← Общие книги

Общие книги · id 148530

تاريخ الغزو الفكري والتعريب خلال مرحلة ما بين الحربين العالميتين

أنور الجندي

Полный текст (302 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فى الربع الأول من القرن التاسع عشر في صورة المرسلين الأمريكان الذين وصلوا إلى بيروت بزعامة غالى سميت عام ١٨٢٧ ثم بوصول فان ديك ١٨٤٠ ودانيال بليس مؤسس الجامعة الأمريكية ١٨٥٦، وبدأ نشاط اليسوعيين (العازاريين) بانشاء اول مدرسة في عنبطورة ١٨٣٤ وأسس الانجليون الأمريكان أول مدرسة في عبيه ١٨٤٦، وقد تم انشاء الجامعة اليسوعية والجامعة الأمريكية، كما وفدت جماعة المرسلين الأمريكية الانجليين إلى مصر ١٨٥٥ حيث أنشأت كلية أسيوط ثم الكلية الأمريكية بالقاهرة (وقد وردت ارساليات لدول عربية متعددة وكانت كل دولة تحتضن مذهبا من مذاهب المسيحية، فالكاثوليكية في حماية فرنسا، والأرثوزكية في حماية روسيا، والبروتستاتية في حماية بريطانيا (انجلترا) وقد استهدف التبشير تحقيق غاياته الاستعمارية عن طريق التعليم وهو تنشئة جيل يدين بالولاء للدولة التي تتبعها المدرسة أو الجامعة فضلا عن الولاء للثقافة الغربية نفسها والاستعمار والاستهانة بالقومية والدين واللغة). وقد عدت الجامعة الأمريكية في بيروت مركزا هاما من مراكز الغزو الثقافي في الشرق الأوسط كله واستهدفت منذ اليوم الأول تعليم الدين المسيحى والمذهب البروتستانتى، وصرح المستر بنروز احد عمداء الجامعة: أن الغاية الأولى من تأسيس الجامعة لم يكن تعليم العلم وانما نشر المذهب البروتستانتى. وقد كان جميع رؤساء الجامعة الأمريكية ومدرسوها مبشرون على أساس أنها مدرسة بروتستانتية ولذلك فهى تجبر الطلبة على حضور الصلوات. وقد أسفرت الجامعة الأمريكية- وأن توارى اتجاهها الآن قليلا- كل دروسها في سبيل تأويل مسيحى لفروع العلم كالتتاريخ وعلم النبات. وقد أعانت الكلية في كل مناسبة أعرض فيها الطلبة المسلمون الذين تضمهم من الشام والعراق ومصر والسودان عن اجبارية دخول الكنيسة: انها كلية مسيحية أسست بأموال شعب مسيحى وأنهم قد عملوا لايجاد تعليم يكون الانجيل من مواده ولذلك لابد ان تعرض منافع الدين المسيحى على كل تلميذ. *** التبشير والاستعمار وقد صرح بنروز رئيس الجامعة الأمريكية (١٩٤٨) عن هدف التبشير من التعليم فقال: لقد برهن التعليم على انه أثمن وسائل التنصير. ولذلك كان الهدف الأمريكى من التبشير هدفا دينيا أساسا، ولكنه تحول إلى هدف سياسى بعد أن بدأت أمريكا تتدخل في سياسة العالم العربي وخاصة موقفها من اسرائيل بعد أن خلقتها وأمدتها بالحياة وقد استهدفت هذه الدعوة: (١) التشكيك في الإسلام. (٢) القضاء على اللغة العربية وتغليب اللهجات العامية. (٣) كتابة هذه العلوم بالحروف اللاتينية. أما هدف المبشرين الفرنسيين (ومركزهم الجامعة اليسوعية في بيروت) فهو خلق صداقة روحية مع فرنسا .. فالاستعمار في المؤسسات الفرنسية يستهدف خلق روابط ثقافية وسياسية مع فرنسا، على أساس البرنامج الفرنسي الذي وضع عام ١٨٦٤ وهو "معرفة فرنسا ومحبتها" وقد أعطى الاحتلال الفرنسي ببيروت فرصة كبيرة في سبيل دعم هذا الموقف. ولا شك أن تعدد جهات التعليم في الوطن العربي كانت في ح ذاتها هدفا استعماريا وغزوا ثقافيا وتعزيزا التغريب وذلك بتمزيق وحدة الفكر العربي الإسلامي عن طريق تمزيق تيارات التعليم في التبعية لفرنسا أو لبريطانيا أو لأمريكا مما يؤدى إلى القضاء على الوحدة الفكرية، وهكذا سيطرت هذه المعاهد التغريبية المسيحية النزعة على الشباب المثقف الذي اصبح بعد من قادة بلاده، وذلك بانشاء فلسفة متسامحة مع الاستعمار، محرومة من روح الجهاد والحرية التي يدعو اليها الإسلام. *** أهداف التبشير وقد لخص كثير من الباحثين أهداف التبشير في أنه العمل لسيطرة الاستعمار سياسيا واقتصاديا وذلك بالقضاء على اللغات والأديان غير النصرانية والتاريخ

стр. 142

القومى موصلا إلى استعباد أتباعها، ذلك أن الإسلام بأهدافه في المقاومة وتاريخه في الجهاد كان موضع خشية الدول الاوربية التي تراه قوة ضخمة تحول بينها وبين استعباد الامة العربية والسيطرة عليها وترى انه شديد المراس في صد كل دخيل وانه دين الحرية والكرامة والمقاومة، وقد اجمع المبشرون ومنهم (كارل بيكر وجاردنر) ان القوة التي تكمن في الإسلام هى التي تخيف اوربا. ولقد كان اشد ما يخشاه الاستعمار ان يتم الالتقاء بين اجزاء الامة العربية فتتم الوحدة التي تقاوم الاستعمار -كما اشار المبشر لورنس برون- إلى ذلك حين اشار إلى ان هدف التبشير ان "يبقوا- أي: المسلمين- متفرقين حتى لا يكون لهم وزن ولا تاثير اذ ان تجمع العرب يساعدهم على التخلص من السيطرة الاوربية" كما هدف التبشير إلى اظهار الاوربيين في ثوب الابرار حياة الحضارة انصار الحياة والعلم وذلك حتى يتمكنوا من الوصول إلى قلوب العرب والمسلمين وتحقيق اهدافهم التي ترمى إلى سلب القيم العربية العقلية والخلقية والروحية عناصر قوتها وتمييع هذه القيم والتشكيك فيها. ويرى المبشرون ن هدف التبشير في الاغلب ليس نشر المسرحية بقدر ما هو هدم الإسلام. ويقول المستشرق هنرى حسب ان (المبشرين) استغلوا جهودهم لخدمة دولهم واذكوا نار العداوة في الذين كانوا يبشرون بينهم. *** التبشير والإسلام لا شك "ان محاربة الإسلام" هى العمل الاول للتبشير. وقد اتخذ لذلك خططا متعددة تقوم اساس المغالطة في تاريخ المسلمين ودينهم وتاريخ النبى محمد ووقائع حياته. وكان ابرز ما يركز عليه التبشير هو محاولة اخضاع الإسلام لمذاهب الفكر الغربي وفق ما خضعت له المسيحية، وذلك بالاعضاء عن الحقيقة الواضحة التي لا سبيل إلى انكارها او تجاهلها في النظر إلى الإسلام وهى: انه عقيدة ونظام اجتماعي وذلك بخلاف النصرانية .. ولذلك فان المسلمين ينظرون إلى النظم الغربية التي تهدف إلى اقامة مجتمعات جديدة على أنها تقوم على تجارب خاضعة للنجاح والفشل، بينما يجد المسلمون عندهم نظاما اجتماعيا قابلا للتطور مع الزمن والالتقاء مع البيئات المختلفة وهم لذلك ليسوا في حاجة إلى النظم الموضوعة تحت التجربة. ومن الاتهامات التي يوجهها الفكر الغربي عن الإسلام انه تمام بالفتح على اساس السيف. وانه سفك الدماء واقام المذابح والحرب في سبيل تحقيق غايته وهو اتهام واضح خطاه ومدى المغالطة فيه ظاهرة. (٢) ومن ذلك قولهم ان الفلسفة العربية هى الفلسفة اليونانية مكتوبة بحروف عربية، وعند ريان ان كل مظهر للفلسفة الإسلامية انما هو للفرس واليونان او الناطره او اليماقبة. وذلك الراى مخالف لما رواه المصفون امثال جوستاف لربون من ان العرب لم يتقبلوا الفلسفة اليونانية فقط وانما ناتمثوها ونحتوها وزادوا فيها. (٣) ادعى المبشرون ان نضارى لبنان هم الذين بعثوا النهضة العربية الحديثة وان البربر وحدهم هم اصحاب المدنية في شمال افريقية والاندلس. وان العالم العربي هو (مصر والشام والعراق ونجد والحجاز واليمن) وانه مسحته ٣ ملايين كيلو مربع وسكانه ٤٠ مليونا (مع ان مساحة الجزيرة العربية وحدها ٣ ملايين كيلو مربع) وان النهضة العربية بدات في مصر. وان البربر لم يقيموا وحدهم مدينة المغرب والاندلس بل شاركهم العرب وان البربر كالعرب مسلمون، والمدنية التي خلقوها عربية، وان السودان وشمال افريقيا وليبيا وتونس والجزائر ومراكثس هى اجزاء من الوطن العربي وان النهضة العربية بدات في مصر وليس في لبنان وان النهضة بدات في القسم الاخير من القرن التاسع عشر وليس في مطالع القرن التاسع عشر. وان حصر الحركة في نصارى لبنان والمبشرين الامريكين ظلم للتاريخ والادب وخطا لا مبرر له. وقد صور عدد من المبشرين مدى خطر الإسلام على الاستعمار. وقال (اشعبا يومان) ان الإسلام ليس دينا فحسب بل انه من اركانه الجهاد. ولم يتفق قط ان شعبا دخل الإسلام ثم عاد نصرانيا.

стр. 143

المرأة والتبشير استهدفت خطة التبشير في اساسها استغلال المدارس المسيحية في القاء بذور الشك في نفوس الشئ المسلم وافساد عقيدتهم. ولذلك كان الاهتمام بالفتاة العربية بالغ الاهمية اذ ان تربيتها في المدارس المسيحية والتاء بذور الشك في نفسها منذ عهد المنشاة مما يساعد على تحقيق هدف التبشير والاستعمار بالنسبة إلى تحطيم الاسرة العربية والقضاء على الجيل الجديد الذي تنشئه الفتاة العربية التي تعلمت في مدارس التبشير- لذلك عول المبشرون على الغزو التبشيري عن طريق المرأة فقال (اتين لامي) في مجلة العالمين الفرنسية (سبتمبر سنة ١٩٠١) "ان تربية البنات في مدارس الراهبات ادعى لحصولنا على حقيقة القصد ووصولنا إلى نفس الغاية التي وراءها نسمى، بل اقول ان تربية البنات في مدارسنا هى الطريقة الوحيدة للقضاء على الإسلام بيد اهله. ان التربية المسيحية او تربية الراهبات لبنات المسلمين اوجد للإسلام في داخل حصنه المنيع عدوه لداء لا يمكن للرجل قهرها لانه سهل على المرارة والحالة هذه ان تؤثر على احساس زوجها وعقيدتها فتبعده عن الإسلام وتربى اولادها على غير دين ابيهم". وقد انشئت اول مدرسة للبنات في العالم العربي في بيروت عام ١٨٣٠ للمبشرين الامريكان الذين اهتموا بانشاء مدارس البنات- اولا قبل مدارس الاولاد- في مصر وسوريا والسودان، ووضعت الخطة على اساس ان التبشير يكون اتم حبكا في مدارس البنات الداخلية حيث الصلة بالطالبات اوثق ولأنها تنتزعهن من نفوذ حياة بينة غير مسيحية- كما قالت المبشرة ابا مبليان- حيث يجتمع بنات مسلمات عن اسر باثوات وبكوات تحت النفوذ المسيحى وليس ثمة طريق إلى حصن الإسلام اقصر مسافة من هذه المدرسة". وقد عمد التبشير في رسم هذه الخطة إلى نظرية نفسية واضحة الدلالة هى ان الاثر الذي تحدثه الام في اطفالها- ذكورا واناثا- حتى الصلة العاشرة من عمرهم بالغ الاهمية وبما ان النساء هن العنصر المحافظ في الدفاع عن العقيدة، لذلك كان لابد من العمل بين المسلمات على انه "وسيلة مهمة في التعجيل بتنصير البلاد الإسلامية" وقد استعملوا ذلك المبشرات المثقفات ووضعوا البرامج التي تجعل سيطرتهم نفسيا على المرأة العربية يسيرا. وهذا هو السر في اللهنة العجيبة التي يبديها الاستعمار وكتابه واعوانه من كتاب التغريب على تحرير المرأة وتعليمها والدفاع عن دعاتها وهو ما لا يتفق مع خطط الاستعمار في تاييد تنوير المرأة وتعليمها وسفورها بينما هو يقف موقف الخصومة لتعليم الرجل وتثقيفه. *** مخطط التبشير بدا التبشير عمله في كتف الكنيسة لمقاومة الإسلام ثم اتجه إلى العمل السياسي، وقد اعلن بلفور وزير خارجية بريطانيا (١٩١٧) ان المبشرين هم ساعد جميع الحكومات المستعمرة وعضدها في كثير من الامور الهامة ولولاهم لتعذر على تلك الحكومات من تذلل كثيرا من العقبات. وقد اتخذ التبشير في اول امره خطة المهاجمة والبحث عن المناطق التي تصلح لتضليل اهلها ومحاولة تحويلهم إلى المسيحية، وذلك بوسائل الاغراء المختلفة، غير ان هذه الخطة ام تحد نفعا وفشلت فشلا كبيرا، فقد قاوم المسلمون عمليات التقصير وواجهوها بالخصومة مما دفع المبشرين إلى الفشل والبحث عن خطط اخرى، وقد كان المبشرون في القرن التاسع عشر يدخلون في جدال مع المسلمين يسوقون فيه الاتهامات الباطلة. وقد عقد المبشرون عديدا من المؤتمرات واصدروا الوفا من النشرات والصحف والمجلات في البلدان المختلفة وبالغات المختلفة كما استغلوا الصحافة غير التبشيرية لنشر اغراضهم بالتشكيك في الإسلام ومهاجمة اللغة العربية والتاريخ وابتاع الخلاف بين الاديان والمذاهب والمعتقدات. وقد اتخذ التبشير من تقسيم العالم العربي بعد الحرب العالمية الاولي فرصته الكبرى وعد هذا العمل بالنسبة له نصرا كبيرا، غير انه ام يصل إلى نتائج ذات اهمية واضحة. وقد نصت معاهدة فرساي (ا- لمادة ٥٣٨) على جواز التبشير في سوريا. وبذلك استطاع المبشرون في الشام ان يضغطوا على البصرية في تلدا العلويين ونشر الدعوى بينهم بانهم من احفاد الصليبيين. وقد كان عام ١٩٣٢ هو موعد تعديل هذه الخطط والاتجاه إلى محاولة اقناع الافراد والوصول إلى قلوبهم عن طريق اصداقات واحترام العادات الشرقية والإسلامية للتمكن من بث ارائهم.

стр. 144

غير ان هذه الخطة الجديدة لم تحقق للتبشير الوصول إلى نتائج اكبر. وظهر المثقفون الذين اثروا ان يكونوا من دعاة التغريب وانكشف امرهم ولم تخدع كتبهم ولا ارائهم المجموعة الواعية، ولذلك كانت دعوات الفرعونية في مصر الفينيقية في لبنان والثورية في العراق والبربرية في الغرب اسلحة التجزئة والتمزيق التي حمل لواءها التبشير، ولقد كشف القس ويمر راس المبشران في العالم العربي عن فشل جميع الخطط التي وضعت للتبشير بين المسلمين ونقلهم إلى المسيحية. ودعا إلى بذل مجهودات مضاعفة لهذا الغرض. ومن امثلة ما كان يذاع من نشرات لدعم خطط التبشير ما كتبه القديس باركين إلى المبشرين يطالبهم فيه يحشد الجهود للعمل: في الجزيرة العربية، ومما قاله "ان الحاجة شديدة الان إلى مائة مبشر يذهبون إلى قبائل بلاد العرب المهملة التي لم تبلغها الدعوة بعد، هناك نحو مائة قبيلة في بلاد العرب يمكن تبليغهم الدعوة وهم يسكنون بلادا غير انجيلية مساحتها ثلث مساحة الهند وهم يعيشون في الخيام. اذهب بنفسك إلى بلاد العرب. اسال غيرك ايضا. احمل الكتاب المقدس إلى بلاد العرب. ادع بلاد العرب والعرب إلى المسيح. ادع ٢٢٠ مليونا من الصليبية لتنصير في العالم وبلاد العرب ١٩ هبيلتدرود -ابرنورود -لندن). ومع ذلك فقد عجز التبشير ان يحقق لا في الجزيرة العربية ولا في قلب افريقيا بمثل ما استطاعه التاجر المسلم البسيط من الدعوة ادينه بالرغم من الاعتماد الضخمة وقوة الدول المستعمرة التي ظاهرت ركب التبشير. *** تطوير التبشير في العالم العربي اتخذ التبشير وسائل متعددة في سبيل تحقيق هدفه الذي هو ليس ادخال العرب المسلمين في المسيحية بقدر ما هو القضاء على الإسلام والتشكيل فيه والتهوين من شان القيم العربية واللغة العربية والتاريخ، وبذر بذور البلبلة في الفكر العربي الإسلامي واقامة ثقافات متعددة متصارعة وخلق جيل من مضطربي العقيدة، الذين لا يقومون وزنا لتراثهم ولا امجادهم ولا لغتهم، والمتسامحين مع الاستعمار والمتغربين، المعجبين بحضارة الغرب، المتطلعين إلى مزيد من الحضارة والمدينة لبلادهم عن طريق الاستعمار وكذلك خلق قادة لهم لا يدينون كثيرا بالقيم العربية الإسلامية في الحرية والكرامة والجهاد في سبيل الحق والالتقاء مع الغاصب ومصادقته واعتباره ممدنا ناشرا للحضارة والعلم. وقد استطاع التبشير ان يحقق جانبا من هدفه عن طريق الجامعات والمدارس والصحف والبعثات، بينما اخفق بالنسبة للمجموعات الشعبية الضخمة التىكانت رغم القتر والجهل اصلب عودا من طبقة المثقفين. *** لبنان والتبشير ولقد كان لبنان اخصب حقل للتبشير ولذلك ركز عليها المرسلون من كل اقطار العالم الغربي وجعلوه مقرهم الاساسى للعالم العربي كله. وكان ابنان في الستينات وفرنسا، عمل فيها كل فريق على تاييد طائفة ومحاربة الاخرى واثارة الفتنة لتحقيق هدفه. وكانت بريطانيا فقد ارسلت الكاهن الايرلندي (وود) لاغراء البطريرك باعلان لبنان امارة مارونية مقابل مساعدة الموازنة البريطانية. كما قصد اليها تشرشل وانفرا واللادى استنهوب لاثارة الصراع الطائفى بغية فتح المجال امام بريطانيا غير ان فرنسا هى التي استطاعت ان تكسب الجولة لروابطها مع الموازنة المسيطرين على لبنان اذ ذاك والمرتبطين مع فرنسا على طريق الكاثوليكية ولقد كان لنجاح التبشير في لبنان اثره في الدعوات التي انطلقت تنادى بان لبنان بلد كاثوليكى وانه يجب ان يكون وطنا قوميا لكل المسيحيين في الوطن العربي، كما انطلقت من لبنان الدعوة إلى قيام وطن قومى لليهود في فلسطين. وفاخر دعاة التغريب في لبنان بالدور الذي قامت به لبنان ابان الحرب الصليبية حيث امد الموازنة طلائع الصليبيين بثلاثين الف بتال اجمع الفرنجة على الاعجاب بشجاعتهم ومهاراتهم. (فؤاد لفارم البستانى: الندوة ٢١/ حزيران/ ١٩٤٨) وقد حمل لواء التبشير في لبنان غالى سميث ودانيال بلبس وكان ابرزهم "كرنيلوس فانديك" الذي قام في لبنان طبيبا مبشرا اكثر من اربعين عاما (١٨٤٠ - ١٨٨٠) وقد تعلم اللغة العربية وانشا مدرسة عبيه المشهورة وعمل معلما واعظا ومبشرا وعنى بترجمة التوراة والانجيل، وقد اتم هذه الترجمة عام

стр. 145

١٨٦٤ بمساعدة صديقيه البستانى والبازجى، وهو صاحب فكرة البدء بالتبشير من القرية والتوسع فيه للوصول إلى المدينة. ولكى نرسم صورة لاثر التبشير في الثقافة العربية والفكر الإسلامي نعرض نموذجا من تاريخنا كما يكتبه المبشرون ويدرسونه في مدارس الارساليات الاجنبية في لبنان بقصد تشويه تاريخنا واهدار عظمته وجلاله. يقول (لاكولى) في كتابة البحث من الدين الحقيقى: "فى القرن السابع للميلاد برز في الشرق عدو جديد ذلك هو الإسلام الذي اسس على القوة. وتام على اشد انواع التعصب. لقد وضع محمد السيف في ايدى من اتبعوه. وتساهل في اقدس قوانين الاخلاق. ثم سمح الاتباعه بالفجور والسلب. وبعد قليل اصبحت اسية الصغرى وافريقية واسبانيا فريسة له. ثم ها هى النصرانية تضع بسيف كارل مارتل سدا في وجه الإسلام المنتصر عند يواتيه ٧٥٢ م ثم تعمل الحروب الصليبية في مدى قرنين تقريبا (١٠٩٩ - ١٢٥٤) في سبيل الدين لنجاة النصرائية، وهكذا تقهقرت قوة الهلال امام راية الصليب وانتصر الانجيل على القرآن". *** مصر في ظل التبشير ظهر التبشير في مصر منذ اوائل القرن الماضي واتسع في عهد إسماعيل وبلغ ذروته في ظل الاحتلال البريطاني (١٨٨٢) وكان ابرز دعاته "القس زويمر" الذي اقتحم الأزهر ووزع منشوراته فيه علنا في عهد حكم إسماعيل صدقى (١٩٣٣) وقد كانت: الجامعة الامريكية ومستشفى هرمل هما ابرز معاقل التبشير في مصر. وقد كان احتلال السودان خطوة غزو بعيدة المادى بالنسبة لحركة التبشير فقد فتح لها الطريق إلى قلب افريقيا. ويروى توفيق حبيب (الصحفى العجوز في هامشه ٢٩/ ٤/ ٣٨ الاهرام) انه في اوائل القرن الماضى ١٨٠٠ حضر إلى مصر خمسة من رجال الكنيسة الانجليزية للوعظ والتبشير ثم عادوا إلى بلادهم الواحد بعد الاخر ولم يبق منهم الا رجل واحد هو المستر (ليدر) وسكن بالدرب الواسع، واتصل ببطريرك الاقباط الانبا كليرس الرابع ذكر له ان الكنيسة الانجليزية مستعدة لانشاء مدرسة خاصة لتعليم ابناء الاقباط وارسل بعثة منهم إلى ماطة للتعليم على حسابها. ثم انشا الاسقف جوين الانجليزي مجلة (الشرق والغرب) وكنيسة في حى قصر الدوبارة ومستشفى هرمل في مصر القديمة. وكانت لها دار في ميدان الازهار (الفلكى) للمساجلات الادبية والبحث في العقائد لم تلبث ان عطلت منعا لما كان يقع في بعض اجتماعاتهم من المشاغبات. وكان القس (جاردز) من ابرز رجال الارسالية الانكليزية واعرفهم باللغة العربية وكان لهذا القس اليد الطولى في تاسيس فرع مصر لجمعية اتحاد الكنائس وانشاء اقسام مصرية لجمعية امجاد الشبان المسيحية". اما المبشرون الامريكيون فقد ظهروا في مصر في عهد إسماعيل واخذوا يطوفون ارجاء البلاد للتبشير داعين الاقباط الارثوزكس إلى المذهب بالمذهب البروتستانتى. واستمالوا عائلتى وبصا وخياط الذين تحولوا من ارثوزكس إلى بروتستانت (١٠ فبراير ١٩٣٢ - مجلة الدنيا المصورة). وقد كان للخديوى إسماعيل دورا كبيرا في تشجيع الارساليات ومدها بالمال والارض اللازمة لانشاء المؤسسات. ولما اطراد مقاومة مدارس المبشرين البروتستانت لانهم يتدخلون في السياسة ويثيرون الاضطرابات في البلاد منعته القنصليتين الانجليزية والامريكية وايدتا المبشرين وحملتا الحكومة المصرية على التقيد بالدستور العثمانى الذي ينص على احترام الحرية الدينية. وقد اتسع نطاق التبشير بعد الاحتلال البريطانى وبلغ درجة بالغة الخطورة حتى ان عبد الله النديم هاجمه في مجلة الاستاذ ١٨٩٣ ونشر فصلا من كتاب مبشر يدعى (بوحنا هورى) الالمانى سماه (الإسلام وتاثيره على تابعه) قال فيه: حيث ان الدين الإسلامي دين غير صحيح وانه لا تاثير له في حياة تابعيه الدينية ولا في تقدمهم في العلوم، حينئذ يلزمنا ان نضع الدين النصرانى محله". وقال عبد الله ندم انه لو ان أي: مسلم كتب مثل هذا التعصب لقامت عليه قيامة اوربا وقالوا: هذا دعاء للحرب الدينية وتعرض للدين المسيحى وسحبوا قناصلهم ونادوا بين اتباعهم المعتمدون في الشرق بالرحيل بدعوة فقدان الامن العام وتوحش المسلمين، فنحن نسال من

стр. 146

ملأو اعمدة التمس وغيرها من نسبة التعصب إلى المصريين خصوصا والمسلمين عموما. هل راوا المسلمين اجتمعوا لتغيرا دين النصارى ليكونوا معهم. وتعرضوا لمسيحى بالمجادلة والمناظرة". وقد كان القس البروتستانتى " زويمر " رئيس ارسالية التبشير العربية في البحرين وراس مؤتمر المبشرين في القاهرة ١٩٠٦ هو ابرز الدعاة إلى وضع الخطط للتبشير في العالم العربي. وقد سمحت الجامعة الامريكية في القاهرة كما وذكر صاحب الهلال (١٥ يناير ١٩٠٤) بعقد حافات جدل بين النصرائية والإسلامية. واحضار بعض الذين غرر بهم ليتكلموا وقد ادى ذلك إلى اثارة كثير من الاضطراب والبلبلة تحت سمع الحكومة الخاضعة للاستعمار وبصرها. وكان لعقد مؤتمر المبشرين في القدس ١٩ ابريل عام ١٩٢٨ برئاسة القس جون موت الرئيس العام لجمعيات الشبان المسيحية ومطاعنه على الإسلام اسوا الاثر في نفوس العرب والمسلمين. وقد استغل المبشرون حوادث تركيا حيث اعانهم على ذلك دعاة التغريب في العالم العربي الذين هاجموا الإسلام ودعوا إلى ان تطبق مصر انظمة تركيا في اللا دينية واغلاق المساجد والكتابة بالحروف اللاتينية وكان ذلك ارذانا بحركة ضخمة مركزة بذات على اثر ذلك حيث اقتحم زويمر الأزهر الشريف وقد اشتغال الطلاب بدروسهم (١٨ ابريل ١٩٢٨) ووزع عليهم رسائل تحتوى تشكيكا وطعنا في الإسلام. *** زويمر ومن بين ما وزعه كتاب عنوانه (وجوب الرجوع إلى القيلة القديمة). وقد اشارت الصحف إلى انه دخل على طلبة القسم الرابع من السنة الاولى بالقسم العالى ومعه سيدة وثلاثة رجال وكان الشيخ على سرق الزنكلونى هو استاذ الفصل وقد سالوا عن بعض ايات من القرآن. وهاجمت الصحف هذا العمل وقالت ان الامتيازات الأجنبية تحمى النزلاء من المثول أمام المحاكم المصرية ومن التقاضى أمامها. ولكن هل تحمى مثل الدكتور زويمر الذي قضى سنينا طوالا يطعن في دين الدولة ويوزع نشرات الطعن على أكبر معهد موجود في الشرق وهو الأزهر، وقالت الصحف أن كنيسة روما قد خصصت ملايين الجنيهات عام ١٩٢٩ للتبشير وتنصير المسلمين ومن ثم بدأت جرائم خطف الأحداث وتعذيبهم واخضاعهم للتنويم المغناطيسى: وعلق فكرى اباظة (الاهرام ٢٣/ ٤/ ١٩٢٨) على الاحداث فقال: الا الدين يا جانب، سكتنا على تهريب الحشيص والانهيون والكوكايين، وسكتنا على تمتعكم بحرية القتل بالمسدس والسكين. وسكتنا على امتصاصكم دماءنا وخيراتنا عن طريق الفايظ والتجارة الخبيئة فلم نضرب عليكم الضرائب، الا الدين يا اجانب ... لقد دخل الاب زويمر الأزهر. اذن فليكتسح الإسلام ودين الإسلام ما دامت الوكالة البريطانية وراءه تسنده وتحميه. ايها الناس: وصل منسوب الذل إلى الافواه". وقد اشتهر زويمر القيس الامريكي بعداوة الإسلام، وحرر كتبا هاجم فيما النبى والإسلام، ومن راية عدم مجادلة الملمين بالبراهين العقلية. بل الدخول عليهم من الجهة التلبية باستجلاب عواطفهم واستمالة اهواء هم تمريض اجسامهم ومواساة فقرائهم، وقد دعا المبشرين النصارى إلى توحيد العمل في ثن الغارة على الإسلام من كل جهة، ويعتقد ان هزيمة الملمين تمت في الحرب العالمية الاولى وان هذا كان انتصارا ساحقا للكنيسة المسيحية. ويدعو إلى اتباع برامج تعليمية مثل ما هو متبع في كلية غرد بالسودان "فان هذه الخطة مما يزاد الحواجز بين الإسلام والنصرانية" وقد طالب الكنيسة بان تعبى جميع قواها وتثن الغارة على العالم الإسلامي ومن راية ان نشر المدنية الغربية في العالم الإسلامي كفيل بزعزعة العقيدة الإسلامية في نفوس المسلمين. وقد بلغت حركة التبشير ثروتها عام ١٩٣٣ حيث وقعت حوادث تنصير في الجامعة الامريكية كان اولها (وسف عز الدين عبد الرحمن) وقد تبين للنهاية من التحقيق (الاهرام- ١٩/ ٧/ ١٩٣٢) ان الجامعة الامريكية تدرس للطلبة علم الاخلاق والانجيل. وتبين ان اجابات الطلبة تدل على نزعة دينية خاصة. وقد وجد ان منهج الاخلاق الذي يدرس بالجامعة ثمل دراسة نوح

стр. 147

وإبراهيم ويعقوب ويوسف وموسى ويشع ثن نون وثمثون وشارل وداود وسليمان وابوب ودانيال. وتبين أن هذا يدرس بدلا من الدين ويقوم بتضرسه اساتذة مسيحيون لجميع التلاميذ على السواء. ومن ناحية اخرى كانت هناك الارسالية الاسقفية الانجليزية ولها ١٥ فرعا في بولاق ومصر القديمة والجيزة وقصر الدوبارة وكان لمستشفى الدكتور هرمل في مصر القديمة شهرة ضخمة في اعمال التبشير فقد تبين انه يلقى على المرضى دروس الصباح من الانجيل من مبشر يذهب مع المريض إلى الطبيب الذي يفحصه فيقابله بالبشاشة والترحاب وييساله عما سمع مما القى من دروس الصباح وينبت المبشرون بين المرضى ويقومون بزيارات متعددة للمنازل بعد خروجهم من المستشفى. وأعلن الدكتور هيكل في السياسة (٢١/ ٦/ ١٩٣٣) انه ثبت بالوثائق ان هذه المعاهد تتخذ برامجها التعليمية وسيلة لتغيير العقائد وأنها تجعل النزعة الدينية هى الغالبة على كل شئ وأنها تقدم إلى تلاميذها كتبا تقضى بالطعن في الدين الإسلامي وفي النبى العربي، واشار ببيان هيئة كبار العلماء (٢٧ يونيه ١٩٣٣) إلى ان هذه المعاهد تعلم اولاد المسلمين امورا ضد دين الإسلامي وضد النبى وضد القرآن الكريم. اما في الملاجئ فانهم يقصدون الفقراء الذين مسهم الضر ثم يضعونهم فيها ليطعمونهم وعند ذلك يتصرف المبشرون في عقائدهم الدينية حتى يخرجوهم من دين الإسلام. وقد اتسعت حملة الصحافة ضد التبشير وكان قوامها مهاجمة حكومة صدقى باشا على نحو حزبى، ولم تكن هذه الحملة بقادرة على مقاومة هذا الخطر الا بمطالبة الحكومة بالقيام بعمل ايجابى ومناشدة الاغنياء واصحاب الراى إلى انشاء دارس ومستشفيات تحول بين التلاميذ والرضى من الوقوع تحت سيطرة هذه المدارس، كما ارتفعت الدعوة بالمطالبة بالعدل الاجتماعى ووضع نظم لاداء حق الطبانات الفقيرة وكان مصدر هذا العجز عن مقاومة التبشير بصفة فعالة حماية الامتيازات الاجنبية لهؤلاء الاجانب من المحاكم، ولقد لقيت حركة التبشير ازدراء الوطن العربي كله باساليبها الوحشية التي لم يعرف لها مثيلا في الدعوة إلى دين من الاديان حيث لم تضم من قبل دعوة وامها الغدر والخيانة واستغلال الفقراء والجهلاء كما فعل الاستعمار عن طريق التبشير. وقد صور الدكتور هيكل في مذكراته السياسية (ص ٣٢٨/ ج ١) كيف ظهر نشاط المبشرين بالمسيحية في ثوب مخوف قال "لقد قالت الصحف يومئذ ان الجامعة الامريكية بالقاهرة هى مصدر هذه الدعايات، وكان غربا حقا هذا النشاط الذي ابداه المبشرون والذى لم نسمع بمثله من عشرات السنين وقد امتد هذا النشاط من القاهرة إلى بورسعيد إلى غيرها من المدن والاقاليم. وتحدثت الصحف عن وسائل الاغراء التي يلجا اليها المبشرون لحمل السذج على اعتناق المسيحية ولتنصير الاطفال الاثرياء من ابناء المسلمين الفقراء، وارتاع الناس لهذه الحملة التبشيرية ايما ارتياع وتالفت جمعية لمقاومة هذا التبشير تجتمع في دار الثبات المسلمين وكنت من اشد الاعضاء تحمسا لمقاومة التبشير، اقتناعا منى بان هذه الحركة يقصد بتا اضعاف ما في النفس من ثقة يدين الدولة ولما ينطوى عليه من قصد سياسى وهو اضعاف معنويات هذا الشعب باضعاف عقود" وقد اثار صاحب هامش الاهرام (٢٤/ ٦/ ١٩٣٣) إلى موقف اقباط مصر من التبشير فقال: ان المسيحيين عارضوا الحملات وان جرجس فبيثاؤس عوض قال انه لم يسمع ان مسلما لجا إلى القبط لينصروه وانه قد وقع الخلاف بين الاقباط وهذه الارساليات. ولم تكد حركة التبشير في مصر تخف قليلا حتى ظهرت دعوة تبشيرية اخرى هى "البهائية" التي اصطنعت اساليب تفوق اساليب المبشرين في الاباحية والغزو عن طريق المراة، وعقد الاجتماعات ذات الاضواء الصارخة والعرى ولكن هذه الدعوة لم تلق صدى العند بعض الاغرار والسذج ولم تقو على البقاء او احراز اي نجاح، ومجمل هذه الدعوة ان بهاء الدين جاء للعصر الجديد وهو روح العصر الجديد وتهدف البهائية إلى توحيد الاديان جميعا تحت علم البهائية، وقالت للنهضة الفكرية ١٥/ ٧/ ١٩٣٣ ان البهائية اساليب تختلف عن اساليب المبشرين وتفوقهم ولهم في اباحيتهم الاخلاقية اكبير ضرر لهم. وان الذين يهدون المبشرين بالمال مدون البهائيين. وبينهما فروق ولكنهما يلتقيان عن نقطة اساسية وغاية موجودة هى الخروج عن الإسلام والتشكيك في الرسالة والنبى".

стр. 148

فى السودان وقد وجد الاستعمار البريطانى في السودان مجالا خصبا لحملات التبشير التي انطلقت منه إلى افريقيا كلها وتعالت الصيحات المتوالية بما يقع في السودان وخاصة في جنوبه من وسائل العنف والغزو لفرض المسيحية، وقد وقعت عام ١٩٣٧ احداث ضخمة اذ تبين ان اهالى المناطق الجنوبية من المسلمين لا يعاملون على قدم المساواة مع افراد الجاليات الاخرى، وانه محظور عليهم اداء واجباتهم الدينية وان هناك موانع تحول دون سفر المسلمين من شمال السودان إلى جنوبه. ونشرت (جريدة السودان- ٢٥/ ١٢/١٩٣٧) أن المبشرين يتمتعون في جنوب السواد بحماية الحكومة السودانية التي لها السلطة في ابعاد من يرون ابعاده من التجار والموظفين غير المرغوب منهم، وان المسلمين هناك يلقون عنتا في سبيل اقامة شعائر دينهم مع مساعدة المبشرين بالمال الذي تدفعه الحكومة كما عمدت بريطانيا إلى محاولة اتخاذ لهجات القبائل في جنوب السودان لغة رسمية لهم يدرسونها في المدارس لتقوم محل اللغة العربية وتحول دون انتشار اللغة التي تمكنهم من معرفة الإسلام كما منعوا التكلم باللغة العربية في هذه المناطق حتى تنشئ الرطائة الأعجمة. وقد حاول حاكم السودان الانجليزي عندما وجهت له هذه الحقائق ان يدفع عن موقفه فقال: ان ما فرض في جنوب السودان من القيود المحلية على صغار التجار وامثالهم فقد قصد به منع استغلال الاهالى الذين هم في ابسط حالات الفطرة استغلالا غير مشروع. وفيما تصل بذلك انشا الانجليز كلية غرد عام ١٩٠٣ في الخرطوم وقد جمعت لها بريطانيا ١٠٠ الف جنيه من اعيان انجليزا ونفذت فيها نظاما ربطها بالثقافة الانجليزية. *** فى الجزائر وفى الجزائر: قام الكردينالى "لاف يجرى" رئيس الاساقفة بعمل ضخم في سبيل التبشير فقد كان ينشي بعض مراكز التبشير في منتصف الطرق الموصلة بين المدن على نمط الزوايا الإسلامية لاغراء المسلمين وتنصيرهم وكان يخفى طابعها المسيحى زيادة في الخداع والتضليل، ومن ذلك المركز الذي انشاه في مدينة بسكره في منتصف الطرق بين جبال الاوراس وبحيرات شط العرب واطلق عليه اسم بيت الله وليس المبشرون فيه ليساس رواد الصحراء تثبها باللباس الإسلامي. ومما يذكر ان الكردينالى (١٨٢٥ - ١٨٩٢) لافيجرى قد عجز بعد ان امضى اسقفا في الجزائر اربعين سنة ان يحقق خطته في تنصر المسلمين وكان قد عمل في افريقيا والسودان بتكليف من البابا يبوس التاسع نفسه. *** فشل الغزو تحولت خطط الغزو التبشيرى في خلال الفترة من ١٨٣٠ - وهو تاريخ احتلال الجزائر إلى نهاية الحرب العالمية الثانية- اكثر من مرة وعقدت عشرات المؤتمرات والفت في محاربة الإسلام والقرآن والنبى محمد اكثر من مائة الف كتاب وجندت اوربا عديد من كتابها من "لهواتى" داعية الحرية إلى زويمر ولاف يجرى بل ان عددا من كبار المستشرقين قد تحولوا إلى التبشير التحقوا بوزارة المستعمرات امثال ما سينون الفرنسي وجيب المستشرق الانجليزي الموظف بوزارة المستعمرات البريطانية كما استعان التبشير بجميع الاقليات المستوطنة والطارئة في الوطن العربي لمعاونته امثال الارمن والثوريين ومهاجرا اليهود والروس. وهاجمت فرنسا اليسوعيين في بلادها وطاردتهم وحمتهم في المستعمرات وامدتهم بالعون ووضع الاستعمار التبشير مخططا يرمى إلى خلق دعوات: كالشعوبية والفرعونية والثورية، واثارة الشكوك في اللغة العربية والإسلام والتاريخ، وذلك كوسيلة لخلق جيل خاضع تابع مستغرب لا سيطرة للحرية ولا الكرامة العربية عليه. *وفي مصر وجد التبشير يعقوب ارثين باشا وكيل وزارة المعارف الذي عين المبشر "دوجلاس دنلوب" معلما في مدرسة بالاسكندرية ثم نقل إلى وزارة المعارف مفتشا ثم اصبح صاحب السلطان الاعلى على التعليم والتربية في مصر طوال فترة الاحتلال وفي ظل كرومر وظل اثره قائما طوال الفترة. وقد وجد التبشير في كثير من الاحداث سبيله إلى دفع خططه إلى التنفيذ: فاستغل صدور الدستور العثمانى ١٩٠٨ فقال استورد لروود رئيس مؤتمر

стр. 149

عام ١٩١١ في لكنوا بالهند انه بعد الانقلاب العثمانى يمكن انتهاز الرص لهداية العالم الإسلامي إلى الانجيل. كما استغلت فرصة الحرب العالمية الأولى وتقسيم الوطن العربي، وقال زويمر ان هذا التقسيم هو الذي سيقضى على الإسلام ويحقق مهمة التبشير- وكان الاحتلال البريطانى لمصر والاحتلال الفرنسي للجزائر فرصة للتوسع في وسط افريقيا، ومع كل الاعتماد الضخمة التي وجهت للتبشير في ميزانيات عدد من الدول الغربية كفرنسا وانجليزا وامريكا وايطاليا وهو لندا وبالرغم من انشاء فروع لجمعيات الشبان والشابات المسرحيات في مختلف نواحى العالم العربي فقد كانت النتيجة هى ما قاله مستر اجوين يونج المندوب السامى الفرنسي (١٩٢٨) في مؤلفه عن استعباد الإسلام: قال: "أن الإسلام قوة كبرى لا يمكن الاحاطة بتا ولا معرفتها معرفة تامة فلا العقيدة اللاتينية ولا المذهب الكاثوليكى يمكنهما ان ينالا من الإسلام شيئا او يسيطرا عليه. بل ان الامر على العكس من ذلك ان الإسلام ينتشر ويسير في هذه الطريق بخطوات واسعة". وكانت نتيجة عمليات الغزو الضخمة باسم التبشير والتي انفقت فيها الدول المستعمرة ملايين الجنيهات انه لم يحدث انتقال في صورة جماعية من الإسلام إلى المسيحية على النحو الذي كان يتخيله دعاة التبشير. وكان ذلك مخيبا لامالهم على طول الخط، فبعد اكثر من تسعين عاما من العمل المتصل (١٨٤٠ إلى ١٩٤٠) عاد المبشرون يغيرون خططهم ليحاولوا تحقيق نصر فردى في هذا المجال بعد ان عجزوا عن النصر الجماعي، غير ان كل الخطط فشلت ومؤدى هذه النتيجة ينطبق مع موقف الفكر العربي الإسلامي من الغزو الثقافي، ويجرى وفق نظرية "التحدى ورد الفعل" التي لم يظهر اثرها في أي: عمل من اعمال التغريب الثقافي كما ظهر في هذه الحركة. وقد اشار مؤلف كتاب "في الدراسات الدينية" الفرنسي إلى عجز المبشرين في مجال تحويل المسلمين عن الإسلام حيث قال: ينبغى ان نذكر ان الدين الإسلامي مخالف كل المخالفة لهذه الابراج المتشامخة التي تسقط من ضربة واحدة لان فيه قوة كامنة وصلابة ومتانة تجعله قادرا على المقاومة مقدرة تامة". *** المراجع التبشير والاستعمار: الدكتوران مصطفى خالدى وعمر فروح. حاضر العالم الإسلامي: ج ١ عجاج نوهض وشكين ارس لان. اراء واحادث في التاريخ والاجتماع: ساطع الحصري. مذكرات الدكتور محمد حسين هيكل السياسية- ج ١. مجلة الفتح: محب الدين الخطيب: (العدد ٤٤) ٥ مايو هام ١٩٣٢.

стр. 150

(٣) منهج البحث العلمي الحديث إزاء العقل العربي كان من اهم ما دعا اليه الفكر الغربي وحمل لوائه المستشرقون منهج "البحث العلمى الحديث" وهو سليم الاسس يقتضى ان تمحو من نفسك كل راى وكل عقيدة سابقة من هذا البحث. وان يبدا البحث بالملاحظة والتجربة ثم بالموازنة والترتيب ثم بالاستنباط القائم على المقدمات العلمية للوصول إلى نتيجة علمية خاضعة للبحث والتمحيص. ولم يكن الغرب الذي دعا إلى هذا المنهج محدثا في مذهبه، وانما كان قد اتخذ اساسا له من مذهب الفكر العربي الإسلامي القديم في البحث الذي دعا إلى العقل والبرهان "قل هاتوا برهانكم" والاقناع بالحجة وتقديم العقل على ظاهر النص. وقد جرى "الغزالى" على هذه الطريقة حيث اعلن في كتبه انه جرد نفسه من جميع الاراء ثم فكر واستدل حتى وصل إلى ما وصل اليه من راى على اساس الدليل والبرهان. ولذلك فان ما ادعاه الغرب من ايمان العرب بالعقلية الغبية محض امتراء لا اساس له، فقد وصفت العقلية الشرقية بأنها جزئية تنتقل من الجزء إلى الجزء الاخر دون ان تربط بين الاجزاء، ولا تبحث في المقدمات والنتائج ولا تعنى بالتحليل وهذا ما لا يتفق مع مقدمات العقل العربي ولا الفكر العربي الإسلامي عامة الذي اثبت على طول القرون علميته وبراعته في الشك والنقد والبحث عن البرهان للوصول إلى الحقائق على اساس المنطق والمقدمات والنتائج ووفق اسلوب التحليل. يقول "ابن رشد" في تصوير منهج البحث العلمى العربي: يجب علينا اذا الفينا ممن تقدموا من الامم السالفة نظرا في الموجودات واعتبارا لها بحسب ما اقتضه شرائط البرهان ان ننظر إلى هذا الذي تال من ذلك، وما اثبتوه في كتبهم، فما كان منها موافقا للحق قبلناه منهم وسررنا به وشكرناهم عليه. وما كان منها غير موافق للحق نبهنا عليه وحذرناهم منه وعذرناهم ان كل ما ادى اليه البرهان والعقل وخالفه ظاهر الشرعة فان ذلك الظاهر يقبل التاويل". ويقول الامام الثافعى في تصوير منهج البحث العلمى كما يراه: ان هذا العلم دين فانظروا عمن تاخذون منه، لقد ادركت سبعين ممن يقولون: قال رسول الله عند هذه الاساطين فما اخذت منهم شيئا. وان احدهم لو وتمن على بيت المال لكان امينا، الا انهم لم يكونوا من اهل هذا الشان". وهذا يعنى في نظر الفيلسوف العربي الاندليسى والفقيه العربي القاهرى ان يقوم البحث العلمى على اساس اهلية من يحمل العلم، والقدرة على فحص النصوص ومطابقتها الحق على اساس البرهان والعقل، وبذلك وضع الفكر العربي الإسلامي قواعد البحث العلمي واصول التفكير وحصرها في الملاحظة والاستقراء وتحكيم العقل. ولقد تخلف الفكر العربي الإسلامي من بعد عن منهجه وعلاه التراب ثم جاء الغرب فوضعه في قالب جديد دون ان يخرج به عن مضمونه ولذلك فان نظريات باكون وديكارت ليست الا صورة مما جاء في اقوال ابن رشد والغزالى والشافعى. وقد اعلن الفكر العربي الإسلامي "تطرية المعرفة" قبل الفكر الغربي بسبعة قرون، هذه النظرية القائمة على اساس الاختبار المحسوس، والاستقلال والتجربة دون التقليد، قال ابن حزم "ان المعرفة تكون اولا بشهادة الحواس، أي: باختيار لما تقع عليه الحواس وما يقول

стр. 151

العقل أي: بالضرورة من غير حاجة إلى استعمال الحواس الخمس، وببرهان راجع من قرب او بعد إلى شهادة الحواس واولها العقل. وقال ابن حزم: ان التقليد حرام. وعلى أساس نظريته التي هى من صميم الفكر العربي الإسلامي خالف كثيرا من الاقوال التي كانت معتمدة في زم وهو القائل بان الغرض من الفلسفة والشريعة انما هو "أصلاح النفس". وفيما يتصل بهذا ما عرف الفكر العربي الإسلامي من اصول النظريات السياسية المستقلة عن الفكر الاغريقى والرومانى. وقد سبقت ما انتجه العقل الاوربى. وأبحاث الامامة والعقد السياسى والعدل وتطبيقات الشيعة والمعتزلة والمرجئة وشئون المعاملات والبيعة، كلها غير مسبوقة وان كان ما ادعاه الغرب من اليونان هم وحدهم الذين عرفوا النظريات السياسية هى دعوى تغريبية تكذبها الوقائع الصحيحة. وقد صور الغزالى في كتابه (المنقذ من الضلال) أسلوبه العلمى في فهم الإسلام فقال انه رأى "صبيان النصارى ينشئون على النصرانية، وصبيان اليهود ينشئون على اليهودية، وصبيان المسلمين على الإسلام وانه لم يقتنع بهذا الدين التقليدي اليقينى ولذلك اتجه إلى ان يعلم حقائق الامور، وان يبنى دينه على يقين، ولذلك بدأ بالشك في كل ذلك حتى يقوم البرهان على صحته، وقال بالنص: كل ما اعلمه على هذا الوجه ولا اتيقنه هذا النوع من اليقين فهو علم لا ثقة به ولا امان معه وكل علم لا امان معه فليس بعلم يقينى". وتطبيقا لنظرية "المنهج العلمى العربي" نقد الفيلسوف "النظام" اراء ارسطو كما نقضها الجاحظ ايضا ونقد "البيرونى" نظريات اليونان والهند في الرياضيات. ووقف الغزالى في كتابه "المنقذ" موقف ديكارت الذي جاء من بعده. وبعد فهل طبق الغرب منهج البحث العلمى الحديث عندما بحث تاريخ الامة الإسلامية ودينها ولغتها وتراثها. وهل تجرد كتاب الغرب ومحوا من انفسهم احقادهم وخصوماتهم وتعاليهم عندما نظروا إلى تاريخ البلاد العربية ام تاثروا بنظريات جيب ورين في الفرق بين السامية والارية ونظريات الاجناس والعنصرية ورسالة الرجل الابيض. الواقع ان من ينظر إلى ما كتبه علماء الغرب يجده مليئا بالانتراءات والاكاذيب على الإسلام والنبى والقرآن وتاريخ العرب واصول دينهم وحضارتهم فهو في اغلبه جائح اصد الجنوح عن مذهب البحث العلمى الذي لا يريد الغرب حين يفرضه علينا الا اثارة الصكوك والاتهامات ومحاولة التصغير من شان بطولاتنا وامجادنا. والواقع ان نظرية قصر العلم على اساس البحث والملاحظة والاستقراء أنها وضعت اول الامر للنظريات العلمية وحدها، ثم انسحبت على الفكر والتاريخ والعقيدة غير ان الايمان بقدرة العلم المطلقة لم تلبث ان تراجعت امام الجوانب الغيبية واقدرنها بعد ان انكرتها اول الامر انكارا مطلقا. وكان "اوحست كمط" العالم الفرنسي اول من قدر ذلك حين قرن بفلسفته العلمية ديانة الانسانية. ثم تحرر العلماء من قيد النظرية وأعلنوا إلى أن العلم قد عجز عن ان يعد غذاء نفسيا للشعوب الغربية وأنه لا مفر من الالتجاء إلى اديان الشرق ومذاهبه، وقد نشات على اثر ذلك نظرية "اقتراض" الغرب لثقافات الشرق الروحية وظهر مذهب الثيوصونهية.

стр. 152

دعاة التغريب اعتمد التغريب على عناصر ثلاث (١) خليط الافكار الغريبة التي قذف بتا الفكر العربي الإسلامي دفعة واحدة، وركز فيها على النظريات التي طالما نظر فيها الغرب ورفضها وعارضها بنظريات اخرى وخاصة ما يتصل منها بانكار الخالق والشم في الاديان وتغليب جانب المادة والجنس كنظريات دارون وفروى. (٢) المستشرقون والمبشرون والعلماء الذين وردوا إلى الشرق في افواج متوالية وتحت اسماء وشعارات مختلفة، والذين حملوا معهم افكار جوبنيو ورين حول فوارق اللون والعقل بين الارية والسامية ورسالة الرجل الابيض، وقد حرص هؤلاء الكتاب والعلماء على نقل اسوا الصور، والاتهامات والاخطاء وكانوا بطبيعة الدراسات التي تلقوها واستعدادهم الطبيعى- الا القليل من المنصفين احرار الفكر- منحرين استعماريين. ولذلك كانت كتاباتهم جميعا بعيدة عن نزاهة النهج العلمى الحديث، متعارضة مع الحقائق والوقائع. (٣) كتاب العالم العربي المتغربين، الذين سافروا في بعثات علمية إلى فرنسا وبريطانيا وامريكا، والتقوا هناك باساتذة من علماء التبشير والاستشراف فارتبطوا بهم فكريا وحملوا لواء نظرياتهم إلى الوطن العربي. وترجع النظريات التي حملتها كثير من الدراسات والتي احدثت ضحت في بلادنا إلى اقتباساتها من اراء هؤلاء الكتاب وهى لا تخرج في مجموعها عن اراء مرج ليوث ودور كهين وليفي يريل وماس نيون ومرسى وجميعهم مستشرقون متعصبون لليهودية او المسيحية، يخدمون الاستعمار ويحقدون على الإسلام واللغة العربية. ومن امثلة ذلك ما تاثرت به رسالة (منصور فهمي) عن المرأة في الإسلام التي كتبها عام ١٩١٣ باراء ليفي تريل الاسرائيلى كما تاثرت رسالة طه حسين عن ابن خلدون (١٩١٨) باراء دورك هيم وتاثرت رسالة طه حسين عن الشعر الجاهلي باراء مرج ليوث وماس نيون. وأبرز مظاهر عمل هذه الطائفة: "التشكيك" فهؤلاء اقرب بالطبع إلى اهل وطائهم ويكتبون باللغة العربية، ولذلك فان كتاباتهم من شأنها ان تجد قبولا خاصا اذا قامت بناء على منهج مرسوم، فيه الموالاة والتدرج والتكرار، وقد قام بهذا العمل كتاب كثيرون وصحف كثيرة من اهمها المقتطف والمقطم وكان اجرا كتاب هذه الدعوة: فرح انطوت وسلامة موسى وإسماعيل مظهر وطه حسين. وهناك كتاب قاموا في مطلع حياتهم بهذا الدور ثم تخلوا عنه بعد ان تكتشف لهم الحقائق من هؤلاء: منصور فهمي والدكتور هيكل وزكى مبارك. ومما يذكر ان هناك كتاب سافروا إلى أوربا ودرسوا بتا واتصلوا بالمستشرقين والعلماء ودعاة التغريب ولكنهم استطاعوا الاحتفاظ بروحهم العربي الأصيل. ولقد كان الكتاب المتغربون يوما من الأيام سلاحا باترا ازاء كل قلم كريم او راى حكيم، وكانوا يهاجمون كل دعوة إلى الاعتدال في نقل الحضارة او المحافظة على الدين والقيم او مقومات الشخصية العربية او تراث الإسلام فما ان تنطلق دعوة من هذه الدعوات حتى تخرج لها اقلام دعاة التغريب لتدحرها متهمة اياها بالرجعية والسطحية والخيانة للحضارة ومقاومة تيار التدن ومعارضة التطور. ويمكن أن توصف كتابات هؤلاء الكتاب بأنها حملة تغريبية ثمالة متعددة الجوانب، فقد تناولت اللغة والزى والدين والمجتمع والمرأة وموقفنا من الشرق والغرب واقليمية الادب والايمان بفرنسا ومهاجمة الشريعى الإسلامية. وهاجم طه حسين أحمد زكى باشا شيخ العروبة لانه مجد مدينة العرب واشاد بتا وكشف عن حقائقها ورد اخطاء المستشرقين وكشف عن بغضهم ومغالطاتهم. واتهم سلامة موسى العرب بانهم دبروا هجوما على المدنيات الرومانية والافريقية.

стр. 153

وقال ان إسماعيل باشا اعظم من مصطفى كامل لانه سبق إلى اتخاذ قانون نابليون كما اعتبره زعيم المجددين. *** المتعصب والتسامح بين الإسلام والمسيحية والكاتب (فرح انطوت) نموذج لهؤلاء الكتاب في اتهاماته للإسلام بالتعصب والمسيحية بالتسامح (الجامعة -يوليه ١٩٠٢) قال: "اى كان اكثر تسامحا واقل تعصبا فما يختص بالعلم والعلماء: الدين المسيحى ام الدين الإسلامي فمنهم من يرى ان الدين المسيحى كان اكثر تسامحا من الدين الإسلامي لان بعض علماء النصرائية وكتابها قالوا فيها اقوالا في منتهى التطرف والغلو والتحامل ومع ذلك لم يضرهم شئ، ويرد عليهم اخرون يقولون ان الدين الإسلامي ك اكثر تسامحا من الدين المسيحى فانكم هل رايتم في تاريخ الدين الإسلامي علماء يحرقون وهم على تبد الحياة لانهم انكروا ما انكروه كما جرى في ديوان التفتيش في اسبانيا، كلا. اننا نرى ان السلطة المدنية في الإسلام مقرونة بالسلطة الدينية بحكم الشرعة لان الحاكم العام هو الحاكم وخليفة معا. وبناء على ذلك يكون في هذه الطريقة اصعب منها في الطريقة المسيحية، فان الديانة المسيحية فصلت بين السلطتين فصلا بديعا مهد للعالم سبيل الحضارة الحقيقية والتمدن الحقيقي: وذلك بكلمة واحدة: اعطوا ما لقيصر وما لله لله. ثم ان العلم والفلسفة قد تمكنا إلى الابد من التغلب على الاضطهاد المسيحى ولذلك نما غرسهما في تربة اوربا واينع ثمر التمدن الحديث ولكنهما لم يتمكنا من التغلب على الاضطهاد الإسلامي" ا. هـ. *** رد محمد عبده "انى اعمل في الجوانب بما يلاقى هذين الحكمين اجمالا: اما الاول فان كان الانجيل فصل بين السلطتين بكلمة واحدة فالقرآن قد اطلق القيد من كل راى بكلمتين كبيرتين لا كلمة واحدة "لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغى". اما الثانى: فاسال الجامعة في جوابه: اين الاضطهاد الواقع على العلماء اليوم عند المسلمين واين اولئك العلماء المضطهدون. واريد بالعلماء اولئك الذين يساوون من ذكرتهم من فولتير وديدرو ورثو وامثالهم. فاذا ارادت- أي: مجلة الجامعة- شاهدا على حال المسيحية والعلم فلتمر بنظرها اليوم على اسبانيا ولتقف برهة من الزمان لتحكم. يمكنها ان تعد من طلبة العلوم المسلمين مئين من مدارس المسيحيين من جوزيت وقرير وامريكان. فهل يمكننى ان اجد طالبا واحدا مسيحيا في مدرسة دينية إسلامية يباح الدخول فيها لكل طالب علم من أي: مله، لا نجد الا قليلا منهم في مدارس الحكومة، فهل سمع ان والدا اضطهد لانه بعث بولده إلى مدرسة مسيحية يديرها فسوس مسيحيون، الا يعد هذا من تسامح الإسلام مع العلم اليوم. ومثله اشتراك المسلم في الجرائد المسيحية وعدم اشتراك النصارى في الجرائد الإسلامية الا نادرا. ولا يجوز في شريعة الانصاف ان يذكر المسلمون في جانب جمهور المسيحيين اذا ذكر الغلو في التعصب الدينى فضلا عن ان يقال ان المسلمين اصد افراطا فيه، وما طالب الحقيقة الا ان يسبح يفكر، في مثل المستعمرات الهولندية في الشرق ومملكة الترنسال قبل سقوطها وبلاد الناتال في الجنوب ثم يرجع إلى الجزائر وما يليها من جهة الغرب ليعلم كيف تكون الشدة في المعاملة مع غير اهل المذاهب المسيحية وكيف يبلغ التعصب من اهله حدا تنظر اليهم فيه الانسانية شررا. ولا تقبل لهم فيه المدينة عذرا. *** الفكر العربي بين الغينية والسطحية وكتب إسماعيل مظهر في المقتطف (١ فبراير ١٩٢٦) يهاجم الفكر العربي ويرميه بالغيبية والتحلل والسطحية قال: اذا نظرت فيما اثار التخلخل والتشعب. ما هو جدير بان يبرز في عصر عكف فيه الفكر على طريقة الشك الغربي ولم يعدها إلى طريقة التحليل

стр. 154

والنقد. وذاعت بينهم مذاهب فلسفية نقلها المترجمون وجلهم من النساطرة واليهود ووثنى حران عن اليونان. ولكنك لا تجد عندهم مدارس فلسفة نسب اليهم ابتكارها فليس عندهم مدرسة تعزى إلى الفارابى او ابن رشد او ابن نسينا مثلا. فالمذهب الفلسفي ظل رايا فرديا عند العرب. هذه العقلية بذاتها هى التي ورثها السيد الافغانى عن العرب، عقلية وقفت عند حد الاسلوب الغيبى لم تمده وتنكبت كل سبيل كان من الممكن ان يصل بتا إلى الاسلوب اليقينى. ورد عليه الامير (مصطفى التهابى) المقتطف نوفمبر ١٩٢٦ فقال: اليونانيون ساروا في بعض اتجاهاتهم العلمية على الاسلوب اليقينى وحادوا عنه في بعض اخر- وكذا أجدادنا العرب- وقد يكون اليونانيون اقرب إلى الأسلوب اليقيني من العرب اجمالا، ولم ينفرد العرب باتباع الاسلوب اليقينى فلا غضاضة اذن عليهم بل على العكس كانت علومهم المستمدة من علوم اليونان والفرس والهنود متاثرة بتاثير باقى الاقوام في هاتى العصور المظلمة. فالعرب وهم تلامذة اليونانيين قام منهم عدد غير قليل ممن اتبعوا الاسلوب الغيبى في ابحاثهم فاثبتوا حقائق ستظل فخرا لهم إلى الان وخلاصة الرؤى انه يجب اما ان نقول بان العرب كانوا كاليونانيين والرومانيين يتبعون الاسلوب الغيبى في بعض ابحاثهم واليقينى في البعض الاخر. واما ان نحكم على الاقوام الغابرة جميعا حكما صارما فنقول انهم اصحاب اسلوب غيبى على الاطلاق وان الاسلوب اليقينى لم يوجد الا في عهد اسحاق نيوتن وديكارت وفي هذه الحالة يشمل الحكم اليونانيين بالاريب.

стр. 155

دعوات التغريب تعددت دعوات التغريب، وظهرت في كل بقعة من الوطن العربي دعوة منها تختلف عن الدعوة التي تظهر في المكان الاخر، وهى منوعة بين معالم المزج بين الاديان، او هدم بعض هذه الاديان، او التغريب الكامل والهجوم على الإسلام والشرق واللغة العربية وظهرت دعوة إلى الايمان بالغرب ايمانا كاملا وكذلك إلى الأدب المحلى والى تقديم المستشرقين على علماء العرب في فهم الإسلام والقرآن والدين، وهناك دعوات فرنسا الام والهجوم على الإسلام في موقفة من المرأة ونظرية ديكارت وغيرها. وقد تحدثنا عن هذه النظريات في اماكن متعددة من هذه الدراسة وهذه نظرة عامة اليها: *** توحيد الإسلام والمسيحية من بين دعوات التغريب والغزو الثقافي: دعوة التوحيد بين الإسلام والمسيحية وقد بلغت هذه الدعوة قمتها حين أيد الاستعمار الحركة البهائية باعتبارها "دينا" جديدا يتمشى مع روح العصر وتهدف إلى توحيد الاديان جميعا تحت علم البهائية وقد تعدد الدعاة التي قدموا إلى العالم العربي يحملون الدعوة إلى محاولة التقاء الإسلام والمسيحية في دين واحد. وقد جرى سجال في هذا الشان بين الشيخ محمد عبده واحد القسس الانجليز عام ١٨٨٧ في دمشق ابان نفيه. وعندى أنها دعوة ماكرة مغرضة لا تستهدف الا القضاء على الإسلام او التشكيك في شانه. وقد روى الشيخ حمزة فتح الله للدكتور حسين الهراوة (٨ يوليه ١٩٣٢ السياسة الاسبوعية) انه وفد على القطر المصري في اوائل هذا القرن رجل فرنسي يقال له (جيارة) اخذ يفاوض المفكرين العرب ورجال الأزهر في فكرة توحيد الاديان، فلما ذهب إلى الشيخ حسن الطويل شيخ الأزهر: قال له: ان الفروق بين الاديان مسائل فرعية الغرض منها الدعوة إلى الخير، والنهى عن الشر فماذا علينا لو عملنا على ادماج هذه الاديان. ويروى حمزة فتح الله ان الشيخ حسن الطويل كان يتناول افطاره فلم يلبس ان ابتسم، وقال للمبصر جبارة في تهكم: -هل لق يا خواجة في اكلة لذيذة من الفول المدمس وقال "منيا إبراهيم" احد رجال المسيحية في مصر لجبارة: انه من الخير للعالم والانسانية ان بهمل فكرته حتى لا ياتى بمذهب جديد فاستكثر الملل والمنحل! ٢ - ومما يتصل بهذه المؤامرات ما ذكره "بانت" من ان احد القسس الانجليز (اسحاق تيلور) التقى بالشيخ محمد عبده في دمشق اثناء منفاه ١٨٨٧ وكان يقوم بالدعاية لتوحيد الإسلام والنصرانية. ٣ - وقد عقد المستشرقون والمبشرون عددا من المؤتمرات الخاصة للبحث في تاريخ الاديان من اهمها مؤتمر باريس ١٩٣٣ الذي اشتركت فيها جامعات فرنسا وانجلترا وسويسرا وامريكا وايطاليا وبولونيا واسبانيا وهو لندا والمتانة. وفي مؤتمر الاديان الدولى ببروكسل عام ١٩٣٥ القى الشيخ امين الخولى بحثا عن صلة الإسلام باصلاح المسيحية اثار فيه إلى ما قامت به اوربا من اقتباس الاصلاح الدني من الإسلام وقال: ان اثر الإسلام في حياة اوربا الدينية لا يقل ابدا عن اثره في حياتها الفلسفية والعلمية والفنية. وفي مؤتمر الأديان العالمى (يوليو ١٩٣٦) الذي دعا إلى تضافر جميع الاديان في سبل الإسلام وعقد في لندن واعلن انه يرمى إلى تعزيز روح الأخاء والزمالة بين الشعوب على اختلاف اديأنها وجنستها، وأن الاتفاقات

стр. 156

السياسية عجزت عن ايجاد أساس صحيح لسلام العالم وان في وسع كل ديانة ان تساهم في حل مشكلة العالم الفكرية، وقد دعى الأزهر إلى الاشتراك في هذا المؤتمر لتمثيل الإسلام، وكتب شيخ الأزهر مصطفى المراعى رسالة عن المثل الأعلى للروحية صور فيها مفهوم الإسلام لرسالة السلام. ٤ - والواقع أن "التوفيق" بين الإسلام والمسيحية- وليس توحيدها هى الدعوة التي حملها الابرار في الوطن العربي لمقاومة النفوذ الاجنبى الذي كان يعتمد دائما على التفرقة بين الطوائف والاديان ويناصر احدها على الاخر". وقد كان "التوفيق" بين الإسلام والأديان الاخرى اتجاه قديم معدود من أصول الشريعة. وفي التاريخ الحديث التقى الهلال والسليب في ثورة عام ١٩١٩ المصرية، كما ترابطت المشاعر باسم الوطنية في أنحاء الوطن العربي وحمل المسيحيون في الشام لواء الدعوة إلى القومية العربية ومزج الكتاب المسيحيون بين عواصف الإسلام والعروبة والتغنى بالتراث العربي الإسلامي وبطولة محمد وعمر خالد باعتبارها بطولات عربية وقد مجد كتاب العرب من المسيحيين النبى محمد على اساس انه مفخرة للعرب واسمى مارون عبود ابنه محمدا وكتب لبيب الريان وسيلى ملاقط والياس فاعور ونجيب نصار وجورج سلستى والتقى المسلمون والمسرحيون في معركة الجريه. وأشار توماس ارن ولد في كتابه "الدعوة إلى الإسلام" بان الكنيسة المسيحية قويت وتقدمت في رعاية المسلمين وحكمهم، وان جميع المذاهب المسيحية كانت تتمتع بالرعاية والتسامح من الحكام المسلمين على حد سواء. بل ان هؤلاء الحكام من المسلمين كانوا هم الذين يمنعون اضطهاد بعض المسيحيين للبعض الاخر ويكفلون الحرية الدينية للجميع" وقد التقى راى قادة الإسلام والمسيحية على العمل لصيانة هذه الوحدة فقد حدث عام ١٩٣٠ ان ارسل الشيخ اللبان شيخ معهد الاسكندرية خطابا إلى الانبا يؤنس بطريرك الاقباط يقول فيه: ان فرقا تهوسا ممن ترعاه الكنيسة المرقصية يعمل على هدم ما بناه العقلاء ويدبر الحملات الطائشة ضد الإسلام دين الدولة الرسمى معرضا بذلك الوطن لاعظم الاخطار فاجاب الانبا يؤنس بقوله: "اذا وجد فرد أو أفراد يعملون ضد الوحدة المقدسة بالظن في الدين الإسلامي الذي هو دين اخواننا في الوطنية فانهم يكونون من شر الجناة على الوطن. ٥ - وقد اجرت مجلة الهلال استفتاء (ابريل ومايو عام ١٩٣٩) في شان توحيد الإسلام والمسيحية فكان راى علماء المسلمين (فريد وجدي) ان الإسلام جاء للتوفيق بين جميع الاديان ورفع اسباب الخلاف بينهما. وقال ان الإسلام يتقدم إلى الناس لا باعتبار انه دين جديد ولكنه باعتبار انه دين البشرية الاقدم خالصا من جميع الشوائب التي الحقتها به الاجيال المتعاقبة. وقال القس إبراهيم سعيد: ان الدين ليس غاية في ذاته ولكنه وسيلة لغاية وقال انه يعتقد بامكان توحيد الاديان لا بيتر جزء من هذا الدين وجزء من ذاك الدين ليتكون منهما دينا واحدا، وانما اعتقد بتوحيد الاديان على اساس روحى يحتفظ فيه كل بحسمه. وقال القمص سرجيوس: ان هناك اتحادا ممكنا هو ان تتحد المسيحية والإسلام في محاربة الإلحاد والاباحة. ومعنى هذا ان مؤامرة استعمارية فكرية استهدفت الغزو الثقافي والتجزئة والقضاء على الإسلام او تشويهه قد فشلت ايضا لان عقائد الفكر العربي الإسلامي وقيمه استطاعت بعمقها وحيويتها ان تقاوم كل تيار من تيارات التغريب. *** ٢ - التغريب الكامل وهناك دعوة تغريبية أخرى هى: الاتجاه المطلق إلى الغرب وقد حمل لوائها سلامة موسى وطه حسين. ويعارض (سلامة موسى) الشرقية والعربية والإسلامية ويهاجم اللغة العربية والدين والقومية العربية ويدعو إلى التغريب الكامل وهذه مجمل آرائه: ليس هناك حد يجب أن نقف عنده من اقتباسنا من الحضارة الاوربية. لنا من العرب الفاظهم ولا اقول لغتهم. بل لا اقول كل الفاظهم، فاننا ورائنا عنهم هذه اللغة العربية. وهى لغة بدوية لا تكاد تكمل الاداء اذا تعرضت لحالة مدنية راقية كذلك التي نعيش بين ظهرانيها الآن.

стр. 157

×نحن في حاجة إلى ثقافة حرة ابعد ما تكون عن الاديان. ولا باس من ان تعتمد على الترجمة إلى حد بعيد حتى يتحضر العلم وتتحضر الفاظه. علينا أن نرتبط باوربا وان يكون رباطنا بتا قويا .. نتزوج من أبنائها وبنائها. وننظر للحياة نظرها، ونجعل ادبنا يجرى وفق ادبها، بعيدا عن منهج العرب ونجعل فلسفتنا وفق فلسفتها وتؤلف عائلاتنا على غرار لعائلاتها. اصطناع القبعة أكبر ما يقرب بيننا وبين الاجانب ويجعلنا أمة واحدة، القبعة هى رمز الحضارة يلبسها كل رجل متحضر. أن الحركة التي قامت في العالم الماضى، وكانت غايتها اصطناع القبعة قاومها زعماؤنا وقتوها في مهدها، فاثبتوا بذلك انهم لا يزالون اسيويين في انكارهم لا يرغبون في حضارة أوربا الا مكرهين. الجامع الأزهر يبث فيه ثقافة القرون المظلمة- واذا كانت الرابطة الدينية سخافة فان الجامعة الدينية وقاحة. كلما ازددت خبرة وتجربة وثقافة توضحت أمامى أغراضى في الأدب، كما أزاوله فهي تتلخص في انه يجب علينا أن نخرج من آسيا وأن نلتحق بأوربا فانى كلما زادت معرفتى بالشرق زادت معرفتى بأوربا زاد حبى لها وتعلقى بها. وزاد شعورى بأنها منى وأنا منها، هذا هو مذهبى الذي أعمل له طول حياتى سرا وجهره فأنا كافر بالشرق مؤمن بالغرب. -نريد من الأدل أن يكون أدبا أوربيا ٩٩ في المائة قائم على المعنى والقصد. لا على اللفظ كما كان الحال عند العرب. -نريد من التعليم ان يكون تعليما اوربيا لا سلطان للدين عليه ولا دخول له فيه. أن هذا الاعتقاد بأننا شرقيون قد بات عندنا كالمرض. ولهذا المرض مضاعفات. فنحن لانكره الغربيين فقط ونتافف من طغيان حضارتهم فقط. بل يقوم بذهننا انه يجب ان نكون على ولاء للثقافة العربية، فندرس كتب العرب ونحفظ عباراتهم عن ظهر قلب كما يفعل ادباؤنا المساكين امثال المازنى والرافعى وندرس ابن الرومى ونبحث عن اصل المتنبى. ونتعصب للجاحظ وليس علينا للعرب أي: ولاء. ثم يجب ان نذكر ان ادمان الدرس للعرب يشتت الادب المصري ويجعله شائعا لا لون له. الرابطة الشرقية سخافة. اننا في حاجة إلى رابطة غربية. عندى أن قليلا جدا من الفاظ اللغة يكفينا بلا حاجة إلى هذه القائمة التي لا تكاد تخلو منها صحيفة من الصحيح والخطأ. واذا كانت ٨٥٠ كلمة انجليزية تكفي الانجليز فلماذا لا تكفينا مثله وضعفه أو ثلاثة أضعافه. أرى أن مصلحتنا ومصلحة العالم كله أن نغرس في أذهان جميع العرب في مصر والعراق وسوريا وشمال أفريقيا أنهم اوربيون سلالة وثقافة وأنهم يجب عليهم ان يسيروا سيرة الشعوب الأوربية تثقفون بثقافتهم ويتعودون بعاداتهم. أن العلماء يتجهون إلى القول بأن مصر هى التي انشئت الحضارة في العالم وان المصريين القدماء لم يكونوا امة شرقية بل كانوا امة غربية الدم والمزاج. حرمان لغتنا من كلمات الثقافة العصرية هو لذلك حرمان للامة من المعيشة العصرية، فنحن ما زلنا نعيش بكلمات الزراعة، ولما نعرف كلمة الصناعة ولذلك فان عقليتنا قديمة جامدة متبلدة تنظر إلى الماضي. حتى اننا نؤلف في ترجمة معاوية ابن ابى سفيان في الوقت الذي كان يجب ان نؤلف عن هنرى فورد أو كارل ماركس. بلاغتنا التقليدية هى بلاغة الانفعال والعاطفة في الوقت الذي نحتاج فيها إلى تاكيد المنطق والعقل. ما تحمل اللغة من رواسب تاريخية قد يعود علينا بالضرر لأنها كانت تخدم مجتمعا ربما كانت فضائله معدودة بين الجرائم في سلوكنا العصرى.

стр. 158

٣ - الايمان بالقرب ويؤمن "زكى نجرب محمود" بالغرب ايمانا مطلقا: يقول: من الغرب تمنيت لو اشرق على بلادى شعاع من نور، من الغرب الذي شاءت له ارادة الله ان يكون في عصرنا مبعث المدينة ومنار. ومنه ينتج العلم والفلسفة والادب والفن. وتنشا النظم الاجتماعية والسياسية. وبين اهله تقوم الثورات التي نحطم اسوار القديم لتنبت في الارض نباتا جديدا. اننى في ساعات حلمى، حين احلم لبلادى باليوم الذي اشتهيه لها فأنها اصورها لنفسى وقدك تبنا من اليسار إلى اليمين كما يكتبون. وارتدينا من الثياب ما يرتدون. واكلنا كما تاكلون. لنفكر كما يفكرون وننظر إلى الدنيا يمثل ما ينظرون". *** الادب المحلى دعا كثير من دعاة التغريب وفي مقدمتهم امين الخ ولى إلى اقليمية الادب وخلق ادب اقليمى "متميز موسوم بسمة الاستقلال ومطبوع بطابع البيئة المحلية بدلا من الادب المشترك الذي (لا يميز اقليما على اقليم ولا بيئة على بيئة) ويرى ان عوامل البيئة المحلية تفرق بين الاقطار العربية "اقرا كتابه في الادب المصرى". *** علماء الأزهر والمستشرقين ويرى طه حسين ان "المستشرف بول كازانوفا" اعظم علما في الإسلام نفسه من علماء الأزهر ويقول (٢٧/ ٣/ ١٩٢٦ السياسة اليومية): "عرفته استاذا في الكوليج فدى فبرانس ولم اكد اسمع له حتى اعجبت به اعجابا لم اعرف له حدا. كان يفسر القرآن وكنت حديث العهد بباريس، وكنت شديد الاعجاب بطائفة من المستشرقين، ولكنى لم اكن اقدر ان هؤلاء المستشرقين يستطيعون ان يعرضوا في اصابه وتوفيق لالفاظ القرآن ومعانيه والكشف عن اسراره واغراضه. فلم أكد اجلس إلى كازانوفا حتى تغير رايى او قل حتى ذهب رايي كله وما هى الا دروس سمعتها منه حتى استيقنت ان الرجل كان اقدر على فهم القرآن وامهر في فهمه وتفسيره من هؤلاء الذين يحتكرون علم القرآن ويرون انهم خزنته وسدنته واصحاب الحق في تاويله. كان كازانوفا مسيحيا شديد الايمان بمسيحيته يذهب فيها إلى حد التصوف. ولكنه كان اذا دخل غرفة الدرس في الكوليج فدى فراس نسى من المسيحية واليهودية والإسلام كل شئ الا ان لها نصوصا يجب أن تخضع للبحث اللغوى كما تخضع المادة للعلماء. نعم لم يكن مسلما ولكنه لم يكن مسيحيا ولا يهوديا ولا متدينا حين كان يعرض لنص من نصوص القرآن يدرس لفظه ويكشف معناه ويبحث عن تاريخه وظاهر في هذا القول معنى الخداع فكازنوفا ليس الا مستشرقا متعصبا ضد الإسلام يلبس مسوح البحث العلمى ويتخذه وسيلة لمهاجمة الإسلام والتشكيك فيه. *** نقل الحضارة وما يعاب وما يكره "ودعا طه حسين ان (نسير سيرة الاوربيين وتسلك طريقهم) وان نقبل من الحضارة (خيرها وشرها وحلوها ومرها وما يحب منها وما يكره وما يحمد منها وما يعاب) وقال "ان العرب غزاة دخلاء على المصريين وان صلة مصر بالغرب اوثق منها بالشرق. وانه لا سبيل لنا ان نفعل غير هذا لاننا التزمنا امام اوربا ان نذهب مذهبيها في الحكم ونسير سيرتها في الادارة ونسلك طريقها في التشريع في معاهدة موترو". *** عرب المغرب كما هاجم الدكتور طه في رسالته عن "ابن خلدون" عرب افريقيا الشمالية ورماهم بالهمجية والتوحش قال: ان الفرنسيين قد عانوا مشقة شديدة في سبيل اخضاعهم .. وزعم ان ابن خلدون مخطئ في اسناده هذا العصيان من عرب المغرب إلى العزة والاباء. وقال ان الفرنسيين انفسهم قد عانوا ولا يزالون يعانون موثقات فادحة في مراكش في سبيل بسط حضاراتهم عليها، ولم يستطيع الرومان ولا الإسلام ان يلطعن من اخلاق هذه القبائل أو

стр. 159

يروضاها على الحياة للشعوب المتمدينة ولكن الحضارة الحديثة مع ما لديها من وسائل أقوى وانفذ قد تصل إلى هذه الغاية يوما ما ا. هـ (ص ١٠٨) ولا شك ان هذا البحث ليس لوجه العلم ولا نصرة الحق وانما هو ارضاء للمستعمرين وتسمية الاشياء بغير وحمايته شا والاقتباس من الحضارة شا آخر وان اياء وحمايته شا والاقتباس من الحضارة شا آخر وان اباء المغرب وعزته ووقوفه في وجه الاستعمار لا يمكن ان يوصف ابد بالتوحش والهمجية الا من كتاب التغريب الذين ينقادون وجهات نظر المستعمرين بالفاظ عربية. *** فرنسا الام وقد شاد بعض كتاب العرب ومصر خاصة بفرنسا عندما تحطمت امام الغزو الالمانى وخرت، ونظمت في رثائها القصائد وقال الكتاب عنها أنها- أي: فرنسا- هى الوطن "روحى لهم، حدث هذا في مصر في الوقت الذي كانت قنابل فرنسا تضرب دمشق والجزائر وتونس ومراكش وقال على الطنطاوى (دمشق) لزكى مبارك (القاهرة) لقد اثرت صلة هواك بملاهيها- أي: فرنسا -وحبك لغايتها على صلتك باخوانك الذين سقاهم ابناء النور الصابغ واردوهم مورد، اثرت هذه على سلة الدم واللسان والإسلام ما كان لق ان تنساها. وقال: ان الاستاذ الزيات صاحب الرسالة شريكك فيما اعاتبك عليه وقال الزيات: يجب التفريق بين فرنسا السياسية وفرنسا الروحة، فانه لو فعل ذلك او اكفنا على ان فرنسا الروحية هى الوطن الفكرى لكل اديب. وهذا كلام مضلل. لأن فرنسا المستعمرة هى فرنسا الروحية، وان ابرز معالم الفكر الفرنسي هو التفرقة بين السامية والارية، وبين الرجل الابيض والرجل الملون، وان دعوى المساواة والحرية والاخاء وأنها هى كلمات براقة لا تعرفها فرنسا خارج فرنسا". *** المرأة والإسلام ووقف الدكتور فخرى في الجامعة الأمريكية بالقاهرة (٤ فبراير ١٩١٠) وهاجم الشريعة الإسلامية بأسم العلم وطعن على الدين باسم الانتصار للمرأة وقال الدكتور فخرى أن الشريعة الإسلامية مخطئة لعدم مساواة الرجل والمرأة في الميراث. *** طريقة ديكارت ودعا دكتور محمد كامل حسين في مقال له أن يتقدم باحث جرئ ليحمل لواء رسالة ديكارت كما حمل لطفي السيد رسالة ارسطو وقال "يجب ان نخطو الخطوة التالية في تطور حياتنا الفكرية على الطريقة الغربية. وسيتم ذلك حين يقوم بيننا من يدعو إلى ديكارت على طريقة لطفي السد إلى ارسطو، ولن يكون ذلك بمجرد نقل مؤلفاته إلى العربية وانما يكون بقيام رجل فيه روح التفكير التحليلى والايمان به والاستعداد الخاص له وان يكون دعوته إلى طريقة دكار بان يكون مثلا حيا لهذه الطريقة يحمل الناس عليها.

стр. 160

صراع الثقافات الغربية كان للثقافات الغربية الثلاث (الفرنسية والانجليزية والأمريكية) أثرها في الفكر العربي الإسلامي المعاصر, وكان صراعها بعيد المدى, وذلك لأن لكل منها اتجاها وطابعا وأسلوبا مغايرا لأسلوب الثقافة الأخرى. لقد بدأت الارساليات الثلاث عملها في العالم العربي على هيئة الغزو, كان أسلوبها السيطرة, كانت تحمل لواء الدعوة الدينية اللاهوتية التبشيرية في أول الأمر ثم تحولت عنها إلى أسلوب التعليم الغربي بما يحمل من دعوة كل ارسالية الي تعزيز لغة دولتها وثقافتها. وقد كان بين الارساليات الأمريكية والفرنسية تنافس واضح بعد منتصف القرن التاسع عشر في لبنان ومصر ثم لم تلبث الارساليات الانجليزية أن ازدادت قوة بعد احتلال مصر ودخلت في صراع عنيف مع الارساليات الفرنسية مما خلق مشكلة الصراع بين الثقافتين الفرنسية والبريطانية في مصر, أما في لبنان فقد ظلت الارساليات الأمريكية والفرنسية تتنازعان السلطان والدعوة للثقافتين السكسونية واللاتينية. أما في المغرب العربي فقد سيطرت الثقافة الفرنسية سيطرة كاملة منفردة منذ بدأت تحتل هذا الجزء من الوطن العربي. وعندما عاد رفاعة الطهطاوى وعلى مبارك في الأربعينات من القرن التاسع عشر كان شعارهما "نقل الوجوه الحسنة من مدينة الغرب ونبذ السئ منها" وقد تحول هذا الاتجاه من بعد في بعثات العشر بينات من القرن العشرين عندما ارتفع الصوت بالتغريب الكامل. ولاشك أن الثقافة الفرنسية كانت ذات أثر منذ قدم نابليون إلى مصر وعندما توثق اتصال محمد على بفرنسا سياسيا وثقافيا واتجهت البعثات إلى فرنسا وتأثرت تركيا العثمانية بفرنسا بعد اعلان دستور الثورة الفرنسية بعد عام ١٧٨٩ مما وجه أنظار دعاة الاصلاح العثماني أمثال نامق كمال ومدحت إلى اقتباس النظم الأوربية وخاصة الدستور الفرنسي, واتسع أمر المطالبة بالدستور فشمل تركيا ومصر وتونس. فلما وقع الصراع بين دعاة الاصلاح من الاتحاديين في تركيا وبين السلطان عبدالحميد كانت فرنسا موئلا لهم ولما وقع الخلاف بين مصر وبريطانيا احتضنت فرنسا كل مقاومى بريطانيا فوردها جمال الدين ومحمد عبده وأصدرا بها جريدة العروة الوثقى ووردها دعاة القومية العربية وأقاموا بها مؤتمر باريس ١٩١٩ ووردها مصطفى كامل وكان ذلك جزءا من خطة الصراع الاستعمارى بين فرنسا وبريطانيا. ولقد حرص دعاة الثقافة الفرنسية إلى الربط بين البلاد العربية وبين الثورة الفرنسية وقالوا أن الحملة الفرنسية هي بداية اليقظة في العالم العربي. ولطالما رددوا أن الثورة الفرنسية كانت ثورة (سياسية) لأنها انتهت بقلب نظام الحكم الملكى في فرنسا إلى نظام جمهورى (واجتماعية) لأنها ردت إلى العامة امتيازات الاشراف ورجال الدين ومحت الفوارق التي كانت قائمة بين طبقات الشعب الفرنسي و (اقتصادية) غيرت نظام الضرائب والرسوم الجمركية وألغت نظام الاحتكار ورفعت القيود التي كانت على الصناعات وانتزعت أملاك الكنيسة وجعلتها ملكا للأمة. ولكن هل كان العرب في حاجة إلى مثل هذه الدعوة إلى الحرية والأخاء والمساواة وهل كانت هذه البادئ جديدة بالنسبة لثقافتهم وتراثهم. وان اعلان حقوق الانسان في ٢٦ أغسطس ١٧٨٩ قد وقع بالنسبة للعرب من قبل ذلك بألف عام. والواقع أن اليقظة العربية بدأت بحركة محمد بن عبدالوهاب وهي حركة سابقة على الثورة الفرنسية وفيها كل معانى "النهضة" على النحو الذي عرفه المشرق, فاذا كانت عوامل الثورة الفرنسية قد نقلت الى

стр. 161

الشرق بعض المعانى المستحدثة للحرية كانت هذه المعانى اساسا موجودة في الثقافة العربية لوم تكن جديدة عليها. وأن موقف العلماء عام ١٧٩٥ في تحرير الشعب من ظلم الحكام وتوقيع وثيقة حقوق الانسان العربية في مصر انما جاء قبل أن تستكمل الثورة الفرنسية نضوجها, ولم يكن تقليدا لها, وانما كان انبعاثا من واقعنا العربي الإسلامي, فققد أحرز العلماء نصرا بارغام إبراهيم بك ومراد بك على أن يوفعا حجة عامة يتعهدان فيها بأن يتوبا عن المظالم ورجعا إلى الحق ويكفا أتباعهما عن امتداد أيديهم إلى أموال الناس وأن يسيرا في الناس سيرة حسنة. ثم كانت ثورة الأهالى على الحاكم خورشيد واقصائه تحمل نفس المعنى المستمد من المفهوم العربي للحرية وقد قال عمر مكرم بالنص: "لقد كان لأهل مصر دائما الحق في أن يعزلوا الوالي اذا اساء ولم يرض الناس عنه" لذلك فان أثر الثورة الفرنسية لم يكن أكثر من ترديد المعانى التي كانت واضحة في مقومات الفكر العربي الإسلامي والتي يمكن أن يقال أنها انتقلت منه إلى فرنسا وأوربا جميعا بحكم أن يقال أنها انتقلت منه إلى فرنسا وأوربا جميعا بحكم الاتصال وعمليات العطاء والأخذ التي تمت عن طريق امتداد الثقافة العربية من اسبانيا إلى فرنسا وعن طريق الحروب الصليبية وعن طريق امتداد النفوذ العثمانى الإسلامي إلى اسوار فينا. غير أن الغزو الفكرى الفرنسي لم يدع فرصة في خلال فترة ما بين الحربين دون أن يثير إلى أثر الثورة الفرنسية في الفكر العربي الإسلامي الحديث ومدى ما تأثرت به الدولة العثمانية والشام ومصر. ويمكن القول بأن سلطان "الجديد" , وارتباط الثقافة للغربية بالاحتلال العسكري انما كان هما المصدر الأول لاقتباس أنظمة الحكم الغربية. فقد كان لابد من رد فعل عربي للتحدى الغربي بالوقوف في صف غزوه واحتلاله بنقل أنظمته ومحاولة تعريبها وهي محاولة لم تنجح أول الأمر, ذلك لأن أمثال إسماعيل وخير الدين التونسى ومصطفى كمال وكرومر وليوتى أنما كانوا يهدفون جميعا إلى فرض هذه الأنظمة السياسية فرضا للقضاء على الأنظمة المستمدة من الإسلام. ولا شك أن دعوة "القومية" للتحرر من "استبداد العثمانيين" التي قامت في الوطن العربي قد وجدت عونا من الغزو الثقافي العربي إلى ذى كان يهدف من وراء مظاهر هذه الدعوة إلى تفتيت الوحدة القائمة في الوطن العربي, قاذا جاء دور أكتمال دعوة القومية العربية حال دون قيامها كما حدث فعلا بعد الحرب العالية الأولى بتمزيق الوطن العربي إلى دول ودويلات. *** الحملة الفرنسية وقد كان لدعوة الغزو الثقافي الفرنسي أثرها البعيد المدى في تصوير النتائج المترتبة على الحملة الفرنسية بحيث أمكن رسم صورة بعيدة عن الواقع لآثار ونتائج هذه الحملة وقد أغرقت كتب التاريخ التي يدرسها الطلبة في العالم الغربي يمثل هذه "الأكذوبة" الضخمة وقد تردد أن الحملة الفرنسية هي أول مجارى الثورة الفرنسية إلى الشرق العربي وان ما أطلق عليه رئيف خوري "الفتح النابليونى" قد "هز جو الجمود الذي كان مخيما على مصر فنهضت واتجهت الميول إلى الارتشاف من الثقافة الفرنسية". والواقع أن الحملة الفرنسية كانت أول صدام حقيقى بين الشرق والغرب بعد الحرب الصليبية. وأن الوحدة العربية التي كانت قد غمت تحت سيطرة الجمود الذي أصاب الامبراطورية العثمانية لم تلبث أن استيقظت على هذا الغزو فواجهته مواجهة جبارة رائعة ومازال التاريخ يحمل لها صورة من البطولة في المقاومة والفداء في البذل. أذن فليست الحملة الفرنسية هي التي أيقظت العروبة بأثارها, بل أن العروبة استيقظت على هذه القوة الغازية وأرغمتها على العودة وكانت ثمرة هذه اليقظة قيام منظمة القاومة الشعبية التي عزلت الحاكم العثماني وفرضت حاكما بدلا منه باختيار الشعب, ثم بدأت النهضة العسكرية والصناعية والثقافية التي وجهها محمد على إلى عمل ديكتاتوري لتحقيق مطامعه الخاصة فكان ان تحطم الكيان كله لأنه لم يقم على أساس من القوى الشعبية لتى تحمل على كواهلها أعباء النهضات. ولقد كانت نهضة مصر باسم "الامبراطورية العربية" في عهد محمد على عملا ضخما لولا أنه لم يقم على أساس شعبى من ناحية ولم يكن خالص للهدف من الناحية الاخرى, وكانت دوافعه ذات مطامع خاصة لاقامة حكم اوتقراطى خالص لأسرته وأبنائها وأحفادها.

стр. 162

ولقد اتصل محمد على بفرنسا وكان هذا هو أساس تركيز الثقافة الفرنسية في مصر لتكون من معاقلها أسوة بلبنان والغرب. ولقد كشفت فرنسا عن تبعية الحضارة الغربية وبعدها عن العمل الخالص لخير الوطن الذي تتصل به, عندما اشتركت فرنسا مع سائر الدول العربية في ضرب أسطول مصر في "نفارين" وسحبها قادتها البحيرين وضباطها الذين كانوا يعلمون مع الحملة الصرية في سوريا وكان هذا درسا ضخما للوطنية العربية في عدم اعتمادها على الغرب. وقد حرصت فرنسا على دعم الروابط الثقافية بينها وبين الوطن العربي, أما في لبنان فقد سيطرت فيها الثقافة الفرنسية سيطرة كاملة عن طريق الارساليات الكاثوليكية. أما في مصر فقد تنازعت الثقافة الانجليزية واللغة الانجليزية الثقافة الفرنسية بعد الاحتلال البريطاني عام (١٨٨٢) وأن ظلت سيطرة الثقافة الفرنسية قائمة بدافعين, الأول محاربة النفوذ البريطانى- فقد كان المصريون يقبلون على الثقافة الفرنسية بدافع وطنى حتى لا يتعلموا لغة المستعمر ولا ثقافته, وكانت الطبقة الحاكمة من القصر إلى الوزراء والأمراء وكبار رجال الدولة من اتباع الثقافة الفرنسية, حتى كانت اللغة الفرنسية والى قبل الحرب العالمية الثانية هي اللغة الرسمية في المكاتبات حتى مع بريطانيا, وكان المفاوضون المصريون وفي مقدمتهم سعد زغلول لا يتحدثون ألا باللغة الفرنسية ويتناولون نصوص العاهدات ومداولاتها بها ماعدا فئة قليلة من السياسيين الذين خرجتهم كلية فيكتوريا التي كانت دعامة من دعائم الثقافة البريطانية, ولقد ترددت في مصر دعوات كثيرة لخدمة الثقافة الفرنسية وكانت أضخم الصحف العربية في مصر (الأهرام) تحمل لواء الدعوة إلى الثقافة الفرنسية وتهاجم الاتجاهات البريطانية السياسية خدمة لصالح فرنسا الاقتصادية والثقافية, وعلى الجملة فقد كان الاتجاه الثقافي الفرنسي يعانى مقاومة الاستعمار البريطانى ومعارضته. وكان للمدارس الفرنسية التي اتسع نطاقها أثرا كبيرا في تأكيد هذا التيار ودعمه, فضلا عما كانت تنشره الصحف في مختلف المناسبات وسقوط الباستيل وعيد جان دارك والدراسات المتعددة عن كتاب الثورة الفرنسية وأبطال فرنسا وقناة السويس. وكانت الدعوة التغريبية الفرنسية "حضارة البحر الأبيض المتوسط" من الروابط الوهمية التي أقامتها فرنسا لتربط بينها وبين مصر ولبنان والمغرب باعتبارها جميعا دولا يجمعها مناخ البحر الأبيض ووحدته الجغرافية. وتردد ما قيل من أن لكل انسان وطنان: وطنه الخاص وفرنسا, وما كان يردده سفير مصر في فرنسا اذ ذاك قوله: بين بلدينا الاذن يصل بينهما البحر الأبيض ولا يفصل بينهما شئ تزداد علاقات الصداقة والثقة المستمرة وفي خلال مياه النيل والرون التي يمتزج في البحر المتوسط يجرى تيارات من تيارات الصداقة وفي خلال الأمواج المتتابعة في تيارها نحو مصر تبدو لؤلؤة البحر المتوسط جزيرة (كوركسيا) حيث ولد نابليون". ومما يتصل بهذا قيام الجمعيات الثقافية الفرنسية في مصر وقيام معاهد متعددة فرنسية في روما وأثينا ومصر وسوريا وتركيا لنشر الثقافة الفرنسية, كما قامت أكاديمية البحر الأبيض المتوسط التي وصفتها مجلة الرسالة بأن مهمتها أن تساهم في تأدية هذا الدور الذي تضطلع به فرنسا في توجيه الثقافة في البحر الأبيض المتوسط وأن اهتمام فرنسا بتوجيه الثقافة في امم البحر الأبيض المتوسط يرجع إلى عهد الصليبيين فقد بدأت فرنسا هذه المهمة فعلا في لينان منذ القرن الرابط عشر الميلادى. ولطالما ردد الأهرام (١/ ٥/١٩٣٨) بأن مصر ابنة فرنسا البكر في الثقافة, وقد قال مسيو فرنان برون سكرتير جمعية (فرنسا-مصر) أن فرنسا منذ ١٨٠٢ قد ساهمت في تكوين خير المصريين وتثقيف عقولهم "وهي-أى مصر-ابنتنا البكر في المشرق كما قال سعد زغلول". ومع هذا فان عددا من كتاب فرنسا المشهورين الذين زاروا مصر أمثال اندريه مروا وبول موران فرنسيس كاركو, واندريه سجفريد, وادوار هريو قد كتبو عن مصر كتابة مشوية بروح السخرية والانتقاص. ودعت الكاتبة الصرية "الفرنسية الثقافة" سيزانبراوى منذ عام ١٩٢٩ إلى نشر الثقافة اللاتينية في مصر لأنها تتفق مع استعداد المصريين وميولهم وأن علينا أن ندخل الغة الفرنسية في التعليم الثانوى وأن محاولات بريطانيا بانشاء مدارس انجليزية لم يضعف أثر الثقافة الفرنسية.

стр. 163

فى المغرب وفى المغرب سيطر الفرنسيون على الثقافة وحاربوا الفكر العربي الإسلامي وقال هانوتو ١٨٩٧ لقد فصلنا بين شمال أفريقيا والتاريخ العربي، وقد قام المارشال ليوتى بالدور الذي قام به كرومر ودنلوب في مصر حيث فصل بين البربر والعرب، وأوقف اللغة العربية والثقافية العربية وحصرها في المساجد، وقالت الأهرام (١٦/ ١/١٩٣٢) أن المارشال ليوتى الفرنسي خدم بلاده جليلة في بلاد الإسلام وعرف طريقة استمالة السلمين إلى فرنسا. *** فى لبنان أما في لبنان فقد أكد الفرنسيون في اكثر من مناسبة انها معقل لغتهم وثقافتهم- كما قالت جريدة الطان (يونيو ١٩٣٧) وانه "اذا كانت اللغة الفرنسية باقية في العالم العربي-ماعدا فلسطين-كلغة من الدرجة الثانية بالنسبة للغة العربية مع محافظتها على سيادتها في التجارة والعلاقات الاجتماعية فان الفضل في ذلك يرجع إلى المرسلون العثمانيون والدينيون والمدارس المسيحية والأباء اليسوعيين والارساليات العثمانية والاتحاد الفرنسي والاتحاد الاسرائيلي العام. وقالت الطان "ولا يزال الاعلام الفرنسيون الذن هاجروا من وطنهم إلى الربوع الشرقية لنشر ثقافتنا يقومون بعلمهم الخطير. *** الصراع بين الثقافتين الفرنسية والانجليزية غير ان الثقافة الفرنسية لم تنفرد بالسلطان الاوحد في الوطن العربي, فان الصراع بين الارساليات الفرنسية اليسوعية والكاثوليكية والأمريكية الانجيلية البروتستانت قد بدأت في لبنان منذ الثلاثينات من القرن التاسع عشر. وقام الدكتور فانديك الامريكى بدور ضخم في هذا العمل وققد بدأت هذه الحركة بالقرى دون المدن. بدأها الفرنسيون من قرية (عينطورا) وبدأها الأمريكيين من مدرسة (عيبة) ثم عمت لبنان, وكان الدكتور "فنديك" يصور التنافس بين الأمريكيين والفرنسيين فقول أنا في طريقى إلى قرية كذا لأفتح مدرستين قاذا قيل له أنها لا تحتمل ذلك قال: سأنتح مدرسة وسيأتي اليسوعيين فيفتحون مدرسة أخرى, ثم نشأت الكلية الامريكية. والكلية اليسوعية في بيروت غير أن هذا الصراع لم يكن في عنف الصراع الذي قلم بين الثقافتين واللغتين الفرنسية والانجليزية. ذلك لأن أمريكا لم تكن مشاركة في الاحتلال العسكرى لأقطار الدول العربية مثل فرنسا وبريطانيا, وانما كانت تعمل على السيطرة عن طريق الغزو الثقافي. وان الصراع بين الثقافة الفرنسية والانجليزية انما قام على أساس الصراع السياسي بين الدولتين في الشرق, ومحاولة بريطانيا احلال ثقافتها محل الثقافة الفرنسية في البلاد الواقعة تحت احتلالها وكان التيار الفكرى المهجرى تيارا امريكيا وكانت الهجرة إلى امريكا جزء من الاثر الثقافي الامريكى للفكر العربي. لقد انفرد نفوذ بريطانيا الثقافي في العراق والسودان وفلسطين كما انفرد نفوذ فرنسا الثقافي في الغرب, أما مصر فقد وقع الصراع حيث أخذ البريطانيون في طرد الأساتذة الفرنسيين (ذوى النفوذ) من مدارس الحقوق والطب ووزارة المعارف وحلت اللغة الانجليزية بدل الفرنسية في معظم المواد. وتولى الأساتذة الانجليز مقال الادارة والتعليم في معظم العاهد, وتحولت البعثات الخارجية إلى انجلترا بدلا من فرنسا. وفي ميدان الصحافة الثقافية حملت مجلة القتطف (التى صدرت في بيروت (١٨٧٦) وانتقلتالى القاهرة عام (١٨٨٥) لواء الثقافة حيث كان أصحابها الدكاترة: صروف ونمر ومكاريوس من خريجي الجامعة الأمريكية ثم حملت "المقطم" لواء الدعوة إلى الثقافة الانجازية وتأكيد مركز اللغة الانجليزية في مصر وحملت الترجمة لواء الغزو الثقافي وتأثرت بالصراع بين الثقافتين .. وكانت في أول الأمر في خدمة البعثات التبشيرية حيث ترجمت التوراه والانجيل. ثم تحولت إلى خدمة أغراض التغريب وكان الأدب الفرنسي أثرا في العالم العربي لأن رواده ودعاته قد نقلوا إلى الادب العربي لونا معينا من الوانه هو أدب الاباحة والكشف والجنس, وقد لاحظ المستشرق "جب" ولاحظ "كرومر" من قبله أن الثقافة الفرنسية انما فاتت المصريين لأنها تحرص على نقل اتجاه معين من الادب الفرنسي لا الأدب الفرنسي في جملته وقال "جب" اننا اذا تصورنا الثمرة التي قد يؤدى إلى انتاجها التلقيح بهذه العناصر السلبية والمتشككة في الثقافة الفرنسية الحديثة فان المرأ لايسعه الا أن يشاطر المحافظين خوفهم من أن يكون التخريب هو كل ما نقضى به هذه الدراسات الأدبية.

стр. 164

(الصراع بين اللغتين الفرنسية والانجليزية) وقد كان صراع اللغتين في مصر من أبرز معالم الصراع بين قوى الغزو الثقافي والسيطرة والتبعية عن طريق اللغة والثقافة وأحذت اللغة الانجليزية في السيطرة على مناهج التعليم منذ اليوم الأول للاحتلال غير أن نفوذ الثقافة الانجليزية ظل ضعيفا بعامل احتلالها للبلاد وكراهية أهل الوطن لها. وقد أدهش بريطانيا بعد مرور نصف قرن أن مركزها في الغزو الثقافي ليس على النحو الذي يتفق من مكانها الاستعمارى في المنطقة وقد أبدى ولى عهد بريطانيا ملاحظته من ان نفوذ اللغة الانجليزية في مصر ما زال حصورا في دائرة ضيقة (يوليو ١٩٣٥) مع "أن لبريطانيا مركزا ممتازا في مصر منذ ١٨٨٢" وقال أن اللغة الفرنسية لاتزال تعتبر اللغة الرسيمة في التخاطب مع الاجانب وانتقد ذلك وقال أن المسئولية فيه ترجع إلى "تسامح" البريطانيين, وقال أن المسئولية فيه ترجع إلى "تسامح" البريطانيين, ودافعت الأهرام عن اقتراح الانجليز بالغاء دراسة الفرنسية من التعليم الثانوى فقالت (فى ١٤/ ٢/١٩٣٥) أن نشر الثقافة الانجليزية عن طريق تعلم لغتها انما كان ضرورة قضت بها ظروف ليست خفية, وأن المصريين لو تركوا وشأنهم لآثاروا الثقافة اللاتينية. وأن أكثر من نصف قرن من قيام هذه الضرورة لم تكف لزحزحة اللغة الفرنسية عن مكانها. وعللت سر ذلك بأن هذه المظاهرة نتيجة لدوافع قوية مشتقة من طبيعة البلاد وحاجتها العلمية والاقتصادية وهى وقوع مصر في منطقة واحدة من البلاد اللاتينية يصلها بها البحر الابيض الذي طالما اسموه "البحر اللاتينى" .. وأن التشريع في الدولة وهو مظهر حياتها الاجتماعية مشتق من التشريع الفرنسي وقالت تقارير دعاة الثقافة الفرنسية (الأهرام-١٦/ ٣/١٩٣٥) أن اللغة الفرنسية في مصر لها وظيفة "خاصة" في تكوين أذهان التلاميذ. وأن اهمية الفرنسية لمصر انما مرده إلى أنها بلدا من تلاد البحر الابيض , وأن مصر اتصلت بالغرب عن طرق هذا البحر وأنه اذا كانت مصر ترغب في أن تكون على رأس بلاد الشرق الأدنى أو على رأس البلاد الإسلامية فيجب عليها أن تذكر أن سوريا ولبنان مثلا تحظى جميع الطبقات العليا فيها باتقان اللغة الفرنسية كذلك الحال في بلاد شمال افريقيا الإسلامية. وفي الجانب الآخر اعلن انصار الثقافة الانجليزية في مصر أن اللغة الانجليزية لغة عالمية. والقى المستر باكستون محاضرة بالجامعة الأمريكية (١٩/ ١٢/١٩٣٤) ××× قال فيها: أن من أهم مزايا اللغة الانجليزية سهولة تعلمها, وقال أن اللغة العربية لا تصلح لا تصلح له لغة بلاده. وقال أن كلمة TOENTER لا تفيد الدخول فحسب بل "تفيد الدخول والتوغل فى". وقال أن ما يقابل هذه الكلمة في اللغة العربية في كلمتين (يمشى فى) وغاب على اللغة العربية كثرة أصواتها ومترادفاتها ومثل لذلك بأن للأسد من الأسماء ما يزيد على مائة اسم وقال أن نفوذ اللغة الانجليزية يتوقف على نفوذ انجلترا في العالم العربي. وقال كاتب آخر (الأهرام-٢١/ ٣/٥٣) أن اللغة الانجليزية في هذه السنوات الأخيرة تجرف أمامها في قوة وعنف جميع اللغات الدولية الأخرى حتى أصبح لزاما أن نسمعها في المؤتمرات والاجتماعات الدولية. ويبلغ عدد متكلمى اللغة الانجليزية نحو ٥٠٠ مليون نسمة بينما يتكلم الفرنسية ٧٠ مليونا وتبلغ كلمات اللغة الانجلزية ربع مجموع كلمات اللغة الفرنسية فهى أسهل استظهارا وأقرب حفظا, ثم أن تصريف الأفعال فيها أسهل من تصريف أفعال اللغات الأخرى وأن مراجع اللغة الانجليزية في العلوم والفنون والسياسة هى أكبر مراجع اللغات جميعا. وقد حدث هذا في نفس الوقت الذي أصدر فيه عن "عبدالسلام ذهنى" المستشار بالمحكمة المختلطة أحكاما باللغة العربية لأول مرة فهز العالم الغربي كله واضطربت فرنسا لأن المستشارين المصريين منذ انشاء هذه المحاكم في عهد إسماعيل لم يصدروا أحكاما بغير اللغة الفرنسية مع أن القانون يجيز اصدار الأحكام باللغة العربية. وقد رفض رئيس المحكمة اجازة الأحكام التي أصدرها عبدالسلام ذهنى وأوقف ارسال القضايا اليه وقد تبعه مستشارون آخرون فأصدروا أحكامهم باللغة العربية. وقال الكثيرون: أن هذا الصراع بين اللغتين الفرنسية والانجليزية انما كان على حساب اللغة العربية, وان الحل الوحيد لوقف هذا الصراع هو احلال اللغة العربية محل اللغات الأجنبية المتحكمة في مرافق البلاد بحسبانها اللغة التي تستطيع "أن تتمتع بجميع عناصر القوة وتسلح بكل الأسس القامة والتي تكفل لها النصر على أيه لغة أجنبية في البلاد". ثم اتسع نطاق الدعوة إلى احلال اللغة العربية في خطابات البنوك واللافتات ومختلف أعمال الشركات والمصالح.

стр. 165

واقامت بريطانيا "الاتحاد الانجليزي المصرى" برئاسة الدكتور زكى أبو شادى الذي أعلن في الصحف (٥/ ١٢/١٩٢٦) أن هدف الاتحاد "تنمية روح الولاء والمحبة بين مصر وبريطانيا ودعم حسن التفاهم الذي جنينا منه خير الثمرات" وأن الاتحاد الانجليزي المصري يعتمد على الوسائل الثقافية والاجتماعية. وفي ميدان الصراع الفكرى بين الثقافتين, أقام الفرنسيون مؤتمرا لكتاب اللغة الفرنسية من الشرقيين اشترك فيه الكتاب المصريون (يونيو ١٩٢٧) وقال رئيس المؤتمر أن ازدياد عدد الشرقيين الذين يختارون اللغة الفرنسية للتعبير عن أفكارهم دليل على ما لفرنسا من النفوذ. وجرت مساجلات بين منصور فهمى والصاوى محمد في الأهرام بعنوان "من السين إلى النيل" علامة على الروابط الفكرية بين كتاب مصر الذين أطلقوا على فرنسا وطنهم الروحى، وفي حادثين هامين كشف الفرنسيون عن موقفهم الحقيقى من أن الثقافة الفرنسية أنما هى عامل من عوامل الغزو والسيطرة واحلال التبعية. وكشف الكتاب المصريون في الثانى عن مفاهيمهم الحقيقة ازاء فرنسا. الأول: الغاء الامتيازات الاجنبية ١٩٣٧ بعد توقيع معاهدة ١٩٣٦. والثاني: سقوط فرنسا تحت برائن الغزو الألمانى ذلك أنه عندما عقدت بريطانيا مع مصر معاهدة ١٩٣٦ وقفت عقدت بريطانيا مع مصر معاهدة ١٩٣٦ وقفت فرنسا في وجه الغاء الامتيازات وهددت بريطانيا بالاستيلاء على جميع المعاهد والمؤسسات التابعة للدول المختلفة وادارتها بمعرفتها. وكانت فرنسا تخشى أن يضعف توقيع المعاهدة نفوذها في مصر بعد الغاء المحاكم المختلطة ولذلك واصلت حملاتها لتثبت "النفوذ الفكرى الفرنسي" في مصر ومن ذلك ما كتبه (أوكتاف اوبرى) في الأهرام (٩/ ٤/عام ١٩٣٦) حيث يقترح على فرنسا أن ترسل بطريق الجو الصحف والكتب الفرنسية حيث أنها عن طريق البحر يقتضى وصولها تسعة أيام أو عشرة أيام. وأن عليها أن تزود دور السينما بالأفلام الفرنسية لنافسة الدور الأخرى التي تعرض الأفلام المختلفة. وقال أن على فرنسا أن تبذل الجهود للمحافظة على الارث المتصل اليها من فرنسا القديمة ومقاومة الادارة البريطانية التي توجد فلى وجهها عراقيل شديدة. وتوالت أقوال الصحف الفرنسية مؤكدة ضرورة الاستمرار في غزو العالم العربي عن طريق التعليم والترتية, ولذلك أسرعت فرنسا فأرسلت مسير هرير رئيس مجلس النواب الفرنسي وقال طه حسين عميد كلية الآداب اذ ذاك بمناسبة زياراته (٥/ ٥/١٩٣٨) "ان فرنسا لها صبغة مشهورة اذ أنها أقدر الأمم على توثيق الصلات بينها وبين أمم الأرض". وقال الدكتور هيكل وزير المعارف أذالك موجها كلامه إلى مسيو هرير: حين تزور بعض البلاد الأجنبية ويلقاك أهل البلاد بما أنت اهل له من الكبار انما يكرمون فيك فرنسا التي تمثلها أصدق مثل وارعه. تمثل حبها للخير ورغبتها في السلم. تمثل شعورها الممتاز. الم تقل في مقدمة كتابك البديع عن مركز فرنسا في العالم أن الحياة الفرنسية يجب أن تقوم على أصلين اساسيين: احداهما مراعاة المنفعة المحققة, والآخر الوفاء بالعهد "ثم لم تلبث فرنسا أن دعت الدكتور طه حسين إلى جامعة ليون (١١/ ٩/١٩٢٦) وانعمت عليه بنيشان جوفة الشرف من درجة أوفسية "تقديرا لمواهبه الأدبية وتوثيقا لعرى التعاون الفكرى بين فرنسا ومصر" وقال طه حسين هنالك: ان مصر مدينة بكثير من الفضل لفرنسا, ووصفت جريدة البروجرية طه بانه "رينان مصر الضرير" أو "رينان الإسلام" وقالت انه ألف عددا من الكتب في مختلف الموضوعات مبينا فيها الأفكار اليونانية المنقولة إلى العبرية ثم إلى العربية. ومنها إلى الحضارة الغربية حيث ازدهر في علم الأدب الفرنسي وكيف رسخت فيه الأفكار الفرنسية فأعطاها في بلاده قوة شديدة مؤثرة" وهكذا صورت صحافة فرنسا مفهوم طه حسين الحقيقى للثقافة الغربية وقال الدكتور طه: نحن مع تعلقنا بفرنسا بالفكر والقلب نحافظ على اتفاقنا الصادق مع انجلترا (معاهدة ١٩٣٦) فانها برت بوعدها لنا بمساعدتنا على توطيد أركان استقلالنا الوطنى, ووصف طه حسين ايمانه بانجلترا وحرياتها الدمقراطية وقال أن على مصر أن تتوخى السير في سن الحضارة الغربية والرقى الديمقراطى ناهجة نهج فرنسا وانجلترا في الأقرب العاجل. وأشارت جريدة البروجرية إلى العناية التي تبذلها قرينة طه حسين لعونته وما كان لها من شأن عظيم في حياته وانها قد هددت خطاه منذ كان في مونبيليه.

стр. 166

وقد ألهم هذا الموقف الدكتور طه حسين وضع كتابه "مستقبل الثقافة في مصر" الذي صور فيه ما ينبغى أن يكون عليه نظام التعليم والتثقيف في مصر بعد الاستقلال كما اشار إلى ذلك في حديث له مع الأهرام في ٧/ ١٠/١٩٣٨ بعد عودته من فرنسا أثر احرازه دكتوراه جامعة ليون. قال أن قراءاته كانت عن نظم التعليم في البلاد الاوربية والمعروف أن كتاب (مستقبل الثقافة) كان بعيد الأثر في تيار التغريب الفكرى, اذ أن طه حسين دعا فيه لأول مرة دعوته الجريئة إلى نقل الحضارة: خيرها وشرها وحلوها ومرها وما يحب منها وما يكره وما يحمد وما يعاب وقال "أننا لا سبيل لنا غير ذلك فقد وقعنا في مونترو معاهدة تفرض علينا أن نأخذ نظم الغرب في الحكم وأساليبه في الثقافة ". × والموقف الثانى عندما سقطت فرنسا في براثن الغزو الفرنسي واستقبل كتابنا العرب هذا الحدث بالرثاء البالغ لها. وفي مقدمتهم طه حسين. ولم يقل أحد من كتاب التغرب في فرنسا كلمة الحق التي قالها المارشال بيتان " لقد جاءت الهزيمة من الانحلال فدمرت روح اللذات واللهو ما شيدته روح التضحية. وقد حمل كتاب العالم العربي على مصر وكتابها لهذا الموقف في الوقت الذي كانت فيه فرنسا (حاملة لواء الرأى الحر والحضارة) تضرب أهل دمشق بالدافع وتذيق عرب المغرب أشد ألوان الاضطهاد والعدوان باسم مبادئ الثورة الفرنسية: الحرية والأخاء والمساواة. وعجب كتاب سوريا من كتاب عرب بيكون على فرنسا متناسين ما فعلته بالعرب وما أنزلته من النكبات بعد الحرب العالمية الأولى. وآية عدوان فرنسا أن الجنرال ليوتى الاستعمارى الفرنسي الطاغية قد اختير عضوا في الاكاديمية الفرنسية نظرا لعملة الاستعمارى في شمال أفريقيا فكان خطابة الافتتاحى عن تمجيد الاستعمار وتزيينه والحث عليه ومما وقال "الادب الفرنسي لا ينفصل عن الاستعمار الفرنسي" .. وقال أن الاستعمار مصدر هام للقوة والثروة ومنبع لا ينضب للجيش وساحة تدريب وتكوين للقواد وقد ردد كتاب العرب ما توصف به فرنسا من أنها محررة الأمم أو مشعل النور وما هى الا اكاذيب. وأثار ساطع الحصرى إلى ما ادعاه كتاب مصر من التفريق بين فرنسا الفكرية وفرنسا السياسية فقال انه محض اختلاف وأنه لا يمكن التمييز بين فرنسا الأدبية التمدنة وفرنسا المستعمرة وأن الأدب الفرنسي لم يلتزم الحياد تجاه السياسة الفرنسية بوجه عام وحيال السياسة الاستعمارية بوجه خاص بل على العكس من ذلك اتبرى لخدمة تلك السياسة بكل الوسائل الممكنة فقد كتب الأدباء الفرنسيون المقالات والخطب والأشعار والقصص والروايات التي تمجد الاستعمار وتزينه في النفوس, وأن الأكاديمية الفرنسية اختارت رجالها من بين صناديد الاستعمار وان الأدب الفرنسي لم يرفع النفس الفرنسية إلى درجة الوصاية الرشيدة على ميراث الفضائل الانسانية. وأكبر دليل على ذلك الأسس الاجتماعية الفاسدة والبراكين الداخلية والاغلال والتفكك. وأن مؤتمر مونترو لالغاء الامتيازات كما عرض كثيرون من الكتاب للادعاءات التي رددها الفرنسيون عن أن ثورتهم هى أولى الثورات فقالوا أن هناك عشرات من الثورات قامت قبل ثورة باريس المعلومة, وقد اعترف الفرنسيون بأنهم تأخروا في تحقيق المساواة والعدل الاجتماعى. كما نقد الفيلسوف الانجليزي هربرت سنبسر الاسطورة القائلة بتفوق الفرنسيين على جميع الشعوب وافتقد انتقادا لاذعا المبالغات التي اطلقت على فرنسا لقب محررة الأمم. وقالوا أن سبق فرنسا انما كان في أوراسط القرن السابع عشر وأواخر القرن الثامن عشر غير انه في القرن التاسع عشر تبدلت حالة أوربا تبدلا هائلا ولم تحتفظ فرنسا بمنزلتها السابقة, هذا فضلا عن انهيار فرنسا السريع ازاء الغزو الألمانى. *** الثقافة الأمريكية كان الغزو الثقافي الامريكى في الأول الأمر عزوا تبشيريا دينيا ثم تطور إلى غزو فكرى كامل عن طريق الارساليات والتبشير والسينما والصحف والمطبوعات. وقد أنشأت أمريكا سبع جامعات أمريكية في الوطن العربي غير المدارس والبعثات الدينية وبلغ ما ينفق عليها حوالى ١٥ مليونا من الدولارات. واذا كان الاتجاه الثقافي الامريكى هو محاولة سيطرة المسيحية البروتستاتية على الإسلام وعلى المسيحية في المذاهب الأخرى, فان هناك هدفا آخر أخذ مكانه هو تأيد "الصهيونية" فكريا وثقافيا وعن طريق البحث العلمى والتاريخى في محاولة ايجاد حق

стр. 167

لليهود في فلسطين, وقد كان واضحا تمام الوضوح في جميع الدراسات التي قام بها المستشرقون والمبشرون والكتاب اليهود في مختلف المؤتمرات الفكرية العالمية والصحف والمؤلفات والموسوعات التاريخية ودوائر العارف. وقد تأثر العرب والصريون في الحرب العالمية الأولى بالدعوة التي حمل لوائها "ولسون" رئيس الولايات المتحدة وهى "الحق تقرير المصير" غير ان العرب صدموا أشد صدمة عندما أعلن ولسون موافقته على احتلال بريطانيا لمصر وفرنسا لسوريا ولبنان وتأكيد تصريح بلفور في اقامة الوطن القومى لليهود في فلسطين. كما كان لأمريكا انطباعات أخرى لزيارة روزفلت لمصر وتصريحاته عن تأييد احتلال بريطانيا ومن عامة رجال الغزو الثقافي الأمريكى في العالم العربي داينال بايس الذي قام بتأسيس الجامعة الامريكية في بيروت تشارلز وطسن الذي قام بتاسيس الجامعة الامريكية في مصر كورنيلوس فان ديك الطبيب المبشر الامريكى الذي عاش في سوريا أربعين عاما واشترك مع نصيف اليازجى وبطرس البستانى في ترجمة التوراة إلى العربية وقد تغلغل الغزو الأمريكى عن طريق التعليم وعن طريق الصحافة ثم تحقق بعد ذلك الحصول على امتياز استخراج البترول في المملكة العربية السعودية سنة ١٩٤٣ وشملت عمليات الحفر أكثر من ٤٢٤ الف ميل وتداخل رأس مال الأمريكى في صناعة استخراج البترول ونفط الكويت ووضعت أمريكا يدها على ٤٢ في المائة من بترول البلاد العربية. ثم كان لأمريكا دورها في تمكين الصهيونية من السيطرة على جزء هام من الوطن العربي هو "فلسطين" كما عمدت أمريكا إلى محاولة تقديم خدمات اقتصادية واجتماعية في أنظمة تغريبية كالتربية الأساسية والاتجاه إلى القرى والحصول على معلومات احصائية مختلفة عن الثروات, وقد أنشأت أمريكا مؤسسات تعليمية مختلفة في لبنان ومصر والأردن. وأدخلت أساليب علم النفس وتجاربه القائمة على نظريات فرويد والجنس لتحويل تفكيرنا, عن الأسس الحقيقية للفكر العربي الإسلامي والخروج من تقاليدنا إلى التقاليد الأمريكية ومحاولة الغض من آدابنا وتراثنا وعالم فكرنا وشخصيتنا. *** أثر الصراع في الفكر العربي الإسلامي وبعد: فماذا كان أثر هذا الصراع في الفكر العربي الإسلامي. كان ابلغ آثاره مأصورة فرح االله الحابك الكاتب اللبنانى حين قال: يسالوننى لماذا نأخذ اللغة الفرنسية كأداة للتعبير. وجوابى هو جواب الأكثرية الساحقة من اللبنانيين, فنحن لا نستطيع أن نفصل بين محبتنا لفرنسا بين تأثيرها الثقافي علينا. فنحن نعيش في وسط فرنسي, فرنسي في روحه ولغته, ورغم التباين العميق بين لغتنا العربية وبين اللغة الفرنسية فنحن نهضم هذه إلى درجة أننا أصبحنا نفكر بالفرنسية " ولاشك أن هذا أغراب في التغريب, وذهاب في "التبعية" والولاء للأجنبى إلى أبعده حدوده مما يتعارض مع استقلال الفكر العربي الإسلامي ونزعته الحرة إلى الاقتباس مع الاحتفاظ بشخصيته دون أن يندمج أو يستغرب أو ينطوى, ومثل هذه الصورة تراها في كتاب الياس أبو شبكة (روابط الروح بين العرب والرنجة-١٩٤٥) حيث يقول أن فرنسا أعظم جرم يرى في العالم, ويعمم في تحيز فيرى أن جميع الحركات الشعبية والفكرية التي تمحضت عنها أوربا آسيا انتهت اليها, وأنه أن يكن نابليون فشل في فتح سوريا فقد تولى هذا الفتح مكانة أعلام الفرنسيين في رجال الأدب والعلم. وهكذا يرى الياس أبو شبكة أن سائر الآداب الانسانية مدينة لفرنسا بالشئ الكثير "لأن فرنسا هى الفرن الذي يخبز فيه الانسان الثقافي وجرى طه حسين مع دعوى جيبون ورينان في التفرقة بين العقل والآرى والعقل السامى فطبق ذلك على الأدب العربي (للهلال نوفمبر ١٩٢٧) وقال: الفرق بين الأدب الفرنسي والأدب العربي هو في الواقع فرق ما بين العقل السامى والعقل الأرى. فالأدب العربي سطحى يقنع بالظواهر والأدب الفرنسي عميق دائم التغلغل. وفي الأدب الفرنسي وضوح وتحديد لا وجود لهما في الأدب العربي. والأديب الفرنسي اذا عالج موضوعا ألم بالتفصيلات وهو مع ذلك لاينسى الكل والمجموع. أما الأدب العربي فيجتزئ بأخذ وردة من البستان أو لون من الوردة. ولا يفكر في البستان. فالمزاج العربي هو المزاج السامى الذي لايحبط بالموضوع أجزائه وكلياته. ولاينزع إلى التحليل ودرس التفاصيل, ثم يجب أن لاننسى أن في الأدب الفرنسي والأوربى على وجه العموم فنونا لم يعرفها العرب قط مثل التمثيل والقصص". وتمثل هذه العبارات هدف الغزو الثقافي والتغريب وهى أتهام الأدب العربي بالقصور عن الآداب

стр. 168

العالمية, والنظرية أصلا تقوم على أساس ثبت بطلانه وهو الفرق بين الأوربين والساميين من الناحية العقلية أو الثقافية, وبالرغم من هذا فان طه حسين ناقض نفسهأكثر من مرة وهو ينقل نظريات التغريب وحمل لواء آراء المستشرقين والمبشرين ودعاة الغزو الثقافي حين قال بعد بنظرية البحر الأبيض وغيرها من النظريات المتعددة التي لم يقصد بها الوصول إلى حقائق معينة وانما إلى بلبة الفكر العربي بعشرات من النظريات المتضاربة المتعصبة التي تهدف إلى اثارة الشك وخلق روح الشبهات وولادة مذهب الاحتقار والاستهانة لقدراتنا وتتبيع الفكر العربي الإسلامي للفكر الغربي ليكون صورة بالكربون منه تضيع منها ملامح الشخصية العربية ومقومات كياننا الروحى وطابعنا الانسانى. ولقد كان الهدف الأساسى للغزو الثقافي الغربي هو خلق جو من البلبلة والتشكك بتعدد ضروب الثقافات التابعة لها وأديان الهيئات الدينية التي قامت بانشائها وهى في مجموعها تخرج مجموعا مبلبلا من المتعملين والمثقفين الذي يختلف في الرأى والنزعة والاتجاه بين التعليم الدينى الإسلامي الذي يقوم به الأزهر والقرويين والزيتونة والمدارس اللاهوتية البرتستانية والكاثوليكية والأرثوزكسية وبين اللغات الفرنسية والانجليزية وبين تيارات الثقافات اللاتينية والسكسونية مما يخلق تنوعا عجيبا يحول دون وحدة الفكر العربي الإسلامي والقاء المثقفين العرب أمام أهداف موحدة وخاصة فى: (١) مسائل الحرية والقومية والتحرر الفكى والتبعية الثقافية وقد ظهر ذلك واضحا في اعجاب المثقفين العرب بالثقافة الفرنسية والتبعية لها. وفي (٢) النظر بعين الاستهانة إلى التاريخ العربي واللغة العربية والتراث العربي كله والتطلع إلى النقل من الثقافة الغربية حتى في الجوانب التي يبدو غناها واضحا في الفكر العربي الإسلامي, وهذا هو أثر سيادة النزعة الاجنبية في برامج التعليم التي سيطرت على الوطن العربي, خلال قرن كامل (١٨٤٠ - ١٩٤٠) حيث حرصت هذه المناهج على حجب مفاهيم الحرية وتاريخ الكفاح والانتصارات من البرامج الدراسية والكتب والصحف حتى لا يكون عاملا في تغذية الشعور القومى وقد صدرت عشرات المؤلفات حتى خلال هذه الفترة عن الثورة الفرنسية وأبطال أوربا وكتابها وفلاسفتها وعن مدن باريس ولندن ولم يصدر بما يوازى واحد في المائة منها عن أبطالنا وأعلامنا ومدننا وتاريخنا.

стр. 169

دور الحضارة في معركة الغزو الثقافي أجمع المؤرخون والمفكرون المتصفون أن الحضارة العالمية التي أطلق عليها " الحضارة الغربية" هى تراث انسانى عالمى شاركت فيه البشرية كلها, وكان للعرب دور كبير فيه. فان جذور هذه الحضارة التي قامت في عصر النهضة كانت نتيجة لنقل العلوم إلى أنشأها المسلمون والمترجمات التي نقلوها عن اليونان وأضافوا اليها ونموها في مختلف الفنون وهى ليست غريبة الا بالاسم انما هى ملك مشاع للانسانية وهى ثمرة الحضارات القديمة جميعها. *** موقف المسيحية من الحضارة قامت الحضارة العالمية العصرية على أساس المادة والايمان بقدرة العلم المطلقة, وقد ارتبط الأساس المادى للحضارة بانكار الدين والروحية وأسس الألوهية والنبوات واقامة مذهب البحث على أساس العدمية والإلحاد والشك في كل ما وراء الواقع الملموس وقصر الايمان على ما يصل اليه البحث بالملاحظة والاستقراء. وترجع هذه الخصومة للدين إلى موقف الكنيسة الأوربية من العلم والحرية اذ ناهضتهما واستعدت محاكم التفتيش على العلماء وأفكارهم وبذلك ارتبط "الدين" في عرف الغرب بالتعصب والوقوف في وجه العلم, وهكذا كان على الحضارة أن تصارع الكنيسة الأوربية اذ وجدتها جامدة معارضة لقبس الحرية وضياء الفكر, كما طاردت رجال الكنيسة إلى المعابد والأديرة وأعلنت فصل الدين عن الدولة وبذلك لم تبق المسيحية في المغرب الا كتراث تاريخى ووسيلة للاستعمار في خارج أوربا, وكذلك قامت الحضارة الغربية على الإلحاد والشك والمادية والاباحية والتهافت على اللذه واطلاق الغرائز وتجهيز المرأة بالمغريات وقيام مذهب الاثرة وشرعية الربا وتغليب مذهب "الغاية تبرر الواسطة" واصطناع الميكافيلية في السياسة وهى انكار الأخلاق في سبيل تحقيق الغرض والبراجماتزم (وهو مذهب الذرائع وتبادل المنافع الذي يجعل لكل شئ ثمنا ومقابلا). موقف الانسان من الحضارة كان الغزو الثقافي الغربي حريصا على أن ينقل إلى الفكر الغربي هذه الشكوك والنزعات والزويا الحادة المتضاربة, محاولا تطبيق نظرياته على المجتمع العربي بمعقائدة ومذاهبه وأفكاره وتراثه, غير أنه لم يقدر مدى الفروق بين الكنيسة وجمودها الذي واجه الحضارة الغربية وبين الإسلام, فقد قصرت المسيحية عن التطور والاستجابة للحضارة, ولكن الإسلام لم يكن طوال حياته جامدا, بل كان مرنا قادرا على مواجهة التطور في مختلف العصور والبيئات والأزمنة, قادرا على الالتقاء بالحضارات والثقافات المختلفة, والاقتباس منها , وله في ذلك تجربة ضخمة تكاد تكون مثلا حيا لذلك هى تجربته في اقتتباس الثقافة اليونانية والرومانية وحضارتهما, فقد قامت في ظل الدولة العباسية مدرسة ضخمة للترجمة والاقتباس كانت بعيدة المدى في تطوير كل فنون الثقافة العربية وترجمة كتب العلم والطب والفن والفلسفة, اذ حمل عباقرة علماء العرب هذه الفنون وزادوا فيها وأضافوا اليها وأقاموا نهضة علمية بعيدة المدى استمرت خمسة قرون كانت أوربا خلالها تعيش في دياجير الظلام حملت لواءها جامعات دمشق وبغداد وقرطبة والقاهرة, ثم عاد الغرب فاتصل بهذه الحضارة عن طريق الأندلس وفرنسا وعن طريق الحملات الصليبية, وعن طريق تركيا العثمانية, وعن طريق رحلات العلم المختلفة التي قان بها العلماء الغربيون إلى الشرق. *** الحضارة ومجتمع الغرب لقد كان للحضارة المادية, اثرها في المجتمع الغربى, هذا المجتمع الذي عاش حياة مضطربة لم تعرف الاستقرار نظرا لكثرة المذاهب والعقائد والنزعات وتضاربها وتغلب الطامع والصراع المادى وقد تردد الغرب بين عشرات المذاهب التي خلقها وحاول بها أن

стр. 170

ينشئ مجتمعنا مثاليا, غير أن هذه الأنظمة والمذاهب والعقائد تداعت وفشلت ولم تحقق أى نتيجة ايجابية. ثم كان لظهور المادية الماركسية الشيوعية أثرها في قيام صراع عالمى ضخم بعيد المدى بين المجتمعات الرأسمالية المسيحية وبين المجتمعات الشيوعية الماركسية مما حال دون الوصول إلى نظام مثالى (أثيوبيا) صالحة وكان سقوط فرنسا دلالة كبرى على مدى الانهيار في النفسية الغربية والمجتمع الغربي وهكذا عجزت الحضارة الغربية عن أن تقدم للانسانية مجتمعا ناجحا, وعاش في ضرام من المذاهب المتناحرة, القائمة على الاستعلاء بنعرة الجنس وعصبية اللون ومحاولة السيطرة على العالم الملون واستغلال الاستعمار لكل ما لدى الحضارة الغربية من علم وأدب وفلسفة في سبيل السيطرة. وكان غزو أوربا لآسيا وأفريقيا غزوا استعماريا ماديا لا غزوا حضاريا, انهارت معه كل ادعاءات الحضارة في الحرية والأخاء والمساواة وتمدين الشعوب وحق تقرير المصير والحريات الأربع وما سوى ذلك من شعارات أعلنها الغرب خادعا بها, وتبددت في ظل الأحداث الدموية الرهيبة كل دعوات الرجل الأبيض المتمدن وعن أمانته في نقل الحضارة إلى الجنس البشرى, فقد تبين أن الاستعمار والاستغلال والمطامع المادية والاقتصادية هى الأسس الحقيقية للحضارة الغربية, وقد اشترك في هذه النزعة كلا المذهبين العالميين على العالم الغربى: الرأسمالية المسيحية والشيوعية الماركسية, فهما كلاهما: يحاربان الأديان وينكران الجوانب الروحية ويتصارعان على امتلاك أراضى جديدة بها خامات تقدم وقودا للمصانع وأسواقا لتصريف الانتاج. *** مادية الحضارة وروحية الشرق غير أن هذا كله لم يمض دون أن يتنبه الفلاسفة والمفكرون إلى مدى خطر "مادية الحضارة العالمية" فتراجعت قدرة العلم المادية المطلقة, وظهرت مذاهب جديدة تهدم المذاهب القديمة, وأعلن قادة الفكر الغربي بأن الحضارة يجب أن تلتمس لها روح وايمان, من ذلك دعوة أوجست كمنت إلى ديانة الانسانية. ووصل العلماء بتطور المفاهيم والأبحاث إلى أن العلم قد عجز "وحده" عن أن يكون غذاء نفسيا للشعوب الغربية, وأنه لامفر من الالتجاء إلى الشرق وأديانه وروحانيته. وكان هذا اعلانا لافلاس الحضارة الغربية المادية. وبدأت أوربا في الثلاثينيات من هذا القرن تبحث مذاهب الهند القديمة, وانبعث دعوة الثيوصوفية وهو مذهب يدل على التعطش الروحى, وكان العلامة "هالدين" عندما أصدر كتابه (المادية) قد أثار ضجة كبرى وصفت بأنها دقت المسمار الأخير في نعش المادية فقد قال أن اولئك الذين يؤمنون بالمعجزات على حق, ومثلهم في صحة العقيدة اخوانهم الذين يؤمنون بأن الحياة أساسها كيمائى نفسى, والنفس من عالم الأرواح منشئوها واليه مآبها, وان الحقيقة التي طفق الانسان يبحث عنها دهورا عديدة, وأعياه نشدانها, هذه الحقيقة روحانية في جوهرها, والروح لا يدركها العقل. ثم قال "انتشين" العالم المادى الكبير" أن العالم فكرة في عقل الله " وأعلن الكثيرون أن نظرية (النشوء والارتقاء) المبنية على "النظرية الحتمية" قد انهار جوهرها من الأساس بعد ظهور نظرية تحطيم الذرة واثبات انها تتجزأ. وقال (هارلود لاسكى) انه اذا كانت أوربا تخلصت من وصمة التعصب المذهبى في نطاق الدين فانها لاتزال تتخبط في حمأة التعصب المذهبى في نطاق الاقتصاد والسياسة. وقال "لاسكى" أن الحضارة تمر بمحنة من الشك والجدف والإلحاد وتميع المعايير الثقافية والقيم والاخلاقية بصورة لم تنذر بشر مستطير في حياة الفرد وحياة الجماعة وأن الحضارة فقدت ثقتها في نفسها كما فقدت ايمانها العميق بحيوية القيم الثقافية السائدة, وعجزت عن تحقيق ذلك الوفاق المنشود بين عالم المثل الأعلى الممثل في كتابات الانسانيين وبين حقائق هذا الواقع الحافل باهوائه وأطماعه وخصوماته وأن استفحال النظام الرأسمالى سخر سلطات التشريع والسياية لخدمة مصالحة دون احتضان برامج الاصلاح الاجتماعى, وقال (جون دودف) ان الغرب الذي يتيه فخرا بطابع حضارته الوضعية الحديثة, هذا الطابع الذي يطلق عليه اسم "المودرنزم" أو العصرية التطورية قد قامر بكل رأس ماله على مائدة هذا الودرنزم, بل وافنى شخصيته الانسانية بكل طاقتها الابتداعية والروحية,

стр. 171

داخل دولابها الآلى الرهيب, أن هذا الدولاب الدائب الدوران تفعل البخار والكهرباء أو الذرة قد غدا في ذاته قيمة أساسية تقاس بها كل القيم في مجتمع الغرب. وقد أصبحت دول الغرب برمتها شوهاء الصورة "من الداخل" إلى حد مخيف, بعد أن سيطرت حضارة الالية الديناميكية سيطرة عمياء بلهاء لا هدف لها ولا ناموس الا مجرد التطور الآلى الذاتى, هذا التطور, بل هذا الاندفاع الذي يسن لنفسه بنفسه قانون حركته مستقلا عن روح الانسان ومعنوياته كلها مع أنها تراث الآلاف من السنين, وما دامت الثقافة هى صورة حية للنفس الانسانية في جهادها الدائب من أجل الاستعلاء وجهادها المنبثق من الداخل العميق الاغوار فلنا أن نحكم تبعا لذلك بان أوربا أمريكا محكومتان بدوافع شخصية آلية أو لا شعورية همياء وليس بدوافع ثقافية عميقة واعية. وتسائل (جون وودف) ماذا يبتغى الانسان من وراء السيطرة على الطبيعة, وكشف أسرار الحياة: هل الهدف هو أن نسود الطبيعة أم تسودنا الطبيعة, هل الهدف حين نهتك أسرار هذه الحياة سرا وراء سر أن نشقى بهذه الحياة أم أن نسعد بها نحن والأجيال القادمة. وهكذا تبدو "الحضارة الغربية" وهى تتحول إلى موقف الانهيار الذي وصفها به شبنجار في كتابه احتضار الغرب): فقد كان مذهب ماقبل الحرب الأولى هو مذاهب الدم والحديد, مذهب بسمارك وهو ذات المذهب الميكافيلي القديم القائم على نظرية "الغاية تبرر الواسطة" وبعد الحرب ظهر تعصب مذهبى جديد كان اقسى تطرفا: ممثلا في الشيوعية والفاشية والنازية مع التعصب المذهبى المصطنع بصبغة قومية مسرفة وانقسم العالم إلى معسكرين خصيمين هما: الدكتاتورى والراسمالى.

стр. 172

تدهور الحضارة وقد أجمعت آراء الباحثين على أن الحضارة الغربية مشرفة على عهد انحطاط وتدهور وفناء, كما اشار اشبنجلر في كتابه (احتضار العرب) وقال ان الحضارة العربية قد أجديت وأفرغت جمعيتها. وقال ليونارد ولف (مقتطف أبريل ١٩٣٤) انه قد جرت محاولات ضخمة لمقاومة هذه الحضارة, اهمها ما قامت به الهند احياءا لحضارتها الهندية القديمة. وقال: أن حركة التجديد في تركيا انما كانت تهدف إلى التحرر من العبء الاقتصادى والسياسى الذي لحقها من الحضارة الغربية". وقد عدد الباحثون مظاهر الانهيار في الحضارة الغربية متمثلة في "العنصرية" التي تنادى بسياسة القوة و "الدعوة الجرمانية" ممثلة في فلسفة نيتشه وتطبيق الولايات المتحدة لسياسة الحاجز اللونى في طوائف الهنود وفي جنوب أفريقيا (وفى الولايات المتحدة ١٣ مليونا من الزنوج الأفريقى الأصل, يعاملون أسوأ معاملة) واضطراب ولسون بين اعلان المبادئ الثلاثة عشر في حق المصير, ثم تأييده الحماية على مصر, والفلسفات المنحلة المادية والاتجاه نحو الجنس, وغلبة المدرسة السريالية بعد الحرب الأولى تحمل بذور الحيرة والقلق والحقد والثورة, وظهور المدرسة الوجودية بعد الحرب الثانية للأعصاب المنحلة, ودعوة اخضاع الآداب العامة إلى الاقتصاد, وأن الحوادث الكبرى في التاريخ ترجع إلى أزمات قامت في نفوس الأفراد. كما اكد الباحثون تعصب الحضارة الدينى والذهبى وقالوا أن الثقافة الأوربية لم تتخلى قط عن نصرانيتها وتعصبها. وأشاروا في هذا إلى تصريح ناظر معارف هولندا في مؤتمر المستشرقين ١٩٣١ في لندن حين قال: أن هولندا لم تذهب إلى الشرق لأجل التجارة بل لنشر حسنات الدين المسيحى. كما صرح وزير الخارجية الألمانية بأن ثقافة ألمانيا مبنية على الدين المسيحى. ويتصل هذا بما تظهره دول أوربا من مظهر لادينى في الثقافة والحكم, بينما تتعصب تعصبا واضحا للمسيحية في المراسم الدينية وحفلات الكنائس وأسماء الأحزاب وامداد البعثات التبشيرية والارساليات بالاعتمادات الضخمة والدعاية. هذه هى صورة الحضارة الغربية في مذاهبها وعقائدها التي حاول الغرب أن يعرضها في حملة الغزو الثقافي والسياسى والعسكرى على العرب وأن يفرضها, بينما لم يصل هو بعد إلى نظام أو عقيدة أو (طوبيا) صالحة لاقامة مجتمعه, وهو في خلال هذا الاضطراب بين العقائد والنظم والنظريات التي لم تحقق أى نجاح, يحاول أن يغزونا بها, واتخذ عنا نحن لها حينا اعتنقنا بعض هذه المذاهب ودافعنا عنها وتحمسنا لها وظهر منا كتاب يدعون إلى نقلها نقلا كاملا, دون أن يفكروا في فوارق التفكير والزمن والبيئة والدين والثقافات, فكان هذه الاضطراب العنيف الذي أصاب الفكر العربي الإسلامي, وأصصابه بالزلزلة العميقة, وأقام فيه جوا عنيفا من الصراع الطويل حتى امكن أن يتم التغلب على نظرية (النقل) وأبدالها بكلمة (الاقتباس).

стр. 173

مواجهة الحضارة كيف واجه الفكر العربي الإسلامي الثقافة الغربية والحضارة الغربية. علينا قبل ان نصور ذلك أن نكشف عن الفرق بين الكلمتين: الثقافة والحضارة. الثقافة فكر والحضارة مادة وقد جرت أبحاث متعددة حول الثقافة والحضارة. واختلط على كثير من الكتاب الفرق بينهما: وجملة القول في هذا أن الحضارة هى الجانب المادى وأن الثقافة هى الجانب الفكرى. ويرى شبنجار هذا الرأى فيقول: أن الثقافة أفكار معارف وآراء. وأنها مجموعه المعارف والأفكار التي تمثل الحياة والتي تنمو بها الأمة وأن الثقافة من الحضارة بمثابة السبب من النتيجة. ويرى شارلس ريشيه: ان الحضارة هى مجموعة الىراء والعادات الناشئة عن الجهود التي تبذلها الأمة في ميادين العلوم والفنون والصناعات والدين. ويفرق الدكتور عبدالوهاب عزام بين الثقافة والحضارة فيقول: فرق مابين الصناعات والأخلاق والعادات. فاذا احسنا التفكير لم يلتبس علينا ما نأخذ من أوربا من العلوم الطبيعية ونتائجها وما نتجنب من أخلاقها وآدابها. فانه لا فرق بين الحساب والهندسة والكيمياء في الشرق والغرب. ولكن شتان ما بينهما من العقائد والخلق وسنن الاجتماع, وما يتصل بذلك, فان لكل أمة من أخلاقها آدابها ثوبا حاكته القرون وعملت فيه الاجيال فليس يصلح لغيرها ولا يصلح لها غيره. وقد أثار الباحثون إلى الفرق بين البحث في الحضارة والبحث في الثقافة وكيف أنه لا يمكن تطبيق مبادئ التسامح التي طبقت في مجال الحضارة والعلوم على الثقافة (الاجتماع والعقائد). *** معركة المواجهة حمل دعاة التغريب في هذا المجال رسالة المستشرقين في الدعوة إلى قبول الحضارة كلها (خيرها وشرها) وكان في مقدمة هؤلاء سلامة موسى وطه حسين ولم يصيبوا نجحا يذكر, وفشلت الدعوة إلى تعدد الثقافة والقضاء على توحيدها, وعندما ارتفعت الأصوات بالدعوة إلى ثقافة عربية خالصة موحدة هاجم سلامة موسى هذا الاتجاه. وقال أنه ليس من مصلحة الأمة (البلاغ ٢٦/ ٣/١٩٣٦) وقال: ان من مصلحة الامم في تعدد الثقافة والبعد عن كل محاولة يراد بها التوحيد. وقال: ولسنا ننكر ان تعدد الثقافة والبعد عن كل محاولة يراد بها التوحيد. وقال: ولسنا ننكر ان تعدد الثقافة يؤدى إلى التزعزع والقلق ولكنه خير من الركود". ولا شك أن الدعوة إلى تعدد الثقافة أنما هى دعوة إلى البلبلة وقتل مقومات الأمة ولذلك لم تلق أى قبول. واعترف فيليب حتى بأن " التحرر الفكرى فر العالم العربي "اصطدم بمجموعة صلبة من المبادئ والأفكار هى (وحدانية الله ونبوة محمد ورسالته وقدسية الإسلام) وأن أحدا لم يخرج على هذه العقائد. وقال: أن بعض المفكرين حاول النظر إلى الإسلام والقرآن بروح النقد (طه حسين وعلى عبدالرازق) غير أن هذا الاتجاه لقى مقاومة شددة ومات في مهده". ويقصد "قليب حتى" بالتحرر الفكرى ما نطلق عليه دعوة التغريب, وقد لاحظ كثير من المستشرقين الذين بحثوا نتائج حملة التغريب "أن تأثير الفرنجة لم يتجاوز المدن لأن كل الوسائل والأساليب التي استخدمها الغرييون من صحافة ودعاية ومؤسسات علمية أو اجتماعية أو سينما أو شراء للأفلام, كل ذلك وقف عند حدود المدن ولم يتجاوز إلى الريف" وكان من نتيجة ذلك

стр. 174

ما رسم من خطط جديدة بعد الحرب العالمية الثانية لاقتحام الريف بعد عجز التبشير والتغريب عن اقتحامه في الفقرة التي نبحثها. وقد انقسم الراى بين الفكرين في "نقل" الثقافة الغربية أو " اقتباسها" ودعا زكى مبارك إلى ما أسماه "الاستيعاب"وفى مقال له (هلال نوفمبر ١٩٣٦) عن الثقافة العربية وهل ينبغى استقلالها عن الثقافات الاجنبية: قال: نحن نريد أن يكون للأمم العربية ثقافة لها خصائص وأصول. ولكننا ننكر انقطاعها عن الثقافات الاجنبية وقال ان في اللغة الانجليزية ألف كلمة عربية تدور على الألسنة في الخاطبات والمكاتبات. ودعا إلى " استيعاب" الثقافات الأجنبية وقال: يحسن حين يمكن ذلك أن نهضمها بحيث تصبح عنصرا من ثقافتنا القومية. وقال: لا أوصيكم بالفناء في الآداب الأجنبية, ولكن أوصيكم بالتخلق بأخلاق الأقوياء من الاجانب وعهدى بهم ينقلون إلى لغاتهم ما يملكون نقله من جيد الآراء ثم يتصرفون تصرف البقريين لا تصرف الناقلين, وقال أن العرب القدماء قضموا أكثر ما عرفوا من الثقافات الأجنبية ثم فرضوا ثقافتهم على من اتصل بهم من الناس. وعرض الباحثون لنظرية ابن خلدون عن " ولع المغلوب بتقليد الغالب" وما أورده شينجلر في نظرية (التشكل الكاذب) حيث قال: أن التشكل الكاذب يحدث عندما تضغط خضارة كبيرة قوية على حضارة قديمة ناشئة فتصبها في قالبها وتعطيها أحيانا شكلا كاذبا لا يمت إلى شخصيتها الحقيقية العميقة بصلة" ويتصل بهذا فشل النتائج التي ترتبت على نقل الأنظمة السياسية والاجتماعية عن البلاد المثقوفة, فان هذه الأنظمة قد طبقت في الوطن العربي تطبيقا شكليا تقليديا دون تقدير لفوارق البيئة والزمن والطبيعة. والواقع أن البلاد العربية كانت في حاجة إلى أن تمر بمرحلة يقظة حرة لا ضغط فيها هى مرحلة "التكيف" وصوغ أنظمة تتفق مع تراثنا وتتمشى مع ملامح شخصيتنا ومعالمها وتطورها غير أن الاستعمار حال دون ذلك. ويمكن القول بأن (الحضارة المادية) يمكن نقلها واقتباسها, ولكن (الثقافة الفكرية) نجد من العسير نقلها نقلا كاملا. وفي هذا ما قاله غاندى (اننا لم ننهمك في النظريات بحثا عن حياتنا, وانما انهمكنا في حياتنا بحثا عن النظريات فلم نترك أى عقائد تفرض وجودها على غير واقع, توجه سير أحداثنا وتصنع تاريخنا). ودعا توفيق الحكيم (الأهرام-١٣/ ٥/١٩٣٨) إلى أن ننخرط في سلك الامم الاوربية- اذا لم تكن لنا قدرة على خلق حضارة شرقية, أما اذا كان للشرق رسالة-كما يقول الدكتور هيكل- وكان الشرق هو النوط باصلاح ما فسد في الغريب, فان أول خطوة ينبغى أن نخطوها انما هى اعادة النظر في الحضارة الأوربية ووصل توفيق الحكيم إلى غايته حين قال: أنك قد تستطيع ان تقتلع من رأس الشرقى عظمة السماء ولا تستطيع مطلقا أن تقتلع منه عظمة (العلم الأوربى الحديث) وانه من اليسير ان تسفه عند الشرقى الآن رسالة الأنبياء ولا يمكن أن تسفه رسالة الصناعة الكبرى, نعم اليومى لا يوجد شرق " ولاشك أن توفيق الحكيم قد جاوز الحق في هذا التصوير لتحول الشرق عن الروحية إلى المادية. وقد جرى البحث عن نهضة الشرق وهل هى عربية أم عربية وتعددت الآراء, ولكنها في الاغلب مجمعه على "الاقتباس" لا النقل (الهلال م ٣١) قال ميخائيل نعيمة: أن القائل لا غالب الا الله (أى الشرق) لأحكم في نظرى من القائل لا غالب الا انا (الغرب) وأن الغرب أحوج إلى مدرسة الشرق. وقال سلامة موسى: ليس هناك حد يجب أن نقف عنده من اقتباسنا من الحضارة الاوربية. ودعا لطفى جمعه إلى "الاقتباس" من الحضارة الغربية: الاشتراكية ومحو تعدد الزوجات والغاء الطربوش والحبرة وتوجيه التعليم إلى الكيمياء والطبيعة والرياضيات. وقال أنيس المقدسى: ان جامعة الشرق العربي هى اللغة وليست الدين وحذر من تقليد الغرب تقليدا اعمى يذهب بشخصيتنا. وقال جبران خليل جبران: ان الغربيين في الماضى كانوا يتناولون ما نطبخه فيمضعونه ويبتلعونه محولين الصالح منه إلى كيانهم الغربى, أما الشرقيون في الوقت الحاضر فيتناولون ما يطبخه الغربيون ويبتلعونه ولكنه لا يتحول إلى كيانهم الشرقى بل يوحلهم إلى شبه غربيين:

стр. 175

وقال (مستهل) الكرملى: اذا كان لابد من الاقتباس من وسائل المدنية الغربية فيجب أن يكون بقدر ما يكفينا, فاذا زاد عن الكفاية أخرنا. على أن يكون بقدر ما يكفينا, فاذا زاد عن الكفاية أخرنا. على أن يكون ذلك القدر ملائما لأخلاقنا وبيئتنا وعوائدنا الحسنة وبلادنا وهواءها. وقال الرافعى: أن نهضة الشرق العربي لا ينهض بها الا الركنان الخالدان: الإسلام واللغة العربية اذا أخذنا من الغرب فلنأخذ ما يتفق مع الأصل الراسخ في آدابنا من الشورى والحرية الاجتماعية. *** (الحضارة) وفى مجال البحث عن الحضارة القادمة: هل هى فرعونية ام غربية وتعددت الآراء. قال الدكتور على إبراهيم: أن تقدمنا سيكون في نطاق الحضارة الإسلامية مع الاقتباس من الحضارة الراهنة. وقال أن اللغة العربية تصلح لأن تكون لغة علمية, وأننا لن نرتمى في أحضان المدنية الحاضرة ولن نرفضها كلها. وقال منصور فهمى: ان هذه البلاد تلقت عن العرب اللغة والدين, وأنه اذا كان المصريون مصريون فهم عرب باعتبار لغتهم وما أدخلته اللغة في نفوسهم من العواطف والأفكار. وقال ان هناك ثلاث روابط: رابطة الإسلام ورابطة الشرق والرابطة العربية: وقال طه حسين: أن الدين العربي واللغة العربية مقومان أساسيان للحياة المصرية الحديثة, وأنه لا يرى رأى الذين ينكرون الحضارة أو يتهمونها بالشر والفساد والاغراق في حب المادة وقال أننا سنأخذ من الحضارة كل ما نحتاج اليه حياتنا العقلية وحياتنا المادية. وقال الدكتور محمد شرف: أن حضارة المستقبل في مصر ستكون إسلامية عربية, لأن اللغة والدين من أسس الحضارة وهى غنية بمبادئها الرائعة وبلاغتها الكاملة (الهلال م ٣٩ - ص ٨١٧) *** (الدين والفكر العربي الإسلامي) كما جرى البحث حول مكان الدين في حياتنا الفكرية وذلك بمناسبة زيارة الكاتب الانجليزي روم لاندو للشرق وقال المراغى: الإسلام كما يفسره الأزهر يسعى إلى أن يطابق بين قواعده وبين مطالب الحياة. وأن الهدف هو التوفيق بن الروح والمادة توفيقا عمليا ونظريا في أن واحد. وقال: أنه ليس في القرآن شئ يناقض العلم والحق. وأعتقد أن الأمة لن تهجر الدين وأنها ستعود إلى حماة. وقال روم لاندو: ان الغربيين يعتقدون ان التفكير العربي تفكير نظرى, فاذا كان تفكير مصر في خلال أربعمائة عام لم يجاوز نطاق الفقه الدينى فقد يبدو أن هؤلاء الغربيين لم يخطئوا. وقال ان التفكير الغربي تفكير واقعى ينفر من المفروض النظرية وينصب على شئون اليوم, أما التفكير العربي فيبدو أنه منوط ببحث القواعد التي سبق تقريرها فهو كقطع (الارابيسك) لاترى فيها حياة نابضة. ورد على ذلك لطفى السيد فقال: يؤسفنى ألا اوافقك فانى أرى نقيض ما ترى, اذ يبدو لى أن التفكير العربي أقرب إلى الواقع من التفكير الغربي فالشريعة الإسلامية التي ذكرتها دلالة على (نظرية) تفكيرنا, ليست كالشريعة المسيحية مقصورة على بحث أصول العقائد والأخلاق فاحسب, بل نتناول تفاصيل الحياة ووقائعها, فهى تضع قواعد للعمل وللزواج وللميراث لوما شاكل ذلك من أمور الحياة. وتساءل روم لاندو: هل لا يزال الدين عاملا قويا في الحياة المصرية وأجاب لطفى السيد: لايزال أثره في الحياة الإسلامية أوضح من أثره في الحياة المسيحية, ذلك لأن قواعدنا تقوم على قاعدة من القرآن. ومن العسير في الأقطار الإسلامية ان تفرق كثيرا بين تعاليم الدين وأمور الحياة اليومية". وقد أشار كثير من الباحثين إلى مدى الفارق بين الشرق والغرب من ناحية الدين, فالغرب قد ترك دينه لأنه وجده يقف به عن التطور والانطلاق, ولذلك فصله عن الدولة. أما الإسلام فانه لا يقف عقبة أمام الفكر العربي أو الحضارة, بل أنه يفتح باب التطور, كل ما هناك أن صورة المسلمين قد تحاول ان تعطى صورة الإسلام وهذا خطأ, فان جوهر الدين واضح الدلالة, أما مظاهر المسلمين فانها بطول الزمن وبعوامل الاضطراب والقصور الماضية قد أصابها ما جعلها غير مطابقة تمام

стр. 176

لجوهر الدين وقد أشار "جب" في تقرير له إلى أن الشرق وصل إلى نتيجة حاسمة هى اتخاذ سبيل المدرسة الوسطى التي تجمع خير ما في ثقافة الغرب إلى تراثها العربي المجدد قال " لقد أخذ جميع المسلمين المتنورين يسلكون سبيلا وسطا فأخذوا خير ما في الشرق وخير ما في الغرب. وأن الذكريات التاريخية والاعتزاز المشترك بالماضى سيظل لهما المكان الأعلى ولن يستطيع العرب أن يقطعوا صلتهم بالماضى كما قطعها الأتراك لما كان الإسلام جرءا لا يتجزأ من الماضى فليس في وسع المثل العربي الأعلى أن يتجرد منه تجردا تاما. *** (الامتيازات واستعارة النظم) هل ترك الغرب للعالم العربي حريته في الاقتباس او النقل من الحضارة؟ الواقع أنه لم يفعل, وأنه فرض نظمه القانونية والسياسية والاجتماعية وكانت الامتيازات الاجنبية عاملا هاما في هذا المجال. ذلك أن الغرب حين امتد نفوذه إلى الوطن العربي عن طريق قناصله وارسالياته ثم عن طريق الاحتلال لم يتوقف امام تحطيم الانظمة ذات اللون الإسلامي القائم في العالم العربي بل حطمها واحل بدلا منها أنظمة جديدة منقولة من القوانين الاوربية. وكان ذلك في مجال القضاء والتشريع والحكم, كما فصل الاستعمار بين الإسلام والسياسية. والقانون المدنى الاوربى يستبقى من منبعين أحداهما رومانى والآخر مسيحى وكان إسماعيل أول من سمح بترجمة القوانين الفرنسية وجعلها أساسا لقوانين الدولة دون اشراك التشريع الإسلامي في موادها. كما عمد مصطفى كمال في تركيا بعد الثورة التركية إلى أقصاء التشريع الإسلامي كلية, والعمل بقانون سويسرة المدنى وقانون الجزاء الايطالى. وقال: ان التشريع والقضاء في أمة عصرية يجب ان يكونا عصريين مطابقين لأحوال الزمان لا للمبادئ والتقاليد. وقد كان واضحا أن عمل كلا من إسماعيل باشا في مصر ومصطفى كمال في تركيا ليس جريا حرا مع طبيعة التطور, وانما كان مفروضا بنفوذ الغرب الفكرى والسياسى. اذ أن هذه القوانين كانت بعيدة عن العقلية العربية أو الإسلامية وعن الذوق والنزع والشرب. . ولم يكن فيها ما يتفق مع الزمان, والمكان. خاصة اذا عرف أنها نقلت. دون تعديل أو تنسيق مع أحوال البلاد وفروق الزمن والبيئة. وقد عزل التشريع الإسلامي عزلا تاما في هذه المرحلة مع سعة مذاهبه ويسره واجازته العمل بالصالح المرسلة, وقد اتخذ خصوم الإسلام من جمود بعض فقهاء العالم العربي الإسلامي حجة على جمود الشريعة. وفى ابان وضح الدستور المصري وبعد تشكيل لجنة الدستور (١١ ابريل ١٩٢٢) جرت أبحاث متعددة في الصحف عن موقف اللجنة من التشريع الإسلامي, وقد أخذت مواده من الدساتير الأوربية. ولم يرد فيه أى نص من الإسلام سوى العبارة التي تنص على أن دين الدولة الرسمى هو الإسلام. ويتصل بهذا سيطرة الامتيازات الأجنبية على الحياة الفكرية والاجتماعية المصرية, وحيلواتها دون اتخاذ السبيل الحر في معاملاتها او تشريعها أو احكامها وقد زاد في وطأة الامتيازات بمصر انشاء المحاكم المختلطة في عهد إسماعيل وظلت الامتيازات الاجنبية عقبة في سبيل الاصلاح. ويمكن القول بان الامتيازات الاجنبية كانت ركيزة استعمارية بعيدة المدى, في مجال الاقتصاد والاجتماع والسياسة والفكر.

стр. 177

مواقف الفكر العربي الإسلامي من الصهيونية والشيوعية

стр. 178

(١) أثر الدعوة الصهيونية في الفكر العربي المعاصر كان للدعوة الصهيونية أثرها في الفكر العربي الإسلامي المعاصر، بعد أن عم أثرها الفكر العالمى كله، وتداخلت مع الفكر الغربي الاستعمارى والفكر الشرقى الماركسي. ولقد كان الفكر الصهيونى بالغ الأثر في هذين التيارين المتصارعين. ولعل أول ما يقال هنا أن أقوى نظريات الهدم والتدمير والتخريب التي حمل لوائها الاستعمار الغربي والغزو الثقافي إلى الشرق، والى العالم الإسلامي انما كانت من (ايداع) فلاسفة يهود أصلا، وصهيونيين ثانيا، يحملون الدعوة الأساسية التي حملتها الصهيونية ولونت بها الفكر العالمى بقصد فرلض سلطانها على الفكر العالمى والسيطرة على العالم، وتحقيق حلم انشاء الحكومة اليهودية الكبرى التي تحكم العالم كله. ولقد ظهر الصراع قويا بين الفكر الصهيونى والفكر المسيحى في نواحي، وظهر الالتقاء في نواحى أخرى، ومن هنا نشأت تيارات ثلاث كانت تتضارب فيما بينها، ولكنها تلتقى عند هدف واحد هو: السيطرة على الوطن العربي الذي هو مفتاح العالم الأسود الأفرو آسيوى الذي ظل مركز الصراع بين الاستعمار الغربي والاستعمار الصهيونى والاستعمار البلشفي. *** الماسونية الحديثة واذا كانت الدعوة الصهيونية قد أخذت سبيل العمل الحقيقى لاقامة كيان يهودي بمؤتمر "بال" عام ١٨٩٧ الذي يعد أول مؤتمر صهيونى وضعت فيه خطط المشروع الأساسى للعمل على اقامة دولة يهودية. كما وضعت به بروتوكولات صهيون التي استمدت مقوماتها كنظام من "التلمود"، فان هذا المؤتمر كان نتيجة لخطوات طويلة وأعمال تمهيدية بعيدة المدى، هذه الخطوات التي يمكن العودة بها إلى الوراء، ربما إلى مائة وثمانين عاما، أى إلى عام ١٧١٧ وهو العام الذي ولدت فيه "الماسونية الحديثة" في انجلترا ثم ١٧٢١ في فرنسا حيث أعلنت الماسونية أن هدفها هو المحافظة على نفوذ الاسرائيليين واتخذت من هيكل سليمان شعارا لها، وقد سيطرت اليهودية على أغلب محافل الماسونية في العالم ووجهتها للعمل واليها عزى كل ما أريق من دم في الاغتيالات الخفية التي دبرت ونفذت حيث سارت الماسونية مع الصهيونية لصنع الثورات أو اشعال نيرانها أو الاستفادة منها لتحقيق أغراضها. وقد حققت الماسونية أكبر انتصار لها في الثورة الفرنسية (١٧٨٩ - ١٧٩٥) حيث كان أبرز أبطالها من اليهود: ميرابو وفولتير وروبسبير. *** الماسونية وقد حققت منظمات الماسونية نجاحا واضحا في الوطن العربي كدعوة وظهر لها تيار فكرى واضح في مؤلفات متعددة وكتابات وصحف، فكتب في الدعوة لها جورجى زيدان وكان شاهين مكاريوس بمجلته اللطائف من أكبر دعاماتها وكتب في الترويج لها محمد سعيد المراغى وأحمد زكى أبو شادى وعزيز ميرهم وغيرهم كثيرون، وهاجمها مؤلف كتاب "كشف الظنون عن حال الخرمسون" والأب لويس شيخو اليسوعى صاحب مجلة (الشرق). وقد طبعت قوانينها بالعربية في بيروت ١٨٨١ وطبعت "النظامات" في مصر ١٨٩٠ ووصفها جورجى زيدان بأنها أقدم الجمعيات الحية وأرجع انشائها لأول القرن الثامن قبل الميلاد في زمن (نومايومبيلوس) وقد تقلبت في أحوال شتى ووصف عزيز ميرهم كلمة (الماسون) بمعنى البنيان، وأرجع تكوينها الأول إلى البنائين الذين وضعوا فن البناء، ثم تطورت من مزاولة فن البناء المادى إلى فن البناء الأدبى والاجتماعى وبقى من آثار الجماعة

стр. 179

الأولى نظامها وترتيبها وطقوسها وآلاتها وأصبح ذلك كله رموزا وأسرارا للكتابة عما يرمون اليه من تربية نفسية وتشييد اجتماعي. وقال: أن المحافل الماسونية لم تجتمع في سلطة عليا الا عام ١٧١٧ في لندن وانتخب أستاذا أعظم لها الدوق دى مونتاجو. وقد كشف كثير من الباحثين عن الصلة بين الماسون وبين اضطهاد اليهود، فقال أنها تهدف في الأغلب إلى مقاومة التعصب الدينى وخلق جو من السماحة والحرية أمام أعضائها أيا كان ديانتهم وأداء الخدمات لهم. وقد عزا اليها عزيز ميرهم (السياسة الأسبوعية ١١/ ١٢/٢٦) وغيرم أثرها في الثورات وحركات التحرر. فأشار إلى أنها وضعت شعار الثورة الفرنسية (حرية واخاء ومساواة) وأن كبار رجال الثورة كانوا من الماسون أمثال ميرابو وبريسو وكاميل ديمولان ودانتون وأن "لافييت" الذي أملى وثيقة الاعتراف بحقوق الانسان والذى حرر الولايات المتحدة كان من الماسون. وقال عزيز ميرهم: أن الماسون هم الذين حرروا العالم من سلطان البابوية وفرقوا بين السلطة الدينية والسلطة الدينية للبابا، وأنهم حملوا لواء الحرية الفكرية وهدموا سلطان الكنيسة في ايطاليا وفرنسا وأنالوا تركيا دستورها بفضل محافلهم القائمة بها - وقد اختلفت الكنائس في النظر إلى الماسونية (هامش الصحفى العجوز - الأهرام ٢/ ٦/١٩٣٣) فالكنيسة الكاثوليكية تمقت الماسونية وتحاربها، أما الكنيسة الأنجليكانية فهى على عكس ذلك. ووصف تطور الماسونية في مصر فقالت أنها دخلت في عهد إسماعيل، وكان الخديو من أكبر رؤسائها وكان الأمراء والوزراء وكبار رجال القضاء أعضاء في محافلها. ثم تطورت واتسع نطاقها. وتعددت لوحاتها ومحافلها ودخلها كل من هب ودب. وأشار إلى ما قيل من فوائد الماسونية ومنافعها لأعضائها ومشتركيها وللهيئة الاجتماعية وما قيل "مما لا يصدق عن عقاب من يبوح بتلك الأسرار المقدسة وجزاءه العقاب بالقتل في رائعة النهار بالسم أو السيف والمسدس". وعارض رأى القائلين بالسرية وقال أن الفضائل يجب أن لا يكون سرا، وأن طبيعة العصر تنافى السرية وأصحاب الأسرار، وأشار إلى أن موسولينى شتت المحافل الماسونية في ايطاليا وتبعه هتلر. وارتاب لويس شيحو اليسوعى (مجلد ١٥، ص ٣٢٦ - الشرق) في أمر الماسونية فتساءل لماذا "تحتجب عن أعين الناس وتتستر في زوايا الظلمات ولا يجتمع أعضاؤها الا في الليل الدامى في بيوت يحصنونها بالحراس فلا يدخل الا من عرف كلمة الجواز السرية واذا دخلوا كتموا بكل حرص ما يدور بينهم من الأحاديث، وأشار إلى تعارض العمل الخيرى مع الأقسام والأيمان بعدم البوح بالأسرار. وقال (أن للماسونية طقوسا ورتبا وأزياء غريبة ولمسات وخطوات وطرقات وتهويلات في درجاتها العديدة من الدرجة الأولى إلى الدرجة الثلاث والثلاثين، ومن درجة الرفيق إلى الأستاذ". وقد كشف معارضى الماسونية وأغلبهم من المسيحيين أنها تهاجم المسيحية وأنها ترمى إلى القضاء على الدين كما فعلت في ثورات ١٧٨٩ الفرنسية و ١٩٢٠ الشيوعية و ١٩٢٦ التركية، وقد ردد الدكتور صروف (المقتطف فبراير ١٩١٠) (اتهام بعض الناس للجمعية الماسونية بأنها حملة سياسية معادية لكل سلطة مدنية) ثم دافع عنهم وقال أن اتهامها بمعاداة الأديان لا يتفق مع وجود عدد كبير من رؤساء الأديان بها وقال: "والذين يعرفون الجمعية الماسونية يعرفون حق المعرفة أنها ليس لها غرض الا أن تساعد أعضائها بعضهم بعضا في أمورهم الزمنية وأن يسعوا في كل ما يعلى شأن البشر ولهم في ذلك مآثر كثيرة". وقال خصوم الماسونية أن القضاء على سلطان الكنيسة وهدمه والفضل بين السلطة المدنية في البابوية والمسيحية والغاء الخلافة في تركيا كل هذا كان من عمل الماسونية التي هى في نظره جمعية سرية صهيونية قامت وفق بروتوكولات صهيون وتسترت في أغراضها وراء هذا الشعارات والأهداف، وأنها كانت ذات يد في القضاء على كل من وقف أمام الصهيونية كاقصاء السلطان عبد الحميد، ومدحت وهتلر وموسولينى وجمال الدين الأفغانى الذي انشق عن الحفل الماسونى وعارضه وأقام محفلا ماسونيا تابعا للمحفل الفرنسي. ولقد تأثر الفكر العربي الإسلامي بأفكار الماسونية التي انتشرت في العالم العربي وكان لها محافل متعددة في مصر والشام والمغرب، وكان جمال الدين الأفغانى قد دخل الماسونية ظنا بأنها تخدم أهدافه لتحرير العالم الإسلامي من الاستعمار. أما في العالم الإسلامي فقد تركزت الماسونية في تركيا على نحو ضخم، وكان لها سلطانها الواضح على جمعية الاتحاد والترقى العثمانية التي قامت نظمها أساسا وفق أنظمة الماسون وكان أغلب أعضائها من الماسون. وقال الدكتور صروف أنها هى التي بثت في نفوس

стр. 180

العثمانيين روح الحرية. وقد أعلن المؤرخ برتوبك بأن الماسونية كانت هى المحرك الأول والمرشد الأكبر في تقويض الاستبداد العثمانى وخلع عبد الحميد. *** الصهيونية في أولى خطواتها وقد كان نداء ١٧٩٨ الذي وجهه يهودي فرنسي إلى اليهود للقيام بمعاونته في اعطاءهم (أورشليم) داعيا إلى تحقيق مشروع القدس واقامة مجلس ينتخبه اليهود المقيمون في ١٥ قطرا للاستيلاء على مصر والمنطقة الممتدة منها إلى عكا إلى البحر الميت إلى البحر الأحمر مؤكدا أن هذا المركز يجعل - اليهود وفرنسا - مسيطرين على سير الملاحة في البحر الأحمر قابضين على ناصة تجارة الهند وبلاد العرب. كان هذا النداء مقدمة للنداء الذي وجهه "نابليون" عام ١٧٩٩ لمعاونته في اعطاء اليهود "أورشليم" غير أن اليهود الذين كانوا حريصين على أن يتموا مشروعهم بأنفسهم قد تجاهلوا نابليون وقصدوا إلى عمل آخر حين اتصلوا بالسلطان عبد الحميد من ناحية ثم بمحمد على من ناحية أخرى، أما (السلطان عبد الحميد) فقد رفض العرض الذي يرمى إلى استثمار مليون فدان في السلط بفلسطين بالرغم من سخاء العرض الذي قدم له وهو فيما يروى بعض المؤرخين سبعة ملايين جنيها ذهبا. أما العرض السابق فيغلب أنه نجح حيث منح "محمد علي" امتيازا واسع المدى لموسى مونتو فيورى الثرى اليهودي الكبير لشراء مساحات كبيرة كانت هى أولى المناطق التي استولى عليها اليهود في فلسطين وبها أنشئت أول جمعية لاستثمار أراضى فلسطين عام ١٨٧٩. وفي هذه الفترة كتب الدكتور تيودور هرتسل اليهودي النمساوى (١٨٩٥) كتابه الذي آثار ضجة وذيوعا (الوطن الاسرائيلي) والذى ترجم إلى الفرنسية والانجليزية والعبرانية والنمساوية، وقامت الفكرة فيه على أساس احتلال اليهود لفلسطين، وخلاصة آراء هرتسل أن أعداء الساميين آخذون في الازدياد ولا يستطيع اليهود مقاومتهم لتشتت شملهم في الأرض، لذلك لابد من قيام جمعية سياسية مالية تشرف على شركة يهودية اقتصادية رأس مالها (كذا) مليون جنيه ومركزها لندن للقيام بشراء أراض فلسطين التي يوجد بها هيكل سليمان على أساس أن الناس - أى اليهود - لا يساقون الا بمثل هذه الشعائر الدينية، ورسم مؤتمر بأن ١٨٩٧ خطة العمل: ايجاد وطن شرعى للشعب الاسرائيلى في فلسطين وذلك مع احياء الآداب العبرانية ونشرها وتعاليمها وبعثها بعد انطوائها أكثر من ألفى عام، وقد تحقق ذلك بانشاء الجامعة العبرية في القدس وبدأ التنقيب على الآثار اليهودية. ومنذ ذلك التاريخ دخلت إلى الفكر العربي الإسلامي محاولات كثيرة لتسميم حقائق التاريخ والفكر وذلك بمحاولة ابراء تحريف التاريخ والتراث العربي حيث دس اليهود في مختلف المؤتمرات والمؤلفات والكتابات ما أطلقوا عليه حقهم الكاذب في فلسطين، وقد كان لهم من السلطان عن طريق فرنسا وبريطانيا ما مكنهم من التسلل إلى كتب التاريخ التي تدرس في المدارس والجامعات وعن طريق المستشرقين اليهود أو أصحاب الولاء للصهيونية الذين عملوا في مصر ولبنان وغيرها من دول العالم العربين كما امتد نفوذهم إلى الصحف العربية والمصرية بالذات وذلك ضمن خطة انشاء الصحف الكبرى في روسيا والنمسا وايطاليا وانجلترا والصين واليابان والباكستان وقد استغل اليهود الاضطهاد الذي واجههم في روسيا ابتداء من عام ١٨٨٣ وقضية ديفورس ١٨٦٧ التي تجلى فيها العداء لليهود على أشده، وبدأ ظهور النزعات القومية في أوروبا مما أداهم إلى الاندفاع في الخطة التي حققت في نهاية الحرب العالمية الأولى قيام وطن قومى لليهود في فلسطين بصدور وعد بلفور في ٢٠ نوفمبر ١٩١٨. ويهمنا هنا أن نصور أثر الصهيونية في الفكر والثقافة حيث ظهر عشرات من أعلام الفلاسفة والكتاب الذين سلطت عليهم قوة اليهود المادية وسلطانهم في ميدان النشر والصحافة ومختلف الأضواء ومن هؤلاء سيبوتزا أكبر فلاسفة التاريخ اليهودي. وماكس نوردو الذي هاجم النظم البشرية: الدين والملكية والسياسة والذى تنبأ بالمدينة اليهودية المقبلة وقال: أرى أن مدينة اليوم القائمة على التشاؤم والكذب والأنانية ستبيد وتتبعها مدينة ترتكز على الحق والغيرية والتفاؤل حيث تصبح الانسانية حقيقة واضحة لا معنى خياليا، وكان من أعظم زعماء الصهيونية وعصد "هرتزل" عندما أسست الحركة الصهيونية وكان نائبا عنه في مؤتمر "بال" وهو الزعيم الأكبر لمفكرى الصهيونية. "وفرويد" داعية علم النفس الذي حاول بمذهبه تحطيم القيم الروحية للبشرية و"رويتر" صاحب أضخم وكالة أنباء في العالم والذى سيطر ووجه أخبار العالم لحساب اليهود في مدى امتد أكثر من سبعين عاما.
следующие страницы →