Полный текст (302 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
(٢)
مذاهب الفكر الغربى
اتصل النفوذ الأجنبى والاستعمار الغربي بالغزو الثقافي وكان من نتائجه استيراد عديد من النظريات والمذاهب والآراء: وقد تأثر الفكر الغربي الإسلامي بالثقافة الغربية ومذاهب الفكر الغربي تأثرا بعيد المدى وقد كانت هذه المذاهب تهدف في الحقيقة إلى رسم فلسفة حياة للمجتمع التي تخلص من نزعته الدينية المسيحية بعد أن تحرر من سلطان الكنيسة وسلطان الكهنة وفصل بين الدين والدولة وتوالت شكوكه في الخالق والأنبياء والأديان والكتب المقدسة.
كان هذا كله بين العوامل التي دفعته في الطريق العلمانى لمحاولة رسم فلسفة حياة له تمثلت في نظريات متعددة: كان أقدمها المذهب المادى ونظرية النشوء والارتقاء ومذهب نينشة وروسو ثم النظرية الماركسية والتحليل النفسي والسريالية والنازية والفاشية والبراجماتزم وكان للاستعمار نظرياته التي كان أبرزها نظرية الأجناس (الآرية والسامية) ونظرية تفوق الرجل الأبيض وحقه في حماية الحضارة وتمدين الجنس البشري.
***
المذهب المادى والنشوء والارتقاء
أما "المذهب المادى" فقد غمر الفكر الأوروبى وارتبط بالحضارة الحديثة ومكتشفات البخار والكهرباء في القرن الثامن عشر ومؤداه أن الوجود قديم وأن المادة هى مصدر كل كائن, وأنها تدرجت في حلقات متتابعة وفق نواميس ثابتة تبتدا بالجماد وتنتهي بالانسان في أرقى درجاته الفكرية, وأنكرت نظرية المادة ما جاءت به الأديان من وجود عقل مدبر وروح مفكر خلف هذا العالم, وقالت أن هذا القول وهم جهال, واتصل المذهب بنظرية "النشوء والارتقاء" التي جاء بها "تشارلس دارون _ ١٨٤٣" في كتابه "أصل الأنواع" وخلاصته: القول بوحدة المخلوقات الحية جميعا, أى أن الانسان والحيوان والطير والأسماك والحشرات مشتقة من أصل واحد أو بضعة أصول واحتقر "دارون" الانسان وهاجم القول بأنه سيد الخايقة وأن الروح هى ميراث الانسان دون سواه من سائر الخلائق.
وقد نقلت هذه الآراء إلى الفكر العربي فأثارت مساجلات ودراسات ومعارك فكرية بعيدة المدى، وكانت مجلة المقتطف والدكتور شلبى شميل أول من حمل لواء هذه الأفكار حيث نشر مقالات متعددة في المقتطف ١٨٨٤ و ١٨٨٥ ثم جمعها في كتاب فلسفة النشوء والارتقاء وقد حرص الدكتور شلبى شميل أن يبدأ معركة مع القارئ العربي بهذه العبارة " طالع هذا الكتاب بكل تمعن ولا تطالعه الا بعد أن تطلق نفسك من أسر الأغراض لئلا تغم عليك وأنت واقف تطل على العالم من شرفة عقلك تتلمس الحقيقة من وراء ستارها"
وقد رد على هذا المذهب كثيرون في مقدمتهم: جمال الدين الأفغاني في كتابه (الرد على الدهريين) ومحمد عبده, وفريد وجدى في كتابه "على أطلال المذهب المادى" الذي نشره في المقتطف ١٩١٨ ثم حمل لواء الدعوة للمذهب المادي: سلامة موسى وإسماعيل مظهر في الوقت الذي كانت أوربا قد انتقضت هذا المذهب, وشرحته وأشارت إلى الأخطاء التي تتصل به فقد سقطت نظرية ناموس الانتخاب الطبيعى التي نادى بها دارون وتشكك العلماء في ناموس الوراثة وأشارت دائرة المعارف الفرنسية إلى أن العلماء قد اعترضوا على هذه النظرية واتهموها بأنها مختلة من أساسها لأنها أن جميع الصفات النافعة أعنى كل صفات الأنواع الحية قد حدثت بداءتها اتفاقا (أى بالصدفة).
стр. 72
وجاء العلماء من بعد ذلك يقولون بقصور العلم، وبدأ في أوربا_كرد فعل على النظرية المادية_ مباحث الروحية العصرية, وقد تشدد علماء المادية في رفض الروحية وأبناءها ورموا القائلين بها بكل مثلبة، غير أن العلم التجريبى سلم في نهاية الأمر بأنه قد اكتشف العالم الروحاني بأسلوبه العلمى المحسوس".
وقد دارت هذه المعركة في أوربا خلال القرن التاسع عشر, ولكننا نحن هنا في الوطن العربي كنا ما نزال نتذف بسيل من الأبحاث حول المادية والنشوء والارتقاء كوسيلة من وسائل البلبلة الفكرية والغزو الثقافي
والتشكيك في ثقافتنا الإسلامية الجامعة بين العلم وعقائدنا الدينية.
***
المادية التاريخية
وظهرت نظرية المادية التاريخية التي دعا اليها ماركس (١٨١٨ - ١٨٨٣) وملخصها: أن الظواهر الاقتصادية يمكن ملاحظتها وتسجيلها بنفس الدقة التي تسجل بها العلوم الطبيعية, وهى مقتبسة من نظرية الفيلسوف الألمانى "هجل" التي تتلخص في "أن كل شيء كائن في العالم في حالة تغير دائم متواصل وان التقدم والارتقاء نتيجة للأثر والتأثر بين قوى بدافع بعضها البعض, وقد لخص ماركس نظريته في أن تاريخ المجتمع الحاضر كله ما هو الا تاريخ نزاع بين الطبقات, فالعبيد والأحرار والدهماء ورجال الطبقة العليا والسيد والتابع والمعلم والصانع, وفي الجملة كل هؤلاء وقف الواحد منهم ضد الآخر في حرب لا هوادة فيها.
وتفسر "المادية التاريخية" التاريخ تفسيرا ماديا وتعلل بها الثورات والحروب والأحداث, وقد وجد ماركس "أن التاريخ يمثل صراعا عنيفا بين الطبقات الاقتصادية وأن جميع أنواع الصراع في التاريخ سواء في ميدان السياسة أو في ميادين الدين والفلسفة والاجتماع ما هى الا تعبير صادق عن الصراع الطبيعي في المجتمع".
ويتصل بهذا نظرية " كارل ماركس" في رأس المال وتوزيع الثروة وحق الطبقات العاملة وهي النظرية التي قامت على أساسها الثورة الشيوعية والسوفيتية إلى أطاحت عام ١٩١٧ بحكومة القياصرة.
وقد أثارت هذه النظريات جدلا كبيرا في الفكر العربي الإسلام, ووقف الوطن العربي واسعا تحت سلطان الدول الغربية الرأسمالية يعمل على مقاومة النظرية الماركسية وجرت مقارنات بينها وبين ما يماثلها في النظم الإسلامية مما أطلق عليه اسم الاشتراكية الإسلامية, ووجهت حملات عنيفة على الاشتراكية بصفة عامة تحت تأثير الاستعمار الذي كان يحرص على تدعيم أنظمة الاقطاع والرأسمالية والاستغلال الاقتصادي تتوم به الرأسمالية الاستعمارية في العالم العربي.
***
نظرية ماركس
" أن الضرورة الأولى والأساسية والشغل الشاغل لبنى الانسان هو الطعام والشراب والملبس والمأوى التي لا يستطيع بدونها أن يشغل باله بالسياسة والعلم والفن والدين وغير ذلك, وهذه الحقيقة تعنى أن انتاج المواد الضرورية الحيوية لبنى الانسان وما يتبعه من تطور مظاهر الاقتصاد القومى القائم في عصر ما, أو امة ما, هو الأساس الذي بنيت عليه جميع أنظمة الدولة من قانونية وفنية وحتى المعتقدات الدينية نفسها, وجملة القول أن التنازع على التنازع على الطعام والمأوى هما العاملان اللذان يهيمنان على شئون الجنس البشرى جميعا, ويرى ماركس أن "المسيحية تعلم الناس القناعة بنصيبهم في الحياة الدنيا وتشيد بالاستسلام والخنوع والتواضع فكأنها تخدر أعصاب الشعب وتعمل فيه عمل الأفيون" روبرت. ب. دواتر: كتب غيرت وجه العالم"
وقد وجه النظرية الماركسية الكثير من النقد, وقد نقضها الماركسيون أنفسهم أمثال (سدنى هوك).
وقد تحولت نظرية ماركس إلى دولة بقيام الثورة الشيوعية في روسيا ولكنها كانت بعيدة الأثر في التفكير الاقتصادى في العالم كله, فانها عدلت كثيرا من أنظمة الدول الرأسمالية ودفعت الدول المختلفة التي تقبل نظم (الاشتراكية) وتأميم المرافق لصالح الشعب وبذلك قامت أنظمة وسطى بين الرأسمالية الديمقراطية وبين الشيوعية الماركسية.
стр. 73
النظرية الديمقراطية
واتجه التفكير الغربي إلى نقل نظريات الديمقراطية الغربية إلى الفكر العربي على أنها أصلح النظريات في الحكم والفكر للوطن العربي الإسلامي وأجرى الاستدلال على قرابتها للفكر العربي واتصالها به أشد اتصالا من التفكير الإسلامي ونظريات الحكم الإسلامي.
وكان لهذا أثره في نقل الأنظمة الديمقراطية إلى الحكم في جميع البلاد التي استطاعت بعد جهاد مع الاستعمار أن تحصل على الاستقلال الذاتى, عن طريق معاهدات أقرت وجود قوات الاحتلال وارتبطت مع الدول المحتلة بواسطة مخالفات عسكرية وثقافية واقتصادية.
ثم قامت دساتير في الأقطار العربية وتأسست أحزاب وفق النظام الديمقراطي وقامت برلمانات ومجالس نيابية وقد أثبتت هذه الأنظمة فشلها خلال الفترة التي طبقت فيها, فقد كان النظام الحزبى الذي هو أساس النظام النيابى الديمقراطية وسيلة من وسائل الصراع في كل قطر, وأداة من أدوات التفكيك والتجزئة والحيلولة دون قيام الوحدة الاقليمية مما جعل الأحزاب تتهم بعضها الآخر بالخيانة ومولاة المستعمر, وكان المستعمر ينتصر لهذا الحزب تارة ولذلك الحزب تارة أخرى بما يحقق بقاءه وسلطانه بما يحقق اسراع كل حزب لارضائه بأكثر مما يستطيع الحزب الآخر لضمان البقاء في الحكم وعلى حساب الوطن نفسه.
وفي الحق أن الوطن العربي لم يكن في حاجه إلى تقبل نظام بعينه أو رفض نظام بعينه, وانما كان في حاجه إلى الحرية التي تمكنه من أن يبحث ويغربل ويقتبس الصالح من جميع النظريات والمذاهب بما يتفق مع كيانه ومقدراته ومقومات شخصيته وتراثه وارتباطه بماضيه وموقعه وحاجاته دون أن يفرض عليه هذا الاقباس التبعية لنظام معين أو مذهب معين, تبعية تجعله يسير في ركاب الديمقراطية الرأسمالية والشيوعية الماركسية ولم يكن ذلك ممكنا في ظل الاحتلال القائم الذي كان يفرض مذاهبه وآرائه وأفكاره بالقوة المسلحة.
***
نظرية الشك: ديكارت
وتأثر الفكر العربي بنظرية "ديكارت" التي سجلها في كتابه "مقال عن المنهج" وكان ديكارت وقد اهتدى إلى نظريته في ١٠ نوفمبر ١٦١٩ وهو في جملة, لا ينظر إلى الماضى ولا يأخذ النظريات المقررة المتداولة حقيقة مسلما بها, غير أن الشك الذي يفرضه منهجه لا يجعل من الذهن صحيفة بيضاء, فهو يؤمن بعملية الغربلة والانتخاب بين الأفكار والمعانى التي تداولها الذهن البشرى ولا يمنع هذا عنده من الاحتفاظ بالقديم الصالح, غير أنه يرى هدم ما لا يستحق البقاء من الآراء المتوارثة وقد نعى فلسفة أرسطو الحيرة والعمق.
ورفض ديكارت كل سلطة تحاول أن تفرض على الفكر فرضا ورأى أن العقل هو أساس قبول أى نظرية أو رأي وهو لا يسلم بشئ ما لم يتبين له صحته بداهة ومن غير التباس.
ووجد خصومة من البروتستانت الذين اتهموه بالتشكك والإلحاد والعمل على هدم الجامعات والكنيسة والدولة, كما وجد خصومة من الكاثوليك الذين اتهموه بالمروق للدين.
وقد رأى ديكارت أن بتحرر من قيود الدين المسيحي الذي رآه بصورته لا يمكن من البحث العامي الحر, فدعا إلى تغليب العقل على الموروثات وقال أنه قصد بمذهبه مجال العام وحده وأنه استبقى اعتقاده في الحقائق الدينية, وقد تأثرت بمذهبه ميادين السياسة والدين (توفى ١٦٥٠).
وقد حاول كثير من المفكرين اصطناع مذهب ديكارت في البحث العلمى في مجال الفكر العربي الإسلامي ونادوا به كشئ جديد في حين أن الفكر العربي القديم عرف نظرية الشك التي أخذها ديكارت من المسلمين وحمل آراءها الغزالى وابن حزم وابن رشد ولهم عبارات واضحة الدلالة (عثمان أمين - الثقافة مايو ١٩٤١) في مذهب الشك الذي يؤدي إلى اليقين ولكن هذه النظرية حين حملت إلى الفكر العربي حرفت في أساسها بغية الوصول بها إلى الهدف التغريبى الذي يرمى إلى التشكيك في تراثنا وتحطيم مقوماته.
***
الفاشية والنازية
وقد قامت بعض الحرب العالمية الأولى دعويان أخريان على اثر قيام "الثورة الماركسية في روسيا ١٩١٧ الفاشية في ايطاليا والنازية في ألمانيا كرد فعل لها وقد ظهرت الفاشية أولا كحركة مقاومة للشيوعية وجعل الفاشيست شعارهم القوة والاتحاد زحف الفاشيست
стр. 74
على روما في اكتوبر ١٩٢٢ وتسلم الحزب مقاليد الحكم وبدأت هذه المبادئ تتسرب إلى مختلف بلدان العالم, وكان أبرز معالمها ادخال الحماسة في كل فروع الحياة وتمجيد حب الوطن وحب الأسرة وقد استهدفت الفاشية احياء المجد الروماني باعتبار أن روما مهبط العلم والعرفان والاتجاه إلى جعل الكنيسة الكاثوليكية هى كنيسة العالم كله, كما أدخلت التعالم الدينية على المنهج الدراسى.
وفي ألمانيا ظهرت الفكرة النازية عقب خروج ألمانيا من الحرب مهزومة, تحمل لواء الدعوة إلى انقاذ الوطن الجرماني بعثه من جديد ومقاومة البلشفية وأطلقت على نفسها " الوطنية الاشتراكية" وقد اتخذت النازية من نظريات الجنس (العراق) والدم والسلالة قاعدة لها, وغلا الهتلريون في نظرية الدم الألمانى ونقاءه وتفوق السلالة ونادى هتلر بتفوق الجرمان على جميع أجناس البشر ووصموا الأجناس السامية بعدم الأهلية لانشاء الحضارة (١).
وقد جرت مراجعات لنظريات النازية وتردد أن ما أورد هتلر في كتابه (كفاحى) انما نقله من آراء جوبننيو وربنان, وكان هتلر يهدف بمهاجمة السامية إلى مهاجمة اليهود.
وقد قسم هتلر في كتابه "كفاحى" الجنس البشرى إلى ثلاثة أقسام: الأول يضم الأمم التي خلقت الحضارة وهى الشمالية أو الآرية وخاصة الشعب الألماني والثانى يضم الأمم الهدامة للحضارة مثل اليابانيين, والثالث يضم الأمم الهدامة للحضارة مثل اليهود والزنوج ويرى هتلر أن من حق العنصر المتفوق أن يغزو ويستغل ويطرد أو يبيد جميع الأجناس الأخرى تحقيقا لمصلحته ولما كان الالمان هم أقوى أجناس الدنيا فلهم الحق كل الحق في التحكم في الأجناس الاقل رقيا من سكان الارض
وبذلك كانت "نظرية الأجناس" كما طبقتها "النازية" نظرية استعمارية وقد استولى الحزب النازى على السلطة في ألمانيا سنة ١٩٣٣.
ولعل من أهم أسباب سقوط الفاشية والنازية أنهما مذهبان يقومان على التفرقة العنصرية وسيادة جنس من الاجناس وتفوقه على سائر أجناس البشر.
وقد تأثر الوطن العربي بالفاشية والنازية فجرت محاولات مشابهة للقمصان السوداء في ايطاليا والبنية في ألمانيا فظهرت القمصان الخضراء والزرقاء في مصر كمحاولة تقليدية.
وحاولت حركات القمصان الملونة أن تجعل من هذا الاتجاه تنظيما عسكريا للشباب أو وحيدا للزى غير أن هذه الحركات لم تلبث أن تحولت إلى أدوات حزبية ولم يتحقق من ورائها قيام جيل جديد من الشباب, وقاوم الاستعمار هذه الحركة وربطها بالدكتاتورية.
***
فرويد والجنس
وكان لنظرية فرويد عن التحليل النفسي أبعد الاثر في الفكر العربي الإسلامي المعاصر فقد حملها الفكر الغربي الينا وحاول تأكيدها مع أنها لم تكن أكثر من نظرية تعرضت للمعارضة والنقض والتحول من يونج وادلر وهم زملاء فرويد.
لقد رأى فرويد أن الغرائز الجنسية تلعب اهم الأدوار في تكوين شخصية الفرد وقال أن الطفل يتجه اتجاها جنسيا إلى والديه , منا أنكر فرويد الحب والقلب ووصف النفس البشرية بأنها مجموعة من الرذائل تتحكم في قواها.
وجاء ادلر فخالف فرويد في أساس النظرية فقال أن الغريزة الجنسية ليست أساس الدافع البشري ولكن الدافع هو حب السيطرة والتملك.
ولما كان فرويد يهوديا فقد انتشرت نظريته انتشارا كبيرا في كل الاقطار التي حمل لواء الثقافة فيها المفكرون اليهود, وكان لها أثرها في الأدب الاوربى المعاصر حيث ظهرت نزعة التحليل النفسى في القصة ودراسات الاعلام وتراجم العظماء والقادة.
ولقد تأثر الفكر العربي الإسلامي بنظرية فرويد والتحليل النفسى وخاصة فيما يتعلق بالغريزة الجنسية حيث ظهرت معركة الجنس والأدب المكشوف.
وكان فرويد (١٨٥٦ - ١٩٣٩) قد نادى بنظريته
стр. 75
قبل نهاية القرن التاسع عشر واتسع نطاق الدعوة لها في أوائل القرن العشرين وواجهت الكثير من النقد والتعديل كما ذكرنا، وألف الدكتور "هافلوك أليس" في بريطانيا كتابه عن الحب والعلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة (١٩٠١) وقدم لمحكمة الجنايات التي أتهمته بأنه كتب أشياء "وقحة" لا يصح نشرها بين الجمهور قم جرت أبحاث حول الصراحة في المسائل الجنسية.
ويرجع المؤرخون هذا الاتجاه إلى الادب الماجن والاباحى في الادب الاوروبى إلى أن عصر النهضة في أوربا قام على اساس انتحال من قواعد الدين والاتصال بالتراث الافريقي الذي كان في أغاية من الأدب المكشوف مما دعا إلى ظهور اوسكار واياد ولورنس بعد هافلوك واليس وفرويد, وقد جرت في الأدب العربي المعاصر مساجلات حول الأدب المكشوف والأدب المستور.
***
السريالية
وتأثر الفكر العربي الإسلامي المعاصر بمذهب السريالية في الفن ويهدف إلى التحرر من ضغط كابوس المقاييس ويرمى إلى أن يتم تسجيل ما يرد على مخيلة الفنان من صور ابداعية كما هى بصرف النظر عن جمال هذه الصور أو قيمتها الخلقية أو مطابقتها للمقاييس الاجتماعية.
***
وقد اتسع نطاق هذه المذاهب المنطلقة, بعد الحرب العالمية الاولى وخروج ملايين الجنود من الخنادق بعد قضاء فترة أربع سنوات كاملة في خطوط النيران وهو أتجاه طبيعى يقع في المجتمعات المختلفة بعد الحروب وكان المفهوم أن هذه النظريات جميعا, وهى لم نثبت في ميدان الفكر الأوربى ولم تأخذ صورة الحقائق أو العقائد أنه لا ضرورة إلى نقلها إلى الفكر العربي الإسلامي ولكن الاستعمار أراد من نقلها واذاعتها دعم معركة الغزو الثقافي الذي يهدف إلى بلبلة الفكر العربي وتشكيكه في قواعده واصوله ومحاولة تحطيم مقومات هذا الفكر القائمة على دعائم من الروحية والقيم الانسانية العليا.
***
البراجماتزم
وتأثر " الفكر العربي الإسلامي"بمذهب "الترجماتزم" الذي دعا اليه وليم جمس وحملت لواءه الثقافة الامريكية وهو مذهب الذرائع أو الوسيلة، والذى يرى أن الحقائق أنما هى وسائل لفهم الدنيا وهو ما يطلق عليه بمذهب "الغاية تبرر الواسطة"
وقد أمتزجت هذه التيارات الفلسفية في شبهه تيار فكرى مؤثر أخذ جانب الغلبة على القيم والمثل العليا الانسانية والروحية التي اتسم بها الفكر العربي الإسلامي في تاريخه الطول وحاول التيار الجديد الطغيان عليها, لولا أن تعمق التيار العربي الاصيل وأزداد قوة نتيجة لنظرير "التحدى والمواجهة" التي عرفها الفكر العربي الإسلامي في هذه المرحلة, ولم يكن هذا التيار العربي جامدا ولا متزمتا ولكنه كان متطورا مرنا عمل على الاستفادة من التيارات الفكرية الغربية على النحو الذي يزيده قوة, مع محاولة الحيلولة دون سيطرتها او تمكينها من تشويه الملامح الرئيسية للشخصية العربية الإسلامية والمعالم الاساسية للفكر العربي.
وقد ساعد على هذه المقاومة اضطراب الفكر الغربي نفسه, وتميعه وتأثره بالحروب والأزمات العالمية مما دعا الكثيرين إلى الشك في هذه التيارات ومهاجمتها وارتفاع الصيحه بالاتجاه إلى ثقافة الشرق الروحية ومحاولة تطعيم الفكر الغربي بها_فالفكر الاوربى الذي اتجه في أول النهضة لمقاومة الدين نتيجة لخروج أوربا من أسر الدين المسيحي واتجاهها إلى الثقافات اليونانية واللاتينية القائمة على الأسطورة والجنس, وظهر الاصلاح الدينى الذي أقام البروتستانتية بجوار الكاثوليكية ولم يلبث أن مر بها أسماه "ازمة الضمير" وهو مهاجمة كل قديم من دين ونظم وسياسة ومن أصول الاخلاق والاجتماع (أواخر القرن السابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر) وقد أحدث تقدم العلم والكشوف اضطرابا في الحياة الدينية، دفع المفكرين إلى تحميص المسيحية في ضوء القوانين العلمية والشك في الكتب المقدسة.
وظهور مذهب ديكارت، تأثر المؤرخين به مما دعاهم إلى الشك في مصادر "التواراه" وما أعلن (أوجست كنت) من أن الدين نظام اجتماعى قابل للتطور، كل هذا أصاب الفكر الاوربى بالاضطراب والقلق، حتى اذا انتهت الموجة التي أثارتها الحرب العالمية الاولى من أرتفاع موجات الإلحاد والاباحة علت الصيحة التي تقول
стр. 76
بأن اوربا مصابة في صميم كيانها وأن دعائمها الثقافية تتداعى وتنهار.
وأشفق ذو الرأى من الحد الذي وصلت اليه زعزعة العقائد الدينية حيث أصبح المذهب الكاثوليكي في نظر الغالبية الأوربية مجرد أوضاع تقليدية جوفاء وطقوس مادية قد تبدو براقة ولكنها لا تقنع العقل العلمى، هنالك قام جماعة من الفلاسفة والمفكرين أمثال الكونت هرمان دى كايسرلنج ورينيه جيبون وجان كاف وموريس ماترلنك وبرتراند رسل يدعون بالرجمة إلى الشرق وجرت ومحاولات لتلقيح للحضارة الأوروبية بالبوذية والبرهمية، والاتصال بالثيوصوفية ومحاولة تغليب قيم القناعة والتأمل والتطهر.
ونعى "برتراند رسل" على الحضارة ماديتها وقال أن الانسان في الحضارة الصناعية تتضاءل حياته إلى حد انه يعتقد أنه مخلوق لكى يكون جزءا من آلة كبيرة لا غاية لها الا الانتاج.
وجرت أبحاث تقول بأن اشتغال المرأة قد زاد انحلال الأسرة, فان المرأة التي تعمل تتمرد على تقاليد الأخلاق ويؤدى الكسب عندها إلى فسخ الرابطة الاقتصادية بينها وبين الرجل غير أن هذه الدعوة لم تلق عند الأوربيين صدى ..
وقد جرت محاولات لنقل ميدان هذه المعركة إلى الفكر العربي الإسلامي ولم يكن ذلك طبيعيا ولا مؤديا إلى نتائج غير بلبلة الفكر، ذلك أن الإسلام يختلف عن المسيحية كثيرا في حرية الفكر ومناهج البحث, وقد اعطى المفكرين في الازمنة المختلفة الحرية التي اتاحت لهم انتاج اعمال فكرية بعيدة المدى، واذا كان الشرق الأقصى (الهند والصين) قد عرف بالمذاهب الروحية المطلقة واذا كان الغرب (أوربا وأمريكا) قد عرف بالمذاهب المادية البحتة فقد كانت الأمة الإسلامية العربية (الشرق الاوسط).
وجملة القول أن الفكر العربي الإسلامي قد وقف من هذه المذاهب والآراء والدعوات موقف الحذر غير أن تجربة ذات خطر حدثت وطبقت فيها نظريات الفكر الغربي واتجهت نحو الغرب اتجاها كليا: تلك هى تجربة تركيا.
المراجع
ديكارت: عثمان أمين: الثقافة مجلد (١٩٤١).
أربون وساميون: المازنى: البلاغ: ٢١ يونية ١٩٦٣.
الفاشية: الاهرام: نوفمبر وديسمبر ١٩٢٣ ويوليو ونوفمبر ١٩٣٦.
دارون: الهلال: مجلد ١٣ ومجلد ١٨.
محمد فريد وجدى: /ك/ على أطلال المذهب المادى: ١٩٢١.
برتراند رسل: المقتطف يناير ١٩٣٠.
إبراهيم المصرى: /ك/ الفكر والعالم.
يعلتوب فام: /ك/ البراجماتزم: مذهب الذرائع ١٩٣٦.
стр. 77
(٣)
تغريب تركيا وآثره على الفكر العربي الإسلامي
كان لتغريب تركيا بعد الحرب العالمية الأولى أثره البعيد المدى في حركة التغريب والغزو الثقافي في العالم الإسلامي والوطن العربي، ذلك أن تركيا كانت دولة الخلافة التي ارتبطت بها الأمة العربية أربعة قرون كاملة ولذلك فقد كانت تتطلع اليها بعد أن انفصلت عنها (بعد الحرب) لتتابع خطواتها على الطريق.
ولقد اهتز الوطن العربي لمصطفى كمال حين قام بمحاولته الجريئة في اجلاء اليونانيين وتحرير تركيا واعادة هزيمتها في الحرب نصرا.
غير أن تحول مصطفى كمال بعد ذلك إلى الغرب كان موضع الدهشة والغرابة, هذه الدهشة التي بلغت قمتها عندما الغى مصطفى كمال "الخلافة الإسلامية" وفرض الكتابة من الشمال إلى اليمين وفرض القبعة والحضارة الغربية بقوة الحاكم الدكتاتور وليس بالتربية والاقناع.
وقد كان هذا بالنسبة للامة العربية امتحانا خطيرا عاشت في بوتقته خلال هذه الفترة حتى الحرب العالمية الثانية.
أقفل عبد الحميد أبواب تركيا في وجه الحضارة وفتح مصطفى كمال الأبواب على مصاريعها لتركيا أمام الحضارة الغربية.
قاوم عبد الحميد التغلغل الأوربى الفكرى وذهب مصطفى كمال إلى الغاية في قبول افكار أوربا إلى الحد الذي نزع به إلى اعتبار تركيا من الغرب وليست من الشرق ورفض كل الأفكار الإسلامية التي تتصل بالحكم واللغة والدين والمجمع والتقاليد والاخلاق.
واذا كان "الاتحاديون" قد دعوا إلى تتريد عناصر الامبراطورية العثمانية وعارضوا بمذهب (الجامعة الطورانية) مذهب (الجامعة الإسلامية) الذي دعا اليه عبد الحميد فان مصطفى كمال رفض غير "ما تركيا" نفسها وأدار وجهه للعلم الأوربى.
ولقد كان اتجاه تركيا إلى الغرب أتجاها ماكرا كونته عوامل مختلفة أهمها ما قاسته تركيا العثمانية قبل الحرب العالمية وخلالها من تسلط الدول الأوربية عليها وتغلغلهم واتساع النفوذ الاجنبى فيها نتيجة أضعف مركز الخلافة.
وكان للثورات المختلفة التي قامت في أطراف المملكة والانتفاضات التي احرز بها الغرب الاستيلاء على عدد من الأقطار، ثم ما كان من اشتراك تركيا العثمانية (بقيادة الاتحاديين) في الحرب العالمية في صف ألمانيا ثم هزيمتها واحتلال الحلفاء ومنهم اليونان لها، هنالك سيطرة فكرة تغريب تركيا واخراجها من تاريخها وماضيها كله، وكان بانتصار مصطفى كمال في معركة "سقاريا" وقيام الجمهورية التركية على أنقاض الدولة العثمانية أثره الواضح في احداث هذا الانقلاب التغريبى.
وكان السلطان الحاكم الذي أطلق عليه "الحكم الأبوى" قوته وسيطرته على تحويل النواميس الاجتماعية بقوة القانون وفرض الأنظمة الجديدة لسلطان الحاكم وحده، دون تقدير للعوامل النفسية للشعوب وحملات التعبئة للمشاعر أزاء عمليات التطوير وشحذ الاذهان
стр. 78
لتقبل الافكار الجديدة، كان لهذا كله أثره البعيد المدى فيما بعد وصف بأن تركيا ما تزال إلى الحرب العالمية الثانية تعانى "الآم المخاض"
ولست ادرى إلى أى مدى يمكن قبول ما اذيع ورددته الصحف من أن شروط التي عقدت بين تركيا والحلفاء في لوزان عام ١٩٢٣ والمعروفة بشروط كرزون الأربع قد تضمنت (١) قطع كل صلة بالإسلام (٢) الغاء الخلافة (٣) اخراج اصار الخلاقة والإسلام من البلاد (٤) اتخاذ دستور مدنى بدلا من دستور تركيا القديم.
وقد اتجهت تركيا إلى الغرب اتجاها عاصفا عنيفا شاملا، وقبلت نظرية الغرب قبولا كاملا، لم تتردد في النظر اليها أو الاقتباس منها كما فعلت البلاد العربية بل قطعت كل صلتها بالماضى القديم واتجهت نحو الغرب أتجاها كاملا في ميادين اللغة والزى والدين والمرأة وحققت:
- الغاء الخلافة والغاء الاوقاف وحذف مادة دين الدولة الرسمى الإسلام.
- الغاء الزى الشرقى وفرض الزى الأوربى والقبعة
- الغاء الحروف العربية.
- تحرير المرأة ودفعها إلى المجتمع والحرية.
(١) اللغة: قرر مؤتمر باكو (٢٧ مارس ١٩٢٦) استعمال الحروف اللاتينية في كتابة اللغات التركية والتتارية وجاء في قراره "لقد دفن المؤتمر الحروف العربية نهائيا "ولم يقم مندوب واحد للدفاع عنها" واستعمال الحروف اللاتينية بعد أن رأى هذه الحروف أوفى بالعمل من الحروف العربية من الوجهتين الادبية والاجتماعية. وقد حمل مصطفى كمال بنفسه لواء العمل فوقف أمام السبورة وعلم الشعب الكتابة بالحروف اللاتينية، وكلف حوذيا أميا يدعى بكير أغا ولا يعرف القراءة والكتابة بأن يقف عند السبورة وعلمه عليها الحروف اللاتينية وقال مصطفى كمال للاهالى: أمحو من أذهانكم الحروف القديمة محوا تاما. وقال أن الكتابة الجديدة ستمكن الكفايات العالية والعبقريات الباهرة من التقدم وصدر الأمر بتعليم اللغة الجديدة في المدارس التركية كلها. وأرغمت الصحف والمجلات على أن تطبع بالحروف اللاتينية وصدرت الأوامر ألا تطبع أو تنشر شيئا بالحروف العربية ورفعت اللافتات العربية وأمرت مكاتب البريد ألا تقبل أو تخرج رسالة معنونة بالحروف العربية، واستقدمت ماكينات لينوتيب مجهزة بالحروف اللاتينية.
ثم تقرر قطع كل صلة باللغات العربية والفارسية وتنقية اللغة التركية من جميع الألفاظ العربية والفارسية والاستعاضة عنها بكلمات تركية أو أروبية.
***
فصل الدين عن الدولة
وأعان مصطفى كامل بأن الدين يجب ألا يتعدى المعابد وان حرية الفكر هى أساس لحرية الدولة، ولكل أنواع الحرية وقال: أن المادة التي تنص على أن الإسلام هو دين الدولة الرسمى لم تعد صالحة لهذا العصر وأنه يجب حذفها من الدستور في اول فرصة.
ثم ندد تنديدا شديدا بالذين استخدموا الدين سلاحا لهم ووسيلة لتحقيق اغراضهم الدنيوية، وقال في الدفاع عن اتجاهه هذا بانه لا يتوقى من فصل الدين عن الدولة الا المحافظة على كرامة الدين وانتزاعه من أيدي محتكريه واعادته إلى ضمير الأمة مخافة أن يصير مع الزمن كما كان في عهد الخلافة آلة بيد المستبدين الظالمين.
وفي خلال السنوات التي سبقت معركة سفاريا (١٢ أغسطس ١٩٢١) وهزيمة اليونان (٦ أغسطس ١٩٢٢) بدأت المعركة التغريبية التي استمرت خمسة عشرة عاما فقد خلع السلطان (نوفمبر ١٩٢٢) وأعلنت الجمهورية (أكتوبر ١٩٢٣) ثم ألغيت الخلافة ووزارة الأوقاف والقوانين الشرعية والمحاكم الدينية، واغلقت المدارس الدينية (مارس ١٩٢٤) ثم الغى الطربوش واستبدل بالقبعة (يوليو ١٩٢٥) ولم يمر على ذلك عامان حتى الغى الدستور وحذفت مادة "الإسلام دين الدولة" وأبدلت الحروف العربية بالحروف اللاتينية (١٩٢٨) وفي العام التالى ألغى تعليم الدين في المدارس (١٩٢٩) وفي عام ١٩٣٣ ألغى قسم الدين من الجامعة وفي العام التالى (١٩٣٤) منع اللباس الشرقى نهائيا وفي عام ١٩٣٧ نص الدستور على أن تركيا دولة علمانية وبذلك ثم اتجاه تركيا نحو الغرب.
стр. 79
وقد كشف الغرب عن صلته بالتحول القهرى الذي تم في تركيا حين اعلن لورد كرزون في مجلس العموم البريطانى (مارس ١٩٢٣) تصريحه: لقد قلت للترك بان توجيههم وجوههم إلى جهة ايران والافغان مضر بهم وانه ينبغى لهم ان يوجهوا وجوههم نحو الغرب ويقيموا انظمتهم على اساس الحضارة الأوربية، غير ان صحف تركيا لم تؤيد حركة التغريب وقالت جريدة "توحيد افكار" ان على الغربيين ان يقيموا الدليل على ان انظمة الحضارة الأوروبية خير من انظمة الحضارة الشرقية.
وقد كان لحركة التغريب في تركيا اثران واضحان:
١ - في تركيا ندسها والعالم الغربى.
٢ - في العالم العربي.
وقد كان لحركة التغريب في تركيا اثران واضحان:
فقد قالوا انها اكسب للشرق كله وان نجاح دولة إسلامية في ميدان التقدم والنهضة والحرية لا شك له أثره الكبير في مواجهة الغرب.
وان الحركة قضت على جميع الخرافات المذهبية التي كانت متسلطة على عقول السذج، ومحت الأمية من البلاد وبثت روح العسكرية والنظام في الشعب التركي وحررت المرأة التركية وعلمتها واجبها في الحياة.
وقال انصار الحركة: ان التفكير الذي تتجه اليه تركيا هو ثمرة من ثمار المدرسة الفرنسية التي تقود الروح التركية، وأن الروح الفرنسية هى التي ستظل تملى على الحياة التركية الفكرية اتجاهاتها وان الثورة التركية وليدة الثورة الفرنسية: وارجع الكثيرون اثر الحركة إلى حركة الماسونية الفرنسية التي انتشرت في سالونيك وأنقرة والتي كان من أثرها الاتجاه بالروح التركية إلى ما أطلق (الراديكالية الفرنسية) وقد أكد هذا المعنى قول مصطفى كمال (٢/ ٤/ ١٩٢٤) ان وجهتنا هى السير من الشرق إلى الغرب. أعلموا أننا لأننا اضطرنا إلى اختيار موطن لنا في الشرق قد وقع اختيارنا على موطن لنا في الشرق قد وقع اختيارنا على موطن غربي بقدر الامكان لما الغرب من علاقة بمنشانا الأول فاذا كانت أجسامنا في الشرق فأنظارنا ما برحت متوجهة إلى الغرب".
وقال خصوم الحركة: أن العمل الذي تم في تركيا أنما فرض عسكريا ولم يقم على أساس الاقتناع. وان الحركة جاءت من رجال الجيش وليس من جانب الأمة "وان الذهبية التي غلبت على جماعة أنقرة في أن يقنعوا أوروبا بأنهم صاروا مثلها ان تتحقق الا يوم يستطيعون ان يصنعوا بندقيتهم وابرتهم، اما البرنيطة والرقصة فتأتيان بعد المدرسة".
وقال الدكتور هيكل (كتاب ولدى ص ٢١٦) ان هذه القصة النهضة تبدو كأنها ليست أثرا محتوما لتطور طبيعى وانها مصنوعة على يد مصطفى كمال وأصحابه الذين فرضوها على تركيا عن طريق التشريع، وألزموها الأخذ بها بقوة القانون، وبما وراء القانون من الجندي وسيفه ومدفعه، وهاجم الكتاب العرب موقف تركيا من الألفاظ العربية واجاههم إلى حذفها من لغتهم، وقالوا انهم بعد ان حذفوا هذه الألفاظ التي استعانوا بها طوال مدة الدولة العثمانية قد حدثوا ازاء ذلك عقبات لا يمكن اقتحامها، ولذلك لم تستطيع اللغة التركية ان تبلغ مرتبة اللغة العلمية وقالوا: انه بينما كان علماء العرب في الأندلس العراق ومصر والشام يسهرون الليالي على ضوء السراج الضئيل لخدمة الفلسفة ووضع اصطلاحات لها كان أجداد الترك لا عمل لهم غير ركوب الخيل وطلب الرزق من وراء الدخول في مختلف الجيوش".
نظرة الغرب إلى تركيا
وقد نظر العالم العربي إلى الحركة الجديدة في تركيا تتجه بسرعة إلى التغريب بعيون مفتوحة فيها دهشة وتطلع، وفي عقولهم أسئلة: ترى هل يسيرون وراء هذه الحركة وينقلونها، وجدت قضايا بحثت في الصحف والكتب: حول الخلافة وهل هى من الإسلام ام أيست منه. والحجاب والسفور وما مدى حرية المرأة وهل يمكن ان نطلق المرأة ص كما يحدث في تركيا حينما اصبحت الصحف تقول ان مهنة استاذ الرقص من أعظم المهن قيمة واكثرها ربحا.
وبدات معارك حول الطربوش والقبعة. ومدى اثر الزى في نهضة الأمة وشخصيتها وتقاليدها، وكان للمجددين من الكتاب والباحثين دورهم في رسم صور الاعجاب بالحركة التركية. التي لم تلبث ان تبعتها حركات في ايران وأفغانستان ومصر نحو الحرية الاجتماعية.
وفي مصر جرت محاولات لخلع العمامة في الأزهر
стр. 80
ودار العلوم، واصطناع الطربوش، وجرت محاولات في محيط المتمدينين نحو الطربوش بالقبعة.
وجرت حملات ترمى إلى مهاجمة اللغة العربية على اثر تغير الحروف التركية واستبدالها بالحروف اللاتينية.
- اما أثر الحركة في تركيا فقد انتهى بعد ربع قرن إلى تأكيد معنى الروحية الأصلية. فقد عاد الآذان للصلاة باللغة العربية. وتحول الاتجاه إلى الناحية المضادة، فقد ادخل تعليم الدين بعد الحرب العالمية الثانية وفرض تعليم الدين اجباريا عام ١٩٣٥ وتاسيس قسم لتدريس الدين في جامعة أنقرة. وبلغ الاتجاه الفكري في تركيا قمته بالعودة إلى الدين لاصلاح المجتمع وقال: (جرن بيرج) في كتاب الإسلام في نظر الغرب: ان اصول الإسلام في تركيا من حيث هو دين ما زالت راسخة في الأعماق وقد تصور التركي انه يعيش في دولة غير دينية وقد يذهب إلى ابعد من ذلك انه لا يزال عنده احساس قوى متصل بالإسلام وبانه هو الذي يقرر اعماله".
وعادت تركيا فطالبت بانه من الضروري على التركي ان يعرف الحروف العربية وذلك ليتعمق في تثريخ الترك واداب الترك. ويقرأ مؤلفات "نعيم" والبجوى وجودت باشا وهم كبار مؤرخى الأتراك، فاذا لم يعرف الحروف العربية فانه لن يستطيع ان يقرأ المخطوطات ولا النقوش على الأحجار ولا كتابا واحدا من خمسة واربعين الف كتاب مطبوع. كذلك لم يجد الأتراك بدا من تعلم اللغة العربية حتى يمكنهم دراسة تاريخ بلادهم.
مراجع:
(٥) الإسلام في نظر الغرب: جون بيرج.
نهضة الأتراك: هل تدوم: الهلال ص ٤٦ مجلد ٣٥.
стр. 81
(٤)
إلغاء الخلافة العثمانية
اذا كان حدث الحركة التركية التجديدية بمختلف تطوراته بعيد المدى في الفكر العربي المعاصر، فقد كان الغاء الخلافة "الإسلامية" العثمانية من ابعد هذه التطورات ثرا. وقد اثار وقع هذا الحادث البعيد المدى في العالم العربي والعالم الإسلامي عديدا من المساجلات والمعارك الفكرية- وقد تم الغاء الخلافة على مرحلتين:
الاولى: فصل الخلافة عن السلطنة (نوفمبر ١٩٢٢).
الثانى: الغاء الخلافة (٣ مارس ١٩٢٤).
وذلك ان مصطفى كمال بدا بفصل الخلافة عن السلطة وعزل السلطان وحيد الدين "محمد السادس" واتخذ خليفة بغير سلطة زمنية كخطوة اولى في سبيل الغاء الخلافة نهائيا بعد ذلك باقل من اربعة شهور.
وكان من راى مصطفى كمال ان السلطة شئ والخلافة شئ وأن السلطة العثمانية قد اغتصبت السلطة من الشعب ومن حق الشعب ان يستردها ويفصل بين السلطة والخلافة ثم ألغى السلطنة وأقام الجمهورية التركية.
وقال بعد ان عين عبد المجيد خليفة بغير سلطنة زمنية: ان منصب الخلافة لا يزيد الآن عن ان يكون أثرا تاريخيا ليس له حق شرعى يسوغ له البقاء، وهكذا مهد لالغاء الخلافة.
وقال السلطان محمد السادس ان الفصل بين السلطة المدنية والسلطة الدينية لا يطابق ما هو معروف في التشريع الإسلامي وانه لا يمكن ان يكون الخليفة رئيسا دينيا فقط.
ومشروع فصل الخلافة عن السلطنة مشروع قدم كان قد أعده "مدحت ابو الدستور مع الدستور ذاته ولأجله نفى سلطان عبد الحميد مدحت وقضى عليه أخيرا، ذلك ان مدحت كان يرى فصل الخلافة عن الحكم على أساس ان السلطة للأمة وقد كان اعتراض العلماء على فضل الخلافة على السلطة مبنيا على انه اذا جرد الخليفة من هذه السلطنة فقد جرد من كل شئ وأصبح عضوا أشل لا معنى لوجوده".
وفي ٢٣ مارس ١٩٣٤ قدم مصطفى كمال اقتراحا للمجلس بالغاء الخلافة بعد ان قدم اتهامات مؤداها تعاون الخلافة مع النفوذ الأجنبى.
وقد أشار الكماليون في تقريرهم عن الخلافة ان وجودها لم ينقذ تركيا من ان تكون ذات رأسين في سياستها الداخلية والخارجية وان ال عثمان كانوا سبب مصائب تركيا.
ومن الطبيعى ان يتخلص مصطفى كمال من الخلافة لعدة اسباب منها: انه لم يكن يرغب في ان تكون هناك قوة اكبر منه او لها صفة من الصفات التي تجعل في تركيا اكثر من نفوذها، فضلا عن ايمان أتاتورك الأكيد بالطريق الذي سار فيه نحو الغرب: ثقافة وحضارة.
وقد واجهت تركيا خصومة عنيفة من العالم الإسلامي كله لهذا العمل الذي قضى على القيادة العليا للدول الإسلامية.
ورسمت (المقطم) لالغاء الخلافة (٤ مارس ١٩٢٤) هذه الصورة:
"اليوم تهتز أعصاب العالم كله لنبأ يطير من أنقرة
стр. 82
الى الشرق والغرب عن الغاء الخلافة في تركيا وانزال آل عثمان عن عروشهم التي سمت دهرا طويلا على عروش المماليك والامارات والامبراطوريات. حكموا ٧٣٢ سنة فملأوا التاريخ بأعمالهم وبطولة رجالهم وحسناتهم بالرحمة وسيئاتهم بالبطش. منذ ١٥١٧ انقرضت خلافة العباسيين في ارض مصر بعد انقراض خلافة الأمويين بها من قبل وانتقلت هذه الخلافة إلى ال عثمان في الأستانة فتولوها ٤١٧ سنة من حكمهم الذي ابتدأ ١٠٩٢ وانتهى اليوم ١٩٢٤ جلس على عرشهم ٧٢ سلطانا".
ولم تلبث ان قامت في "العالم العربي" حركة فكرية بعيدة المدى: في مصر وفي الحجاز وفي الأردن وفي الهند. ففى مصر أعلن علماء الأزهر ان خلع الخليفة غير شرعى "لأنه صادر من طائفة قليلة" من المسلمين وقال وكيل الأزهر (محمد حسنين) لقد اخطأ الترك اذا ظنوا أن الخلافة عقبة في سبيل ما يريدون من أنظمة الحكم. فان سلطة الخلافة كما تتمثل في فرد يقوم باعباثها تتمثل في ملك خليفة أو سلطان. ثم طالب المسلمين بالنظر في اسناد الخلافة لمن هو أهلها وأحق بها "فان الاجماع منعقد على وجوب نصب الخليفة وأولى الناس بالقيام بذلك هى الأمة المصرية فأن بها علماء الدين والأزهر الشريف".
وقالت الاهرام (٨ مارس) ان الاتراك ارادوا الطفرة والتشبه بغيرهم. وجعلوا معيار عملهم الثورة الفرنسية يقلدونها ناسين ان التقاليد الذي لا يتفق مع اخلاق الأمة ومداركها لا يفضى إلى غير الخراب والدمار.
وقالت آراء أخرى: ان العرب ما انفكوا ينظرون إلى الخلفاء الترك شذرا ويعدونهم المغتصبين للخلافة اغتصابا قد جهد عبد الحميد لاحياء عظمة الخلافة الدينية واسترداد ما كان لها من الجلال والهبة. وقد ظن الغربيون ان مقام عبد الحميد في الإسلام كالبابا في النصرانية.
ولم يلبث شيخ الأزهر (أبو الفضل الجيزاوى) ان دعا في ١٢ مايو ١٩٢٦ إلى عقد المؤتمر الإسلامي للخلافة في القاهرة وذاك "لما كان لزوال الخلافة من الوقع الشديد في أنفس الشعوب الإسلامية. ولذلك أصبح على المسلمين ان يفكروا في نظام الخلافة على قواعد توافق احكام الدين الإسلامي ولا تجافى النظم الإسلامية التي رضيها المسامون نظما لحكم" وقد أرسلت دعوات إلى مختلف بلاد العالم الإسلامي.
وقال "حسن محمود علم الدين" في نداء إلى الأمة المصرية "ان علينا ألا ندع الخلافة تسقط من أيدينا بل علينا ان نتكاتف على رجاء مولانا جلالة ملك مصر في قبولها" وكان الشريف حسين قد اسرع فأعلن نفسه خليفة للمسلمين بعد سقوط خليفة الأستانة ولذلك حرص علماء مصر في نداءاتهم أن يحذروا من بيعة الشريف حسين "اياكم ان تخدعوا بنداءات بيعة الملك حسين بن على صنيعة الانجليز ومانع حجاج بيت الله الحرام من القيام بالفريضة في العام الفائت (الأهرام ١٠/ ٣/ ١٩٢٤) وقد أبرق العلماء إلى الشريف حسين بعمان في التريث في قبول البيعة حتى يتكون رأى عام لإسلامي لجمع كلمة المسلمين على خليفة واحد.
وقد ابلغت حكومة شرق الأردن في ٧ مارس شركة روتر رسميا " ان الملك حسين قبل الخلافة التي عرضها عليه مسلمو العراق وشرق الأردن والحجاز أعلنوه خليفة".
ولكن الجهات الغربية أخذت تبدى رغباتها في أحقية ملوك العالم الإسلامي للخلافة فأعلنت صحف روما (ايطاليا) تأييدها للملك فؤاد وأعلنت انه اذا قيل منصب الخلافة فان المسلمين يقابلون قبوله أعظم مظاهر السرور وتوترات الأبحاث والدراسات واشترك فيها عدد من الكتاب: رشيد رضا ومحمد لبيب البتانونى. وقال بعض الكتاب ان الإسلام "ما رمى بسهم او هى لجلده وأوهن لعضدة وأدمى لكبده من هذا السهم الذي رماه الكماليون على الغاء الخلافة أكبر جريمة في عهد الدولة وأشنع خيانة في تاريخ الإسلام على الإسلام (الأهرام ١٤/ ٣/ ١٩٢٤).
وأشارت جريدة الطان ان الملك فؤاد سيزور فرنسا من شأن الترشيح للخلافة وتركزت الدعوة في مصر حول مطامح الملك فؤاد في الخلافة وأيدها علماء الأزهر وبعض الصحف- ونشرت الأهرام في ٢١ مارس ١٩٢٤ مقالا تحت عنوان "يكون ملك مصر خليفة" جاء فيه ان مصر اليوم أكبر دولة إسلامية وأرقى دول الإسلام طرا وأغناها وأغزرها علما وأعلاها نهضة ولربما يكون رأى كبار علمائها ان يجعلوا الخلافة في وطنهم وفي عرشهم ناظرين إلى ذلك من الوجهة الدينية والاجتماعية.
ويعيب مصر الوحيد- وقد لا تخلو منه مملكة إسلامية- هو وجود جيش أجنبى محتل لأرضها ولكن
стр. 83
هذا الجيش الأجنبى قوة زائلة بحكم السياسة وباعتراف الانجليز.
وكذبت الأهرام ما يدعيه الانجليز من "أتهم لا يتعرضون للخلافة لأنها عمل دينى" وقالت "ان أوربا كلها تهتم بالخلافة اهتماما عظيما لأن نفوذ الخلافة الإسلامية في العالم الإسلامي هو فوق نفوذ البابوية في العالم المسيحى وعملها أكبر اذا عادت هذه الخلافة إلى أصولها ونظمت على الطريقة العصرية. اذا ليس قول الأتراك بأنها لم تنفعهم بالقول الصحيح على اطلاقه".
ودارت أبحاث حول "مفهوم" الخلافة: وتسمى "الامامة" وهى رئاسة عامة في الدين والدنيا قوامها النظر في مصالحة الملة وتدبير الأمة والامام نائب عن صاحب الشريعة ﷺ في حياطة الدين وتنفيذ أحكامه. وبصير الامام بالبيعة من أهل الحل والعقد او استخلاف أمام قبله ولا بد مع ذلك من نفاذ حكمه في رعيته (الأهرام- ٢٥ مارس ١٩٢٤).
٣ - وتحدث الانجليز عن رأيهم في الخلافة على لسان لويد جورج رئيس وزراء بريطانيا السابق الذي قال "قضى لأمر والغيت الخلافة الإسلامية. ثم جاء عرب الحجاز وشرق الأردن فبايعوا الملك حسين بالخلافة وبذا عادت او على الأقل شطر منها إلى الشعب الذي أسسها وأحتفظ بمجدها". وشبه ألغاء الخلافة بقضاء نابليون على الامبراطورية الرومانية المقدسة والغاء سلطة البابا الزمنية. ورأيه انه لا يبعد ان تنقلب الخلافة وتتحول إلى نظام يشبه نظام البابوية وان "محمد على" من كبار مسلمى الهند- يرى ان خير بديل للخلافة هو ان تختار جمعية مؤلفة من رجال الدين ألمستقيمى السيرة في البلدان الإسلامية رجل لا ثروة له ولا مال ويسند اليه منصب الخلافة. وانه ليس بين ملوك العرب من هو جدير بملء الفراغ الذي حدث بعد خلع الخليفة التركى، وان السلطة الزمنية قد أخذت تنهار في كل مكان وقد جاء الآن دور العقيدة لكى يظهر تأثيرها مرة أخرى". (الأهرام ٢٨ مارس ١٩٢٤).
ولم يكن الخلافة فؤاد وحده طموحا لمنصب الخلافة، بل ان قلينى فهمى يذكر في مذاكراته (جـ ١) ان عباس حلمى كان شغوفا بأن يكون يوما ما خليفة للمسلمين وانه استخدم لتحقيق هذا الغرض وسائل جمة منها استخدام نفوذ مسلمى الشام والأناضول. وانف مبالغ طائلة في هذا السبيل وقال قلينى فهمى ان أول من دفعه إلى هذه الفكرة هو الشيخ محمد عبده. "ولذلك تخلص الباب العالى منه".
ودعا محمد لبيب البتانونى إلى الاسراع للعمل من أجل الخلافة حتى "لا يدعو الملك حسين لنفسه في الحجاز والعراق وشرق الأردن والسلطان يوسف في مراكش والامام يحي في اليمن. والادريسى في عسير وابن السعود في نجد وابن سعيد في عمان وأغاخان في الهند والبهاء في العجم والسنوسى في مجاهل لوبيا والميرغنى في السودان ولا نبعد ان نسمع بالدعوة للورد هلدن في انجلترا".
٤ - وكان للحجاز دورها في الخلافة فان الملك عبد العزيز آل سعود كان في هذه الفترة قد استولى على الحجاز وأنهى فيه حكم الشريف حسين وأولاده. ولذلك دعا إلى عقد مؤتمر إسلامي بمكة وأرسل إلى ملوك الأفغان والعراق والى شاه ايران ورئيس الجمهورية التركية والامام يحيى ورئيس المجلس الإسلامي المقدس وجمعية الخلافة في بومباي وجمعية الحديث في أمر تستر بالهند وجمعية الخلافة في دلهى وباى تونس ورئيس حكومة طرابلس وبدر الدين الحسينى وبهجت البيطار في دمشق وجاوه برقية (٢٢ أبريل ١٩٢٦) لعقد مؤتمر الشعوب الإسلامية في مكة.
وقد تم انعقاد مؤتمر مكة وألقى الملك عبد العزيز خطاب افتتاحيا جاء فيه قوله:
"تفاقم البغى والعدوان بعد زوال سيادة الدولة العثمانية من هذه البلاد وخلوص أمرها إلى الشريف حسين بن على آخره أولئك الأمراء فاضطرب العالم الإسلامي كله من استبداده وظلمه، ومن عجزه عن توطيد الأمن في البلاد من جعلها تحت السيطرة الأجنبية غير الإسلامية. جعل نفسه عاملا موظفا لبعض الدول الأجنبية. وكنا معشر النجديين جيران الحجاز عرضة لبغية وايذائه لنا. منع أداء فريضة الحج وأغرى بعض رعايانا بالخروج علينا. وقد ثبت بالتشاور مع أهل الحل والعقد انه يجب علينا انقاذ مهد الإسلام من بغية وظلمه وعزمنا على ذلك".
وقال ان المسلمين قد أهلكهم التفرق في المذاهب
стр. 84
والمشارب فائتمروا في التأليف بينهم والتعاون على مصالحهم وعدم جعل اختلاف المذاهب والأجناس سببا للعداوة والبغضاء"
وكما ان مؤتمر مكة لم يؤد إلى نتيجة ما فان مؤتمر القاهرة الذي عقد في ١٣ مايو ١٩٢٦ لم يؤدى أيضا إلى أى نتيجة اذ انتهى إلى تقرير ان الخلافة الشرعية المستجمعة لشروطها المقررة في كتب الشريعة الغراء ومن أهمها الدفاع عن حوزة الدين في جميع بلاد المسلمين وتنفيذ أحكام الشريعة الغراء فيها لا يمكن تحقيقها بالنسبة للحالة التي عليها المسلمون الآن.
وقال أحمد شفيق في حولياته (جـ ١ ص ١١١): ان جمعية الخلافة أعلنت عدم صلاحية مصر لا نعقاد المؤتمر العام للخلافة بها ووجوب انعقاد المؤتمر بمكة المكرمة لأنها خالية من النفوذ الأجنبى. وأرسل مؤتمر الخلافة الإسلامية برقية إلى مؤتمر مكة المكرمة راجيا ان يوفق في وضع نظام للحكم في البلاد المقدسة وقال أن عمل هذا المؤتمر في نظر البعض هو تأكد سقوط الخلافة وعدم قدرة المسلمين على جمع كلمتهم وتوحيد أعمالهم لدرء الأخطار التي تتهددهم وتعبث بكيانها الدينى والسياسى وقال انه استقر الرأي على وجوب الخلافة وتعذر ايجادها بين المسلمين وانه كانت هناك مآرب خاصة لفئة من ذوى النفوذ في مصر وقال رجال السياسة ان رجال الدين ليسوا ذوى اختصاص وان الفشل حالفهم.
٥ - وقد واجه الفكر العربي هذه المعركة مواجهة لها وجهين واضحى الخلاف، فوجه كان يهدف إلى تأييد قيام الخلافة ووجه يعارض في اعادتها. أما الذين يؤيدونها فقد كانوا مختلفين في شخص الخليفة، بعضهم يرى ان الملك عبد العزيز آل سعود أحق بها لوجوده في بلاد الحجاز مهد الإسلام والبعض يؤيد قيامها في مصر والبعض الآخر يرى ان تقوم خلافة عربية.
والأزهر الرسمى الذي أيد الخلافة لحساب الملك فؤاد وله معارضة لرايه من أربعين أزهريا وقعوا مذكرة أعربوا فيها عن ان مصر لا تصلح دارا للخلافة لتسلط الانجليز عليها ودعا بعضهم إلى ان يعقد مؤتمر الخلافة في مكة المكرمة.
وكان لرأى الشيخ على عبد الرزاق دوى حين أصدر كتابه (الإسلام وأصول الحكم) معارضا أعتبار الخلافة أصل من أصول الإسلام. وكان مصدر الدوى ان الكاتب منسوب إلى حزب الأحرار الدستوريين الذي كان يعارض عودة الخلافة أصلا لاتجاه دعاته إلى التغريب، ولأن الحزب بالذات كان يحارب رغبة الملك فؤاد في الخلافة.
ولقد أعلنت صحيفة السياسة تبل صدور كتاب على عبد الرازق رأيهما في الخلافة (٢ فبراير ١٩٢٩ وما بعدها) اذا أعلنت ان مسألة الخلافة تمس سياسة الدولة وان الدستور ينص على انه لا يجوز للملك ان يتولى مع ملك مصر أمور دولة أخرى بغير رضاء البرلمان ولذلك فان أمر بحث الخلافة هو من عمل السياسيين وليس رجال الدين.
وقال على عبد الرازق ان البلاد التي تهتم بالخلافة هى البلاد التي يحركها الأجنبى وان الذين يتولون أمر البحث في الخلافة رجال لا يملكون لأنفسهم أمرا ولكن يحركهم غيرهم فيتحركون (السياسة ١٣ مارس ١٩٢٦)
وقد شغلت الصحف العربية وصحف مصر بالذات بالخلافة بين مؤيدة ومعارضة، وظهر أكثر من كتاب في هذا الموضوع من أهمها كتاب رشيد رضا (الخلافة أو الامامة العظمى) وهو تأييد الخلافة وكتاب على عبد الرزاق (الإسلام وأصول الحكم) في معارضتها ثم ظهر مؤلف بعد فترة الدكتور عبد الرزاق السنهورى يدعو إلى ان تحل محل الخلافة عصبة أمم إسلامية.
١ - وقد كشف رشيد رضا في كتابه عن انه هناك ثلاث جبهات تقف ازاء الخلافة الأول وهم (١) المجددون او (المتفرنجون) يرون ان الذين لا يتفق في هذا العصر مع السياسة والعلم والحضارة. وهم يرون أن تكون الحكومة غير دينية وهمن موجودون في تركيا ومصر وسوريا والعراق والهند.
٢ - الفقهاء الجامدون: وهم الذين يرفضون القول بالاجتهاد المطلق في كل المعاملات الدنيوية ولو فوض اليهم أمر الحكومة لعجزوا عن ان ينهضوا به.
٣ - المؤمنون بالاجتهاد والاصلاح وهم الذين يجمعون بين الاستقلال في فهم فقه الدين وحكم الشرع الإسلامي وهم القادرون على ازالة الشقثق من الأمة وذلك باحياء منصب الامامة وان موقفهم الوسط من شأنه ان يجذب المستعدين لتجديد الأمة من الطرفين.
وقد بين رشيد رضا ان الخليفة في الإسلام ليس
стр. 85
الا رئيس الحكومة المقيدة، لا سيطرة ولا رتابة له على أرواح الناس وقلوبهم، وانما هو منفذ للشرع وطاعته محصورة في ذلك فهى طاعة للشرع لا له نفسه، فالخليفة عند المسلمين ليس بالمعصوم ولا هو مهبط الوحى ولا من حقه الاستئثار بتفسير الكتاب والسنة. وبين الفارق بين الخليفة عند المسلمين وبين البابا عند المسيحيين الذي ينفرد بتلقى الشريعة ويستأثر بالتشريع.
٤ - أما "عبد الرازق" في كتابه الإسلام وأصول الحكم وقد حاول اثبات ان الخلافة نظام ابتكره المسلمون ولم يكن له أصل في الشريعة. وان الخلافة ليست من الدين في شئ وانما هى خطة دنيوية صرفة لا شأن للدين بها فهو لم يعرفها ولم ينكرها لنا لنرجع فيها إلى أحكام العقل وتجارب الأمم وقواعد السياسة. وان رئاسة النبى كانت رئاسة دينية جاءت عن طريق الرسالة فما انتهت الرسالة بموته انتهت الزعامة وما كان لأحد أن يخافه في هذه الزعامة. وان بيعة أبو بكر كانت بيعة سياسية ملكية عليها كل طابع الدولة المحدثة.
ويقول الدكتور م. محمد حسين (الاتجاهات الوطنية- ـ ٢) بان على عبد الرازق تأثر في مراجعه وآرائه بالمستشرقين وبالكتاب الذي أصدرته الحكومة التركية لتبرر به الغاء الخلافة وهو (الخلافة وسلطة الأمة) الذي ترجمه عبد الغنى سنى عن التركية وقد وضعته لجنة من كتاب الترك باشارة من الكمثليين.
٥ - ويتجه كتاب الدكتور عبد الرازق السنهورى (الخلافة وتطورها أتصبح عصبة أمم شرقية) الذي ألفه بالفرنسية إلى محاولة ايجاد نظام بدلا من الخلافة يجمع شمل المسلمين، وطالب الدكتور السنهورى بتطوير نظام الخلافة فيصبح عصبة أمم شرقية.
وقد أشار إلى ان الإسلام الذي يعنيه هو تلك الثقافة الإسلامية التي أثارت جوانب العالم في ظلمات القرون الوسطى "فالثقافة الإسلامية لا الدين الإسلامي هو الذي يعنينى. ذلك ان الذين يؤمنون بتعاليم الدين هم المسلمون أما الذين ينتمون إلى الثقافة الإسلامية فأولئك هم أولاد ذلك الوطن الإسلامي الكبير. وقد وسع المسلمين والنصارى واليهود، وقد عاشوا جميعا تحت علم الإسلام طوال هذه القرون".
وتطلع الدكتور السنهوى إلى ان نتخطى الشريعة الإسلامية أعناق القرون فتصبح شريعة العصر تتسع لمقتضيات الحضارة وتصبح شريعة الشرق دون تمييز بين دين ودين".
ولقد تجدد الحديث مرة أخرى في شأن الخلافة بعد توقيع معاهدة ١٩٣٦ وتولى فاروق الملك، واتسع نطاق هذا الحديث عام ١٩٣٨ بعد ان صلى فاروق الجمعة في الأزهر الشريف برؤساء وملوك الدول العربية.
وقد تناولت الصحف الموضوع تناولا يكشف عن وجهات النظر المختلفة. أما الصحف الفرنسية فقد أعلنت (٢٤/ ٤/ ١٩٣٨ الأهرام) بأنها تخشى ان تؤدى اعادة الخلافة إلى تأليف كتابة من الدول الإسلامية تقف في وجه الدول الأوربية. وان فرنسا تهتم اهتماما كبيرا بالمسألة وبما ان الخلافة ستعاد يوما ما فلا بد ان ذلك مع فرنسا وضدها، ولما كانت المسلحة تقضى بان تكون مقرها القاهرة. وان فرنسا هى أشد الدول الأوربية تفاهما مع المسلمين ولاسيما مع المصريين.
وقالت صحف ايطاليا (٢/ ٦/ ١٩٣٨ - الأهرام) ان القاعدة الأساسية للسياسة البريطانية في القسم الشرقى من البحر المتوسط وفي الشرق الأدنى عامة هى الدفاع عن طريق الهند وحماية منابع البترول في العراق وغيرها. وقد كانت انجلترا حتى الأمس تخشى ان تصبح مصر دولة قوية على رأس البلاد العربية، ولكنها غيرت سياستها ازاء الخطر الايطالى وأصبحت تؤيد اسناد الخلافة إلى مصر على أمل تأليف كتلة في البلدان العربية خاضعة لنفوذها وقصدها من وراء التوصل إلى تعزيز مركزها ومقاومة الدعاية الايطالية وتأمين طريق الهند وحماية منابع البترول في البلاد العربية.
وأشارت جريدة سئمتا (روما- عن الأهرام ٩/ ٢/ ١٩٣٩) ان على ماهر والشيخ المراغى يعملان على اعادة الخلافة إلى الملك فاروق. وان المناداة بخليفة جديد لا يمكن ان يكون من الحوادث المفاجئة ولا يتم الا اذا اجتمع مؤتمر الإسلامي ورأي في الأحوال الحاضرة ان فارق هو الأصلح والأجدر. وهل يوافق ملوك
стр. 86
البلدان العربية الأخرى على ان يتولى ملك مصر الخلافة أم لا. وأشارت إلى ان تركيا تعارض في احياء الخلافة في القاهرة، وان العالم العربي يتجه إلى مقاومة ترشيح رجل تركى للخلافة وفي هذه المرحلة ظهرت جبهة جديدة من الكتاب تؤيد الخلافة وجبهة تعارضها: ويرى عبد الحميد سعيد (الهلال الذهبى- ١٩٣٩) ان الخلافة في العصر الحاضر ألزم منها في أي عصر مضى. وان دول أوربا تعلم ان فكرة الخلافة تهدد سياستها الاستعمارية والذى يرعب أوربا ان قيام الخلافة يؤدى إلى اتحاد الأمم الإسلامية وتعاونها في سبيل نهضة الشرق كله، هذه النهضة اذا قويت باتحاد الأمم الإسلامية تحطمت دونها مطامع الدول الأوروبية وشهواتها الاستعمارية.
ويقول عبد القادر حمزة: ان من الحكومات الإسلامية المستقل والمستعمر والمحمى والخاضع للانتداب وهى حكومات ملكية وجمهورية وأمامية وسلطانية وأميرية جمعها تحت لواء الخلافة متعذر فضلا عن ان تركيا والمغرب تعارضان في الخلافة ولا فائدة من نظام لا يعترف به الجميع، كطما ان الخلافة في مصر تكون مصدر خطر عليها من الدول القوية وفد تحرك في نفس بريطانيا عوامل جديدة تدفع بها إلى الرغبة في البقاء حتى حين ساعة الجلاء. والخلافة عبء قبل ان تكون مزية.
ورأى بعض المعارضين في الخلافة انها ربما تخلق مع الزمن كهانة.
وهكذا ظلت مسألة الخلافة تشغل الفكر العربي بآراء وأدلة تؤيد هذا الجانب او ذاك ولم تتوقف الدعوة إلى اعادة الخلافة، وهى في نظر دعاتها انما هى وسيلة لربط المسلمين برباط روحى، وهى كالجامعة الإسلامية في هذا الغرض وكل وسيلة من شأنها ان تربط أو توحد بين المسلمين يمكن ان تقوم مقام الخلافة.
ولا شك ان الاستعمار قد حرص على ألا تقوم هذه الرابطة على أى وضع كان، وكان ينظر إلى الخلافة من وجهة نظره الخاصة فهو حين يؤيدها ويدعو اليها انها كان يحرص ان يلتمس من وراء السيطرة وتأكيدا لنفوذه وهو حين حال دون قيامها انما قصد إلى تمزيق وحدة المسلمين ومع ذلك فقد عجز الاستعمار عن فصم الروابط الروحية في العالم الإسلامي بل وربما زادتها مقاومة الاستعمار قوة وبأسا.
стр. 87
مرحلة التحدى ورد الفعل
تطور الفكر العربي الإسلامي
خلال الحربين العالميتين
* حملات التغريب
* حملات الغزو الثقافي
* حملات التجزئة
стр. 88
(١)
حملات التغريب والغزو الثقافي
قامت الحضارة الغربية على أساس المادية والاقتصاد والصناعة. لذلك كان الاستعمار ثمرة من أهم ثمارها، وجزءا مرتبطا بها مكمل لها لا ينفصل عنها. وقد اختلفت بذلك عن الحضارة التي سبقتها والتي كانت تجمع بين المادة والروح.
ولقد قامت الثقافة الغربية على أساس تفكير بدأ بالتحرر من سلطان الكنيسة عندما رأى المسيحية تحده عن الانطلاق فانفصل عن الدين كلية وجرى مع العلم الحديث في مكتشفاته وعلومه وأنشأ نظما وقيما اشتقها من حاجاته ورغباته وحاول تطبيقها.
وقد بدأت الحضارة الغربية بالثورة الصناعية وقامت على أساس التنافس في البحث عن المواد الأولية والخامات والصلب والبحث عن أسواق لتصريف المنتجات وكان لاختراع وسائل المواصلات السريعة أثره في ربط أنحاء العالم وسرعة الانتقال بين أجزاءه المختلفة.
ولما كان الاستعمار هو عامل "الحركة" في الحضارة الغربية المادية فقد كان لابد أن يتخذ من الوسائل التي تكفل له البقاء في المناطق التي يغزوها. وذلك بعد ان استطاع في خلال القرن التاسع عشر ان يخضع القارتين الآسيوية والأفريقية وجنوب أمريكا وكما ارتبطت الحضارة بالغزو الاستعمارى ارتبط هذا الغزو بالخصومة لغير الرجل الأبيض وغير الأوربيين.
وصاحبت عمليات الغزو العسكرى عملية غزو فكرية واقتصادية وكان هذا الغزو أشبه بحملة انتقام عنيفة ربما كان مصدرها هزيمة الغرب في الحروب الصليبية.
وقد بدأ الغرب نهضته على أساس ترجمة العلوم والفلسفات العربية التي كانت قوام حضارته الجديدة ومع ذلك فقد حمل معه لواء الغدر والافتراء والحقد على العرب والمسلمين وانكار فضلهم وأثرهم وقد استهلت أوروبا حملتها بحرب صليبية عنيفة على العرب في أسبانيا وعلى المسلمين في تركيا وعلى العرب في المغرب وهذه ربما كانت انتقاما لمقتل القديس لويس وهو يقود الحملة الصليبية التاسعة إلى ساحل المغرب. ولم يلبث اللورد اللنبى ان كشف خبيئة هذا الأمر حين أعلن عند دخول "القدس" عام ١٩١٧ انه قد انتهت الحرب الصليبية.
وقد ارتبطت الحضارة بالاستعمار، وارتبط الغزو بصورة تحمل معنى الخصومة للإسلام على نحو صليبى فيه معنى الصراع بين المسيحية والإسلام ومحاولة الانتقام او ربما كان الضغط على الإسلام انما جاء باعتباره العدو الأول للاستعمار وان بقاء الاستعمار الغربي المسيحى في العالم العربي لا يتم الا بالقضاء عليه.
ويظهر ذلك واضحا في أول مشروع استعماري تقدم به القس "ميبنتز" في ١٥ مارس ١٩٧٢ إلى لويس الرابع عشر ملك فرنسا جاء فيه "أريد أن أتحدث اليكم يا مولاى في مشروع غزو مصر، ولا يوجد بين أجزاء الأرض بلد غير مصر يمكن السيطرة منه على العالم كله.
وعلى تجارة الدنيا بأسرها وهى تستطيع ان تلعب هذا الدور لسهولة استيعابها لعدد كبير من السكان. وهي اليوم معقل الديانة المحمدية، ولأى داء تخسر المسيحية تلك الأرض المقدسة التي تصل آسيا بأفريقيا والتي جعلت منها حاجزا بين البحر الأبيض والبحر المتوسط ومدخلا لبلاد الشرق بأجمعها والذين يحقدون على فرنسا سينظرون بعين الارتياح لهجومكم على المسلمين تحدوهم روح مسيحية".
وعندما عرض المركيز دى سنيلاي مشروع ثق قناة تصل البحر الأبيض بالبحر الأحمر قال في مشروعه "انه مشروع صليبى ومن مميزاته امكان حفر قناة تكون ملكا مشتركا للعالم المسيحى".
стр. 89
ويمكن أن يطلق على هذه المرحلة "مرحلة التحدي" لما حفلت به من حملات التغريب والغزو الثقافي واضح وخطة واسعة المدى قوامها الغزو التجارى والاقتصادى والثقافي والعسكرى والسياسى، وعمليات الغزو الثقافي عن طريق الصحافة والكتابة والسينما والتعليم، وحركات التبشير والاستشراق والدعوات المتعددة التي تهاجم التراث والقيم والدين ومحاولة التشكيك فيها، والثنائية في التعليم الدينى والمدنى وثنائية الثقافة بين الفرنسية والانجليزية والحملات على القيم، والاتهامات ودعوات التجزئة والتمزيق ومحاولات نقل حشد هائل من المذاهب والنزعات والدعوات الغربية المتصلة بالدين والمجتمع والفكر وحملات الشيوعية والصهيونية والإلحاد، والحملات على الدين واللغة.
وقد وقفت الأمة العربية من الحضارة الغربية موقفا رائعا، لم يكن موقف الجمود ولا موقف الانصهثر. لم يمانع من قبل الأضواء الحديثة على أساس ان تظل معالم شخصيتنا حية قائمة، على ان تزداد بهذه الأضواء الجديدة قوة وحياة واندفاعا في طريق الأمم الناهضة.
ولم يكن لدى البلاد العربية مانعا من تقبل الحضارة باعتبارها نتاج بشرى اشترك فيه الجنس الانسانى كله وقد قام العرب بدورهم فيها وحملوا أمانتها- وحدهم- فترة تزيد على أربعة قرون كاملة وحدهم فحموها وزادوا فيها وأضافوا اليها.
والإسلام دين متطور فسيح مطلق يتجاوب مع الأزمان المختلفة والبيئات المتعددة، ولا يحول دون اقتباس أسباب الحضارة، وقد تقبل مجتمعنا الحضارة من تبل واقتباس وترجم من ثقافات الشرق والغرب ومن حضارات الفرس والروم والهند والمسحيين واليونان ما زاد شخصيته قوة وحياة.
ولكن الغرب عندما اتصل بالوطن العربي لم يقدم لنا من الحضارة الا الجوانب المتصلة بمظاهر الحياة وهى في مجموعها جوانب الغرائز والترف وارضاء الأهواء.
وللحضارة الغربية جانبها: العلمى العقلى المتصل بالآلة والاختراع والتقدم العلمى والكشوف المختلفة. وجانبها المتصل بالترف والمتاع الحسى واطلاق الأهواء واللذات مما كانت المرأة والمراقص والحانات والكحول والمخدرات وسائلها وأدواتها.
وقد حرص الاستعمار ان ينقل هذا الجانب وحده إلى البلاد المحتلة، وان يحجب عنها الجانب الايجابى، ولم يقصد بتقديم هذا الجانب من الحضارة ألا العمل على تحطيم المجتمع العربي وبث روح الفساد فيه وتمزق كيانه واستلاب ثروات الأثرياء الذين اندفعوا وراء اللذات، وسقطوا في حماة المتاع الحسى فتركوا القرية وعكفوا على الأهواء في المدن وبذلك فقدوا ثرواتهم والتهمتها المؤسسات الاستعمارية الربوية والعقارية، اما فيما يتعلق بالثقافة فقد حجب الاستعمار عن الوطن العربي جانبها العلمى الرفيع المتصل بترقية الحياة والسمو بالفكر إلى عوالم الاحساس والتسامى، وأباح الجانب المتصل بالمذاهب الهدامة والآراء الإلحادية والشبهات وقضايا الفكر التي ما زالت معروضة للبحث والتي لم تصل بعد إلى درجة العقائد، واتصل هذه بالنظريات ذات المظهر العلمى التي خلقها الاستعمار ليحاول اقناع الشرقيين والشعوب الملونة والمحتلة بأنهم أقل من الشعوب البيضاء قدرة عقلية، وان الرجل الأبيض هو الانسان الذي خصته العناية الالهية بنحصير الشعوب المختلفة وحمل أمانة حمايتها وتنويرح ا، وهذا هو ما التام هذا الاضطراب العميق والصراع النييبين الفكر العربي والحضارة والثقافة الغربيتين.
وعندى أن أمر الحضارة والثقافة الغريبتين او انتقل الينا انتقالا طبيعيا دون ان تكون وراءه هذه القوى التي تقوم على الغزو الثقافي وتنظم الحملات في سبيل "سحق الشخصية العربية" لما حدث أى انحراف، وانما الذي أحدث الانحراف هو محاولة الغرب في غزو بلادنا بجانب من ثقافته ان يفرض الجانب المنحرف المضطرب المتشكك.
والواقع ان الآراء والمذاهب الغربية لم تكن قائمة في الغرب بهذه الكثرة او التعدد في وقت واحد وانما جرت محاولة حشد كل الآراء والأفكار والدعوات التي مرت بمختلف الثقافات والفلسفات في الفقرة الطويلة من عصر النهضة إلى الآن حتى تأخذ صورة الحملة الجائحة التي تثير اؤعصاب وتبعث الشك وتزلزل العقائد في حين ان هذه الدعوات والمذاهب قد ظهر بعضها أثر البعض الآخر وانها لم تكن في صيغة الحقائق المقررة وانما في صيغة الآراء المعروضة للمناقشة وكآراء قابلة للنقد وان أغلبها انطوى وظهرت أفكار أخرى قضت على الأولى.
стр. 90
ولقد كانت هناك معركة ضخمة هائلة، وهى "معركة التغريب والغزو الثقافي وقد حدث انحراف ووقعت ضحايا وظن الاستعمار ان تجربة "تغريب تركيا" يمكن ان تتكرر في العالم العربي.
حقا، لقد كانت تجربة تركيا سلاح رهيب في أبانه، ثم تبين من بعد انها عمل فاشل وأن "التطور" غير التغريب" وان "الاقتباس" غير "النقل".
ذلك ان "تجربة تركيا" لم تتنع الأمة العربية بتقبل الحضارة الغربية كاملة، بل لعلها زادتها حذرا من ان تمسخ شخصيتها ولعنها هى التي حكمت بان "الاقتباس" خير من النقل، وان قبول جوانب من الحضارة والثقافة ورفض أشياء أقوى لشخصية الأمة من نقل كل شئ. لقد ظهرت كيف تميعت الشخصية التركية فلم تعد إسلامية او شرقية او غربية وانما هى خليط غير واضح المعالم.
стр. 91
(١)
حملات على الجنس السامية والآرية
اتسمت حملات "لتحطيم الكيان" التي قام بها الاستعمار بالعصبية والهوى والمغالطة وتجاهل المنهج العلمي الصحيح. وقد اتصلت هذه الحملات بكل ما يتعلق بكيان الشخصية العربية من قيم وتراث وخاصة في ميادين الدين واللغة والتاريخ والجنس. وصدرت عن مخطط مرسوم واضح وضع قاعدته الأولى كاتبين متعصبين استعماريين هما: جوبنيو ورينان.
وتقوم النظرية على وجود فوارق طبيعية بين الساميين والآرايين، وهما قاعدة الفوارق بين الشرق والغرب والرجل الأبيض والرجل الملون، بل قاعدة الاستعمار نفسه حين فرض الرجل الأبيض نفسه على أفريقيا وآسيا باعتباره حامل لواء المدنية.
حمل الغرب لواء الدعوة إلى نظرية الجنس وأقام على أسسها معركة التفرقة العنصرية. وترى هذه النظرية ان هناك اختلافات جوهرية وجسمانية وذهنية بين الأجناس البشرية وبين الآريين والساميين بالذات، وتفسير التاريخ تفسيرا يقوم على الهوى والأنانية مع احتقار كل ما هو ليس آريا وتجريد غير الآريين من خير الصفات الانسانية.
وقد اختلفت أوربا في حبل لواء هذه النظرية فقالت فرنسا بسيادة الجنس الكلتى ضد الجرمانى ودعت بريطانيا إلى سيادة السكون ضد الكلت. وأكدت ألمانيا سمو العنصر الجرمانى فوق الكات والسلاف واللاتين.
ونشأ عن هذه الدعوة نظرية الحاجز اللونى التي تقوم على أساسه ظاهرة الاضطهاد الحضاري. وقد طبقت هذه النظرية في أفريقيا وآسيا وأمريكا باضطهاد الزنوج أصحاب الأرض الأصليين.
نظرية جوبنيو
ونظرية الأجناس البشرية التي دعا اليها الكونت دى جوبنيو الفرنسي عام ١٨٥٨ قد استغلها الاستعمار في الفتح والتوسع، على أساس انه لا مساواة بين البيض والسود ولا بين المستعمرين والشعوب التي يحتلونها، وان البيض المستعمرين أعظم عقلا من السود المحتلين. وان هناك اختلاف جوهرى في سلالة العراق وجريان الدم.
وترى هذه النظرية انه ما دام هناك شعوب عليا، وما دام قانون الطبيعة يعطى الغلبة للآرى المتفوق فان من حقه ان تكون له السيطرة وان يقبض بيده على مقدرات العالم. وان الجنس الأبيض ينفرد بكل الخلق العظيم كما انه اختص بالجمال والذكاء والقوة في تاريخ الحضارات المتعاقبة وان ما عداه من الأجناس الأخرى عالة عليه.
وقال جوبنيو: ان (اليتو تويبين) هم أرقى الأجناس البيضاء جميعا وأفضل السلالات البشرية على الاطلاق.
ولقد كان لاتصال جوبينو مع الموسيقار "ريتشرد فلجنز" الألمانى أثره في تبنى الموسيقار الألمانى للنظرية التي تلقتها ألمانيا في الوقت الذي تحققت فيه الوحدة الجرمانية واتجهت إلى تأسيس امبراطورية كبرى وقد اتخذها رجال غليوم الثانى وسيلة لتعبئة قوى الشعب لغزو المسكرات.
وتأثر "فردريك نيتشة" الفيلسوف الألمانى بهذه النظرية وأوحت اليه بعض قصائده عن "السوبرمان"
стр. 92
نظرية رينان
وكان للفيلسوف الفرنسي أرنست رينان (١٨٦٣ - ١٨٩٢) أثره الواضح في توسيع هذه النظرية الاستعمارية وخلاصة آراء رينان هى:
* ان هناك فوارق بعيدة المدى بين الأمم السامية والأمم الآربة.
* ان الأمم السامية قصيرة الخيال، جافة التصوير تدرك الأشياء ادراكا أولياء ولا تتعمق في بحثها ولا تسترسل في كشف الحقائق ومعرفتها وتحكم على الأشياء لأول مرة حكم المعتقد الجازم بصحة الشئ الذي اعتقدته.
وخيالاتها محدودة وادراكاتها محدودة، ونظاماتها الاجتماعية لا تعرف التطور. ليس في نظام حكومتها ما يدل على سعة الادراك ولا على أثر التفكير. وليس لها في علم الأدب والفن أثر يذكر بالنسبة لما تركته الأمم الأخرى، بل ليس لها فلسفة ولم تسترشد الأمم الأخرى بشرائعها.
* ان الإسلام لا يشجع على العلم والفلسفة والبحث الحر، بل هو عائق لها، بما فيه من اعتقاد في الغيبات وخوارق العادات والايمان التام بالقضاء والقدر.
* من أشتغل بالفلسفة من المسلمين اضطهد وأحرقت كتبه وما وصل اليه هؤلاء من الفلسفة ليس له قيمة كغيره فهو ليس الا فلسفة اليونان مشوهة.
والفلسفة التي أخذها الأوربون عن المسلمين في أسبانيا كانت فاسدة رديئة الترجمة مشوهة الأصل لم تستفد منه أوربا الفائدة الحقة.
* العنصر العربي بطبيعته أبعد العقول عن الفلسفة والنظر فيها، فالزمن الذي كان يسود فيه العنصر العربي- وهو عهد الخلفاء الراشدين- لم تكن فيه فلسفة ولم يظهر البحث العلمي ولا الفلسفة الا حين انتصرت الفرس ونصروا العباسيين على الأمويين.
* ان العقل العربي لا يصلح للدراسة والبحث لأن العقلية السامية مجدبة كالصحراء التي نتت فيها ولا تقوى على التحليل والتعمق كما هو الحال بالنسبة للعقلية الآرية.
× هذه النظريات هى أساس كل ما حمل لواءه كتابا غربيون كثيرون قد انصفوا الإسلام والحضارة
* ان عقيدة الجبرية عند المسلمين من شأنها أن تخنق الروح العلمية وان تحول دون المضى في سبيل التقدم وان الإسلام عجز عن التطور وعن قبول أى عنصر من عناصر المدنية فأجتثت من قلبه كل بذرة من بذور الثقافة العقلية.
وكان رينان قد أداع هذه الآراء في محاضرة ألقاها في السربون في ٢٩ مارس ١٨٨٣ تحت اسم (التعاليم الإسلامية والعلم) ونشرت في جريدة الديبا ورد عليها جمال الدين الأفغانى- الذي كان بباريس اذ ذاك- وجرت بينه وبين أرنست رينان مقابلة نوقشت فيها هذه الأفكار.
رد جمال الدين الأفغانى
وقد كان رد جمال الدين على هذه الآراء علميا واضـ، الدلالة: قسم موضوع المحاضرة إلى عنصرين:
(١) ان الديانة الإسلامية كانت بما لها من نشأة خاصة تناهض العلم.
(٢) ان الأمة العربية غير صالحة بطبيعتها لا لعلوم ما وراء الطبيعة ولا للفلسفة وأجاب عن (النقطة الأولى) فقال:
ان المرء ليتساءل أصدر هذا النشر عن الديانة الإسلامية نفسها أم كان منشؤه الصورة التي انتشرت بها الديانة الإسلامية أو حملت على اعتناقه وعاداتها وملكاتها الطبيعية هما جميعها مصدر ذلك.
ان مناهضة المسلمين العلم أو الفلسفة في بعض عصورهم المتأخرة لا ترجع إلى طبيعة دينهم بل أولى بنا ان ننسبها إلى سوء بعض الشعوب التي اعتنقته من غير العرب.
٢ - أما عن النقطة الثانية فالكل يعلم أن الشعب الذي خرج من حال الهمجية التي كان عليها واخذ يسير في طريق التقدم الذهنى والعامى ويغز السير بسرعة لا تعادلها الا بسرعة فتوحاته السياسية وقد تمكن في كتابنا المغتربون أمثال طه حسين وسلامة موسى ومع ان العربية. فقد ظلت هذه الآراء ذات أقوى أثر عندهم.
стр. 93
خلال القرن من التكيف بالعلوم اليونانية والفارسية فتقدمت العلوم تقدما مدهشا بين العرب وفي كل البلدان التي خضعت لسيادتهم.
وقد كان العرب في ذلك الجهل حين شرعوا يتبادلون ما تركته الأمم المتمدنة فاحبوا تلك العلوم المندثرة.
ورقودها وحلقوا عنها بهجة لم تكن لها من قبل. او ليس هذا دلالة بل برهانا على حبهم الطبيعى للعلوم! صحيح ان العرب أخذوا عن اليونان فلسفتهم كما أخذوا عن الفرس ما اشتهروا به، بيد ان هذه العلومالتى أخذوها بحق الفتح وقد وقوها ووسعوا نطاقها ووضحوها ونسفوها تنسيقا منطقيا وبلغوا بها مرتبة من الكمال تدل على سلامة السوق وتنطوى على التثبيت والدقة النادرين وقد كان الفرنسيون والانجليز والألمان لا يبعدون عن لروما وبيزنظه بعد العرب عنهما، وكان من السهل عليهم ان يستغلوا كنوز علوم تلك المدينتين، ولكنهم لم يفعلوا حتى جاء اليوم الذي ظهر فيه منار المدينة العربية على قمة جبال البرانس يرسل ضوءه وبهاءه على الغره.
فالواقع يكذب ما ذهب اليه رينان فليست عقلية العرب التي استطعت تحصيل ثقافة الفرس والروم بسرعة لا تعدلها سوى سرعتهم في الفتوح الإسلامية بعقلية جامدة راكدة.
ان هناك نوعا من التناقض عندما ما يصف (رينان) عقلية العرب بالاجداب ثم يقول بأنهم أخذوا الفلسفة من الحرانيين أ. هـ.
وقد دارت مناقشة بين رينان وجمال الدين بينت له "ان الإسلام في نصفه الأول لم يحارب العلم وانما حاربه في نصفه الثانى. وان المسلمين لا يحاربون العلم والفلسفة الا عندما يبتعدون عن المنابع الأولى لدينهم وعندما تضطرب أحوالهم الاجتماعية والسياسية واستطرد رينان: لقد خالنى الشيخ غير منصف انى لم أوف الكلام حقه، ولم أقل في المسيحية ما قلته في الإسلام ان الاضطهاد بين المسيحين لا يقل عما كان بين المسلمين وهذا قول الحق، فجاليوا لم يلق من الكاثوليك خيرا مما لقيه ابن رشد من المسلمين.
وقد ظلت هذه الآراء التي قدمها جوبينو ورينان ميدرا للحملة على الفكر العربي والإسلامي وأساسا لم ينقض أبدا بالرغم مما وجه اليه من رد وبالرغم من تراجع رينان عنه فيما روينا من حديثه مع جمال الدين.
وبالرغم من ان هناك مؤرخون منصفون وأحرارا في الفكر: أمثال جوستاف لوبون وسيديو ودوذى فان الحملة على الكيان العربي. د. اتخذت آراء المتعصبين أساسا وتجاهلت آراء المنصفين ومضى الكثيرون من الكتاب العرب المتغربين على هذا النحو الخاطئ الظالم فهاجموا كياننا وقادوا حملة الغريب، ولعل كل ما أورده طه حسين وانطوان سعادة وغيرهم انما كان مصدره آراء رينا مما سنعرض له في مكانه.
المراجع
مجلة المجلات العربية: مايو ١٩٠٧.
الإسلام والتجديد: تشارلس أدمس.
الاتجاهات الوطنية: د. م. محمد حسين.
جمال الدين الأفغانى: د. محمود قاسم
زعماء الاصلاح أحمد أمين
مصر الحديثة: كرومز- ترجمة اسكندر شاهين ١٩٨٠.
رائد الفكر المصرى: د. عثمان أمين.
تاريخ الأستاذ: رشيد رضا.
قاسم أمين: أحمد زكى
مجلة الرسالة/ نظرية الأجناس البشرية أجيبون
стр. 94
(٢)
حملات على الدين
مهاجمة الدين واعتبار الإسلام سبب التخلف
تعددت حملات كتاب الغرب الذين قادوا معركة التغريب الثقافي على الدين وعلى الإسلام بتلذات بادعاء انه سبب التخلف للعرب والشعوب التي أعتنقته.
ونمثل للحملة على الدين ومهاجمة الإسلام بحملة الدوق داركواز بكتابه "مصر والمصريون" الذي صدر عام ١٨٩٣ جريا في نفس الطريق وان اقتصر الكتابة عن المصريين وحدهم. وقد ضم كتابه سلسلة من المطاعن القاسية وكان قوامه التعصب.
وحاول مؤلف الكتاب ان يصور الإسلام في صورة الدين الخرافى العتيق، ويصور المسلمين في صور ألضعاف العجزة. ونعى على المصريين ضعف الخلق القومى وعز تأخر الحركة الفكرية إلى الإسلام. وقال انه- أى الإسلام- هو السبب الأساسى في هذا التأخر وانه لا يحض على البحث في العلوم غير الدينية وأنكر ان للعرب الأوليين مدنية خاصة وأتهمهم باحراق مكتبة بالاسكندرية وادعى ان الإسلام هو الذي أمر بالحجاب.
رد قاسم أمين
وقد رد قاسم أمين على دوق داركور بكتابه "المصريون" باللغة الفرنسية. وقال ان رادكور ملئ بالحقد على المصريين والإسلام، جاهل بأصول الدين وتاريخ العرب. وان ما يوجد فعلا مما رمى به المصريين من قصور لا يرجع إلى طبيعتهم ولا إلى دينهم، وانما يرجع إلى أنهم كانوا يعيشون في ظل الاستبداد الذي أوقف تقدمهم ونهضتهم.
وقال قاسم أمين: ان الإسلام سبق الثورة الفرنسية بألفى سنة او يزيد حيث أنكر امتيازات النبلاء والثروة، ودعا إلى العدالة الاجتماعية. وان ليس في الإسلام طبقة تمثل السلطة الروحية التي كانت للكنيسة وانه أفسح المجال للكفايات وجعل للفقراء حقا معلوما في أحوال الأغنياء. وان النظام الإسلامي يؤكد الاخاء والمساواة، وان ضعف هذا النظام انما حدث نتيجة لاضطراب المسلمين وقيام أمراء طغاة يحكمون العالم الإسلامي مما أدى إلى شيوع الظلم والقسوة.
ونقد قاسم أمين حال المرأة في أوربا وقال: ان نظام تعدد الزوجات والطلاق هو نظام أرقى وأنقى من نظام الخلائل والتعدد غير الشرعى السائد في فرنسا وأوربا، هذا النظام الذي يطبع الأطفال بطابع الجريمة وان الإسلام قد احتاط لهذه الأخطار على ان الأصل أن يكون للرجل زوجة واحدة.
وأورد قاسم أمين احصاءا عن البغاء في فرنسا ودلل على ان ربع المواليد فيها غير شرعيين. وان ١٥٠ ألفا منهم قتلوا وهم يخرجون من بطون أمهاتهم كـ.
وقال قاسم: ان الميسريين يؤمنون بان الفضيلة مثل معنوى أعلى يضحى في سبيله بلذات الدنيا.
وأن الإسلام لم يمنع المصريين من دراسة الرياضة والجغرافيا والكيميا والطبيعة والفلك، وليس هو الذي أسلمهم لجماعة الطغاة المستبدين. وان الإسلام لم
يعترض تطور العقل الانسانى ولا تقدم العلوم ولا الآداب. ولم يحل دون اكتشاف الحقائق العلمية وان ما تسرب إلى الدين من أوهام وخرافات مما يراه بعض السائحين ليس من أصول الدين وخلص قاسم أمين إلى ان الاستعمار هو الذي حال بين بلادنا بين التقدم وان القناصل الأوربيين كانوا يكونون حكومات داخل الدولة تحمى المجرمين واللصوص وسفاكى الدماء من رعاياهم وان الغرب فرض تجارته علينا. وان رعاياهم كانوا مثلا للفساد والتسلط، وأنهم نعموا بخيرات البلاد دون ان يدفعوا مقابلا لها.
وقال ان حكام مصر حاولوا ألسير بمصر أولا ان أوربا خلقت لهم العثرات فأضحت البلاد مزرعة الغريب الأجنبى. وانه على الرغم من أن مصر تقابلهم بالاحترام فأنهم لم يجدوا سبيلا للاساءة ألا سلكوه. (ترجمة أحمد خاكى: الثقافة- ١٩/ ٥/ ١٩٤٢).
стр. 95
حملة هانوتو
مهاجمة الإسلام والمفاضلة بينه وبين المسيحية
وكانت حملة "هانوتو" واحدة من هذه الحملات التي شنها الغرب على الإسلام ومحاولة أثارة الشبهات حوله والسخرية منه وقد حاول هانوتو (وزير خارجية فرنسا) ان يلصق بالإسلام كل عيب. متهما أياه بالتعصب والتخلف. وحاول ان يرفع من شأن المسيحية على حساب الغض من قدر الإسلام حيث قال: ان الإسلام برفع حق الربوبية ويجعل الانسان في حضيض الضعف ودرك اوهن بينما ترفع المسيحية من شأن الانسان وتخوله حق القربى من الذات الأنة، وقلهل هانوتو ان نتيجة الاتجاه الأول هو تحريض الانسان على اغفال شئون نفسه وبث التنوط في قلبه وتثبيط همته.
وقال ان "المسيحية" هى الوارثة لآثار الآريين، وهى منقطعة الصلة بالمذاهب السامية وان كانت مشتقة منها، أما الإسلام فهو متأثر بالمذهب السامى، وذلك فهو ينزل بالانسان إلى أسفل الدرك ويرفع الآلة عنه في علاء لا نهاية له.
وأعتد قول كاتب آخر هو "كيمون" الذي يعتقد ان الإسلام جذام فشا بين الناس وأخذ يفتك بهم فتكا ذريعا ويقول "كيمون" بل هو مرض مريع. وشلل عام. وجنون ذهولى. يبعث الانسان على الخمود والكسل ويرى ان المسلمين وحوشا ضاربة ويعتقد ان الواجب أبادة خمسهم والحكم على الباقين بالأشغال الشاتنة وتدمير الكعبة ووضع ضريح "محمد" في متحف اللوفر.
وأشار إلى ان الإسلام دين وسياسة وان شعور المسلمين مبهم من حيث الجامعة السياسية والرابطة المدنية او الوطنية، فالوطن عندهم في الإسلام وهم يقولون ان السلطة مستمدة من الالوهية فلا يجوز ان يتولاها الا المسلمون.
وقال هانوتو: ان الإسلام عقبة في سبيل العلم والحضارة.
***
رد محمد عبده
ورد محمد عبده على هانوتو متهما أياه بتحريك نيران العداوة في الفرنسيين أثارتهم على حرب المسلمين. وقال ان أصل التمدن الآري هو الهند وان الإسلام هو الذي بعد ان صفاها وهذبها، وذلك عن طريق الأندلس.
وقال انه لا صلة بين الدين المسيحي والمدنية الحاضرة، فالانجيل يأمر اتباعه بالانسلاخ من الدنيا والزهادة فيها.
ويقص عليهم ان دخول الجمل في سم الخياط أيسر من دخول الغنى في ملكوت السماوات. فهل تقوم المدنية الأوربية على هذا الأساس.
ثم قال أن الفينيقيين- وهم ساميون- هم أساتذة العالم في الصناعة والتجارة بل والقراءة والكتابة ولا زالت الأمم يأخذ بعضها من بعض في المدينة لا فرق بين آري وسامى.
ودفع "محمد عبده" عن الإسلام تهمة الاتكال على القدر والجبرية وبين ان النبى وأصحابه جاهدا في سبيل نشر الدعوة ولم يكتفوا بالتسليم للقدر في اتمامها، قائلين ان الذي كفل لهم النصر يكفيهم التعب. وان الآريين الذين دخلوا في الإسلام من فرس ورومان هم الذين أفسدوا العقائد الإسلامية فادخلوا فيها ما ليس منها.
وقال ان ربط هانوتو بين المسيحية وبين الديانة اليونانية باطل، وان نظرية التشبيه لم تظهر في المسيحية الا بعد قرون من نشأتها. وقال ان من المسيحيين الآن من يعتقد أن المسيح لم يكن الا نبيا مختارا بعثه الله لخلاص البشر أما الإسلام فقد دعا إلى التوحيد وبعقيدة التوحيد فتح المسلمون الدنيا وجالوا في علوم السماوات والأرض فنبغوا في مختلف العلوم، وانما فسدوا وتأخروا حين فسدت عقيدتهم ودخل فيها ما ليس منها" أ. هـ.
стр. 96
?
ومما يذكر أن عصر التغريب بالذي أمتد في مصر خلال هذه الفترة (١٩٢٠ - ١٩٤٠) قد فرض أن يختار "هانوتو" هذا نفسه ليكتب تاريخ مصر في مقابل ثمانية آلاف جنيه، والعجيب أنه كتب تاريخا مشوها نقدته الصحف وعارضه الكتاب، فقد زعم أن مصر لم تستقل في حياتها الا فترات قصيرة جدا وأجابت مجلة النهضة الفكرية (١٨ يناير ١٩٣٢) على ذلك: بأن مصر كانت امبراطورية كبيرة يوم كانت أوروبا تتخذ من الكهوف والمغاور مساكن ومن جلود الحيوانات أطعمة. ولو لم يتصل اليونان بمصر لظلت فرنسا وانجلترا في العصر الحجري إلى القرن العشرين. وتساءلت المجلة: هل كانت مصر مستعمرة في عهد البطالسة؟ أيام كانت فرنسا مسكونة بصنف من البشر همجى متوحش.
стр. 97
(٣)
حملة كرومر
على الإسلام والعرب ومصر والشرق
ويمثل كرومر بحملاته المتوالية التي أوردها كتابيه مصر الحديثة والخديو عباس وتقاريره السنوية صورة الحملة الجماعية على كل مقاومات شخصيتنا ومعالمها وتراثنا ووحدتنا وثقافتنا وماضينا.
يقول: ان الإسلام نجح كعقيدة ودين. ولكنه فاشل كنظام اجتماعي، قد وضعت قوانينه لتياسب الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي. ولكنه مع ذلك أبدى لا يسمح بالمرونة الكافية لمواجهة المجتمع الانسانى. وأن الإسلام يحزم المرأة من كل حقوقنا ويعتبرها أحط من الرجل وأنه يبيح الرق. وأنه دين متعصب تطرف يبيح لاتباعه أن يتخذوا المخالفين لهم في العقيدة أسرى حرب ورقيقا. ويجعل من أتباعه جماعة من أنصار الهمج المحبين للحروب والذين لا تتسع صدورهم لأى تسامح فهم لا يفهمون أن الخدف في الرأى ليس موجبا للكراهية والحقد.
وقال ان الإسلام دين مناف للتجديد ولم يكن صالحا الا للزمن والمحيط الذين وجد فيهما. وأن المسلمين لا يمكن أن يرقوا في سام الحضارة والتمدن الا بعد أن يتركوا دينهم، وينبذوا القرآن وأوامره ظهريا لأنه يأمرهم بالخمول والتعصب ويثبت كيهم روح البغض للاغيار والشقاق وحب الانتقام وأن الإسلام على الجملة هو العقبة للكؤود في سبيل رقى الأمة الإسلامية.
وقال أن الشرقيين أسرع الناس إلى تصديق الشائمات وهم ينملقون من فوقهم بنفس القدر الذين ينتظرون لمه الملق ممن هم دونهم. وهم لا يكترثون للمستقبل ولا يتبصرون في العواقب ولا يرون شيئا لمن يتركون من خلفهم وهم يدرسون في الخلفاء ولا يعملون في الضوء نتيجة للعصور المتوالية التي عانوا فيها من الاضطهاد وهم يؤمنون بالقضاء والقدر. ويدفعهم ايمانهم هذا إلى الرضوخ لكل ذى سلطان.
وقال: ان المسلم غير المتخلق باخلاق أوربية لا يصلح لحكم مصر، وأن المستقبل الوزارى سيكون للمصريين المتربين تربية أوربية.
وفاصل كرومر بين الإسلام والمسيحية وانتصر لديانته.
***
الرد على كرومر
وقد رد على كرومر: مصطفى العلايينى وفريد وجدى ومصطفى المنفلوطى ورشيد رشا ومصطفى كامل وغيرهم.
وجملة ردودهم أن كرومد انما قصد إلى محاولة تشويه سمعة المسلمين والعرب والمصريين في العالم الغربي انتقاما منهم. وأن هدفه هو التشفى من السخط الذي واجهه وأن حملته على الإسلام أنما هم الرابطة التي تعد القوة الأولى في مواجهة الاستعمار وان الإسلام لم يكن في يوم من الأيام مناقضا للمدينة العصرية او حائلا دونها، وهو لا يناقضها ولكنه لا يقبلها كلها ويرفض زيفها وأنه اذا كانت المسيحية وقفت مانعا أمام المسيحى وبين المدينة والحضارة فان الإسلام ليس مانعا.
وان الإسلام لم يعرف في عصر من عصوره سلطة البابا على الأمم المسيحية عندما كان يضع القوانين التي لها قدسية الأوامر المنزلة.
стр. 98
وأن ادعاء الغرب بأنه فصل حكومته عن الدين ليس الا أكذوبة ضخمة فان فرنسا ما تزال حامية الكاثوليكية وملكة انجلترا حامية البروتستانت.
وقد اضطر كرومر امام الحملة العنيفة إلى التراجع فأعلن انه كان يعنى مجموعة القوانين الإسلامية التي تسمى «الفقه» وأنه لم يهاجم الدين الإسلامي نفسه.
المراجع
الإسلام: رسالة هانوتو: ورد الشيخ عبده عليها
الإسلام والرد على منتقديه: محمد عبده
الإسلام روح المدنية: مصطفى العلايينى (الرد على كرومر).
شبهات النصارى وحجج الإسلام: محمد رشيد رضا.
الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية: محمد عبده.
стр. 99
- ٣ -
حملات التعصب
وليست هذه الحملات التي عرضناها الا نموذجا لعديد من الحملات المتصلة القائمة على الهوى، وقد قام بها كتاب وقصص وقضاة جندهم الاستعمار في خدمته للانتقاص من الأمة العربية ومقدراتها، واتهامها بمختلف الاتهامات.
قال القاضى "مارشال" أن ما بين المسلمين والأقباط في مصر كما بين المسلمين والهندوس وأثنى على مصطفى فهمى رئيس الوزراء الذي أبقاه كرومر ثلاثة عشر عاما رئيسا للحكومة وقال: أن مصطفى فهمى بكل تأكيد ليس مصريا وقال ان دم سعد زغلول ربما كان مزيجا من الدم الأوروبى. وقال ان المصري يمقت كل دين غير الإسلام ولا يعطف الا على الطغاة الذين يعاملونه بحزم.
وقال مسيو لوى برتران في كتابه «بازاء الإسلام» أن الأوربى النازل إلى مصر لم يبق موضع التقديس والمهابة، وان المصريين يعطفون على الأمير عبد الكريم الخطابى ويجمعون له الأموال وعبد الكريم ومن معه ليسوا الا ثائرين على فرنسا. وان مساجد المسلمين تشعر أن أهل البلاد يعيشون في طمأنينة لا يخشون أغارة مغير ولا عدوان معتد، بينما كنائس النصارى في صورة القلاع تدل على أنها عرضة لغارة هؤلاء انهمج عليهم.
وقد رد عليه الدكتور: هيكل في السياسة الأسبوعية (٢٠/ ٣/١٩٢٦) مقال: ان مسيو برتران يريد أن يعلن أن قومه أكرم عنصرا وأشرف مقاله في الانسانية من الشرقيين ومن المسلمين، فليعلم أن الزمن الذي أتاح لأوروبا أن "حكم العالم ردحا من الزمن قد أتاح مثل ذلك من قبل لأمم آسيا ولأمم أفريقيا، ومصر قد حكمت العالم عصورا عديدة وقد صبغت العالم بمدنيتها ولعل أهلها يومئذ كانوا يعتقدون أن الأجناس التي تقطن أوربا كلها همج وبرابرة ومتوحشون.
وهناك كتاب "فوليتر" عن النبى محمد الذي رفعه إلى البابا وكتب مقدمته يقول "فلتأذن قداستك في أن أضع الكتاب ومؤلفه تحت قدميك. ولتستغفر قداستك لعبد خاضع من أشد الناس إعجابا بالفضيلة، اذ تجرأ فقدم إلى رئيس الدسانة الحقيقية ما كتبه ضد مؤسسى ديانة بربرية كاذبة ..
ومن هذه الحملات حملة الكردينال لا فيجرى على الرقيق (يوليو ١٨٨١) والتي ادعى فيها بأن سوء معاملة الرقيق أمر يبيحه الإسلام ومن مغالطاته قوله: أن الرق قد ألغى منذ عشر سنين في معظم البلاد الإسلامية بتقيدا للمعاهدات التي عقدت بينها وبين انجلترا.
وقد تصدى للرد عليه المؤرخ أحمد شفيق ١٨٩٠ بمؤلف بالفرنسية عن الرق في الإسلام قال فيه أن الدين الإسلامي لا يبيح في أى حال من الأحوال معاملة أحد من الناس معاملة الرق اذا كان أبواه مسلمين حربين، ولا يكون الاسترقاق الا في الحرب، ومع ذلك فهو مقيد بشروط وروابط معلومة، وأن الشريعة الإسلامية تأمر تابعيها بالتزام الرفق والرأفة مع المملوكين.
وقد تحدث اللورد لويد في كتابة «مصر منذ عهد اللورد كرومر» الذي أصدره عام ١٩٢٩ عن البلاد العربية فقال أنها لا تزال كل قرية فيها حتى اليوم تمثل الحوادث والتقاليد والعادات التي سمعنا بها في أيام الطفولة. والنساء يطحن الحبوب بالرحى اليدوية والثيران تدرس الحصاد حول الجرن، ومن دواعى الأسف أن الذباب لا يزال يحوم على الصيداية ويجعل ما نصنعه من العقاقير ذا رائحة كريهة.
وقال: أنه لا يظن أحدا في رأسه عقل يصدق أن بريطانيا ستمنح الهند حكما ديمقراطيا بمعنى الكلمة أو استقلالا تاما، وتساءل عن فائدة الاستقلال في مصر وفلسطين والهند للجماهير.
стр. 100
وقال: لقد رفعنها الحماية عن مصر وصرحنا باستقلالها بموجب الصيحة التي كانت ذائعة يومئذ ونادينا في الوقت نفسه بقداسة المصالح البريطانية.
وطعن القدس "جوين وكدويدن" على مصر والإسلام وقال أن العلاقات بين حكومة المبشرين والإسلام على ما يرام، وقال أن تأسيس مركز قبوى للتبشير في السودان يحول دون انتشار النفوذ الإسلامي في الشمال.
كما هاجم الكاهن (لاكى) الإسلام في صحف بريطانيا وهاجم نظام الزواج الإسلامي كما هاجم الأزهر والقرآن وقد رد عليه الكاتب المصري المسيحى "قرياقص ميخائيل" فقال: أن ما نشره القس من معلومات خاطئة من أساسها وغير صحيحة. فهو اما أن يعرف ما يتحدث عنه وأما أنه بالغ في رواياته، فان الدين الإسلامي لا يسمح لأحد بأن يتزوج أكثر من أربع نسوة فكيف جعلهن لاكى ستا، فضلا عن أن تعدد الزوجات ليس مألوفا الا في جزء من المجتمع لا يقيم وزنا للخلق الكريم وفي وسعى أن أؤكد بأن يقولون صادقين أن تعدد الزوجات لا يسمح به الا في أحوال المسلمين استثنائية.
وقال قرياقص ميخائيل: أن الإسلام دين عظيم متمدن سمح بتعدد الزوجات تحت شروط معينة، وأن منزلة المرأة في مصر تزداد قوة واحتراما، وأن الكاهن مخطئ فيما ذكره عن الأزهر الشريف مركز الثقافة الإسلامية في العثلم وليس صحيحا ان القران الكريم هو المادة الوحيدة التي يدرسونها في هذه الجامعة بل يعكفون في الأزهر على التضلع في اللغة العربية والفقه ويتعلمون الحساب والتاريخ والطبيعة.
وقد لقيت هذه الحملات نقدا شديدا من الصحافة العربية وردودا مدعمة بالوثائق والأدلة من كتاب العالم العربي في هذه الفترة، ولم تنقطع هذه الحملات بل استمرت وتوالت، حتى لقد ذكر الدكتور عمر فروح في كتابة «التبشير والاستعمار» أن هذه الكتب بلغت عشرات الألوف، ومما لا شك فيه أن معظم هذه الكتب كانت حملات حاقدة طائشة وأن البقية القليلة منها لم تقم على أساس مذهب البحث العلمى الذي أبتدعه الغرب وباهى به وأنها غاب عليها هدف واضح محدد هو «التغريب» وخدمة الاستعمار ومحاولة الانتقاص من هذا الكيان العربي وتمزيقه وتحطيمه.
ولا يمنع هذا الحكم الذي يعم الكثرة الغالبة من استثناء قلة قليلة من الكتاب حاولت أن تنتصف للعرب وأن تذكر الحقيقة ولقد كان للفكر العربي الإسلامي دوره الواضح في هذه المرحلة، وعمله الايجابى الضخم أزاء هذه الحملات فقد واجهها في حكمة ومرونة وقدرة على ضبط النفس ويعد عن أساليب الهجاء أو الحقد.
وقد بلغ تجنى كتاب الغرب حدا جعل من المؤمنين بالغرب وكتاباته يهاجم تخبط كتاب الغرب في فهم بلاد لبنان هو فؤاد أقرام البستانى (مجلة المشرق مجلد ٧ ص ٩٣١) حيث يقول: أن الصحفى ربما يأتى ليراسل احدى الصحف الغربية فيتصل ببعض الفتيات الراقصات فتريه ما يشاء عن بلاد الشرق وتخبره بما يجول في مخيلتها من سيطرتها على بعض رجال الحكومة البارزين فيؤخذ الصحفى بكل هذا ويكتب أن حكومة البلد الفلانى تحكمها الراقصات ولذلك أصبحنا نقف موقف الربة والشك ازاء كل كتاب جديد عن بلادنا" ..
ولم يقف أمر الغربيين عن مهاجمة الأمة العربية بالكتب والصحف بل امتدت إلى الاذاعات والسينمائيات. فطالما عرضت دور السينما في مختلف عواصم أوربا أفلاما تمثل المصريين والعرب «فى هيئة مزرية قذرة متوحشة وكتبت تحت عبارات تقول أن «الإسلام هو السبب في جذب هذه الأمم إلى الوراء وأن تعاليمه التي قذفت بهم في احضان الهمجية والتوحش وشعائره هى التي أمرتهم بالكسل والخمول وحالت بينهم وبين الأخذ بأسباب المدنية الحاضرة» وذلك كما صورته عبارة الأمير شكيب أرسلان (مارس ١٩٣٢) فيما صور من المطاعن التي يوجهها الغربيون وقال «ان نظرة إلى القرآن وتاريخ النبى كفيلة بأن تظهر عملا أن ناشرى هذه الآراء السخيفة عن الإسلام من المنغمسين في بحار الجهالة بهذا الدين» وقال أن هذه ليست الحمالة الأولى من نوعها فان كثيرا من مشاهير الكتاب والمفكرين أمثال توربان وباسكان وجيترار وجانبيه ورنيان والدوق داركور وهانوتو وكازانوفا تنالوا الإسلام على هذا النحو وقد علقت جريدة الأهرام ٢٩/ ١/١٩٣٢ على مثل هذا العمل عن فيلم عرض في لندن وصف بأنه يتضمن وقاحة غريبة وقالت نقلا عن الديلى تلغراف: أن أكبر عدو لمصر هى السينما الأوربية فان رجالها يبحثون في مصر عن أخطر الأمور حتى يصوروا الأمة المصرية على أنها أمة همجية متوحشة ليس لها من التقاليد ما يضعها في صف الأمم الراقية. وقالت الاهرام أن أير أمة لا تخلو
стр. 101
من الطبقات الدنيا وأن في أشد بلاد العالم مدنية مناظر تفوق ما في مصر من مناظر في هذه الناحية".
ولقد ظل كتاب الغرب يتحاملون على تاريخنا ويصورون الفتوحات العربية والإسلامية في أوروبا بأنها غزوات بربرية وحملات ناهبة مخربة ولطالما هاجموا هذا الفضل وجحدوا العرب الذين حملوا اليها ضياء الحضارة وأنكروا هذه الحقيقة التاريخية.
ويتصل بهذا ما قامت به الصهيونية بما لها من سيطرة على دوائر النشر والاعلان في أوروبا وآسيا وأفريقيا من تزييف تاريخ العرب لمصلحته قيام وطن قومى في فلسطين ومنع نشر حقائق الانصاف عن العرب والإسلام. وقد نشرت خلال هذه الفترة التي تؤرخها مؤلفات ومراجع ودوائر معارف بمختلف لغات العالم كتبها اليهود وعملائهم من المؤرخين والباحثين أغلفت أثر العرب وفضلهم على التاريخ والحضارة مع اقحام أسماء اليهود بغير مناسبة.
стр. 102
- ٤ -
النظرية اليونانية
وإنكار فضل العرب على حضارة الغرب
من أهم الدعوات التي أثارها الغرب في سبيل الغزو الثقافي والتغريب: النظرية اليونانية، مستهدفا تحطيم مكانة الثقافة العربية. وغاية النظرية: انكار أثر العرب على الفلسفة اليونانية وتجاهل فضل مصر والشرق على حضارة اليونان ثم يستطرد هذا إلى محاولة فرض فضل للثقافة اليونانية على الثقافة العربية
فقد أنكروا أن أعلام اليونان سافروا إلى الشرق لارتشاف علومه، وقالوا أن الفلسفة العربية ليست شيئا آخر الا الفلسفة العربية دونت بحروف عربية.
وقد أشار المستشرق جويدى في محاضراته التي ألقاها في مصر عام ١٩٢٨ فقال: ان سفر اعلام اليونان إلى الشرق للاستفادة من علومه قول منتحل، وان مصر وسائر بلاد الشرق لم يكن لها فضل على العلوم والآداب واثقافات التي تنسب إلى اليونان.
وقد ذهب طه حسين في بحثه الذي صدر به كتاب (نقد الشعر) لقدامة إلى أن قواعد البلاغة العربية أنما أسست على وضع أرسطو ونقله العرب عن اليونانية وشايعه كثيرون.
وقال طه حسين: أن الناس في الشرق والغرب وفي جميع الأجيال مدينون لثقافة اليونان. وقال أن عقلية مصر عقلية يونانية، وأنه لم يكن للشرق في تكوين الفلسفة اليونانية والعقل اليونانى والسياسة اليونانية تأثيرا يذكر وانما كان تأثير الشرق في اليونان تأثيرا عمليا ماديا ليس غير.
وقد جرت بشأن هذه النظرية مجادلات شتى وكانت احدى الدعوات التي قصد بها القضاء على مكانة الفكر العربي القديم أو التقليل من شأنه والواقع الذي روته كتب التاريخ وابحاث العلماء المنصفين فيه اجماع على أن المعارف اليونانية منقولة من المعارف المصرية، وأن فلاسفة اليونان تلامذة فلاسفة مصر القدماء. واليونانيون يعترفون بأنهم تلاميذ المصريين، وكانت زيارة مصر واجبة على كل يونانى يريد التفقه في أسرار الوجود. (زكى مبارك: الرسالة ١٥/ ١١/١٩٤٣).
ولقد بلغ من عنف دعوة التغريب أن فرض هذا القول الخاطئ على الكتب المقررة للتدريس في المدارس في مصر، ليؤمن الطلاب بالادعاء الكاذب الذي يقول بأن العقل؟ قد أنهزم أمام العقل اليونانى مرات.
والواقع أن أرسطو وزملائه أخذوا من الفلسفة المصرية القديمة وأنه سجل الفضل للعقلية الشرقية في مقدمة كتاب (ما بعد الطبيعة) أما ما ذكر من أن العرب لم يزيدوا في فلسفة اليونان عندما ترجموها فالرد عليه يظهر لكل منصف فيما أضاف العرب إلى علوم اليونان، وأول فضل العرب على فلسفة اليونان هى النزعة الدمقراطية التي أنزلت الفلسفة من السماء إلى الأرض ويسرت لكل انسان أن يفكر فيها والرأى مجمع على أن ما أضافوه ما أبتكروه (أبو النصر الفارابى) من وضع أصول سنوا سنة الجمع بين الحكمة والعلم، ولم يكن ذلك معروفا لليونان، والمعروف أن العرب عندما تمثلوا فلسفة اليونان أضافوا اليها عنصرا جديدا وهو الدين، أما الرد على ما يقال من أن العرب نقلوا فلسفة اليونان وعلومهم، ولم ينقلوا آدابهم، فان آثار اليونان الأدبية التي لم يتقبلها العرب فقد كانت من الأدب المكشوف الذي يثير الشهوات وهى الدعامة التي قام عليها الأدب الأوربى الحديث.
وقد سجل ذلك الشيخ رشيد رضا (المنار جـ ٥ م ٢٧ ص ٣٩٧) موقف العرب من الشعر اليونانى على أثر ما أثير من أن العرب نبذوه ولم يترجموه أن يقتبسوا
стр. 103
من معاينة، قال: قد كنا نجهله قبل أن يترجم لنا سلمان البستانى (الالياذة) نظما، وكنا نبيح لانفسنا الحكم عليه، فلما أطلعنا على (الالياذه) وهى أعلى شعر الاغريق ومفخرتهم التاريخية حكما بأن اجدادنا لم ينبذوا شعرهم وراء ظهورهم، ألا لانهم وجدوه دون الشعر العربي في حكمة وسائر معانيه وأنه على ذلك محشو بالخرافات الوثنية التي طهر الله عقولهم ومخيلاتهم منها بالإسلام.
ومما يتصل بالنظرية اليونانية المحاولات الفكرية التي جرت في انكار فضل العرب على الثقافة العربية والعمل على التشكيك في مساهمة العرب في الحضارة ورد كل فضل إلى اليونان ثم الادعاء بأن العرب كانوا نقلة ومترجمين في الوقت الذي سجل لهم التاريخ الفضل في الاضافة والانماء للثقافة والعلوم التي ترجموها عن اليونانية.
وقد كانت أسبانيا العربية (الاندلس) بعيدة الأثر في ثقافة أوربا وحضارتها: سواء في الادب أو الموسيقى أو الفن أو العمارة.
وقد سجل أكثر من باحث ومؤرخ وفي مقدمتهم المستشرق الأسبانى الأب اسين بلاسيون الذي قال: أن شعراء (التروبادور) قد تأثروا بالشعر الاندلسى وأن قصص (سرفانينس) انما تصور في الحقيقة شهامة ونجدة الفارس العربي.
كما أشار غيره إلى أثر (ابن رشد) هذا الاثر الذي بقى في ايطاليا حتى القرن السادس عشر بعد أن نقدت مؤلفاته إلى اللاتينية، وقامت له مدرسة من الفلاسفة الأوربيين، كما نقلت أثار الطب وفي مقدمتها كتاب أبو القاسم الزهراوى في الجراحة الذي ظل يدرس في جامعات أوربا واكسفود بالذات حتى عام ١٧٧٨، كما خرجت جامعات طليطلة وقرطبة عددا من الباحثين الأوربيين الذين سجلوا أن ترطبة كان بها ٧٠ دارا للكتب و ٩٠٠ حمام بينما كانت أوربا تعيش في ظلمات القرون الوسطى، هذه القرون الوسطى الذي يطلقها الغرب على ازهر فترات الحضارة الإسلامية تعنتا منه وتعصبا فانما كانت القرون الوسطى ثقافة واجتماعيا، بربرية وظلاما على الغرب وحده.
أما في الاندلس العربية والشرق العربي كله فقد كانت بأزهر فترات اليقظة والنهضة وأنضر صفحات الحضارة والمدنية.
ولقد انهزمت هذه النظريات بأقلام كتاب كن الغرب نفسه، ومن المستغربين الذين استفاق ضميرهم إلى الحق كزكى مبارك وهيكل ومنصور فهمى.
стр. 104
- ٥ -
حملات التغريب والغزو الثقافي
ليس شك أن حركة "تغريب الشرق" هى دعوة كاملة لها نظمها وأهدافها ودعائمها ولها قادتها الذين يقومون بالاشراف عليها.
وهى حلقد من مخطط واسع في تأكيد الاستعمار ودعمه، وعمل استعمارى فكرى بعيد المدى قصد به إلى القضاء على معالم الشخصية العربية وتحويل هذه الأمة إلى الصورة الغربية ومسخ ملامحها.
ويدعو "التغريب" إلى تغليب الأنظمة والمذاهب والثقافات الغربية والقضاء على القيم والتراث العربي والمذاهب والثقافات الإسلامية.
وقد اصطنع التغريب لتحقيق رسالته وسائل متعددة، كان برزها أعمال الاستشراق والتبشير والامتيازات وفرض المعاهدات على الأقطار المحتلة والزامها باتخاذ أنظمة الحكم الغربي وفرض الارساليات والمعاهد والجماعات باتجاهاتها التبشيرية.
واستهدف الاستعمار من وراء حملة "التغريب" تركيز قواعده التي اقامها بالاغتصاب والتسلط والغزو العسكرى، وذلك محاولة تغيير مفاهيم الوطن العربي ومحاولة كسب عقليات الشعوب وتفكيرها وعواطفها إلى صفة والفصل بينها وبين ماضيها وقيمها، ومحاولة تحطيم هذه القيم والتشكيك فيها واثارة الشبهات حول الدين واللغة والتاريخ ومعالم الفكر ومفاهيم الآراء والمعتقدات جميعا.
وقد بدأ الغزو الثقافي قبل الغزو العسكرى ومعه، وتسللت جيوشه في أزياء العلماء والمبشرين الذين يدرسون عقليات الشعوب ونفسياتها وبقرأون تاريخها السيايى والفكرى، وبدأت مؤسسات أمريكية وفرنسية وبريطانية تعمل في هذا المجال باسم: الدارس والصحافة والثقافة والتربية والتعليم والسينما وفي ميادين أخرى كالتطيب.
ولقد كان لتعدد هذه الألوان من الثقافات أثرها في بلبلة الفكر العربي الإسلامي واضطرابه وتخريج أفواج متعددة تدين كل طائفة منها بالولاء للجهة التي خرجتها.
وقد "كان هذا التعليم - كما صورة جبران خليل جبران- يأتى من الغرب بشكل الصدقة. وكنا ولم نزل ناتهم خبز الصدقة لأننا؟ متضورون. ولقد احيانا ذلك الخبز، ولما أحيانا أماتنا. احيانا لأنه أيقظ بعض مداركنت ونبه عقولنا قليلا. وأماتنا لانه فرق كلمتنا وأضعف وحدتنا وقطع روابطنا وأبعد ما بين طوائفنا حتى أصبحت بلادنا مجموعة مستعمرات صغيرة مختلفة الأذواق متضاربة المشارب. كل مستعمرة منها تشد في حبل احدى الأمم الغربية ورفع لواءها وتترنم بمحاسنها وأمجادها، فالشاب الذي تناول لقمة من العلم في مدرسة أمريكية قد تحول بالطبع إلى معتمد امريكى. والشاب الذي تجرع رشفة من العلم يسوعية صار سفيرا فرنسيا والشاب الذي لبس قميصا من نسج مدرسة روسية أصبح ممثلا لروسيا".
أضف إلى هذا الأثر للغزو الثقافي ما قاله لورد كرومر من "أن الشبان الذين يتلقون عاومهم في انجلترا وأوربا يفقدون صلتهم الثقافية والروحية بوطنهم ولا يستطيعون الانتماء في نفس الوقت إلى البلد الذي منحهم ثقافته فيتأرجحون في الوسط ويتحولون إلى مخلوقات شاذة ممزقة نفسيا".
وكان هذا بالطبع هو الهدف من الارساليات المختلفة التي غزت بلادنا والبعثات المرسلة إلى التعلم في أوربا.
وهكذا كان "التغريب" عملا منظما دقيقا قوامه الحرب المنظمة للقيم الذي عاشت عليها الأمة والحيلولة دون وصول أضواء الثقافة والعلم الغربي الينا
стр. 105
والاكتفاء بنشر غمامة كثيفة من الغموض والتشكيك والآراء المتناقضة وذلك في محاولة ضخمة لاعطائنا الصورة المظهرية دون الصورة الحقيقة للثقافية فقد قاوم الاستعمار التعليم الشامل لوجه الثقافة ووقف في وجه انشاء الجامعة المصرية.
وحاول أن يجعل هدف التعليم قاصرا على اخراج موظفين وليس لتخريج علماء وباحثين.
كما قدم في ميدان الحضارة أسوأ ثمراتها في تجارة الرقيق الأبيض والكحول ومواد الزينة واللهو وهى الأجهزة التي تمكن الغرب بها من القضاء على مقومات شخصيتنا والاستيلاء على أموالنا.
ولقد ظهر واضحا اثر هذا "التغريب" في الأقطار التي تحررت من بعد وكسبت الاستقلال، فقد ظلت خطط التغريب قائمة في كل ميادين الفكر والصحافة في خلق طبقة من المفكرين ورجال الدولة الذين انصهروا في بوتقة التغريب فآمنوا بهذا الاتجاه ودافعوا عنه، وكان ذلك باسم التمدين وباسم العهد التي قطعته الاتفاقيات والمعاهدات بأن نسير سيرة الأوربيين في انظمة الحكم والتعليم والثقافة وقد اتخذ "الغزو الثقافي" في سبيل فرض "التغريب" وسائل متعددة، فالكتب التي تترجم هى كتب معينة تعين على حماية الاستعمار ودعم مركزه وتصورنا بصورة القصور والتخلف. وتصور أوربا والغرب بصور الأمم العظيمة ذات القوى الجبارة وقد كانت هذه الكتب دائما من النوع الهدام الذي يهدف إلى الفتك بالدين والأخلاق وتحطيم كيان المجتمع وتحويل نظره عن الحرية واجهاد في سبيل الاستقلال؟ ؟ ومحاولة قتل الشخصية العربية ومقوماتها وتدمير تفكيرها وتسميم ينابيع الثقافة فيها وعن طرقه ارتفعت أصوات الدعوة إلى اذابة الأمة الإسلامية في الحضارة اذابة كاملة باعتبار ذلك هو السبيل الوحيد إلى النهضة والحرية.
وجرت الادعاءات الغربية التي تنفى أن العرب أمة وتحاولت أن تجعل من دول البحر الأبيض المتوسط جامعة ورابطة.
ولقد ركز الغزو الثقافي أحماله كلها على مهاجمة "الإسلام" كدين ونظام مجتمع واتهامه بأنه سبب انحطاط الشعوب ورأى "جب" أن "حركة التغريب كانت بعيدة المدى بانزال الاسلاام من عرشه في الحياة الاجتماعية" وقد أعلن الكثيرون من دعاة التغريب أننا لسنا شرقيين اطلافا وأننا أوربيون في الدم والمزاج والثقافة واللغة، وادعى هؤلاء اننا سكان العالم العربي من بغداد شرقا إلى طنجة غربا نشترك وأوربا في ميراث واحد هو ميراث الدولة الرومانية.
وكان من نتائج هذا كله أن أضيف إلى الفكر العربي الإسلامي "ترقيعاات" متعددة من الثقافات الفرنسية والانجليزية والأمريكية، وهى البطاقات التي فرضت نفسها في المنطقة.
***
النقل والاقتباس
كان لحركة "التغريب" أثر واضح في الفكر العربي الإسلامي المعاصر والحياة الاجتماعية في العالم العربي فقد كانت مصدر كل الانحرافات والاضطرابات التي أصابات الشخصية العربية الإسلامية وانحرفت بها فترة من الزمن عن طريقها الطبيعى، وليس من شك أن الثقافة والحضارة الغربيتين كان لهما نتائج ايجابية ونتائج سلبية.
ولو قد استقبات الأمة العربية هذه الحضارة وهذه الثقافة دون أن يرتبطا بحملات الاستعمار والغزو الثقافي والتغريب لأمكن لها أن تنقل منها ما تراه صالحا لها، كما فعلت من قبل في أبان النهضة الفكرية الأولى خلال العصر العباسى الأول.
غير أن الأمر لم يكن باختيارها فقد فرضت الحضارة الغربية فرضا وفرضت معها الثقافة الغربية بما فيها من تيارات ومذاهب ونظريات في الاجتماع والدين والسياسية وأساليب في الحكم والتشريع والتعليم والصحافة.
ولذلك فقد كانت القضية الأولى في الفكر العربي الإسلامي المعاصره هى:
النقل أم الاقتباس؟
وكانت هناك تجربة كاملة من تجارب النقل هى تجربة تركيا، فقد تحولت من الشرق إلى الغرب، ومن اللون الإسلامي إلى العلمانية اللادينية في الثقافة والحكم والتعليم.
وقد قام تياران واضحان: أحدهما يدعو إلى النقل الكامل والثانى يدعو إلى الاقتباس، وكان تيار "النقل الكامل" الذي دعا اليه سلامة موسى ومحمود عزمى
стр. 106
وطه حسين جريا وراء دعوة "جاك الب" التركى وهم جميعا من تلاميذ (دوركايم) العالم الاجتماعى الاسرائيلى الذي نقل آراء كارل ماركس من ميدان الاقتصاد والسياسة إلى ميدان الأخلاق والاجتماع. والذى يؤمن بأن الفرد لا قيمة له وانما القيمة للمجتمع. وأن القيم كلها كالاخلاق والأديان والعقائد والآداب انما بخلقها المجتمع ولذلك فهى ليست ذات قيمة أو أهمية حقيقية.
وقد كان طه حسين تابعا لأحمد غايف التركى في القول: بأن المدينة الاوربية كل لا يتجزأ، أما ان يؤخذ كله أو يترك كله وهو قول مردود وكأن الطرف الثانى يقول: أن التجديد في الأدب والثقافة كالتجديد في العلم لا يمكن أن يقوم الا على أساس تعاون الماضى والحاضر، وأن الفكر يبنى في حاضره على ما أسس في ماضية.
ولم يكن لدى العالم الإسلامي مانعا من قبل الحضارة باعتبارها نتاجا بشريا اشترك فيه الجنس الانسانى كله وقد حمل العرب أمانتها فترة تزيد على أربعة قرون.
أما الذين قالوا بالتوقف دون الاقتباس فلم يكونوا على فهم صحيح بحقيقة الإسلام وقدرته على تقبل التطور وحقيقة مفاهيم الفكر العربي، ذاك أن القاعدة في ذلك هى اننا لا نتقبل كل شيء، ولا الإسلامي تتحول لى صور ممسوخة من الأمم الأخرى، وأن عاينا أن نضع أمام أنفسنا أولا المحافظة على ملامحنا الحقيقية ومعالم شخصيتنا الواضحة والايمان الصادق بتراثنا وقوميتنا وتاريخنا ولغتنا ومشخصات فكرنا ثم نقتبس ما يزيد هذه الشخصية قوة وحياة ودفعنا إلى الامام في طريق الحضارة جنبا إلى جنب غير متخلفين في ركب الأمم.
وقد كان هذا المبدأ "البناء على الاساس" هو حصاد المعركة الفكرية الطويلة الممتدة خلال اكثر من مائة عام.
فالمزج بين القديم والجديد والماضى والحاضر والشرق والغرب انما يقوم على وجود شخصيتنا أولا والمحافظة على ملامح فكرنا العربي الإسلامي الواضح حيث لا يجوز أن يطمس ملامحه الاقتباس.
وقد كنا طوال تاريخنا (١) متحركين غير جامدين ولا متوقفين (٢) اصلاء أكبر من الاحداث وغير أمعات تجرى مع التيار (٣) لدينا من المرونة والحيوية ما يمكننا من التكيف مع الظروف والمقاومة الدائمة لكل محاولة للطغيان عليها أو سحقنا ومن القدرة ما يمكننا من مواجهة التحدى برد الفعل السريع الذي يرقى فوق الاحداث ولا يجعلنا نضيع في زحمتنا.
وقد كان "الاقتباس" في معناه مزيج من "المعالم الاساسية" التراث الجديد ومن هذا كله يتكون شيئا جديدا هو شخصيتنا الفكرية العربية الإسلامية المتجددة.
وكان هذا التيار "الوسط" أصدق التيارات التي حققت ما أراده دعاة الثقافة القديمة من بعث التراث وتجديده ما أراده دعاة الثقافة القديمة من بعث التراث وتجديده بأساليب جديدة وحقق خير ما اراده دعاة التغريب الذين يريدون منا التحول نهائيا إلى الصورة الغربية.
وكان مفهوم الاقتباس، أن معنى نقل الحضارة ليس في مستوى مفهوم نقل الثقافة. وأن نقل الحضارة ليس معناه نقل كل الحضارة فهناك فوارق واضحة بين الثقافة والحضارة.
غير أن "التغريب" ام يكن يهدف الا إلى النقل الكامل للقضاء على شخصيتنا وكياننا، ولذلك كان يضغط علينا ليحولنا من الاقتباس إلى النقل عن طريق دعاته وعملائه.
وقد حدث انحراف فعلا ولكن اثارة لم تمتد طويلا، فان بعض دعاة التغريب أنفسهم قد تحولوا عن دعواهم تحول منصور فهمى والدكتور هيكل ومحمود عزمى.
وهكذا سار تيار النقل وتيار الاقتباس جنبا إلى جنب، كان الاقتباس يعنى الاعتدال وكان النقل يعنى الاندفاع وقد كان لمادية الفكر الغربي وتحلل الجوانب المنقولة من الحضارة الغربية أثرها في موجة الانحراف التي أصابت الأمة الإسلامية.
ذلك أن أول أثار الثقافة للغربية والحضارة الغربية كانت القضاء على مقومات حياتنا الفكرية وهى مقومات روحية مقتبسة من الدين والخلق فظهرت ملامح الذاتية الفردية واسراف الطبقة الوسطى في تقليد الطبقة العليا المترفة التي صنعها الاستعمار له، وتفشى الوصولية والزلفى والتبذل واستشراء روح الخنوثة والميوعة،
стр. 107
حيث سرت روحها إلى الصحافة والاغانى والكتابة والمسرح.
وبلغ الاهتمام غايته بالالفاظ، واستولى روح من اليأس، صاحبه روح من الاستهانة والسخرية بامجادنا وتراثنا وأعلامنا وتاريخنا ولغتنا وديننا، وبدأ الوجود العربي تحت ضغط صراع الثقافات المتعددة من أمريكية وفرنسية وبريطانية، وثنائية التعليم الغربي والقديم، مزيجا غربيا مضطربا من القديم والجديد، دون أن يتبلور ذلك في حضارة جديدة أو ثقافة جديدة، وحرص الاستعمار على أن تظل هذه الجماعات المختلفة والآراء المختلفة، والدعوات المختلفة ما بين إسلامية وعربية وبابلية وأشرية وبربرية قائمة حتى لا يتم "الامتزاج والتباور" بين أجزاء البلاد العربية التي أفصلت فعلا بحواجز وحدود وقامت فيها حكومات وعروش ونظم مختلفة ما بين ملكية وجمهورية وامارات وما بين حماية ووصاية وانتداب واستقلال واحتلال.
وبذلك أمكن للتغريب أن يسيطر وأن يحول الحياة الاجتماعية في الأمة العربية تحت ضغط "النزعة المادية" إلى الاندفاع وراء اللذات والمتاع مما أدى إلى افلاس عدد كبير من التجار وسقوط عدد كبير من اعيان البلاد وهو ما أطلق عليه فريد وجدى "المبالغة في المتاع بالحياة المادية" مما أدى إلى استيلاء الاجانب أصحاب البنوك والأندية على هذه الثروات تحت تأثير التهالك على الشهوات على نحو خطير لم يعرف من قبل.
وقد كان حرص الغرب على نقل هذا الجانب الآثم من حضارته إلى بلادنا خطير الأثر في عملية التغريب والقضاء على كياننا، وكان أخطر ما فيه من أثر هو القضاء على كياننا، وكان أخطر ما فيه من أثر هو القضاء على الكيان الاجتماعى والاقتصادى والنفسى لنا، مما يجعلنا عاجزين عن الجهاد والنضال في سبيل مقاومة الاستعمار، وما يؤدى إلى سحق قولنا وهدم معالم روحنا المعنوية وتطرق الفساد إلى النفوس والوصول إلى درجة التحلل التي تقضى قضاءا نهائيا على كياننا.
ولذلك كان كتاب الغرب يحرصون على تسجيل هذا المعنى في دراساتهم ومشاهداتهم: يقول روث فرانسيس في كتابة الشرق الناهض "لقد أصبحت البضائع التي تغمر الأسواق الشرقية هى الجوارب الحريرية والأثاث والمفروشات وثياب السهرة المكشوفة والأحذية العالية الكعوب. والسيارات والمشروبات الكحولية والمياه المشبعة بالصودا والكتب الافرنجية.
وقد حرص التغريب أن يربط بين التجديد وبين الاباحة وأن يجعل التجديد هدما دون بناء وأن يكون التجديد في أعماق معاينه هو ترويج البضائع الاجنبية وازدراء المصنوعات الوطنية وهدمها وجعل كل قديم مزدرى.
وكان لضغط التغريب أثره في أن العربي كان يعرف عن شكسيبر وبرناردشو وكبلنج أكثر مما يعرف عن المتنبى والجاحظ وابن الرومى.
وكانت غزوات المفكرين الغربيين لبلادنا انما تهدف للبحث عن صور مسمومة يراد بها الاساءة، والقاء محاضرات ترمى فيها بالاتهامات حتى أن أحدهم كان لا يتورع عن أن يحاضرنا في الجعية الجغرافية عن عقليتنا بأسم (عقلية الشعوب المنحطة) أمثال الدكتور ليفى برول ويفسر هذه الشعوب بأنها شعبنا.
والجمعيات الثقافية التي أنشئت في بلادنا كان هدفها ربطنا بالغرب، من هذه جمعيات التاريخ المصري ونادى الانجليزى الذي كان يتولى رئاسته اللور ملنر وبرنامجها كما ذكرت الصحف هو «افهام الرأى العام الانجليزى الخدمات التي أدتها الحكومة المصرية الحكومة البريطانية والحلفاء في خلال الحرب» كما كان هدف هذه الجمعيات خلق صداقات بين المصريين والفرنسيين من ناحية وبينهم وبين الانجليز من ناحية أخرى تولى رئاستها أجانب ثم مصريين متغربين.
حتى الجمعية المصرية التي أنشئت ١٨٣٦ باللغة الانجليزية كان هدفها كما ذكر توفيق أسكاروس (الأهرام ١٣/ ١/١٩٢٥) بجمع معلومات خاصة بمصر وما لها من العلاقات بينها وبين بلدان أفريقيا وآسيا وأن أعضائها كانوا من الأجانب وأغلبهم الانجليز، وقد استعملت طبعا هذه المعلومات والأبحاث لخدمة الاستعمار البريطانى ومهدت لوضع يده على بلادنا وقد عزا الدكتور محمد حسنى ولاية (الاهرام ٣/ ١/١٩٣٤) جمود روح البحث العلمى في مصر إلى وقوعها تحت نير الحكم الاجنتى عصورا طويلة وما يتبع ذلك من التضييق على ميادين الاقتصاد والعلم والزراعة.
ولا شك أن حركة التغريب كانت تستهدف أن تظل معرفتنا بتاريخنا ناقصة، مما كان له أبعد الأثر في ضعف الوطنية والقومية. ولذلك دعا عباس مصطفى عمار
стр. 108
(الاهرام ١/ ٤/١٩٣٤) الذين يعالجون ضعف الوطنية عندنا ويثيرون الشعور القومى أن يتأكدوا أن الاهتمام بشئوننا السياسية وحدها لا يكفى، وأن تقوية العقيدة الوطنية أنما يكون بقدر فهمنا لهذا الوطن الذي نعيش فيه من حيث جغرافيته وتاريخيه ومدنيته وحضارته كما أدى التغريب إلى فقدان "الطابع" وانعدام التجانس الفكرى وأن الاستعمار الفكرى حرص على أن لا يصهر في بوتقة واحدة حتى لا يحدث "التجميع" الذي هو اخطر عوامل مقاومة الاستعمار ولذلك كان يعول كثيرا على اثارة عناصر التفكك والتمزيق والتجزئة مما يحول دون خا ٥ طابع واضح.
وقد كان أبرز عوامل فقد الطابع كما أوردها عباس عمار (الاهرام ٣/ ٩/١٩٢٥) هى: احتقار تراث الاجداد والنظر إلى الدين نظرة ليس فيها احترام ولا تقديس والامان بمادية الغرب والسخرية بروحانية الشرق واعتبار كل ما في الغرب جميل حتى أباحيته ونواحى الضعف فيه وكل ما في الشرق حقير أن استحق أن ينظر اليه بعين الاحترام يوما ما فزمنه قد انقضى. وقد آن الأوان للتخلص من تراثه ووئده حيا كما اعتبر ظاهره الزواج من الغرب لها أبعد الاثر في هذا التفكك لما يؤدى إلى تنشئة الاولاد النشأة الغربية التي لا صلة لها بالشرق والتعلم بالغة الاجنبية وتجاهل اللغة العربية.
ونعى عبد العزيز الإسلامبولى (المعرفة- يولية ١٩٣٣) على مفكرينا التنكر لأبنائنا وأجدادنا واكار أدبنا ولغتنا والزراية بتاريخنا وثقافتنا وقطع الصلة بين ماضينا وحاضرنا» وطالب بالتعرف إلى التراث العربي والبحث عن اثارة ومخلفاته من إسلامي وعربي وقبطى وفرعونى في أديانه وفلسفاته وروحانياته ومادياته، وأننه لابد للتجديد من شرط الدين والقومية الصحيحة.
وليس أدل على اضطرابنا في المرحلة أننا احتفلنا بذكرى رينان وهو الداعية الاستعمارى الذي جهر باتهامنا بالقصور وصاحب نظرية الآرية والسامية.
стр. 109
الحملة على العقائد والقيم
انصبت حملة "التغريب" على ثلاث قيم هامة في الفكر العربي الإسلامي هى: الدين واللغة والتاريخ فقد كان مفهوما أن القضاء على العوامل الثلاث من شأنه أن يحقق لمعركة التغريب نصرا بعيد المدى.
***
الحملة على الإسلام
ولقد كان "الدين" عنصرا هاما في الفكر العربي الإسلامي ولايزال دعامة كبرى من دعائمه لا سبيل إلى تجاهل مدى خطرها وأثرها. كانت وستظل عاملا فعالا في الثقافة والحضارة الإسلاميتين والنهضة التي حققتها. وعندما أصيب الدين بالضعف ودخلت عليه القشور والزيوف والبدع وانتفت عنه عوامل القوة ممثلة في التجديد والاجتهاد كان مصدر الاضطراب والجمود الذي أصاب الوطن العربي والعالم الإسلامي، ولذلك فان ظهور أول حركة لتجديد الإسلام ورفع الزيوف عنه ممثلة في دعوة "محمد بن عبد الوهاب" كان علامة على يقظة الفكر العربي الإسلامي كان الدين عاملا هاما في حياة الأمة العربية وكان الإسلام وهو دين الاغلبية قد اسبغ حضارة عربية إسلامية اشتركت فيها جميع العناصر وكان لها أثرها الواضح في قوة الأمة الإسلامية وهيبتها، ولما كانت عناصر القوة والحرية والكرامة والوحدة والتجمع والذود عن الكيان والاجهاد في سبيل الله من ابرز عناصر الإسلام وهى اذا استيقظت في الأمة كانت عاملا بعيد المدى في مقاومة الاستعمار والقضاء عليه لذلك عول الاستعمار في غزوة الفكرى وحملته التغريتية في حشد اكثر قواه لزلزلة قواعد الإسلام والقضاء عليه وعزله عن المجتمع وتحطيم قواعده وأبعاده عن ميدان السياسة والاجتماع والفكر وسلبه سلطانه وفرض قوانين اجنبية وتشريعات غربية بدلا منه حتى تزول أثاره القوية في مقاومة الاستعمار.
من أجل هذا وجه الاستعمار للإسلام حملات عنيفة قاسية موصف الإسلام بأنه دين مناف للمدنية وأنه ليس صالحا الا للزمن الذي ظهر فيه ومحيط الصحراء الذي عاش فيه.
وحاول كرومر أن يقنع المصريين والعرب بأنهم لا يمكن أن يرقوا في سلم الحضارة والتمدن الا بعد أن يتركوا بالجمود والتعصب وبث فيهم روح البغض".
وردد هانوتو الفرنسي أن تقدم المسلمين مستحيل لأن الإسلام يحول دون ذلك، وأن كل حكومة أنفصلت عن الشرق وسارت على منهج أوربا نجحت وأن "موات" الشرقى وضعفه وتخاذله وتواكله "وحياة" الغربي وقوته وانتصاره مصدرها اتصال الأول بالدين وانفصال الثانى عنه، وأن الرابطة الوطنية أقوى من الرابطة الدينية.
وردد عشرات غيرهم مثل هذه الاتهامات حول النبى والقرآن والإسلام وزوجات النبى والطلاق وتعدد الزوجات ومجافاة الإسلام للمدنية، وتعصب الإسلام ومعاملة الأقليات والأجانب.
وجرت في هذا المجال محاولات نقد للأنظمة والشرائع القديمة واتهامها بأنها لم تعد صالحة نظرا لاختلاف الزمن وقيل أن أغلب هذه الأنظمة والآراء بدائية وذلك بقصد القضاء على قداسة الشريعة، وجرت محالات للمقاومة بين الأديان السماوية وأيجاد شته بينها ووضع الكتب السماوية موضع النققد وايجاد شبه وشكوك واحياء الأساطير والاسرائيليات والاحتفال بها وتحويلها إلى أدب وفن وتعمد الفصل بين الدين والقومية، والدين والتاريخ، والدين والأدب واذاعة مذاهب متطرفة في البحث تدعو إلى عدم الاحتفال بتمجيد الأمة والغض من تاريخها أو الاكثرات بنصر الإسلام او هزيمته ودون التقيد بما ترضاه القومية أو تنفر منه العاطفة الدينية. ويتصل بهذا الحملات التي أثيرت على الغيب وتشكيك الناس فيما يخرج من دائرة المحسوس.
وكل هذا المخطط الذي جرى على السنة كتاب الغرب وغيرهم من كتابنا السائرين في مجرى التغريب يهدف إلى الدين والقضاء عليه والقضاء على الروح
стр. 110
المعنوية التي تحمل راية جهاد المحتلين والمنيرين وتفكيك الرابطة بين المسلمين والقضاء عليها نهائيا وهما الحائلان الهامان أمام اضطرار الاستعمار ونموه وتدعيم مقامه.
وحول هذه النقط ردد الكتاب الغربيون اتهامات متعددة فندها كتابنا في ردود قوية: كان أبلغها ما كتبه محمد عبده وفريد وجدى ومصطفى الغلابينى ومحب الدين الخطيب وشكيب وأرسلان وأحمد زكى باشا ورشيد رضا وعبد القادر المغربى.
وكان مجمل الرد على ذلك بأن الشريعة الإسلامية كليات وحدود عامة قابلة للتطور مرنة، تستطيع مسايرة الحضارة وهى بذلك شريعة لا تصطدم بالواقع وتجرى مع كل زمان وكل أمة، وقد قام الإسلام على النظر العقلى والاقناع بالحجة: وأقر قاعدة تلاقى العقل مع الشرع والتجاوب مع الزمن وتطور البيئة واختلافها ودعامته في الحكم: الشورى، والحاكم فيه ليس بالمعصوم ولا هو مهبط الوحى وهو مطاع مادام على الحق ورضى المسلمين عنه، وليس في الإسلام سلطان الهى. كما ليس في الإسلام وسلطة ولا أكليروس وفيه- إلى ذلك- تسامح مع العلم وتقبل له، وتسامح مع الطوائف الأخرى وحماية لحقوقها وحرية اعتقادها وحماية مصالح الدنيا واباحة الزينة والطيبات والمزج بين الروحية والمادية.
وأن الجمود الذي استولى على المسلمين ليس سببه الإسلام، فجوهر الإسلام الذي دفع الأمة بقوة عجيبة وأنشأ هذه الحضارة الضخمة لم يتغير وجاء الخطر حين أخذ المسلمون بالتقليد وترويج خرافات وأوهام وثنية نسبت إلى الدين الذي لم يكن في حقيقتة الا محررا للعقول والأفهام من معانى الوثنية أو من معانى الاستبداد، أما المرأة فقد كرمها الإسلام ومنحها من الحقوق في الحياة والمال والقضاء ما سبق الغرب بقرون طويلة:
***
الحملة على نظم المجتمع
واتصلت الحملة على الإسلام بالحملة على نظم المجتمع وهدم الأخلاق واللغة والتاريخ وقد أذيع الإلحاد ونشرت الاباحة تحت اسم حرية الفكر بالدعوة إلى التحرر من قيود البيئة والوراثة وكل ما فيها من عقائد وعادات ونظم وقوانين مع التشكيك في كل العقائد والآراء الموروثة والمتداولة.
وجرت محاولات أخرى لنقل ما حدث في تركيا من القضاء على اللغة العربية والكتابة بالحروف اللاتينية.
واتصل هذا بالعمل على زلزلة النظام الاجتماعى وتحطيم الأسرة. وانتشار المخدرات وظهور الكوكايين وحماية المحتل له وتجارة الرقيق الأبيض ودور البغاء. وقد ظلت هذه التجارات محتكرة للانجليز وأعوانهم، ومضت فرنسا وبريطانيا تصدر المورفين والحشيش وتحمى أعمال تسميم الأمة بحاجز ضخم أطلق عليه اسم المحاكم المختلطة والمحاكم القنصلية والامتيازات الأجنبية تحمى المهربين واللصوص والسفاكين ومصاصى دماء الشعوب وفي الصحافة والسينما جرت محاولات متصلة لعرض الصورة المنحرفة والمائعة والرخرة وتغايب الحديث عن الممثلات والمغنيات والراقصات وأحاديث الأزياء والسهرات وملكات الجمال واستعراضات المانيكان والحديث عن مذاهب العرى والأدب الماجن والكتابة المكشوفة والاختلاط ووصف الشهوات واثارة الأهواء وترجمة القصص الاباحية وقد طغا هذا على كل شيء، وانزوى الحديث عن المثل العليا والقيم والأفكار الحية والتسامى فاذا جرى حديث حولها فهو عن المذاهب الغربية في الفلسفة والأدب والاجتماع والترجمة لعظماء الغرب وتمجيد دعاة الاستعمار والحاد والاثارة.
وحجب التراث العربي والإسلامي وسير أعلام العرب والإسلام وجرى أضعاف النعرة الوطنية والدينية باثارة الشكوك والاتهامات أو بالغض من شأن العاطفيات والحماسة باعتبارها عيب وخطأ أمام المذهب العلمى الحديث.
وقد كان لتعمق تيار للتغريب أثره الحياة الفكرية العربية فقد اضطربت الطوائف المختلفة واهتزت أمامها القيم. وانطوى معنى الزهادة والتجرد وغلبت روح اليغمية على حد قول داود بركات (لا تجد اليوم الشيخ الأزهرى العالم الذي يكتفى بالجراية مأكلا ولا الزعبوط ملبسا .. ولا تجد الراهب في عزلته في صومعته لا يشغله شاغل غير تسبيح ربه).
ومرجع هذا إلى غلبة النزعة المادية وتسلطها واختفاء روح التجرد والأريحية.
واتصل بهذا ما جرى من السخرية بالجادين والعالمين واحتقار المتدينين والاكتفاء بقشور الحضارة وغلبة روح التفرنج، وأعلن كرومر أن المسلم غير
следующие страницы →