← Общие книги

Общие книги · id 148530

تاريخ الغزو الفكري والتعريب خلال مرحلة ما بين الحربين العالميتين

أنور الجندي

Полный текст (302 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

لجوهر الدين وقد أشار "جب" في تقرير له إلى أن الشرق وصل إلى نتيجة حاسمة هى اتخاذ سبيل المدرسة الوسطى التي تجمع خير ما في ثقافة الغرب إلى تراثها العربي المجدد قال " لقد أخذ جميع المسلمين المتنورين يسلكون سبيلا وسطا فأخذوا خير ما في الشرق وخير ما في الغرب. وأن الذكريات التاريخية والاعتزاز المشترك بالماضى سيظل لهما المكان الأعلى ولن يستطيع العرب أن يقطعوا صلتهم بالماضى كما قطعها الأتراك لما كان الإسلام جرءا لا يتجزأ من الماضى فليس في وسع المثل العربي الأعلى أن يتجرد منه تجردا تاما. *** (الامتيازات واستعارة النظم) هل ترك الغرب للعالم العربي حريته في الاقتباس او النقل من الحضارة؟ الواقع أنه لم يفعل, وأنه فرض نظمه القانونية والسياسية والاجتماعية وكانت الامتيازات الاجنبية عاملا هاما في هذا المجال. ذلك أن الغرب حين امتد نفوذه إلى الوطن العربي عن طريق قناصله وارسالياته ثم عن طريق الاحتلال لم يتوقف امام تحطيم الانظمة ذات اللون الإسلامي القائم في العالم العربي بل حطمها واحل بدلا منها أنظمة جديدة منقولة من القوانين الاوربية. وكان ذلك في مجال القضاء والتشريع والحكم, كما فصل الاستعمار بين الإسلام والسياسية. والقانون المدنى الاوربى يستبقى من منبعين أحداهما رومانى والآخر مسيحى وكان إسماعيل أول من سمح بترجمة القوانين الفرنسية وجعلها أساسا لقوانين الدولة دون اشراك التشريع الإسلامي في موادها. كما عمد مصطفى كمال في تركيا بعد الثورة التركية إلى أقصاء التشريع الإسلامي كلية, والعمل بقانون سويسرة المدنى وقانون الجزاء الايطالى. وقال: ان التشريع والقضاء في أمة عصرية يجب ان يكونا عصريين مطابقين لأحوال الزمان لا للمبادئ والتقاليد. وقد كان واضحا أن عمل كلا من إسماعيل باشا في مصر ومصطفى كمال في تركيا ليس جريا حرا مع طبيعة التطور, وانما كان مفروضا بنفوذ الغرب الفكرى والسياسى. اذ أن هذه القوانين كانت بعيدة عن العقلية العربية أو الإسلامية وعن الذوق والنزع والشرب. . ولم يكن فيها ما يتفق مع الزمان, والمكان. خاصة اذا عرف أنها نقلت. دون تعديل أو تنسيق مع أحوال البلاد وفروق الزمن والبيئة. وقد عزل التشريع الإسلامي عزلا تاما في هذه المرحلة مع سعة مذاهبه ويسره واجازته العمل بالصالح المرسلة, وقد اتخذ خصوم الإسلام من جمود بعض فقهاء العالم العربي الإسلامي حجة على جمود الشريعة. وفى ابان وضح الدستور المصري وبعد تشكيل لجنة الدستور (١١ ابريل ١٩٢٢) جرت أبحاث متعددة في الصحف عن موقف اللجنة من التشريع الإسلامي, وقد أخذت مواده من الدساتير الأوربية. ولم يرد فيه أى نص من الإسلام سوى العبارة التي تنص على أن دين الدولة الرسمى هو الإسلام. ويتصل بهذا سيطرة الامتيازات الأجنبية على الحياة الفكرية والاجتماعية المصرية, وحيلواتها دون اتخاذ السبيل الحر في معاملاتها او تشريعها أو احكامها وقد زاد في وطأة الامتيازات بمصر انشاء المحاكم المختلطة في عهد إسماعيل وظلت الامتيازات الاجنبية عقبة في سبيل الاصلاح. ويمكن القول بان الامتيازات الاجنبية كانت ركيزة استعمارية بعيدة المدى, في مجال الاقتصاد والاجتماع والسياسة والفكر.

стр. 177

مواقف الفكر العربي الإسلامي من الصهيونية والشيوعية

стр. 178

(١) أثر الدعوة الصهيونية في الفكر العربي المعاصر كان للدعوة الصهيونية أثرها في الفكر العربي الإسلامي المعاصر، بعد أن عم أثرها الفكر العالمى كله، وتداخلت مع الفكر الغربي الاستعمارى والفكر الشرقى الماركسي. ولقد كان الفكر الصهيونى بالغ الأثر في هذين التيارين المتصارعين. ولعل أول ما يقال هنا أن أقوى نظريات الهدم والتدمير والتخريب التي حمل لوائها الاستعمار الغربي والغزو الثقافي إلى الشرق، والى العالم الإسلامي انما كانت من (ايداع) فلاسفة يهود أصلا، وصهيونيين ثانيا، يحملون الدعوة الأساسية التي حملتها الصهيونية ولونت بها الفكر العالمى بقصد فرلض سلطانها على الفكر العالمى والسيطرة على العالم، وتحقيق حلم انشاء الحكومة اليهودية الكبرى التي تحكم العالم كله. ولقد ظهر الصراع قويا بين الفكر الصهيونى والفكر المسيحى في نواحي، وظهر الالتقاء في نواحى أخرى، ومن هنا نشأت تيارات ثلاث كانت تتضارب فيما بينها، ولكنها تلتقى عند هدف واحد هو: السيطرة على الوطن العربي الذي هو مفتاح العالم الأسود الأفرو آسيوى الذي ظل مركز الصراع بين الاستعمار الغربي والاستعمار الصهيونى والاستعمار البلشفي. *** الماسونية الحديثة واذا كانت الدعوة الصهيونية قد أخذت سبيل العمل الحقيقى لاقامة كيان يهودي بمؤتمر "بال" عام ١٨٩٧ الذي يعد أول مؤتمر صهيونى وضعت فيه خطط المشروع الأساسى للعمل على اقامة دولة يهودية. كما وضعت به بروتوكولات صهيون التي استمدت مقوماتها كنظام من "التلمود"، فان هذا المؤتمر كان نتيجة لخطوات طويلة وأعمال تمهيدية بعيدة المدى، هذه الخطوات التي يمكن العودة بها إلى الوراء، ربما إلى مائة وثمانين عاما، أى إلى عام ١٧١٧ وهو العام الذي ولدت فيه "الماسونية الحديثة" في انجلترا ثم ١٧٢١ في فرنسا حيث أعلنت الماسونية أن هدفها هو المحافظة على نفوذ الاسرائيليين واتخذت من هيكل سليمان شعارا لها، وقد سيطرت اليهودية على أغلب محافل الماسونية في العالم ووجهتها للعمل واليها عزى كل ما أريق من دم في الاغتيالات الخفية التي دبرت ونفذت حيث سارت الماسونية مع الصهيونية لصنع الثورات أو اشعال نيرانها أو الاستفادة منها لتحقيق أغراضها. وقد حققت الماسونية أكبر انتصار لها في الثورة الفرنسية (١٧٨٩ - ١٧٩٥) حيث كان أبرز أبطالها من اليهود: ميرابو وفولتير وروبسبير. *** الماسونية وقد حققت منظمات الماسونية نجاحا واضحا في الوطن العربي كدعوة وظهر لها تيار فكرى واضح في مؤلفات متعددة وكتابات وصحف، فكتب في الدعوة لها جورجى زيدان وكان شاهين مكاريوس بمجلته اللطائف من أكبر دعاماتها وكتب في الترويج لها محمد سعيد المراغى وأحمد زكى أبو شادى وعزيز ميرهم وغيرهم كثيرون، وهاجمها مؤلف كتاب "كشف الظنون عن حال الخرمسون" والأب لويس شيخو اليسوعى صاحب مجلة (الشرق). وقد طبعت قوانينها بالعربية في بيروت ١٨٨١ وطبعت "النظامات" في مصر ١٨٩٠ ووصفها جورجى زيدان بأنها أقدم الجمعيات الحية وأرجع انشائها لأول القرن الثامن قبل الميلاد في زمن (نومايومبيلوس) وقد تقلبت في أحوال شتى ووصف عزيز ميرهم كلمة (الماسون) بمعنى البنيان، وأرجع تكوينها الأول إلى البنائين الذين وضعوا فن البناء، ثم تطورت من مزاولة فن البناء المادى إلى فن البناء الأدبى والاجتماعى وبقى من آثار الجماعة

стр. 179

الأولى نظامها وترتيبها وطقوسها وآلاتها وأصبح ذلك كله رموزا وأسرارا للكتابة عما يرمون اليه من تربية نفسية وتشييد اجتماعي. وقال: أن المحافل الماسونية لم تجتمع في سلطة عليا الا عام ١٧١٧ في لندن وانتخب أستاذا أعظم لها الدوق دى مونتاجو. وقد كشف كثير من الباحثين عن الصلة بين الماسون وبين اضطهاد اليهود، فقال أنها تهدف في الأغلب إلى مقاومة التعصب الدينى وخلق جو من السماحة والحرية أمام أعضائها أيا كان ديانتهم وأداء الخدمات لهم. وقد عزا اليها عزيز ميرهم (السياسة الأسبوعية ١١/ ١٢/٢٦) وغيرم أثرها في الثورات وحركات التحرر. فأشار إلى أنها وضعت شعار الثورة الفرنسية (حرية واخاء ومساواة) وأن كبار رجال الثورة كانوا من الماسون أمثال ميرابو وبريسو وكاميل ديمولان ودانتون وأن "لافييت" الذي أملى وثيقة الاعتراف بحقوق الانسان والذى حرر الولايات المتحدة كان من الماسون. وقال عزيز ميرهم: أن الماسون هم الذين حرروا العالم من سلطان البابوية وفرقوا بين السلطة الدينية والسلطة الدينية للبابا، وأنهم حملوا لواء الحرية الفكرية وهدموا سلطان الكنيسة في ايطاليا وفرنسا وأنالوا تركيا دستورها بفضل محافلهم القائمة بها - وقد اختلفت الكنائس في النظر إلى الماسونية (هامش الصحفى العجوز - الأهرام ٢/ ٦/١٩٣٣) فالكنيسة الكاثوليكية تمقت الماسونية وتحاربها، أما الكنيسة الأنجليكانية فهى على عكس ذلك. ووصف تطور الماسونية في مصر فقالت أنها دخلت في عهد إسماعيل، وكان الخديو من أكبر رؤسائها وكان الأمراء والوزراء وكبار رجال القضاء أعضاء في محافلها. ثم تطورت واتسع نطاقها. وتعددت لوحاتها ومحافلها ودخلها كل من هب ودب. وأشار إلى ما قيل من فوائد الماسونية ومنافعها لأعضائها ومشتركيها وللهيئة الاجتماعية وما قيل "مما لا يصدق عن عقاب من يبوح بتلك الأسرار المقدسة وجزاءه العقاب بالقتل في رائعة النهار بالسم أو السيف والمسدس". وعارض رأى القائلين بالسرية وقال أن الفضائل يجب أن لا يكون سرا، وأن طبيعة العصر تنافى السرية وأصحاب الأسرار، وأشار إلى أن موسولينى شتت المحافل الماسونية في ايطاليا وتبعه هتلر. وارتاب لويس شيحو اليسوعى (مجلد ١٥، ص ٣٢٦ - الشرق) في أمر الماسونية فتساءل لماذا "تحتجب عن أعين الناس وتتستر في زوايا الظلمات ولا يجتمع أعضاؤها الا في الليل الدامى في بيوت يحصنونها بالحراس فلا يدخل الا من عرف كلمة الجواز السرية واذا دخلوا كتموا بكل حرص ما يدور بينهم من الأحاديث، وأشار إلى تعارض العمل الخيرى مع الأقسام والأيمان بعدم البوح بالأسرار. وقال (أن للماسونية طقوسا ورتبا وأزياء غريبة ولمسات وخطوات وطرقات وتهويلات في درجاتها العديدة من الدرجة الأولى إلى الدرجة الثلاث والثلاثين، ومن درجة الرفيق إلى الأستاذ". وقد كشف معارضى الماسونية وأغلبهم من المسيحيين أنها تهاجم المسيحية وأنها ترمى إلى القضاء على الدين كما فعلت في ثورات ١٧٨٩ الفرنسية و ١٩٢٠ الشيوعية و ١٩٢٦ التركية، وقد ردد الدكتور صروف (المقتطف فبراير ١٩١٠) (اتهام بعض الناس للجمعية الماسونية بأنها حملة سياسية معادية لكل سلطة مدنية) ثم دافع عنهم وقال أن اتهامها بمعاداة الأديان لا يتفق مع وجود عدد كبير من رؤساء الأديان بها وقال: "والذين يعرفون الجمعية الماسونية يعرفون حق المعرفة أنها ليس لها غرض الا أن تساعد أعضائها بعضهم بعضا في أمورهم الزمنية وأن يسعوا في كل ما يعلى شأن البشر ولهم في ذلك مآثر كثيرة". وقال خصوم الماسونية أن القضاء على سلطان الكنيسة وهدمه والفضل بين السلطة المدنية في البابوية والمسيحية والغاء الخلافة في تركيا كل هذا كان من عمل الماسونية التي هى في نظره جمعية سرية صهيونية قامت وفق بروتوكولات صهيون وتسترت في أغراضها وراء هذا الشعارات والأهداف، وأنها كانت ذات يد في القضاء على كل من وقف أمام الصهيونية كاقصاء السلطان عبد الحميد، ومدحت وهتلر وموسولينى وجمال الدين الأفغانى الذي انشق عن الحفل الماسونى وعارضه وأقام محفلا ماسونيا تابعا للمحفل الفرنسي. ولقد تأثر الفكر العربي الإسلامي بأفكار الماسونية التي انتشرت في العالم العربي وكان لها محافل متعددة في مصر والشام والمغرب، وكان جمال الدين الأفغانى قد دخل الماسونية ظنا بأنها تخدم أهدافه لتحرير العالم الإسلامي من الاستعمار. أما في العالم الإسلامي فقد تركزت الماسونية في تركيا على نحو ضخم، وكان لها سلطانها الواضح على جمعية الاتحاد والترقى العثمانية التي قامت نظمها أساسا وفق أنظمة الماسون وكان أغلب أعضائها من الماسون. وقال الدكتور صروف أنها هى التي بثت في نفوس

стр. 180

العثمانيين روح الحرية. وقد أعلن المؤرخ برتوبك بأن الماسونية كانت هى المحرك الأول والمرشد الأكبر في تقويض الاستبداد العثمانى وخلع عبد الحميد. *** الصهيونية في أولى خطواتها وقد كان نداء ١٧٩٨ الذي وجهه يهودي فرنسي إلى اليهود للقيام بمعاونته في اعطاءهم (أورشليم) داعيا إلى تحقيق مشروع القدس واقامة مجلس ينتخبه اليهود المقيمون في ١٥ قطرا للاستيلاء على مصر والمنطقة الممتدة منها إلى عكا إلى البحر الميت إلى البحر الأحمر مؤكدا أن هذا المركز يجعل - اليهود وفرنسا - مسيطرين على سير الملاحة في البحر الأحمر قابضين على ناصة تجارة الهند وبلاد العرب. كان هذا النداء مقدمة للنداء الذي وجهه "نابليون" عام ١٧٩٩ لمعاونته في اعطاء اليهود "أورشليم" غير أن اليهود الذين كانوا حريصين على أن يتموا مشروعهم بأنفسهم قد تجاهلوا نابليون وقصدوا إلى عمل آخر حين اتصلوا بالسلطان عبد الحميد من ناحية ثم بمحمد على من ناحية أخرى، أما (السلطان عبد الحميد) فقد رفض العرض الذي يرمى إلى استثمار مليون فدان في السلط بفلسطين بالرغم من سخاء العرض الذي قدم له وهو فيما يروى بعض المؤرخين سبعة ملايين جنيها ذهبا. أما العرض السابق فيغلب أنه نجح حيث منح "محمد علي" امتيازا واسع المدى لموسى مونتو فيورى الثرى اليهودي الكبير لشراء مساحات كبيرة كانت هى أولى المناطق التي استولى عليها اليهود في فلسطين وبها أنشئت أول جمعية لاستثمار أراضى فلسطين عام ١٨٧٩. وفي هذه الفترة كتب الدكتور تيودور هرتسل اليهودي النمساوى (١٨٩٥) كتابه الذي آثار ضجة وذيوعا (الوطن الاسرائيلي) والذى ترجم إلى الفرنسية والانجليزية والعبرانية والنمساوية، وقامت الفكرة فيه على أساس احتلال اليهود لفلسطين، وخلاصة آراء هرتسل أن أعداء الساميين آخذون في الازدياد ولا يستطيع اليهود مقاومتهم لتشتت شملهم في الأرض، لذلك لابد من قيام جمعية سياسية مالية تشرف على شركة يهودية اقتصادية رأس مالها (كذا) مليون جنيه ومركزها لندن للقيام بشراء أراض فلسطين التي يوجد بها هيكل سليمان على أساس أن الناس - أى اليهود - لا يساقون الا بمثل هذه الشعائر الدينية، ورسم مؤتمر بأن ١٨٩٧ خطة العمل: ايجاد وطن شرعى للشعب الاسرائيلى في فلسطين وذلك مع احياء الآداب العبرانية ونشرها وتعاليمها وبعثها بعد انطوائها أكثر من ألفى عام، وقد تحقق ذلك بانشاء الجامعة العبرية في القدس وبدأ التنقيب على الآثار اليهودية. ومنذ ذلك التاريخ دخلت إلى الفكر العربي الإسلامي محاولات كثيرة لتسميم حقائق التاريخ والفكر وذلك بمحاولة ابراء تحريف التاريخ والتراث العربي حيث دس اليهود في مختلف المؤتمرات والمؤلفات والكتابات ما أطلقوا عليه حقهم الكاذب في فلسطين، وقد كان لهم من السلطان عن طريق فرنسا وبريطانيا ما مكنهم من التسلل إلى كتب التاريخ التي تدرس في المدارس والجامعات وعن طريق المستشرقين اليهود أو أصحاب الولاء للصهيونية الذين عملوا في مصر ولبنان وغيرها من دول العالم العربين كما امتد نفوذهم إلى الصحف العربية والمصرية بالذات وذلك ضمن خطة انشاء الصحف الكبرى في روسيا والنمسا وايطاليا وانجلترا والصين واليابان والباكستان وقد استغل اليهود الاضطهاد الذي واجههم في روسيا ابتداء من عام ١٨٨٣ وقضية ديفورس ١٨٦٧ التي تجلى فيها العداء لليهود على أشده، وبدأ ظهور النزعات القومية في أوروبا مما أداهم إلى الاندفاع في الخطة التي حققت في نهاية الحرب العالمية الأولى قيام وطن قومى لليهود في فلسطين بصدور وعد بلفور في ٢٠ نوفمبر ١٩١٨. ويهمنا هنا أن نصور أثر الصهيونية في الفكر والثقافة حيث ظهر عشرات من أعلام الفلاسفة والكتاب الذين سلطت عليهم قوة اليهود المادية وسلطانهم في ميدان النشر والصحافة ومختلف الأضواء ومن هؤلاء سيبوتزا أكبر فلاسفة التاريخ اليهودي. وماكس نوردو الذي هاجم النظم البشرية: الدين والملكية والسياسة والذى تنبأ بالمدينة اليهودية المقبلة وقال: أرى أن مدينة اليوم القائمة على التشاؤم والكذب والأنانية ستبيد وتتبعها مدينة ترتكز على الحق والغيرية والتفاؤل حيث تصبح الانسانية حقيقة واضحة لا معنى خياليا، وكان من أعظم زعماء الصهيونية وعصد "هرتزل" عندما أسست الحركة الصهيونية وكان نائبا عنه في مؤتمر "بال" وهو الزعيم الأكبر لمفكرى الصهيونية. "وفرويد" داعية علم النفس الذي حاول بمذهبه تحطيم القيم الروحية للبشرية و"رويتر" صاحب أضخم وكالة أنباء في العالم والذى سيطر ووجه أخبار العالم لحساب اليهود في مدى امتد أكثر من سبعين عاما.

стр. 181

"واندريه مروا" الذي وجه الأفكار إلى الاثم عن طريق الأدب". و"كارل ماركس" الذي وضع أساس المذهب الشيوعى وفق خطة الصهيونية في السيطرة على العالم كما رسمها باروخ ليفى في خطابه إلى ماركس (مجلة باريس يونيه ١٠٢٨) وقال فيه: يقتضى التنظيم الجديد للانسانية أن ينتشر أبناء اسرائيل على سطح الارض ويتسلموا في كل مكان زمام الأمور، خصوصا اذا نجحوا في فرض اشراف شديد على الطبقة العاملة. فينتقل زمام الحكومات في العالم إلى أيدى الاسرائيليين تحت شعار الطبقة العاملة وتلغى حينئذ الملكية الفردية وتفرض رقابتها على كل مكان من الأموال العامة". وقد ركز اليهود على خلق أسس الفكر اليهودي كمحاولة للسيطرة على التاريخ والفكر العالمى وتحويل الأنظار نحو تأييد أكاذيبهم في ادعاء الحق التاريخى في فلسطين عن طريق انشاء الجامعة العبرية في القدس وهو مشروع أعده هرتزل وماكس نوردو وحاييم وأيزمان، وقد صور هذا المعنى (آنشتين) العلامة اليهودي الكبير حيث قال: أن الجامعة هى المكان الذي تتجلى فيه النفس البشرية باحلى معانيها. وليست جامعات أوربا في الحقيقة سوى مراجل تغلى فيها الوطنية المتطرفة غليانا آكلا. ويسود التعصب الأعمى فيها كل الأشياء الخارجة عن دائرة الأمة والسلالة وكل الأشياء التي تكون معصوبة بطابع فردى مختلف. وقال أن جامعتنا حرة طليقة من كل قيود التعصب والمفاسد". وفي هذه العبارات ما يرسم الهدف الحقيقى للثقافة العبرية القائمة على تمثل أحقاد اسرائيل ومطامعها في محاولتين كبيرتين، الأولى: ابراز أثر اليهود في الفكر العربي القديم، والثاني: محاولة تزييف التاريخ لاثبات حق وهمى في فلسطين العربية. وليس أدل على حقيقة أهداف الفكر الاسرايلى من قول الدكتور أوسكار ليفي: نحن اليهود لسنا شيئا الا مفسدى العلم ومدمريه ومحركى الفتن فيه وجلاديه. وقد وجه الفكر العربي الإسلامي هذه المحاولات ولم يقف أمامها صامتا وانما فندها وأثبت أنها مسمومة ومخالفة لحقيقة الواقع التاريخى وحتمية التاريخ، فمنذ أربعين قرنا لا يعرف التاريخ لفلسطين سكانا غير العرب وبنو اسرائيل الذين طردوا مصر والتجأوا إلى فلسطين انما وجدوها اذ ذاك يسودها الشعب الكنعانى العربي، ولم يكن بنو اسرائيل في وقت من الأوقات أكثرية في فلسطين، وأن الذين شردوا من فلسطين بعد تدمير الهيكل في عهد القيصر "أدريانوس" لم يكونوا سوى رجال الدين ولا يزيد عددهم عن خمسين ألفا، أما سكان فلسطين الأصليين فلم يتعرضوا للتشريد، وهذا ما يؤكد بالدليل القاطع أن الصهيونيين الموجودون الآن في أوربا وأمريكا ليسوا هم أحفاد اليهود الذين أخرجوا من فلسطين وأنهم بعيدون كل البعد عن الجنس الاسرائيلى القديم وعن الدين اليهودي الصحيح وهم كذلك بعيدون عن الثقافة اليهودية السامية القديمة فليست لغتهم الأصلية هى اللغة العبرية وأنهم انما يتكلفون بعث هذه اللغة الميتة اليوم في محاولة فاشلة لايجاد وحدة مصطنعة، وأن ثقافة الصهيونيين الحقيقية هى ثقافة جرمانية ولغتهم المسماة "يدش" هى اللغة الألمانية القديمة. وقد انقضى الأجل الذي يربطهم باليهودية وانما هم يتخذون من الجنس والدين وسيلة للسيطرة العالمية. *** (بروتوكولات صهيونية) عندما عقد (يتودور هريزل) المؤتمر الصهيونى الأول في بال بسويسرا عام ١٨٩٧ اجتمع أكثر من ثلاثمائة من حكماء اسرائيل حيث رسموا خطة وضع العالم تحت سيطرة اليهود وتقويض أركان الحكومات لاقامة دولة يهودية واحدة تحت تاج ملك من نسل داود، وقد وضعت هذه الخطة موضع التنفيذ في بروتوكولات سرية أطلق عليها "بروتوكولات صهيون". وقال هرتزل الذي يعده اليهود رابع أربعة هم: موسى وسلمان وزروبابل "ومتى أصبحنا أسياد الناس لا ندع في الوجود سوى ديانتنا التي تنادى بالآله الذي يتعلق به مصيرنا، لأننا نحن شعب الله المختار. ولأن مصيرنا يقرر مصير العالم، ولذلك وجب علينا أن نلاشى سائر الأديان. فان أدى عملنا هذا إلى قيام كفرة محدثين .. فسوف نجعلهم عبرة لشعوب لابد أن تخضع لديانة موسى المتينة الصوايبة الكفيلة بأن توصلنا للسيادة على سائر الشعوب". وقد كان من الخطط التي وضعت لتنفيذ وصايا "هرتزل" انشاء الماسونية الكونية، والماسونية الملوكية والماسونية الرمزية العامة لمختلف الملل والديانات

стр. 182

والأجناس، وقد اتخذوا من الماسونية وسيلة لاستغلال غير اليهود في الوصول إلى المركز الخطير الذي احتلوه في توجيه السياسة العالمية خاصة في أمريكا وانجلترا. وقد كانت الماسونية هى الأداة التي يتحقق بها حلم الصهيونية عن طريق تحطيم مقومات كل الشعوب والأديان ولها أن تتخذ شعارا خادعا هو (الحرية والمساواة والاخاء) ليخفى حقيقة العمل لامبراطورية يهودا الكبرى. وقد أشار كثير من الصهيونيين إلى أن هدف بروتوكولات حكماء صهيون هى حكم الجماهير والأفراد عن طريق عبارات ونظريات وقواعد للحياة معدة اعدادا ماهرا وعن طريق شتى أنواع الخداع والحيل وقالوا: أننا وقفنا وراء الكواليس وحرصنا على أن تبقى منظمتنا مستترة خفية. ويتصل بهذا أن الصهيونية هى حاملة لواء الدعوة إلى هدم الديانات. والقول بأن الأديان لم تعد تسد حاجات المجتمع الحديث، وقد دست الصهيونية على رجال الكهنوت ملحدون يعملون قسسا ويتحدثون عن الإلحاد عن طريق خفي، وقد بلغ هذا العمل حدا عنيفا فيما يروى عن أن كبير حاخامى اليهود في القسطنطينية وجه إلى يهود فرنسا نصيحته: (اجعلوا من أبنائكم أطباء وصيادلة حتى يتمكنوا من القضاء على حياتهم دون أن تخشوا عقابا). وقد تضمنت هذه البروتوكولات (كما أوردها مترجمها محمد خليفة التونسي) خطة قوامها: استغلال العالم لمصلحة اليهود والسيطرة الكاملة على العالم، وهدم الحكومات في كل الأقطار والاستعاضة عنها بحكومات ملكية استبدادية، واغراء الملوك باضطهاد الشعوب واغراء الشعوب باضطهاد الملوك. والقاء بذور الخلاف والشغب في كل الدول عن طريق الجمعيات السرية والدينية والمحافل الماسونية ونقل الدول من التسامح إلى التطرف السياسى والدينى فالاشتراكية فالاباحية فالفوضوية. وافساد أساليب الحكم. ووضع كل وسائل الطبع والنشر والصحافة والسينما والجامعات والمسارح في يد اليهود ووضع أسس الاقتصاد العالمى على أساس الذهب الذي يحتكره اليهود واحداث الأزمات الاقتصادية العالمية على الدوام. وهذا نموذج من البروتوكولات: *** البروتوكول الأول "لقد أقمنا على أطلال الارستقراطية الطبقية والوراثية أرستقراطية من عندنا على أساس بلوقراطى (الحكومة الأقلية الغنية التي تملك معظم الثروة) ولقد أقمنا الأرستقراطية الجديدة على الثروة التي تسلط عليها وعلى العلم الذي يروجه علماؤنا. أننا في صلاتنا بالناس كنا دائما نستثير مرضى ضحايانا من أجل المنافع ونحرك شرههم ونهمهم وحاجاتهم المادية. وكل واحد من هذه الأمراض يستطيع وحده أن يحطم قادة الشعب وزعماءه وظاهر من هذا أن حكماء اليهود يوصون قومهم بأن يسددوا ضرباتهم إلى القادة الذين هم في الطليعة فاذا حطموهم تحطمت الأمم والطوائف التي يتبعهم من غير عناء". *** البروتوكول الثاني "لضمان الرأى العام يجب أولا أن نحيره كل الحيرة بتغيرات من كل النواحى لكل أساليب الآراء المتناقضة حتى يضيع الأميون (غير اليهود) في متاههم وعندئذ سيفهمون أن خير ما يسلكون من طرق هو ألا يكون لهم رأى في المسائل السياسية. هذه المسائل لا يقصد منها أن يدركها الشعب بل يجب أن تظل من مسائل القادة الموجهين فحسب". أ. هـ. *** (السامية اليهودية) ولقد حالت الصهيونية في مخططها الذي قامت به بعد وعد بلفور ربط نفسها بالثقافة السامية حين أذاعت في ظروف مختلفة أن أوربا المسيحية الآرية تضطهدها باسم السامية. وذلك لمحالة تزييف الواقع التاريخى يربط الصهيونيين الذين لا رابطة حقيقية بينهم وبين اليهود منذ ٢٥٠٠ عام بالعرب باعتبار أن السامية كانت تجمع العرب واليهود، والواقع أن هناك فارقا بين اليهودية الشرقية وبين الصهيونية الغربية لا سبيل إلى انكاره، مما لا سبيل إلى الربط بينهما بوجه من الوجوه، فضلا

стр. 183

عن أنه ليس من المستطاع التصور بأن الخمسين ألفا من المشردين قد استطاعوا رغم المذابح والاضطهادات المنكرة أن يصبحوا - خمسة عشر مليونا من الألمان والسلاف يدينون بالدين اليهودي (دكتور محمد عوض محمد الهلال: يونيه ١٩٤٨). ولم يعد هناك شك أن الصهيونيين تغلغلوا في الغرب واختلطوا بالشعوب الآرية في خلال هذه القرون الطويلة اختلاطا أضاع صلتهم باليهودية والسامية وصهرهم مع الشعوب التي اندمجوا فيها، وهى الشعوب الآرية مما أثر في آرائهم وتفكيرهم، لذلك لم يكن هناك ما يثبت أية رابطة بين الصهيونيين وبين الثقافة العربية الإسلامية التي عاشت مستقلة خلال تسعة عشر قرنا، ومن الحقائق المؤكدة أن الفكر العربي الإسلامي قد نفر من أساس الفكر الغربي وهو الإلحاد. ولقد وقف يهودمن مصر أمثال جاستون زنانيرى في مؤتمر اللغات والآداب القديمة للبحر المتوسط في موناكو (نوفمبر ١٩٣٥) ليحاولوا الربط بين الصهيونية وبين السامية القديمة. ولم يكن هناك رد على مثل هذه الادعاءات من أن السامية بقيمها وبطولاتها وثقافتها القائمة على الدين والخلق والكرامة والوفاء تختلف تماما عن الصهيونية بمعالمها الجديدة ممثلة في بروتوكولات صهيون وفي الاغراق في المادية والدعوة إلى اشاعة الاباحة والرذيلة في العالم وتحطيم المعتقدات الإسلامية والمسيحية وسحق القيم الروحية والمعنوية واثارة الشكوك حول الألوهية وقيادة حركة التغريب. وقد اتجهت الصهيونية إلى مثل هذا الغزو الثقافي عن طريق اعادة ربط العرب واليهود معا ازاء حملات أوربا على السامية، النزعة التي أطلق عليها Antrisemitim وهى في الواقع ليست موجهة إلى السامية بقدر ما هى موجهة إلى اليهود الصهيونيين دون غيرهم من الساميين. وقد اشتدت دعوة (عداء السامية) في أوربا بعد صدور وعد بلفور وقيام الثورة البلشفية الشيوعية في روسيا، فقد تكشف بالدلائل التي لا تقبل الشك أن اليهود هم زعماء الحركات الثورية والانقلابية في العالم، واليهم ينسب كل ما يقع من أزمات وحروب، ومنهم رؤساء الشيوعية وناشروها في العالم. وهم في نفس الوقت ملوك المال والصيرفة الذين يسيطرون على أسعار السلع وتقلب العملة والأوراق المالية، ولهم جهازا ضخما للاستعلام والجاسوسية في مختلف أنحاء العالم. وأنهم قد استفادوا من الثورات الفرنسية ١٧٨٩ وأوقدوا نار الحرب العالمية الأولى ١٩١٤ والثورة الروسية ١٩١٧ والثورة الايطالية ١٩٢٢ والثورة الاسبانية ١٩٣٠. وأنهم حماة الدعوات المتضاربة سواء الرأسمالية الغربية أو الشيوعية الروسية وذلك بقصد خلق كتلتين في العالم وابقاء الصراع الدائم بين الشرق والغرب. *** (الجامعة السامية) وقد احتضنت بعض الدوائر في مصر فكرة (الجامعة السامية) التي نادى بها اليهود ونشرت صحفها أبحاثا عنها حيث كانت بريطانيا تفرض حمايتها على هذه التيارات المتعددة وتبيح لها الظهور امعانا في بلبلة اتجاه الفكر العربي، يقول قدمى كوهين (الأهرام - ٥/ ٧/١٩٣١) أنه بدأ منذ عام ١٩٢٢ في نشر سلسلة من الأبحاث حول (الجامعة السامية) وفي مقدمتها كتابه (افلاس الصهيونية) ويرى الصهيونية قائمة على قواعد واهية لا قيمة لها من الوجهة الأدبية والنفسية. أنها لن تسفر عن نتيجة ما لم تحل المسألة التالية وهي: هل الصهيونيون الذين يعودون إلى فلسطين يكونون جلادى العرب فيجتاحون بلاد اخوانهم في الدم ويخونون فضلهم. أم يعودون إلى هذه البلاد للقيام بجميع الواجبات المفروضة على الشرقيين. ويقول: الصهيونية أما أن تتحد مع الغرب أو مع الشرق. وفي الحالة الأولى تظل شيئا حقيرا لا أمل له في البقاء الا اذا وضع نفسه موضع الجشع الاستعمارى الأجنبي، وفي الحالة الثانية يكون مشروعا عظيما يبعث على أعظم الآمال في نفوس الجنس الذي ينتسب اليه "شعب الله الخاص" وهو دعو إلى الاتفاق بين العرب والصهيونيين ويقول "الغاية في نظرى اتحاد سامى يضم جميع البلاد الواقعة بين البحر المتوسط والبحر الأحمر والأقيانوس الهندى وايران وتركيا وبين هذه الولايات المتحدة في الشرق الأدنى. وأنى أرى ولاية كبيرة يهودية تسع أبناء اسرائيل، والوسيلة الوحيدة المؤدية لذلك يجب أن نجدها في الجامعة السامية. أن النهضة العربية لا يمكن أن تسفر عن النتائج المنشودة دون معاونة اليهود ... كما أننا في حاجة إلى الاستعانة بالعرب ولغتهم البديعة لجعل لغتنا ملائمة لمقتضيات العصر. فأين يجد

стр. 184

العرب الحال اللازم لانهاض بلادهم واستمثارها. أن وجوده في أوربا وأمريكا فانهم يدفعون فيه ثمنا غاليا. هذه الفكرة لا نصل لها الا باعتناق فكرة الجامعة السامية التي توحد جميع الموارد والجهود لتحقيق أمانى الفريقين ... ان العبقرية اليهودية في حاجة إلى أن تستمد قوة جديدة من الأرض التي نشأت فيها، وأن مهمة الجامعة السامية هى احياء الشرق وايحاد الصلة بين اليهود وبين العرب". أ. هـ. هذه صورة من الاتجاه الصهيونى الذي حاول السيطرة على الفكر العربي لاقناعه بمغالطات وأكاذيب في محاولة ايجاد جامعة سامية بين العرب وبين الصهيونيين الذين لا صحة لنسبهم واتصالهم الحقيقى بيهود العالم العربي ولا بالسامية اطلاقا، فضلا عن الخداع العجيب الذي تطويه الكلمات المسمومة حين يدعى قدمى كوهين) المستشار بمحكمة الاستئناف بباريس بأنه يكتب ما يطلق عليه (افلاس الصهيونية) في حين أنه يرسم مؤامرة أشد خطورة حين يحاول خداع العرب بصداقة الصهيونية وامكان الاخاء بينهما، وهم يغدرون بجزء هام من أرض الأمة العربية ويغتصبونه، وقد رد عليه كثأون يفندون آرائه المسمومة. وقال محمد رفيق اللبابيدى (١٧/ ١٠ عام ١٩٣١ - الأهرام) أنه اذا كانت الدعوة السامية معناها أن العرب يتسامحون في حقوقهم ويتهاونون في الدفاع عنها وينزلون طواعية عن بلاد لم تبق ذرة فيها الا امتزجت بدم آبائهم وأجدادهم في سبيل ضفر أكاليل السامية وتكوين الولاية اليهودية لهى فكرة طائشة، وقال أن غاية الدكتور مفادها أن تكون فلسطين العربية الخاصة هى هذه الولاية النكرة التي تسع جميع أبناء اسرائيل داخل ما يستبيح مما قاله أنه سوق العرب أنفسهم دعاة في سبيل السامية لخير الصهيونية التي يحاربها أسماء بزخرف القول. وهكذا ارتبط "مؤتمر بال" بحركة فكرية امتدت وتضخمت وسيطرت على الصحف ومؤتمرات المستشرقين وأساتذة الجامعات وكتاب العالم، فقامت دعوة أخرى للجامعة السامية إلى جوار الدعوة الفرعونية والأشورية والبابلية والماركسية والشيوعية، وقد ألقى الحاخام اليهودي في مصر عدة محاضرات عن تطور اللغة العبرية حاول فيها أن يربط بينها وبين اللغة العربية مبينا مدى الدور الذي لعبه الفكر العبرى في الفكر العربي القديم وظهرت مؤلفات تعلن يقظة الفكر اليهودي منها (كتاب يقظة الفكر اليهودي: أيلى ليفى أبو عسل - ١٩٣٤ مصر). *** (الحضارة اليهودية) ولقد برز في هذه الفترة تيار قوى أطلق عليه اسم (الحضارة اليهودية المستقبلية) كان أساس دعوته أن الحضارة المسيحية التي تحمل لوائها أوربا هى على وشك الزوال وستقوم مكانها حضارة أخرى ستكون أكثر اهتماما بالماديات ولكن على نسق آخر، وقد صور عمر عنايت (العصور - فبراير ١٩٢٩) هذا التيار الذي انبثق عن الدور الذي قام به اليهود حين آثروا في توجيه الرأى العام إلى جهة غير الجهة التي كان يتطلع اليها. وأنهم قد استفادوا من القلق الاقتصادى الذي ينتج عن الحرب ... وقال أنه اذا بحثت كل حركة هدامة أو مجددة في الوقت الحاضر تجد أن محورها الدعاية الودية، الأمر الذي يمكننا مشاهدته متجليا في موقفين: الأول في روسيا والثانى في فلسطين. ففى روسيا نجد الثورة تزكيها الدعوة اليهودية التي تجد المجال فسيحا لمهاجمة المسيحية حاملة علم المدنية الحالية. أما فلسطين فاليهود يريدون أن يشيدوا بها نقطة ارتكاز يوجهون منها جودهم حيث شاءوا، فكما أن روسيا ليست غير معمل البارود البلشفى الذي يعمل على نسف المدينة المسيحية، فان فلسطين ليست سوى العش الذي ستولد فيه المدنية المودية المستقبلية، ومن السهل ملاحظة التسيطر المالى اليهودي الأخذ بخناق الغالم ومحاولة العمل لانشاء مملكة داود الجديدة" ومما يتصل بهذا الاتجاه ما عرف من انتهاء سيادة أوربا بعد الحرب العالمية الأولى وانتقال هذا السلطان إلى أمريكا التي عاونت على قيام اسرائيل. وبذلك تخلفت أوربا المسيحية الغربية وسقطت تحت سلطان أمريكا التي تسيطر عليها الصهيوينة. وكان هذا التركيز هو مقدمة لاعلان الصراع (كما أعلنه الحاخام عما نوفل ايفانوفنيش - ١٩٥٤ بودابست) بين أمريكا وروسيا "حتى يضعف الخصمان وتتضعضع قواهما. ثم تتم السيطرة اليهودية على العالم. وذلك كمقدمة لتوليد جدل جديد يقوم على تزاوج البيض والسود لانشاء شعب من الجنس الأسود ونشر العقيدة الاسرائيلية في جميع أنحاء العالم - وقد بلغ عدد الصحف الصهيونية التي تصدر في العالم وتوجه الرأى العام ٨٩٩ يصدر منها في الولايات المتحدة وحدها ٢٢٤ صحيفة. وهكذا كان الفكر الصهيونى الجديد في مقوماته هادفا إلى الصراع مع المسيحية الغربية ومع الإسلام والفكر العربي الإسلامي في أدق خصائصه ومقوماته.

стр. 185

وجملة الققول: أن هدف الدعوة الصهيونية الفكرية كان بالغ الأثر في حملة التغريب التي جعلت قوامها البلبلة والتشكيك وتحطيم المعتقدات والقضاء على القيم الروحية والمعنوية واثارة الشبهات وادخال الاسرائيليات إلى نصوص الدين. وقد اتفقت أهداف التغرى المسيحى مع الدعوة الصهيونية التي لم تقم الا على أساس استعمارى يهدف إلى اقتطاء منطقة من الوطن العربي باسم العنصرية لدعم بقاء الاستعمار في العالم العربي، وقد وصف الدعوة الصهيونية مستر مور غنتو سفير أمريكا في الاستانة بأنها "أعظم تضليل ظهر في التاريخ اليهودي". وقد تحققت نتيجة لهذه الفلسفة أكبر جريمة في تاريخ الأمة الإسلامية والانسانية عامة حيث قامت اسرائيل تحقيقا لمبادئ التلمود وبروتوكولات صهيون وكنواة للمملكة المرتقبة التي تفرض سلطانها على العالم. ولم تقم هذه الدولة - كما هو شأن كل أعمال الصهيونية - الا على سفك دماء ملايين البشر واستغلال الثورات والسيطرة على الحكومات بسلاح المال والأعلام. وقد كان لاحتلال الصهيونية لفلسطين أبعد الأثر في الفكر العربي الإسلامي الذي أثاره هذا العمل الخطير وأيقظ روحه ودفعه في قوة إلى المقاومة ووجه كل طاقاته إلى العمل. المراجع أسرار الصهيونية: عبد المنعم شميدس. بروتوكولات صهيونية: ترجمة محمد خليفة التونسي. صحف الأهرام والمقتطف والمشرق.

стр. 186

الدعوة والشيوعية عندما وقع الوطن العربي تحت سيطرة الاستعمار الغربي، كان مخطط تغريبه وتحطيم شخصيته يهدف إلى توجيه تيارات فكرية متعددة متضاربة، وكان لسيطرة الاستعمار على أوجه الأعلام أثره في رسم صور مختلفة لهذه الآراء والمذاهب والدعوات. ولقد كان من الطبيعى أن تصل هذه الدعوات: الرأسمالية المسيحية والصهيونية والماركسية والشيوعية إلى الوطن العربي باعتبارها دعوات عالمية لها أجهزة ضخمة تذيعها ككل الأفكار والآراء والتيارات، غير أن الاستعمار الغربي كان حريصا على أن يوجه هذه الأفكار ويرسم لها صورا معينة حسب وجهة نظره كتأييده للصهيونية ودعوته ومهاجمته للشيوعية والاشتراكية. وليس أدل على هدفه في زعزعة العقائد وأحداث اضطرابات ضخمة في الحياة الفكرية العربية من أنه سمح بقيام دعوات وصحف وكتابات للشيوعية وهو على خلاف معا وخصومه وتعارض، ذلك لأنه انما كان يهدف بذلك إلى تعميق حملة التغريب وتحطيم الشخصية الإسلامية وتمزيقها وسلخها عن أهدافها، فضلا عما في الشيوعية من حملة عنيفة على "الإسلام" الذي كان الاستعمار حريصا على القضاء عليه والتشكيك فيه كمقوم ضخم للحياة الفكرية. وكانت تلك خطته دائما في اذاعة الآراء ذات الصفة المعارضة، في السياسة والاجتماع والتعليم والعقيدة وذلك لتنسيخ الفكر ومنعه من الاتجاه في طريق موحد وكان هذا جزءا من خطة التجزئة التي جعلها من أبرز أهدافه. وكانت الدعوة الماركسية الشيوعية قد تسربت إلى الفكر العربي الإسلامي بعد ثورة أكتوبر ١٩١٧ في روسيا وتألفت أحزاب شيوعية سرية في مصر وسورية قام على الدعوة لها والاتفاق صهيونيون وكان (روزنتال) اليهودي هو رأس هذه الحركة في مصر. وقد نظرت الأهرام (١٠/ ٧ عام ١٩٢٥) إلى هذا الأمر من زاوية بريطانيا لا من وجهة نظر الوطن العربي فقالت أن معظم شعوب الشرق مغلوبة تئن بلادها تحت النير الأجنبى وأنهم - أى الشروعيون - يأتون اليها من الطريق الذي يغريهم بها، ومما يهم التلاشفة بنوع خاص أن يثيروا الاضطرابات المشاكل في كل بلد شرقى ذى صلة مباشرة أو غير مباشرة بالامبراطورية البريطانية لأنهم يرون في هذه الامبراطورية عدوهم الطبيعى وهم يشجعون روح العداء للانجليز في أفغانستان وايران والشرق الأوسط. وأشارت الأهرام إلى "أن مصر محاطة بالدعاية الشيوعية من معظم أطرافها ففى فلسطين حزب شيوعى خارج من صميم الحركة الصهيونية وملازم لها وهو يعمل في السر والعلانية. وفي تونس تعمل الحركة الشيوعية وفي جدة وصل بلشفى مسلم يعمل في الخفاء وعلقت على ذلك بأن مركز مصر الجغرافى يجعلها عرضة لجميع ما يقذفه الغرب من العلل المادية والاجتماعية إلى الخارج". وفي هذه الفترة جرت مساجلات بشأن الشيوعية والاشتراكية، حيث قامت فئتان، احداهما تدعو إلى الشيوعية علانية والأخرى تدعو إلى الاشتراكية. وفتحت جريدة الأهرام منذ عام ١٩٢١ صفحاتها للكتابات المختلفة حول هذا الموضوع قائلة (١٦/ ٨/١٩٢١) أن حاجة البلد الاجتماعية تقضى علينا (أى الأهرام) وعلى كل عامل برقابة حزب كهذا لا لأننا نكره التعاليم والمذاهب الاشتراكية العلمية والعملية، بل لأننا نكره النظريات المتطرفة التي تقضى بالطفرة ونحن نود التطور رويدا رويدا. وقالت: أن لكل أمة أخلاقها وعوائدها ومنافعها وما يصح أن يجرى في ايطاليا ورومانيا لا يصح أن يتبع في مصر - وقال سلامة موسى وعلى العنانى ومحمد عبد الله عنان: أنهم يستهجنون الطرق البواشفية وأعلنوا تأكيد الاعتدال في خطتهم (س. م - ٤/ ٧/١٩٢٢) وأن البولشفية الروسية أخفقت اخفاقا يكاد يكون تاما ونشرت في ربوع البلاد الروسية الخراب والدمار وأن عددا كبيرا من الاشتراكيين قد أعلنوا عدم موافقتهم عليها لأنها لجأت إلى تحقيق غايتها طفرة وغالت في تطبيقها .. وأن الغرض هو المذاكرة في أغراض هذا المذهب (الاشتراكية) وتطبيقه على الأحوال المصرية (س. م

стр. 187

-٨/ ٨/١٩٢١) وطالب روزنتال بحقوق المستأجرين ثم باتحاد النقابات، وكان سلامة موسى قد ألف عام ١٩١٤ رسالة في الدعوة إلى الاشتراكية عن طريق النشوء والارتقاء والتطور لا عن طريق الثورة، وقال أنه كان عضوا في الجمعية الغابية الانجليزية وعرف من أعضائها مستر سدنى وب، أصدر عزيز ميرهم بيان بتأليف الحزب الاشتراكى المصري في ٢٩ أغسطس ١٩٢١ غير أنه في عام ١٩٢٤ وبعد صدور الدستور وقيام الحكم النيابى المصري بدأت حملات متعددة على اتباع هذا الحزب واعتقل عدد كبير منهم في الاسكندرية، وقدموا للمحاكمة ثم تجددت الدعوة إلى مقاومة الشيوعية في فترات متوالية منها ١٩٢٧ و ١٩٣١. وقد ثبت اتصال دعاة الحزبين الشيوعى والاشتراكى في مصر بجهات خارجية وأن دعوتهم لم تكن مستقلة لصالح مصر ومثل هذا يقال عن الأحزاب الأخرى التي ظهرت في سوريا ولبنان وفلسطين تحت حماية الدول المستعمرة البريطانية والفرنسية. وقد قاوم الرأى العام الفكر في مصر هذه الدعوة، وأنكر "أحمد حلمي" هذه الدعوة وبين خطرها على نظامنا الاجتماعى ومخالفتها للتعاليم الدينية، ودعا رجال الدين والحكومة إلى محاربة هذا الخطر وقال (٢٠/ ٨/١٩٢١ - الأهرام) أنه ليس في مصر مشكلة توصف بحق بمشكلة رأس المال حتى يقال أننا لسنا في حاجة إلى تأليف مثل تلك الأحزاب، ولا ندرى كيف أن الحكومة التي لم يتسع صدرها لاصدار الصحف اليومية الجديدة، تتسع اليوم لتأليف حزب اشتراكى في مصر على الأنماط المتطرفة وقال: "هل نسوا أن الاشتراكية التي يدعون اليها تكفر بجميع الأديان وتجعل الأملاك من عقار وأطيان ملكا لواضع اليد عليها والمناجم لعمالها والمصانع لصانعيها. أن كارل ماركس مع اعتدال أفكاره لم تطقه حكومة بلاده بل حاكمته على نشر تعاليمه وأخيرا نفقته". وقال الشيخ التفتازانى (٢٤/ ٩/١٩٢١ - الأهرام) أى نقص في الأديان التي تعرض للفقير من مال الغنى قدرا وتحتم على أولى الأمر البذل بين الجميع. أنها لاحدى الكبر أن يقوم فينا نفر من الذين بهرتهم زخارف النظريات الخيالية فيستهينون فينا بقوة العقيدة والأثر على حسن ظن منهم، ولو أنهم كانوا على حصافة في الرأى لدعونا إلى أحياء موات أحكام أدياننا ولرددنا إلى الكتب السماوية والسنن النبوية" ورد عزيزهم ميرهم عن الحزب فقال "أن خصوم الاشتراكية بمصر لم يقوموا حتى الآن بدليل وجيه في سبيل معارضتها وقال أنهم يحاربون أصحاب الثروة ويحاربون الاشتراكية باسم الدين للتأثير على عقول السذج ويحاربونها لا حبا في الدين ولكن لأن جشعهم في حب المال يجعلهم يظنون أن الدين يدافع عن مالهم. وقال التفتازانى (٧/ ٩/١٩٢١ - الأهرام) هل جاءت الاشتراكية لتكمل نقصا في الأديان السماوية. لقد صارت روسيا معملا كيماويا لعدة تجارب أسفر كل منها عن خيبة وفشل. وقال عزيز ميرهم ردا عليه (١٣/ ٩/١٩٢١): لا تظن أن التعصب للملكية الفردية يصل بانسان فيدعى بأنها ركن من أركان الدين. أن النظم الاجتماعية تتغير وتتبدل وتتطور في أشكال مختلفة حسب الزمان والمكان. وقال الشيخ عبد اللطيف بخيت (الأهرام - ١١/ ٩/١٩٢١) أن الاشتراكية ليست مخالفة للدين بل على العكس من ذلك نجد روح القرآن والسنة تتمشى مع الاشتراكية. ولما فتح عمرو بن العاص مصر وزع أرضها على الجند وغيرهم حسب ما يرى ولم يجد من الدين ما يمنعه" وترددت مناقشات طويلة بين سلامة موسى وعلى العنانى ومحمد عبد الله عنان وعزيز ميرهم (سبتمبر ١٩٢١ - الأهرام) وقال سلامة موسى في ختام هذه المناقشات (٢٩/ ٩/١٩٢١) أن الاشتراكية في نظره تستدعى حالة عليا من الرقى في الأمة لم تصل اليها بعد الأمة الروسية، وقال أن اشتراكية الروس هى اشتراكية عجلة وارهاق تشبه كل الشبه تلك الشيوعية التي فشلت في باريس في حصارها المشهور ١٨٧٠، ولاشك أن الاشتراكية المصرية ستكتسب لونا خاصا بتأثير الوسط المصري والمزاج المصري. والاشتراكية بانقسامها حقوق الغنى من الجهة الواحدة ستزيد في حقوقه من الجهة الأخرى" وأن ما ذكر من أمن الملكية مبدأ مقدس يجب أن تدافع عنه الحكومة وتحميه من كل اعتداء هو قول مثير للضحك عند عارفى تاريخ الملكية المصرية وعدد الملاك الآن، ويكفينى أن أذكر أن نحوا من ثلاثة عشر ألف نفس أى أقل من عدد طلبة الأزهر يملكون أكثر من نصف ثروة القطر الزراعية وأن هذا العدد الصغير من الناس يملك ويتصرف في أرزاق نحو ثمانية ملايين مصري، وأشار إلى ما فعله محمد على في نزع ملكية الأرض فقال "لقد نزع محمد على ملكية الأرض ليشغلها على نفقته الخاصة فلما هم بابراز هذه الفكرة قامت في وجهه صعوبات استعمل ازاءها كل أنواع التهديد حتى أصبح المالك الوحيد لأكثرها فقد استولى على أملاك "المماليك"، والأراضى الموقوفة

стр. 188

ونزع ملكية الأراضى التي كانت لبقية الأفراد مدعيا حق التسلط على كل الأراضى لأنه الحاكم النائب على الخليفة المالك للأرض، فاستحضر كل الملاك وطلب منهم ابراز حقوق ملكيتهم فقدموا اليه حججهم رغم أنوفهم، فكان يضرب ببعضها عرض الحائط ويظهر بطلان بعضها الآخر، ويملى بعض الملاك بعوض، ولما أصبحت جميع الأملاك في قبضته أعدم كل ما لديه من الحجج وأصبحت كل الأرض في قبضته واستخدام الفلاحين في زراعتها". ومن جملة هذه الآراء يظهر أن السجال لم يكن علميا ولا قوميا فلم يفرق الدعاة بين الاشتراكية والشيوعية، كما أن دعوتهم ارتبطت بعوامل خارجة وباتصالات الأحزاب الشيوعية في أوربا، ولم تكن دعوة اشتراكية وطنية متصلة بالواقع المصري أو العربي أو خالصة للهدف القومى المتحرر من المذاهب الغربية أو الاتصال بالشيوعية الدولية. وكان خصوم هذه الآراء يتحدثون من الناحية الدينية وحدها، ويعارضون المذهب دون مناقشته علميا ولم يكن الرأى العام يحتمل في هذه الفترة مواجهة مثل هذه المذاهب على نحو يحقق الاستفادة من الصالح منها. وقد كان الاستعمار وراء السماح بهذه الآراء اذ كان في هذه الفترة (١٩٢١ - ١٩٢٣) يسيطر بالحماية والأحكام العرفية وقوة الاحتلال على توجيه الرأى العام في ميدان الصحافة والفكر والاجتماع، ولم ترفع الحماية الا بعد صدور تصريح ٢٨ فبراير ١٩٢٢ وقد ظل المعتمد البريطانى الذي أصبح المندوب السامى بعد اعلان الاستقلال هو صاحب الرأى الأول في كل هذه الأمور، كما أن افساح جريدة الأهرام الصفحات الأولى والمقالات الافتتاحية منها لهذه الدعوة من ناحية تأييدها ومعارضتها انما كان يهدف إلى خلق جو من البلبلة والتمزق وضرب الأفكار بعضا ببعض على نحو يحقق أهداف الغزو الثقافي والتغريب وتحطيم مقومات الفكر العربي الإسلامي والشخصية العربية الإسلامية. غير أنه في خلال هذه الفترة التي نؤرخ لها - حتى الحرب العالمية الثانية - لم يتوقف الحديث عن الشيوعية على نحو أو آخر في مقالات وأبحاث تتناول شخصيات لينين وتروتسكى وستالين أو مذهب التفسير المادى للتاريخ أو ثورة ١٩١٧ وسقوط القيصرية. كما جرت محاولات متعددة لتنظيم العلاقة بين أصحاب العمل والعمال وقامت نقابات العمال وجرى بحث مختلف المسائل المتصلة بالرأسمالية والاقطاع، غير أن الاستعمار كان حريصا على دعم نظامه القائم على تسلط الاتجاهات الرأسمالية الغربية على مختلف التشريعات والقوانين، وكان نفوذ الاقطاعيين من رؤساء الحكومات ورجال القصر والأحزاب يحول دون أى اتجاه نحو الاشتراكية الحقيقية المستمدة من الواقع العربي. وقد واجه الفكر العربي الإسلامي الدعوة الماركسية الشيوعية في مختلف مراحلها كما واجه مختلف النظريات الغربية، وكان في كل أدوار هذه الرحلة يكتشف في عقائده وتراثه خير ما في هذه الدعوات لو أتيح له أن يحقق الاصلاح دون أن يتخلى عن معتقداته، غير أن الاشتراكية الإسلامية كانت لا تزال تحارب من قيادة حركة التغريب في سبيل الابقاء على أنظمة الاقطاع وسلطان رأس المال وفوارق الطبقات وحجب العدالة الاجتماعية. وقد ظل دعاة الشيوعية أو الاشتراكية الغربية في نظر الفكر العربي غرباء عنه على أساسين واضحين: أحدهما أن لدينا في الإسلام وتراثه وشريعته ما يحقق تنظيم المجتمع واشتراكيته ويحقق العدالة الاجتماعية دون الحاجة إلى اقتباس نظم الآخرين فضلا عن أن التجربة التي حاولت الشيوعية تحقيقا في روسيا لم تحقق النجاح الذي يكسبها القبول، هذا بالاضافة عن نفوذ الفكر العربي من استبعاد "الإسلام" عن مجال النظم الاجتماعية. وقد كان الفكر العربي الإسلامي يرى في الشيوعية وجها آخر من الغزو الغربي لأمتنا لأنها تحمل أفكارا. ومذاهب بعيدة عن طبيعته فضلا عما كانت تتسم به الدعوة الشيوعية من الارتباط بموسكو، وعدم قدرتها على التحرر من هذا القيد، واستحالة مواجهة الاشتراكية كتظلم يمكن أن نقبل منه ما يتفق مع حاجة أى أمة من الأمم، وهى في هذا تحمل نفس الخطأ التطبيقى الذي يطالب به الغزو الاستعمارى من أن تقبل الأمة العربية الحضارة كاملة أو ترفضها جميعا. وقد كشفت التجربة الشيوعية أمام الفكر العربي الإسلامي نتائج خطيرة زادت حذرها منها فقد الدين والحرية والمساواة. وصلب النظام الشيوعى حرية الفرد ووضعه تحت الوصاية القاهرة والرقابة الشديدة. ولم تنجح الشيوعية في الغاء نظام الطبقات وعجزت عن أن تقرب بينها وبين سلطان الحكام شبيها بسلطان القيصرية وهى ان استطاعت أن تمحو طبقات قديمة فقد أحلت محلها طبقات جديدة.

стр. 189

وقد كان ايمان الشيوعية بأن الوسيلة إلى تحقيق دعوتها انما تتم بالهدم والتخريب والثورات الحمراء والانقلابات الدامية مما نفر المسلمين في مذهبها، لأن قوام فكرها وشخصيتها انما بنى على الأخوة والوفاء والتسامح والاقتناع بالحجة. وزاد من ذلك النفور أن التآمر كان جزءا هاما من جوهر الشيوعية، وقد ظل ملازما لها حتى في البلاد التي أصبح زمام الأمور فيها بيد الشيوعية نفسها. كما اعتمدت الشيوعية على الارهاب وخداع الجماهير. وكان طابعها ولاء أنصارها دائما لقياداتهم الخارجية دون أوطانهم مع محاولة اثارة الفوضى في هذه الأوطان للتخلص من حكوماتها الوطنية واقامة حكومات جديدة موالية للشيوعية. *** الشيوعية وماركس فاذا رجعنا إلى "الشيوعية" كفكرة وجدنا أن صاحب الدعوة اليها هو الحاخام الاسرائيلى "كارس ماركس". وقد عرف اليهود بأنهم يمثلون طبيعة الحقد وكراهية الانسانية وكانت مطامعهم دائما في القضاء على كل القوى للسيطرة على العالم وهدم الأديان والقوميات. وقد كان "ماركس" واحدا من صناع هذه المؤامرة الضخمة، ولذلك فقد كانت فكرة "الشيوعية " كما فهمها ورادها انما تهدف إلى القضاء على القوميات والأديان وخلق قوة جديدة تصارع قوة (الرأسمالية) وقد حمل اليهود لواء المذاهب الهدامة. وكان (ماركس نوردو) قد وضع مخططا لهذا العمل التخريبى حيث دعا إلى تنشئة الجبل الصاعد على الكذب والتمويه والمخادعة وعلى الأنانية وحب المنفعة والسعى وراءها بكل الطرق. وقد وضع زعيم الشيوعية الأول اليهودي في مذهبه خلاصة أحقاد جنسه فقد قامت الدعوة على "بغض جميع الطبقات والحقد على البشر" وجاءت صدى لنفوس مليئة بالانتقام من مختلف طوائف الخلق، وقد اعترف الصهيونيون أنهم أول من نادى بالشيوعية، وقال اليهود أن الثورة الروسية كانت من نصيبهم، وأن ما تحقق في روسيا كان بفضل العقلية اليهودية التي خلقت الشيوعية في العالم ولم يكن اتفاقا أن أنصار الشيوعية في العالم من الصهيونيين وأن ٩٠ في المائة من أعضاء الحزب الشيوعى الأمريكى من غلاة الصهيونية، وأن المجلس الذي حكم روسيا بعد قيام الثورة الشيوعية ١٩١٧ كان مكونا من عشرة أعضاء بينهم ستة من اليهود. ولطالما ردد اليهود أنهم اتخذوا من الشيوعية وسيلة للتغلب على العالم والوصول إلى السيطرة وتسخير الموارد العالمية. وقد أكد هذه المعانى ما قاله أحمد زعماء الشيوعة "لينين" الذي اتفق أنه كان يهوديا أيضا وهو الذي حول فكر ماركس إلى دولة ونظام قال "لا نحتاج إلى الحب بل أننا أحوج إلى البعض والأحقاد، أنه يجب علينا أن نتعلم البعض وأن نرضعه مع اللبن". وقال نيتشه أن اليهود والروس سيكونان أهم العوامل في المستقبل": *** فكرة الشيوعية فاذا عرضنا لوجهة نظر الفكر العربي الإسلامي وجدنا مخالفة واضحة بين مفهوم الشيوعية ومقومات هذا الفكر. فهذه نظرية مادية خالصة ونظام مادى بحت. يستمد فكرته من فلسفة ملحدة تؤمن بمادية التاريخ فترى أن كل ما يقع في التاريخ مرجعه إلى الأسباب الاقتصادية. وقد قال ماركس المقنن الأول للنظرية الشيوعية: أن الماركسية هى المادية وهى معادية للدين. وفي فلسفة الشيوعية: أنه لا حقيقة سوى المادة. وأن الانسان وأعماله مادة. ويرد ماركس كل أسباب التطور التاريخى للبشرية إلى العوامل الاقتصادية، ويرى أن المال والعمل والانتاج والاستهلاك دون غيرها من الدوافع هى التي تسير الحركة التاريخية، وقال أن مقاصد دعوته هى القضاء على التفاوت الطبقى بالتسوية بين الناس في شئون العيش وأن طريق الوصول إلى ذلك هو بالغاء الملكية الفردية والقضاء على ثروة الأفراد وأن ذلك يؤدى إلى تحرير الطبقة العاملة والفقيرة من سيطرة الرأسمالية. وقد أعلن ماركس بأن تحقيق الاشتراكية لا يتم الا بالثورة والانقلاب والتآمر والقيام ببث هذا التآمر بين طبقة العمال ضد أصحاب رؤوس الأموال.

стр. 190

أعلن ماركس هذه الآراء ١٨٦٤ وحاول ايجاد اتحاد بين عمال أوربا لمقاومة الممولين، وفي عام ١٨٨٩ أنشئت الدولية الثانية حيث عقدت مؤتمرات في بروكسل ثم سقطت الحكومة القيصرية في ١٦ مارس ١٩١٧ وبدأت الثورة الشيوعية الروسية حيث قامت الدولية الثالثة عام ١٩١٩. وقد اعتنق لينين دعوة ماركس وحولها من نظرية فلسفية إلى نظام الحكم وقد تبين في أول مرحلة من التطبيق مدى الفارق البعيد بين مفهوم النظرية وبين امكان التطبيق، لذلك لجأ "لينين" إلى اعلان مرحلة وسطى هى ما أطلق عليه (ديكتاتورية العمال المؤقتة) ثم تطورت هذه الفترة المؤقتة التي استمرت حتى الآن أربعين عاما إلى ما أطلق عليه "حكومة الصفوة والممتازة": هؤلاء الذين وصفوا بالاخلاص والخبرة للفكرة الشيوعية، وهكذا تطورت الشيوعية من ديكتاتورية عمل إلى ديكتاتورية الصفوة الممتازة. وجرت حركات التطهير المختلفة المتعاقبة لتخليص الحكم إلى حاكم واحد، فقد مات لينين ٢١/ ١/١٩٢٤ ووقع الصراع بين تروتسكى وستالين حتى استولى الآخر على الحكم ونفى تروتسكى وظل حاكما لروسيا حتى توفى في مارس ١٩٥٣. والسؤال الذي طالما وجهه الفكر العربي الإسلامي إلى الشيوعية في خلال هذه الفترة هو هل حققت الشيوعية: تحرير الطبقة العاملة والفقيرة. قيام مجتمع خال من الطبقات. انشاء القيادة الجماعية. الغاء التفاوت الطبقى وازالة الفوارق بينها. توزيع الثروة على أفراد المجتمع بالعدل. وقد عرض المفكرون لهذه الأهداف بالبحث، وقالوا أن واحدا من هذه الأهداف الرئيسية للدعوة الشيوعية لم يتحقق. فقد أصبح العمال مسخرين لطبقة حاكمة جديدة. وأن الحكم ما زال دكتاتوريا استبداديا، وأن القيصرية لم يقض عليها، فقد قام قيصر شيوعى بدلا من القيصر الأول فضلا عن أن الاضطراب والتغيير المستمر مازال متصلا مما يدل على عدم استقرار النظام ومخالفته لسنن الطبيعة والنواميس الاجتماعية والنفسية للأمم. مع القضاء المطلق على الحرية الشخصية وحرية الكتابة والرأى والخطابة، وكان أبرز ما اهتم الفكر العربي في النظر اليه من أمر الشيوعية: أمران: الدين والحرية. *** (الدين) وقد تبين أن الشيوعية دين جديد يحتقر الأديان القديمة ويقوم على "مادية" تنكر الله والرسالات. وقد ناهضت الأديان بالإلحاد، وشنت عليها حربا متصلة وألغت التعليم الدينى ونكرت الكتب المقدسة وآلهت لينين وستالين وأباحت اللادينية والوثنية. وقد أعلن قادة الماركسية الشيوعية: أن الشيوعية والدين ضدان لا يلتقيان ولا يأتلفان، فمن أراد أن يكون شيوعيا وجب أن يكون من غير دين وأعلنت الشيوعية حربها على المسيحية لأنها تحض على الرحمة. وقالت أن الرحمة مناقضة لتعاليمنا. وقد أكد ذلك (لونا شارسكي) وزير التعليم السوفييتي: اذا قال: نحن نكره المسيحية والمسيحيين، وحتى أحسن المسيحيين خلقا نعده شر أعدائنا فهم يبشرون بحب الجيران والعطف والرحمة، وذلك يخالف مبادئنا و"الحب المسيحي" عقبة في سبيل تقدم الثورة .. فلنسقط حبنا لجيراننا فان ما يزيده هو الكراهية والعداوة، وحينذاك نستطيع غزو الغالم. وأكدت الشيوعية أن التفسير المادى للتاريخ يناقض وجود الله فمادامت الأسباب الاقتصادية هى التي تملى على التاريخ حركته وتسيره حيث شاء فلا مجال هناك للاعتراف بالله خالق أو أى قوة وراء الغيب توجه البشر إلى مصائرهم. وهم يرون أن الدين ليس الا تفسيرا خاطئا للظواهر الاجتماعية وبقية من بقايا النظم الاستغلالية البائدة ولونا من الخداع صنعه بعض الناس ليستفيد به بعض الناس. ومعللون انتشار الدين بالظروف المادية التي عاش فيها الانسان الول. فيقولون أن الانسان الفطرى في العهد البدائى كان يقف عاجزا حائرا أمام الظواهر الطبيعية كالرعد والعواصف والفيضانات وغيرها، وكان لجهله بأسبابها يردها إلى ارادة عليا تسعى الى

стр. 191

كسب عطفها. والتماس أسباب الزلفى لها بتقديم القرابين وقالوا أن الروحانيات مثاليات نظرية، قد ألغت الثورة الشيوعية العلاقة بين الكنيسة والدولة فأصدرت في ٢٣/ ١/١٩١٨ مرسوما أعلن فصل الكنيسة عن الدولة وفصل المدرسة عن الكنيسة وحظر التعليم الدينى في جميع المدارس وعزل الشرائع السماوية وحجبها عن علاقات المجتمع وعزل الشرائع السماوية وحجبها عن الشيوعية: أن الدين أفيون الشعب واذن فلا حقيقة هناك الا المادة، وقد كانت الحرب ضد الدين من أبرز أعمال الثقافة الشيوعية. وقد نقدت الديانات والكنائس والمنظمات الدينية وقالت: أن الله (تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا) قد مات وأن البحث عنه لا فائدة منه. *** (الحرية) وعارض الفكر العربي نظرة الشيوعية إلى الحرية اذ جند الفكر الشيوعى كله في سبيل تأكيد النظرية الشيوعية دون أى سماح بنقد في أى فرع أو فصيلة أو تصرف من تصرفاتها مهما كان. ويتجه نظام التربية والتعليم إلى الثقافة في ظل النظرية الشيوعية ولا تتداول الا الكتب التي يسمح بها الحزب الشيوعي، والصحف التي يصدرها الحزب، والكتابة التي تنشر ما يؤيد النظرية ولا يوجد أدب حر وتوجه أبحاث التاريخ والعلوم الطبيعية والمسرح والسينما توجيها شيوعيا وتوقف على أغراض الشيوعية، وقد صور التاريخ ونقح للتمشى مع أغراض الحزب. كما منعت أى ثقافات أجنبية معارضة للشيوعية، أما في نظام الأسرة فقد قام على الانحلال. والعلاقة بين الرجل والمرأة تسير مع المفهوم الاقتصادى المادى للمجتمع. وقد ألغى وضع الزوج كرأس للعائلة وانعدام الحب. وبقى نظام الطبقات والتفاوت. بين الغربية المسيحية والشيوعية وهكذا وقف الفكر العربي الإسلامي موقفا واحدا بين النظرية الغربية المسيحية والنظرية الشرقية الشيوعية. فقد كانت النظرية الشيوعية امتدادا متطرفا للفكر الغربي نفسه الذي أعلن الايمان بالمادية واقصاء الدين عن المجتمع وانكار العقائد والروحيات. فلم يكن هناك خلاف في أن الدعوتين تغريب للأمة الإسلامية. وأن خلافهما في المفهوم الاقتصادى هو في ناحيته يختلف مع مفهوم الفكر العربي الإسلامي، فقد عرف هذا الفكر منذ قديم الاشتراكية الإسلامية والعدل الاجتماعى والزكاة والتكافل الاجتماعى على نحو ليس في غلو الرأسمالية الغربية ولا عنف الشيوعية الشرقية. وتساءل الفكر العربي الإسلامي: هل تتفق الشيوعية مع بلادنا وشخصيتنا كما تساءل من قبل بالنسبة للأنظمة الغربية التي اضطر إلى نقلها تحت ضغط الاستعمار المسيطر على البلاد والذى فرض هذه الأنظمة: فرض دون مراعاة فوارق الزمن والحاجة والتطرو والثقافة والمفاهيم العامة. وقد وقف الفكر الغربي موقف المعارضة للرأسمالية الغربية والشيوعية الماركسية معا، وأنكر هدف الرأسمالية الأساسى من السيطرة على البلاد العربية. واستغلالها واعتصار ثرواتها واتخاذها مصدرا للخامات وسوقا للانتاج. كما وقف موقف المعارضة للشيوعية الماركسية وأنكر هدفها الأساسى من تدمير أنظمته الاجتماعية والاقتصادية لاقامة حكومات تابعة للشيوعية الدولية. وقد أيقظت الدعوة الشيوعية في الفكر العربي الإسلامي مقوماته الأصلية وفق نظرية "التحدى ورد الفعل" فبدأ يراجع تراثه ويستخرج منه ما فيه من قيم تتصل بالاشتراكية الإسلامية في التقريب بين الطبقات وتحقيق العدالة الاجتماعية والقضاء على الفقر، وكان في استطاعته أن يحقق نتائج باهرة لولا أن الاستعمار الغربي كان يحاول دون تغيير نظام الاقطاع والملكية والاستبداد والاستغلال وسيطرة رؤوس الأموال الغربية وتجميد مواقف المجتمع والاقتصاد والفكر في اتجاه غربي له مظهر ديمقراطى اسما مع التبعية الواضحة في المحاولة. وقال الفكر العربي الإسلامي: أنه ليس أخطرعلى أمة من أن تنقل مذهب أمة أخرى دون النظر إلى طبيعتها وحاجتها وذوقها وروحها. ولم يمانع الفكر العربي الإسلامي من أن "يقتبس" من أنظمة الرأسمالية والشيوعية ما يزيده قوة على المحافظة على شخصية ومقوماته ويحقق له الاندفاع في طريق القوة والحياة.

стр. 192

مواجهة الغزو ومعارك المقاومة * السياسة * الدين * المجتمع * المرأة * التعليم * اللغة العربية * الصحافة

стр. 193

لم تكن فترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية (١٩١٨ - ١٩٣٩) الا معركة كبرى تفرعت منها معارك قوامها الغزو الثقافي من ناحية الاستعمار في صورة التحدى والمقاومة ومن ناحية الفكر العربي الإسلامي في صورة رد الفعل وقد امتدت هذه المعركة في ميادين متعددة: السياسة، الدين، المجتمع، التعليم، اللغة العربية، الصجافة. ذلك أن الاستعمار في سبيل تثبيت دعائم سلطانه كان يهدف إلى تغيير مفاهيم الفكر العربي الإسلامي في كل هذه الميادين، واحلال مفاهيم جديدة، غير مرتبطة أدنى ارتباط بالماضى ولا بالشخصية العربية، ولا جارية على سنة التطور الطبيعي. وانما كان يهدف في الأساس إلى خلق جو من البلبلة والاضطراب والتمزق، وخلق كتل فكرية متصارعة ومدارس متعددة، وثنائية في مختلف الميادين الفكرية ودعوات تجرى إلى الوراء فتتعلق بالماضى المدفون محاولة ايقاظه واتخاذه أساسا لحضارة أو حياة، والعمل على تمزيق الجبهة الموحدة واثارة الخلاف بين الأديان، واثارة الصراع بين مذاهب الأديان وبعث خلافات قبلية وطائفية وجنسية. وكان يركز على "الدين" كأساس للثقافة العربية بغية التشكيك فيه، ويعمل على تشويه "التاريخ" باعتباره التراث الذي يربطنا بأمجادنا وبطولاتنا حتى ننظر له نظرة الاستهانة. ويرمى إلى القضاء على "اللغة" بتقوية اللهجات أو اللغة العامية المحلية وهو بذلك يرمى إلى القضاء على أساس الوحدة التي تربط الأمة العربية من ناحية الدين والتاريخ واللغة. وكان "التعليم" أداة من أدوات هذا الغزو الثقافي فقد فرض معاهد الارساليات في مختلف أنحاء الوطن العربي وبذلك خلق ثنائية التعليم وعن طريق هذه المعاهد والجامعات بث آرائه المسمومة في اللغة والدين والتاريخ والحضارة. وعن طريق" السياسة" خلق أسلوب المنفعة للقضاء على أسلوب الوطنية الخالصة، وأحل الحزبية محل الوحدة، وأقام الصراع بين الأحزاب المختلفة باسم النظام النيابى الغربي الحديث وذلك ليصرف النظر عن الهدف الأول وهو تحرير الوطن، وحتى لا تقوم جبهة موحدة في الوطن لمقاومته الا اذا شاء هو أن يخلق هذه الجبهة لتوقيع اتفاقية يحرض على أن يضم اليها كل العناصر ليكون كلا منها ملزما بتنفيذها اذا ما تولى الحكم. وعن طريق "الصحافة" قامت حركة التغريب، فقد ظهرت صحف متينة البناء رأسية الأساس مستمرة لا تغلق ولا تعطل، وكانت هذه الصحف في رعايته وتمويله ويظهر بعضها هدفه صريحا ويخفيه الآخر، والذى يخفيه أشد خطرا من الذي يظهره، قد أفسحت هذه الصحف صدرها لمختلف الآراء والنظريات والمذاهب من رجعية وتقدمية وشيوعية ورأسمالية ومنحرفة ودينية وملحدة واباحية ومتحررة، وبذلك خلقت جوا عاصفا من البلبلة، يثير العقل ويقضى على روح الوحدة ويدفع دفعا إلى التفكك والتجزئة والانحلال ويخلق عشرات المعسكرات والمذاهب والدعوات. وبذلك لا يستطيع الوطن أن يندفع في طريق موحد، ويصعب حمايته من التيارات الغربية التي تعصف به، أما الصحف الوطنية الصادقة فقد كانت تعيش في مهاب الأعاصير تصدر ثم تنذر وتحاكم وتغلق، ولا تجد من المواد ما يدفعها إلى الاستمرار أو القوة أو التبريز في الميدان كغيرها فتظل لا تصل الا إلى قلة من القراء. ويظل للصحف الأخرى سيطرتها عن طريق مظهرها القوى ودوام صدورها واتساع انتشارها. وعن طريق الصحافة أذيعت آراء التغريب في الدين واللغة والتاريخ وحمت الصحافة المستعمر وعملائه وأفسحت صدورها لهم ودافعت عنهم، ولكن عن طريق الصحافة أيضا برزت روح المقاومة والنضال والدعوة إلى الحرية والوحدة والقومية العربية وحماية مقدرات الأمة والدفاع عن كيانها وتاريخها وأمجادها.

стр. 194

السياسة كان الاحتلال الغربي للوطن العربي بدء مرحلة جديدة بعيدة المدى في الحياة السياسية والاجتماعية والفكرية. كانت العربية واقعة تحت الاحتلال البريطانى الفرنسي - وهو الأغلب - تحت سيطرة الامبراطورية العثمانية. ولم يكن ذلك احتلالا بقدر ما كان ارتباطا قوامه الخلافة والسلطنة وقيام الامبراطورية التي تضم العرب والأتراك وتخضع لنظام اللامركزية. حيث يقوم في كل قطر حاكم أو سلطان يتبع السلطة العثمانية تبعية اسمية قوامها الدعوة للخليفة على المنابر وصك العملة باسمه وجباية الضرائب له. ثم يستقل كل قطر بعد ذلك بشئون حكمه وأنظمته. ولقد انفصلت مصر والجزائر في وقت مبكر جدا عن الامبراطورية العثمانية بعد احتلال بريطانيا للأولى وفرنسا للثانية في وقت بدأ النفوذ الغربي ينفذ إلى الوطن العربي كله ويسيطر عليه من خلال حكم الخليفة العثمانى عن طريق الامتيازات وحماية الأجانب وانشاء مدارس ومحاكم خاصة بهم ونظم مختلفة للضرائب والتجارة. ثم بدأت حركات الاصلاح الدستورى تأخذ صورة النظم الغربية في مصر وتركيا وتونس، وسبقت مصر إلى ذلك في نهاية حكم إسماعيل، ثم كان الدستور العثمانى الذي أصدره "مدحت" في أوائل حكم السلطان عبد الحميد ثم النكسة التي استمرت حتى عام ١٩٠٨ عندما صدر الدستور مرة أخرى وتوالت الدعوة في الوطن العربي إلى النظام النيابى الغربي. حتى كانت الحرب العالمية الأولى ودخول تركيا الحرب في صف ألمانيا واتفاق العرب مع بريطانيا على دخول الحرب في صفها مع الوعد باقامة حكومة عربية بعد الحرب ثم انسحاب بريطانيا من وعدها وتمزيقها الوطن العربي بالاشتراك مع فرنسا واحتلاله من ثم بدأت سياسة تقسيم الوطن العربي إلى أقطار وجرت محاولة تحويل الأقطار إلى أمم، ونشر دعوة مصر للمصريين والسودان للسودانيين وسوريا للسوريين. وهى دعوات مظهرها الوطنية ولبابها التجزئة. وأقام الاستعمار في الوطن العربي دعوات لهذه الوطنية الضيقة آزرها وأعانها، وضرب بها القوى الوطنية الثائرة التي دعت إلى الجلاء الشامل والاستقلال الكامل، ثم أسلم اليها زمام الحكم. ودعاها إلى توقيع معاهدات يعترف فيها بالاستقلال مع بقاء جيش الحماية وربطها معه في تحالف حربي، وسيطرة معتمدة على شئون الحكم واستعلاء سلطانه الفعلى على السلطان الشرعى وفرضه الأوامر على رؤساء الحكومات في صورة نصائح، ثم قيام دستور قوامه أنه هبة من الملك أو السلطان، فيتجه في مظهره إلى أن تكون الأمة مصدر السلطات ثم يعطى للملك سلطات واسعة يحقق له بها عزل أى وزارة وايقاف البرلمان وحله ثم يقوم وفق هذا الدستور حكم نيابى على أساس الصراع الحزبى بين أحزاب تتصارع من أجل الوصول إلى الحكم، وارضاء المستعمر والحصول على الغنائم السريعة، أما دعاة الوطنية والجلاء فتظل أحزابهم مبعدة عن الحكم أو يقضى عليهم بالمحاكمات والسجن والنفى لانهاك قواهم والجرى وفق النظام الحزبى وتعزيز الاقطاع وتمكين الحكام والوزراء من التوسع في السيطرة واستغلال الطبقات الفقيرة في الزراعة والصناعة، ويحكم الاستعمار في ظل النظام الدستورى العربي من وراء الوزراء الذين يرشحهم للملك ويفرض أعوانه فرضا في المناصب التي يختارها وعن طريقهم يحقق أغراضه ويملى سياسته عن طريق وزارة المعارف في مناهج التعليم وعن طريق وزارة الحربية في القضاء على القوة العسكرية وأغلالها والسيطرة عليها وعن طريق وزارة المالية في السيطرة على اقتصاديات البلاد. وقد حمل الفكر العربي الإسلامي لواء الدعوة إلى الوطنية الخالصة في مقاومة الاستعمار - كما حمل من قبل الدعوة إلى مقاومة الاستبداد العثمانى - وأقام في الأدب العربي الغافية ورفع معنويات الأمة ودفع اليأس عنها وتجنيدها للاستشهاد والدفاع عن الوطن ومقاومة الغاصب والأدالة منه، ومن أمثال هؤلاء مصطفى كامل في مصر وعبد العزيز

стр. 195

الثعالبى في تونس وأحمد طبارة في سوريا بأقلام نارية مؤمنة دفعت البلاد العربية إلى الذود عن بلادها وتقديم الشهداء والارتباط بالوطن الأم والقضاء على مؤامرات المستعمر. وقد وجد الاستعمار في أقطار الوطن العربي حلفاء أعانوه في القضاء على الروح الوطنية: أمثال سلطان باشا في مصر والملك عبد الله في الأردن والجلاوى في مراكش ونورى السعيد في العراق. كما حمل السلاح زعماء آخرون جاهدوا بالدم أمثال عمر المختار في ليبيا ومحمد عبيد في مصر ويوسف العظمة في سوريا وماء العينين وعبد القادر الجزائرى وعبد الكريم الخطابى في شمال أفريقيا.

стр. 196

- ٢ - قامت الثورات المختلفة في الوطن العربي نتيجة للتعبئة الفكرية والروحية التي قام بها قادة أبرار، وكانت هذه الثورات على الاستعمار تحمل لواء الدعوة إلى الحرية واجلاء الأجنبى واسترداد حق الأوطان في الحكم والحياة. ولقد قاوم الاستعمار هذه الثروات بالحديد والنار وقتل وشنق وسجن وأبعد مئات من الأحرار الذين قادوا هذه الثورات. وامتدت هذه الثورات وترابطت في الأقطار المختلفة فثورة مصر ١٩١٩ بعد الحرب العالمية الأولى كانت مقدمة لثورة ١٩٢٠ في العراق و ١٩٢٤ في السودان و ١٩٢٥ في سوريا. وكانت هذه الثورات في مفهومها مقدمة لتحرير هذه الأجزاء من الأوطان من الحماية ومن الاحتلال. وقد عمد الاستعمار إلى اطفاء نار هذه الثورات بوضع الماء على لهيبها المتقد، وتحويل هدفها والقضاء على روحها. فقد كان للمستعمر أعوان وعملاء أعدهم للدور الذي أطلق عليه الحكم الذاتي، ولم يرفع الاستعمار يده عن الحماية الا بعد أن درب عددا من أعوانه ليتسلموا زمام الحكم من بعده، وفي مصر مثلا كان حزب الأمة هو القوة التي خلقها الاستعمار البريطانى منذ بدأ الاحتلال ١٨٨٢ إلى ١٩٢٢ حين صدر تصريح ٢٨ فبراير الذي أعلن فيه استقلال مصر وكان في خلال هذه الفترة قد قضى على القوة الوطنية الفعالة التي كان يقودها مصطفى كامل ومحمد فريد حتى لم يعد لها من الشأن بعد الحرب، ما يمكنها من تولى شئون الحكم فضلا عن أنها كانت لا تؤمن بالمفاوضة الا بعد الجلاء الكامل وترفض تولى الحكم في ظل الاستعمار، أما هذه القوة التي أعدها خلال فترة ما قبل الحرب فقد كانت تؤمن بالالتقاء بالاستعمار في منتصف الطريق وقبول ما يرضى الاستعمار بالتنازل عنه تدريجيا، ولا يرى بأسا من تولى الحكم في ظل الاحتلال، لذلك كان اللقاء الأول بين ممثلى مصر وبين ممثلى بريطانيا بعد الهدنة بضم ثلاثة من حزب الأمة هم على شعراوى وعبد العزيز فهمى وسعد زغلول. وقد كانت ثورة ١٩١٩ في مصر هى عملية تفريغ للشحنة الوطنية والروحية والفكرية التي قام بها الحزب الوطنى والتي كانت تحمل معنى واضحا هو اجلاء المستعمر عن أرض الوطن. وقد هزت هذه الثورة العالم الغربي عامة وبريطانيا وكشفت عن روح المقاومة الباسلة، لذلك فان بريطانيا استطاعت أن تقضى على هذه الروح باعطاء مصر "الاستقلال" في ظل الاحتلال والسماح باعلان الدستور واقامة الحكم النيابى تحت سلطة المعتمد البريطانى وبواسطة أعوانه من رجال الأحزاب ولم تحقق ثورة عام ١٩١٩ ما كانت قد اندلعت من أجله، بل ماتت أهدافها وذوت وحل بدلها تيار عاصف من الغزو الثقافي والسياسى والاجتماعى الذي كان بعيد المدى في القضاء على الروح الوطنية الأصيلة وتحويلها إلى عراك سياسى وصراع حزبى حول الغنائم والأسلاب وكراسى الوزارة والبرلمان والى خلاف متضرم شامل حجب الهدف الأصيل وهو تحقيق الجلاء وبناء الوطن. ولعل هذه الصورة لثورة ١٩١٩ هى نفس الصورة لثورات الأقطار العربية المختلفة في الفترة التي تخلى فيها الاستعمار عن الحكم بنفسه وأوكل الحكم لأعوانه وعملائه. وقد تأثر الفكر العربي الإسلامي بهذا التطور فأصبح المثقفون خداما لدى أصحاب المصالح الحقيقية والاقطاعيين وأصبحت أقلامهم مؤجرة لأهدافهم، وظهر تجمع أكبر عدد من المثقفين في حزب واحد صنعه الانجليز بعد الاستقلال ليقاوموا به حزبا آخر يضم الأغلبية الساحقة، وكان جل أتباعه هم أعضاء حزب الأمة القديم الذي صنعه الاستعمار في ظل الحماية ليقاوموا به الوطنيين الذين قادهم مصطفى كامل ولم يكونوا في واقع الأمر حزبا بل كان الوطن كله. ولقد حرص الاستعمار بعد القضاء على الثورات الوطنية التي قامت في أنحاء الوطن العربي كله من المحيط إلى الخليج أن يقهرها بقوة الحديد والنار، وأن يحول

стр. 197

مجرى ثورتها دون أهدافها الطبيعية فيفرض على هذه الأوطان حكاما من أنصاره وأعوانه، مع ابعاد المجاهدين عن أوطانهم حيث أبعد خيرى باشا التونسى ومحمد فريد وعبد العزيز شاويش وعبد العزيز الثعالبى وسليمان البارونى (ليبيا) وشكرى القوتلى وشكيب أرسلان وعلى الغاياتي. لقد أراد هؤلاء أن يجعلوا قضية تحرير أوطانهم عالية، وكان مصطفى كامل هو أول من خرج بقضية مصر من النطاق المحلي، كذلك خرج شكيب أرسلان بقضية البلاد العربية وطاف عبد العزيز الثعالبى بالعالم الإسلامي مبعدا عن وطنه أربعة عشر عاما وطاف محمد فريد بأوربا وتركيا ثمان سنوات ومات مغتربا في برلين. ولكن الاستعمار حرص دائما أن يجعل من قضية كل عربي قضية محلية، في نفس الوقت الذي تضافرت فيه قوى الاستعمار على مقاومة الأحرار، وقد ظن مصطفى كامل نتيجة للخلاف القائم بين بريطانيا وفرنسا أن في استطاعته استغلال فرنسا للدفاع عن قضية مصر، غير أن الدولتين لم يلبثا أن عقدتا الاتفاق الودى ١٩٠٤ وأطلقت كل منهما يد الآخر في البلد الذي تحتله: فرنسا في تونس وانجلترا في مصر. بل أن تصريح ولسون الذي أعلن حق كل شعب في تقريره مصيره كان له هزة كبرى في مصر والعالم العربي فلما أبرق زعماء مصر اليه يطالبون تأييده أعلن ولسون أنه يوافق على بقاء بريطانيا في مصر، وحال الاستعمار دون توحيد جبهة العمل لتحرير الوطن العربي وكان فيصل عن سوريا وسعد زغلول عن مصر وعبد العزيز الثعالبى عن تونس في وقت واحد في مؤتمر الصلح، ولكن الاستعمار حال دون التقائهم، ورفض سعد زغلول توحيد جهاده مع العرب الذين يمثلهم فيصل، وقال أن ذلك سيحول بين بريطانيا وبين الاتفاق معه. ولذلك فقد لقى كل منهم الهوان وحيل بينه وبين دخول مؤتمر الصلح، فلما عاد إلى الدولة المحتلة ليتفاهم معها عرضت عليه عرضا مهينا، وكانت الشعوب أقوى من الزعماء، فان ملنر الذي جاء مصر ورفض أبناء الشعب الالتقاء به - اضطر سعد زغلول أن يجلس معه على مائدة للمفاوضة وقدم سعد مشروعا اعترف فيه بموافقة مصر على بقاء جيش الاحتلال خلف قناة السويس (وهذا نص المادة ٨ من مشروع سعد باشا إلى ملنر في ١٧ يوليه عام ١٩٢٠ "لبريطانيا العظمى اذا رأت لزوما أن تنشيء على مصاريفها بالشاطئ الآسيوى لقنال السويس نقطة عسكرية للمساعدة على ما عساه يحصل من الهجمات الأجنبية على القنال وتحديد هذه المنطقة يحصل بعد بمعرفة لجنة مكونة من خبراء عسكريين من الطرفين بعدد متساو) ". وهذا العرض يبين المدى البعيد بين مطالب محمد فريد الذي كان في هذه الفترة منفيا مريضا في احدى أزقة برلين، وبين عروض سعد باشا الذي كان يمثل وطنية ما بعد ثورة ١٩١٩ وهو أكبر وراثها، وقد رفض ملنر مشروع سعد باشا بالرغم من هذا، وأعلن في مواجهة وفد مصر: أن بريطانيا واضعة يدها على كل شيء في مصر وأنه لا ينقصها الا أن يكون ذلك شرعيا بموافقة وفد مصر وعرض ملنر: - منح بريطانيا (العظمى) حق ابقاء قوة عسكرية في الأرض المصرية لحماية مواصلاتها الامبراطورية. - تعين مصر بالاتفاق مع الحكومة البريطانية مستشارا ماليا يعهد اليه في الوقت اللازم بالاختصاصات المالية التي لأعضاء صندوق الدين. - تعين مصر بالاتفاق مع بريطانيا موظفا في وزارة الحقانية يتمتع بحق الاتصال بالوزير، ويجب احاطته بجميع المسائل المتعلقة بادارة القضاء فيما له مساس بالأجانب. - يمنح الممثل البريطانى مركزا استثنائيا في مصر ويخول حق التقدم على جميع الممثلين الآخرين. - ألا تعقد مصر مع أى دولة أى اتفاق الا بعد موافقة بريطانيا ولا تعين موظفين الا باذنها. وكان هذا هو ثمرة ١٩١٩ ومنهج ورائها. ومدى تطور المفاهيم الوطنية عن طريق القوى الجديدة التي سيطرت على الحكم في مصر بعد القضاء على الدعوة الوطنية المتحررة التي كانت تطالب بالجلاء الكامل. وقد عاش دعاة الحزب الوطنى في ظل المدرسة (الواقعية الجديدة) المؤمنة بالتعاون مع الانجليز موضع السخرية والتهكم من الأحزاب الحاكمة، لأنهم دعوا إلى "المفاوضة بعد الجلاء" ووجهت عبارات الهجاء العنيف إلى مصطفى كامل ومحمد فريد على اعتبار أنهما كانا خياليين مغرقين في أوهام.

стр. 198

وهكذا تحولت مفاهيم السياسة إلى احتقار الدعوة الوطنية الخالصة، وتغليب روح التفاهم مع الاستعمار وخلق جو من "الصداقة" بين الاستعمار والحكام. ولكن الشعب ظل على عدائه لهم جميعا، فقد كان معروفا أن القوى الثلاث: الملوك والحكام والانجليز يسيرون في خط واحد يرسمه الاستعمار نفسه فالاستعمار هو الذي يحمى العرش ويفرض الوزراء ويغيرهم. وقد تكثف "نقل" الأنظمة الغربية الديمقراطية في الحكم عن نتائج فاشلة، حيث كان البون شاسعا بين مدى صلاحية هذه النظم للوطن العربي وقيامها على أساس غير سليم هو بقاء جيش الاحتلال وسلطان المعتمد البريطانى وسلطة الملك. ولم تكن هناك غير قوة واحدة هى قوة "الشعب" التي تبددت وراء انقسامات الأحزاب وصراعها وتحولت عن مفاهيمها الأولى الصادقة الايمان بالحرية والوطنية إلى المنفعة، وتحصيل مكاسب الحكم مما أدى إلى الانهيار في مفاهيم القيم وغلبة روح الأنانية والانعزالية، وظهور طبقة جديدة من الحكام المترفين الذين انفصلوا عن الشعب واستغلوه وحكموا باسمه ولحساب مطامعهم، ولقد كانت قوة الشعب تستعيد مراكزها في المقاومة على فترات متباعدة فتتجه إلى عمل من أعمال المقاومة فاذا حصدها رصاص الانجليز وساقها إلى السجون توقفت ثمة حتى يتجمع مرة أخرى لمعركة جديدة. وظلت هكذا بين القوة والضعف والاقدام ولكنها لم تمت.

стр. 199

- ٣ - سيطر الاستعمار على أقطار الوطن العربي بواسطة أربع قوى: الملوك، المعتمدون، المعتمدون غير الرسميين، العملاء، والأحزاب، الأقلام والصحف. (١) الملوك: أما الملوك فقد كانوا دائما أدوات استعمارية صالحة، ففى مصر مثلا ادعى الانجليز أنهم احتلوا مصر لحماية عرش الخديو. وقد كان الملوك والسلاطين والخديويين في الوطن العربي في خدمة الاستعمار. وأسقط الاستعمار كل الملوك الذين عملوا لمقاومته، كما حول الآخرين إلى صفة كما فعل بالخديو عباس الذي احتضن الحركة الوطنية فلما أرسلت له بريطانيا المعتمد البريطانى "ونجت" بسياسة الوفاق أعطى ظهره للحركة الوطنية وقاومها. ولقد قاوم الاستعمار أى انحراف في الملوك سواء أكان لرفض تعيين رئيس وزراء معين كما وقع في حادث ٤ فبراير ومحاصرة قصر عابدين بالدبابات أو على النطاق الوطنى الحر كما فعلت فرنسا مع الملك محمد الخامس الذي ظاهر حركة التحرير في بلاده فأجبره الاستعمار على النفى ثم اضطر إلى اعادته تحت ضغط قوة المقاومة الوطنية. وللملوك والسلاطين قصة، فقد تعاقدت بريطانيا مع عشرات منهم في الجنوب العربي على نحو ذليل يعطى لبريطانيا الحق في فرض سلطانها على كل شيء في مقابل مرتبات قليلة وارتباط بالاستعمار البريطانى مدى الحياة. وكان موقف بريطانيا من الشريف حسين غاية في التآمر والخداع، فقد تفاهمت معه بواسطة مندوبها مكماهون في مصر على الانفصال عن الأتراك والانضمام لها في مقابل اقامة دولة عربية بعد انتهاء الحرب. ثم تبين بعد اعلان الثورة خداعها له فاذا ما انتهت الحرب تفكرت لوعودها، فاذا ما اختلف معها الشريف حسين ورفض قبول "وعد بلفور" أغروا به الملك عبد العزيز آل سعود الذي اجتاح الحجاز وأسقط مملكة الهاشميين. وقصة الملك فيصل ملك سوريا ثم ملك العراق معروفة، فقد أذعن الملك لانذار القائد الفرنسي" غورو" وحل الجيش السورى فلما تحركت القوات الفرنسية لاحتلال دمشق هرب وترك الوطن يقاسى عقوبة الاستعمار القاسية بدون مقاومة. ثم رشحه الاستعمار لعرش العراق وهيء له السبيل وأبعد أهل البلاد الأصليين - وكان في ذلك انما ينقل الملوك من قطر إلى قطر كقطع الشطرنج، فلما وصل إلى العراق كان المعتمد البريطانى يرسى كوك هو الحاكم الحقيقى وقد سئل جلالته في أن ينشيء جامعة في بغداد فكان اعتذاره صورة لفهم الملوك لمكانهم من الاستعمار حيث قال: أننى موظف في الحكومة البريطانية برتبة ملك .. وقد رأى كيف أذل الاستعمار والده الملك حسين حين رفض الموافقة على وعد بلفور وأغرى به الملك سعود ليحتل ملكه فقبل التفاهم مع "وايزمان" ممثل الصهيونية وأعلن في تصريحات له بأن فلسطين تقبل اليهود اخوانا للعرب بها! وقد تنبه الاستعمار للجيل القادم من الملوك ففرض تعليم أولياء العهد في بلاده. وقد اضطر الملك فؤاد أن يسلم ابنه لتربية بريطانية، وكذلك فعل مع فيصل بن الملك غازى والملك حسين بن طلال. وكذلك فعل الاستعمار الفرنسي. ٢ - المعتمدون: اختارت بريطانيا وفرنسا لسيطرتها على أقطار العالم العربي معتمدون مدربون غاية في المكر والدهاء. كان أبرزهم كرومر في مصر وليوتى في المغرب وغورو في سورية وولكوكس في العراق وجلوب وصمويل في الأردن وهور في فلسطين وغردون في السودان وجزريانى في ايطاليا. ولقد قام هؤلاء وعشرات غيرهم بدورهم في دعم الاستعمار وتأكيد الغزو الثقافي وارتبط تاريخهم بأسوأ أعمال الاستعمار، فكرومر صاحب دنشواى وجزيريانى قاتل عمر المختار وليونى صاحب دعوة فرنسة العرب في المغرب وتجنيسهم وقام كرومر في مصر بدور ضخم في بناء أسس الاحتلال وكان نهجه التدخل الانجليزى في كل فرع من فروع الادارة المصرية ورسم خطة انسحاب الجيش

стр. 200

المصري من السودان ثم استعادته بقيادة كتشنر وقضى على المعارضة الفرنسية للاحتلال بتوقيع اتفاق ١٩٠٤ وبقاء قواعد اتفاقية ١٨٩٠ مع مصر وبها سيطر الانجليز على السودان كله وفرض على كل وزارة مستشارا انجليزيا يملى على الوزير، وفي وزارة الداخلية مفتشون يسيطرون على المديرين وهو صاحب سياسة التفرقة والوقيعة بين المسلمين والأقباط وتقسيم الأمة إلى أحزاب وشيع، والتفرقة بين مصر والسودان. وهو صاحب الدعوة إلى نظام رأسه انجليزية ويديه مصرية. وهو صانع زعماء حزب أمة، ومن الحكام أمثال مصطفى فهمى الذي وصفه بالشجاعة الأدبية والاعتدال. وصهره سعد زغلول وهو القائل بأن الاستعمار البريطانى يبقى في مصر إلى الأبد. وقد سيطر كرومر على القضاء فبعد أن كان القانون يحمى الفرد من بطش أية سلطة اذا نشر آراءه السياسية أصدر قانونا أصبح به القضاة الابتدائيون تحت نفوذه في محكمة الاستئناف وحولها إلى القضاه الابتدائيون بعد السلطة الادارية، ثم نزع الاختصاص من قضايا الجنح بعد أن نزع استقالهه. ونزعت سلطة القبض والتحقيق والاتهام من القضاء وتقررت للنيابة ١٨٦٥ وبذلك أصبح المواطن خاضعا للقبض عليه والتحقيق ضده واتهامه والحكم عليه بواسطة قضاة كلهم خاضعون للسلطة الادارية تحت اشراف الانجليز. وقد صور كرومر أثره في مصر (١٨٩٢) فقال: من يقارن الحالة الحاضرة بالحالة التي كانت عليها مصر منذ عشر سنوات يجد فرقا شاسعا، فالشوارع التي كانت مكتظة بدكاكين مملوءة بالبضائع الأوروبية والآن أقول أن كل شيء في مصر يدخل في امتياز ممنوح لاحدى الشركات الأوروبية ومصر الآن تزرع القطن وبريطانيا تصنعه. وكان أبرز أعمال كرومر نظام وظائف المستشارين الانجليز وهو النظام الذي وضعه على أساس قاعدة رءوس انجليزية وأيد مصرية. فقد وضع في كل وزارة مستشار، وهو اسم مبهم يفهم منه أن هذا الموظف الأجنبى سيكون رأيه استشاريا بينما كان في الواقع هو كل شيء ولم يكن يستطيع أى وزير أن يقضى في أمر اذا لم يكن قد حظى بتوقيع المستشار وقبوله. وبذلك سيطر كرومر بواسطة جهازه هذا على جميع تصرفات الحكم. وقد بسط هؤلاء المستشارين النفوذ الانجليزى بجميع الوسائل وأهمها الاكثار من الموظفين الانجليز وباحلال انجليزى محل كل موظف أجنبى فرنسيا أو ألمانيا. وقد طاردوا كثيرا من رجال التعليم الفرنسيين بقصد صبغ جميع فروع التعليم بالصبغة الانجليزية. وجعل القوانين المصرية ولاسيما القانون الجنائى انجليزيا وجعل المرافعات باللغة الانجليزية بقصد القضاء على اللغة العربية والمظهر القومي ... وقد كان الوزراء يخضعون خضوعا تاما لتعليمات المستشارين، وكانت كل قرارات العقوبات والغرامات تنفذ بواسطة الموظفين المصريين ثم يكون رفع هذه المظالم بواسطة كرومر ورجاله، وذلك حتى يقع في أذهان الناس أن الاستعمار عادل وأن أبناء الوطن هم الظالمين وقد تمسك لورد ملنر في مفاوضاته الأولى مع سعد زغلول ببقاء المستشار القضائى ولو باسم آخر على أن يكون له حق الدخول على وزير الحقانية ويؤخذ رأيه في كل ما يتعلق بالتشريعات التي تطبق على الأجانب وكذلك المستشار المالي. وكان "دنلوب" مستشار كرومر في وزارة المعارف من أقسى هؤلاء المستشارين وأشدهم حرصا على هدم اللغة العربية ومحاربة الأزهر ومقاومة التاريخ الوطني. *** ٣ - المعتمدون غير الرسميون وكان الاستعمار في الوطن العربي معتمدون غير رسميين، وكان هؤلاء أشد خطرا من معتمديه الرسميين نظرا لأنهم كانوا يتغلغلون في الوطنين ويحاولون خداعهم بأنهم أصدقاء للعرب يؤمنون بحقهم في الحرية، من هؤلاء فيلبى ولورنس وبلنت وقد عمل فيلبى مع الهاشميين أولا ثم عمل مع السعوديين. أما بلنت فهو صاحب الوساطة في تخفيف الحكم على عرابى من الاعدام إلى النفى واستخدام المحامين الانجليز للدفاع عنه وصديق الشيخ محمد عبده. أما لورنس فان قصته غاية في الاثارة. فهو البريطانى الذي وصف بأنه ملك العرب غير المتوج والذى كان له دوره الخطير في الثورة العربية التي أعلنها العرب بقيادة الشريف حسين ١٩١٦ وقد أرسله الانجليز ليعاون فيصل في الحرب مع الأتراك وقد شهد معه المعارك التى

стр. 201

بدأت من العقبة حتى دخول الجيش البريطانى إلى القدس ودمشق، وكان له دوره في خداع العرب عن حقائق الموقف وعن المؤامرة التي كانت تدبر له بتقسيم وطنهم واهمال المقررات التي تم الاتفاق عليها بين مكماهون والشريف حسين وبذلك ضاعت آمالهم في قيام دولة عربية. وقد خدع العرب بزيه وعقاله، وتحدثه باللهجة العربية المنتشرة في قلب جزيرة العرب. وفضح بكتابة أعمدة الحكمة السبع حقيقة مشاعره نحو العرب ورماهم بكل نقيصة وقال: لو كنت ناصحا أمينا للعرب لقلت لهم (لا تحاربوا). واشترك لورنس في تقسيم العالم مع "تشرشل" واقامة الصهيونية في فلسطين ودخول فرنسا دمشق واخراج فيصل ثم اختياره لعرش العراق والتمهيد له بانشاء امارة شرق الأردن للأمير عبد الله. وكانت مهمة جلوب في الأردن الاتصال بالبدو والأعراب واجتياز الصحراء شرقا وغربا، ولذلك فقد أجاد اللغة العربية الفصحى ولهجات القبائل المختلفة وعادات العرب واستطاع اكتساب ثقة الأعراب الذين يجوبون الصحراء وقد نجح في حجزهم عن الاتصال بالثورة في فلسطين. *** ٤ - العملاء وكان العملاء في المنطقة من أعوان الاستعمار وأدواته. وعن طريقهم حكم وتسلط وضرب الوطنيين. ويعد سلطان باشا في مصر نموذجا لهؤلاء العملاء فهو الذي مهد للجيش البريطانى الزحف على القتل الكبير وصاحب الأعراب الذين كشفوا الطريق لمعسكر عرابى في التل الكبير. وكاتب بعض مشايخ العرب والعمد، ومن لهم شأن يمنيهم بالخلع والرتب والأوسمة. ومنحته الحكومة عشرة آلاف جنيه وكافأته الحكومة الانجليزية بنيشان القديسين: جورج وميشيل ووضعه على صدره السرمالت قنصل الانجليز بالنيابة عن جلالة الملكة فيكتوريا. وقد وصفه الشيخ محمد عبده في مذكراته: بأنه الهمام الوطنى الذي أوقد نار الفتنة في البلاد وجمع لها وقودها وحطبها حتى امتد لهيبها وعم جميع الأنحاء ثم هرب من طريقها عندما خاف أن يلدغه لسان لهيبها، وجاء في آخر الأمر نائبا عن الحضرة الخديوية في حبس كثير من الناس ولم يفرق بين الأبرياء وغيرهم ونال المكافآة من الجناب العالى بالاحسان جزاء ايقاد الفتنة ثم الهرب منها". ومن عملاء بريطانيا من الوزراء: حسين رشدى الذي دفع مصر في الحرب العالمية الأولى إلى جانب الانجليز وجند مليونى عامل مصري في ساحات القتال واقتطع غلات المصريين وأقواتهم ليمون بها جيوش صاحب الجلالة البريطانية وحلفائه وعمل على تقييد أسعار القطن. وقدمت مصر ملايين الجنيهات إلى بريطانيا، واعادة الموظفين الانجليزيين بأضخم المرتبات والاستغناء عن بعض الموظفين الانجليز مقابل غرامة باسم التعويضات التي كلفت مصر ملايين الجنيهات وفتح أعمال المنشآت الجديدة لخدمة بعض المصالح الانجليزية وتقديم الاحتكارات والرخص والامتيازات والاعانات للشركات الانجليزية في مصر وتسخير التعريفة الجمركية لخدمة التجارة الانجليزية في مصر على حساب المصريين والتسليم للانجليز باقتطاع الأراضى المصرية لها تارة ولحليفتها ايطاليا تارة أخرى. *** ٥ - الأحزاب كانت الأحزاب السياسية في العالم العربي أداة من أدوات الاستعمار فان الدعوات الوطنية إلى مقاومة الاستعمار التي بزغت في العالم العربي بصفة عامة وفي الأقطار المختلفة لم تكن في حقيقتها أحزابا ولكنها كانت قوى وطنية كاملة، غير أن الاستعمار حرص على أن يسبق فيجمع أعوانه من كبار الاقطاعيين وأصحاب الأرض والمال في أحزاب قوية تصدر الصحف وتجهر بدعوتها في وضوح. ولم تكن هذه الدعوة مكشوفة لتأييد الاستعمار، ولكنها كانت لبقة تدعو إلى تغليب العقل على العاطفة، ومحاولة الاستفادة من كسب كل ما يعطيه المحتل، ولذلك فان محاسنته عندهم هى الطريق الصحيح وليس الطريق الآخر القائم على العاطفة من ناحية والتطرف في المطالبة بالجلاء الكامل. وفي مصر عندما التف المصريون حول "مصطفى كامل" أسرع كرومر بانشاء حزب الأمة وأصدر صحيفة الجريدة التي دعت إلى التعقيل والمحاسنة.

стр. 202

وقد تكررت هذه التجربة في كل قطر: في سوريا وتونس والعراق. وكانت الأحزاب أداة تحويل المعركة الوطنية إلى معركة سياسية، ومنازعات داخلية، فتوزعت بذلك قوى الأمة وتبددت وحدة الشعب، واستدعى ذلك أن يستعين البعض بقوة المستعمر على البعض الآخر واستطاع المحتل أن يوسع الشقة وأن يعين هذا على ذلك، وتعرضت قضية الوطن لأبلغ الخطر واستتبع ذلك الانحدار الاجتماعى من الأهداف الوطنية العليا إلى المصالح الفردية: وقد قامت هذه الأحزاب على الأشخاص لا على المناهج فلم يكن لها برامج محددة. وفي مصر كان مصطفى كامل يطالب بالجلاء، بينما حزب الأمة لم يورد في منهاجه الذي أعلن شيئا عن الجلاء أو الاستقلال أو الحرية، وانما أورد هذا البدأ "أن نوجه همنا ونصرف قوانا للحصول على حقنا الطبيعى وهو الاشتراك مع الحكومة في وضع القوانين والشروعات العامة وذلك بالسعى في توسيع اختصاص مجالس المديريات ومجلس شورى القوانين" وهذا مدى ما كان يطلب حزب الأمة. وفي فلسطين كان لصراع الأحزاب أثره البعيد في سيطرة اليهود وتمكنهم من الانقضاض عليها. وقد استغل الانجليز واليهود الخلاف بين أمين الحسينى وفخرى النشاشيبى وسعت بريطانيا لتعميق هذا الخلاف وتوسيع شقيه. *** ٦ - الصحافة وقد استغل الاستعمار الصحافة، وكانت له في معظم البلاد العربية صحف تعمل لحسابه في صراحة وصحف تعمل له في الخفاء، وفي بعض الأقطار كانت هناك صحف لبريطانيا وصحف لفرنسا، وكان بين هذه الصحف صراع خفي، وكانت الصحف الموالية لفرنسا في الأقطار التي احتلتها بريطانيا تعرض اتجاهات بريطانيا وتصرفاتها وتحمل بذلك لواء الدعوة الوطنية ظاهرا بينما هى تدافع عن مصالح فرنسا. وفي مصر كانت صحيفة "المقطم" تتحدث صراحة عن دورها في تأييد الاحتلال البريطانى ولها في ذلك فلسفة عجيبة. وقد كشف المقتطف - وهو شقيق المقطم - عن هذا الدور تحت عنوان تشيع المقتطف للانجليز (عدد يوليو ١٩٠٥) "يرءون المقتطف بالتشيع للانجليز. ويقولون أنه لا ينوء الا بالانجليز ولا يعترف بالفضل الا للانجليز ولا يستحسن الا ما هو انجليزى وبهما حملة هذا الغلو في حب الانجليز على استحسان ما يستقبح من غيرهم ويشهدون على الأول باغضائه عن ترجمة حول سيمون الفيلسوف الفرنسي والسيد جمال الدين الأفغاني. وقال الدكتور صروف: أن أكثر مطالعاتنا في اللغة الانجليزية فنرى الترجمات المطلوبة فيها وهى في الغالب عن رجالها، أما جمال الدين فعذرنا في اغفال ترجمته هو أننا لا نعرف الرجل ولم نقرأ له الا كتيبا لا يستحق لأجله مدحا. وتحدث المقتطف عن الاستعمار البريطانى (يونيه ١٩٠٤) واعتذر لهم عن أنهم احتلوا أقطار الشرق بأن "بلاد الانجليز جزائر. ليس فيها من الحاصلات الزراعية ما يكفى أهلها فلما كثروا اضطرا أن يركبوا البحار ويتجروا بمصنوعاتهم فأوصلتهم التجارة إلى أمريكا والهند وأفريقية واتفق أن بعض البلاد التي دخلوها كانت أحكامها مختلة معتلة أو كانت خالية من الأحكام فكانوا يضطرون أن يلجأوا إلى القوة دفاعا عن أنفسهم، والقوة تدعو إلى الغلب والتملك". وبرر الدكتور صروف الاحتلال البريطانى في مقتطف (يناير ١٩٠٧) فقال: أن "الذى جرى عليه أهل السياسة حتى الآن أنهم دخلوا بلادا امتلكوها كما فعل الأتراك لما دخلوا القطر المصري والسورى وكما فعل محمد على عندما دخل السودان فانه امتلكها بحق الفتح. أما الذي فعله الانجليز في القطر المصري والقطر السودانى فبين بين، لأنهم دخلوا القطرين واحتلوهما ولم يمتلكوهما بل اقتصروا على مساعدة الوطنيين في ادارة شئون البلاد، ولقد كان الداعى إلى دخولهم القطر المصري اختلال الأمن فيه وخوف أصحاب الديون المصريين على أموالهم. وأكثرهم من الانجليز والفرنسيون، ولما استقل السودان عن مصر وسار بلادا مطموعا فيها لو لم تسترده مصر بمساعدة انكلترا لفتحته فرنسا أو أى دولة أخرى وضمته إلى أملاكها وتحكمت بالنيل على أسلوب يجعل القطر المصري في قبضة يدها وتحت رحمتها فقامت بريطانيا وساعدت مصر على استرجاع السودان وقد استفاد

стр. 203

القطر المصري والسودان بالاحتلال فوائد لا تقدر". وقال الدكتور صروف "أن احتلال بريطانيا لمصر دفعها إلى التقدم (أغسطس ١٩٢١) ولو لم يحتل الانجليز القطر المصري لبقى سائرا سيره الطبيعى كما كان سائرا حينئذ فليس في كل قواميس الكون وقوانين العقل ما يجعلها تحكم أنه كان يتقدم على سوريا ويتركها وراءه بمراحل كثيرة. وقال فارس نمر (مارس ١٩١٠ المقتطف) أن كانوا يعيرونى أنى اعترفت للاحتلال بالاصلاح وللمحتلين بأعمال حسنة في هذا القطر فأنا على رؤوس الأشهاد احتلالى من أكبر الاحتلاليين لأنى جاهرت وشهدت ولم أخف ولم أنكر أن المحتلين أصلحوا هذا القطر اصلاحا عظيما، ونشروا عليه ألوية العدل والحرية وأنهم رقوه ماديا وأدبيا. وقد استقرت الأفكار على أن الاحتلال لابد وأن يدوم حتى ترتقى الأمة المصرية في المعرفة والعلم والقوة والكفاءة لتدبير أمورها وتولى شئونها بنفسها وذلك يستغرق زمانا طويلا". ويصور المقطم (مايو ١٩١٠) كيف تنال مصر الحكومة النيابية فيقول: أن مطالب الحزب الوطنى المتعلقة بالدستور من أشرف المطالب وأجلها، فنحن لا نذم غاية الحزب الوطنى بل غيرها ظاهرا وباطنا. والسبيل الذي نال به العثمانيون دستورهم يتعذر نيل الدستورية في القطر المصري. لأن أحوال القطر المصري مخالفة لأحوال تلك البلدان. أن للقطر المصري علاقات خصوصية بالأوروبيين تجعل نليلنا الدستور التام رغما عنهم صعبا جدا وان لم يكن ضربا من المحال. وقد اعترف لورد كرومر في كتابه مصر الحديثة أن ماليى أوربا الذين يملكون الدين المصري هم الذين ألجأوا الحكومة الانجليزية إلى محاربة عرابى واحتلال القطر المصري وديون هؤلاء الأوربيون لم ينقص من ذلك الحين إلى الآن بل زادت. للأوربيين في أوربا ١٥٠ مليونى وللأوربيين ف مصر ٦٠ مليون أى ما يوازى ثلث ثروة هذا القطر. هؤلاء الدائنون لم يأتمنوا غير انجلترا على حفظ ديونهم فألجأوها إلى ارسال جنودها لاخماد الثورة العرابية واحتلال القطر المصري. فعلينا أن نقنع الأوربيين عموما والانجليز خاصة أننا كفؤ لحفظ الاصلاح الذي تم في البلاد، وكفئو لحفظ أموالهم ومصالحهم وتأدية الفوائد والأقساط في مواعيدها وذلك بأن نسالم الأوربيين ونصادقهم على قدر الامكان وأن نناظرهم في الاجتهاد وأن يهتم كل موظفى الحكومة بعمل ما يطلب منهم بأمانة واخلاص حتى نثبت أنه أكفأ للوظائف من الأوربيين. وأن ننشر الأمن والاطمئنان في البلاد. وهذه السكة قد تكون طويلة نقطعها في سنوات كثيرة، وقد تكون قصيرة نقطعها في سنة أو سنتين. وأعتقد أن عقلاء الحزب الوطنى وحزب الأمة والحزب الدستورى يوافقوننا على ذلك. والحكومة النيابية الحقيقية لا تنال في القطر المصري بالثورة والمغاضبة بل ما نرى". هذه هى فلسفة الاستعمار البريطانى في مصر كما رسمتها أقلامه في المقطم والمقتطف في دعوة إلى الذلة والاستسلام والخضوع، وهو نفس المنهج الذي سارت عليه "الجريدة" لسان حزب الأمة والتي كانت تدعى أنها للمصريين وليست للانجليز ولا للخديوى كما ظهر كتاب أشادوا بالامبراطورية البريطانية وركزوا على ضرورة تأكيد الصداقة معها. *** ٧ - المقاومة كانت هذه القوى تعمل في طريق واحد هو القضاء على الوحدة العربية بين الأقطار التي فصلها الاستعمار وجزئها، والقضاء على الوحدة الداخلية أيضا بين أبناء القطر الواحد. ومحاولة خلق حياة فكرية اقليمية ضيقة تقوم على أساس اللهجة الاقليمية والانفصال عن اللغة الفصحى، وانكار القيم الأساسية للشخصية العربية كالتاريخ والدين. وفي القضاء على اللغة والتاريخ والدين قضاء على القوة النابضة التي تدفع إلى الحرية والمطالبة بالجلاء وتخليص الكيان. وكان لسيطرة الاستعمار على الصحافة والتعليم ووسائل الاعلام أثره في اشاعة روح جديدة تقوم على أساس النظر إلى الغرب نظرة الاكبار والنظر إلى الشرق نظرة الاحتقار، ومؤدى هذه النظرة محبة الغرب

стр. 204

والارتباط به واعتبار الاستعمار صلة حضارة وتمدين وليست صلة تسلط واستيلاء، مع اكبار ثقافة الغرب القائمة على أساس الإلحاد والاباحة والمادية والتنكر للقيم الروحية والانفصال تدريجيا من الشرق والعروبة. والنظر إلى التاريخ العربي نظرة الشك والتهكم. وبذلك يركز الاستعمار قواعده ويبقى إلى الأبد كما كان يطمع كرومر في مصر. غير أن القوة الروحية والوطنية قد استطاعت أن تنفذ خلال هذا الضباب الكثيف، وأن تشق طريقها في مقاومة عزلاء من جميع أسلحة الاستعمار القوية الضخمة فكشفت عن خداع الاستعمار، وأظهرت خيانات الملوك والأحزاب وأعوان الاستعمار وعملائه، وتركت "ميسلون" في سوريا و"دنشواي" في مصر وأمثالها في السودان والمغرب جروحا دامية في ضمير البلاد العربية لم تلتئم، وقد ظلت تثير على الاستعمار وأعوانه روح السخط، وقاومت الصحافة الاستعمارية صحافة وطنية كانت أقلامها أشد ايمانا وصدقا. وأبعد أثرا في النفس العربية، وقد كانت كلمة الحق والكلمة الوطنية بعيدة الأثر في القضاء على القضايا الزائفة والأكاذيب وصنوف الخداع. وفشلت كل معارك القضاء على اللغة العربية أو الدين أو التاريخ وتحطمت قضية اقامة صداقة بين البلاد العربية والاستعمار، وارتفعت الصيحات في كل مكان بالثورة على الاستعمار وأعوانه فاذا أخمدها الاستعمار، تحولت ال ضرام قوى يتصل بالشعب عن طريق الصحافة والكتابة والخطابة ويترتب الفرص ليتجمع جديد. وفي شوارع مدن عربية كثيرة ارتفعت النداءات بخيانة الملوك وخيانة زعماء ظلوا سنوات طويلة يخدعون شعوبهم، وفي ميادين عامة وأمام مساجد مقدسة قتل ملوك ووزراء خانوا أوطانهم: ولم يستطع الاستعمار أن يحمى أعوانه الخونة فحاسبهم الشعب. وفي ظروف كثيرة فرض الشعب سلطانه فمنع المستوزرين من تولى الحكم حتى تجاب مطالبه، واندفعت أيد حرة سوداء على الخونة فحررت الأوطان من كثير من العملاء. وظلت هذه القوة الوطنية المؤمنة حية نابضة مهما حيل بينها وبين الظهور. وحاولت الأقلام أن تبلغ كلمة الحق مهما حيل بينها وبين اعلانها فكانت النشرات والصحف السرية والكتابات الرمزية. وكان لقضية فلسطين وخيانات ملوك العرب فيها أثرها الكبير في تاريخ روح الوطنية والدعوة إلى الوحدة في سبيل مقاومة الخطر. وتنادت أجزاء الوطن العربي في شعرها ونثرها بالرغم من حواجز الاستعمار وخرج زعماء أبرار فطافوا أنحاء العالم يكشفون مظالم الاستعمار وينددون به. وتلاقت طوائف المسلمين والمسيحيين في مصر في وحدة وطنية، كما تلاقى العرب والبربر في شمال أفريقيا لمواجهة الاستعمار الذي كان يسعى للتفريق بينهما، وكشف الشعب خدعة الأحزاب السياسية وفشل النظم النيابية الغربية القائمة في ظل جيوش الاحتلال وسلطان المندوب البريطانى ولم تنطل كلمات المقطم والمقتطف على الشعب الذي كان يعرف حقيقة طريقه. ووجد الفكر العربي من هذه المعركة حصيلة ضخمة وزادته قوته حياة وزادت معالمه قوة، وقد أفاد الفكر العربي من هذه المعارك أنه جدد نفسه، وأضاف لعمله دعائم جديدة في سبيل دعم خطته والانطلاق في طريقه محافظا على مقوماته متصلا بالحياة متطورا مع الزمن.

стр. 205

- ٢ - الدعوة إلى الوحدة العربية كانت "الدعوة إلى الوحدة العربية" هى أبرز المعارك السياسية خلال ما بين الحربين، فقد حرص الاستعمار على القضاء على الفكرة والحيلولة دون قيامها وذلك باقامة النظم الاقليمية واذاعة الدعوات الانفصالية المختلفة. وقد كانت "البلاد العربية" خلال الحرب تتطلع إلى أن تصبح دولة قوية بعد انفصالها عن تركيا العثمانية ومؤازرتها للحلفاء على أساس وعود وعهود. غير أن نهاية الحرب العالمية الأولى كشفت عن مؤامرة كبرى ذات شقين: - تقسيم البلاد العربية إلى أقطار تحت الانتداب الفرنسي والبريطانى بمقتضى معاهدة (سايكس بيكو). - اعلان تصريح بلفور بقيام وطن قومى لليهود في فلسطين ولم تلبث هذه الخطة أن قضت على الدولة الهاشمية في الحجاز وسيطرة السعوديين على الحجاز. ثم قيام عرشين هاشميين في العراق لفيصل وفي الأردن لعبد الله. وقد حرص الاستعمار الانجليزى أن يحجب مصر عن "دعوة القومية العربية" التي كانت سوريا هى مقرها الأصلى وموئلها حيث قدمت شهدائها وضحاياها. وكانت مصر قد تخلصت من سيطرة حكم العثمانيين منذ سقطت تحت الاحتلال البريطانى عام ١٨٨٢ وبذلك لم تشهد المعركة التي خاضتها الشام (بأجزائها الثلاثة: سوريا ولبنان وفلسطين) والعراق والتي كانت المصدر الأساسى لانفصال العرب عن تركيا. وفي مؤتمر الصلح رفض سعد زغلول أن يندمج مع العرب بزعامة فيصل في سبيل الوصول إلى حق "تقرير المصير" وقال عن العرب أنهم أصفار وأن قضيته مصرية وليست عربية، وجرى عزل مصر عن العروبة والتركيز على أنها صاحبة المجد الفرعونى القديم، وأنها أم الحضارات العالمية وأن لها مركزا ممتازا بالنسبة للدول العربية: وجرى اتهام حملة لواء الوحدة العربية بأنهم أعوان الاستعمار البريطانى الذي تحاربه مصر، ويقول المازنى أن فشل ثورة ١٩١٩ يرجع إلى أننا أحطنا قوميتنا بمثل سور الصين وأن من خطل الرأى أن تنفرد كل واحدة من الأمم العربية بسعيها، وكان سعد زغلول أحد الرجال الذين أعدهم الاستعمار ليحملوا لواء الزعامة بعد الحرب العالمية الأولى وقد وصف الانجليز بأنهم خصوم شرفاء معقولون. ومن الطبيعى أن مثل هذا الاتجاه من شأنه أن يحول دون قيام رابطة بين مصر والدول العربية في سبيل الدعوة القومية. وقد ظلت مصر مركزا للدعوة إلى القومية العربية، كانت ملاذ كل المجاهدين الذين اضطهدوا في أقطارهم، وكانت قضية فلسطين في أول الثلاثينات أول عامل من عوامل الترابط والدعوة إلى الوحدة، وقد سجل مؤتمر القدس (ديسمبر ١٩٣١) أن البلدان العربية وحدة لا يتجزأ ولا تسلم الأمة العربية أبدا بتجزئتها وقد اشترك في المؤتمر مراكش والجزائر وتونس وطرابلس الغرب ومصر وسورية وفلسطين والعراق والجزيرة العربية. وكانت مصر في خلال هذه الفترة معقد أمل الدول العربية لتتزعم هذه الحركة. وقد تطورت فكرة القومية المصرية في مصر حتى وصفها ساطع الحصرى عام ١٩٣٦ بأنها "حالة تخمر اجتماعى عميق يدفعها نحو الفكرة العربية بقوة شديدة ويجعلها تشعر بواجبها الطبيعي".

стр. 206

? وقد كان الاستعمارين البريطانى والفرنسي يخشيان سيطرة مصر على دعوة القومية العربية نظرا لاتجاه قلوب العرب اليها كدولة كبرى، ولذلك عمد الغزو الثقافي إلى خلق عديد من التيارات والدعوات فيها ليحول ذلك دون اتجاهها نحو هدف واحد. وكان أبرز هذه الاتجاهات: الاتجاه النيلى والاتجاه الإسلامي. وقد وصفت مصر بأنها البلد الذي زودته الطبيعة بكل الصفات والمزايا التي تحتم عليها أن تقوم بواجب الزعامة والقيادة في انهاض القومية العربية لأنها تقع - كما قال ساطع الحصرى - في مركز البلاد العربية بين القسمين الأفريقى والآسيوى كما أنها تكون أكبر كتلة من الكتل التي انقسم اليها العالم العربي بحكم السياسة والظروف وأن هذه الكتلة قد أخذت حظا أوفر من الحضارة العالمية الحديثة. *** إدارة الاستعمار وقد رسم الاستعمار البريطانى والفرنسي خطة تأكيد التجزئة والحدود الوهمية للقضاء على وحدة الأمة العربية. وكان لها في تنفيذ هذه الخطة أعوان وعملاء، أعوان من دهاقنة الاستعمار والسياسة أمثال جلوب وقيلبى ولورنس وعملاء أمثال سعد زغلول وفيصل و عبد الله ونورى السعيد والجلاوى وعن طريق هؤلاء وهؤلاء وقف الاستعمار في وجه الوحدة العربية. *** الهاشميون رسم تشرشل في مؤتمر القاهرة (١٢ آذار ١٩٢١) خطة الحكم في فلسطين والعراق والأردن: قال تشرشل للأمير عبد الله عند استيلاء فرنسا على سوريا: "لأن انجلترا محايدة في القضية بين العرب والفرنسيين وهم حلفاؤها فانها تنصح بلزوم انصراف الأمير فيصل بن الحسين عن سورية وسفره إلى العراق ليرشح نفسه لملك العراق، وأن الحكومة الانجليزية لا تريد أن ترى على عرش العراق الا الشخص الذي تعتمد عليه وأن طلاب عرش العراق كثيرون ومنهم ابن سعود وخزعل خان، وأن على أن أوثر على العراق بأن يرضوا بالأمير فيصل". وقد نظم استفتاء شعبى عام لانتخاب الملك فيصل وذلك حتى يتخذ اختبار الملك شرعية واضحة، وتلقى الأمير برقية من تشرشل تطلب اليه أن يصرح في خطاب التتويج عن عزمه على تسليم مقاليد الحكم الفعلى إلى يد المتعهد البريطانى ونظمت الاستفتاء الآنسة بل وصحب (كور نواليس) فيصلا إلى العراق ممثلا لبريطانيا وصحبت الكابتن بل الملك فيصل إلى كل مكان تقدمه للقبائل وتهيئ المآدب، واعتقلت بريطانيا المنافس للعرش وأرسلته إلى جزيرة سيلان واعتقل كل من وقف في وجه فيصل. واهتمت بريطانيا بالاقطاعيين وأرسلت أبنائهم إلى بريطانيا. وكانت تخلق العقبات لفيصل وتشعره بأن عرشه معرض للضياع اذا تخلف عنها. وقد أيد فيصل وعد بلفور وقال: "نحن العرب لاسيما المتعلمين منا ننظر إلى الحركة الصهيونية بأعمق العطف. وسوف نقدم لليهود أعظم ترحيب قلبى في الحضور إلى البلاد. وقد كانت لنا ولا تزال أوثق العلاقات مع زعماء حركتكم وخاصة الدكتور وايزمان - وأننا نعمل سويا لبعث وانشاء الشرق الأدنى، أن حركتنا تكمل الواحدة منهما الأخرى" ووقع فيصل ١٩١٨ على بيان باللغة الانجليزى بوصفه رئيسا للعرب اعترف فيه بوعد بلفور وبالهجرة اليهودية إلى فلسطين وأظهر عطفه على فكرة الوطن القومى وتم اتفاق فيصل ووايزمان على: أن أضمن وسيلة لتحقيق أمانيهم القومية هى التعاون لترقية الدولة العربية وفلسطين. وقد واجه فيصل عنف الحركة الوطنية في العراق وحاول أن يوازن بين رغبات بريطانيا وبين القومية العربية في العراق وكونت بريطانيا في العراق أعوانا وعملاء، وكانت عبارة أذناب الاستعمار والعملاء هي: الواقعية ومسايرة الظروف. *** عبد الله أما الأمير عبد الله فقد استولى على احدى قطارات السكة الحديد الصاعدة من الحجاز إلى الشمال، وحين نفذ الوقود من القطار، كان عبد الله يتوقف - كما يروى الكاتب حيمس مورس- وينتزع أعمد التلغرافات الخشبية ويضعها في القاطرة ويشعل فيها النار، واستقبله كيركبرايد على الحدود وبقى معه حاكما باسم بريطانيا

стр. 207

? ومستشارا للملك ٣٠ سنة وهو نفس الأسلوب الذي اصطنعته بريطانيا مع فيصل. طلب الانجليز إلى عبد الله أن يقبل عرش الأردن، ووعدوه بعرش سوريا وكان يؤمن أن مستقبل العرب ووحدتهم تحت ظل الهاشميين وفي ولاء لبريطانيا العظمى وهو يؤمن بأن السيدة الوحيدة التي يمكن أن يقبل يدها هى مارى ملكة انجلترا. وقد وصف الملك عبد الله موقفه من الانجليز (مذكراته) وقال ونستون تشرشل هو سعد بريطانيا وحظها ورجلها الفذ في العصر الأخير "ومستر تشرشل هو الذي حضنى على أن أسعى لأخى فيصل في أن يكون ملكا على العراق فأحل في شرق الأردن وأعمل بالحسنى لاستعادة وحدة سوريا وهو الذي سعى كل السعى في أن يحل الوئام محل الخصام بين الوالد وابن السعود". ودعا عبد الله العرب إلى صداقة بريطانيا "أيها العرب اعلموا أن في مصاحبة انجلترا وجوب الاستعداد، وفي مخالفتها ما عجزت عنه الأمم الكبار وحاذروا فان انجلترا لا تقيم لأحد وزنا ان لم يكن كفؤا وانجلترا لا تبنى سياستها على العاطفة، كونوا أقوياء حذرين تكن معكم بريطانيا وتوليكم اعتمادها" ويقول جلوب أن عبد الله كان يعتقد أن التحالف مع بريطانيا هو أسلم وأمن وسيلة لتأمين سلامة بلاده. وقد عمل عبد الله مع ملوك العرب على ايقاف ثورة فلسطين ١٩٣٦ بعد أن بهرت العالم خلال ستة أشهر. وكان لبريطانيا في الوطن العربي أعوان: هم لورنس وفيلبى وجلوب وقد أثارت بأعوانها الخلاف بين الأسر الملكية الحاكمة فكان كل منهم في صف ملك، كان فيلبى يؤمن بصداقة عبد العزيز سعود لبريطانيا. وكان له دوره التاريخى في ازكاء الحرب الأهلية بين السعوديين والهاشميين. وكان جلوب هو نصير الهامشيين وصانع قوة البادية لحساب بريطانيا في الأردن والتي قامت بدور خطير في دحر ثورة رشيد الكيلانى ومعركة فلسطين من بعد وقد عمل جلوب على ايقاع الشقاق بين القبائل العراقية والسعودية. *** العملاء وكان للاستعمار الفرنسي أعوانه في المغرب، كان هناك الجلاوى ذلك الاقطاعى العظيم الذي كان أكبر منتج للزيتون والغنم والمتحكم في رقاب القبائل كما وصفه الكاتب الفرنسي (ريفه بابان) والذى قال عنه أنه أصبح بفضل مدافع الفرنسيين وطائراته سيد الأطلنطى دون منازع وأنه هو الذي قام بالأعمال الرهيبة والمآسى المخجلة التي تقضى على جميع الانتفاضات الوطنية. وفي العراق قام نورى السعيد بالعمل ضد القومية العربية وقاوم دعوة العراق للقومية العربية ودعا إلى (العراق للعراق). وقد وصفه بول جونسون بأنه آخر الحيل القديم من السياسيين العرب الذين استخدمتهم بريطانيا أداة تبطش بها وتقوم على احتلال الشرق الأوسط. وقال وايزمان في مذكراته: أن نورى السعيد وسطته الحكومة البريطانية رسميا لمفاوضة الهيئة العربية العليا بفلسطين لتهدئة اضطرابات ابريل ١٩٣٦ وقال أن العراق يمثله نورى السعيد كان مستعدا لقبول الوطن القومى اليهودي مع بعض الضمانات وقد هيمن نورى السعيد على مصائر العراق ٣٦ سنة وكان فاضل الجمالى عميلا آخر للاستعمار في العراق. وقد كانت دعوة حكام البلاد العربية عملاء الاستعمار هى "اقرار التجزئة وتنشئة الجيل الجديد على الاقليمية الضيقة، وتأكيد الكيانات السياسية التي أوجدها الاستعمار ومحاولة جعلها كيانات مقدسة دائمة، وأخذ أنظمة الحكم من الغرب بالرغم من عدم ملائمتها". *** معركة مقاومة التجزئة وكان اقامة وطن قومى لليهود في قلب الوطن العربي هو أخطر عمل وجه ضد القومية العربية وفصل العرب في أفريقيا عن العرب في آسيا، وقد تولت بريطانيا هذا العمل وقاومت من أجله كل انتفاضات القومية العربية في فلسطين التي قاسى أهلها استعمارين: الاستعمار البريطانى والاستعمار الصهيوني. وكان ملوك العرب سلاحا قويا في يد بريطانيا

стр. 208

للقضاء على ثورة فلسطين وخداعها، غير أن فلسطين كانت هى بؤرة القومية العربية والالتقاء الحقيقى بين الأجزاء العربية التي حاول الاستعمار فصلها، وفي ظل هذه الحركة عادت مصر إلى مكانها في الصف العربي. وفي خلال هذه الفترة اندلعت ثورات متعددة في الوطن العربي، كانت في مجموعها تطالب بالحرية والاستقلال، ولكنها كانت ترنوا من وراء الاستقلال إلى ما هو أبعد من ذلك وهو الالتقاء مرة أخرى في وحدة من أى نوع أو هو ما يوصف بعودة الأجزاء إلى وضعها الطبيعي. وقد ارتفعت أصوات: محمد الخضر حسين وعبد العزيز الثعالبى وهلال القاسى وعبد الحميد بى باديس وأمين الريحانى وشكيب أرسلان وعبد الرحمن عزام وساطع الحصرى والدكتور شهبندر والكاظمى والشبيبى والزهاوى والرصافى تدعو إلى الوحدة والتجمع. وكانت مؤامرة "تهويد" فلسطين مدعاة لأن بيجر أمين الريحانى من أمريكا إلى الوطن العربي ليلتقى بالأمراء والملوك ويسيح في قلب الجزيرة العربية باحثا وراء الوحدة وهو ينادى "انى وان كان لبنان وطنى الصغير وسوريا وطنى الكبير فانى أنتسب إلى الأمة العربية وطنى الأكبر .. وأنى وان كانت المسيحية دين آبائى وأجدادي، فانى أدين بدين كل من قال بالوحدة العربية وتجديد مجد العرب" وجرى العمل في كل مكان في سبيل تحطيم الحواجز التي كان يحرسها الاستعمار ويعززها وما كادت الأقطار العربية تتحرر وتحصل على الاستقلال حتى بدأت بالعمل على تغريب المناهج الدراسية. غير أن عوامل المقاومة ما لبثت أن برزت، قامت قوة عربية فعالة في الجيش العراقي، وغير كثير من الكتاب آرائهم في الاقليمية والتجزئة، ومن هؤلاء محمود عزمى الذي اضطر بعد زيارته لبعض أقطار البلاد العربية أن يعلن أن الرابطة العربية هى آمن الروابط التي يصح أن تقوم عليها مساعينا، بل أنها الرابطة الوحيدة التي يجب أن نستند اليها في تطورنا المحتوم، ومعنى الرابطة العربية أنها تلك التي تستند إلى حوادث التاريخ التي وحدت بين نوع التفكير ونوع الحياة وأساليب الحكم وقواعد الاقتصاد في تلك الكتلة المتصلة من المحيط الأطلنطى إلى الخليج الفارسى والثقافة والحضارة والمطمح الأعلى انما هى العناصر الفعالة في توحيد الاتجاه. وهى انما تقوم على واقع جغرافى وعلى واقع اجتماعى يؤيدهما واقع روحى عظيم". وبدأت معركة الاستعمار في الغزو الثقافي في سبيل دعم التجزئة تضعف، فالحفريات والبحث عن الآثار القديمة وكشف حضارات البابليين والآشوريين والكلدانيين والحبيين والفراعنة لم تعد لها تلك الرنة الأولى، بل أخذت ترسم صورة ماض عظيم لأمة عربية عظيمة، وظهرت النظريات التي تقوم أن كل الموجات التي اندفعت إلى العالم العربي وأقامت معظم هذه الحضارات انما خرجت من جزيرة العرب وفي مقدمتها: الفرعونية والفينيققية، وتشكك الناس في الكتب التي ألفت في البلاد العربية لتربط هذه الأفكار بالماضى القديم أو تعزز التجزئة، ولم تفلح نظرية الأدب المصري والأدب السورى والأدب العراقى وفشلت نظرية عزل الأدب عن قضية الحرية والمقاومة والتجمع والوحدة. وفي العراق تحطمت نظرية الأشورية، وعجز الاستعمار عن أن يفرق بين العرب والأكراد على أساس دعواه الباطلة بأن العراق ليس شعبا واحدا. وبالرغم من أن فرنسا عزلت تونس والجزائر ومراكش عن العالم العربي عزلا تاما فان عددا كبيرا من رجاله اقتحموا الأسوار إلى مصر وسوريا والحجاز ورفعوا صوتهم وفضحوا أساليب الاستعمار الفرنسي وانضمت جموع من المثقفين إلى معاهد الشرق العربي. وكان عبد العزيز الثعالبى صوتا حيا مدويا، فهو أول من دعا عام ١٩٣٤ إلى قيام ثقافة عربية خالصة مستقلة عن الفكر الغربي على أساس مقوماتنا وتراثنا ولا يمنع ذلك من أن نقتبس ما نراه صالحا من الثقافة الغربية. *** وجاء إلى الأزهر كثيرون من ليبيا والمغرب كله، وتنادت البلاد العربية في كل مكان عند أى حدث أو أزمة في احداها، ووصل صوت الرصافى إلى تونس وصوت المنفلوطى إلى ليبيا وصوت المغرب إلى فلسطين. وقام عبد الحميد بن باديس واخوانه بأضخم عمل في تاريخ الفكر العربي المعاصر في الغرب فقد أنشأ ثلاثمائة مدرسة في مساجد الجزائر في مدنها وقراها ودساكرها تعلم القرآن واللغة العربية وتقاوم خطة فرنسا في القضاء على العربية والإسلام. وهو داعية من دعاة الوحدة العربية ومن ذلك قوله "أن لنا وراء هذا الوطن الخاص أوطانا أخرى عزيزة عليناوهى منا على بال فيها تعمل لوطننا الخاص".

стр. 209

وانهارت الحوائط العالية للوطنية الضيقة التي كان يحميها دعاة التغريب في العالم العربي وكان، الدكتور محمد حسين هيكل في مقدمة من كشف خطة التغريب قال (السياسة الأسبوعية - ١٤ أكتوبر ١٩٣٢) لما عاد الشبان الذين سافروا إلى أوربا صدمتهم ظاهرتان عجيبتان أثارتا دهشتهم لتناقضها مع أصول الحضارة العربية تناقضا بينا (الأول) هذه الحرب المنظمة التي يقوم بها الاستعمار الأوربى لحرية العقل (ثانيا) انتشار المبشرين الغربيين في كل مكان من المدن الكبيرة والصغيرة بل في القرى يدعون إلى المسيحية. وبالرغم من هاتين الظاهرتين ظل هؤلاء الشبان يدعون إلى الحضارة الأوربية مستندة إلى أصلها الصحيح: أى حرية البحث ونزاهة العلم، ولكن مرور الزمن فتح عيونهم على حقيقة أخرى لم تكن أقل اثارة لدهشتهم فما يصدر الغرب للشرق من آثار حضارته قد وقف أو كاد عند أسوأ ثمرات هذه الحضارة، وعندما كان يؤتى بلاد الغرب من الربح ما يمده بأسلوب الرخاء والترب، فتجارة الرقيق الأبيض والكحول ومواد الزنية واللهو وجوافات الهذر المسرحى كانت هى أول ما يصدر الناظر لآثار الغرب في الشرق، ولم يقدم الغرب إلى جانب هذا من صالح ثمرات حضارته ما يستر سوآتها هذه بل وقف حائلا دون انتشار العلم الصحيح ثم بدت حقيقة أشد من هذه الحقيقة مرارة وايلاما، تلك أن الغرب الذي تزعم دولة أنه تحرر من قيود التعصب الدينى مازال يذكر الحروب الصليبية التي نشبت خلال قرون بين المسيحية والإسلام، وأن كلمة اللورد اللنبى يوم استولى على القدس وقوله أن الحروب الصليبية قد انتهت كانت تعبر عن معنى يجول بخاطر الدول الأوروبية جميعا" ا. هـ. وهكذا انكشفت خدعة الغرب لخبرة ربائبه وتلاميذه وخدام دعوته التغريبة عندما انكشفت أكاذيب الاستعمار في دعوته إلى تمدين الشعوب وكذب شعاراته: الحرية والاخاء والمساواة، ظهر أنه كان وراء كل فتنة وثورة ومؤامرة، وأنه حرص القبائل والأجراء وأثار الخلافات القديمة بين المذاهب والأديان وشجع الخلافات الطائفية والعنصرية وخلق الأحزاب لافساح جهة الصراع والتجزئة وادعى أنه يحمى الأقليات وسيطر على الصحافة ووجهها لغاياته وأفسد حركة تحرير المرأة وحولها عن طريقها الحقيقي. ولكن كل هذه المؤامرة الضخمة التي قصد بها إلى تعزيز "التجزئة" وتأكيد الحدود المصطنعة، فسدت، عندئذ اضطر الاستعمار إلى مجاراة العرب في دعواه إلى القومية العربية والوحدة آملا أن يستغلها وأن يسيطر بها على الأمة العربية وأن يدفع أعوانه وعملائه لقيادة هذه الحركة، وأول ما يهدف اليه أن ينفث من الصدور ايمانها الذي يدفع إلى الحركة ليتحول إلى بخار يذهب في الهواء، وهو ما حدث في نهاية هذه المرحلة وخلال الحرب العالمية الثانية. - ٢ - الدين لم يتعرض فرع من فروع الفكر العربي للغزو الثقافي كما تعرض "الدين"، ذلك لأن الدين كان ولا يزال في الوطن العربي وفي الشرق دعامة هامة من دعامات الثقافة ومقوما من مقومات الأمة العربية. وعنصرا حيا ايجابيا غير منفصل من عناصر السياسة والاجتماع والاقتصاد. ولقد كان الاستعمار يعرف خطر "الدين" وأثره في الحياة العربية ومدى أثره في الايمان بالحرية ومقاومة الغاصب وانماء القوة وحراسة الثغور. ولما كانت هذه العوامل من أخطر الأخطار على بقاء الاستعمار فقد كانت خطته في القضاء على مصدر هذه القوة: وهو الدين واللغة والتاريخ، وكان الدين أهمها. وقد أعد خطته في مقاومة الدين على نحو دقيق خفى يسرى في معالم الفكر والحياة سريانا بطيئا حاسما في المفاهيم المختلفة. وقد امتدت هذه الخطة فشملت الثقافة والصحافة والتعليم والترجمة والبعثات الأجنبية ومفاهيم الاجتماع وتحرير المرأة، ومن أجل هذا انطلقت دعوات الاستشراق والتبشير وظهرت مجموعات من دعاة التغريب ولما كان دين الغالبية في الوطن العربي هو الإسلام فقد كانت الحملة كلها قد ركزت عليه باعتباره مصدر الثقافة والفكر والتراث المشترك. ولقد استهدف الغزو الثقافي إلى محاربة الإسلام القضاء على روحه القوية في مجال الحياة والفكر حتى تنطوى قوته وفعاليته في مجال مقاومة الاستعمار. كان التعصب الدينى واضحا في هذه الحرب، التي صدرت عن حقد بالغ وخصومة عنيفة. ولم تصطنع في أى جانب من جوانبها "المنهج العلمي" الذي ابتدعه الغرب وأقام على أساسه أبحاثه ونتائجه.

стр. 210

الإسلام: دين وحضارة وكان أبرز الأخطاء التي طبقها الغرب في الحديث عن "الإسلام" أنه لم يحاول أن يفرق بين المسيحية والإسلام في مفاهيمها ومقوماتها. ولذلك حمل في الحرب على الإسلام نفس المعاول التي حملها في محاربة المسيحية ابان عصر النهضة بغية اقصائها عن الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية وبعد أن فسدت أساليب الكنيسة وظهرت أخطاء وبعد أن فسدت أساليب الكنيسة وظهرت أخطاء رجال الدين في تسلطهم واستبدادهم وجمودهم ووقوفهم في وجهة الحرية والنهضة وغلوهم في التعصب وبعدهم عن التطور. ولقد كان الإسلام مختلفا أشد الاختلاف عن المسيحية في هذه الناحية، فان الإسلام لم يكن دينا فحسب ولكنه دين ونظام اجتماعى واقتصادى وسياسى كامل، ولقد كان الإسلام متطورا دائما وقادرا على الاستجابة للحضارة وللزمن وللبيئات المختلفة، وقد دخل هذه التجربة من قبل ولم يكن للإسلام كهنوت له صلة السيطرة والتحكم في الناس والوساطة بينهم وبين الخالق. ولذلك فان المقارنة بين المسيحية والإسلام من هذه الناحية باطلة، كما أن محاولة اخضاع الإسلام كدين ونظام لما خضعت له المسيحية - التي هى دين فحسب - ليس من الحق في شيء. ولكن التعصب وشهوة الحقد الأعمى والرغبة في القضاء على روح الدين وتنحية الإسلام عن نفوذه في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية حالت بين دعاة التغريب والغزو الثقافي وبين كشف هذه الحقائق. ولم يستطع أتباع المستشرقين والمبشرين من مفكرينا التعرف إلى هذه الفوارق لأنهم اتصلوا بالفكر الغربي قبل أن يستكملوا مفاهيمهم في الفكر الإسلامي ومقوماته. واذا كان للإسلام في هذه الفترة التي بدأ فيها الغزو الثقافي مغمز فانما كان في تطبيقه لا في مقوماته وأصوله، هذه المقومات والأصول التي ظلت طوال القرون ضياءا هاديا وقوة حية، فان انصراف المسلمين عن مفاهيم الإسلام وضعف الحكومات والتخلف في ميادين الحرب والسياسة، والانصراف عن القوة والمقاومة، قد أحل عصرا من الضعف والركود والتواكل والفرقعة وفرض سلطان الحكام المستبدين والعلماء الجامدين الذين أغلقوا باب الاجتهاد ووقفوا عند التقليد مما خلق غشاءا دقيقا من الأوهام والبدع والخرافات التي حاولت أن تحجب جوهر الإسلام ونقاءه، وتحجزه وراء طبقة كثيفة من هذه الزيوف. غير أنه لم يخل من مصلح ينبرى ليكشف هذه الزيوف ويرفع هذا الغشاء ويدعو إلى الإسلام المصفى، ويحاول أن يعود بالناس إلى بساطة الإسلام الأول ويسره وحقيقته الكامنة المختفية. وقد كانت دعوة محمد بن عبد الوهاب في أواخر القرن السابع عشر الميلادى هى نقطة الانطلاق في تحرير الإسلام من زيوف الجمود الذي انتهى إلى الضعف والفساد بينما بدأت أوربا تستيقظ وتنقل آثار العرب وتترجمها وتكون بدأت أوربا تستيقظ وتنقل آثار العرب وتترجمها وتكون حضارتها وثقافتها الجديدة وتتنبه إلى دورها في القضاء على الإسلام والسيطرة على الشرق في محاولة للانتقام من هزيمة الحروب الصليبية وخشية من اتساع نطاق الإسلام وتطويقه لأوربا عن طريق تركيا العثمانية التي وصلت إلى أسوار "فيينا" وبعد أن توقفت من الجانب الآخر عن طريق الأندلس عند مصب نهر اللوار. ولقد كانت خطة الغرب في السيطرة على العالم العربي والإسلامي تهدف أساسا في القضاء على الإسلام: ١ - كقوة حرة قوية لا تقبل الذل والاحتلال. ٢ - القضاء على جوهر الدين في مفاهيم الجهاد والمقاومة والحرية. ٣ - اقصاء الإسلام عن الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وقد اتجهت حملات الغزو الثقافي إلى وجهتين: ١ - الدين بصفة عامة. ٢ - الإسلام بصفة خاصة. ولما كانت الحملات موجهة من الفكر الغربي المسيحى فان كل الحملات التي وجهت إلى "الدين" كانت مقصودا بها الإسلام أساسا. وقد تمثلت هذه الحملات على الدين في أنه ظاهرة: من الظواهر الاجتماعية لم ينزل من السماء ولم يهبط به وحى وانما خرج من الأرض كما خرجت الجماعة نفسها. وأن الديانات قيود وأغلال التزمها الناس بدعوى أنها منزلة خالدة، وأن وضع الدين في جانب العقل يقضى بهدمه، وأن الدين لا يخلق الانسان. ولكن الانسان هو الذي صاغ الدين، وليس الدين الا صدى الألم الذي يتردد في نفوس المظلومين وأن الدين حادث "عمراني" له قدره (التاريخي) وليس له صلة بالاقتصاد.

стр. 211

الحملة على الإسلام وقد واجه الإسلام حملات غزو ذات جوانب متعددة منها: ١ - الحملة على مفاهيم الإسلام وكتابه ورسوله وتاريخه. ٢ - الغزو عن طريق بعث أديان جديدة كالبابية والبهائية. ٣ - الغزو عن طريق تعميق تيار الإلحاد في العالم الإسلامي. ١ - وكانت الحملة التي قادها المستشرقون والمبشرون منذ ١٨٣٠ قد حاولت أن توهم بنهاية الإسلام، ففى أوائل القرن العشرين كان هناك رأى يرى أن الإسلام "لم يبق من عمره الا قرنان" وهى نبوءة السياسى المؤرخ "برايس"، الذي قال أن احتكاك الإسلام بالحضارة سيقضى عليه ويؤذن بنهايته. وأن الإسلام سيذهب بذهاب الدولة العثمانية (الدكتور برون/ ك/ العرب والأفريقيين). أو أن الإسلام قد يبقى اذا ترك لنفسه، أما اذا احتك بالتمدن الحديث فانه يموت لا محالة (المستشرق لنز بعد سياحته في تومبكتو). وفي الحالات الثلاث التي تنبأ بها المستشرقون والمبشرون الغربيون لم ينته الإسلام وكذبت نبوءاتهم، ولم يذهب الإسلام نتيجة لذهاب الدولة العثمانية ولا بعد احتكاكه بالعلم والمدنية، ولم يصدق أيضا ما ادعاه غيرهم من أن انحطاط المسلمين يرجع إلى أسباب متصلة بالإسلام نفسه لعدم موافقته لروح التمدن - كما ذكر المستشرق يبشون الألمانى ١٨٨١ في كلامه عن تأثير الإسلام في حياة أصحابه - كما حاول كتاب الغرب دائما تصوير المسلمين بصورة العدد القليل وذلك بايراد احصائيات مضللة: ومع ذلك فقد عجزوا عن اخفاء الحقائق. فقد أثار المستشرق (مرجليوث) في بحث له عن مستقبل الإسلام (الهلال مجلد ١٦ - ١٩٠٦) أن الإسلام غالب في أفريقيا وشائع في آسيا ومعروف في أوربا وأمريكا. ولم يظهر ما يدل على توقف انتشاره وخصوصا في القرن الماضى لأنه نهض نهضة جديدة. وأورد قول المبشر "شاتليه" من أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يرتقى الآن وينتشر في الهند والصين. أما الأديان الأخرى فانها آخذة في الانحلال كما أورد ما ذكر أحد كبار المستشرقين من أن الإسلام سيعم الهند كلها وقال أن جماعة كبيرة من الهنود يعتنقون الإسلام ليتحرروا من قيود الديانة البرهمية وكهانها. وأن الإسلام قد انتشر مؤخرا في بلاد الصين حتى أوجس أهل أوربا من انتشاره مخافة أن يصير ديانة المملكة فيحمل أهلها على الممالك النصرانية في أوربا مثل الحملات الصليبية في العصور المظلمة. وأشار إلى أن الإسلام ينتشر في الهند والصين ومستعمرات هولندا بالموعظة الحسنة. وأشار "مرجليوث" إلى أن الإسلام انتشر في أفريقيا بالحسنى بعد أن انتهى عهد الدراويش، وقد كان الظن أن يتوقف بعد ذهاب الحركة المهدية، والحقيقة أنه لا يزال آخذا في الانتشار. وكذب "مرجليوث" ما رواه زملائه المستشرقين من أن انحطاط المسلمين يرجع إلى أسباب متصلة بالإسلام وقال: انى أرى المسلمين تحت سلطة المسيحيين أرقى من المسيحيين عقلا وأدبا، واستشهد يقول المستشرق "روبل" الذي ذكر بعد سياحة للحبشة ١٨٣٨ أن الأحباش المسلمين أقدر على العمل وأسمى مداركا وأكثر تهذيبا وعلما من الأحباش المسيحيين. وأشار "مرجليوث" إلى ما ذكره الرحالة ستيفن هيدن بعد زيارته لآسيا من أن أحد المبشرين قضى في عمله عشر سنوات فلم يستطع تحويل مسلم واحد إلى النصرانية وأن عشرات من زملائه عجزوا مثله وأن دعاة النصرانية قد

стр. 212

ينجحون في البلاد التي لم يكن للمسلمين فيها دولة في عصر الإسلام" ا. هـ. *** - ٢ - واذا كان مرجليوث قد حاول انصاف الإسلام ، فان الأب لامنس اليسوعى (المشرق: م ٢٨ (١٩٣٠) ص ٧٣٨) قد ساقه التعصب إلى كثير من المغالطات. وان كان قد ذكر أن انتهاء (الخلافة الإسلامية) بعد مرور ست سنوات لم يحدث شيئا من العقبات داخل الإسلام وخارجه وذلك في قوله: "وهكذا بعد أن مضى ست سنوات على القرار الكمالى القاضى على الخلافة في آزار ١٩٢٤ نرى الإسلام يعيش وهو لا يكاد يشعر باضمحلال تلك المؤسسة العليا وقد ركز (لامنس) هجومه على الإسلام في": * تعسر اتفاق السنيين لأن بينهم كثير من المحافظين التقليديين الذين يحلمون باعادة الخلافة القديمة. * أن اليقظة القومية قد أحدثت توسعا في الفوارق بين المسلمين. * أن الأتراك قد انصرفوا عن الإسلام كلية. وعن أبجدية العربية وكذلك الفرس واتجه المصريون إلى الفرعونية. * أن الأغلبية السنية في العالم الإسلامي تنطوى على فرق من الأتراك العلمانيين ومن المسلمين الشيوعيين المقيمين في الجمهوريات السوفييتية. والعصريين المتبشرين في مصر والهند. * الخلاف بين السنة والشيعة. والواقع أن تقرير (لامنس) للإسلام على هذا النحو انما يقصد فيه تصوير الإسلام بصورة التفسخ والتجزؤ وانقضاء وحدته وقوته، وهو غير صحيح فان الخلاف بين المذاهب الإسلامية لم يكن في الواقع الا خلافا أملته أهواء السياسة ثم حاول الاستعمار اثارته من جديد لاستغلاله في تمزيق جبهة الإسلام الموحدة. وأن المسلمون قد تنبهوا إلى مؤامرات الاستعمار. وتلاقوا على مقاومته، وعلى الشك في مقومات الفكر الغربي القائمة على التعصب والهوى، وآمنوا بضرورة التجمع والاتحاد في سبيل دفع عدوانه، وقد حقق الفكر الإسلامي تطورا واضحا في هذا السبيل حطم كل ما وهمه الأب لامنس ومن وراءه. وأن الفريق الذي أطلق على (لامنس) اسم العصريين قد تنبه مبكرا لخدعة الغرب ضد الإسلام ومدى الفارق البعيد بين شعارات الحضارة الغربية البراقة وواقعها الدامى المختفى تحت كلمات الحرية والآخاء والمساواة. وقد صور (لامنس) نتائج مؤامرة الغزو الثقافي الموجهة ضد الإسلام حتى عام (١٩٣٠) وما حققته في ميادين التعليم والأزهر وترجمة القرآن وتحرير المرأة فقال: ١ - أن التعليم القرآنى هو في تأخر مستمر ومطرد حتى في البلاد الإسلامية المستقلة. وأن أبرز مظهر لذلك هو تطور التعليم الرسمى ولا سيما في المعاهد العالية والثانوية "فهو يتحرر شيئا فشيئا من تأثير الدين حتى يصبح لا دينيا محضا كما هى الحال في تركيا". ٢ - أن دعاة التطور العصرى قد مدوا أصابعهم في داخل الأزهر فاغتنموا حاجته إلى الاصلاح وتدخلوا في ادارة الدروس وتعديل البرامج التي حررت مرات حتى غدا تأثير ذلك العقل العلمى على شفير هار ففقد في عشرين سنة ثلاثة أخماس طلابه وهكذا القول في مدرسة الزيتونة في تونس. فاذا أضفنا إلى هذا، الروح العصرى السائد في الجامعة المصرية الجديدة والمستمد مبادئه من النقد الأدبى فهمنا أنه أبعد من أن تثبت الشبيه الإسلامية في مبادئها الدينية وعقائدها وأدركنا الصدمة القومية التي يعانيها اليوم الإسلام التقليدى. ٣ - محاولة تطبيق القرآن على ذوق العصر والأفكار العصرية، والميول الظاهرة في العالم الإسلامي للتخلص من الحرمات القرآنية الشديدة فيما يختص بفائدة المال وآراء الأئمة الأقدمين في الادانة والربا. ٤ - في العالم الإسلامي اليوم حركة نسوية ترمى إلى نزع الحجاب واعتاق النساء وتحتج على استئثار الرجل وحده بحق الطلاق وعلى انتقاص حق المرأة بالارشاد والشهادة. وقد حدثت في بلاد العرب وسوريا

стр. 213

? والعراق والجزائر ولاسيما مراكش. وقد عقد مؤتمر للمرأة في دمشق واحتججن كلهن على الحجاب احتجاجات شديدة ولكن لم تكن منهن من تجرأت فرفعت زاوية من خمارها". ولاشك أن ما أورد الأب لامنس في تقريره بعيد في كثير من تفاصيله عن الحقائق الواقعة، والواقع أن الإسلام قد استطاع أن يلائم بينه وبين الحضارة في مختلف فروع الحياة. ودعا الأب "لامنس" المسلمين أن ينهجوا نهج تركيا في السير مع التيار العصرى واتخاذ المؤسسات الغربية بكاملها كما فعلت "بقصد محاربة أوربا بسلاحها نفسه" وأشار إلى أن الإسلام لا يمكنه الاستمرار في عزلته والا كان عرضة للصدمة فالسقوط. والواقع أن الإسلام لم يعتزل الحياة مطلقا وأنه كان قادرا دائما على الالتقاء بالحضارة والتجاوب معها. وأنه حاول دائما أن يلائم بين عقائده وقيمه وبين الحضارة الغربية وأنه رفض أن يقبل منها ما يتعارض مع هذه القيم والعقائد. وقد أعرب الأب لامنس بأن عدد المسلمين في ازدياد متصل وأنهم زادوا ٢٠ مليونا في أربع سنوات (١٩٣٠) وأن سكان الجزائر زادوا في مائة سنة خمس أضعاف منذ كانوا مليونا فأصبحوا خمسة ملايين وعزى زيادة عدد المسلمين من أنهم يقومون بنشر الدعاية لدينهم فيستميلون بعض جيرانهم من الزنوج في أفريقية وأبناء اللفوف السفلى في الهند. وأنهم في سبيل نشر الدعاية الإسلامية أسسوا مدارس خاصة يربى فيها المرسلون ويدرسون اللاهوت وطرق التمارين الجدلية والمناظرات الدينية وأن أشد هذه المدارس نشاطا مدرسة الشيعيين في لكنهو بالهند ومدارس الأحمدية في قاديان ولاهور بالهند ومدرسة دار الدعوة في مصر. (٣) أما السر ريتشارد وود قنصل في انجلترا في تونس فقد رفع عام ١٨٧٨ تقريرا إلى وزير خارجية بريطانيا بعد دراسة شاملة للإسلام والمسلمين خلال فترة عمله لدولته في دمشق وتونس رد فيه على جميع ما وجه الغرب من اتهامات للإسلام وتصدى لدفع الاتهامات الخاصة: ب معاملة أهل الذمة من المسيحيين ورفضهم للأخذ بأسباب الحضارة. *** (معاملة أهل الذمة) قال: من أوهام الناس أن الإسلام يمنع مساواة أهل الذمة بالمسلمين فيما لهم وما عليهم وينبو عن الأخذ بأسباب التقدم والحضارة لأنه لا يجيز انتشار المعارف والتحلى بالعلوم. ورد هذه الأوهام الباطلة، وأكد أن الإسلام يرى أن الأخذ بأسباب التقدم لا ينافى أصول الشرع، وأورد الأدلة على أن الإسلام يرى أن لأهل الذمة ما للمسلمين وعليهم ما عليهم "اذا ثبت أن غايتهم الوطنية موافقة لغاية المسلمين وأنهم مثلهم في ايثار مصلحة الوطن والخير العام، وأن الإسلام يجيز استشارة أهل الذمة فيما يتعلق بالنظامات الدنيوية ولا يمنع استخدام النصارى واليهود واستند في ذلك على أقوال الماوردى في كتابه (أدب الدنيا والدين) وأشار إلى أن المتأخرين من سلاطين الإسلام استأثروا بالسلطة واستبدوا بالتصرف فخرجوا عن منهج الشرع الإسلامي حتى توهم الأغبار أن سبب هذا الخلل هو ضيق نطاق الشرع الإسلامي وأنه لا يضمن لغير المسلمين حقوقهم". وأكد أن الواقع يخالف هذا، لأن الإسلام يحتم على الملك وسائر الحكام أن يفعلوا كل ما يدعو إلى حسن توزيع العدل والانصاف في الحكم والتجرد من شوائب الأغراض والحظوظ الشخصية. *** (الإسلام والمدنية) ٢ - وعرض ريتشارد وود للزعم الغربي الذي يزعمه مؤلفو الأفرنج من أن المسلمين لا يتسنى لهم التقدم والارتقاء في معاريج الحضارة ماداموا مقيدين بنصوص القرآن التي يقولون أنها لا تلائم المعارف واكتساب الفنون .. وقال أن هذا وهم نشأ عن الجهل بمقاصد القرآن. ويكفى برهانا على بطلانه تاريخ صدر الإسلام وعناية علماء العرب بالمعارف والفنون ودرسهم كتب الحكماء الأقدمين مثل أرسطو وأبقراط وأقليدس وبطليموس.

стр. 214

وقال: أن أكبر بواعث سوء الفهم هو انتشار الظن في أوربا بأن الإسلام دين القوة والسيف وهذا الظن مخالف للواقع ولطبيعة الإسلام ولما جاء في القرآن. ١ - وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين. ٢ - لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا اليهم ان الله يحب المقسطين". وأشار إلى أن الباحث المدقق في أسباب الفتن التي سفكت منها الدماء في الشرق يعلم أن الباعث الوحيد في حدوثها هو أصبع السياسة الأجنبية التي تنتهز الفرص لابقاء نار الثورة بين ذوى الأحقاد. وقاتل ومن هذا القبيل واقعة الدروز الموارنة وواقعة الصقالية والبلغاريين فقد تبين أن الاعتداء انما يبتدئ من جانب النصارى (كان ريتشارد دور صاحب التقرير قنصلا لدولته في دمشق عام ١٨٦٠ أبان الفتنة المشهورة). وقال أنه لا يجوز الظن بأن المسلمين ينفرون من مجلس الشورى ويرونه تقليدا أوربيا. - ٤ - واعترف (جورج سارتون) الأستاذ بجامعة هارفارد بأن الإسلام من أصح النظم الدينية وأجملها على حد تعبيره "وهو عندنا أصح تلك النظم وأجملها على الاطلاق، ولكن المسلمين اليوم كثيروا البعد عن حقيقة ما جاء به الإسلام" وردد عبارة الشيخ محمد عبده "الإسلام محجوب بالمسلمين" وقال: أننا اذا نظرنا إلى الإسلام من خلال أعمال المسلمين لم تر تلك المبادئ جلية واضحة، وأكد أن المسلمين يمكن أن يعودوا إلى عظمتهم الماضية والى زعامة العالم السياسية والتعليمية كما كانوا من قبل. ولكن هذا لن يكون إلى اذا عادوا أولا إلى فهم حقيقة الحياة في الإسلام والعلوم التي حث على الأخذ بها. وأشار (سارتون) إلى أن الهزائم التي منى بها الإسلام لم تزعزع ثقة المسلمين بأنفسهم بل هى على العكس زادت من ثقتهم بأنفسهم. ويتنبأ بأن المسلمين سيعودون إلى قيادة العالم كرة أخرى "ذلك أن شعوب الشرق الإسلامي وقد قادت العالم في مرحلتين طويلتين من مراحل التقدم الانسانى طوال ألفى سنة على الأقل قبل أيام اليونان ثم في العصور الوسطى مدة أربعة قرون تقريبا فليس هناك ما يمنع تلك الشعوب من أن تقود العالم ثانية في المستقبل القريب أو البعيد. *** - ٥ - وعرض المستشرق (هـ. أ. جب) لموقف الإسلام من الحضارة والغزو الثقافي ودعوة التغريب (الهلال - م ٤٧ ص ١٨٧٣) فأكد أنه رغم ما تسرب إلى العالم الإسلامي من اتجاهات أوربا ونزعاتها وما أصاب جماعاته من الانحلال السياسى وما بينهما من التفاوت الفكرى مازالت هناك رابطة وثيقة. نشأت من العقيدة والثقافة الدينية المشتركة وهى تؤلف بين المسلمين في الشعور والرأى والمصلحة. وأشار جب إلى أن المسلمين مازالوا متمسكين بدينهم متشبثين بعقيدتهم مؤمنين أثبت الايمان بأن الإسلام خير الأديان. وأن الإسلام لازال حتى يومنا هذا (١٩٥٠) عقيدة دينية راسخة وقاعدة اجتماعية ثابتة ونظاما خلفيا وطيدا. وعرض جب لتجربة الإسلام مع الحضارة الحديثة فقال: أن الإسلام استطاع أن يوفق بين الحضارة ونظمه وبذلك مر بأزمة الإلحاد. وقال: أن الوحدة الإسلامية حقيقة قائمة تزداد على الأيام قوة وجلاء ودلل على ذلك بأنه ما يكاد يغشى ربع من ربوع الإسلام أى حادثة خطيرة حتى تذيعها الصحف في أرجاء آسيا وأفريقيا بأسلوب مثير عنيف فلا تلبث أن تتجاوب وتتلاقى. وقال: أن مقتل الشهيد عمر المختار كان له دوى وأن أرجاء العالم الإسلامي من مراكش إلى جاوه قد اضطربت له (كأنما قد مسها تيار كهربائى كاد يصعقها) وأشار جيب إلى دور الإسلام اليوم بالنسبة لمادية الحضارة وانهيارها المعنوى فقال: أنه ما يزال للإسلام رسالة يؤديها إلى الانسانية جمعاء، فهو يقف وسط الشرق والغرب. وقد أثبت أكثر مما أثبت أى نظام سواء مقدرته على التوفيق والتأليف بين الأجناس المختلفة "واذا لم يكن بد من وسيط يسوى ما بين الشرق والغرب من نزاع وخصام فهذا الوسيط هو الإسلام" ولم يفت جب أن يشير إلى أن الإسلام من حيث هو "عقيدة دينية" لم يفقد الا قليلا بتأثير الغزو الغربي - ولكنه تنحى عن

стр. 215

عرشه من حيث هو قاعدة اجتماعية تسود الحياة وتوجهها، وذلك بعد أن قامت إلى جانبه قوى تحكم في بعض الأحيان بما يناقض تعاليم الإسلام وأن الإسلام كله إلى عهد قريب هو كل شيء في حياة المسلم. وكانت حياته الاجتماعية واتجاهاته الفكرية مستمدة من الدين ومقترنة بالإسلام وأشار إلى ما بذله محمد عبده وتلاميذه من الجهود التي عملت على التوفيق بين تعاليم الإسلام نظمه دين مطالب الحياة الحديثة وأساليبها" ا. هـ. *** - ٧ - وقد وجد الإسلام من كتاب الغرب بعض المنصفين إلى جانب الكثرة الغالبة من خصومة المتعصبين من أمثال: هنرى دى كاسترى وسيديو وجوستاف لوبون واسحق بطلر وواشنطن أرفنج ولو ثروب استوارد وتوماس كارليل وولز. وفي مثل قول اللورد هدلي: الذي يرى أنه لو ندبت لجنة من الانجليز الأكفاء لفحص الدين الصالح لأن يتدين به العالم كله لأجمعوا على اختيار الإسلام. أو قول الدكتور كرنسيتان سنوك هير جرونجبه (البلاغ الأسبوعى ٢٧ نوفمبر ١٩٢٩) بأن الإسلام لا يقاوم النصرانية، لأن الإسلام في المستقبل سيشكل نفسه حسب حاجات العصر الحديث. ولن يدع النصرانية تغلبه وتسلبه أبنائه الذين كسبهم من مئات الأجيال، وقد طبعوا بطابعه وصاروا جزءا منه وهم يمثلونه في سائر بقاع الأرض. وهو يؤكد أن المسلمين سيستمرون في دينهم مهما اتخذوا من الثقافة والمدنية الغربيين، ويقول أنه في الجامعات الكبرى نجد الكثيرين من المسلمين ولكن مجرى عقولهم لا يزال إسلاميا. وقال أنه كان يعرف الطالب المسلم من غير المسلم في جامعه بمجرد الاطلاع على مبحثه الذي كتبه. اذ في المسلمين ميلا قويا إلى التمسك بدين آبائهم وتطبيقه على الحاجات المدنية. ويشير المستشرق لوسين بوفا (الزهراء: شعبان ١٣٤٣ ص ٤٩٦ م ١) إلى أن الإسلام يتفق مع مدنية زماننا الحاضر تمام الاتفاق. وأن التقدم الذي نشاهده في الممالك الإسلامية منذ قرن دليل على أن الإسلام يسير مع المدنية جنبا إلى جنب وأن الإسلام سيظل موجودا دائما. وأشار إلى انحطاط العالم الإسلامي فقال: ليس الذنب في أكثرها على المسلمين وانما هو نتيجة الحكم المطلق، وجهل الحكومات الذي أدى إلى انتشار الجهل، واضطرار دول الإسلام إلى خوض حروب كثيرة، والعجز عن توزيع العدل وسوء خطة الغربيين في معاملة الشرقيين. *** الدين في نظر العلم وركز دعاة الغزو الثقافي والتغريب حملاتهم على جوانب متعددة في الدين عامة والإسلام بصفة خاصة تنصب على أصول الإسلام. وقد وجه "هانوتو" الحملة على القدر والتوحيد، وهاجم مستر سكوت الإسلام وادعى أنه دين حرب دائم مع غير المؤمنين به - وقد كان كتابه عن الإسلام المليء بالطاعن مما يدرس في مدارس مصر (١٩١٥ وما بعدها). وركز "أرنست رينان" هجومه على التناقض بين الدين والعلم محاولا اثبات أنهما عدوان لدودان. وقد حاول علماء "المادية" في القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر أن يؤكدوا أن عهد "الدين" قد انقضى. وأن بقاءه على الأرض مرتبط ببقاء السذاجة العامية. وقد كذبت الأحداث ادعائهم، فان العلماء لم يلبثوا أن توصلوا إلى وجود عالم روحانى وراء هذا العالم لا يمكن انكاره، وأعلن ذلك في المجتمع العلمى لما وراء علم النفس ١٩٢٠ ومؤتمر الأساقفة الأنجليكان في لا مييت وأنشأ كرسى لهذا العلم في كل من جامعتى كمبروج واكسفورد. وكف العلم عن غروره في نهاية القرن التاسع عشر واعترف بأن لابد للمعرفة من وسائل أخرى غير وسائل الحس ووسائل التفكير وأنه لابد من "البصيرة". واستأنف العلماء مراجعة تصوف الهند واليونانيين والعبرانيين والمسيحيين المليين للبحث عن أساس روحى للحضارة. وأعلن "أوجست كونت" الديانة الوضيعة وبذلك تحطمت نظرية (نهاية الدين) التي أعلنها دعاة المادية وكانوا يعتقدون أن العلم الحديث سيحل لهم كل شيء ويكشف لهم عن كل شيء ..
следующие страницы →