Полный текст (302 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
الحملة على الإسلام
وقد واجه الإسلام حملات غزو ذات جوانب متعددة منها:
١ - الحملة على مفاهيم الإسلام وكتابه ورسوله وتاريخه.
٢ - الغزو عن طريق بعث أديان جديدة كالبابية والبهائية.
٣ - الغزو عن طريق تعميق تيار الإلحاد في العالم الإسلامي.
١ - وكانت الحملة التي قادها المستشرقون والمبشرون منذ ١٨٣٠ قد حاولت أن توهم بنهاية الإسلام، ففى أوائل القرن العشرين كان هناك رأى يرى أن الإسلام "لم يبق من عمره الا قرنان" وهى نبوءة السياسى المؤرخ "برايس"، الذي قال أن احتكاك الإسلام بالحضارة سيقضى عليه ويؤذن بنهايته.
وأن الإسلام سيذهب بذهاب الدولة العثمانية (الدكتور برون/ ك/ العرب والأفريقيين).
أو أن الإسلام قد يبقى اذا ترك لنفسه، أما اذا احتك بالتمدن الحديث فانه يموت لا محالة (المستشرق لنز بعد سياحته في تومبكتو).
وفي الحالات الثلاث التي تنبأ بها المستشرقون والمبشرون الغربيون لم ينته الإسلام وكذبت نبوءاتهم، ولم يذهب الإسلام نتيجة لذهاب الدولة العثمانية ولا بعد احتكاكه بالعلم والمدنية، ولم يصدق أيضا ما ادعاه غيرهم من أن انحطاط المسلمين يرجع إلى أسباب متصلة بالإسلام نفسه لعدم موافقته لروح التمدن - كما ذكر المستشرق يبشون الألمانى ١٨٨١ في كلامه عن تأثير الإسلام في حياة أصحابه - كما حاول كتاب الغرب دائما تصوير المسلمين بصورة العدد القليل وذلك بايراد احصائيات مضللة:
ومع ذلك فقد عجزوا عن اخفاء الحقائق. فقد أثار المستشرق (مرجليوث) في بحث له عن مستقبل الإسلام (الهلال مجلد ١٦ - ١٩٠٦) أن الإسلام غالب في أفريقيا وشائع في آسيا ومعروف في أوربا وأمريكا. ولم يظهر ما يدل على توقف انتشاره وخصوصا في القرن الماضى لأنه نهض نهضة جديدة.
وأورد قول المبشر "شاتليه" من أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يرتقى الآن وينتشر في الهند والصين. أما الأديان الأخرى فانها آخذة في الانحلال كما أورد ما ذكر أحد كبار المستشرقين من أن الإسلام سيعم الهند كلها وقال أن جماعة كبيرة من الهنود يعتنقون الإسلام ليتحرروا من قيود الديانة البرهمية وكهانها. وأن الإسلام قد انتشر مؤخرا في بلاد الصين حتى أوجس أهل أوربا من انتشاره مخافة أن يصير ديانة المملكة فيحمل أهلها على الممالك النصرانية في أوربا مثل الحملات الصليبية في العصور المظلمة. وأشار إلى أن الإسلام ينتشر في الهند والصين ومستعمرات هولندا بالموعظة الحسنة.
وأشار "مرجليوث" إلى أن الإسلام انتشر في أفريقيا بالحسنى بعد أن انتهى عهد الدراويش، وقد كان الظن أن يتوقف بعد ذهاب الحركة المهدية، والحقيقة أنه لا يزال آخذا في الانتشار.
وكذب "مرجليوث" ما رواه زملائه المستشرقين من أن انحطاط المسلمين يرجع إلى أسباب متصلة بالإسلام وقال: انى أرى المسلمين تحت سلطة المسيحيين أرقى من المسيحيين عقلا وأدبا، واستشهد يقول المستشرق "روبل" الذي ذكر بعد سياحة للحبشة ١٨٣٨ أن الأحباش المسلمين أقدر على العمل وأسمى مداركا وأكثر تهذيبا وعلما من الأحباش المسيحيين.
وأشار "مرجليوث" إلى ما ذكره الرحالة ستيفن هيدن بعد زيارته لآسيا من أن أحد المبشرين قضى في عمله عشر سنوات فلم يستطع تحويل مسلم واحد إلى النصرانية وأن عشرات من زملائه عجزوا مثله وأن دعاة النصرانية قد
стр. 212
ينجحون في البلاد التي لم يكن للمسلمين فيها دولة في عصر الإسلام" ا. هـ.
***
- ٢ -
واذا كان مرجليوث قد حاول انصاف الإسلام ، فان الأب لامنس اليسوعى (المشرق: م ٢٨ (١٩٣٠) ص ٧٣٨) قد ساقه التعصب إلى كثير من المغالطات.
وان كان قد ذكر أن انتهاء (الخلافة الإسلامية) بعد مرور ست سنوات لم يحدث شيئا من العقبات داخل الإسلام وخارجه وذلك في قوله:
"وهكذا بعد أن مضى ست سنوات على القرار الكمالى القاضى على الخلافة في آزار ١٩٢٤ نرى الإسلام يعيش وهو لا يكاد يشعر باضمحلال تلك المؤسسة العليا وقد ركز (لامنس) هجومه على الإسلام في":
* تعسر اتفاق السنيين لأن بينهم كثير من المحافظين التقليديين الذين يحلمون باعادة الخلافة القديمة.
* أن اليقظة القومية قد أحدثت توسعا في الفوارق بين المسلمين.
* أن الأتراك قد انصرفوا عن الإسلام كلية. وعن أبجدية العربية وكذلك الفرس واتجه المصريون إلى الفرعونية.
* أن الأغلبية السنية في العالم الإسلامي تنطوى على فرق من الأتراك العلمانيين ومن المسلمين الشيوعيين المقيمين في الجمهوريات السوفييتية. والعصريين المتبشرين في مصر والهند.
* الخلاف بين السنة والشيعة.
والواقع أن تقرير (لامنس) للإسلام على هذا النحو انما يقصد فيه تصوير الإسلام بصورة التفسخ والتجزؤ وانقضاء وحدته وقوته، وهو غير صحيح فان الخلاف بين المذاهب الإسلامية لم يكن في الواقع الا خلافا أملته أهواء السياسة ثم حاول الاستعمار اثارته من جديد لاستغلاله في تمزيق جبهة الإسلام الموحدة.
وأن المسلمون قد تنبهوا إلى مؤامرات الاستعمار. وتلاقوا على مقاومته، وعلى الشك في مقومات الفكر الغربي القائمة على التعصب والهوى، وآمنوا بضرورة التجمع والاتحاد في سبيل دفع عدوانه، وقد حقق الفكر الإسلامي تطورا واضحا في هذا السبيل حطم كل ما وهمه الأب لامنس ومن وراءه.
وأن الفريق الذي أطلق على (لامنس) اسم العصريين قد تنبه مبكرا لخدعة الغرب ضد الإسلام ومدى الفارق البعيد بين شعارات الحضارة الغربية البراقة وواقعها الدامى المختفى تحت كلمات الحرية والآخاء والمساواة.
وقد صور (لامنس) نتائج مؤامرة الغزو الثقافي الموجهة ضد الإسلام حتى عام (١٩٣٠) وما حققته في ميادين التعليم والأزهر وترجمة القرآن وتحرير المرأة فقال:
١ - أن التعليم القرآنى هو في تأخر مستمر ومطرد حتى في البلاد الإسلامية المستقلة. وأن أبرز مظهر لذلك هو تطور التعليم الرسمى ولا سيما في المعاهد العالية والثانوية "فهو يتحرر شيئا فشيئا من تأثير الدين حتى يصبح لا دينيا محضا كما هى الحال في تركيا".
٢ - أن دعاة التطور العصرى قد مدوا أصابعهم في داخل الأزهر فاغتنموا حاجته إلى الاصلاح وتدخلوا في ادارة الدروس وتعديل البرامج التي حررت مرات حتى غدا تأثير ذلك العقل العلمى على شفير هار ففقد في عشرين سنة ثلاثة أخماس طلابه وهكذا القول في مدرسة الزيتونة في تونس. فاذا أضفنا إلى هذا، الروح العصرى السائد في الجامعة المصرية الجديدة والمستمد مبادئه من النقد الأدبى فهمنا أنه أبعد من أن تثبت الشبيه الإسلامية في مبادئها الدينية وعقائدها وأدركنا الصدمة القومية التي يعانيها اليوم الإسلام التقليدى.
٣ - محاولة تطبيق القرآن على ذوق العصر والأفكار العصرية، والميول الظاهرة في العالم الإسلامي للتخلص من الحرمات القرآنية الشديدة فيما يختص بفائدة المال وآراء الأئمة الأقدمين في الادانة والربا.
٤ - في العالم الإسلامي اليوم حركة نسوية ترمى إلى نزع الحجاب واعتاق النساء وتحتج على استئثار الرجل وحده بحق الطلاق وعلى انتقاص حق المرأة بالارشاد والشهادة. وقد حدثت في بلاد العرب وسوريا
стр. 213
?
والعراق والجزائر ولاسيما مراكش. وقد عقد مؤتمر للمرأة في دمشق واحتججن كلهن على الحجاب احتجاجات شديدة ولكن لم تكن منهن من تجرأت فرفعت زاوية من خمارها".
ولاشك أن ما أورد الأب لامنس في تقريره بعيد في كثير من تفاصيله عن الحقائق الواقعة، والواقع أن الإسلام قد استطاع أن يلائم بينه وبين الحضارة في مختلف فروع الحياة.
ودعا الأب "لامنس" المسلمين أن ينهجوا نهج تركيا في السير مع التيار العصرى واتخاذ المؤسسات الغربية بكاملها كما فعلت "بقصد محاربة أوربا بسلاحها نفسه" وأشار إلى أن الإسلام لا يمكنه الاستمرار في عزلته والا كان عرضة للصدمة فالسقوط.
والواقع أن الإسلام لم يعتزل الحياة مطلقا وأنه كان قادرا دائما على الالتقاء بالحضارة والتجاوب معها. وأنه حاول دائما أن يلائم بين عقائده وقيمه وبين الحضارة الغربية وأنه رفض أن يقبل منها ما يتعارض مع هذه القيم والعقائد.
وقد أعرب الأب لامنس بأن عدد المسلمين في ازدياد متصل وأنهم زادوا ٢٠ مليونا في أربع سنوات (١٩٣٠) وأن سكان الجزائر زادوا في مائة سنة خمس أضعاف منذ كانوا مليونا فأصبحوا خمسة ملايين وعزى زيادة عدد المسلمين من أنهم يقومون بنشر الدعاية لدينهم فيستميلون بعض جيرانهم من الزنوج في أفريقية وأبناء اللفوف السفلى في الهند. وأنهم في سبيل نشر الدعاية الإسلامية أسسوا مدارس خاصة يربى فيها المرسلون ويدرسون اللاهوت وطرق التمارين الجدلية والمناظرات الدينية وأن أشد هذه المدارس نشاطا مدرسة الشيعيين في لكنهو بالهند ومدارس الأحمدية في قاديان ولاهور بالهند ومدرسة دار الدعوة في مصر.
(٣)
أما السر ريتشارد وود قنصل في انجلترا في تونس فقد رفع عام ١٨٧٨ تقريرا إلى وزير خارجية بريطانيا بعد دراسة شاملة للإسلام والمسلمين خلال فترة عمله لدولته في دمشق وتونس رد فيه على جميع ما وجه الغرب من اتهامات للإسلام وتصدى لدفع الاتهامات الخاصة: ب معاملة أهل الذمة من المسيحيين ورفضهم للأخذ بأسباب الحضارة.
***
(معاملة أهل الذمة)
قال: من أوهام الناس أن الإسلام يمنع مساواة أهل الذمة بالمسلمين فيما لهم وما عليهم وينبو عن الأخذ بأسباب التقدم والحضارة لأنه لا يجيز انتشار المعارف والتحلى بالعلوم.
ورد هذه الأوهام الباطلة، وأكد أن الإسلام يرى أن الأخذ بأسباب التقدم لا ينافى أصول الشرع، وأورد الأدلة على أن الإسلام يرى أن لأهل الذمة ما للمسلمين وعليهم ما عليهم "اذا ثبت أن غايتهم الوطنية موافقة لغاية المسلمين وأنهم مثلهم في ايثار مصلحة الوطن والخير العام، وأن الإسلام يجيز استشارة أهل الذمة فيما يتعلق بالنظامات الدنيوية ولا يمنع استخدام النصارى واليهود واستند في ذلك على أقوال الماوردى في كتابه (أدب الدنيا والدين) وأشار إلى أن المتأخرين من سلاطين الإسلام استأثروا بالسلطة واستبدوا بالتصرف فخرجوا عن منهج الشرع الإسلامي حتى توهم الأغبار أن سبب هذا الخلل هو ضيق نطاق الشرع الإسلامي وأنه لا يضمن لغير المسلمين حقوقهم".
وأكد أن الواقع يخالف هذا، لأن الإسلام يحتم على الملك وسائر الحكام أن يفعلوا كل ما يدعو إلى حسن توزيع العدل والانصاف في الحكم والتجرد من شوائب الأغراض والحظوظ الشخصية.
***
(الإسلام والمدنية)
٢ - وعرض ريتشارد وود للزعم الغربي الذي يزعمه مؤلفو الأفرنج من أن المسلمين لا يتسنى لهم التقدم والارتقاء في معاريج الحضارة ماداموا مقيدين بنصوص القرآن التي يقولون أنها لا تلائم المعارف واكتساب الفنون .. وقال أن هذا وهم نشأ عن الجهل بمقاصد القرآن. ويكفى برهانا على بطلانه تاريخ صدر الإسلام وعناية علماء العرب بالمعارف والفنون ودرسهم كتب الحكماء الأقدمين مثل أرسطو وأبقراط وأقليدس وبطليموس.
стр. 214
وقال: أن أكبر بواعث سوء الفهم هو انتشار الظن في أوربا بأن الإسلام دين القوة والسيف وهذا الظن مخالف للواقع ولطبيعة الإسلام ولما جاء في القرآن.
١ - وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين.
٢ - لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا اليهم ان الله يحب المقسطين".
وأشار إلى أن الباحث المدقق في أسباب الفتن التي سفكت منها الدماء في الشرق يعلم أن الباعث الوحيد في حدوثها هو أصبع السياسة الأجنبية التي تنتهز الفرص لابقاء نار الثورة بين ذوى الأحقاد. وقاتل ومن هذا القبيل واقعة الدروز الموارنة وواقعة الصقالية والبلغاريين فقد تبين أن الاعتداء انما يبتدئ من جانب النصارى (كان ريتشارد دور صاحب التقرير قنصلا لدولته في دمشق عام ١٨٦٠ أبان الفتنة المشهورة).
وقال أنه لا يجوز الظن بأن المسلمين ينفرون من مجلس الشورى ويرونه تقليدا أوربيا.
- ٤ -
واعترف (جورج سارتون) الأستاذ بجامعة هارفارد بأن الإسلام من أصح النظم الدينية وأجملها على حد تعبيره "وهو عندنا أصح تلك النظم وأجملها على الاطلاق، ولكن المسلمين اليوم كثيروا البعد عن حقيقة ما جاء به الإسلام" وردد عبارة الشيخ محمد عبده "الإسلام محجوب بالمسلمين" وقال: أننا اذا نظرنا إلى الإسلام من خلال أعمال المسلمين لم تر تلك المبادئ جلية واضحة، وأكد أن المسلمين يمكن أن يعودوا إلى عظمتهم الماضية والى زعامة العالم السياسية والتعليمية كما كانوا من قبل. ولكن هذا لن يكون إلى اذا عادوا أولا إلى فهم حقيقة الحياة في الإسلام والعلوم التي حث على الأخذ بها.
وأشار (سارتون) إلى أن الهزائم التي منى بها الإسلام لم تزعزع ثقة المسلمين بأنفسهم بل هى على العكس زادت من ثقتهم بأنفسهم.
ويتنبأ بأن المسلمين سيعودون إلى قيادة العالم كرة أخرى "ذلك أن شعوب الشرق الإسلامي وقد قادت العالم في مرحلتين طويلتين من مراحل التقدم الانسانى طوال ألفى سنة على الأقل قبل أيام اليونان ثم في العصور الوسطى مدة أربعة قرون تقريبا فليس هناك ما يمنع تلك الشعوب من أن تقود العالم ثانية في المستقبل القريب أو البعيد.
***
- ٥ -
وعرض المستشرق (هـ. أ. جب) لموقف الإسلام من الحضارة والغزو الثقافي ودعوة التغريب (الهلال - م ٤٧ ص ١٨٧٣) فأكد أنه رغم ما تسرب إلى العالم الإسلامي من اتجاهات أوربا ونزعاتها وما أصاب جماعاته من الانحلال السياسى وما بينهما من التفاوت الفكرى مازالت هناك رابطة وثيقة. نشأت من العقيدة والثقافة الدينية المشتركة وهى تؤلف بين المسلمين في الشعور والرأى والمصلحة.
وأشار جب إلى أن المسلمين مازالوا متمسكين بدينهم متشبثين بعقيدتهم مؤمنين أثبت الايمان بأن الإسلام خير الأديان. وأن الإسلام لازال حتى يومنا هذا (١٩٥٠) عقيدة دينية راسخة وقاعدة اجتماعية ثابتة ونظاما خلفيا وطيدا.
وعرض جب لتجربة الإسلام مع الحضارة الحديثة فقال: أن الإسلام استطاع أن يوفق بين الحضارة ونظمه وبذلك مر بأزمة الإلحاد. وقال: أن الوحدة الإسلامية حقيقة قائمة تزداد على الأيام قوة وجلاء ودلل على ذلك بأنه ما يكاد يغشى ربع من ربوع الإسلام أى حادثة خطيرة حتى تذيعها الصحف في أرجاء آسيا وأفريقيا بأسلوب مثير عنيف فلا تلبث أن تتجاوب وتتلاقى.
وقال: أن مقتل الشهيد عمر المختار كان له دوى وأن أرجاء العالم الإسلامي من مراكش إلى جاوه قد اضطربت له (كأنما قد مسها تيار كهربائى كاد يصعقها) وأشار جيب إلى دور الإسلام اليوم بالنسبة لمادية الحضارة وانهيارها المعنوى فقال: أنه ما يزال للإسلام رسالة يؤديها إلى الانسانية جمعاء، فهو يقف وسط الشرق والغرب. وقد أثبت أكثر مما أثبت أى نظام سواء مقدرته على التوفيق والتأليف بين الأجناس المختلفة "واذا لم يكن بد من وسيط يسوى ما بين الشرق والغرب من نزاع وخصام فهذا الوسيط هو الإسلام" ولم يفت جب أن يشير إلى أن الإسلام من حيث هو "عقيدة دينية" لم يفقد الا قليلا بتأثير الغزو الغربي - ولكنه تنحى عن
стр. 215
عرشه من حيث هو قاعدة اجتماعية تسود الحياة وتوجهها، وذلك بعد أن قامت إلى جانبه قوى تحكم في بعض الأحيان بما يناقض تعاليم الإسلام وأن الإسلام كله إلى عهد قريب هو كل شيء في حياة المسلم. وكانت حياته الاجتماعية واتجاهاته الفكرية مستمدة من الدين ومقترنة بالإسلام وأشار إلى ما بذله محمد عبده وتلاميذه من الجهود التي عملت على التوفيق بين تعاليم الإسلام نظمه دين مطالب الحياة الحديثة وأساليبها" ا. هـ.
***
- ٧ -
وقد وجد الإسلام من كتاب الغرب بعض المنصفين إلى جانب الكثرة الغالبة من خصومة المتعصبين من أمثال: هنرى دى كاسترى وسيديو وجوستاف لوبون واسحق بطلر وواشنطن أرفنج ولو ثروب استوارد وتوماس كارليل وولز.
وفي مثل قول اللورد هدلي: الذي يرى أنه لو ندبت لجنة من الانجليز الأكفاء لفحص الدين الصالح لأن يتدين به العالم كله لأجمعوا على اختيار الإسلام.
أو قول الدكتور كرنسيتان سنوك هير جرونجبه (البلاغ الأسبوعى ٢٧ نوفمبر ١٩٢٩) بأن الإسلام لا يقاوم النصرانية، لأن الإسلام في المستقبل سيشكل نفسه حسب حاجات العصر الحديث. ولن يدع النصرانية تغلبه وتسلبه أبنائه الذين كسبهم من مئات الأجيال، وقد طبعوا بطابعه وصاروا جزءا منه وهم يمثلونه في سائر بقاع الأرض.
وهو يؤكد أن المسلمين سيستمرون في دينهم مهما اتخذوا من الثقافة والمدنية الغربيين، ويقول أنه في الجامعات الكبرى نجد الكثيرين من المسلمين ولكن مجرى عقولهم لا يزال إسلاميا. وقال أنه كان يعرف الطالب المسلم من غير المسلم في جامعه بمجرد الاطلاع على مبحثه الذي كتبه. اذ في المسلمين ميلا قويا إلى التمسك بدين آبائهم وتطبيقه على الحاجات المدنية.
ويشير المستشرق لوسين بوفا (الزهراء: شعبان ١٣٤٣ ص ٤٩٦ م ١) إلى أن الإسلام يتفق مع مدنية زماننا الحاضر تمام الاتفاق. وأن التقدم الذي نشاهده في الممالك الإسلامية منذ قرن دليل على أن الإسلام يسير مع المدنية جنبا إلى جنب وأن الإسلام سيظل موجودا دائما.
وأشار إلى انحطاط العالم الإسلامي فقال: ليس الذنب في أكثرها على المسلمين وانما هو نتيجة الحكم المطلق، وجهل الحكومات الذي أدى إلى انتشار الجهل، واضطرار دول الإسلام إلى خوض حروب كثيرة، والعجز عن توزيع العدل وسوء خطة الغربيين في معاملة الشرقيين.
***
الدين في نظر العلم
وركز دعاة الغزو الثقافي والتغريب حملاتهم على جوانب متعددة في الدين عامة والإسلام بصفة خاصة تنصب على أصول الإسلام. وقد وجه "هانوتو" الحملة على القدر والتوحيد، وهاجم مستر سكوت الإسلام وادعى أنه دين حرب دائم مع غير المؤمنين به - وقد كان كتابه عن الإسلام المليء بالطاعن مما يدرس في مدارس مصر (١٩١٥ وما بعدها).
وركز "أرنست رينان" هجومه على التناقض بين الدين والعلم محاولا اثبات أنهما عدوان لدودان. وقد حاول علماء "المادية" في القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر أن يؤكدوا أن عهد "الدين" قد انقضى. وأن بقاءه على الأرض مرتبط ببقاء السذاجة العامية. وقد كذبت الأحداث ادعائهم، فان العلماء لم يلبثوا أن توصلوا إلى وجود عالم روحانى وراء هذا العالم لا يمكن انكاره، وأعلن ذلك في المجتمع العلمى لما وراء علم النفس ١٩٢٠ ومؤتمر الأساقفة الأنجليكان في لا مييت وأنشأ كرسى لهذا العلم في كل من جامعتى كمبروج واكسفورد.
وكف العلم عن غروره في نهاية القرن التاسع عشر واعترف بأن لابد للمعرفة من وسائل أخرى غير وسائل الحس ووسائل التفكير وأنه لابد من "البصيرة".
واستأنف العلماء مراجعة تصوف الهند واليونانيين والعبرانيين والمسيحيين المليين للبحث عن أساس روحى للحضارة. وأعلن "أوجست كونت" الديانة الوضيعة وبذلك تحطمت نظرية (نهاية الدين) التي أعلنها دعاة المادية وكانوا يعتقدون أن العلم الحديث سيحل لهم كل شيء ويكشف لهم عن كل شيء ..
стр. 216
وجاء علماء يقولون أن مذهب "دارون" فرض وأنه ليس حقيقة غير قابلة للنقص. وأن الأساس الذي قامت عليه المذاهب العلمية قد انهار. وأن العلم ليس كل شيء في الوجود، وأن الدين وسيلة للسمو بالانسان إلى مرتبة أرفع (الدكتور محمد خليل عبد الخالق - الهلال م ٣٩ ص ١١٣٧) وأصبح العلم يسلم بوجود ما ليس قائما أمام الحس، وبدأ عصر اعتقاد ويقين بالقرى الغيبية واتسع التحقيق العلمى للمجهول وأخذ العلماء يعترفون بأن الحقيقة كامنة وراء المظاهر، وأن الكون ليس حقيقة في ذاته وانما هو المظهر الوحيد للتعبير عن الحقيقة (دكتور على توفيق شوشه (نفس المصدر).
стр. 217
حملة الإلحاد
ركز الاستعمار حملة ضخمة من الغزو الثقافي على "الدين" في الوطن العربي. هدفها مهاجمة جميع الأديان وزعزعة العقائد وخلق تيار عميق المجرى من "الإلحاد"، وكانت أوربا قد واجهت معركة ضخمة بين الإلحاد والدين في القرن السادس عشر حين وقف رجال الكنيسة أمام النهضة محاولين مقاومة كشوفها واتهام أعلامها بالكفر والإلحاد، وقد نشأ الإلحاد نتيجة لهذا الصراع الذي استعمل فيه رجال الدين سلطانهم فأسرفوا في البطش بخصومهم عن طريق محاكم التفتيش ثم انتصر العلم وأعلن رفضه للدين عامة ومهاجمته، وساعده على ذلك ظهور المذاهب المادية المنكرة لوجود الخالق والأديان والكتب المقدسة والأنبياء.
وقد حرمت علوم الطبيعة والفلسفة والكيمياء والجغرافيا والفلسفة أن تنقض الدين وتناقضه في كل قضاياها.
وبلغ الإلحاد غايته في منتصف القرن التاسع عشر ثم عاد ينحدر مرة أخرى بعد أن أثبتت الكشوف وجود الروح وعادت الفطرة الانسانية إلى خطها الأساسي، وقد نقل الاستعمار ميدان المعركة إلى العالم الإسلامي في حملة الغزو الثقافي ومن المسيحية إلى الإسلام مع الفارق البعيد بينهما.
فالإسلام لم يقاوم الحضارة ولم يعارضها كما عارضها الاكليروس بل التقى بها دائما، ولم يتعارض الإسلام مع العلم كما تعارضت المسيحية.
ولذلك فان حملة الإلحاد قد حاولت أن تتخذ حججا أخرى لتعميق مجرى الإلحاد في العالم الإسلامي.
وكانت حملة الإلحاد التي حمل لواءها دعاة التغريب في بلادنا هو أن الدين يقيم حياتنا على أساس من التواكل وأن المتدين يبدأ بحثه من الوجوه المتجلية حوله، لينتهى للخالق ومنه للطبيعة بينما الغربي يبدأ من العالم المتطور لينتهى بعالم الغيب، هذا التباين في مفزع التفكير ذهب بالمتدينين إلى الاعتقاد بأن العالم حادث، أن الخالق مطلق التصرف في الكون منفصل عنه ومدير له. وأنه السبب لكل ما يحدث والعلة الأولى والأخيرة لكل ما يكون وما سيكون.
وأن الفرد المتدين في الشرق خاضع لارادة عليا هى ارادة الخالق الحرة، يقضى فيكون ويقدر فيحدث، أما الغربي الملحد فانه يتبع في تصرفاته وسلوكه قواميس الحياة ويخضع لها.
وأن المتدين يستسلم للغيب استسلاما محضا، بينما في الغرب يناضل الملحد قوى الغيب (إسماعيل أدهم - (الرسالة) سبتمبر ١٩٣٨) وحمل دعاة الإلحاد لواء الدعوة إلى القول بأن الإسلام هو سبب تأخر الشرق، وأن الذين يضع القيود ضد الحريات في الأدب والأخلاق ولذلك يتأخر الفن والأدب في ظل الدين وأباح دعاة الإلحاد نقد القرآن والنظر في آياته وتبين ما فيها من فروق وصفوها بالقوة والضعف.
***
الأديان الجديدة: البابية والبهائية والقادياتية:
وقد حارب الغرب الإسلام بالدعوة إلى أديان جديدة كالبابية والبهائية والقادياتية، ولاشك أن ظهور الدعوات الجديدة التي تحمل أسماء الأديان والتركيز عليها واهتمام الصحف والمجلات بالدعوة لها واذاعة مبادئها والحديث عنها انما كان عملا واضح الدلالة والأثر في حرب الإسلام ومحاولة القضاء عليه وقد أكد ذلك الدكتور تشارلس أدمس حين قال أن "البابية" كانت وسيلة للانتقال من الإسلام للنصرانية.
وقد حرص دعاة التغريب على حمل لواء الدعوة إلى هذه الأديان وداومت الهلال والمقتطف والمجلة الجديدة والعصور والأهرام والمقطم نشر أبحاث مطولة عن البابية والبهائية.
وقد كان موت زعيم البهائية: عباس عبد البهاء (نوفمبر ١٩٢١) مناسبة لحملة طويلة عريضة، فقد
стр. 218
أشارت الصحف أن كان لنعيه وقع عظيم في نفوس البهائيين في أقطار المعمورة، وقد نشرت الهلال التي أوردت الخبر تفاصيل كاملة عن مبادئ المذهب البهائى وأهمها أن أساس الأديان واجد وأن الطقوس التي دخلت عليها أدت إلى التمزق والانقسام.
وقالت أن البهاء رمى إلى تأسيس دين عملى نظر فيه إلى تقويم الأخلاق ووجه دعوته إلى العالم كله وليس إلى الشيعة فقط، فكتب إلى ملوك الأرض وقالت أن البهائية فرع من البابية التي ظهرت في السبعينات من القرن الماضى عن طريق البرزا على محمد الباب (المتوفى عام ١٨٥٢) وأن الباب رمى إلى اصلاح الدين الإسلامي.
وقد أشار سلامة موسى في المجلة الجديدة (فبراير عام ١٩٣٠ إلى أن البهائية دين جديد يوافق النزعات الجديدة. وقالت أن هذا الذين يحب أن يلقى تأييدا في مصر حتى ينتشر بين الطبقات التي لا تجد من الأديان السائدة أو من العلوم والآداب ما يقنع نفوسها وقال: أن في انتشار البهائية كبت للتعصب ودعوة إلى اخاء البشر، وأن تنزل على حاجة العصر الحاضر الذي يكره فيه تعدد الأديان وما تجلت في مخالفة بعضها للبعض من تجزيات وتعصب.
ونشر (عمر عنايت) مجلة في العصور أبحاثا متصلة عن البابية والبهائية وتعاليم البهائية وبشر عبد الجليل مسعد الناس بالدين الجديد في مجلة العصور (نوفمبر ١٩٢٩) وقال "قل هو نبأ عظيم" وطالب الناس بألا يتعجلوا الحكم عليه فانه سيتم به اتحاد الشرق والغرب والأديان والأجناس وبه تزول الحروب.
وترجمت العصور كتاب المبشر ج. ا. ا. سلبنت عن "بهاء الله والعصر الحديث" ونشر عباس العقاد في الهلال بحثا بعنوان ساعة مع عبد البهاء (يناير ١٩٣٠، ونشرت الأهرام ٥/ ٥ و ١١/ ٥/١٩٣١ بحثا مطولا عن هيكل البهائية في نيويورك وانتشار هذه الديانة التي "تدعو إلى توحيد الأديان واللغة وترك العصبيات الدينية والجنسية ونبذ الحروب).
٣ - واهتمت دوائر الغزو الثقافي والصحف بالدعوة القادياتية الأحمدية (الأهرام ٢٤/ ٩/١٩٣٣) التي قام بها (غلام أحمد القادياتي) مسيح الهند المولود بقاديان بالبنجاب والذى ادعى بأنه المهدى المنتظر الذي يؤمن به المسلمون وينتظرونه وتتلخص عقيدتهم في هوت السيد المسيح ودفعنه وعدم انقطاع الوحى والنبوة غير التشريعية وعدم النسخ في القرآن.
وقد هاجمهم رشيد رضا (الأهرام ٢٧/ ٩/١٩٣٣) وقال أن دعوى غلام أحمد بأنه المهدى المنتظر دعوى باطلة. وأن القادياتى ادعى أولا أنه المهدى ثم ادعى أنه المسيح الموعود به وأنه يوحى اليه وجاء بسخافات من النثر والشعر زعم أنها تنزل عليه. وحرف كثيرا من آيات القرآن والأحاديث الواردة.
وأشار إلى أنه اعتمد في دعواه ببقاء الوحى والنبوة غير التشريعية على أقوال بعض الصوفية كعبد الكريم الجبلى في كتابه الانسان الكامل وابن عربي في الفتوحات المكية والشعرانى في كتابه البواقيت والجواهر.
***
حركة المقاومة ورد الفعل
ولم يقف الفكر الإسلامي مكتوفا أمام هذه الحملات وانما واجهها بقوة ودحض أكاذيبها، وكشف عن خداعها وتضليلها وتعصبها، ورفع الغشاء عن الأباطيل التي برع الغزو الثقافي في حمل لواءها البراق، والتي خدعت الكثير من دعاة التغريب في العالم العربي فصدقوا شعارات الفكر الغربي وكلماته ذات الرنين وخدعهم المبشرون الذين تلقوا عليهم العلم في جامعات أوربا، وفرنسا بالذات، أمثال ماستيون ودوريكهام ومرسية ومرجلوث ولينى بريل وهم أساتذة منصور فهمى وطه حسين ومحمود عزمى وزكى مبارك.
والعجيب أن كتاب أوربا قد انقسموا ازاء العقائد الشرقية والإسلام واللغة العربية وتاريخ العرب وأمجادهم قسمين، وأن مفكرين ذوى قدر وصوت عال قد أنصفوا العرب، ومع ذلك فان نظريات المبشرين والمستشرقين كانت دائما لها الغلب، وكانت هى التي تتردد في صحف مصر والوطن العربي - لا على أنها نظريات قابلة للنقض .. ولكن على أنها حقائق ثانية، ومما يذكر في هذا الصدد أن "ربئان" عندما عرض آرائه عن العرب والسامية وراجعه فيها "جمال الدين الأفغاني" لم يجد أمامه الا أن يعلن أنه سيعاود النظر في مراجعة على ضوء ما أورده جمال الدين في الرد عليه، ومع ذلك فان دعاة التغريب حملوا هذه النظريات في الهجوم على الإسلام والعروبة واللغة العربية كحقائق تفرض فرضا.
стр. 219
وقد واجه الفكر العربي في قوة وصراحة ووضوح وعلى نفس المنهج العقلى والمذهب الغربي في البحث كل ما عرضه المبشرون والمستشرقون وخصوم العرب والإسلام، وكشف زيفه. وأبان أن هذه الحملة لم يقصد بها الا توهين عرى الإسلام وتشويه صورته وصرف أهله عنه، وأشاروا إلى صيحة "غلا دستون" رئيس وزراء بريطانيا في عهد الملكة فيكتوريا في مجلس العموم البريطانى وهو يمسك بيده "القرآن" ويقول "أنه ما دام هذا الكتاب باقيا في الأرض فلن يقر لنا قرار في بلادهم".
وقد اعتبرت هذه الصيحة قاعدة للحملة التغريبية الضخمة المتصلة على الإسلام وعلى ضوئها وضع الغرب سياسته في التعليم والثقافة محاولا الادعاء بأن الإسلام ليس في حقيقته الا عبادات وصلوات وطرق صوفية وأن القرآن يقرأ للبركة. مع الاغضاء المتعمد والتجاهل الشامل للإسلام كنظام اقتصادى واجتماعى ونظام للحكم ونظام للتربية والتعليم.
واستتبع هذا، العمل على فصل العلم عن الدين وفصل الدين عن الدولة.
وقد عمل الفكر الإسلامي جاهدا على رد كل الشبهات التي أثارها المبشرون والمستشرقون ودعاة التعريب من أن كلمة الإسلام معناها الخضوع والاستسلام، أو أن الإسلام تاريخيا فرع من الديانة الاسرائيلية والمسيحية (فيليب حتى (ك) الإسلام في نظر الغرب) وكشف عن أن الإسلام لا يعنى الاستسلام وأنه يختلف عن كلتا الديانتين.
***
٢ - جوهر الإسلام
وكشف الفكر العربي عن جوهر الإسلام في أنه عقيدة ونظام، وأن مبادئ الإسلام وتعاليمه صالحة للمجتمع على اختلاف الزمان والمكان. وأن أركان العقيدة الإسلامية بسيطة قوامها التوحيد. وقد أقر الإسلام حقوق الحرية والاخاء والمساواة بين البشر، وألغى العصبية وفوارق الأجناس والألوان والدماء، وجعل أساس التفاضل بالعمل وحزم العصبية القبلية ودعا إلى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ونشر الاخاء بين الناس وحمل لواء الجهاد في سبيل الدفاع عن العرض والأرض والوطن ونهى عن عبادة غير الله.
وتشمل الشريعة الإسلامية كافة التكليفات الشرعية العملية، وتنظم العلاقات بين الناس في الأسرة والمجتمع بما يحقق قيام مدنية فاضلة تقوم فيها العلاقات على دعائم ثابتة ودعا إلى الحج كمؤتمر إسلامي عام.
وقد نظم الإسلام المجتمع على أساس الخلق والتعاون والتكافل.
وأقام الأسرة على أساس المودة ونظم العلاقات بين الناس وفرض نظام الشورى في الحكم، وأعلن احترامه للكرامة الانسانية والعدالة وعدم التفريق في القضاء بين الغنى والفقير أو الأمير والسوقة، وأعطى توزيع الأعمال بمقدار الكفاية، وعالج الفقر بنظام العدالة الاجتماعية، وجعل للفقير في مال الغنى حقا معلوما هو الزكاة تجمعه الدولة، وأوجب على ولى الأمر أن ينفق على الفقير العاجز، وللقاضى أن يحكم له بما يكفيه من بيت مال المسلمين، وأوجب على أهل كل قرية أن يقوموا بسداد حاجة فقرائها أن لم تكف الزكاة وأعطى المرأة حقها ومنحها حرية الارادة في البيع والزواج والشراء، وحث على طلب العلم وأقام الحكم العقلى فيه على أساس البرهان "قل هاتوا برهانكم".
وقام الإسلام على قاعدة: لا ضرر ولا ضرار وعلى سد الذرائع واعطاء الوسائل وأحكام المقاصد والغايات فكل ما أفضى إلى مباح فهو مباح، وكما أباح اعطاء الظن الغالب حكم اليقين المجزوم به، وقرر تقنيم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض ودعا إلى المساواة بين المسلمين في الأحكام كذلك بينهم وبين من له ذمة وعهد فان لهم ما لكم وعليهم ما عليكم. وعمل على تقدير كثير من الأحكام بما تعورف به الناس وأعلن أن من اجتهد وأخطأ فله أجر واحد ومن اجتهد وأصاب فله أجران.
***
- ٣ -
وكان "الإسلام" واسع الأفق في لقاء الحضارة الغربية الحديثة وقد حرر الفكر الإسلامي نفسه بفتح باب الاجتهاد قبل أن تصل طلائع الغزو الغربي فان علماء القرن الثامن عشر قد دعوا إلى فتح باب الاجتهاد بعد أن ظل مغلقا فترة طويلة. وأعادوا تفسير قوانين الإسلام وكشفوا عن وجه الإسلام الحقيقى بعد أن رفعوا الغشاء الذي خلفه الجمود والتقليد.
стр. 220
وكانت الحركات الوهابية والسنوسية، وهى حركات منفصلة قامت في الحجاز وليبيا والسودان علامات على وضوح مفاهيم الإسلام الحقيقية من تحرير الفكر وتحرير الوطن في نفوس دعاتها، قد عملت هذه الدعوات على التحرر من قيد التقليد والعودة بالإسلام إلى منابعه الأولى وفي نفس الوقت قاومت الاستعمار الغربي؟
كما توافرت في (الإسلام) خلال معركة المقاومة التي شنها على الغزو الثقافي والتدخل الأجنبى مرونة واضحة في تقبل خير ما في الحضارة، وتمكين المجتمع الإسلامي من التطور والعمل للملائمة بين الحضارة وبين أسس القيم الروحية والفكرية الإسلامية التي كانت أساسا ضروريا لبناء المجتمع الجديد.
стр. 221
الإسلام في معركة المقاومة
بين التجديد والاجتهاد والاصلاح
ولقد اتجهت أفكار المصلحين ودعاة الاجتهاد والتجديد من قادة الفكر العربي الإسلامي إلى بحث قضايا الإسلام في مجال التطور ومواجهة الحضارة والاستعمار والغزو الثقافي وتناولت هذه القضايا بحث؟
* لماذا تأخر المسلمون.
* هل يستطيع الإسلام تقبل الحضارة.
* ما هو الحد الذي يمكن اقتباسه من الحضارة.
* ما هو سبب الضعف: هل هو الإسلام أم المسلمين.
وقد كشف الباحثون عن أن أكبر عوامل تخلف المسلمين هو:
١ - فساد أخلاق الأمراء والملوك والحكام الذين أعطوا أنفسهم حرية التصرف على نحو استبدادى لا يراجع، على أساس مفاهيم مغلوطة بأن هذه الشعوب ليست الا خدما لهم، وقد بلغوا في هذا غاية الظلم والعنف فكانوا يقضون على أى رجل حر يحاول أن يردهم عن استبدادهم أو يكشف عنه.
٢ - ضعف العلماء وتزلفهم للأمراء ومحاولة تبرير تصرفاتهم والفتوى بقتل كل رأى حر بحجة أنه خرج عن الجماعة.
٣ - دعاة التغريب الذين يهاجمون كل قديم بما فيه الدين واللغة والتراث.
٤ - ؟ ؟ ؟ الجامدون من علماء الدين الذين قاوموا التطور والجديد على نحو من الجهل والتعصب. والنظر إلى الإسلام على أنه دين وعبادة فقط، وليس نظام ومجتمع وحضارة. (شكيب أرسلان (ك) لماذا تأخر المسلمون).
٢ - وكشف الفكر العربي الإسلامي عن أن في نصوص الإسلام وتاريخه أدلة - أكيدة - على أنه "دين" يستطيع أهله أن يجدوا فيه كل ما يتفق مع مظاهر الحضارة والمسايرة للزمن وتطبيق الأحكام مع ملائمة الأحوال والظروف مع المحافظة على روح الدين، وأنه ليس في الإسلام ما يمنعنا من أن نأخذ من حضارة العرب ما ينفعنا ويلقح حياتنا باللقاح المجدد، وأن الوسيلة إلى ذلك هو ظهور الرجال الذين يفهمون روح الدين بالعقل اليقظ العارف لحاجات العصر وتيارات الحضارة (محمود الشرقاوي) وأيد الشيخ محمد مصطفى المراغى هذا الاتجاه حين أكد أن القرآن الكريم حث المسلمين حثا شديدا على طلب العلم وتدبر ما في الكون، ودراسة جميع المعارف والتأمل والبحث في الحقيقة - وقال: أن للمسلمين أن يأخذوا جميع ما في الحضارة الحديثة من حسن لا يتنافى مع دينهم وأن يقتبسوا الرقى في جميع النواحى العلمية والمادية وقد أكد التاريخ الإسلامي هذا المعنى بأن الإسلام لم يكن يوما ما عدوا للرقى وخصما للعلم وأنا لا أعتقد أن هناك قاعدة علمية صحيحة تنافى الدين الإسلامي" أ. هـ.
٣ - رسم المفكرون منهج الربط بين الإسلام والحضارة والنظر إلى الإسلام من الناحية العلمية: قال محمد فريد وجدى أن هذا أصبح من أشد الضرورات الاجتماعية نظرا لتمرد العقول على ما لا يقوم على أسباب العلم الراهن ولا يوفى بشروط الفلسفة الوضعية.
٤ - كشف المفكرون المسلمون عن أن القصور والنقص انما يسببه المسلمون لا الإسلام، وأن سيادة الإسلام كانت على الزمن قادرة على مواجهة التطور
стр. 222
?
والحضارة، وأن الضعف الذي أصاب الأمة كان مصدره العوامل المختلفة التي تتصل بالجمهود واقفال باب الاجتهاد وغلبة البدع والفتور والتواكل وخطأ فهم عقيدة القضاء والقدر وقيام السلبية والفردية والترف والتخلف عن الزمن نتيجة لغلبة الجهل والتوقف عن الكفاح وحماية الثغور وسيطرة الأمراء المستبدين والعلماء الجامدين والاستهانة بالعدو.
ولقد استغل الاستعمار بعض طوائف المسلمين كرجال الطرق الذين أزروا السلطات الاستعمارية في شمال أفريقيا والسودان.
أما الإسلام في ذاته وجوهره فلم يكن عاملا من عوامل الضعف والقصور.
٥ - عارض المفكرون المسلمون الغرب فيما وصف به التفكير العربي الدينى من أنه تفكير تجريدي، واستشهدوا في ذلك بالإسلام وقالوا أن هذا الفكر رهن بالقواعد المرسومة شبيه بهندسة البناء العربية لا تحتوى صورة من صور الحياة المماثلة في بنية الانسان وملامح وجهه" كما وصفه (روم لاندو) في محاوره بينه وبين لطفى السيد (٢١ - مارس ١٩٣٨ - الرسالة) وقد رفض لطفى السيد هذا الرأى وقال له "أن الفكر العربي أشد ايغالا في الواقعيات من الفكر الأوربي. وهذه شريعتنا الدينية التي استشهدت بها على نزعته التجريئية تتناول شئون الحياة اليومية ولا تقتصر على مماثل اللاهوت والأخلاق كما هو الحال في الشريعة المسيحية، وهى تقضى بالوصايا في أمور للمعيشة والزواج والميراث وأحسب أننا أقرب إلى معرفة الحقيقة حين ندرس (المخيلة المسيحية) بتصور السماء والفردوس. أما المسلمون فكيف تراهم يتخيلون السماء، انها دار حقيقية فيها اللبن والعسل والمسجد وفيها الأشجار والأزهار والحور العين" ا. هـ
***
الجماعات الإسلامية
وقد اتجهت مقاومة حرب الإسلام إلى أعمال ايجابية متعددة كان أبرزها قيام الهيئات الإسلامية للدفاع عن الإسلام. كما طالب المفكرون بمحاربة البغاء وتطهير الأخلاق والصحوة إلى أن يكون الدين مادة أساسية في جميع مناهج التعليم. وكان الشيخ محمود أبو العيون في مقدمة هؤلاء الدعاة.
وقد كانت جمعية الشبان المسلمين من أبرز هذه الأعمال التي تجمع فيها دعاة الاصلاح والمقاومة وقد تفرعت عنها جماعات أخرى كالأنصار والاخوان المسلمين ومصر الفتاة والتعريف الدولى بالإسلام والكفاح لتحرير الشعوب الإسلامية.
وقد واجهت (الشبان) أحداث العالم الإسلامي وأصبحت ملتقى رجال العروبة والإسلام وحركات التحرر في العالم العربي والإسلامي وكانت جبهة دفاع قوية الأثر في مواجهة حركات التبشير والإلحاد والتغريب ومعارك الاستعمار في فلسطين وشمال أفريقيا وسوريا والجزائر، وأبدى المستشرق، كامبفيابر اهتمامه بما وراء هذه الحركة من خطر وأثر في المستقبل، ووصفها المستشرق جب بأنها أكبر دلالة على التنظيم الجديد في الحياة الاجتماعية والعقلية في العالم الإسلامي، وقد سلكت الجمعية إلى أهدافها في تربية الشباب الإسلامي العناية بالخلق والرياضة كوسيلة إلى القوة وكمال التكوين على أساس أن القوة مطلب أساسى في الإسلام لدفع الاعتداء وارهاب العدو واحتمال مطالب الجهاد، واستخدمت لهذا الغرض الخطابة - والمحاضرة والصحافة وكتابة الأبحاث والمقالات وقد كان للسيد محب الدين الخطيب الفضل الأول في تأسيس هذه الجماعة ودفعها إلى الأمام وان لم يظهر عمله موسوما باسمه اذا كان يفضل أن يرسم الخطط ويقف وراء منفذيها.
فقد روى محمود محمد شاكر (الفتح مجلد ٩ - ١٣٥٣) أنه في ربيع الأول ١٣٤٦ زار مكتب محب الدين الخطيب في المطبعة السلفية للشيخ محمد الخضر حسين وتحدثا عن اجتماعات الشبان المسيحية التي تدعو رجالا ليحاضروا فيها ومن بينهم رجل من رأيه أن يجعل القرآن موضعا للتهكم والشك ثم التقى بهما عبد السلام محمد هارون وقد بدأ التفكير في انشاء جماعة للشبان المسلمين .. وقد جمع محب الدين الخطيب بين رجلين هما أحمد تيمور باشا ومحمد الخضر حسين وضمت في مجلسها الأول: محمود الحضيري، محمود محمد شاكر، هارون ومحمد خلاف. محمد أبو الفضل إبراهيم، توفيق أحمد محمد القاضي، كمال اللبان، عبد الفتاح كيرشاه. مصطفى محمود القاضي، زكى القاضي، واشترك فيها عبد العزيز شاويش والمهياوى وأحمد إبراهيم ومحمد أحمد الغمراوى والدكتور يحيى الدوديرى والدكتور على مظهر ومحمود على فضل واختير عبد الخميد سعيد رئيسا لها.
стр. 223
وقد كان أبرز ما في هذا العمل الايجابى الضخم أنه أول تجمع لمقاومة الإلحاد وخصومه الغرب المثقف الذي ورد جامعات أوربا وأحرز أرقى درجات جامعات لندن وفيينا وغيرها. وقد كان هذا أبلغ رد على المثقفين الذين كانوا يحملون لواء الدعوة إلى التغريب ويهاجمون الإسلام ويدفعون الفكر العربي إلى مهاوى الحيرة والشكوك باذاعة الآراء الإلحادية والدعوات الاباحية كتلاميذ وأتباع المستشرقين والمبشرين ومؤازرين للاستعمار وعملاء للغزو الثقافي، ولاشك أن الجماعات الأخرى التي تفرعت عن الشبان المسلمين كنواة أولى للتجمع الفكرى كان لها دورها في العمل للإسلام في الفترة التالية لهذه الفترة التي نؤرخها مما ليس مكان بحثه هنا، وقد أبرزت جماعة الشبان المسلمين دورها في "الأخذ من محاسن حضارتى الشرق والغرب وترك ما فيها من مساوئ". غير متكلفة ولا معروفة عن الماضى الصالح والحياة العصرية النافعة لتقضى في ذهن الشباب المسلم على الفهم المخطئ لحياة التدين من أنها حياة الجمود على القديم ولو كان فاسدا والتغلب على الحديث ولو كان صالحا. والانفصال بين التفكير في الدنيا والدين والانعزال عن تيارات الياة ومصارعتها وسوء الظن فيها والرهبة منها فقد آمنت الجمعية (ص ١٥ من ١ ك) ٣٠ عاما من حياة الشبان المسلمين) من أول يوم بأنه لا نهوض للمسلمين الا بالحرص على الباقيات الصالحات من حضارة الشرق ومواريثه والحرص على اقتباس كل ما هو نافع مقيد من حضارة الغرب التي فيها من العلوم والفنون والآداب والأعمال ما جدد الحياة وأضاف اليها عجائب كثيرة وجعل المتخلفين عن الأخذ بها محكوما عليهم بالضعف والضياع" ا. هـ.
***
ترجمة معايى القرآن
كانت فكرة "ترجمة معانى القرآن" التي حمل لواءها محمد مصطفى المراغى شيخ الأزهر منذ عام ١٩٢٨ من أعمال مقاومة الغزو الثقافي والتغريب، ذلك أن الغربيين كانوا قد ترجموا القرآن منذ منتصف القرن الخامس عشر (١٤٥٧) عن طريق المبشرين وتوالت الترجمات التي بلغت ٣٤ ترجمة، وهى ترجمات مغلوطة محرفة ناقصة في بعضها ومزيدة في الأخرى، وقد انتشرت هذه الترجمات في مختلف أنحاء العالم على أنها ترجمة حقيقية للإسلام، وقد استعملها بعض من لا يعرفون اللغة العربية، ولما كان في ذلك من الخطر ما فيه على مفاهيم القرآن وبلاغته فقد كان لابد من القيام بعمل من هذا النوع لترجمة "معانى القرآن" ترجمة صادقة.
وقد جرت معارك فكرية طويلة ١٩٣٢ و ١٩٣٥ و ١٩٣٦ حول ما اذا كانت الترجمة للقرآن هى ترجمة كاملة أم ترجمة معانى القرآن، وقد ذكرت مشيخة الأزهر (١٦/ ٤/١٩٣٦) أن تراجم القرآن إلى مختلف اللغات الأعجمية قد شاع في هذا العصر وأن بها أخطاء وأغلاط شائنة تتنافى مع ما جاء في الدين الإسلامي الحنيف وهى من أجل ذلك قد أنشأت قسما خاصا من مجلة نور الإسلام واستقدمت الأخصائيين في اللغات الذين ناطت بهم ترجمة تفسير بعض الآيات وأخذت من تفسير الألوسى والبيضاوى وغيرهما من التفاسير.
وأشارت إلى أن المراد من ترجمة معانى القرآن الكريم هو "بسط هذه المعانى تبسيطا محكما وتفسيرها تفسيرا دقيقا على أن تترجم المعانى بعد ذلك، وقالت أن القرآن لفظ عربي معجز وله معنى، أما نظمه العربي المعجز فلا سبيل إلى نقل خصائصه لأن هذا مستحيل استحالة قطعية.
ودعا محمد فريد وجدى إلى ترجمة القرآن ترجمة صحيحة كاملة، وذلك حتى يكون بنجوة من تحريف المحرفين وقال أن هذا العمل خير من أن يترك المترجمين من متعصبة الأمم يحرفونه ويشوهون معانيه.
ونعى فريد وجدى على أسرار بعض العلماء على حبس الإسلام في دائرة العربية التي لا يحسن فهمها غير أهلها وتجريده من الأسلحة العالمية وهى اللغات الحية للدفاع عن نفسه، وقال أن وضع القيود غير المعقولة في مسألة نقله يقضى عليه بهزيمة منكرة تقع نتائجها علينا وعلى أعقابنا قرونا طويلة، ومعناه صده عن الجولان في الدورة الفكرية العالمية مع غيره من كتب الأديان وأسفار المذاهب.
وقال: أن الاكتفاء بترجمة تفسير لا يؤدى الغرض المطلوب من نشره، لأن المفكرين في العالم يحبون أن يتأملوه عاريا من زخرف التفاسير والشروح وألوان الآراء والأفهام لمعرفة قيمة الذاتية.
وقال أن كل ما يخشى منه أن يوكل أمر البت في هذا الشأن لمن لا يعرفون لغات أجنبية فيخيل اليهم أنها لغات بربرية تخلو من جميع الزخارف اللفظية والمعنوية التى
стр. 224
توجد في العربية، وقال أن تعطيل القرآن عن الترجمة الحرفية والزج به في معترك الأفهام إلى اليوم قضى عليه بأن لا يكسب أنصارا من الأمم الغربية فصار قاصرا على الأمم الشرقية التي رضيت أن يكون حظها من دينها كحظ الببغاء.
وأشار إلى حركة الأتراك التي أثرت في الوطن العربي أعظم تأثير وأبلغه وزاد اعجابه بها عند اقدامهم على كسر هذا السياج الفولاذى الذي وضعه المتأخرون أمام ترجمة القرآن مع جوازه في أقدم المذاهب الفقهية (٢/ ٧/١٩٢٢ الأهرام).
وقد عارض ترجمة معانى القرآن كثيرون في مقدمتهم الشيخ محمد سليمان وكيل المحكمة العليا الشرعية الذي وصفها بأن وراءها غرض استعمارى هو القضاء على القرآن تمهيدا للقضاء على الإسلام وتابعه محمد الههياوى وعارضها كذلك الشيخ الظواهرى وكان الخلاف سياسيا في الأغلب.
ومما يذكر أن أول ترجمة للقرآن كانت باشارة بطرس فيزابلس رئيس كنيسة كلنيه وقد تمت ١١٤٣ م وظلت مختفية نيفا وأربعمائة سنة حتى طبعت ١٥٤٣ إلى الفرنسية وطبع ١٦٤٧، ولم تكن ترجمة صحيحة وبها نقص وزيادة، وترجم إلى اللغة الألمانية ١٦١٦ والهولندية ١٦٤١ والروسية ١٧٧٦ والايطالية ١٥٤٧ والانجليزية ١٧٣٤ والعبرانية ١٦٣٤ والآرية ١٧٩٠ والفارسية ١٨٣١ والجاوية ١٩١٣ والنيفالية ١٩٠٨ والتركية ١٩١٣.
وقد أعلنت ترجمات متعددة للمستشرقين والمبشرين من الأوروبيين وكلها ترجمات تفسيرية وليست كاملة.
ومما يذكر أيضا أن القرآن ترجم في عهد هشام ابن عبد الملك إلى اللغة السريانية (لغة الحضارة في ذلك العصر) ويوجد في متحف لندن المجموعة الخطية التي وهبها ادوار كاربورى في ٥٠ ألف مجلد وتشمل ترجمة قديمة للقرآن منذ ٦٩٠ م وبها آيات كاملة ليست من القرآن.
стр. 225
الخلافات بين المذاهب الإسلامية
كان الخلاف بين المذاهب الإسلامية من العوامل التي استغلها الاستعمار في معركة الغزو الثقافي والتغريب فقد حرص على أن يثير الخلافات بين هذه الطوائف حتى يؤكد الفروق ويعمق التفرقة، وقد كان أبرز هذه الخلافات التي آثارها الاستعمار:
* بين السنة الشيعة.
* بين السنة والصوفية.
* بين السنة والوهابية.
***
بين السنة والشيعة
حرص المبشرون والمستشرقون على دراسة المذاهب المختلفة في الإسلام فيما سوى مذهب السنة، والاهتمام بها والتوسع فيها، وكانت الشيعة من أهم هذه الأبحاث وبالرغم من أن الشيعة الاثنى عشرية والزيدية هى وحدها الموجودة الآن في العالم العربي، فان هؤلاء الكتاب بما يحملون من روح الحقد والرغبة في بلبلة الأفكار وتصوير المذاهب بصورة مثيرة، قد خلطوا بين هذين المذهبين المعتدلية وبين مذاهب الأغاخانية والحلول بقصد اثارة خلافات قديمة؟ ؟ ؟ وهم يهدفون من نشر مثل هذه الأبحاث في الوطن العربي إلى اثارة السنين على أخوانهم الشيعة دون أن يكون هناك ما يكشف بعض المغالطات والأخطاء المتعمدة.
وقد حرص الاستعمار في معركة الغزو الثقافي و؟ ؟ ؟ إلى احتضان كل الفرق كالأحمدية والبهائية واستغلالها في اثارة الفتنة بين المسلمين والتشكيك في المستندات الدينية وتوسيع دائرة الخلاف، وذلك رغبة في تمزيق الوحدة الفكرية والدينية كجزء من خطة التجزئة الكاملة للفكر والوطنية واللغة والدين.
وقد أثيرت أسباب هذا الخلاف عدة مرات نتيجة لكتابات مختلفة كتبت من جانب واحد مع حجب الجانب الآخر، وقد جرت الدعوة في هذه المناسبات إلى العمل على تقريب وجهات النظر بين السنة والشيعة في العراق وسوريا، وحرص الأزهر على أن يشترك في بحث منشأ الخلاف والطرق العملية لازالته. وكتب محمد رضا المظفر من علماء النجف الأشراف (الرسالة م ٣ ص ١٦١٢) يقول نحن نفهم من كلمة (الشيعة) اذا قلناها الأمامية الاثنى عشرية خاصة، لأنهم الأكثرية من بين فرق شتى، وذو المؤلفات والمعارف التي يقال عنها مؤلفات الشيعة ومعارفها، ولأنهم اليوم شيعة العراق وسوريا وايران والامارات العربية على الخليج الفارسى والهند وأفغانستان. وهناك الزيدية في اليمن والبهرة في الهند. أما الفرق الأخرى فقد؟ ؟ ؟ ؟ كان ولا يعرف لها أثر.
وقال: أن الخطأ هو الصاق عقائد تلك الفرق البائدة بعامة الشيعة (الشيعة بالمعنى المفهوم اليوم) وهذا ما يثير غضب الشيعة الأحياء من غير حاجة تدعو ولا ضرورة.
وأشار إلى أن الفرق التي وصفت بالمرجلة والغالية والمجسمة والحيرة والسبكية وغيرها مما أوردها الشهرسقانى في كتابه الملل والعلل قد انتهى؟ ؟ ؟ وقال أن كل مفاهيم الشيعة أنها تتمسك؟ ؟ ؟ الرسول ﷺ ، ولكن ليس كعقيدة موالاة فحسب، وانما تعنى من التمسك بهم أن تأخذ بأقوالهم في أحكام الفقه وترجع اليهم في دين الإسلام وتدل على أن ما جاء به النبى ورثوه عنه وعلم مكنون لديهم وهم أمناء عليه معصومون".
وأشار إلى أن هذه الخلافات قد بذرتها السياسة لأغراضها في زمن بعيد لسنا أبناءه فلا يصطدم بآراء أفراد لا نعرف عنهم كثيرا.
وقد أشار محب الدين الخطيب إلى أن الخلاف بين أهل السنة والشيعة هو خلاف جوهرى وأن أبرز هذا
стр. 226
?
الخلاف هو أن الشيعة الاثنا عشرية يدعون العصمة لأمير المؤمنين "علي" وأحد عشر رجلا من سلالته (ان لم يدعها "علي" لنفسه أو واحد من بنيه) وقال الخطيب: أن النبى وحده هو المعصوم في هذه الأمة ولا معصوم فيها غيره وهو وحده مصدر التشريع وأصحاب رسول الله هم حملة شريعته وأمناؤها الذين أدوها إلى الأمناء بعدهم.
وأشار كثير من الباحثين بأن الخلاف بين السنة والشيعة ينصب على ثلاث مسائل: ١ - الرحمة ٢ - زواج المتعة ٣ - عصمة الأئمة (وأن هذه جميعها مسائل فرعية فمادام الاختلاف لا ينصب على أصول الدين ومبادئه الأساسية كالوحدانية والنبوة وفرضية الصلاة والزكاة والصوم والحج والتصديق بالميعاد والقبلة والقرآن فان خلاف ذلك يعد من المسائل الفرعية التي يضير الخلاف فيها).
***
بين السنة والوهابية
وقد استغل الاستعمار والغزو الثقافي والتغريب الخلاف بين أهل السنة والوهابيين، وكان هذا منذ وقت بعيد، عندما أغرت السلطة العثمانية محمد على بالوهابين في فجر دعوتهم فقامت تلك المعارك الضخمة التي قضت على القوة الجديدة التي كانت تحاول أن تحرر الإسلام من البدع والخرافات حول العقيدة الأصلية. وقد كانت هذه الدعوة تحيل في ثناياها العمل بمفهوم الإسلام لتحرير الوطن الإسلامي من الاستبداد والنفوذ الاستعمارى الغربي الذي كان قد استفحل في هذه الفترة.
ولقد استطاعت الوهابية أن تعود إلى قوتها في مطلع القرن العشرين عندما سيطر الملك عبد العزيز آل سعود عام ١٩٠٢ على الرياض عاصمة ملك آبائه "نجد" حينئذ عادت الوهابية إلى قوتها وحياتها، وقد استطاع في خلال ربع قرن من السيطرة على مكة والمدينة وفرض مذهب الوهابية على هذه المنطقة حيث هدم المزارات والقباب، ومضى ليضرب حدود العراق وسوريا ويهاجم مزارات الشيعة في العراق وحدود الأردن.
ومنذ ذلك الوقت بدأ خلاف بين السنة والوهابية، أو بين الطوائف التي تؤمن بالإسلام ايمانا وراثيا تقليديا وبين الدعوة إلى تحرير الدين من زبونه ..
وقد كان "محمد عبده" من أنصار الدعوة إلى تحرير الإسلام على النحو الذي دعا اليه "محمد بن عبد الوهاب" ثم ظل الصراع قائما في الأزهر وخارجه حول المذهب التقليدى والمذهب الوهابى حتى عاد "محمد مصطفى المراغي" إلى حمل لواء الدعوة إلى علاج أمراض العالم الإسلامي وتحرير العقيدة.
وقد حدثت عام ١٩٣٧ اجتماعات متعددة حول توحيد المذاهب بين السنة والوهابية في مصر على أسس خمسة:
١ - الحرية الفكرية وفتح باب الاجتهاد ٢ - القبور والأضرحة واشعال المسارج وزيادة المقابر ٣ - النذور وطريقة التصرف فيها ٤ - الاستغاثة والحلف بغير الله ٥ - البحث في تقرير أن العلم لا يناقض الدين.
وقد طلب أحمد شفيق المؤرخ إلى الملك عبد العزيز ابطال الرق في الحجاز وقال "أن الرق الذي هو بها الآن في الشرق ليس من الشريعة الحنيفية في شيء".
***
الخلاف بين السنة والصوفية
وكان الوجه الثالث للخلاف هو الخلاف بين أهل السنة والصوفية، أو بين الفقه والتصوف، ولقد كان للطرق الصوفية دوران واضحان لا سبيل إلى انكارهما: الدور الأول هو استغلال الاستعمار لهذه الفرق لخدمة أغراضه والدور الثانى هو ما قام به المتصوف المسلم في قلب أفريقيا من الدعوة للإسلام ونشره على نحو عجزت عنه قوى التبشير الضخمة المؤيدة بمال وجاه الدول المستعمرة.
وفي مصر في ابان الاحتلال البريطانى كانت الطريقة الدمرداشية التي يرأسها عبد الرحيم الدمرداش تحظى برعاية الاستعمار. وقد حرصت الصحف الدائرة في تلك التغريب أن تدعو لها وتحميها وتصورها بصورة العمل النافع.
وفي السودان وفي المغرب كانت بعض الطرق الصوفية أداة من أدواته وقد قام عبد الحميد بن باديس في الجزائر ومحمد عبده وغيرهم من أهل الفهم الصحيح
стр. 227
للإسلام إلى مقاومة هذا التيار الخاضع للاستعمار. وقد صور محمد عبده الطرق الصوفية بأنها: هذه الفئات التي "من خليط من الناس جمعتهم وحدة الفرار من الدنيا وحب الكسل والابتعاد عن أى عمل يعود على الانسانية بالنفع، وهم اما فاشل عجزت نفسه عن السير في طريق الحياة والأخذ بالأسباب والمسببات. وهم أما مسخ مشوه منبوذ في المجتمع واما طريد من طرداء العدالة أراد أن يتستر وراء هذا المظهر الخادع حتى يفلت من القصاص وأما شيخه قد ألقى في روعه أنه حبيب الله وصفيه وقد وجد لهؤلاء أنصار ومحبذون يؤيدونها وينشرونها بين الجماهير فيخدرونهم بمخدرهم السام، وهم يلقون في روع الناس أن الحياة الدنيا دار فناء ويأخذون في ذمها وتنفير الناس من العمل السليم ومما يؤثر عنهم قول العامة أن الرزق ليس بالشطارة وأن المجتهد قد لا يكون له نصيب من الحياة وأن الخامل قد يصبه المجد فيها وأن الدنيا دار فناء والزهد خير من التمسك بها .... " أ. هـ.
ومما يذكر في هذا الصدد أن ألاستعمار قد أفاد من جموع ألصوفية في رسم صورة مزرية للشعوب التي احتلها، وقد نشرت الصحف أن ١٨/ ٤/٣١ احتفالا في تكية المولوية بالحلمية الجديدة قد حضره الأجانب من فرنسيين وأمريكان وألمان وانجليز وثلاثة وزراء مفوضين وقالت ان الدراويش قاموا وانتظموا في حفلة الذكر المستديرة وأخذوا يذكرون الله. وكما أحتدم الموسيقيون في عزف الأناشيد رأيت الدرأويش قد احتدوا في اللف والدوران على نحو بديع".
وقد كانت تنقل هذه الصورة إلى أوربا على أنها هى صورة "الإسلام" وقد ظهرت في خلال فترة سيطرة ألاستعمار على الوطن العربي عديد من الطرق التي لم يكن لها هدف سوى خلق روح القدرية والنكوص عن الجهاد ومخالفة مفاهيم الإسلام في الحرية والجهاد، أما السنوسية والمهدوية فقد آمنت بمفاهيم ألإسلام وقامت دعوتهما على أساس تحرير الوطن من الاستبداد العثمانى ومقاومة النفوذ الأجنبى وجهاد المهدوية ضد الانجليز وجهاد السنوسية ضد ايطاليا معروف.
وقد صور "أحمد توفيق المدنى" ما تطورت اليه الزوايا الصوفية في الجزائر بعد الاحتلال الفرنسي (ك/ الجزائر - ١٩٤١) حيث "انقلبت الزوايا بعد مؤسسيها الأولين إلى معاهد خرافات وأباطيل تستثمر غفلة العامة وبلههم فتنال منهم مال السحت الذي يدفعونه بصفة نذور وينفقه رجال الزاوية على ملاذهم وملاهيهم ومنكراتهم، وقد آل أمر الكثير من هذه الزوايا والطرق إلى احداث وثنية في الإسلام وأصبح شيخ الطريقة يتصف بأوصاف (الريوبية) فهو الذي يعطى ويمنع ويقبض ويبسط، وتطور الأمر إلى اقامة حفلات مؤلمة في مواسم معينة بقصد جلب السواحين، يقومون بدور المهرجين في الملاعب، والأوربيون يعتقدون أن ذلك هو عين الإسلام، هذه المنكرات الدنسة جعلت المتنورين ينفرون من الإسلام وينبذونه، ولذلك فقد قامت في الجزائر حركة اصلاحية جسيمة ضد هذه المنكرات على رأسها "الطيب العقبى" الذي كرس حياته وكتاباته لدحض مفتريات المفترين".
وأشار "علال القاسى" في كتابه "المغرب العربي" عن دور الطرق الصوفية في مراكش قال "أن الدعاية الفرنسية جندت في الشمال الأفريقى قسما كبيرا من مشايخ الطرق الصوفية الذين اعتادوا أن يعملوا لمصلحة رجال الحكم أو الذين خلقتهم الادارة الفرنسية لتسخيرهم في أغراضها فاشتغل محمود التيجانى في الجزائر وعبد الحى الكتائى في المغرب وابن عزوز في تونس دعاة مقحمسين للسياسة الفرنسية.
وقال: أن الطرق الصوفية كان لها أثر كبير في المغرب العربي ولكن تدهور الأمل وتغلغل الفوضى الاجتماعية في معظم القبائل قلب هذه الطرق إلى منظمات يشرف عليها في الغالب أنتفاعيون نصبوا أنفسهم ليكونوا الوساطة الفعالة بين الحكومات المحلية وبين الشعب، فكانت السلطة لا تستطيع حفظ الأمن ولا جبى الضرائب ولا تعبثه الجيوش الا عن طريق هؤلاء الذين يدعون أنهم يشقون عليها من بركة نفوذهم ما يسهل عليها تحقيق أغراضهم، وقد سار هؤلاء المشايخ يتجولون في القبائل والمدن يبشرون بسقوط الألمان وبشاعة حكم الأتراك وينوهون بقيمة العمل العظيم الذي تقوم به فرنسا وانجلترا في الشرق العربي".
ومما ذكره علال الفأسى أن فرنسا اتجهت إلى انشاء خلافة إسلامية في أفريقيا الإسلامية تحت حكم سلطان فرنسا.
ومما يتصل بهذا أن المسلمين الذين تنئبهوا إلى خطر هذه الفرق على حركة التحرر قد قطنوا أيضا إلى مفاهيم الإسلام الحقة التي تحرفها الطرق الصوفية على النحو الذي صوره الشيخ محمد عبده من الدعوة إلى التواكل والقدرية وتنفير الناس من العمل، وتحت هذه العناوين يمكن دعوة الناس إلى قبول الاستعمار والرضى بالحاكم
стр. 228
المستبد وقبول الغزو الأجنبى، وهنا ما يختلف اختلافا بينا مع ما دعا اليه الإسلام من الجهاد ومقاومة الغاصب واليقظة والسعى في الأرض و ××× مجاهل العلم وكشف قوى الطبيعة والعمل المتصل.
ولا شك أن الطرق الصوفية في مذاهبها هذه تختلف أختلافا واضحا عن مذهب "التصوف العقلى أو الجسدى الذي دعا إلى رياضة النفس على قمع الشهوات ورفض الدنيا. فان هذا المذهب من شأنه أن يدفع المعلم إلى الجهاد في سبيل الله مفطومة نفسه عن كل لذة أو متعة تصرفه عن هذا الجهاد، مؤمنا بالاستشهاد في سبيل الحق الذي يؤمن به حيث يرى الدنيا لا تغريه، وهذا هو الفهم الصوفى الذي فهمه المجاهدون من المسلمين في الصدر الأول، أما الزهد بمعنى الانصراف عن الدنيا فهو ليس مذهبا في الإسلام".
وقد حرص دعاة التغريب من المبشرين والمستشرقين وأعوانهم من كتاب الغرب إلى البحث في الصوفية واثارة مذاهبها ودعاواها والحديث عن المتطرفين من دعاتها أمثال: السهروردى وأبن عربي والحلاج وعبد القادر الجيلانى، وهم في ذلك انما يهدفون إلى بلبة الفكر العربي واثارة مذاهب النجادية ومعقدة يقصدو من ورائها تصوير الإسلام بصورة غير صورته البسيطة السهلة، ومن ذلك مذهب الحلول ووحدة الوجود و"الشريعة والحقيقة" وغير ذلك من مذاهب كلامية لم تكن أصلا من الإسلام وانما أدخلت عليه من الفلسفات المسيجية والهندية واليونانية.
***
دعوة الاجتهاد
حمل الفكر العربي المعاصر لواء الدعوة إلى فتح باب الاجتهاد والعودة بالدين إلى متابعة الأولى كخطة لمقاومة حملات التغريب والغزو الثقافي وكوسيلة لاشاعة اليقظة والتحرر من قيود التقليد التي كانت عاملا أساسيا في تجميد الفكر خلال حكم العثمانيين.
وكان محمد بن عبد الوهاب أول من حمل هذا اللواء متأثرا بدعوة أحمد بن حنبل وابن تيمية. غير أن الوهابية لم تستطع أن تحرز المدى الواسع الكفيل باندفاعها، ثم جاءت دعوات من بعيد حملت هذا اللواء وانطلقت به إلى اقاليمها. كالمهدية والسنوسية "وغيرها"، غير أن جمال الدين الأفغانى كان أقوى من حمل هذا اللواء إلى العالم الإسلامي كله في كلماته القليلة وكتاباته النادرة، وفي مصر حمل اللواء من بعده محمد عبده ورشيد رضا والمراغنى، وتأثرت خطاه ××× فظهر بها الكواكبى والمغربي والعراق ××× بها أل الألوسى وفي المغرب برزت الدعوة إلى السلفية واحتلت ××× كبيرا من الفكر العربي كسلاح قوى لمقاومة الاستعمار والتغريب والغزو الثقافي والتبعية الثقافية للغرب.
***
رأي الشيخ محمد عبده
ويرى الكثيرون أن محمد عبده هو عماد التجديد والاصلاح الدينى في العصر الحديث (محمود الشرقاوى -١٥/ ١/٣٦ - البلاغ) فقد وضع في كتابه (الإسلام النصرانية) القاعدة حيث قال:
"عند النظر في أى دين للحكم له أو عليه في قضية من القضايا يجب أن يؤخذ ××× مما عرض عليه من بعض أهله او محدثاتهم التي ربما تكون قد جاءتهم من دين آخر، فاذا أريد أن يحتج بقول أو عمل لاتباع ذلك الدين في بيان بعض أصوله فليؤخذ في ذلك بقول أو عمل أقرب إلى منشأ الدين، ومن تلقوه على سذاجته من صاحب الدين نفسه".
ومن آراء محمد عبده في تعليم المرأة وتعدد الزوجات يقول "أن الإسلام يقرر المساواة بين الرجل والمرأة في جميع الأمور الجوهرية، وإن الإسلام لا تتجلى محاسنه باعتباره دين أنزل للناس كافة في شئ أكثر مما يتجلى في تكريمه للمرأة والاعتراف بما لها من مقام".
ويرى أن تجويز تعدد الزوجات في الإسلام كان لضرورات اجتماعيه جعلته محتوما، على هذه الاباحة قد شرطت لها شروط، وأحيطت بتحفظات هى مستحيلة استحالة عملية، وأن الزواج بواحدة هو الأصل وهو المثل الأعلى في الحياة الزوجية.
ويرى محمد عبده في مجال الاجتهاد أن للامام ان يمنع المباح الذي تترتب عليه مفسدة ما دامت المفسدة قائمة لله والمصلحة بخلافه، وعند محمود الشرقاوى: أن الشيخ محمد عبده يرى أن الشريعه ليست شيئا جامدا
стр. 229
لا يتحول بتحول الزمن والمصلحة بل هى مطاوعة لذلك دائرة على منفعة الناس.
***
رأي رشيد رضا
ويرى رشيد رضا (٢٠ فبراير ١٩٣٦ - البلاغ) لتجديد قواعد الشريعة بعد الرجوع إلى بساطتها الأولى: أن يقوم علماء المسلمين بتأليف كتاب جامع لكل العقائد والمبادئ الأدبية التي أجمع عليها المسلمون في مختلف الفرق، وأن ينقل هذا الكتاب الذي يعد دستورا إلى كل اللغات التي ينطقون بها على أن يكون على قدر كبير من المسامحة والتوسع.
أما ما وقع فيه الخلاف في صدر الإسلام فهو غير واجب، ويترك فيه الأمر إلى التخبير، وكذلك مسائل الفروع يترك لكل مسلم أن يتبع فيها المذهب الذي يختاره وعنده أن توحيد العقائد بهذا الدستور سيؤدى بمرور الزمن إلى تخفيف حدة التعصب لمذهب معين.
ويرى أنه بالنسبة لأحكام المعاملات والأمور الخاصة بالحياة والدنيا ومعايش الناس ينبغى أن تكون مستقلة عن الدين والا تعد جزءا من قانون مقدس لا يتبدل إلى الأبد ولا يتغير، بل يحكم فيها العرف على اختلاف الزمان والمكان.
ويرى أن طبيعة الاستمرار والجمود التي أوجدتها كتب المذاهب الأربعة المشهورة وأوجدها أقفال باب الاجتهاد كان لها دخل كبير في تأجر البلاد الإسلامية وعدول بعض الدول الإسلامية عن اتباع أحكام الشريعة.
ويرى مصطفى المراغى أن الموجة التي طغت على الشرق من الغرب ضد التدين أخذت تضعف وأخذ الشرق يدرك ضرر التقليد في كل شئ ويدرك أن قوة الغرب وتفوقه لم يكن بهذه المسائل التافهة من التبرج والأناقة واختلاط الجنسين بل قامت على العلم والخلق ومجد الوطن".
стр. 230
موقف التغريب
إزاء الفقه والتشريع الإسلامي
كانت معركة الإسلام الكبرى مع التغريب هى مواجهة الادعاء بأن الإسلام دين عبادة وصلوات وطرق صوفية وأن القرآن كتاب يقرأ للبركة، وأن الإسلام بذلك يجب فصله عن الدولة.
وقد حاول التغريب ودعاته تأكيد هذه النظرية الخاطئة في كل بلاد العالم العربي والإسلامي بواسطة أجهزتهم المختلفة من صحافة وكتابة وجامعات ومحاضرات وأبحاث وذلك حتى يتم القضاء على الإسلام كنظام ومنهج اجتماعى وسياسي كامل.
والواقع كما يقول (نبيه أمين يونس) وهو احد المفكرين العرب المتصلين بدوائر الغرب (ك: هذا العالم العربي (ص ٤٦) أن الإسلام نظام تام شامل لمتطلبات الدنيا والآخرة، وهو دين يعين علاقة الانسان بربه، وهو نظام اجتماعى يحدد شكل الأسرة وعلاقة الأفراد بعضهم ببعض، وسلوك الأفراد في معاملاتهم الدنيوية، وهو نظام سياسى وتشريع مدنى يعين شكل الدولة وعلاقة الحاكم بالمحكوم وهو إلى ما تقدم علم ومدنية وتاريخ) وأنه لهذا كان بعيد الأثر "فى توحيد العرب والمسلمين عاطفيا وربطهم بوحدة المثل الأعلى وجعل النظم الاجتماعية والفكر متسابهة".
وقد أشار جب إلى أن "التغريب" استطاع أن ينزل الإسلام من فوق عرشه في أنظمة الحكم والاجتماع والاقتصاد والتربية والتعليم.
وكان أهم ما دعا اليه الغربيون فصل العلم عن الدين وفصل الدين عن الدولة.
وفي مجال الفقه الإسلامي أسقط ألاستعمار النظم الإسلامية والقوانين القائمة وفرض بدلا منها الأنظمة والقوانين الأوربية المستمدة من الشريعة اليونانية والمسيحية دون النظر إلى وجه الالتقاء او الخلاف او الحاجة.
وأثار في ظل ذلك حملة ضخمة على الفقه والتشريع الإسلامي متهما اياهما بالقصور وعدم القدرة على الاستجابة والتطور.
غير ان هذه الحملة قد تحطمت على صخرة عاتية، فقد عقدت مؤتمرات قانونية عالمية أشادت بالشريعة الإسلامية، كان أبرزها مؤتمر القانون المقارن في لاهاى عام ١٩٣٢ الذي أكد مركز الشريعة الإسلامية كمصدر للتشريع بعد البيانات والأبحاث التي قدمها الدكتور عبد الرازق السنهورى وعلى بدوى ومسيو لامبير وكان من نتيجة هذه الأبحاث أن قرر المؤتمر بالاجماع ان "الشريعة الإسلامية مصدر من مصادر القانون المقارن وهى حية صالحة للتطور ومسايرة المدنية الحديثة وأنها جديرة بأن تشكل مصدرا ممتازا من مصادر القانون وأكد استقلالها عن التشريع الرومانى".
وقد أيد كثير من الباحثين الأوربيين المنصفين قوة الشريعة الإسلامية وقدرتها على مواجهة مطالب العصر، وكان المسيو أدوار لمبير ناظر مدرسة الحقوق الخديوية في القاهرة عام ١٩٠٦ كان قد أعد مؤلفا عن القانون المقارن ضمنه فصل عن الشريعة الإسلامية، فلما جاء مصر اتصل بأعلام الشريعة وتاريخها وأصول تطبيقها، وقد كان يظن أن القانون الرومانى أثر تأثيرا كبيرا في الشريعة الإسلامية ولكن تبين له بعد ذلك أن هذه الشريعة مستقلة بذاتها. وأعلن أن في الشريعة الإسلامية كنز لا يفنى ومتبع لائيضب وأنه خير ما يلجا اليه المصريون في العصر الحاضر في البحوث العلمية حتى يعيدوا لمصر وبلاد العرب هذا المجد العلمى" وقال أنه استبان له أن ليس للقانون الرومانى أى أثر في الشريعة الإسلامية وانها شريعة مستقلة.
وأعلن ليفى أولمان أستاذ الحقوق بجامعة باوميس.
стр. 231
اعتبار الشريعة الإسلامية في المعاملات مصدرا للقانون العصرى.
وقال الدكتور ايزيكو انسايانو: أن الشريعة الإسلامية تفوق في كثير من بحوثها الشرائع الأوربية بل هى التي تعطى للعالم أرسخ الشرائع ثباتا.
وقال فارس الخورى: أن محمدا أعظم عظماء العالم، والدين الذي جاء به أوفى الأديان وأتمها واكملها، وأن محمدا أودع شريعته المطهرة أربعة آلاف مسألة علمية واجتماعية وتشريعية.
ولم يستطع علماء القانون المنصفون الا الاعتراف بفضل الذي دعا الناس اليها باسم الله ولأنها متفقة مع العلم مطابقة لأرقى النظم والحقائق العلمية.
وقال سنتلانا في بعض مؤلفاته: أن في الفقه الإسلامي ما يكفى المسلمين في شريعهم المدنى أن لم تقل أن فيه ما يكفى الانسانية كلها.
وقال سليم باز المسيحى اللبنانى "شارح مجلة احكام العدلية": أعتقد بكل اطمئنان بأن في الفقه الإسلامي كل حاجة البشر من عقود ومعاملات ولمقضية والتزامات. وأن في مختلف حزائن البلاد الإسلامية وصور الكتب الأوربية في هولندا وروما في قصر الفاتيكان، ألوف الكتب الفقهية الإسلامية التي هى جهود لحول العلماء، وهى الشاهد الأكبر على أنه لا يوجد معنى من معانى الأحكام المنشود فيها العدل ولا حاجة من حاجات البشر في التشريع الا ××× لفقيه ××× فيه، وقال الدكتور محمود فتحى أن نظرية "الاعتساف" التي ابتكرها القانون المدنى الألمانى ١٧٨٧ قد تكلم فيها التشريع الإسلامي طويلا ابتداء من القرن الثامن الميلادى (أى قبل ألف سنة).
وقال الدكتور شيرل عميد كلية الحقوق بجامعة فيينا في مؤتمر الحقوقيين: أن البشرية لتفخر بانتساب رجل كمحمد اليها اذ أنه رغم اميتة استطاع قبل بضعة عشر قرنا أن يأتى بتشريع سنكون نحن الأوربيين أسعد ما نكون لو وصلنا إلى قمته بعد ألفى سنة.
وقال هولكم أستاذ الفلسفة بجامعة هاوفارد. الشريعة الإسلامية تحتوى على جميع المبادئ اللازمة للنهوض وقال الدكتور عبد الرازق السنهورى: أن المقارنة بين الشريعة الإسلامية وبين شرائع الغرب كفيل بأن يظهر من ذخائر الشريعة الإسلامية في المبادئ والنظريات مالا يقل في رقى الصياغة واحكام الصنعة عن أحدث المبادئ والنظريات وأكثرها تقدما في العالم الغربى.
وقال على بدوى: ليست مظاهر استقلال الفقه الإسلامي وتفوقه محصورة في القواعد المدنية والأحوال الشخصية ولكنها تبينت كذلك في عدة مواضع من التشريع الجنائى الإسلامي.
ويقول الدكتور صبحى محمصانى "فى كتاب العرب والحضارة الحديثة: التشريع الإسلامي كان وظل قادرا على التجاوب مع المجتمع. وقد فتح التشريع الإسلامي أبوابا للحفاظ على الغابة الاجتماعية والاقتصاد والاجتماع وقاعدة تغير الأحكام بتغيير الأزمان (المقصور الفقوى) مسالك لصرف التشريع إلى غايته الأساسية وهى تحقق مصلحة المجتمع الانسائى وقال: ان التشريع الإسلامي كان قابلا للتطور والنمو وملائمة الأمكنة والأزمنة المختلفة التي مرت عليه.
وأشار "حسن جلال" ألى أنه في عام ١٩٥١ عقدت شعبة الحقوق الشرقية من المجمع الدولى للقانون المقارن مؤتمرا للبحث في الفقه الإسلامي في كلية الحقوق بجامعة باريس تحت اسم أسبوع الفقه الإسلامي ودعت اليها عددا من المستشرقين وأساتذة القانون في الدول العربية وجرت أبحاث حول الفقه الإسلامي، وأشار إلى أن نقيب سابق للمحامين في باريس قال: "لست أدرى كيف أوفق بين ما كان يحكى لنا عن جمود الفقه الإسلامي وعدم صلوحه أساسا شريعيا يفى بحاجات المجتمع العصرى المتطور وبين ما نسمعه الان مما يثبت بجلاء ان الفقه الإسلامي يقوم على مبادئ ذات قيمة أكيدة لامرية في نفعها، وأن اختلاف المذاهب في هذا الجهاز التشريعى الضخم بنطوى على ثروة من الآراء الفقهية وعلى مجموعة من الاصول الفنية البديعة التي تتيح لهذا الفقه أن يستجيب بمرونة لجميع مطالب الحياة الحديثة".
***
الرد على أدعاءات المستشرقين
ورد كثيرا من الكتاب المنصفين على أدعاءات المستشرفين فقال الدكتور صبحى محمصانى (ك. العرب والحضارة الحديثة) أن ما زعمه بعض المستشرقين
стр. 232
من أن الشريعة الإسلامية مقضى عليها بالخمول قول فاسد وقال أن أبرز ملامح الشريعة الإسلامية (١) أن الاجتهاد واجب فيها والتقليد الأعمى محرم (٢) أن الشريعة الإسلامية ليست مذهبا واحدا بل مجموع المذاهب (٣) أن توسيع الاستحسان والاستصلاح: كل ذلك كان له أثر في جعل الشريعة الإسلامية من أعدل الشرائع وأقربها إلى المثل الاجتماعية العليا (٥) أن قاعدة تغيير الأحكام تطبق في جميع المسائل التي لا يوجد فيها نص إلى القرآن والسنة.
ودعا "جستنيان" ٧/ ١١/١٩٣١ (الأهرام) التي تجميع أحكام الشريعة الإسلامية المتعلقة بالمعاملات في (باندكت) إسلامي. وقال أنه سيكون خير معوان للاسترشاد به في اعداد موسوعة إسلامية عن المعاملات
***
الدكتور السنهورى
وقد خطا الدكتور عبد الرازق السنهورى خطوة واسعة في سبيل التقنين الإسلامي المدنى عندما كان عميدا لكلية الحقوق في بغداد في وضع مشروع قانون مدنى جديد للعراق، وأن المشروع وضع على أساس أحكام الفقه الإسلامي في مذاهبه المتعددة (مطمعا) بأحكام القوانين الأوربية.
وفي عام ١٩٣٨ بدأ الدكتور السنهورى والمسيو: لامبير في وضع المشروع التجهيزى للقانون المدنى المصرى، متخذا من الشريعة الإسلامية اساسا وصفه "عبد المنعم الصدة" بأنه تراث قانونى طالما تنكرنا له وأصدرنا فيه أحكاما بالباطل وقال: أن مصر رزئت بقوانين اقتبس معظمها من قوانين أجنبية وضعت لاناس يختلفون عنا أشد الاختلاف في العادات والأخلاق والبيئة، وأذا علمنا أن واضع نفسه في اثنائها سوى القيام بنقل الأحكام التشريعية الأجنبية دون تعديل أو تحوير أمكننا أن ندرك إلى احدى كأن التعديل ألزم".
وقد أشار الدكتور السنهورى في مقدمة كتابه "نظرية العقد" عن فكرته في تمصير الفقه فقال: علينا أولا أن نحضر الفقه فنجعله فقها مصريا خالصا نرى فيه طابع قوميتنا ونلمس أثر عقليتنا ففقهنا ختى الآن لا يزال هو أيضا يحتله الأجنبى والأجنبى هنا فرنسي، وهو أحتلال آخر ليس بأخف وطأة ولا بأقل عنتا من أي: احتلال آخر.
أن لدينا ثروة تشريعية بفرض علينا واجبنا أن نستغلها وأن نحسن استغلالها هى "الأحكام الشرعية الإسلامية" منها ما يعد مبادئ عامة أساسية هى بمثابة قواعد للنظام العام بحيث تسمو فوق كل تغيير أو تبديل ويتعين احترامها في كل زمان ومكان".
*ويقول الدكتور السنهورى في كتابه نظرية العقد: "الشريعة الإسلامية شريعة الشرق ووجهها الهام وعصارة اذهان مفكريه، نبتت في صحرائه وترعرعت في سهوله ووديانه، فهى قبس من روح الشرق ومشكاة من نور الإسلام يلتقى عندها الشرق والإسلام فيضئ ذلك بنور هذا، ويسرى هذا في روح ذلك حتى ليمتزجا ويصيرا شيئا واحدا، هذه الشريعة الإسلامية لو وطئت أكنافها وعبدت سبيلها لكان لنا من هذا التراث الجليل ما ينفح روح الاستقلال في فقهنا وفي قضائنا وفي تشريعنا ثم أنه ليشرفنا أن نطلع العالم بهذا النور الجديد قيضئ به جانبا من جوانب الثقافة العالمية في القانون وقال: أنها دعوة باطلة تلك التي يقول أصحابها أن الشريعة الإسلامية التي كانت صالحة بالأ؟ مس لم تعد تصلح لأن يؤخذ بها اليوم.
وقد أوضح الدكتور محمد كامل مرسى وسيد مصطفى في كتابهما (أصول القوانين) والدكتور على بدوى في كتابه (تاريخ القانون) بجلاء أن الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان، وأنها غير ما يتوهمه البعض من أن أحكام الشريعة الإسلامية ثابتة وغير متطورة، وقال أننا حينما ننادى بالرجوع إلى الشريعة الإسلامية لا نطلب قلبا للأوضاع ومحوا لجميع الأحكام الحاضرة، ذلك لأن جزءا كبيرا من التشريع الحالى يمكن قبوله واقراره وهو لا تنافى مع مبادئ الشريعة للإسلامية.
***
تجربة السنهوري
وأشار السنهورى إلى تجربته في التقنين المدنى الإسلامي (٢٧/ ١١/١٩٣٦) قال: وضعت نصب عينى عندما بدات العمل في وضع مشروع القانون المدنى أن أضع قانونا أوفق فيه ما بين أحكام مجلة الأحكام العدلية وبين الشريعة الإسلامية بوجه عام. وأحدثت الأحكام المدنية المعمول بها في البلاد الغربية. بدأت بوضع نموذج اخترته من بين التقنينات الغربية حديثها وقديمها، واخترت لذلك بعض التقنينات الغربية وعلى رأسها
стр. 233
التقنين الفرنسي والتقنين المصري والتونسى والمراكشى واللبنانى وأخذت من المشروع الفرنسي الايطالى ولتقنينات الجرمانية نموذجا يعد في نظرى المثل الأعلى للتشريع المدنى في العصر الحاضر. وبحثت ما يقابله من مذهب أبى حنيفة والمذاهب الأخرى الإسلامية. وهكذا قدمت للعراق مشروع عقد البيع مأخوذا من أحدث التشريعات الغربية ولا يكاد يختلف في شئ عن احكام الشريعة الإسلامية. وقد اخذ فقهاء المسلمين بعد تحفظات على وجهها الدكتور السنهورى.
***
موقف الفكر العربي من الحملة
وقد اوجه الفكر الإسلامي المعاصر قضية التشريع الإسلامي مواجهة واضحة قوية كشف فيها عن عظمة هذا التشريع ومرونته وقدرته على مواجهة التطور والحضارة في مختلف الأزمان والبيئات.
وقد دعا الفكر الإسلامي إلى فتح باب الاجتهاد ورفض التقليد. وآمن بأن "المقلدون في كل أمة المنتحلون اطوار غيرها يكونون فيها منافذ وكوى لتطرق الأعداء اليهما وتكون مداركهم مهابط الوساوس ومخازن الدسائس".
وظهر الاتجاه إلى توحيد المذاهب الإسلامية وعدم التقليد بمذهب وأحد، على أساس الحقيقة التي تقول بأن الشريعة الإسلامية ليست مذهبا واحدا بل هى مجموع المذهب دون تقييد.
وقد كشف عن أن الخلاف بين المذاهب لم يقم على المبادئ والتعاليم الأساسية بل كان وقفا على الفروع، وأن اختلاف المذاهب كان من أسباب مرونة الشريعة الإسلامية وتطورها، وأن بعض الأحاديث قد وضعت في بعض عصور التاريخ الإسلامي خدمة للسياسة وانتصارا لبعض الأحزاب (الدكتور محمصانى (ك) العرب والحضارة الحديثة).
وكشفت الدراسات المختلفة عن أن الجماعة الإسلامية اعتقدت في العصور المتأخرة أن أبواب الاجتهاد قد أقفلت في وجه أي: تفسير مما ادى إلى ركود المجتمع الإسلامي. وأن الحركة الوهابية سبقت الغزو الثقافي وكانت ايذانا باليقظة وفتح باب الاجتهاد، وقد ظهر هذا التيار وتعمق من بعد داعيا إلى العودة إلى القرآن والسنة واعادة فتح باب الاجتهاد واعادة تفسير قوانين الإسلام للجماعات وكشف الطبقة الجامدة التي علت وجه الفكر العربي الإسلامي وجرى تطويع القوانين العلمانية الغربية للحياة الإسلامية كما فعل الدكتور عبد الرازق السنهورى في اعداد القانون المدنى فقد نص في آخر مادة في هذا القانون على أنه اذا درست قضية وثبت أنه لا يطبق عليها أى قانون وجب أن يعتمد الحكم فيها على أرحب تفسير لأى قانون إسلامي في أحد المذاهب.
وكشفت هذه الأبحاث عن حقائق لا سبيل إلى الشك فيها وهى أن الإسلام من حيث كونه نظاما مدنيا قد توافرت فيه مرونة تمكن المجتمع الإسلامي من التطور دون أهمال قواعده الأساسية باقراره حكم العادة والاجتماع والاجتهاد.
وأنه تشريع مرن قابل لأن يكون تشريع كل زمان ومكان وله القدرة على مسايرة حاجات المدنية الطارئة وأحوال المجتمع المدنية.
وأن الإسلام لم يكن عائقا للمجكتمع عن التقدم وكانت صيحة جمال الدين الباكرة "وصدأ الأوهام" وأن الإسلام دين ومجتمع وسياسة واقتصاد.
وكان هذا ردا حاسما على الحملات العنيفة التي وجهها الغرب إلى الإسلام بقصد تنحيته عن مكانه في الحياة الغربية والقضاء على جوهره ومفاهيمه في الجهاد والمقاومة والحرية من ناحية والقضاء على جوانبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية بغليب الانظمة الغربية بحسبانه انه القوة التي تقاوم الاستعمار، وذلك جريا وراء تمزيق الوحدة واضعاف الجبهة المذهبية والعصبية الشعوبية والحيلوية دون مبادئ الإسلام وتعاليمه وبين التطبيق والبقاء مع صلاحيتها التامة للمجتمع وقابليتها للتطور وضرورة بقائها.
وقد قال (ويلفرد كانتول شمت) بصدد الاشارة إلى محاولة بناء مجتمع إسلامي في القرن العشرين أن تاريخ الشرق الأدنى الحديث يدل على أن القومية المجردة ليست القاعدة الملائمة للنهوض والبناء، وما لم يكن المثل الاعلى إسلاميا على وجه من الوحدة لن تثمر الجهود البته.
وبذلك كله فشلت دعوة التغريب في "أقتصاء الإسلام عن مجال الحياة ومناهج التربية والقضاء والحكم".
стр. 234
الأزهر
لما كان الأزهر هو أداة الإسلام وبوتقته فقد حرص الاستعمار في أن يوجه الية أعنف حملة وجهها في معركة الغزو الثقافي كمحاولة للقضاء عليه كمعقل من معاقل الإسلام واللغة العربية، وعاملا من عوامل الجمع الوطنى والقيادة الشعبية. ولم ينس الاستعمار أنه كان مركزا ضخما من مراكز المقاومة للاستعمار الفرنسي ١٧٩٨ والاستعمار الانجليزى في ثورة ١٩١٩، كان بواقة الحركة الشعبية التي قاومت ظلم الحكام والأمراء والمماليك في عهد إبراهيم ومراد ثم في عزل الوالى خورشيد.
ولما كان الاستعمار حريصا على القضاء على كل ما يتصل بالدين واللغة والتاريخ من مقومات الفكر والشخصية العربية الإسلامية فقد كانت الحملة على الأزهر خفية مستترة لها طابع دقيق حتى لا تثير ثائرة الشعب، وقد استطاع الاستعمار بأساليبه الماكرة أن يدير المعركة من الداخل وأن يركز على التعليم المدنى ويعزله عن الأزهر على نحو خلق ثنائسة التعليم. اقصى الدين عن التعليم المدنى. ثم اضطهد بواسطة كرومر ودنلوب كل المدرسين الأزهرين وأبعدهم عن المدرسة المدنية. بل أن هذا الاتجاه قد عمقه الاستعمار في محيط الحياة العملية حتى أبعد خريجى الأزهر عن جميع الوظائف في دواوين الحكومة.
وقد كان الصراع الداخلى في الأزهر هو اهم العوامل التي أوقفت خطة أصلاح الأزهر فقد قامت في الأزهر جبهتين هما: جبهة الاصلاح والتجديد والاجتهاد وعلى رأس هذه المدرسة الشيخ محمد عبده والجبهة الأخرى من جبهة التقليديين والمحافظين والمؤمنين بغلق باب الاجتهاد وابقاء الأنظمة القديمة في التعليم على ما هى عليه، لذلك قامت منذ أول القرن معركة متصلة بشأن تجديد الأزهر وأصلاحه وتنظيمه. وليس شك أن الاستعمار كان حريصا على تجميد الأزهر وأبقاءه على منهجه القديم لا يستجيب للزمن كوسيلة من وسائل أفنائه والقضاء عليه.
كما واجه الأزهر حملة أخرى من خارجه قام بها تلاميذه الذين اتجهوا إلى الدراسات الأوربية والغربية، واتصلوا بالمستشرقين والمبشرين وكانوا أشد عنفا وقسوة من الاستعمار عليه: أمثال طه حسين وزكى مبارك وعلى عبد الرازق.
وقد اتصل الاستعمار بالأزهر على نحو ما، حين ارتبط أعضاء هيئة كبار العلماء بالسفارة البريطانية والخديو والملك والأحزاب السياسية وكان الأزهر يوما ما أداة في هذا الصراع بين الملك والأحزاب.
وفي هذا ما أشار اليه المقطم (أبريل ١٩٢٦) من أن كبار العلماء وفي مقدمتهم أصحاب الفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر ورئيس المحكمة الشرعية العليا ومفتى الديار المصرية بعد أحياء ليلة القدر في جامع الرفاعى يتوجهون إلى دار المندوب السامى في الساعة العاشرة من مساء اليوم "اجابة لدعوة فحامه لورد لويد فيقضون السهرة في تلك الدار".
وقد كان ذلك مثارا لمعركة أريد بها تشويه سمعة الأزهر فقد كتب فكرى أباظة في الأهرام (٩/ ٤/عام ١٩٢٦) يقول "اذن من الساعة العاشرة حتى السحور سيمضى أصحاب الفضيلة العلماء السهرة في دار الوكالة البريطانية بعد جامع الرفاعى. أى انهم سيمضون ليلة القدر في دار الوكالة. "يعيش الإسلام يا علما" ليلة القدر ألتى هى خير من ألف شهر، والتي يتلى فيها القرآن وآصلى فيها الصلوات وتؤدى فيها العبادات سيمضيها أصحاب الفصيلة في دار حضرة صاحب الفخامة الحسيب النسيب الشريف اللورد لويد السكسونى البروتستانتى الأصلى.
كلوا هنيئا واشربوا مريئا بالله عليكم سادتى العلماء ليلة القدر في دار الوكالة البريطانية ولكن .. أذا رأيتم اللورد قد اضطر لشرب كأس من الوسكى حسب عادته "فصهينوا" أن الله يحب المصهينين يا علماء: أعربوا ما يأتى "رحم الله أمرأ عرف قدر نفسه".
وسخرت السياسة الأسبوعية (١٠/ ٤/١٩٢٦) من
стр. 235
الشيخ محمد بخيت مفتى الديار المصرية حين اشارت إلى أن دعاءه ليلة القدر في دار المندوب السامى كان:
اللهم يا مجيب كل سائل ورازق كل عالم وجاهل، أنزلنا بسلطانك من هذه الدار خير المنازل وأمنحنا حمايتها من كل لائم وعادل. وقربنا اللهم من ذى البأس الشديد مولانا السيد العميد، وأبسجط لنا في ظله الممدود وحوضة المورود".
وقد كان هذا جزءا من حملة الغزو الثقافي التي حرصت على تصوير الأزهريين بصورة مغرقة في المادية، وذلمك عن طريق ايجاد فوارق في التقييم المادى للمتخرجين من النوعين من التعليم مما جعل الأزهريين إلى طلب المساواة في التقدير المادى هو ما استغله الاستعمار لتصوير الأزهريين بأنهم أصحاب دنيا وليسوا أصحاب رسالة على نحو ما صوره الدكتور محمد البهى - "بأنه أدى إلى أن تخف منزلتهم رويدا رويدا من نفوسهم، ويعلم الله أنهم لم يكونوا أصحاب دنيا وانما أرادوا أن يعيشوا فقط من أجل رسالة أزهرهم وهى في الواقع رسالة مقاومة الاستعمار". وأشار إلى أن هذا العمل قد بلغ به المستعمر غاية له وهى "أضعاف المنزلة الأدبية للأزهر والمتخرجين فيه في الرأى العام المصري والرأى العام الإسلامي العالمى" ..
***
(٢) الأزهر والاستعمار
وتتجلى مفاهيم الاستعمار لرسالة الأزهر فيما صوره اورد لويد ١٩٢٨ عن المهمة التي بدأها لورد كرومر ومضى فيها لتعويق الأزهر عن مهمته والحيلولة بينه وبين رسالته، ومن رأى الاستعمار أن الأزهر هو مركز خطير من مراكز الدعاية ضد بريطانيا وأنه في مهمته تلك متعدد الامكانيات، وأن الوطنيين قد استغلوا ذلك لتأييد مآربهم مما ترتب عليه نمو روح المعارضة الشديدة لسيطرة الانجليز على التعليم. ولما كان الانجليز يريدون القضاء على كل مقاومة فقد اتجهوا إلى الأزهر الذي كان اسلوبه الوطنى عاملا هاما من عوامل المقاومة لتمسكه بالدين ووصفوا منهجه بأنه من الأساليب الجافة القديمة التي تقف حاجزا في طريق أى أصلاح تعليمى كما وصفوا خريجى الأزهر بأنهم يحملون معهم قدرا عظيما من غرور التعصب الدينى ولا يصيبون الا قدرا ضئيلا جدا من مرونة التفكير والتقدير.
وكان الاستعمار يهدف من وراء ذلك إلى غرض ماكر هو أن يلتقى الأزهر بالاستعمار في "مرونة" تبعد عنه ما أطلق عليه روح التعصب. فاذا لم يستطع الأزهر والاتجاه إلى التعليم المدنى الذي يحقق له ما يريد من تفاهم ولا شك أن ممثلوا الاستعمار البريطانى قد أخفقوا في أن يحققوا هذا اللقاء مع الأزهر كما أخفق من قبل المستعمر الفرنسي وفي كلا الحالين عجزوا عن أن يحققوا في الأزهر خطة تؤدى إلى ما أطلق عليه "اختفاء التعصب" والواقع أن أصلاح الأزهر على النحو الذي أراده له الأبرار من دعاته لم يكن المقصود به القضاء على روحه الوطنية في مقاومة الاستعمار وانما كان يراد به أن يحقق عن طريق فتح باب الاجتهاد والتطور في نظمه ومناهجه خلق قوة أشد قوة لمقاومة الاستعمار والغزو الثقافي واستبداد الملوك وطغيان الساسة والاقطاع وفساد انظمة المجتمع السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
فهذه هى المهمة الأساسية التي كان الأزهر مسئولا عن مواجهتها على نحو ايجابى قوى.
***
(٣) الأزهر والسياسة
تأثر الأزهر بالصراع الحزبى وسيطرة الاستعمار بعد ثورة ١٩١٩ وجرى في مجارى الحزبية السياسية، وكان أن أصبح للأزهر لونا حزبيا ومشاركة في الخلاف بين الملك والوزارة أو بين الأحزاب بعضها البعض، ويروى عبد الرحمن الرافعى (ك: في أعقاب الثورة جـ ا) "أنه ظهرت في نهاية وزارة سعد زغلول ١٩٢٤ معارضة قوية في صفوف الأزهريين ضد وزارة سعد ولم يعرف على وجه التحقيق سر هذا التحول على أنه قد بدأ على أثر تقديم لجنة ألفتها الحكومة لاصلاح الأزهر تقريرها إلى الحكومة وعدم نشره وحسبان الأزهريين أن مطالبهم لم تتحقق فأضربوا عن الدرس في اوائل نوفمبر، وقام المضربون في العاصمة بمظاهرة كبيرة في الشوارع نادوا فيها نداء جديدا لم يكن مألوفا من قبل: "لا رئيس الا الملك" بعد أن كان نداءهم المألوف "لا رئيس الا سعد" فعرف من أية ناحية حدث الايعاز بهذا الاضراب وفهم أن السراى أرادت أن تحرج الوزارة فأثارت مسألة الأزهر وكان معروفا أن السراى تؤلب الأزهر على الوزراء وتدبر مظاهرات الأزهريين".
стр. 236
وفى مذكرات الشيخ الظواهرى أشار إلى ظروف تعيين شيخ الأزهر (أواسط عام ١٩٢٧) بعد وفاة الشيخ أبو الفضل الجيزاوى. وتدخل اللورد لويد في شئون الدين ونصيحته بتعيين الشيخ المراغى.
وقد أثار الظواهرى شبهات كثيرة وكان خصها للمراغى وعلى خلاف دائم معه خلال فترة تبادلهما تولى مشيخة الزهر الواحد بعد الآخر في خلال فترة تمتد من عام ١٩٢٧ إلى عام ١٩٣٥.
وكما وقع الخلاف بين الشيخ محمد عبده - ولم يكن شيخا للأزهر - وبين الشيخ سليم البشرى شيخ الأزهر حول أصلاح الأزهر وتجديده. فقد صنع الاستعمار محورين في الأزهر: أحدهما المراغى (٢٢ أغسطس عام ١٩٤٥) داعية اصلاح الأزهر والرجل الذي يدين بمذهب محمد عبده وأبن تيمية في مفاهيم الاصلاح وتحريره من الزيوف والبدع وبين الظواهرى (١٣ مايو ١٩٤٤) صديق الملك فؤاد والرجل الصوفى المعروف بمحبته للأولياء والمؤمن بروح الأزهر التقليدية. وقد تولى المراغى شيخا للأزهر على كره من الملك فؤاد ثم قدم مذكرته في أصلاح الأزهر، وكان لها ضجيج فلما أحس بمعارضتها من جهات متعددة كانت لا ترغب في تطوير الأزهر قدم استقالته، هنالك ولى الظواهرى هذا المنصب وأتيحت له الفرصة لأن يتحقق على يديه تنظيم للأزهر في صورة الأنظمة الحديثة.
ويقتصر مفهوم الاصلاح عنده إلى حد تهذيب الكتب وطرق التدريس. غير أن عهده وقد اقترن بظروف سياسية حادة فاضطر إلى أن يواجه ثورة أزهرية ضخمة كانت تطالب بعودة المراغى، فلم يبث أن استقال وعاد المراغى إلى الأزهر مرة أخرى.
ولقد حاول الشيخ الظواهرى في مذكراته أن يصور الشيخ المراغى بأنه صديق الانجليز لأنه أمضى مدة طويلة من حياته في القضاء الشرعى في السودان "وكان طبيعيا أن تنشأ الألفة والمودة بينه وبين كبار الموظفين البريطانيين وساستهم في ذلك القطر الشقيق".
وأنه "هذه الفترة الطويلة التي قضاها الشيخ المراغى قاضيا في السودان قد مهدت له الفرصة الواسعة لكى يتعرف على عقلية هؤلاء الانجليز ويتفهم مشاربهم ومقدار تفكيرهم وحكمهم على الأشياء فلقد تصادقوا، ولقد جلس وتناقش معهم فتبادلوا المودة وأرتاح كل منهم للآخر". وأشار الظواهرى إلى أن "المراغى" قد اشتهر عند الانجليز بسعة العقل والفكر وذلك "عندما أفتى ابان الحرب العالمية الأولى وكانت تركيا قد أعلنت الحرب وقتئذ على بريطانيا بأنه لا مانع من محاربة المسلم لأخيه المسلم. فقد كانت هذه الفتوى من أسباب استقرار النظام حينئذ في السودان".
وأشار الظواهرى أيضا إلى أن الشيخ المراغى الذي رشحه الانجليز كان منذ تخرجه قد ترك الأزهر فنسيه زملاؤه الأزهرين لأنه لم يجلس معهم للتدريس على الكراسى المقامة بجوار الأعمدة ولم يتخرج أحد من الطلبة على يديه.
وذكر الظواهرى أن عودة المراغى للمرة الثانية إلى الأزهر كانت بسعى ألانجليز أيضا وأن ذلك ابان مرض الملك فؤاد اذ طلب مايلز (لامبسون) السفير البريطانى تعيين المراغى شيخا للأزهر، وتساءل عن الدوافع لرغبة الانجليز في عودة المراغى للأزهر، "أعلان ذلك صراحة في الجرائد مع أن هذا المنصب، منصب دينى ولم يسبق تدخلهم فيه بهذا الشكل الظاهر" وأشار الظواهرى إلى أن الأزهر قد زج به في خصم السياسة الحزبية فيما عدا تدخل الأحزاب والمندوب البريطانى في اختيار شيخ الأزهر وذلك "عندما، تألفت في الأزهر لجان للوغد وأخرى للأحرار الدستوريين، فانصرف الطلبة بالسياسة عن الدرس وعن التحصيل والتفقه في الدين وشغلوا بالنقاش السياسى والتهريج السياسى والدعاية السياسية" أ. هـ.
وفيما يتصل بالسياسة وموقف الأزهر من الملك، أخذ على علماء الأزهر أنهم أيدوا رغبة الملك فؤاد في مطعمه بالخلافه وعقدوا مؤتمرا هاما لتأييد تنصيب الملك فؤاد خليفة للمسلمين بالرغم مما قد يتعارض مع مفهوم الحاكم وأهليته لمثل هذا المنصب الإسلامي الكبير مما عد أنه تأييد من الأزهر لحاكم مستبد.
стр. 237
الأزهر ودعاة التغريب
ولقد كان للأزهر دوره الواضح في مقاومة دعاة التغريب اذا دافع عن الإسلام ازاء كل حملة من هذه الحملات، فقد هاجم الأزهر: الإلحاد والاباحة والبغاء والتبشير ووقف موقفا حاسما بالنسبة لكتابى "الإسلام وأصول لحكم" لعلى عبد الرازق و "الشعر الجاهلى" لطه حسين باعتبارهما أزهريين.
وقد كان هذا سببا هاما من أسباب حملة الصحافة على الأزهر، وخاصة جريدة السياسة والصحف ذات اللون التغريبى، وقد حملت جريدة السياسة على الشيخ محمد نجيب انتصارا للشيخ على عبد الرازق وبلغت في ذلك حد القول (١٢ أغسطس ١٩٩٢٥) "بأن الدستور يكفل للناس حرية الاعتماد. ويبيح لهم بذلك أن يتبرئوا عن دين الإسلام من غير أن يكون لهم في ردتهم جرح وهذه قوانين الدولة تبيح لهم الخمر وبمنازل الدعارة، وبيوت القمار رخصا وتصدر ببيوت الربا قوانين".
ورد الشيخ بخيت يهاجم هذا المنطق ويقول كيف يعقل أن الدستور يبيح للمسلمين أن يرتدوا عن دين الإسلام.
وقد سخرت السياسة الأسبوعية (١٠/ ٤/١٩٢٦) من الشيخ بخيت فقالت "أنه لا يعرف شيئا في الشيخ بخيت ثابتا لم يتغير الا عمامته فانه والحق يقال لم يغيرها ألا مرة واحدة يوم توفى الشيخ سليم البشرى شيخ الجامع الأزهر" واتهمته بأنه يتلون بكل لون ويفتقل في أى شكل لانه اشتغل في مطلع عمره باخراج العفاريت!
كما هاجمت السياسة الشيخ محمود أبو العيون في حملته على البغاء أعنف الهجوم.
وهاجم طه حسين الأزهر سنوات طويلة بعد معركة كتاب الشعر الجاهلى.
وكان في حملاته بعيدا عن روح البحث العلمى الذي يدعى أنه من رواده ساخرا متهكما كقوله "أنا أعلم أن عمامة الشيخ تضيق بفهم هذه الكتب العلمية الخالصة التي يطبعها جماعة من المصريين والأجانب الشرقيين والغربيين" وكان ذلك في موقف دفاع من الأزهر من كتاب حوى سبا للإسلام كان مقررا على طلبة الجامعة.
كما دعا طه حسين إلى الغاء الأزهر والى منع خريجيه من الاشتغال بأى عمل من الأعمال، ودعا في كتابه مستقبل الثقافة إلى ان يصبح الأزهر كلية دينية يدخلها من شاء بعد أن يتم تعليمه الثانوى - ولطه حسين مقال معروف ٣١ أغسطس ١٩١٣ قال "وجه الصواب في اصلاح ألأزهر عبارة عن حملة عنيفة على نسق الشعر المنثور، هكذا هم جاهلون في اللغة العربية، هم جاهلون في الفارسية والتركية والهندية، هم عاجزون عن ان يذودوا عن الدين ويردوا عنه كيد خصومه. هم عاجزون لأنهم يجهلون الديانات الأخرى، هم عاجزون عن رد المخالفين. هم عاجزون عن أن يؤدوا ما للإسلام عليهم" والمقال كله قطعة من الحقد والخصومة والتعصب.
ولعلى عبد الرازق حملات متعددة على الأزهر غير أن أعنف ما كتب هو محاضرته التي ألقاها في الجامعة الأمريكية ١٩٣٢ (عن الدين وأثره) في وقت كانت البلادج تضج من آثار حملة التبشير التي كان مصدرها نفس الجامعة الأمريكية.
وقد وقف على عبد الرازق على منبر الجامعة الأمريكية ابان هذه الحملة ليقول: أن حركات التبشير المسيحى لا خطر منها على الإسلام.
ولقد كان هذا عملا خطيرا في عالم الفكر عندما تستخدم الجامعة الأمريكية - مصدر التبشير والتي كانت تواجه أعنف حملة من الصحف والأزهر ورجال الفكر - شيخا ليهزا بالتبشير ولقد كان هذا نفس موقف طه حسين الذي تحدى المشاعر الوطنية والإسلامية فافتتح موسم
стр. 238
المحاضرات في الجامعة الأمريكية في عام التبشير - يقول على عبد الرازق "يخيل لمن يسمع حينا بعد حين أن المبشرين قد فتنوا طفلا أو خادعوا فتاة أن الأمر جلل وأن الإسلام منهم على خطر. غير أن الذي يستنطق الأرقام ويستمع إلى صوت الحقائق يجد أولئك المبشرين أقل شأنا من أن يصلوا بكيدهم إلى حمى الإسلام أو ينالوا منه منالا، ولن تبلغ جهود المبشرين وأن تعاظمت ولا حيلهم وأن دقت ما بلغت من قبل تلك الغوائل التي تقف في طريق الإسلام".
وقد حاول على عبد الرازق في محاضرته بعد أن عدد ما وقع للإسلام من أخطار أن يعلن أن الإسلام بخير، وهو منطق عجيب.
أشار إلى أن المصريين قد أحتكموا إلى غير قوانين الإسلام وأن القوانين قد أصبحت في مصر تؤخذ أحيانا من قوانين أوربا والى أن الإسلام صريح في تحريم الربا، وأن المصريين قد أخذوا نظام البنوك، وأشار أن الأزهر قد أنشأ لتعضيد السياسة بانشاء قوة دينية "وما برح الأزهر يومئذ ربيب السياسة وآلة الحكام السياسيين وسندهم" ثم أشار إلى الغاء الخلافة وتساءل عما أذا كانت هذه الأحداث كلها قد أثرت في الإسلام. ثم قال أنها لم تضعف روح الدين وقال أن أصابة الخلق المصري بالضعف والانحلال ظاهرة خلقية أتبغى أن يشتغل بالبحث عنها علماء الأخلاق قبل علماء الدين، وقال أن خطر المبشرين هو خطر سياسى وخلقى أكثر مما هو دينى وعلى رجال السياسة والأخلاق أن يبحثوا في طريق الخلاص منه" وكان مفهوم الشيخ على عبد الرازق في "الدين" هو مفهوم المبشرين والمستشرقين وخصوم الإسلام وهو أن الدين عبادات وليس نظاما اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا ثم سخر من الدين والإسلام والأزهر في نهاية محاضرته وقال "من كان يظن أن الإسلام بين جدران الأزهر وبين اللحى والعمائم فأن الحضارة الحديثة في مصر ستقضى على دينهم الذي يزعمون وتجتثه أصولا وفروعا".
***
الدفاع عن الأزهر
وقد حاولت الصحافة الغربية أن تصور الأزهر في كل مناسبة بصورة رجعية جريا مع معركة الغزو الثقافي.
ومن ذلك أن جريدة المورننج بوست كتبت في (يناير عام ١٩٢٤) عن الأزهر أنه هو " تلك البؤرة التي تضغط فيها على الافكار لطمس العلوم حيث ما زال التلاميذ يتعلمون أن الأرض مسطحة وأن الشمس تدور حولها"
وقد تصدى للرد على هذا رجل من خارج الأزهر هو أحمد زكى باشا (الأهرام ١/ ٤١٩٢٤) فأشار إلى ما ذكره الشريف الأدريس وفضل الله العمرى وشهاب الدين النويرى والأصفهانى "وكلهم قالوا بكرية الأرض من القاهرة التي نعيش فيها". وقال أن علماء الأزهر قالوا بكرية الأرض. وأنها تدور حول الشمس بينما كان البابا بعد ذلك بزمان طويل يصب أنواع التعذيب والتعزير على كل من هذين العبقريين الطليانى والبولندى اللذين قالا بعدهما في بلاد أوربا بمثل هذا القول".
***
مواجهة الأزهر الحضارة
وتعرض كثير من الكتاب للرد على ما اتهم به الأزهر من روح الجمود التي ترددت في كثير من كتابات المبشرين والمستشرقين ودعاة التغريب بأن الأزهر قد شارف نقطة باكرة وكان له دور ضخم في ميدانين:
الأول: مواجهة الحضارة بروح الإسلام وتقبل جوانبها الايجابية.
الثانية: مواجهة الاحتلال والاستعمار ومقاومته والجهاد في سبيل دفعه وقتاله في أكثر من معركة.
وقد كشفت هذه الأبحاث أن الشيخ حسن العطار وتلاميذه هى المدرسة الأولى التي واجهت الحضارة الغربية ابان الحملة الفرنسية، فقد كان العطار خطيب أول حفل لتخريج أول فوج لمدرسة الطب في كلمة أشار فيها إلى أن العلم دولى وأن الحضارة عالمية وأن الأغريق والمسلمين ساهموا فيه يوما ما وأن الأوربيين الآن هم أصحابه وأن على المسلمين المحدثين أن يقبلوا عليه.
وهو الذي حرض تلاميذه على عبور البحر إلى الغرب. فكان تلميذه رفاعة الطهطاوى أول رائد للفكر العربي المعاصر فقد استطاع وهو الأزهرى أن يدرس الفرنسية وأن يترجم منها وينشئ تيارا ضخما قوامه الجمع بين ثقافة العرب وثقافة الغرب.
стр. 239
وقد قام رجال الأزهر في هذه الفترة بدور ضخم في الدفاع عن مصالح الشعب وقد كان علماء الأزهر كما وصفهم الشيخ الشبراوى (١٧٥٠) "انما نحن المتصدرون لخدمتهم وقضاء حوائجهم عند ارباب الدولة والحكام".
ولم يبد الأزهر مقاومة لحركة التجديد، بل تقبلها وأعلن أن الإسلام لا يمانع فيها، وقد أشار الشيخ الجبرتى إلى أنه شاهد مع الشيخ العطار بعض تجارب العلم وأعلن أن الإسلام أقرب إلى التجدد منذ البداءة وأن التغريب ليس له قيمة اذا اقتصر على مجرد التقليد للغرب دون أن يكون طعيما للميراث القديم.
***
صلاح الأزهر
وأشار الباحثون إلى أن الأزهر حفظ اللغة العربية من طغيان اللغات الوافدة عليها ومن غلبة العامية وأن الشيخ حسن العطار أول من نبه إلى اصلاح الزهر بتقصى برنامج العلم فيه وكان شيخا له (١١٨٠ - ١٢٥٠) وأشار إلى النقص كان سببه اهمال كتب المتقدمين واهمال العلوم الحديثة والرياضة وأن الحملة الفرنسية كان لها أثرها في نفسه.
كما دعا إلى اصلاح الأزهر رفاعة الطهطاوى وهو تلميذه الذي وجهه إلى دراسة العلوم التي نبغ فيها الغرب. وقد دعا رفاعة إلى ادخال العلوم العصرية في الأزهر.
وكان جمال الدين الأفغانى من دعاة اصلاح مناهج الأزهر وقد درس اريديه خارج الأزهر علوم الكلام والحكمة والهيئة والتصوف.
وقد جرت في هذه الفترة محاولات لادخال العلوم الرياضية والفلسفة غير أن شيوخ الأزهر كانوا يرون بقاء القديم على قدمه، وأن النظر في ذلك العلوم ليس من شأنهم ولا حاجة لهم به - على حد تعبير عبد المتعال الصعيدى في كتابه "تاريخ اصلاح الأزهر".
***
دور الشيخ محمد عبده
وتردد حديث طويل عن دور الشيخ محمد عبده في اصلاح الأزهر والمؤامرات التي واجهت هذه الاصلاح. فقد حاول اقناع الخديو عباس باصلاح الأزهر وقال: "أن في الامكان اصلاح الأمة باصلاح الأزهر والمحاكم والأوقاف" غير أن كل ما وصل اليه هو انتشاء مجلس ادارة الأزهر ١٨٩٦ م كان هو وعبد الكريم سليمان من أعضائه وقد جرى خلاف في وجهات النظر حول مدى الاصلاح. وكان رأى محمد عبده أن يكون أصلاحا كاملا يقضى على كل أثر للجمود في الأزهر (على حد تعبير عبد المتعال الصعيدى) فلم يوافقه أولو الأمر ونصحوه بالتدرج وكان من رأى بعض شيوخ الأزهر الجامدين اصلاح نظام التدريس والامتحان وكان هدف محمد عبده من شقين: الأول: الاصلاح الدينى وبعث روح الاجتهاد (والثانى) أصلاح المناهج.
وتحقق بذلك وضع قانون يقوم باصلاح نظام التدريس والامتحان أصبح به الأزهر ادارة نظامية وقد سجل قانون الأزهر رقم ١٠ لسنة ١٩١١ أن الغرض من الجامع الأزهر هو:
*القيام على حفظ الشريعة الغراء أصولها وفروعها.
*تعليم اللغة العربية ونشرها على وجه يفيد الأمة.
*تخريج علماء يوكل اليوم أمر تعليم هذه العلوم في المعاهد الدينية ومدارس الحكومة.
وقد روى أن الشيخ عبده هوجم في معارضته للنظام القديم وقيل له في مجال التدليل على تأكيد النظام القديم أنه تعلم ووصل عن طريقه إلى أرقى الدرجات فأجاب "ان كان لى حظ من العلم الصحيح فأنى لم احصله الا بعد أن مكثت عشر سنين أكنس من دماغى ما علق به من وساخة الأزهر وهو إلى الآن لم يبلغ ما أريده من النظافة".
غير أن النظام الذي أقره الشيخ عبده لم يلبث أن عطل عند ما وقع الخلاف بينه وبين الخديو فانقلب أهل الأزهر على النظام الحديث ووجه الشيخ الظواهرى خطابا للخديو يطلب فيه الغاء النظام الجديد والعودة الى
стр. 240
ما أسماه "الدين كما تركه لنا الائمة" مشيرا إلى "أن ما سوى ذلك من أمور الدنيا وعلوم الأعصر فلا علاقة للأزهريه" وكانت الحجة التي حمل لواءها دعاة المحافظة هو أن النظام الجديد من شأنه أن يهدم معالم التعليم الدينى في الأزهر ويحوله إلى مدرسة فلسفة وآداب تحارب الدين وتطفئ نوره.
وقد أيد الخديو أدخال العلوم الحديثة ورفض ما يسمى (بالاصلاح الدينى) وهو فتح باب الاجتهاد.
ثم لم يلبث العمل الجديد ان تميع لاختلاف مناهج التفكر بين مشايخ الأزهر في هذه الفترة، وقد كان الشيخان: سليم البشرى وعبد الرحمن الشربينى من أعداء النظام الجديد.
ثم لم يلبث الأزهريون أن ثاروا على النظام الجديد فصدر الأمر بالغائه عام ١٩٠٩ وكانت حجة الأزهريين أنه يلزمهم الامتحان في العلوم الحديثة ويأخذهم بكثير من التكاليف وقد أعيد النظام القديم ١٩١٠.
***
الأزهر القديم والأزهر الجديد
وتعد حركة الشيخ محمد مصطفى المراغى ١٩٢٩ هى المرحلة الثالثة لحركة الاصلاح التي دعا اليها الشيخ محمد عبده.
وتنصب دعوة المراغى على عنصرين أساسيين: (١) أصلاح الأزهر (٢) فتح باب الاجتهاد في الدين والعلم.
وقد لقى منهج الاصلاح الدينى من أنصار الجمود في الأزهر وخصوم الاجتهاد معارضة شديدة كما لقيها هذا المنهج قبل ثلاثة وثلاثين عاما (١٨٩٦ - ١٩٢٩).
وقد ركز المراغى في مذكرته التاريخية التي أعلنها في (٥/ ٨/١٩٢٨) على أن العلماء في القرون الأخيرة استكانوا إلى الراحة وظنوا أن لا مطمع لهم في الاجتهاد فأقفلوا أبوابه ورضوا بالتقليد وعكنوا على كتب لا يوجد فيها روح العلم وابتعدوا عن الناس فجهلوا الحياة وجهلهم الناس. وجهلوا طرق التفكير الحديثة وطرق البحث الحديث. وجهلوا ما جد في الحياة من علم وما جد فيها من مذاهب وآراء. فأعرض الناس عنهم ونقموا على الناس فلم يؤدوا الواجب الدينى الذي خصصوا أنفسهم له وأصبح الإسلام بلا حملة وبلا دعاة بالمعنى الذي يتطلبه الدين.
وفي الإسلام عبادات وعقائد وأخلاق. وفقه في نظام الأسرة وفقه في المعاملات مثل البيع والرهن وفقه في الجنايات.
وقد عرض الإسلام لعقائد لم تكن لأهل الأديان. وهوجم الإسلام أكثر من غيره من الديانات السابقة، هوجم من أتباع الأديان السابقة وهوجم من ناحية العلم، وهوجم من أهل القانون، لهذا كانت مهمة العلماء شاقة جدا تتطلب معرفة المذاهب قديمها وحديثها ومعرفة ما في الأديان السابقة ومعرفة طرق البحث النظرى وطرق الاقناع حيث يتطلب فهم الإسلام نفسه من ينابيعه الأولى فهما صحيحا وتتطلب معرفة فقهها وآدابها. والتاريخ العام وتاريخ الأديان والمذاهب وتاريخ التشريع وأطواره بتطلب العلم بقواعد الاجتماع".
وقد كان لذكرة الشيخ المراغى ضجة كبرى ففى الصحف وأوساط الفكر والاصلاح، وقد أقرت اجنة اصلاح الأزهر منهجه، ثم لم تلبث سلطة الاستعمار المسيطرة على جهاز الحكم أن أوقفت المشروع طويلا وأشبع أن الملك فؤاد رفض مشروع المراغى فقدم استقالته.
وتولى"الظواهرى" مشيخة الأزهر وكان له من قبل راى في اصلاح الأزهر يختلف عن رأى المراغى، ويقف عند أصلاح المناهج في تهذيب الكتب وطرق التدريس .. دون النظر إلى فكرة الاصلاح الدينى وفتح باب الاجتهاد في العلم والدين التي وقف الاستعمار دونها في مشروعى محمد عبده والمراغى، وتنفيذ مشروع اصلاح الأزهر على النحو الذي ارتضاه الاستعمار والملك فيما يتعلق بنظام المدرسة فحسب، فلما اعيد المراغى ١٩٣٥ أعاد نشر مذكرته ومشروعه غير أنه فيما يبدو لم يتحقق الجانب الخاص بالاصلاح الدينى، يقول عبد المتعال الصعيدى في كتابه تاريخ الاصلاح في الأزهر: "أن المراغى رأى بعد عودته للمرة الثانية مسالمة الرجعية في أرضاء مطامعهم في الوظائف وسار على نظام الظواهرى ولم يحدث فيه أى تغيير. وقد لقى من مناوأة أهل الأزهر ما لم يلقه في عهده الأول حتى خرج عليه بعض أنصاره" أ. هـ.
стр. 241
ويبدو أن الشيخ المراغى قد وجه عنايته في هذه المرحلة إلى ازالة الفوارق بين المذاهب الإسلامية فقد أعلن في حفل تكريمه (٤ يوليه ١٩٣٥) العمل على ازالة الفوارق المذهبية أو تضيق شقة الخلاف بينها "فان الامة في محنة من هذا التفرق ومن العصبية لهذه الفرق، ومعروف لدى العلماء أن الرجوع إلى أسباب الخلاف ودراستها بعيدة عن التعصب المذهبى يهدى إلى الحق. وأن بعض المذاهب قد أخذتها السياسة في القرون الماضية لمناصرتها ونشطت أهلها وخلقت فهم تعصبا يساير التعصب السياسى، ثم انقرضت تلك المذاهب السياسية وبقيت تلك الآراء الدينية لا ترتكز على ما يصوغه الخيال وما أقره أهلها: وهذه المذاهب فرقت الأمة التي وحدها القرآن الكريم وجعلها شيعا في الأصول والفروع ونتج عن هذا التفريق حقد وبغضا يلبسان ثوب الدين".
***
مهمة الأزهر كما يفهمها المراغى
وليس شك أن الأزهر قد تطور في هذه الفترة تطورا واضحا ملموسا حتى أصبح يمكن القول بأن هناك أزهر قديم وأزهر حديث.
وقد كان هذا مجال سجال طويل، وقد عرض المراغى لهذا الموقف ورسم صورة كاملة لمفهوم الأزهر عنده ومدى الدور الذي أستطاع أن يؤديه بعد أن خرج من ثوبه القديم (الأهرام ٦/ ٥/١٩٣٩).
"من الناس من يقول أن الأزهر القديم كان متمسكا بدينه أكثر من الأزهر الحديث وأنا أقول لهؤلاء: لا، فالأزهر الحديث متمسك بدينه أكثر من الأزهر القديم.
"كل المفاسد الموجودة الآن ليس للأزهر الحديث شأن فيها الا أنه يطلب ازالتها، فقد نظم البغاء وليس للأزهر الحديث أثر فيه، وأبيح الخمر في البلاد وليس للأزهر الحديث شأن فيها، ووجدت البدع في الموالد والأسواق والقبور وليس للأزهر دخل في وجودها.
كل هذا وجد في عهد الأزهر القديم، ولم يرفع صوته طالبا أزالة هذه المنكرات التي استقرت في البلاد كأنها شأن من الشئون القومية والتي يطالب الأزهر الحديث الآن بازالتها. فالأزهر مكبل بآثار الماضى وهو يعانى في سبيل ازالة تلك الآثار ما يعانى.
ولقد اتصل الأزهر الحديث بالناس بالوعظ والارشاد على صفحات الجرائد ليفهمهم دينهم فاستفادت الأمة منه، واستفاد العالم الإسلامي كذلك، اما الأزهر القديم فكان قابعا بين الجدران لا أثر له في الخارج ولا يعرفه الناس الا بطريق السماع كأنه تاريخ من التواريخ.
٢ - الأزهر الحديث لامس الحياة العملية ولم يكن للأزهر القديم شأن فيها، لقد كان الأزهر يحتضر منذ عشر سنوات.
ففى عام ١٩٢٨ أرادت وزارة الأوقاف أن تنشئ مدرسة للوعظ والارشاد وفي ذلك التاريخ كانت هناك مدرسة للقضاء وكانت هناك مدارس للغة العربية فلو أن مدرسة الوعظ والارشاد أنشئت في وزارة الأوقاف لكان علماء الأزهر الآن بين جدران الأزهر كأنهم من الآثار القديمة.
***
نظم الدراسة
وقال المراغى: كان أكثر العلماء يطرقون الاحتمالات المتعددة في عبارات الكتب وكان هذا هو كل شئ اشتهروا به في العلم.
وما كان يوجد منهم من يستطيع أن يحاضر في موضوع علمى أو أن يلخص مسألة من المسائل بعبارة يمكن أن تفهم، وما كانوا يعنون بالموضوعات العلمية من جهة الأدلة ومقارنة المذاهب ونقدها بل كانوا يعنون بالألفاظ.
-أما الأزهر الحديث فقد احتفظ من تلك الطرق بما يجب أن يحتفظ به وأضاف إلى ذلك أنه أستطاع ان يحصل العلم تحصيلا حقيقيا وأن يتصل بالبيئات العلمية الأخرى ويجاريها.
وقال المراغى، منذ ثلاثين سنة فكرنا في اعادة خطب للمساجد أحسن من تلك الخطب المطبوعة التي كانت تتلى دائما على الناس ولا تغير وأعلن عن ذلك فجاءنا خمسمائة خطبة لم نستطع أن ننتقى منها واحدة نقول أنها صالحة، أما الآن فقد وجد في الأزهر خطباء ووعاظ ومرشدون يمكنهم أن يرتجلوا الخطب وأن يكتبوها.
стр. 242
ان الناس في مصر يخشون خطر الأزهر على الحياة العامة. ويقولون ان الأزهر اذا قوى واشتدت عزيمته يدخل في الحياة الاجتماعية فيكدر هذه الحياة اذ يحظر حرية الفكر ويقف حجر عثرة طريق الأفكار العلمية الحرة.
ومن جهة أخرى يحرم الناس ملاذهم وشهواتهم والحياة لا تحتمل ولا تطاق اذا سيطر الأزهر عليها بسلطان الدين.
-أما الحياة الفكرية فلا أظن بحال أن الأزهر خطر عليها لأن الأزهر يساير أسلافه من العلماء الأجلاء ومن الأئمة الذين كان عندهم من سعة الصدر ما أحتمل هذه المذاهب المتعددة.
والإسلام بطبيعته دين تسامح ومبادئه لم تعترف بالاكراه، وقد حمى الإسلام أديان تخالفه وحمى علماء الإسلام مذاهب غير صحيحة واجتهدوا أن يردوا عليها بالدليل.
فليس الأزهر من المعاهد التي تكره حرية الرأى والآراء العلمية ولكن الأزهر يكره شيئا واحدا هو تعمد الاستهزاء بالدين والأنبياء والأئمة ويكره أن يشكك العامة في دينهم. والنشئ في عقائدهم، أما الآراء العلمية في حدود العلم وفي دائرته فانها تدرس في المعاهد الكبرى دون أن يخطر ببال أحد أن يقاومها أو يقف حجر عثرة في سبيلها.
حرروا دينكم من كل ما غشيه. وخذوه من الينابيع الصحيحة خذوه من الكتاب والسنة وآراء السلف الصالح من الائمة" أ. هـ.
***
تطور التعليم في الأزهر
كان أخطر خطه خلقت الثنائية في التعليم هى: اتجاه محمد على انشاء المدارس المدنية منفصلة عن الأزهر ومن هذه النقطة بدأت هذه الأزمة التي استمرت طويلا حول التعليم الدينى والتعليم المدنى.
ذلك أن محمد على كان يخشى الأزهر على أثر الدور الذي قام به في مقاومة الحملة الفرنسية وسيطرة المقاومة الشعبية بقيادة علماء الأزهر وفرضها سلطانها في انزال الحاكم التركى خورشيد وتوليته، وقيامها بالسيطرة على الحكم عن طريق الدفاع عن حقوق الشعب ومطالبه، ودفع مظالم محمد على في رفع الضرائب وتسخير الشعب. ولذلك اتجه محمد على إلى القضاء على هذه الجبهة الشعبية والتخلص منها نهائيا. وكان تجميد الأزهر جزء من هذه الخطة، لذلك اتجه محمد على إلى انشاء التعليم المدنى والاستعانة في انشائه بالخبراء الفرنسيين الذين كانوا يؤمنون بضرورة القضاء على الأزهر كجزء من خطة الغزو الثقافي في محاربة الإسلام واللغة العربية.
فلما كان عهد إسماعيل ازدادت درجة التغريب والاتجاه إلى نقل أنظمة الغرب وقوانينه وتشريعاته، وقد أغلق إسماعيل الباب أمام التشريع الإسلامي اغلاقا تاما وأخذ بالتشريعات الغربية دون مراعاة مقومات الحياة الاجتماعية في الوطن العربي. وبذلك أزدادت عزلة الأزهر عن التطور والحياة.
وقد كانت علوم الأزهر قاصرة على علوم الدين واللغة كالنحو. الصرف والمعانى والبيان والمنطق ومصطلح الحديث والحساب والجبر والعروض والقافية وعلم الكلام والأخلاق والفقه والتفسير لم تحقق بعد حركة الشيخ محمد عبده ادخال علوم الحساب والطبيعة والكيمياء والهندسة والجغرافيا والعلوم العقلية والتاريخ وكان جمال الدين الأفغانى قد دعا إلى ادخال التاريخ في علوم الأزهر وقال: اذا بقيتم على جهلكم بالتاريخ فلا يمكنكم أن تعرفوا دينكم ولا نجاح لكم في دنياكم، وأكد أن قراءة التاريخ واجب من الواجبات الدينية وركن من أركان اليقين فلابد من تحصيله.
وقد احتال الشيخ محمد عبده في ادخال العلوم الحديثة حتى أنه أطلق على علم الطبيعة "علم خواص الأشياء التي أودعها الله في الأجسام" وقد تراجع الأزهر بعد الشيخ محمد عبده عن العلوم الحديثة حتى كانت حركة الشيخ المراغى التي حققت اعادة تنظيم الأزهر ونقله إلى نظام الجامعات الحديثة وتقسيم الدراسة العالية إلى ثلاثة أقسام يتمثل كل قسم منها في كلية، وهى الشريعة واللغة العربية وأصول الدين وأقسام أخرى للتخصص وقد شمل مشروع اصلاح الأزهر منهجا كليا واضح المعالم يضم
دراسة القرآن والسنة دراسة شاملة.
تهذيب العقائد والعبادات ونفى ما جد منها وابتدع.
стр. 243
دراسة الفقه الإسلامي دراسة حرة خالية من التعصب الذهبى.
دراسة الأديان لمقابلة ما فيها من عقائد وعبادات وأحكام مما هو موجود في الإسلام.
دراسة أصول المذاهب في العالم قديما وحديثا.
دراسة اللغة العربية دراسة جيدة كما درسها الأسلاف.
وهاجم الشيخ المراغى الكتب القديمة وقال أنها كتب معقدة لها طريقة خاصة في التأليف لا يفهمها كل من يعرف اللغة العربية وأنما يفهمها من مارسها ومرن على فهمها وعرف اصطلاح مواقعها ودعا إلى الاستغناء عنها بأحسن منها.
وقد تحقق وفق هذا المنهج (جمادى الآخرة ١٣٤٣) تحول الأزهر إلى جامعة كبرى لتخريج أساتذة علوم اللغة العربية والدين والقضاة الشرعيين وأن تكون شهادة التخصص فيه مساوية لشهادات المدارس العليا وارسال بعثات من متخرجيه إلى الجامعات الأوربية لدراسة العلوم، وأدخل في القسم الثانوى العلوم المدنية التي يشمل عليها منهج المدرسة التجهيزية الملحقة بدار العلوم ومنهج القسم الأدبى للمدارس الثانوية الأميرية. وحددت مدة التخصص ثلاث سنوات بعد الحصول على الشهادة العالمية كما أدخلت اللغات الأجنبية إلى الأزهر (١٩٣٥) وهى الانجليزية والفرنسية والفارسية واليابانية والصينية في كلية أصول الدين لمختلف السنين.
وسافرت أول بعثة أزهرية إلى ألمانيا عام ١٩٣١ باسم بعثة محمد عبده. كما سافرت بعثة أخرى إلى باريس (أغسطس ١٩٣٦) وتواصلت بعد ذلك البعثات.
وقد يحقق لأفراد البعثات الحصول على أجازات الدكتوراه وكان أولها عن الأخلاق عند ابن مسكوبه (محمد يوسف موسى) وعن سيبنوزا (محمود حب الله) وعن الشريعة الإسلامية من السربون (عبد الرحمن تاج).
كما تحقق في عام ١٩٣٦ أبدال الجراية الأزهرية بمرتبات شهرية وقد كان بحث استبدالها قد بدأ عام ١٩١٠ بعد أن ترددت الشكوى من ردائة الخبز الأزهرى وقد أشارت المذكرة الخاصة بالغائها أن هذه المادة وأن كانت تقليدا من تقاليد الأزهر الا أنها أصبحت تجافى التطور العلمى.
كما تحقق اشتراك الأزهر في عديد من المؤامرات الدولية:
مؤتمر جامعة غرناطة (ديسمبر ١٩٣٢).
مؤتمر القوانين الدولى - لاهاى (أغسطس عام ١٩٣٧).
стр. 244
- ٢ -
لقيت حركة اصلاح الأزهر التي قام بها المراغى عنه هجوما عنيفا من جهة الاستعمار والتغريب وحوربت وهوجم أسلوب الأزهر في التدريس باللغة العربية حتى قال الدكتور أمير بقطر في مؤتمر التعليم الذي عقد في جنيف عام ١٩٢٩ أن الأزهر خلق في طاقة معينة من السكان عقلية خاصة تتصادم مع مبادئ القرن العشرين ومثله العليا فقد أسدلت حجابا كثيفا وأقامت حائلا منيعا بين ما نسميه العقلية الأزهرية وعقلية سائر الشعب المصرى، عقلية لا تتفق الا مع العصور القديمة الفطرية".
وقال الدكتور رول جوست عميد كلية الآداب الثقافي الأمريكية " ان أثر لعربية كما تراها في الأزهر لا يتفق مع التقدم الحديث في ميدان التربية ونخشى أن الاصلاح الحديث في الأزهر لم يكن الا من قبل العناية بالسطح دون العمق فأدخل الأدوات والأجهزة وانشاء الأقسام لا تجدى نفعا طالما كان النظام ذاته مطبوعا بطابع القرون الوسطى".
والواقع أن ما تنبأ به دعاة الغزو الثقافي لم يكن صحيحا وأن الأزهر حقق بعد اصلاحه نتائج باهرة وشارك مشاركة فعالة في الثقافة العربية الحديثة.
ولم يتوقف الغزو الثقافي المتصل ضد الأزهر في سبيل الغاية التي رسمها الاستعمار للقضاء عليه. وذلك بانشاء عديد من المدارس والكليات والجامعات والمعاهد التي حملت لواء تمزيق جبهة الثقافة العربية وتعديد جوانبها واتجاهاتها، وبذلك حقق الاستعمار هذفه في القضاء على هذه الثقافة العربية، ويرجع هذا أصلا إلى خطأ محمد على في فصل التعليم عن الأزهر دون تطوير الأزهر نفسه لتحقيق هدف التعليم العام المدنى.
***
مهمة الأزهر
كانت الدعوة إلى اصلاح الأزهر فما بين عام ١٩٢٩ الذي بدأت فيه بمذكرة المراغى إلى عام ١٩٣٥ حيث عاد المراغى إلى الأزهر فرصة واسعة لدراسات ومراجعات متعددة عن مهمة الأزهر ودوره في الحياة الفكرية العربية والإسلامية.
وقد تحدث الكثيرون من الباحثين عن مهمة الأزهر في العصر الحديث ومن رأى محمود الشرقاوى (٢ مارس ١٩٣٦) أن مهمة الأزهر ليست تخريج واعظين للشعب ومعلمين في مدارس الحكومة وحفظة للقرآن أو عرفاء في الكتاتيب وانما مهمته تخريج صنوف من الرجال لهم أعمال ولهم مطامع وآمال وبين جفونهم وفي رؤسهم قلوب وعقول أبهى نورا.
وأن أول مهمة للأزهر مسايرة العصر وما فيه من التيارات المختلفة للذهن والحضارة والتفكير. وليس معنى هذا متابعة العبيد بل نزع خلق الانكفاء والجبن العقلى والخوف من الدنيا والانزواء من الرأى والصد عن كل جديد والخروج من هذا الخلق السلبى إلى روح ايجابى مقبل على الايام والأحداث مشرف على سير الناس والحضارة مرتقب لكل جديد من الفكر.
وكان من رأى الشيخ محمود شلتوت أن يقوم اصلاح الأزهر على أساس التخلص من روح المناقشات اللفظية والتقديس للآراء والافهام التي دونها السابقون السمو بها عن مستوى النقد وكذلك التخلص من روح الاشتغال بالفروض والاجتماعات العقلية واختراع الحيل التي يتخلص بها من الحكم الشرعى. وكذلك التخلص من روح التعصب المذهبى الشديد.
- ٤ -
وقد حقق الأزهر وجوده باشتراكه في عديد من المؤتمرات العالمية كمؤتمر جامعة غرناطة (ديسمبر عام ١٩٣٢).
стр. 245
ومؤتمر الأديان العالمى في لندن ١٩٣٦ ومؤتمر القوانين الدولى في لاهاى (أغسطس ١٩٣٧).
وفي مؤتمر الأديان العالمى وجه الشيخ المراغى رسالة دعا فيها إلى تعاون أهل الأديان على تقوية الشعور الدينى واعادته بحيث يغمر القلوب ويملأ النفوس هيبة ورهبة من الله. وعلى اعزاز مركز الأديان أمام العلم وأمام تيارات التقدم العلمى والتحرر الفكرى. وقال: أن تقوية مركز الأديان يقى الحياة الانسانية من خطر تحكم المادة.
وأشار إلى أن الهدف هو جعل التدين أداة فعالة في تهذيب الجماعة وتمكين العوامل المعنوية التي تشترك فيها الاديان من التأثير في الحياة الانسانية الواقعية. وكذلك العمل على توجيه التشريع إلى تأييد الأصول العامة المشتركة في الأديان.
وقد حقق مؤتمر لاهاى نصرا كبيرا للإسلام والأزهر اذ أعلن "أن الشريعة الإسلامية لم تتأثر بالقانون الرومانى. بل هى شريعة مستقلة قائمة بذاتها ولا يوجد دليل مباشر أو غير مباشر يمكن أن يستنتج منه من الوجهة التاريخية أن القانون الرومانى كان له أى تأثير على الشريعة الإسلامية وأن الشريعة الإسلامية تحمل العناصر الكاملة التي تجعلها صالحة للتطور مع حاجات الزمن والمدنية".
وقد كان هذا ردا حاسما على كل التهم التي ساقها دعاة التغريب بالنسبة للشريعة الإسلامية والإسلام (اقرأ صحف ٢٦/ ١١/١٩٣٧) وقد كانت اللغة العربية هى احدى اللغات الرسمية في هذا المؤتمر.
***
دور الأزهر
وبالرغم من محاولات الاستعمار لعزل الأزهر عن التطور الفكرى، وابعاده عن محيط الحياة العامة، فان الأزهر شارك في مختلف الأحداث وكان له دوره فيها: قاد الثورة على الحملة الفرنسية وقاد ثورة ١٩١٩ على الاستعمار البريطانى من قاب الأزهر ووقف من أحداث المغرب (الظهير البربرى) وليبيا (مقتل عمر المختار) وأحداث فلسطين وسوريا موقف الدفاع، كما هاجم حركة التبشير الكبرى في مصر ١٩٣٣ حيث طالب بجمع الكتب التي وضعها المبشرون للطعن في الإسلام وألف لجانا في مختلف الأقاليم لمناهضة المبشرين.
وطالب الشيخ عبد العزيز شاويش عام ١٩٢١ بادخال تعليم الفتاة إلى الأزهر وقد أعترف الاب الكسيس همالون اليسوعى (م ٤ مجلة المشرق ص ٤٩) باجماع علماء الإسلام على أنه لولا هذه المدرسة لما استمرت اللغة العربية لغة الشريعة في الممالك الإسلامية".
وقد حمل الأزهر ثلاث أمانات: حفظ التراث العربي الإسلامي وذلك بحماية اللغة. وحماية الشريعة وقيادة الحركة الوطنية. وبالرغم من مهاجمة كرومر وخلفائه له، ومهاجمة الصحف التي جرت في ركاب الاستعمار والتغريب وبالرغم من محاولة غزله عن التطور في مناهجه ورسالته، وانفصال التعليم المدنى عنه فقد ظل يحتفظ بنفوذ خطير.
وقد خرج الأزهر عددا كبيرا من أعلام الحياة الفكرية العربية: أمثال حسن العطار وحسن الطويل ورفاعة الطهطاوى وعياد الطنطاوى والمرصفى والمهدى ومحمد عبده وإبراهيم النبراوى وأبو خطوة كما خرج طائفة من الزعماء أمثال سعد زغلول وإبراهيم الهلباوى وعبد السلام المويلحى وإبراهيم اللقانى وعلى يوسف.
ومن عجب أن أغلب الذين عارضوا أفكار الإسلام وجروا في ركب التغريب كانوا من الأزهر أمثال: طه حسين وعلى عبد الرازق وزكى مبارك وأن الذين دافعوا عن الإسلام كانوا من خارج الأزهر: أمثال جمال الدين الأفغانى وفريد وجدى وأحمد تيمور وعبد الحميد سعيد ومحب الدين الخطيب ورشيد رضا.
وقد صور اللورد لويد في كتابه (مصر في عهد كرومر) ملامح الخطة التي أريد بها أبعاد الأزهر عن مجال التطور والمشاركة في الحياة العامة بحسبانه قوة تقف في وجه الأهداف الاستعمارية لتغريب الفكر الإسلامي قال "أن أهمية الأزهر بصفته مركزا من مراكز الرعاية المعادية لبريطانيا كبيرة متعددة الامكانيات وقد أدرك الوطنيون ذلك فحاولوا استغلاله لتأييد مأربهم، وترتب على ذلك نمو روح المعارضة الشديدة لسيطرة الانجليز على التعليم به. أن التعليم الوطنى عندما قدم الانجليز بمصر كان في قبضة الجامع الأزهر الشديد التمسك بالدين والذى كان اسلوبه القديم حاجزا عن طريق أى اصلاحتعليمى. وكان الطلبة الذين يتخرجون منه يحملون معهم قدرا عظيما من غرور التعصب فلو أمكن تطوير الأزهر عن طريق حركة تنبعث من داخله هو كانت هذه الخطوة جليلة الخطر، على أن الخطة الأولى التي يقوم بها اصلاح الأزهر من داخله أقوى في اتخاذ ما نحن في أشد الحاجة
стр. 246
اليه من اقامة العلائق الانجليزية المصرية على أساس من التفاهم والتعاطف المتبادل".
وكان معنى هذا أن التطور الذي يتطلع اليه الاستعمار هو تحوله عن هدفه في حماية اللغة أو التسامح مع الاستعمار في بث آرائه أو التخفف من العمل في مجال الحركة الوطنية ومعنى خطة اصلاح الأزهر من داخله انما تعنى الالتقاء مع الاستعمار الغربي بما يحقق اقامة العلاقات المصرية البريطانية على أساس من التفاهم ولما كان غير ذلك غير ممكن، فقد حرص الاستمار على خلق معاهد جديدة لتخريج معلمى اللغة العربية والقضاء، وفرق بين القيم المادية للمتخرجين من مدرسة القضاء الشرعى ودار العلوم وكلية الآداب وبين خريجى كلية اللغة العربية كلية الشريعة الأزهريتان. وكانت هذه محاولة لقصر الأزهريين على الامامة والخطابة في المساجد وبذلك شعر الأزهريون بأنهم أقل منزلة فاذا طالبوا بمساواتهم اتهموا بأنهم طلاب دنيا وليسوا أصحاب رسالة.
وقد كان واضحا أن القس دنلوب عمد إلى ابعاد الأزهريين عن المدارس الأولية والابتدائية، وكان هذا جريا مع الخطة التي ترمى إلى اقصاء الدين المناهج الدراسية.
وهكذا حقق الاستعمار:
*خلق ثنائية التعليم:
*عزل الأزهر وتجميده وخلق مدارس ومعاهد تتصل بالعلوم الحديثة.
*التفرقة في القيم المادية بين خريجى الأزهر وخريجى المعاهد الأخرى.
*اقصاء الإسلام عن المناهج الدراسية.
وغلب على منهج الدراسة مذهب "ديوى" الذي يزدرى بالقيم والدين والروحية ويدعو إلى مناهج تتصل بالحياة الواقعية.
وفي الوقت الذي كانت مناهج التعليم الرسمية في مصر تتبع مذهب ديوى في اقصاء الإسلام عن برامجه، كانت المعاهد الأجنبية على اختلاف أنواعها والتي يدرس فيها ٧٠% من المسلمين تدرس المسيحية بمذاهبها وثقافتها.
ويمكن القول بأن هذه الخطة التغريبية التي اصطنعها الاستعمار مع الأزهر قد اصطنعت مع المعاهد التي تدرس اللغة العربية والإسلامية في مختلف أنحاء العالم الإسلامي كالزيتونة في تونس والقرويين في المغرب حيث عمد الاستعمار إلى خلق جامعات ومعاهد تدين له بالولاء وتسير وفق مذاهبه ويخضع لسلطانه وأن كانت هذه المعاهد لم تلبث أن تحولت شيئا ما عما أريد لها.
стр. 247
- ٤ -
التعليم
ركز الاستعمار في أكبر جانب من حملة التغريب على التعليم وركز الغزو الثقافي أساسا على محاولة تغيير مناهج التعليم في العالم العربي كوسيلة لدعم الاستعمار وبقائه يخلق جيل جديد من الشباب يصل إلى مقاعد الحكم يؤمن بصداقة الغرب، ولذلك عمد إلى تشكيله على نحو "مستغرب" قليل الصلة بالتراث العربي، بعيد عن مفاهيم الحرية والكرامة والقوة التي تبثها تعاليم الإسلام، منكرا لروابط الدين واللغة العربية والتاريخ العربي، معلق الطرف بأمجاد أوربا وعظمة حضارة الغرب، ساخرا مستخفا بأمجاد الإسلام، وقد ركز الاستعمار على تحقيق هذه الغاية في التعليم بوسائل متعددة:
*انشاء مدارس الارساليات الأجنبية والطوائف الدينية المختلفة.
*تجميد الجامعات الدينية الكبرى وخلق نظم دراسية مدنية مستقلة ومنفصلة عنها.
*قصر التعليم على أبناء الأغنياء وحدهم الذين يدفعون المصروفات والغاء المجانية وحرمان الفقراء من التعليم نهائيا.
*وضع برامج مغربة تهدف إلى تخريج موظفين فقط.
*التوسع في انشاء الكتاتيب والحيلولة دون انشاء التعليم العالى.
*القضاء على اللغة العربية بادخال لغة المحتل وجعلها اللغة الأساسية في مختلف علوم الدراسة.
*الغاء تدريس الدين الإسلامي نهائيا. ودراسة فلسفات ترتبط بالأديان البائدة واليهودية والمسيحية.
*تشويه التاريخ العربي بفض كتب بأقلام المستشرقين تقدم الإسلام على أنه دين السيف وترسم العرب صورة مزدراء.
*التوسع في دراسة تاريخ الدولة الفرنسية والدولة الانجليزية وتاريخ أوربا وحروبها وأبطالها.
وفي مصر كان خطأ محمد على أنه انفصل عن الأزهر وأنشأ تعليما مدنيا في حين أن جميع الجامعات الأوربية كانت جامعات دينية في أول الأمر ثم تحولت مدنية، بل أن الأمريكيين واليسوعيين حين أنشأ كل كليته في لبنان بدأت دينية لاهوتية محضة ثم تحولت مع الزمن إلى كلية عصرية.
غير أن سيطرة النفوذ الفرنسي على محمد على قد مكن الخبراء الفرنسيين الذين يحملون لواء دعوة التغريب والغزو الثقافي من أن يفوضوا انشاء تعليم مدنى لخلق ثنائية التعليم التي تؤدى إلى تخريج طوائف مختلفة الثقافة مما يؤدى إلى البلبلة والصراع وقد حدث هذا فعلا.
وفي تونس حيث توجد جامعة الزيتونة وفي المغرب حيث توجد جامعة القرويين وفي الجزار حيث توجد جامعة القيروان وكلها على نسق الأزهر حرص الاستعمار على تجميدها جميعا وانشاء أنظمة أخرى للتعليم لخلق هذه الثنائية أيضا وللقضاء على اللغة العربية.
***
الاستعمار والتعليم
حرصت الدولتان المستعمرتان (فرنسا وانجلترا) وتبعتهما ايطاليا في ليبيا - حرصت كل منهما على نشر ثقافتها ولغتها في الأقطار التي تحتلها باعتبار أن النفوذ الثقافي مقدمة للنفوذ السياسى.
стр. 248
وقد قامت مناهج التعليم والثقافة الاستعمارية على أساس تغليب لغة الدولة المستعمرة ومحاولة القضاء على اللغة العربية باعتبارها لغة غير أساسية أو بالاغضاء عنها أو تغليب اللغة العامية عليها. كما حرص على أن يوجه التعليم توجيها يقصد به تخريج الموظفين والعمال الذين تحتاج اليهم مصالح الحكومة.
فضلا عن أن نظم التعليم ومناهجه كانت تعمل على تأكيد قيام قوميات ضيقة أساسها التجزئة وتعميق هذه الدعوات بما يؤدى إلى فصل القطر الواحد عن العالم العربي من الوجهة الثقافية مع القضاء على التاريخ القومى والتراث الروحى والأمجاد الإسلامية والعربية المرتبطة بالمعارك ومقاومة الأعداء المغيريين وكذلك حجب تراجم الأبطال والقادة والأعلام.
وقد ارتبط هذا النظام بعقد معاهدات ثقافية تفرض فيها الدول الغربية على الدول العربية نظمها واتجاهاتها الهادفة إلى الاستعار التعليمى والثقافة وفرض استيراد أساتذة ومعلمين من البلاد المستعمرة يحملون أساليب التغريب، ومحاولة خلق روح الاعجاب بأدب وأمجاد وبطولات الدول المستعمرة وفرض تاريخ البلاد المستعمرة على الشباب العربي ومحاولة الايهام بوجود خلافات جذرية بين الدول العربية في الجنس والثقافة والموطن.
ومن هذا ما حاولته فرنسا في سوريا ولبنان وتونس والجزائر ومراكش من الدعوة إلى حضارة البحر الأبيض المتوسط وربط هذه الأجزاء العربية بالثقافة اللاتينية.
وفي المغرب: فرق الفرنسيون بين البربر والعرب وذلك بحرمان البربر من تعلم اللغة العربية وأحياء لهجاتهم القديمة بغية تمزيق الجبهة الوطنية.
وقد ارتبط هذا بتقييد السفر والتنقل بين البلاد العربية بقيود ثقيلة والحيلولة دون انتشار الكتب المطبوعة في البلاد العربية وتشجيع اللهجات واللغات المحلية لبعض الطوائف "لتبعيد" البلاد العربية بعضها عن بعض على حد تعبير ساطع الحصرى.
***
تجربة مصر
وقد كانت تجربة مصر من أقسى هذه التجارب:
١ - حول التعليم بعد الاحتلال إلى اللغة الانجليزية تدريجيا ولم يكد يحول عام ١٩٠٠ حتى كان التعليم في جميع المدارس العالية والثانوية باللغة الانجليزية فتدهور التعليم وعجز الطلبة عن اجتياز حلقات الدراسة لرسوبهم مرتين وثلاثا وأوقف "دنلوب" تأسيس المدارس الا في حدود العدد الذي يكفى لتخريج الموظفين. والغيت مواد العلوم من المدارس مثل التاريخ الطبيعى.
٢ - ألغيت "المجانية" في جميع المدارس (بأنواعها الثلاث) وحرم أبناء الفقراء من دخولها، وأعلن يعقوب أرتين وكيل المعارف وعميل الاستعمار ويد دنلوب في التنفيذ "أن وجود المجانية في المدارس في مصر أمر غير عادل".
وسجل كرومر هذا في تقريره سنة ١٩٠٠ فقال أنه في عام ١٨٧٩ كانت نسبة المجانية في الحكومة ٩٥% أما في السنة الماضية (١٨٩٩) فان نسبة الذين يدفعون مصروفات مدرسية كانت ٥/ ٩٨ في المائة وفي المدارس الثانوية ٨٦% وأنا واثق من أن هذه السياسة ستظل متبعة بثبات حتى تلغى طريقة التعليم المجانى كلية أو تكون في حكم ذلك. وسجل في تقريره ١٩٠٤ أن تلميذا واحدا فقط يتعلم الآن في المدارس بالمجان.
***
الرد على مؤامرات الاستعمار في التعليم
٣ - استبعد التعليم دراسة التاريخ القومى. ووضعت المناهج بصورة عملت على هبوط مستوى التعليم الثانوى بحيث أصبح يعادل مستوى التعليم الابتدائى في فرنسا (من مذكرة ناظر مدرسة الحقوق المصرية الفرنسي).
وبلغ جملة ما أنفق على التعليم خلال ٢٥ سنة من عهد الاحتلال ٢.٨٠٠.٠٠٠ جنيه من ميزانية بلغت ٢٥٨ مليون جنيه أى بنسبة واحد في المائة.
وقد نقص عدد المدارس بعد الاحتلال بنسبة الربع، كما نقص عدد تلاميذ المدارس. كما جمد الاحتلال (التعليم الدينى) الذي كان قائما على الثقافة الدينية وتخريج طائفة من المعلمين والفقهاء في القرى بما في ذلك الأزهر الشريف.
стр. 249
وأوقف الاستعمار اعانة الكتاتيب الأهلية وكان عددها ٩٦٤٧ كتابا.
كما حاصرت سلطات الاحتلال التعليم الثانوى والعالى فلم يكن بعد ١١ سنة من الاحتلال (١٨٩٣) سوى ثلاث مدارس ثانوية أميرية.
وعمدت بريطانيا إلى عدم السماح للوطنيين بالانضمام إلى هيئة التدريس ومحاربة الأزهريين ومعلمى الدين واللغة منهم والحيلولة دون تسرب أبناء الفقراء إلى معاهد العلم حتى يظل التعليم قاصرا على أبناء الأغنياء الذين هم صنائع المستعمر أصلا والذين يدينون له بالثروة والحكم والبقاء، وذلك في سبيل اعداد جيل (مغرب) متفاهم، يلتقى بالاستعمار لقاء الصداقة لا الخصومة وهو الجيل الذي سيطر فعلا على الحكم في العالم العربي في الثلاتينات من هذا القرن.
٤ - صور اللورد كرومر منهجه في التعليم في تقرير عام ١٩٠٠ (المقتطف مايو ١٩٠٠) على انه وسيلة للاستخدام في وظائف الحكومة قال: ينظر كثيرون من الناشئة المصرية المتعلمة إلى الاستخدام في وظائف الحكومة كغاية لهم. المدارس التي أنشدها وأرغب في أن أراها هى التي تعلم فيها القراءة والكتابة والحساب باللغة العربية ويكون الغرض منها تعليم الصنائع. لابد لجعل التلامذة يقومون بجانب من نفقات تعليمهم. يسرنى أن أقول أن نظارة المعارف رأت مضار التعليم المجانى وحاولت تلافيها من سنوات. ففى ١٨٧٩ كان الذين يتعلمون مجانا لا اقل من ٩٥ في المائة من التلامذة الذي يتعلمون في مدارس الحكومة. في السنة الماضية كان عدد التلاميذ الذين يدفعون أجرة التعليم ٩٨.٥ في المائة في المدارس الابتدائية و ٨٦% في الثانوية وأرجو أن يستمر هذا الأمر حتى يبطل التعليم المجانى تماما. الذين يتعلمون لغات أجنبية ٥٩٤٥ منهم ٨٥ في المائة يتعلمون اللغة الانجليزية. لابد من تعلم من هؤلاء لغة أجنبية ذلك أنه ليس في العربية كتب للتعليم في بعض العلوم. أن اجتهاد الذين يهمهم أمر التعليم. يجب أن يكون مصروفا إلى ترقية التعليم الابتدائى بواسطة "الكتاتيب" الاحصاء الآخر دل على أن ٨٩.٥ في المائة من الذكور و ٩٩.٧% كم الاناث لا يعرفون القراءة والكتابة يبلغ عدد الكتاتيب في القطر المصري ١٩٤٠٤ أعانت الوزارة ٢٤٦ كتابا منها.
وهكذا يكشف تقرير كرومر عن روح الاستعمار البريطانى في مصر من ناحية التعليم على نحو واضح الدلالة وهى:
لانصراف من التعليم العالى إلى الكتاتيب.
الغاء التعليم المجانى والقضاء على تعليم أبناء الفقراء.
التعليم باللغة الانجليزية والقضاء على اللغة العربية.
تخريج موظفين فقط.
٥ - أدى اهمال التعليم على أساس قاعدة "جهل الشعوب نافع للاستعمار وأنه بانتشار التعليم يصعب حكمهم" على حد تعبير أحمد شفيق في كتابه "مصر الحديثة ونفوذ الأجانب" إلى انحطاط مدرسة الهندسة والطب فقد وكل الأمر فيها إلى أساتذة من الانجليز "لم يكونوا يحملون شهادات تؤهلهم للعمل فيها حتى قل تلاميذ مدرسة الهندسة، فلم يكن فيها عام ١٨٩٤ سوى ١٧ طالبا وكذلك مدرسة الحقوق التي ضعف التعليم فيها بعد أن عزل كرومر المشرفين عليها من العلماء الفرنسيين وتولاها "رجال من الانجليز لم تكن لهم الكفاءة المطلوبة".
стр. 250
اللغة العربية
حوربت "اللغة العربية" كجزء من خطة الققضاء على الوحدة العربية وقطع الصلة بين الماضى والحاضر، وقد أشار اللورد دوفرين في تقريره (١٨٨٢) إلى خطر اللغة العربية في التعليم في مصر.
فقال "أن الأمل في نجاح تهذيب العامة في مصر لا يزال ضعيفا ما دام الصبيان لا يتعلمون اللغة بدلا من تعلمهم لغة القرآن الشريف كما يفعلون الآن، فان نسبة العامة إلى الفصحى في اللغة العربية هى كنسبة اللغة الايطالية الحديثة إلى اللغة اللاتينية القديمة".
وقد كان هذا بدء حملة ضخمة على اللغة الفصحى فقد جرت تعليمات الاستعمار باغفال أمرها في المخاطبات ووضع التقارير وتأليف اللوائح والقوانين. وبدأت خطة ادخال اللغة الانجليزية في المدرسة الابتدائية وجعلت لسان التعلم في علمى الانشاء والجغرافيا ثم دخلت التعليم الثانوى وجعلت لسان التعليم في علوم الطبيعة والتاريخ والجغرافيا.
ومما يذكر أن اللغة العربية كانت لغة التعليم في مدرسة الطب حتى أغارت عليها اللغة الانجليزية.
وقد كانت حجة المستشرقين والمبشرين في الهجوم على اللغة العربية أنها لغة الخاصة وأنه لابد لنشر التعليم بين جميع طبقات الشعب من اللغة المحكية (العامية) وهى حجة واهية لم تجد لها مبررا وقد فشلت هذه الخطة وقضى عليها قضاءا تاما.
وقد اضطهد دناوب مدرسى اللغة العربية في وزارة المعارف وكان هو ورجاله يزدرون لابسى العمائم ويعملون على النيل منهم.
***
البعثات
وكما عمدت بريطانيا إلى أيقاف البعثات ايقافا نهائيا فلما اذنت بعد ذلك بايفاد بعثات وجهت ٩٠ في المائة منها إلى بريطانيا.
وقد أعلن تصريح في مجلس العموم البريطانى (٨ مارس ١٩٠٧) عن البعثات والتعلم جاء فيه "لقدمكثنا في مصر مدة ربع قرن وصلنا بالمصريين إلى الانحطاط في التعلم وكان لهم بعثة علمية ينتخبونها من نجباء طلبتهم، أما نحن فقد ألغينا هذه البعثة واستبدلاناها بلا شئ".
وقد كانت البعثات ١٩١٧ لا يزيد عن ٢٥ طالبا يتلقون العلم في انجلترا ثم زادت سنة ١٩٢٠ أى ٣١ طالبا
***
المدارس الأجنبية
وقد حرص الاستعمار البريطانى على تعديد ألوان الثقافات لتمزيق جبهة الثقافة والفكر الإسلامي والقضاء على وحدته، فأذن لعشرات من الارساليات بانشاء المدارس وقد كانت هذه المدارس حرة في دراساتها وغير مشرف عليها، خاضعة لسطان الامتيازات الأجنبية، وكانت هى أوكار التبشير والعدوان على الإسلام واللغة العربية والقومية وكل مقوماتنا وأمجادنا. وقد استهوت هذه المدارس الطبقات الأرستقراطية على حد تعبير محمد العشماوى (يناير ١٩٣٩ - مجلة الحديث) بحسن قيامها على اللغة الأجنبية الأساسيةلها وقد كان نجاحها قائما على أنقاض اللغة العربية.
وقد كان من الأعاجيب أن كتب التاريخ العربي والإسلامي قد وضعها مبشرون مليئة بالسموم والأكاذيب وأن قام أمثال الخواجة ميشيل والخواجة توما - على حد تعبير (الرسالة - ١٧ ديسمبر ١٩٤٥) على تدريس سيرة النبى وأبى بكر وعمر. وقد بلغ الأمر أن ذهب أبناء العرب إلى أوربا ليتعلموا "اللغة العربية" لغتهم، على المسيو مارسيه في باريس " كأنما باريس هى بادية البصرة وكأن مارسيه من فصحاء بنى عقيل أو كأنه
следующие страницы →