أول مدرسة لتعليم اللغة المصرية القديمة عام ١٨٦٩ وأشهر من نبغ منها سليم حسن ومحرم كمال لكمل باشا أبحاث متعددة وقاموس هيروغليفى عربي فرنسي يضم الألفاظ العربية ذات الأصول العربية، هو أول القائلين بأن اللغة المصرية القديمة فرع من اللغة العربية، وأن اللغة العربية أصل لها. وقد كان لأحمد كمال محاولة هامة في قتل هدف الدعوة الفرعونية التغريبي وكان لسليم حسن دوره وخطره في الاستكشافات والأبحاث وهو الذي كشف عن الهرم الرابع (فبراير سنة ١٩٣٤) وكان قد بدأ العمل في منطقة الهرم منذ عام ١٩٢٩ حيث كشف عن مضجع أول امرأة حكمت مصر في التاريخ (خنت كلوس) وهى الحلقة الموصلة بين الأسرة الرابعة والأسرة الخامسة وقد أسمت نفسها ملكة الوجهين القبلى والبحرى كما كشف من بعد حتى عام ١٩٣٥ عن الطريق الموصل بين المعبد الوادى والمعبد الجنائزى وكشف عن أسرة (خفرع) كم كشف عن حقيقة جديدة لم تكن معروفة من قبل، فقد كان الشائع أن أحجار الأهرام قد نقلت من جبل المقطم على حين أن الواقع أن هذه الأحجار انما أدت من الصخور المثبتة حول الأهرام.
وقد ظل علم الآثار احتكارا للغربيين والفرنسيين
стр. 129
بالذات خلال مدة طويلة بدأت منذ قدوم (ماريت) إلى مصر ١٨٤٦ بعد أن وقف على رموز الهيروغليفية على طريقة شامبليون وقد أتيح له عام ١٨٥٠ أن ينفذ خطة واسعة ظاهرها قيامه بشراء الكتب القبطية من بعض الأديار والبحث عن مدفن العجل آبيس. وقد وجد في رمال سقارة تمثالا لأبى الهول ينطبق على الوصف الذي وضعه المؤرخ سترابون لهيكل العجل آبيس، هنالك تبين له أن الهيكل مدفون تحت الرمال فاستأجر بعض الفلاحين لرفع الرمال وكشف عن ١٢٤ تمثالا وظل يحفر حتى عثر على تمثال لآبيس من الجبس وسمع الخديو لماريت أن يرسل إلى فرنسا ٥١٣ قطعة. وكانت هذه مقدمة حركة لسرقة الآثار المصرية وتهريبها إلى الخارج حيث غمرت عواصم أوربا.
وأمكن لماريت فتح قبر آبيس (نوفمبر ١٨٥١) وكان هذا أول كشف أثرى من نوعه وكان محمد على من قبل إسماعيل قد وهب الفرنسيين مسلتين من قصر الأقصر حيث نقلت إلى باريس ونصبت أحداها في ميدان الكونكورد (٢٥ أكتوبر ١٨٣٦) وتكلف نقل المسلة الواحدة إلى باريس مليون وثلاثة وخمسين ألف فرنك ذهبا.
وقد ارتبطت الكشوف الأثرية بالدعوة إلى الفرعونية وتأثر بها "شوقى" بعد كشف قبر توت عنخ آمون. هذا فضلا عما كشف من أوراق البردى التي باعها الأثرى بريس دافبن ١٨٤٧ وهي تمثل أقدم كتاب في العالم يضم نصائح وحكم ومواعظ منذ ٥٥٠٠ سنة كما أصل ذلك بدعوة أحمد كمال إلى تعليم اللغة المصرية القديمة باعتبارها لغة الأجداد وقد نشر (١٥/ ١/١٩٢٢) أسماء الكتب التي تعين على ذلك.
وقد ارتفع صوت الصحافة في الثلاثينيات بتسرب آثار مصر إلى الخارج طالما أن أعمال الحفر والتنقيب في أيدى الأجانب الذين يرون أن (سرقة) هذه الآثار لا يعدو أن يكون خدمة علمية.
وكان "هوارد كارتر" مكتشف مقبر توت عنخ آمون (المتوفى في ٤/ ٢/١٩٣٩) قد جاء إلى مصر ١٨٩٠ وعاون في حفائر تل العمارنة وعين منشأ لمصلحة الآثار وتنظيم دار الآثار في مصر العليا وأدخل نور الكهرباء إلى وادى الملوك وأبو سمبل واكتشف لحساب الحكومة المصرية مدافن الملوك منتوحب وحتشبسوت وتحتمس وامنحتب الأول.
وكان آخر مديرى المتحف المصري الأب لميتين دريتون ١٩٣٧) وقد تبين أنه خلال عمل الأمناء الأوربيين قد أختفت من المتحف ٢٦ ألف قطعة، وقد حرص هؤلاء الأثريون على تحريف التاريخ وافتعال نظريات تهدف إلى تعزيز (الدعوة الفرعونية) كجزء من خطة "التجزئة والتغريب" التي كانت هدف الاستعمار كله فرنسيا كان أو انجليزيا، ولكن خطوة واحدة لم تتحقق هى أن تصبح الهيروغليفية لغة مرة أخرى أو أن تصبح الفرعونية حركة أو ثقافة أو تيارا فكريا واضحا.
***
٣ - التيار القبطى
هذا هو الوجه الثالث للقومية الاقليمية الضيقة فقد كانت "المصرية" ترتبط بالماضي الفرعونى. وكان حملة الدعوة إلى الفرعونية هم المثقفون الأقباط الذين اتصلوا بدعاة التغريب ورجال الآثار الذين ركزوا على احياء الفرعونية في الثقافة والفكر والمجتمع، وكان دعاة الفرعونية الأقباط يحاربون الاتجاه إلى الوحدة العربية أو التراث الإسلامي ويعملون في نفس الوقت إلى الربط بين الفرعونية والقبطية باعتبار أن الأقباط هم خلفاء الفراعنة وورثة هذا التراث.
وقد ردد دعاة القبطية ما نادى به "ماسبيرو" من أن المصريين أقباط أصلا، وأن العرب غزاة وعملوا على تمجيد الفرعونية وتعظيم الحضارة المصرية القديمة، وكان في مقدمة هؤلاء الدعاة: مرقص سميكه منشء المتحف القبطى وجرجؤس فليناس عوض وميخائيل عبد السيد وتوفيق أسكاوروس ونارس شنوده ميخائيل عبد السيد وسلامة موسى.
ولما كان عدد الأقباط في أول القرن التاسع عشر ١٥٠ ألف قبطي بين ثلاثة ملايين مصري فقد كان ذلك عاملا على الاحساس بمعنى الأقلية الذي يفرض قيام طائفية قوامها المحافظة على مصالح محموعهم من الأغلبية عن طرق التماسك والتكافل. وكان الإسلام قد رسم نظاما عادلا للطوائف المختلفة التي تعيش في مجتمعه غير أنه في خلال عهود الظلم وسيطرة الولاة والأتراك والمماليك قد أحس الأقباط بضغط واضهاد، ولذلك كان لهم موقف ازاء المستعمر، وقد كان هذا الموقف واضحا ابان الحملة الفرنسية ثم تكشف بصورة أوضح بعد ذلك ابان الاحتلال البريطانى.
стр. 130
?
ويؤكد الدكتور أنيس صايغ- وهو كاتب مسيحى لبنانى- في كتابه الفكرة العربية في مصر- ص ٩٨) أن الأقباط تحالفوا مع الفرنسيين وتجسسوا لصالحهم على حساب الشعب وتنكروا لحق المشاركة القومية.
وأنهم انحازوا إلى نابليون وزودوا جيشه بالرجال والعتاد وكان لهم اليد اليمنى في دعم الحكم الحكم الانجليزى في مصر وقد اقاموا الصلاة في كنائسهم يوم وصول الانجليز إلى مصر. وقال أن الأقباط "كانوا يبررون علاقاتهم مع عدو البلاد بحقهم في حفظ كيانهم وحقوقهم" وأشار الدكتور صايغ إلى زعامة المعلم يعقوب القبطى الذي عاون الفرنسيين واستحق انعام السلطة الفرنسية عليه بتعيينه قائدا للفرقة القبطية التابعة للجيش الفرنسي والذى رقي إلى رتبة جنرال وصاحب مشروع استقلال مصر عن العثمانيين المسلمين برعاية الغرب المسيحى هو أول من طلب بأن تكون مصر وطن مستقل عن العرب والأتراك وأن يعتبر مصر جزءا من أوربا وقد اضطر الجنرال يعقوب أن يسافر مع الفرنسيين مستجديا عطف فرنسا وبريطانيا.
وقد انطوت هذه الصفحة حتى جاء الاحتلال البريطانى فبدأت دعوة المصرية التي ترتبط بالماضى الفرعونى تبرز في حضانة الأقباط الذين بدأول يؤلفون الكتب ويصدرون عشرات الصحف التي تدافع عن الفرعونية والربط بين الماضى الفرعونى والقبطى كما أنشأوا عشرات النوادي والجمعيات والمدارس وفي مقدمتها جمعية التوفيق ١٨٧٢.
وقد بدأ عمل تاريخى لاعادة دراسة التاريخ المصري وايضاح أثر الأقباط فيه وكان لظهور الآثار المصرية واتساع نطاقها أثر في دعم هذا الاتجاه التاريخي والقول بأن الحضارة المصرية القديمة هى أولى حضارات العالم القديم.
وقد كانت أهم هذه الأبحاث ما يتعلق بتصوير الروابط بين الفرعونية والقبطية وبين اللغة الهيروغليفية واللغة القبطية.
وقد صور (مرقص سميكة) كيف حافظ الأقباط على تاريخ أجدادهم بمحافظتهم على اللغة المصرية القديمة وكيف "أن اللغة التي تستعمل في لقامة الشعائر الدينية عند الأقباط هى نفس اللغة التي كان يتكلم بها الفراعنة، وقد أدخل عليها طائفة من الألفاظ اليونانية, وقال أنه لولا المحافظة على لغتهم الأصلية لما تمكن شامبليون من قراءة وترجمة الكتابة المنقوشة على حجر رشيد الموجود الآن بالمتحف البريطانى، وقال أن لفظ قبطى معناها مصري وهى محرفة من اللفظة اليونانية Stguttlions وقال: لذلك فان جميع المصريين: بعضهم أقباط مسلمون والبعض مسيحيون وكلهم متناسلون من المصريين القدماء.
وقد جرت أحكام كثيرة من هذا النوع، ليست قائمة على الأساس العلمى وانما قائمة على التعصب. ولقد بلغ هذا الأمر حدا دفع مثل أحمد زكى باشا إلى أن صحح الأوضاع حتى يذود التعصب والطائفية وكانت دعوته مثلا جرى على الألسنة: وهى قوله: "مصريون قبل كل شئ" غير أن جرجس عوض جبهة بدعوة أخرى مضادة هى "أقاط قبل كل شئ" واتخذ نفس أسلوب مرقص سميكة ودعواه.
وقد حمل دعاة الفرعونية القبطية في هذه الفترة الدعوة لفصل العرب عن مصر وهاجموا الحزب الوطنى واشادوا بالاحتلال البريطانى.
стр. 131
الفرعونية والعربية
كانت الدعوة الفرعونية احدى دعوات التغريب والتجزئة والغزو الثقافي وقد وجدت أرضا خصبة وحمل لوائها الكتاب المسيحيون ثم اشترك فيها عدد من دعاة التغريب من الكتاب المصريين واستغل الاستعمار الكشوف الأثرية واصطنع أسلحة الصحافة والكتابة وغيرها في سبيل اثارة "عاطفة" لأمجاد مصر القديمة لربط مصر الحاضرة بها، وكان قوام دعوته أن المصريين جميعا أقباط وأن العرب غزاة. وأن القومية المصرية تتطلب فنا مصريا خالصا وأدبا محليا ولغة مصرية منفصلة من اللغة العربية. وقد حمل لواء الدعوة إلى اللغة المصرية كتاب غربيون وقضاة ومهندسون، ثم حملها كتاب مصريون. بغية القضاء على اللغة العربية.
وقد ظل دعاة التغريب يوجهون النظرية الفرعونية اتجاها منحرفا ضد القومية العربية حتى ظهر أحمد كمال باشا أول رائد مصري لعلم الآثار وأعلن أن اللغة العربية أصل للمصرية القديمة (الهيروغليفية) لما بينهما من الموافقة في كثير من العصور. وقد دفعه ايمانه بهذه النظرية إلى أعداد قاموس اللغة المصرية القديمة له يطبع حتى الآن، قضى في تأليفه ربع قرن ويقع في ٢٢ مجلدا ضخما كشف فيه عن حقيقة العلاقة بين اللسان المصري القديم واللغة العربية وجملة قوله "ان نصف اللغة التي استعملها قدماء المصريين هى عربية الأصل لفظا ومعنى فضلا عن أنها شبيهة بالعربية المصرية التي نستعملها اليوم، وبالجملة فان لغة المصريين القدماء هى لغة جزيرة العرب لا تختلف احداها هن الأخرى الا بالأمالات وبعض المترادفات فهما لهجتان في لغة واحدة وبذلك يكون قد تحدد القول بأن الفرعونية سلالة عربية وفدت إلى مصر من بين الموجات التي خرجت من جزيرة العرب ولم يعد هناك صراع حقيقى بين العربية والفرعونية".
ولا شك أن عظمة الفراعنة جزء من تاريخنا وأن ريادتهم للحضارة الانسانية شرف كبير، غير أن هناك فارق بين الحقائق تعرض مجردة أو في حلقة من حلقات التاريخ وبين استغلالها ونقلها إلى اتجاه منحرف للقضاء على الروابط العربية والإسلامية بين مصر والكيان العربي.
وقد كان الهدف السياسى لدعاة التغريب من بعث الدعوة الفرعونية هو احياء الوثنية واضعاف روح الإسلام واللغة العربية وتمزيق وحدة الفكر العربي المتجه في مجراه الواسع، وخلق ثنائيات فكرية ودعوات متعددة وقطع للماضى القريب عن المستقبل ومحاولة الارتباط تقديم منعزل ليست له ثقافة واضحة.
وغاية ما حققت هذه الدعوة في مجال الفكر العربي الإسلامي هو كسر الحاجز الذي كان يقف أمامه المفكرون دون دراسة تاريخ الفراعنة واعتباره من تراث الوثنية. وبذلك اعتبرت الحضارة المصرية جزءا من أمجادنا كعرب وشرق وخاصة بعد أن تبين مدى الارتباط بين الفراعنة والعرب وأن الفراعنة ما هم الا موجة من موجات الجزيرة العربية.
وقد جرى سجال في المقطم (أكتوبر ١٩٢٩) أثاره نقول الحداد حيث نقل رأى المؤرخ (رو لنصون) الذي يقول أن المصريين الأولين وفدوا من بلاد العرب وغزوا البحر الأحمر ونزلوا عند حدود الحبشة ثم تدرجوا إلى أن هبطوا وادى النيل وأسسوا دولتهم فاذا رجحت هذه النظرية فسيكون العرب قد دخلوا إلى مصر ثلاث مرات: الأولى وهى التي نحن بصددها والثانية غزوة الهكسوس أى الرعاة والثالثة: الفتح الإسلامي وبذلك لا يبقى شك أن المصريين القدماء (الفراعنة) سلالة عربية الأصل.
وردد أحمد زكى باشا (١٠ أكتوبر ١٩٢٩) قوله: "الفراعنة عرب غرباء" وقد أشار إلى أن القول الراجح من علماء العاديات المصرية ان أوائل المصريين الأقدمين قد هبطوا من أرض آسيا إلى وادى النيل. وقد أثبت ذلك بروكس الألمانى وابيرس الألمان ولوث ولبيان النرويجى. وكان أول من أثبت هذه النظرية "هومل الألماني" حين ذهب إلى أن الحضارة المصرية بحذافيرها كلها انما هى مشتقة من الحضارة البابلية اما الاخصائيون فيقولون بمجئ أوائل المصريين إلى هذا الوادى عن صحراء لوبيا وما اليها من الاصقاع الممتدة على ساحل البحر الأبيض المتوسط (١ هـ.).
стр. 132
?
وفى مجال المساجلة الفكرية قال دعاة الفرعونية أن عشر اللغة العربية التي نتحدث بها هيروغليفى ومنها الأرغول والدف والناى والعود وكان الرد على ذلك بأن أكثر من نصف اللغة المصرية القديمة انما هى في الأصل عربية.
وقال ساطع الحصرى (آراء وأحاديث في القومية العربية) أنه لا تعارض بين الفرعونية والعربية وأن التعارض والتصادم لا يحدثان الا بين الأشياء التي تسير على مستوى واحد في عالم واحد. والفكرة العربية التي تعمل في القرن العشرين للأجيال القادمة لا يمكن أن تتعارض مع آثار بقيت ميراثا من ماض سحيق يرجع إلى أكثر من خمس آلاف من السنين. وأن الأهرام لم تمنع مصر من الاتحاد مع سائر الأقطار العربية اتحادا تاما في ساحة اللغة، فهل يمكن أن تحول دون اتحادها مع تلك الأقطار في ساحة السياسة أيضا وأن العرب لم يطلبوا من المصريين التنازل عن مصريتهم بل انهم طلبوا اليهم أن يضيفوا إلى شعورهم المصري الخاص شعورا عربيا عاما.
***
كما ذكرنا محب الدين الخطيب أن "مينا رأس الفراعنة رجل أسيوى جاء إلى مصر من آسيا عن طريق سينا العربية أو من جبال وأودية أخرى وراء سينا وأعمق في العروبة" بل أنه ليس هناك ما يمنع من القول بأن مينا ابن جزيرة العرب. وذلك أن جزيرة العرب تغدى مصر بأبنائها من قبل مينا ومن بعد مينا ومن قبل عمرو ابن العاص ومن بعد عمرو بن العاص. وأن فرعون نفسه كانت تجول في عروقه دماء غير قليلة من الدماء التي كانت تجول في عروق عدنان.
وقال ساطع الحصرى في مجال الرد على العلاقة بين الفرعونية وبين الآثار أن مصر قد تباعدت عن ديانة الفراعنة دون أن تهدم أبا الهول وتخلت عن لغتها القديمة دون أن تقوض الأهرام. وجميع آثار الفراعنة التي زينت بها متاحف مصر ومتاحف العالم لم تولد نزوعا إلى الديانة التي أوجدت تلك المآثر الخالدة ولا حركة ترمى إلى بعث اللغة التي رافقتها خلال قرون طويلة.
ورد ساطع الحصرى على القول بأن تاريخ مصر مستقل تمام الاستقلال عن تاريخ أى بلد آخر فقال: أن هذا الادعاء افتراء صارخ على الحقائق الواقعة فان تاريخ مصر اختلط عميقا بتاريخ سائر البلاد العربية وتشابكت أوشاجه معها خلال القرون الثلاث عشرة الأخيرة على الأقل، وأن من يلقى نظرة عامة على تواريخ الأمم المعاصرة لنا يضطر إلى التسليم بأن العلاقات التاريخية التي تربط مصر بسائر الأقطار العربية أقوى وأعمق وأطول من العلاقات التاريخية التي تربط الأقاليم الفرنسية بعضها ببعض.
وفي هذا المجال أعلن مكرم عبيد المصري القبطى أن المصريون عرب "نتيجة امتداد أصلنا القديم إلى الأصل السامى الذي هاجر إلى بلادنا من الجزيرة العربية" وأشار المؤرخ فيت (الأهرام ١/ ٤/١٩٣٣) أن المسيحية لم تنتج مصر بمدينة جديدة غير مدينتها الفرعونية، وأن مصر حين انتقلت ذلك الانتقال الرائع من حكم بيزنطة إلى حكم العرب لم تضطرب ولم تتقلقل لأن القبط الذي أساء اليهم الاغريق قابلوا العرب وتلقوهم تلقي المنقذ المخلص .. واذا كانت قد وقعت في أواخر القرن الثامن وأوائل القرن التاسع أحداث، فان سبب الثورة لم يكن الاضطهاد الديني ولكن سببه ثقل عبء الضرائب. ولا يستطيع المؤرخ أن يغفل أن الخليفة العزيز أصدر عام ٩٧٥ م أمره بالمساواة في الحقوق بين المسلمين والمسيحيين وكم مضى من القرون والأجيال على أوربا حتى وصلت إلى مثل هذه الهوادة بالدين.
واذا كان الدكتور محرم كمال (الأهرام- ٢٨ - سبتمبر ١٩٢٥) بمجد عظمة مصر ويقول: انه بينما كانت اليونان تغط من نومها كانت مصر تحمل علم الفنون ومصباح المعرفة. وبينما كانت اليونان في مهدها كان ذكر مصر من حيث عظمتها وبهائها وثروتها وقوتها قد طار يعم البلدان واعترف لها الجميع بالتفوق بل بمنصب الأستاذية في الحكم والمدينة. وقد أخذ الاغريق عنهم كثيرا من الأشكال المصرية، فان هذا القول يرد إلى أن عظمة الفرعونية هى جزء من عظمة البلاد العربية.
المراجع
الاتجاهات الوطنية: الدكتور محمد حسين.
المعارك الأدبية: أنور الجندى.
الفكرة العربية: أنيس صايغ.
آراء وأحاديث في القومية العربية: ساطع الحصرى.
الأهرام: ٢٨/ ٩/٢٥ - ١/ ٤/٢٣ - ١٩/ ٩/١٩٢٣.
المقطم: ٩/ ١٠/١٩٢٩ و ١٠/ ٩٢٩.
الأهرام: ٣/ ٢/١٩٢٣ اللغة القبطية- مرقص سميكة).
стр. 133
أدوات التغريب والغزو الثقافي
الاستشراق
التبشير
دعوات التغريب
صراع الثقافات الغربية
دور الحضارة الغربية
الامتيازات واستعارة النظم
?
стр. 134
(١)
الاستشراق
كان الاستشراق والتبشير من أبرز أدوات التغريب والغزو الثقافي. ولا شك أن بين الاستشراق والتبشير فوارق واضحة. ذلك أن الاستشراق "عمل ثقافى" وحمل معنى دراسة الشرق وجغرافيته وتاريخه ونفسية أممه وتراثه. وليس الكشف عن التراث المدفون والمخطوطات الفردية النادرة وتقديمها محققة مراجعة على مختلف النسخ مبوبة مفهرسة الا غشاء شفاف يخفى الهدف والغاية التي هى في حقيقتها "استكشاف الأرض المستعمرة" واعدادها للغزو والتبشير وسيطرة الاستعمار.
***
الاستشراق والمستشرقون
أما التبشير فهو "حركة" ينتقل بها مجموعة من المرسلين إلى بلاد الشرق حيث ينشئون المدارس أو المستشفيات أو المعاهد التي تجتذب أبناء البلاد وفق منهج مرسوم لنشر المسيحية بينهم.
غير أن هناك بين الاستشراق والتبشير خيوطا دقيقة وصلات أساسية تتجه كلها إلى الهدف الذي رسمه الاستعمار وهو التغرب والغزو الثقافي.
ولقد بدأ الاستشراق والتبشير معا بعد الحروب الصليبية ونشأ في حضانة الكنيسة والبابا، وكان الاستشراق يستهدف ترجمة القرآن إلى لغات أوربا وترجمة الانجيل والتوراة إلى اللغة العربية.
أما التبشير فهو قوام حركة الغزو الثقافي الغربي وفق مخطط مدروس على أساس استغلال الطلاب والمرضى وتحويل عقائدهم والتأثير على مفاهيم وتحطيم معنوياتهم وتنشئة أجيال ممسوخة مبلبلة العقائد مضطربة الثقافة منكرة لقيمها وتراثها ولغتها وتاريخها وبذاك يمكن القول أن المستشرقين هم طلائع المبشرين" وليس ما يمنع من أن ننظر إلى رجال الاستشراق على أساس أنهم علماء لهم جهد وكفاية وقد قدموا أعمالا عامة في احياء التراث، غير أن الهوى والتعصب كان عند أكثرهم ييغلب على الحق والانصاف وأنهم لم يطبقوا المذهب العلمى الذي نادوا به في أبحاثهم، واذا أخذنا برأى باحث تغلغل في هذه الأوساط وتعرف بالمستشرقين وعاشرهم وصحح معهم ترجمة التوراة وخدم مطابعهم في مالطة ولندن كفارس الشدياق وضعنا نظارات سوداء على أعيننا ونحن ننظر إلى أعمال المستشرقين فهو يقول (ذيل الفارباق ص ٢): أن هؤلاء الأساتيذ لم يأخذوا العلم من شيوخه وانما تطفلوا عليه تطفلا وتوثبوا توثبا. ومن تخرج فانه بشئ فانما تخرج على القسس ثم أدخل رأسه في أضغاث أحلام وتوهم أنه يعرف شيئا وهو بجهله، كل منهم اذا درس في احدى لغات الشرق أو ترجم شيئا منها تراه يخبط فهما خبط عشواء، فما اشتبه عليه منها رفعه من عنده بما شاء، وما كان بين الشبهه والتبين حدس فيه وخمن فرجع منه المرجوع، وفضل المفضول".
ونحن اذا نظرنا في عوامل نشأة الاستشراق وجدنا هدفه وغايته.
لقد نشأ الاستشراق لمقاومة الامتداد والتوسع العربي الإسلامي، هذا الامتداد الذي عبر إلى أوربا وسيطر على أسبانيا واجتاح جزءا من جنوب فرنسا حتى مدينة (بواتيه) أو بلاط الشهداء، ونفذ إلى جزيرة صقلية وبدأ يسيطر على جنوب ايطاليا معقل المسيحية، وكان من نتيجة ذلك أن تألف (مؤتمر فيينا ١٣١١) الذي ترأسه البابا كليمان الخامس وتقرر فيه تأسيس مدارس خاصة في برلين وبولون واكسفورد وسلمنكة تدرس فيها العربية والعبرانية والكلدانية لنخرج وعاظ يستطيعون تنصير المسلمين أو تشكيكهم في عقائدهم.
وقد كان هذا العمل الذي بدأ في أحضان البابوات
стр. 135
والكنيسة ثم تحول إلى خدمة الملوك ورجال السياسة. يهدف إلى دراسة الشرق ولغاتهه وتاريخه والعقلية العربية.
وكان ذلك كله يقدم في تقارير إلى الحكومات، وكان جيل المستشرقين على اتصال دائم بوزارة الخارجية أو وزارة المتسعمرات. ولم تكن بعثاتهم التي قاموا بها إلى بلاد الشرق بعثات علمية خالصة لوجه العلم وان حملت أسماء الجامعات والمعاهد العلمية، وانما هي بعثات سياسية يذهب محصولها إلى وزارة المستعمرات ولا زلنا نذكر البعثات العلمية التي وردت إلى الوطن العربي قبل الحرب العالمية الأولى والتي ساحت في صحراء سينا وجزيرة العرب وكيف أنها كانت في الحقيقة بعثات سياسية حربية أرادت أن تكشف عن الطرق والمياه والسكك الحديدية ومواقع الجيوش وتحركات الغزو، وقد جاء الجاسوس "لورنس" الذي أطلقوا عليه من بعد الحرب العالمية الأولى ملك العرب غير المتوج مع احدى هذه البعثات.
وقد استهدف الاستشراق خدمة الاستعمار عن طريق العلم، وظهرت جميع النظريات الاستعمارية التي قامت على التهوين من شأن الشرق والعرب والإسلام في أحضانه. وكلها نظريات انخدع بها باحثونا في الثلاثينيات من هذا القرن ورددوها في مؤلفاتهم، وقد قامت على الهوى والغرض وكان في مقدمتها نظرية "السامية" والآرية التي تصف العرب والجنس السامى بأنهم قوم أقل درجة في الفكر والثقافة من الأجناس الأخرى كما سجل ذلك أرنست رينان أحد كبار المستشرقين عام (١٨٩٢) في كتابه تاريخ اللغات السلمية قال: ليس الجنس السامى روحانية الآريين التي عرفها الهنود والألمان وليس لهم هذا الاحساس بالجمال الذي بلغ حد الكمال عند اليونان: وقد ارتبط التوحيد عند المسلمين بالتعصب. فالمسلمون تفقصهم الدهشة التي تدعو إلى التساؤل والتفكير. فلسفتهم منقولة عن اليونان. ينقصهم الاحساس بالتنويع. ملكة الضحك عندهم معدومة. وعندهم نقص في الفنون الجميلة مثل صناعة التماثيل والتصوير".
ولعل هذه النظرية وحدها تعطى حقيقة الاستشراق وموقفه من المنهج العلمي ومن التعصب.
وقد أداهم هذا التعصب إلى أن يتخذوا طريقا محفوفا بالمخاطر حيث تراهم يفرضون فرضا يتفق مع أهوائهم ثم يبحثون في القرآن أو الحديث أو الآثار المختلفة عن الأدلة التي تؤيدها وجهة نظرهم.
وقد كانت مؤتمرات الاستشراق لا يدعى اليها من البلاد العربية الا أعوان المستشرقين ودعاة التغريب وأن أحدا منهم لم يعارض أى اتجاه للممستشرقين فيما عدا أحمد زكى باشا شيخ العروبة وعبد الله فكرى في أول مؤتمر للمستشرقين حيث تحدث الأخير عن بطلان دعوى اللغة العامية.
***
(التركيز على الإسلام)
ولعل أهم ما ركز عليه المستشرقون هو الإسلام والنبى محمد فهم معتدلوا الرأى عندما يتعرضون لتاريخ العالم القديم فاذا بلغوا مرحلة الإسلام بدأ التحريف والافتراء والكذب على الدين وعلى النبى فمرجليوث يقول أن "محمد" هو مؤسس دين حربى لا صلة بينه وبين دين الفضيلة وأن "ابن عبد الله" نطلقه على الوالد المجهول أو على من ليس له أب وكان لفظ (عبد الله) معناه الشخص المجهول. وأن القرآن وافق .. وأن القرآن كسجل تاريخى ليس مرتبا حسب الحوادث والتاريخ. وفنسنك رئيس تحرير دائرة المعارف الإسلامية قد حشا دائرة المعارف الإسلامية طعنا جارحا على النبى وعلى الإسلام في كل مادة.
وهم في سبيلهم إلى اثارة الشكوك والبلبلة لا يدرسون الإسلام الصحيح ولكنهم يدرسون الإلحاد في الإسلام والشخصيات التي عرفت بالانحراف كابن الراوندى والحلاج والسهروردى وابن عربي ويدرسون مذاهب الخلاف والفرقة كالمذاهب الكلامية والتصوف والزندقة كما يدرسون القرامطة والزنج والشعوبية البابكية وغيرها على أنها فرق من الإسلام ومذاهب منه.
والغرض من هذا كله تصوير الإسلام بصورة مضطربة منفرة قوامها الخلاف والصراع والتخلخل.
وقد وزع المستشرقون انفسهم على أبحاث الإسلام فاختص قسم منهم بمباحث القرآن وآخر بمباحث النبى وثالث بأبحاث الدين الإسلامي.
فنسنك المستشرق الهولندى المتعصب قد زود جماعة المستبشرين والمستعمرين باجابات على اسئلة ورد على فروض لتكون أداة في زعزعة عقائد المرسلين ومما ردده فنسنك أن محمدا كان وثنيا قبل البعثة وقول
стр. 136
اميل در منجم أن محمدا كان يتعبد على طريقة اليهود والمسيحية.
وأعلن المستشرق سيكارو صراحة: أن الإسلام في روحه الخاصة يتنافى مع مصلحتنا فيجب التقليل منه بين الشعوب الخاضعة لنا.
ويقول مرجليوث أن الإسلام معناه الذل والخضوع .. وقال عن القرآن أن أول ما يلفت النظر اليه هو كثرة التكرار لدرجة المبالغة وهو يحوى شيئا كثيرا من اللفظ الحوشى.
وجملة آراء المستشرقين في الإسلام والقرآن واللغة العربية:
- محمد: مجهول الأب، كان وثنيا قبل الهجرة.
- القرآن كتاب وضعه محمد، وأنه حرف وبدل بعد النبى وأن التوراة والانجيل مقدسين وأن القرآن غير مقدس.
- الدين الإسلامي مخترع ملفق.
- اللغة العربية الفصحى لا تصلح لشيء وهي لغة قديمة قد ماتت ولا يتكلم بها أحد واللهجات المحلية انفع منها.
- لم يكن للعرب فضل في ثقافة أو تاريخ.
كما جرى الاهتمام بانكار أن أصل العلوم اليونانية وتطورها له صلة بالشرق. وانكار النصوص اليونانية التي تعترف للشرق بأنه واضع العلوم وأن اليونان أخذوا عنه معارفهم (جويدي).
- العناية بدراسة اللهجة العامية بمصر. وهى ما يطلقون عليها اللغة المحكية. (تلينو).
أن اهالى مراكش من البربر لم يعرفوا الإسلام ولم يؤمنوا به. وأنهم لا زالوا غير مسلمين، وأن "العرب" الذين فتحوا الأندلس وغزوا فرنسا وايطاليا كانوا مسيحيين وأن طارق بن زياد لم يكن عربيا ولكنه كان بربريا مسيحيا.
واذا كان بعض مؤرخو الغرب أو كتابه قد أنصفوا الإسلام والقرآن أمثال كارليل وجوستاف لوبون وجوته وهنرى دى كاسترى وولز وبرناردشو فانهم ليسوا من المستشرقين.
ومن مثال ذلك قول ولز: عن خصائص الإسلام "أن أبرز خصائصه الوحدانية المطلقة التي لا تعرف هوادة، وعقيدته السهلة المتحمسة في الله وحكمه وخلوه من التعقيد المذهبى والتحرر المطلق من الرهبنة والمعبد، ذلك هو تأكيده الأخاء والمساواة بين المسلمين أمام الله مهما تكن ألوانهم وأجناسهم وأوضاعهم".
***
موقف الفكر العربي الإسلامي من الاستشراق
كان موقف الفكر العربي الإسلامي من الاستشراق كشأنه دائما من كل ما هو غربى: الحرص والحذر بالرغم من ظهور طائفة من دعاة التغريب من تلاميذ المستشرقين الذين رددوا آرائهم وحملوا لواء أفكارهم أمثال منصور فهمى وأحمد ضيف وطه حسين وزكى مبارك وإسماعيل مظهر وتوفيق الحكيم. فقد كتب منصور فهمى رسالة الدكتوراه في باريس تحت اشراف المستشرق الاسرائيلى "ليفى بريل" عن (حالة المرأة في التقاليد الإسلامية وتططوراتها) وكان مما جاء بها أن محمد شرع لكل الناس واستثنى نفسه وكان له ضعفه واختص نفسه ببعض المزايا. وقال منصور أنه نشأ مسلما في وسط إسلامي وأنه قصد باريس ففتح عليه بارشاد العلامة ليفى الاسرائيلى فظهرت فيه "المؤثرات السعيدة" فدون هذه الرسالة التي بحث فيها حالة المرأة في الإسلام.
وكتب طه حسين تحت اشراف اليهودي دور كايم رسالة عن ابن خلدون نقل فيها رأى المستشرقين في كفاح أهل المغرب ضد الغزاة والمستعمرين الفرنسيين وهاجمهم واتهمهم بأنهم يؤخرون عمل فرنسا في نشر الحضارة.
ونقل أراءه في كتاب الشعر الجاهلى من رسالة لمبشر وايس لمستشرق هو (هاشم العربي) وفي الشعر الجاهلى كذب طه حسين القرآن في اخباره عن إبراهيم وإسماعيل وانكر القراءات السبع المجمع عليها فزعم أنها ليست منزلة من عند الله تعالى وطعن في نسب النبى وانكر ان للإسلام اوليته في بلاد العرب وانه دين إبراهيم وورد توفيق الحكيم آراء "رنيان" في العقل العربي. وردد إسماعيل مظهر آراء المستشرقين الغربيين من أنه
стр. 137
لا علاقة البتة بين الدين وبين المجتمع وقال أن الذين يقولون بأن للدين أثر في المجتمع واهمون فان المجتمع قائم على أمران: القوانين الوضعية والمعاهدات والنظم الموروثة "فما دخل الدين اذن في النظام الاجتماعى"؟
وقد عرض كثير من كتابنا لرأيهم في الاستشراق والمستشرقين:
من ذاك ان محمد كرد على رئيس المجمع العلمى بدمشق الذي القى في القاهرة (٧ مايو ١٩٢٧) محاضرة بمدرسة المعلمين العليا امتدح فيها المستشرقين بأنهم خدموا اللغة العربية باخراج ذخائرهم وتعريف المعاصرين من أهلها بمجد اسلافهم وذكر عشرات من مستشرقي كل مملكة واسماء أمهات الكتب التي كان لها الفضل في طبعها .. وقال أن الاستعمار كان سببا من أسباب عناية الأوربيين بد راسة اللغات الأجنبية عامة والشرقية وفي مقدمتها العربية خاصة ورد عليه عبد العزيز شاويش فقال ان المستشرقين في العصر الحديث قد أصبحوا دعاة للاستعمار وقال ان تأدبهم بأدابا العرب لم يزدهم الا جفوة وغلظة وعقوقا.
وقال ان المستشرقين انما يتفوقون بما يجدونه من مساعدات مادية ومعنوية فهم يسيرون فة البحث العلمي تتقدمهم مدافع حكوماتهم واموال أوقاتهم المرصودة لخدمتهم. وقال ان المستشرقين مع كل امتيازاتهم قل منهم من يفقه آداب اللغة وأسرار الإسلام ومنهم من يظن أن أكل لحم الجمل من الفروض الإسلامية وطبع احدهم كتابا عن القرآن ملئ بالأخطاء في اللغة وان مستر فاولا مدير دار الكتب المصرية طعن في القرآت في محاضرة القاها فة مؤتمر المستشرقين فة الجزائر سنة ١٩٠٥.
وتساءل الدكتور على العنانى (الهلال م ٤٠ ص ١٣٩٣) عن عناية المستشرقين بالأدب العربي وهل هة خالصة للعلم. وقال ان الغربيين الذين يكتبون في أوربا عن الشرق ينقسمون إلى قسمين: قسم يكتب في الناحية السياسية. وقسم يكتب فة الناحية العلمية.
وهذا القسم الأخير ينقسم إلى فريقين (١) فريق تحرر أفراده من الهوى في مباحثه العلمية (٢) وفريق تغلب عليه العواطف المغرضة، والقسم الأول مهمته الاشادة بعظمة أوربا والحط من كرامة الشرق لتقرير نظرية دوام وصاية أوربا على الشرق، والقسم الثاني: على القارئ الشرقى أن يتعرف روح كتابته ويفرق بين الكاتب الذي يتأثر بعاطفة مخصوصة وبين الذي يكتب للعلم مجردا من أيه عاطفة" ومؤدى الرأى التشكيك في أغلب ما يكتب المستشرقون.
أما" روحى فيصل (الرسالة ع ١١١ ص ١٢٣١) فيرى أن بين المستشرقين طائفة معتدلة قد أخلصت في دراستها الاخلاص كله. فنظرت إلى الأدب العربي والتاريخ الإسلامي والى كل ما انتجه الشرقيون من دين وعلم وفلسفة نظرة مجردة عن الهوى كما يتطلبها البحث العلمى الحديث الا أن بعض أفراد هذه الطائفة أن عدوا لا يتجاوزون عدد الأصابع وهم ازاء الكثرة الهائلة المغرضة من المستشرقين لا يذكرون شيئا وقد قيل أن النادر لا حكم له".
وقد عنى محمد كرد على بالدفاع عن المستشرقين والاشادة بفضلهم من: سلفتر دى سياسى (زعيمهم) الأول) إلى اليوم نتيجة لعملهم (فى الكشف عن تراثنا الذي كنا نجهله وطبع المخطوطات العربية) غير أنه عاد فاعترف بخطر أعمالهم فقال (الرسالة ع ١١٤ ص ١٤٧٧) أني مولفق على ما قاله (روحى فيصل) في تزييف بعض من تعلموا لغات الشرق الا أننى لا أغمط حق العاملين منهم. أعلم أن كثير منهم يعملون لسياسة بلادهم وأن منهم دعاة دين متعصبين يتخذون الاستشراق ساما لخدمة دينهم على نحو ما فعل أسلافهم في القرون الوسطى".
أما الدكتور حسين الهراوي فقد هاجم المستشرقين بمناسبة تعيين "فنسك" عضوا في المجتمع اللغوى المصري (نوفمبر ١٩٣٣) فقال (الهلال م ٤٢ ص ٣٢١): اذا قلبت أي: كتاب اجتماعى أو عمرانى باللغة الأجنبية يتكلم عن مصر أو الشرق أو الإسلام وجدت اشياء كثيرة لا يقرها عقل ولا يستسيغها منطق وليس من الحقيقة في شئ. ويلفت نظرك بصفة خاصة ما يوصف به الدين الإسلامي من الصفات التي لا تبو فقط عن الذوق السليم والحقيقة. با ان الكتاب الأوربيين يصورون الإسلام بصورة بشعة غريبة لا تكاد تقرأها حتى يقشعر بدنك من هول ما تقرأ.
وقال: كنت اطالع هذه الكتب التاريخية فأجد فرقا كبيرا عندما يكتب عن التاريخ القديم كوصف مصر القديمة وآثارها وسوريا وتاريخها والعراق وماضيها. فاذا تكلمت عن الجزء الإسلامي أو حياة سيدنا محمد (ص) أجد تحريفا ظاهرا واضحا وتشنيعا كثيرا.
وقال: اطلعت على تقرير لجنة العمل المغربي الذي كتبه المستشرق سيكارو يصف طرق مقاومة الإسلام وهو واحد من التقارير السرية التي يرسلها المستشرقون من البلاد المستعمرة إلى حكوماتهم لمقاومة الإسلام لأنه روح يتنافى مع الاستعمار والتقليل من أهمية اللغة العربية وصرف الناس عنها باحياء اللهجات المحلية في شمال
стр. 138
أفريقيا وتحبيذ اللهجات العامة حتى لا يفهم المسلمون قرآنهم ويمكن التغلب على عواطفهم" ويقول سيكارو أن الإسلام في روحه الماضية قوة مخالفة لاحتياجاتنا ورغباتنا ونزعاتنا. وأن من مصلحتنا التقليل منه بين الشعوب الخاضعة لسلطتنا".
قال: وفي زيارتى لأوربا علمت أن الأوربيين يربون طائفة من العلماء على كراهية الإسلام واحتقار الشعوب الإسلامية. وأن المستشرقين جماعة يربون تربية استعمارية- ليعملوا في المستعمرات- على أسلوب يحذرهم من العطف على الشرق أو الميل للإسلام.
وقال: أما عن مواضع دسائس المستشرقين فهم يتكلمون في التاريخ الإسلامي بروح المؤرخ أما عن سيدنا محمد (ص) وعن الإسلام وعن القرآن فهم يتكلمون بروح المنفر الذي يخيف الناس من الإسلام وبروح المتحامل الذي يكيل الشتائم من غير وزن.
وقال أن من طريقة "فتسك" في البحث التوصل إلى الآيات التي تتناسب مع الرأى الذي يفترضه فاذا وجد آية لدخص رأيه حذفها حذفا وأنكرها انكارا حتى يخرج بالنتيجة التي تزرع الشك في فؤاد من يطلع على أقواله من غير تمحيص. وقال أنهم تنقصهمم في مباحثهم عن الإسلام: "الروح العلمية". ولهم في الاستقصاء طريقة لا تشرف العلم. وهى أنهم يفرضون فرضا ثم يلتمسون أسبابه، فاذا وجدوا في القرآن آيات تتناسب في معانيها مع فرضهم اقتبسوها، واذا وجدوا آيات لا تتناسب مع أغراضهم تجاهلوها، وقالوا أنها غير موجودة في القرآن- وقال أننا اذا ما خلعنا عنهم تلك الزخارف البراقة من الوهم الذي أحاطوا به أنفسهم لظهروا قوما ضعافا في العلم لهم في الإسلام مآرب سيئة" ا. هـ.
***
المستشرقون والإسلام للدكتور الهراوي
وحاول زكى مبارك الدفاع عن المستشرقين فأثبت كل ما وجه اليه من تهم (الهلال ص ٣٢٥ م ٤٢) قالوا: أن المستشرقين طلائع الاستعمار وهذا صحيح. على أن المستشرقين لا يستطيعون أن يقضوا أعمارهم جميعا وهم أدوات استعمارية فبعضهم تغلب عليه النزعة العلمية وتضعف النزعة الاستعمارية، ومن دلائل ذلك انكباب كثير من المستشرقين على مسائل نظرية بحتى لا تقدم ولا تؤخر في خدمة الاستعمار وقالوا: وللمستشرقين أغلاط: وهذا صحيح فان كبار المستشرقين لهم أغلاط مضحكة في فهم المعانى الشعرية.
وقال زكى مبارك "وللمستشرقين اخطاء في شرح قواعد الإسلام وهذا صحيح فلكثير منهم فصول لا تجمل بالعلماء. وخاصة حين يتحدثون عن حياة الرسول. ولهم نظرات إلى حياته المنزلية والاجتماعية والتشريعية تدل على أن فريقا منهم يخدم بعض الهيئات الدينية".
وقد سبقونا إلى الدراسات الأدبية والإسلامية بنحو ثلاثة قرون. والباحث الجاد في مصر والشرق لا يستطيع الفرار من بحوثهم: وليس لدى ما يمنع من الاعتراف بأن أثر المستشرقين أبقى في ذهنى وأوضح. ومن الفصيحة أن أشير بتاثير خطوات المستشرقين في غير زيغ ولا ضلال. ولا ننسى أن المستشرقين ناس لهم مطامع ولهم أهواء. وأكثرهم لا يتصل في بلده بغير وزارة المستعمرات وأنا لا أهون من أغلال المستشرقين ولا أدعو إلى متابعتهم في غير بصيرة ولا رواية".
وقال الدكتور هيكل (حياة محمد ص ٦١) أنهم متأثرون بالنصرانية الأدبية تأثرا يجعل أكثرهم ينظرون إلى الأديان نظرة تملؤها الريبة. وتجعل الأقلية المستمسكين بمسيحيتهم يتأثرون بما كان بين المسيحية والعلم من نضال فيخضعون في بحوثهم الإسلامية لمثل ما خضع له أمثالهم في بحوثهم المسيحية أو بحوثهم الدينية بوجه عام .. وقال "أن الخطأ يتسرب إلى بحوث المستشرقين: لعدم الدقة في ادراك أسرار اللغة العربية تارة ولما يشوب نفوس طائفة من هؤلاء العلماء من الحرص على هدم مقدرات دين من الأديان أو على هدم مقررات الأديان جميعا. ومن الأدلة على تأثر بعض المستشرقين بحرصهم على هدم المؤثرات الدينية واسرافهم في ذلك ما تدل عليه مباحثهم من أن القرآن ليس وثيقة تاريخية لا محل للريبة فيها، وأن تجنيهم على الإسلام لم يمليه الا الحقد. وأن دراساتهم لم تمكنهم من ادراك روح الإسلام وأساس حضارته".
ويضيف نجيب العتيقى (فى كتابه "المستشرقون ص ١٩٧) كيف ساعد المستشرقون ملوكهم وولاتهم في استيلائهم على الشرق وعن طريقهم درسوا كل ما في الشرق: عقليته وكتبه وأديانه وعقائده وتاريخه ولغاته مقدمة لغزوه- وبذلك تمكنوا من فرض ثقفاتهم ولغاتهم فما بقى في الشرق اليوم زاوية الا ولغة غربية تعلم رسميا فيها إلى جانب لغاته "ومن أجل ذلك احسن ملوك الغرب
стр. 139
صلات المستشرقين وانتدبوهم سفراء وقناصل وتراجم وموظفين في سلكى الجيش والسياسة ومنحوهم القاب الشرف كبارون وكونت والأوسمة وكراسي التدريس في أشهر الجامعات".
وقال شكيب ارسلان: أنهم اذا عثروا على حكاية شاردة أو نكتة واردة في زاوية كتاب قد يكون محرفا سقطوا عليها تهافت الذباب على الحلواء وجعلوها معيارا ومقياسا، لا بل صيروها محكا يعرضون عليها سائر الحوادث ويغفلون أو يتغافلون عن الأحوال الخاصة .. ويرجع هذا التهور إلى قلة الاطلاع على الأصل.
وقال يوسف داغر في كتابه (مصادر الدراسة الأدبية) أن لبعض المستشرقين أبحاث فكرية تفتقر إلى الدقة وذلك لعجمتهم وقلة خبرتهم بمذاهب الكلام عند العرب وضعف الروح العربي فيهم.
***
أخطاء المستشرقين
وقد سجل نجيب العتيقى- (ص ٢٢٣ من كتابه المستشرقون) أخطاء المستشرقين:
أولا: التعصب الدينى: وقالأن الضلال في العصبية الدينية، فاذا كتب المستشرق المسيحى عن ديانات االشرق غير المسيحية فلا يكتب بذلك القلم الذي يكتب به في الآداب والتاريخ والأخلاق والعادات، لأنه لم ينس دينه ساعتئذ، منهم من ينكر ان يكون لمحمد ولد من الذكور ولو دعى بأبى القاسم ويشك في تلك الشجاعة التي عرف بها العرب ويميل بها إلى الخرافة. ومنهم كازانوفا الذي يتقول بأبى بكر أنه أضاف فة جمعه القرآن قوله: ان الله أنزل القرآن على النبى" وأغرب من ذلك قول مرغليوث أنه كان النبى جمعية كالجمعيات السرية اليوم.
ثانيا: اخطاء الترجمة والنسخ: لما كان بعض المستشرقين لا يحسن الترجمة عمدوا إلى الاستنتاجات. ترجم كازانوافا كلمة "أمى" يشعبى ومما يؤخذ على المستشرقين اعتمادهم على أصول اللغة ومعظمها لا قواعد له فيشرحون على الطريقة الكلامية دون معرفة القصد الذوقى فيها. وثمت تعابير عربية أو دخيلة يشق عليهم فهمها وخاصة اذا استندوا إلى من تقدمهم من مستشرقين وقد كتبوها بالحروف اللاتينية التي كثيرا مالا لاتفى بحاجة اللفظة العربية.
ثالثا: نرى أن بعض هؤلاء الناس يغترون بنفوسهم فيترفعون عن العلماء العرب ولا ينظرون اليهم الا نظراتهم إلى تلامذي الكتاتيب.
نرى أن بعض هؤلاء- أي المغتربين العرب- خدعوا بينهم وبين أنفسهم فظنوا أن المستشرقين أتوا فصل الخطاب والحجة الواضحة.
وقال نجيب العتيقى: أن السير وراء المستشرقين حتى النهاية هو عين الضلال.
× كما هاجم أمين الخولى الاستشراق (الأدب سبتمبر ١٩٥٧) وقال أن الاستشراق والاستعمار والتبشير أشبه بالحلقات الثلاثة المتداخلة وهاجم مؤتمراتهم التي قال أنه يحضرها منذ عام ١٩٣٢ لأنها تتجاهل اللغة العربية بالرغم من أنها لغة الدراسة الإسلامية على اختلاف صنوفها. وقال: أن هذه المجامع لا تعد اللغة العربية لغة لهم بصفة عامة، وقال: ان كل لغة رسمية رفض.
المراجع
مجلة المجمع (دمشق) مجلد ٨ ص ٦٨٠: خطاب كرد على في مؤتمر المستشرقين باكسفورد.
حياة محمد: الدكتور هيكل.
حسين الهرواى: المستشرقون والإسلام.
أغراض الاستشراق: الرسالة ع ١١١ ص ١٣٣١ وع ١١٤ ص ١٤٧٧
الهلال: المستشرقون: الهراوى وزكي مبارك م ٤٢/ ٣٢١
الهلال: المستشرقون والآداب العربية م ٤٠/ ١٣٩٣
الثقافة: عدد ١٤ ص ٢٢ وعدد ٧ ص ٣١ عدد ٢٧١٨.
المكشوف: عدد ٤٣
стр. 140
(٢)
التبشير والاستعمار
لرس "التبشير" الا أحد الحركات الكبرى للغزو الثقافي والتغريب والسيطرة على العالم العربي وقد سبق الاستعمار ومهد له وفق خطة ضخمة تهدف إلى القضاء على العقائد الدينية والثقافات والقيم التي تقوم عليها مقدرات الأمة العربية باعتبار أن هذه العقائد قامت على أساس القوة الروحية والنفسية التي الهبت مشاعر هذه الأمة في الدفاع عن كيانها والجهاد في سبيل حريتها، وقد وضع مخطط التبشير على أساس القضاء على كل مقاومة أو مناعة مسخرين العلم والطب والسياسة والحياة الاجتماعية والثقافية والأدب واللغة في سبيل هذا الهدف واستغلال فقر هذه الشعوب وجهلها وضعفها في السيطرة على عقائدها وعواطفها ومشاعرها.
ويهدف مخطط التبشيرالى:
١ - تشويه الثقافة الإسلامية والتراث العربي والإسلامي.
٢ - افساد الخصائص القومية في البلاد العربية والإسلامية.
٣ - خلق تخاذل روحى وشعور بالنقص مما يؤدي إلى الخضوع للمدنية الغربية.
٤ - توسيع شقة الخلاف بين الطوائف والمذاهب واثارة النزاع بين الأديان.
٥ - اخضاع الأمة الإسلامية والوطن العربي للاستعمار الغربى.
٦ - اعداد شخصيات عربية لا تقاوم النفوذ الأجنبى
وقد بدأ التبشير عمله ١٨٣٠ بعد أن أقره البابوات ورسموا خطته ووضعت الدول الاعتمادات الضخمة له، خطته ووضعت الدول الاعتمادات الضخمة له، وفي مقدمتهم بيوس الحادى عشر (ك / التبشير والاستعمار- م. خالدى وع. فروخ) عن طريق المدارس الأجنبية والارساليات الخاصة والجمعيات العلمية والجامعات والأندية والصحافة والمستشفيات والملاجئ كطليعة للاستعمار وكوسيلة للسيطرة والثقافة الدينية والسياسية على العالم الإسلامي.
وعن طريق التعليم زينوا التاريخ الوطنى والإسلامي والعربي. وطعنوا على العرب اولإسلام.
وقد استخدم التبشير لتحقيق اغراضه في أفريقيا .. ومن ذلك أن (لفنجستون) الذك اكتشف وسط أفريقيا لم تكن رحلته الكشفية الا جزءا من عمل البعثات التبشيرية.
وكان المبشرون من ناحية اخرى اداة لتقديم معلومات وبيانات إلى وزارات الخارجية والمستعمرات واستغل الاستعمار صفا من دعاة التغريب في البلاد العربية لمعاونة المبشرين ووضع خططهم وأفكارهم موضع التقريب إلى الجماهير، ونشرت فصول في الصحف لاثارة الشكوك والاتهامات وخلق قضايا ثقافية تتعلق بالإلحاد والاباحة باسم حرية العلم والتخلص من سلطان الدين والتقاليد ومهاجمة اللغة العربية والإسلام. ورموا كل نت وقف في وجه سمومهم بالجمنود والرجعية.
عمل المبشرين في ميدان التعليم
اتخذ التبشير اتجاهين كبيرين: الاتجاه الأول عن طريق التعليم وانشاء الكليات والمدارس وقد تركز في لبنان ومصر واسانبول واستهدف المرأة العربية بنوع خاص والاتجاه الثاني: وهو التبشير السرى وقد شمل العالم الإسلامي كله وقد بدأت حملات التبشير على الكيان العربي
стр. 141
فى الربع الأول من القرن التاسع عشر في صورة المرسلين الأمريكان الذين وصلوا إلى بيروت بزعامة غالى سميت عام ١٨٢٧ ثم بوصول فان ديك ١٨٤٠ ودانيال بليس مؤسس الجامعة الأمريكية ١٨٥٦،
وبدأ نشاط اليسوعيين (العازاريين) بانشاء اول مدرسة في عنبطورة ١٨٣٤ وأسس الانجليون الأمريكان أول مدرسة في عبيه ١٨٤٦، وقد تم انشاء الجامعة اليسوعية والجامعة الأمريكية، كما وفدت جماعة المرسلين الأمريكية الانجليين إلى مصر ١٨٥٥ حيث أنشأت كلية أسيوط ثم الكلية الأمريكية بالقاهرة (وقد وردت ارساليات لدول عربية متعددة وكانت كل دولة تحتضن مذهبا من مذاهب المسيحية، فالكاثوليكية في حماية فرنسا، والأرثوزكية في حماية روسيا، والبروتستاتية في حماية بريطانيا (انجلترا) وقد استهدف التبشير تحقيق غاياته الاستعمارية عن طريق التعليم وهو تنشئة جيل يدين بالولاء للدولة التي تتبعها المدرسة أو الجامعة فضلا عن الولاء للثقافة الغربية نفسها والاستعمار والاستهانة بالقومية والدين واللغة).
وقد عدت الجامعة الأمريكية في بيروت مركزا هاما من مراكز الغزو الثقافي في الشرق الأوسط كله واستهدفت منذ اليوم الأول تعليم الدين المسيحى والمذهب البروتستانتى، وصرح المستر بنروز احد عمداء الجامعة: أن الغاية الأولى من تأسيس الجامعة لم يكن تعليم العلم وانما نشر المذهب البروتستانتى.
وقد كان جميع رؤساء الجامعة الأمريكية ومدرسوها مبشرون على أساس أنها مدرسة بروتستانتية ولذلك فهى تجبر الطلبة على حضور الصلوات.
وقد أسفرت الجامعة الأمريكية- وأن توارى اتجاهها الآن قليلا- كل دروسها في سبيل تأويل مسيحى لفروع العلم كالتتاريخ وعلم النبات. وقد أعانت الكلية في كل مناسبة أعرض فيها الطلبة المسلمون الذين تضمهم من الشام والعراق ومصر والسودان عن اجبارية دخول الكنيسة: انها كلية مسيحية أسست بأموال شعب مسيحى وأنهم قد عملوا لايجاد تعليم يكون الانجيل من مواده ولذلك لابد ان تعرض منافع الدين المسيحى على كل تلميذ.
***
التبشير والاستعمار
وقد صرح بنروز رئيس الجامعة الأمريكية (١٩٤٨) عن هدف التبشير من التعليم فقال: لقد برهن التعليم على انه أثمن وسائل التنصير.
ولذلك كان الهدف الأمريكى من التبشير هدفا دينيا أساسا، ولكنه تحول إلى هدف سياسى بعد أن بدأت أمريكا تتدخل في سياسة العالم العربي وخاصة موقفها من اسرائيل بعد أن خلقتها وأمدتها بالحياة وقد استهدفت هذه الدعوة:
(١) التشكيك في الإسلام.
(٢) القضاء على اللغة العربية وتغليب اللهجات العامية.
(٣) كتابة هذه العلوم بالحروف اللاتينية.
أما هدف المبشرين الفرنسيين (ومركزهم الجامعة اليسوعية في بيروت) فهو خلق صداقة روحية مع فرنسا .. فالاستعمار في المؤسسات الفرنسية يستهدف خلق روابط ثقافية وسياسية مع فرنسا، على أساس البرنامج الفرنسي الذي وضع عام ١٨٦٤ وهو "معرفة فرنسا ومحبتها" وقد أعطى الاحتلال الفرنسي ببيروت فرصة كبيرة في سبيل دعم هذا الموقف.
ولا شك أن تعدد جهات التعليم في الوطن العربي كانت في ح ذاتها هدفا استعماريا وغزوا ثقافيا وتعزيزا التغريب وذلك بتمزيق وحدة الفكر العربي الإسلامي عن طريق تمزيق تيارات التعليم في التبعية لفرنسا أو لبريطانيا أو لأمريكا مما يؤدى إلى القضاء على الوحدة الفكرية، وهكذا سيطرت هذه المعاهد التغريبية المسيحية النزعة على الشباب المثقف الذي اصبح بعد من قادة بلاده، وذلك بانشاء فلسفة متسامحة مع الاستعمار، محرومة من روح الجهاد والحرية التي يدعو اليها الإسلام.
***
أهداف التبشير
وقد لخص كثير من الباحثين أهداف التبشير في أنه العمل لسيطرة الاستعمار سياسيا واقتصاديا وذلك بالقضاء على اللغات والأديان غير النصرانية والتاريخ
стр. 142
القومى موصلا إلى استعباد أتباعها، ذلك أن الإسلام بأهدافه في المقاومة وتاريخه في الجهاد كان موضع خشية الدول الاوربية التي تراه قوة ضخمة تحول بينها وبين استعباد الامة العربية والسيطرة عليها وترى انه شديد المراس في صد كل دخيل وانه دين الحرية والكرامة والمقاومة، وقد اجمع المبشرون ومنهم (كارل بيكر وجاردنر) ان القوة التي تكمن في الإسلام هى التي تخيف اوربا.
ولقد كان اشد ما يخشاه الاستعمار ان يتم الالتقاء بين اجزاء الامة العربية فتتم الوحدة التي تقاوم الاستعمار -كما اشار المبشر لورنس برون- إلى ذلك حين اشار إلى ان هدف التبشير ان "يبقوا- أي: المسلمين- متفرقين حتى لا يكون لهم وزن ولا تاثير اذ ان تجمع العرب يساعدهم على التخلص من السيطرة الاوربية"
كما هدف التبشير إلى اظهار الاوربيين في ثوب الابرار حياة الحضارة انصار الحياة والعلم وذلك حتى يتمكنوا من الوصول إلى قلوب العرب والمسلمين وتحقيق اهدافهم التي ترمى إلى سلب القيم العربية العقلية والخلقية والروحية عناصر قوتها وتمييع هذه القيم والتشكيك فيها.
ويرى المبشرون ن هدف التبشير في الاغلب ليس نشر المسرحية بقدر ما هو هدم الإسلام. ويقول المستشرق هنرى حسب ان (المبشرين) استغلوا جهودهم لخدمة دولهم واذكوا نار العداوة في الذين كانوا يبشرون بينهم.
***
التبشير والإسلام
لا شك "ان محاربة الإسلام" هى العمل الاول للتبشير. وقد اتخذ لذلك خططا متعددة تقوم اساس المغالطة في تاريخ المسلمين ودينهم وتاريخ النبى محمد ووقائع حياته.
وكان ابرز ما يركز عليه التبشير هو محاولة اخضاع الإسلام لمذاهب الفكر الغربي وفق ما خضعت له المسيحية، وذلك بالاعضاء عن الحقيقة الواضحة التي لا سبيل إلى انكارها او تجاهلها في النظر إلى الإسلام وهى: انه عقيدة ونظام اجتماعي وذلك بخلاف النصرانية .. ولذلك فان المسلمين ينظرون إلى النظم الغربية التي تهدف إلى اقامة مجتمعات جديدة على أنها تقوم على تجارب خاضعة للنجاح والفشل، بينما يجد المسلمون عندهم نظاما اجتماعيا قابلا للتطور مع الزمن والالتقاء مع البيئات المختلفة وهم لذلك ليسوا في حاجة إلى النظم الموضوعة تحت التجربة.
ومن الاتهامات التي يوجهها الفكر الغربي عن الإسلام انه تمام بالفتح على اساس السيف. وانه سفك الدماء واقام المذابح والحرب في سبيل تحقيق غايته وهو اتهام واضح خطاه ومدى المغالطة فيه ظاهرة.
(٢) ومن ذلك قولهم ان الفلسفة العربية هى الفلسفة اليونانية مكتوبة بحروف عربية، وعند ريان ان كل مظهر للفلسفة الإسلامية انما هو للفرس واليونان او الناطره او اليماقبة. وذلك الراى مخالف لما رواه المصفون امثال جوستاف لربون من ان العرب لم يتقبلوا الفلسفة اليونانية فقط وانما ناتمثوها ونحتوها وزادوا فيها.
(٣) ادعى المبشرون ان نضارى لبنان هم الذين بعثوا النهضة العربية الحديثة وان البربر وحدهم هم اصحاب المدنية في شمال افريقية والاندلس. وان العالم العربي هو (مصر والشام والعراق ونجد والحجاز واليمن) وانه مسحته ٣ ملايين كيلو مربع وسكانه ٤٠ مليونا (مع ان مساحة الجزيرة العربية وحدها ٣ ملايين كيلو مربع) وان النهضة العربية بدات في مصر. وان البربر لم يقيموا وحدهم مدينة المغرب والاندلس بل شاركهم العرب وان البربر كالعرب مسلمون، والمدنية التي خلقوها عربية، وان السودان وشمال افريقيا وليبيا وتونس والجزائر ومراكثس هى اجزاء من الوطن العربي وان النهضة العربية بدات في مصر وليس في لبنان وان النهضة بدات في القسم الاخير من القرن التاسع عشر وليس في مطالع القرن التاسع عشر. وان حصر الحركة في نصارى لبنان والمبشرين الامريكين ظلم للتاريخ والادب وخطا لا مبرر له.
وقد صور عدد من المبشرين مدى خطر الإسلام على الاستعمار. وقال (اشعبا يومان) ان الإسلام ليس دينا فحسب بل انه من اركانه الجهاد. ولم يتفق قط ان شعبا دخل الإسلام ثم عاد نصرانيا.
стр. 143
المرأة والتبشير
استهدفت خطة التبشير في اساسها استغلال المدارس المسيحية في القاء بذور الشك في نفوس الشئ المسلم وافساد عقيدتهم. ولذلك كان الاهتمام بالفتاة العربية بالغ الاهمية اذ ان تربيتها في المدارس المسيحية والتاء بذور الشك في نفسها منذ عهد المنشاة مما يساعد على تحقيق هدف التبشير والاستعمار بالنسبة إلى تحطيم الاسرة العربية والقضاء على الجيل الجديد الذي تنشئه الفتاة العربية التي تعلمت في مدارس التبشير- لذلك عول المبشرون على الغزو التبشيري عن طريق المرأة فقال (اتين لامي) في مجلة العالمين الفرنسية (سبتمبر سنة ١٩٠١) "ان تربية البنات في مدارس الراهبات ادعى لحصولنا على حقيقة القصد ووصولنا إلى نفس الغاية التي وراءها نسمى، بل اقول ان تربية البنات في مدارسنا هى الطريقة الوحيدة للقضاء على الإسلام بيد اهله. ان التربية المسيحية او تربية الراهبات لبنات المسلمين اوجد للإسلام في داخل حصنه المنيع عدوه لداء لا يمكن للرجل قهرها لانه سهل على المرارة والحالة هذه ان تؤثر على احساس زوجها وعقيدتها فتبعده عن الإسلام وتربى اولادها على غير دين ابيهم".
وقد انشئت اول مدرسة للبنات في العالم العربي في بيروت عام ١٨٣٠ للمبشرين الامريكان الذين اهتموا بانشاء مدارس البنات- اولا قبل مدارس الاولاد- في مصر وسوريا والسودان، ووضعت الخطة على اساس ان التبشير يكون اتم حبكا في مدارس البنات الداخلية حيث الصلة بالطالبات اوثق ولأنها تنتزعهن من نفوذ حياة بينة غير مسيحية- كما قالت المبشرة ابا مبليان- حيث يجتمع بنات مسلمات عن اسر باثوات وبكوات تحت النفوذ المسيحى وليس ثمة طريق إلى حصن الإسلام اقصر مسافة من هذه المدرسة".
وقد عمد التبشير في رسم هذه الخطة إلى نظرية نفسية واضحة الدلالة هى ان الاثر الذي تحدثه الام في اطفالها- ذكورا واناثا- حتى الصلة العاشرة من عمرهم بالغ الاهمية وبما ان النساء هن العنصر المحافظ في الدفاع عن العقيدة، لذلك كان لابد من العمل بين المسلمات على انه "وسيلة مهمة في التعجيل بتنصير البلاد الإسلامية" وقد استعملوا ذلك المبشرات المثقفات ووضعوا البرامج التي تجعل سيطرتهم نفسيا على المرأة العربية يسيرا.
وهذا هو السر في اللهنة العجيبة التي يبديها الاستعمار وكتابه واعوانه من كتاب التغريب على تحرير المرأة وتعليمها والدفاع عن دعاتها وهو ما لا يتفق مع خطط الاستعمار في تاييد تنوير المرأة وتعليمها وسفورها بينما هو يقف موقف الخصومة لتعليم الرجل وتثقيفه.
***
مخطط التبشير
بدا التبشير عمله في كتف الكنيسة لمقاومة الإسلام ثم اتجه إلى العمل السياسي، وقد اعلن بلفور وزير خارجية بريطانيا (١٩١٧) ان المبشرين هم ساعد جميع الحكومات المستعمرة وعضدها في كثير من الامور الهامة ولولاهم لتعذر على تلك الحكومات من تذلل كثيرا من العقبات.
وقد اتخذ التبشير في اول امره خطة المهاجمة والبحث عن المناطق التي تصلح لتضليل اهلها ومحاولة تحويلهم إلى المسيحية، وذلك بوسائل الاغراء المختلفة، غير ان هذه الخطة ام تحد نفعا وفشلت فشلا كبيرا، فقد قاوم المسلمون عمليات التقصير وواجهوها بالخصومة مما دفع المبشرين إلى الفشل والبحث عن خطط اخرى، وقد كان المبشرون في القرن التاسع عشر يدخلون في جدال مع المسلمين يسوقون فيه الاتهامات الباطلة.
وقد عقد المبشرون عديدا من المؤتمرات واصدروا الوفا من النشرات والصحف والمجلات في البلدان المختلفة وبالغات المختلفة كما استغلوا الصحافة غير التبشيرية لنشر اغراضهم بالتشكيك في الإسلام ومهاجمة اللغة العربية والتاريخ وابتاع الخلاف بين الاديان والمذاهب والمعتقدات. وقد اتخذ التبشير من تقسيم العالم العربي بعد الحرب العالمية الاولي فرصته الكبرى وعد هذا العمل بالنسبة له نصرا كبيرا، غير انه ام يصل إلى نتائج ذات اهمية واضحة.
وقد نصت معاهدة فرساي (ا- لمادة ٥٣٨) على جواز التبشير في سوريا. وبذلك استطاع المبشرون في الشام ان يضغطوا على البصرية في تلدا العلويين ونشر الدعوى بينهم بانهم من احفاد الصليبيين.
وقد كان عام ١٩٣٢ هو موعد تعديل هذه الخطط والاتجاه إلى محاولة اقناع الافراد والوصول إلى قلوبهم عن طريق اصداقات واحترام العادات الشرقية والإسلامية للتمكن من بث ارائهم.
стр. 144
غير ان هذه الخطة الجديدة لم تحقق للتبشير الوصول إلى نتائج اكبر. وظهر المثقفون الذين اثروا ان يكونوا من دعاة التغريب وانكشف امرهم ولم تخدع كتبهم ولا ارائهم المجموعة الواعية، ولذلك كانت دعوات الفرعونية في مصر الفينيقية في لبنان والثورية في العراق والبربرية في الغرب اسلحة التجزئة والتمزيق التي حمل لواءها التبشير، ولقد كشف القس ويمر راس المبشران في العالم العربي عن فشل جميع الخطط التي وضعت للتبشير بين المسلمين ونقلهم إلى المسيحية. ودعا إلى بذل مجهودات مضاعفة لهذا الغرض. ومن امثلة ما كان يذاع من نشرات لدعم خطط التبشير ما كتبه القديس باركين إلى المبشرين يطالبهم فيه يحشد الجهود للعمل: في الجزيرة العربية، ومما قاله "ان الحاجة شديدة الان إلى مائة مبشر يذهبون إلى قبائل بلاد العرب المهملة التي لم تبلغها الدعوة بعد، هناك نحو مائة قبيلة في بلاد العرب يمكن تبليغهم الدعوة وهم يسكنون بلادا غير انجيلية مساحتها ثلث مساحة الهند وهم يعيشون في الخيام.
اذهب بنفسك إلى بلاد العرب. اسال غيرك ايضا. احمل الكتاب المقدس إلى بلاد العرب. ادع بلاد العرب والعرب إلى المسيح. ادع ٢٢٠ مليونا من الصليبية لتنصير في العالم وبلاد العرب ١٩ هبيلتدرود -ابرنورود -لندن).
ومع ذلك فقد عجز التبشير ان يحقق لا في الجزيرة العربية ولا في قلب افريقيا بمثل ما استطاعه التاجر المسلم البسيط من الدعوة ادينه بالرغم من الاعتماد الضخمة وقوة الدول المستعمرة التي ظاهرت ركب التبشير.
***
تطوير التبشير في العالم العربي
اتخذ التبشير وسائل متعددة في سبيل تحقيق هدفه الذي هو ليس ادخال العرب المسلمين في المسيحية بقدر ما هو القضاء على الإسلام والتشكيل فيه والتهوين من شان القيم العربية واللغة العربية والتاريخ، وبذر بذور البلبلة في الفكر العربي الإسلامي واقامة ثقافات متعددة متصارعة وخلق جيل من مضطربي العقيدة، الذين لا يقومون وزنا لتراثهم ولا امجادهم ولا لغتهم، والمتسامحين مع الاستعمار والمتغربين، المعجبين بحضارة الغرب، المتطلعين إلى مزيد من الحضارة والمدينة لبلادهم عن طريق الاستعمار وكذلك خلق قادة لهم لا يدينون كثيرا بالقيم العربية الإسلامية في الحرية والكرامة والجهاد في سبيل الحق والالتقاء مع الغاصب ومصادقته واعتباره ممدنا ناشرا للحضارة والعلم.
وقد استطاع التبشير ان يحقق جانبا من هدفه عن طريق الجامعات والمدارس والصحف والبعثات، بينما اخفق بالنسبة للمجموعات الشعبية الضخمة التىكانت رغم القتر والجهل اصلب عودا من طبقة المثقفين.
***
لبنان والتبشير
ولقد كان لبنان اخصب حقل للتبشير ولذلك ركز عليها المرسلون من كل اقطار العالم الغربي وجعلوه مقرهم الاساسى للعالم العربي كله. وكان ابنان في الستينات وفرنسا، عمل فيها كل فريق على تاييد طائفة ومحاربة الاخرى واثارة الفتنة لتحقيق هدفه. وكانت بريطانيا فقد ارسلت الكاهن الايرلندي (وود) لاغراء البطريرك باعلان لبنان امارة مارونية مقابل مساعدة الموازنة البريطانية. كما قصد اليها تشرشل وانفرا واللادى استنهوب لاثارة الصراع الطائفى بغية فتح المجال امام بريطانيا غير ان فرنسا هى التي استطاعت ان تكسب الجولة لروابطها مع الموازنة المسيطرين على لبنان اذ ذاك والمرتبطين مع فرنسا على طريق الكاثوليكية
ولقد كان لنجاح التبشير في لبنان اثره في الدعوات التي انطلقت تنادى بان لبنان بلد كاثوليكى وانه يجب ان يكون وطنا قوميا لكل المسيحيين في الوطن العربي، كما انطلقت من لبنان الدعوة إلى قيام وطن قومى لليهود في فلسطين.
وفاخر دعاة التغريب في لبنان بالدور الذي قامت به لبنان ابان الحرب الصليبية حيث امد الموازنة طلائع الصليبيين بثلاثين الف بتال اجمع الفرنجة على الاعجاب بشجاعتهم ومهاراتهم. (فؤاد لفارم البستانى: الندوة ٢١/ حزيران/ ١٩٤٨) وقد حمل لواء التبشير في لبنان غالى سميث ودانيال بلبس وكان ابرزهم "كرنيلوس فانديك" الذي قام في لبنان طبيبا مبشرا اكثر من اربعين عاما (١٨٤٠ - ١٨٨٠) وقد تعلم اللغة العربية وانشا مدرسة عبيه المشهورة وعمل معلما واعظا ومبشرا وعنى بترجمة التوراة والانجيل، وقد اتم هذه الترجمة عام
стр. 145
١٨٦٤ بمساعدة صديقيه البستانى والبازجى، وهو صاحب فكرة البدء بالتبشير من القرية والتوسع فيه للوصول إلى المدينة.
ولكى نرسم صورة لاثر التبشير في الثقافة العربية والفكر الإسلامي نعرض نموذجا من تاريخنا كما يكتبه المبشرون ويدرسونه في مدارس الارساليات الاجنبية في لبنان بقصد تشويه تاريخنا واهدار عظمته وجلاله.
يقول (لاكولى) في كتابة البحث من الدين الحقيقى: "فى القرن السابع للميلاد برز في الشرق عدو جديد ذلك هو الإسلام الذي اسس على القوة. وتام على اشد انواع التعصب. لقد وضع محمد السيف في ايدى من اتبعوه. وتساهل في اقدس قوانين الاخلاق. ثم سمح الاتباعه بالفجور والسلب. وبعد قليل اصبحت اسية الصغرى وافريقية واسبانيا فريسة له.
ثم ها هى النصرانية تضع بسيف كارل مارتل سدا في وجه الإسلام المنتصر عند يواتيه ٧٥٢ م ثم تعمل الحروب الصليبية في مدى قرنين تقريبا (١٠٩٩ - ١٢٥٤) في سبيل الدين لنجاة النصرائية، وهكذا تقهقرت قوة الهلال امام راية الصليب وانتصر الانجيل على القرآن".
***
مصر في ظل التبشير
ظهر التبشير في مصر منذ اوائل القرن الماضي واتسع في عهد إسماعيل وبلغ ذروته في ظل الاحتلال البريطاني (١٨٨٢) وكان ابرز دعاته "القس زويمر" الذي اقتحم الأزهر ووزع منشوراته فيه علنا في عهد حكم إسماعيل صدقى (١٩٣٣) وقد كانت: الجامعة الامريكية ومستشفى هرمل هما ابرز معاقل التبشير في مصر.
وقد كان احتلال السودان خطوة غزو بعيدة المادى بالنسبة لحركة التبشير فقد فتح لها الطريق إلى قلب افريقيا.
ويروى توفيق حبيب (الصحفى العجوز في هامشه ٢٩/ ٤/ ٣٨ الاهرام) انه في اوائل القرن الماضى ١٨٠٠ حضر إلى مصر خمسة من رجال الكنيسة الانجليزية للوعظ والتبشير ثم عادوا إلى بلادهم الواحد بعد الاخر ولم يبق منهم الا رجل واحد هو المستر (ليدر) وسكن بالدرب الواسع، واتصل ببطريرك الاقباط الانبا كليرس الرابع ذكر له ان الكنيسة الانجليزية مستعدة لانشاء مدرسة خاصة لتعليم ابناء الاقباط وارسل بعثة منهم إلى ماطة للتعليم على حسابها. ثم انشا الاسقف جوين الانجليزي مجلة (الشرق والغرب) وكنيسة في حى قصر الدوبارة ومستشفى هرمل في مصر القديمة. وكانت لها دار في ميدان الازهار (الفلكى) للمساجلات الادبية والبحث في العقائد لم تلبث ان عطلت منعا لما كان يقع في بعض اجتماعاتهم من المشاغبات. وكان القس (جاردز) من ابرز رجال الارسالية الانكليزية واعرفهم باللغة العربية وكان لهذا القس اليد الطولى في تاسيس فرع مصر لجمعية اتحاد الكنائس وانشاء اقسام مصرية لجمعية امجاد الشبان المسيحية".
اما المبشرون الامريكيون فقد ظهروا في مصر في عهد إسماعيل واخذوا يطوفون ارجاء البلاد للتبشير داعين الاقباط الارثوزكس إلى المذهب بالمذهب البروتستانتى. واستمالوا عائلتى وبصا وخياط الذين تحولوا من ارثوزكس إلى بروتستانت (١٠ فبراير ١٩٣٢ - مجلة الدنيا المصورة).
وقد كان للخديوى إسماعيل دورا كبيرا في تشجيع الارساليات ومدها بالمال والارض اللازمة لانشاء المؤسسات. ولما اطراد مقاومة مدارس المبشرين البروتستانت لانهم يتدخلون في السياسة ويثيرون الاضطرابات في البلاد منعته القنصليتين الانجليزية والامريكية وايدتا المبشرين وحملتا الحكومة المصرية على التقيد بالدستور العثمانى الذي ينص على احترام الحرية الدينية.
وقد اتسع نطاق التبشير بعد الاحتلال البريطانى وبلغ درجة بالغة الخطورة حتى ان عبد الله النديم هاجمه في مجلة الاستاذ ١٨٩٣ ونشر فصلا من كتاب مبشر يدعى (بوحنا هورى) الالمانى سماه (الإسلام وتاثيره على تابعه) قال فيه: حيث ان الدين الإسلامي دين غير صحيح وانه لا تاثير له في حياة تابعيه الدينية ولا في تقدمهم في العلوم، حينئذ يلزمنا ان نضع الدين النصرانى محله".
وقال عبد الله ندم انه لو ان أي: مسلم كتب مثل هذا التعصب لقامت عليه قيامة اوربا وقالوا: هذا دعاء للحرب الدينية وتعرض للدين المسيحى وسحبوا قناصلهم ونادوا بين اتباعهم المعتمدون في الشرق بالرحيل بدعوة فقدان الامن العام وتوحش المسلمين، فنحن نسال من
следующие страницы →