← Общие книги

Общие книги · id 148532

شمس الله تشرق على الغرب = فضل العرب على أوروبا

زيغريد هونكه

Полный текст (468 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

كان من «جربرت» إلا أن وهب نفسه للشيطان حتى لا يستطيع الساحر العجوز أن يصيبه بأذى انتقامًا منه، واعتقد «جربرت» بحصوله على هذا الكتاب أنه ربح شيئًا كبيرًا من أعداء المسيحية. و«جربرت» هو أول أوربي استخدم الإشارات التسع التي تعلمها على الحدود الإسبانية. وفيما يتعلق بطريقة الحساب اليونانية والرومانية وهي الطريقة الابتدائية المعرفة باسم «أباكوس» والتي هي عبارة عن لوح خاص للحساب فقد ترك «جربرت» القوم وشأنهم يفعلون ما يشاءون. وإطار الحساب هذا كان مقسمًا بخطوط عمودية تقسم الإطار إلى خانات للآحادث والعشرات والمئات وهلَّم جرا. وفي هذه الخانات كانت توجد علامات للحساب من الحجر والزجاج أو المعدن حسب عدد الآحاد والعشرات والمئات وعن طريقها يستطيع الإنسان الجمع والطرح، والشخص الماهر في الجمع يستطيع عن طريقها الضرب أيضًا، وذلك أنه عن طريق تكرار عمليات الجمع يصل إلى العدد النهائي. لكن الشخص الذي كان يستصعب هذه الطريقة في استطاعته أن يقرأ واحدًا وواحدًا وواحدًا في واحد في الجداول الجاهزة. لكن ما الداعي إلى كثرة أكوام الأحجار هذه والتي يجب أن تحصى أحجار كل كومة على حدة علاوة على ما في الطريقة من تعب؟ أما إذا رسم الإنسان في خانات الحساب الأعداد الجديدة فيكفي أن ينظر إلى خانات الآحاد ليجد (٥)، وفي خانة العشرات (٦) فيقرأ في يسر (٦٥). وطلب «جربرت» إلى أحد صانعي التروس أن يصنع له لوح حساب من الجلد وكلفه، كما جرت العادة. أن يعبر في الخانات الدالة على الآحاد والعشرات والمئات على الأعداد الراسية بالإشارات الرومانية الدالة على (واحد) و (عشرة) و (مائة) أعني (I و × و C). أما الإشارات الدالة على الألف فقد طلب إليه أن ينحتها من القرن ورسم عليها إشارات جميلة جدًا وجديدة لم يرها أحد من قبل. وكما أن هذه الإشارات كانت عجيبة في أشكالها كذلك كانت في أسمائها حتى إن «جربرت» نفسه لم يذكرها.

стр. 72

ومن حسن الحظ أن أسماء هذه الإشارات جاءتنا في مخطوطة متأخرة ترجع إلى القرن الثاني عشر «رودولف فون لاون» وهي كالآتي: ١ = (ايجين) و ٢ = (أندرس) و ٣ = (أورميس) و ٤ = (أربس) و ٥ = (كويماس) و ٦ = (كلكتيس) و ٧ = (زينيس) و ٨ = (تمنياس) و ٩ = (زيلنتيس). ويلاحظ أن اللفظ الدال على العدد (٤) هو العربي (أربعة)، كما أن (٥) هي (خمسة)، وكذلك (سبعة) و (ثمانية). ومجرد النظر إلى هذه الألفاظ العجيبة فعلا يطلعنا على مدى التحريف الذي طرأ على أسمائها العربية، فقد شوهت حذفًا وتغييرًا فنسب أصولها إلى أنها انحدرت عن الكلدانية مما سبب للعلماء المتأخرين كثيرًا من الاضطراب. وظل الأمر كذلك حتى أدرك نفر من العلماء أن كثيرًا من المواد التي ترجع إلى بلاد العرب البعيدة قد نسبها القوم خطأ إلى الكلدانيين والألفاظ الدالة عليها كلدانية. ويذهب «رودولف» بعيدًا وينسب إلى الكلدانيين خطأ اختراعهم للطريقة الابتدائية للحساب والمعروف باسم «أباكوس». ولم يقف الأثر العربي عند الإشارات الدالة على الحساب الهندي بل أعطى أوربا أيضًا الطريقة العربية لكتابتها، أعني من اليمين إلى اليسار شأن العرب في كتابتها شأنهم في الكتابة العربية. ويذهب «رودولف» بعيدًا فيذكر عند الحديث عن جدول حسابه الخطأ الذي تردى فيه المخترعون إذ هم يكتبون من اليمين إلى اليسار، وأنهم لهذا السبب كثيرًا ما وقعوا في أخطاء كثيرة. وهناك تلميذ لرودولف يدعى «برنليوس» وقد نشر مخطوطة أستاذه الخاصة بالحساب وجدوله، كما ألف كتابًا حول الطريقة البدائية «أباكوس»، وهو يشرح كيف أن الإشارات التسع الجديدة للأعداد لم تنتشر خارج محيط العلماء ولم تجد طريقها إلى الشعب. فالإنسان لا يستطيع استخدامها لا في الكتابة ولا في الحساب. وقد نسخ «برنليوس» الأعداد العربية الموضوعة على الخانات الحسابية

стр. 73

فوق «أباكوس» إلا أنه في الأمثلة الحسابية التي ذكرها في كتابه وجد من الضروري استخدام الأعداد الرومانية؛ وعلة هذا أن «جربرت» لم يعرف «الصفر». ففي جدول الحساب عند كتابة العدد (١٠٠٢) تظل خانات العشرات والمئات خالية وعندما تنقصها أحجار الحساب لا يبقع الإنسان في الخطأ حسب الطريقة الرومانية ويقرأها (١٠٠٢) لكن ترك خانات العشرات والمئات بدون صفر يجعل كتابته مستحيلة، وبدون معرفة الصفر ما كان في استطاعته «جربرت» وتلاميذه فهم الطريقة الجديدة لكتابة الحساب، وكانت هذه هي الصعوبة الأولى التي اعترضته ووقفت حجرًا في طريقه وفي تطور هذه الكتابة واستخدامها. فما أشبه التمثيلية القصيرة وهي على مسرح الحساب الروماني بفرقة أجنبية تفرض عليها تمثيلية بعينها أجنبية عليها فهي لا بد فاشلة في أدائها. والشيء الجدير بالذكر أن «جربرت» والذين تخرجوا عليه أخذوا يقومون بدعاية قوية للتفكير الرياضي محاولين نشر حساب العمد فوق الأباكوس الروماني؛ لذلك عرفوا باسم «أبا كوسيين». أما الأعداد الأجنبية التي حاول «جربرت» نشرها فلم تتعد دائرة العلماء فقط، لذلك ظلت سيادة الأعداد الرومانية قائمة، وبعد قرن من ذلك التاريخ نشبت معركة بين الأباكوسيين أي العموديين والخوارزميين الذين كانوا في تلك الفترة قد تدربوا على طريقة الحساب الجديدة وهي (٢ في ٥)، وقد انتهت هذه المعركة بفضل العموديين. لكن كيف فات «جربرت» عند دراسته على الحدود الأسبانية إدراك الإشارة العددية العاشرة أعني «صفر»؟ والواقع أن الصفر لم يكن في عصره معروفًا في غرب العالم الإسلامي فالأندلسيون كانوا يكتبون أعدادًا مركبة من أكثر من أحاد، وذلك بوضع نقطة أو أكثر على العدد الدال على الآحاد أو العشرات أو المئات وهلمَّ جرًا، وبهذه الطريقة فقط كانوا يتغلبون على الصفر، وعندما تعلموا عن العرب الشرقيين طريقة الخانات أضافوا إليها الصفر، أعني أضافوه إلى طريقتهم القديمة التي كانوا يستخدمونها. أما كتابتهم الصفرية فإننا نعلم أن الإشارات العددية التي أخذها «جربرت» عن

стр. 74

العرب الغربيين، فقد كانت أقدم من الإشارة العاشرة التي جاء بها الخوارزمي وتختلف جزئيًا من ناحية الشكل عن تلك التي كانت مستعملة في شرق العالم الإسلامي وقبل مجيء الفلكي الهندي «كنكاه» إلى بغداد حيث أحضر الأعداد الهندية العشرة كانت الإشارات التسع والتي كانت تعرف باسم أعداد جوبار، قد جاء بها غالبًا تجار من الهند إلى الإسكندرية ومنها انتقلت إلى غرب البحر الأبيض المتوسط. والآن نتساءل: متى حدث هذا؟ ولماذا تنقص هذه الإشارات العددية تلك الإشارات الدالة على الصفر؟ هل جاء بها العرب إلى أسبانيا وبصورتها الأصلية، هذه الصورة التي عرفها بها «سفيروس سابوكيت»؟ أو أن الصفر لم يدرك قيمته ووظيفته أولئك الأجانب الذين أخذوا الإشارات العددية؛ لذلك ضاعت تلك الإشارة الدالة على الصفر وضاع معها مدلولها؟ إن شر عدم وجود الصفر ما زال إلى اليوم غامضًا. واختلاف هذه الإشارات العددية لم يكن مقصورًا على العالم العربي فقط، فالهند وطن هذه الإشارات لو توحدها، فهناك خلاف في أشكال الحروف الكتابية كما نجد فروقًا بين الإشارات الدالة على الأعداد حسب الزمان والمكان، وهذه الحقيقة نعرفها عن الرياضي العربي البيروني (٩٧٣ - ١٠٤٨ م) وقد كان معاصرًا ل «جربرت». والبيوني كما نعلم من تاريخ حياته كان هاويًا الأسفار وخاصة إلى الهند؛ لذلك ألمَّ بلغاتها وعلومها، وهو يذكر أن العرب أخذوا عن الهند الأعداد التي توافقهم فقط غير مكترثين بأشكالها طالما يدرك الإنسان القيمة الذاتية للإشارة العددية. ويذكر الخوارزمي أيضًا بهذه المناسبة أن العرب كانوا يستخدمون نوعين من الإشارات العددية الهندية فالإشارات الدالة على الأعداد (٥) و (٦) و (٧) و (٨) تختلف في كتابتها عن أخرى، ثم يضيف قائلًا: ولا توجد فيها صعوبات. وحتى يومنا هذا تجد كتابة الأعداد في شرق العالم العربي تختلف عنها في سائر الأقطار العربية الأخرى. أما الطريقة المتبعة في غرب العالم العربي فقد اندثرت بعد أن قدمت لأوربا النماذج المعروفة التي تستخدمها اليوم في: الأعداد العربية. و«جربرت» صاحب فضل عظيم على الأوربيين فهو أول من هداهم إلى الأعداد

стр. 75

العربية ولو أن شهرته أخذت تتوارى تدريجيًا مدة تبلغ نحو ثمانية قرون؛ وذلك بسبب كتابة «الهندسة المنسوب إلى بوتيوس» وكان مثار إشكالات عديدة حتى إنه لو صدر اليوم لكان موضوع قضية أمام المحاكم، ومن حسن حظ أن «ألكسندر فون هومبولدت» هو العالم الذي يرجع إليه الفضل في تقدير هذا الكتاب من الناحية العلمية. وينسب للمؤلف «بوتيوس» كتاب في الحساب مقتبس من كتاب «نيكوماخوس»، وقد كان كتاب «بوتيوس» في الحساب هو السبب في الغض من منزلة «جربرت» وفضله العلمي في إدخال الإشارات التسع الدالة على الأعداد الهندية بينما يعتقد العلماء أن «بوتيوس» في كتابه قد استخدم نفس الإشارات؛ مما يفيد أن أوربا عرفت هذه الإشارات إبان حياة «بوتيوس»، أعني في القرن الخامس الميلادي إبان حكم «ثيودريش» لإيطاليا، والنتيجة الثانية لانتشار هذا الرأي الخاطئ أن أوربا المسيحية عرفت الأعداد الهندية قبل العرب بزمن بعيد ثم حدث أن نسيتها أوربا حتى أعادها العرب إلى الأوربيين في القرن الحادي عشر. والواقع أن هذا الرأي الثوري القائل بأن «بوتيوس» كان محيطًا بالأعداد الهندية قد فسرها «هومبولدت» في «كوزموس ج ٢ ص ٢٦٣» تفسيرًا آخر وهو احتمال ظهور نظام الأعداد الهندية في موضعين في العالم، وفي كل موضع مستقل عن الآخر، أعني ظهر في الشرق وفي الغرب. لكن جميع هذه الاحتمالات قد ذهبت أدراج الرياح فالكتاب المعروف باسم هندسة بوتيوس ثبت أنه مزور وليس صحيحًا، إذ إنه يرجع في الواقع إلى القرن الحادي عشر الميلادي وليس إلى الخامس وكان يظهر كما لو أنه من تأليف عالم روماني، وأن المؤلف أغفل ذكر مراجعه، وأن هذه المراجع ترجع إلى عصر متفاوتة في القدم، ومن بينها مؤلفات «جربرت»، وعنه أخذ قواعد القسمة ومعلومات أخرى عن الأعداد العربية. وتتصل معرفة العرب بالأعداد وكتابتها اتصالا وثيقا بثلاثة أسماء: «سيفيروس سابوخت» و «براهما جوبتا» والخوارزمي وقد ارتبطت بهذه الأسماء الثلاثة من أوربا، وإنها لظاهرة عجيبة حقا أن نلحظ أن الأعداد الهندية في طريقها إلى غزو العالم اعتمدت على ثلاث محطات في العالم العربي، ونفس الظاهرة وقعت أيضًا في أوربا فحتى في هذه الظاهرة قلدت أوربا العرب.

стр. 76

فأول مدرسة أوروبية هي تلك التي تتمثل في «جربرت» معلم مدرسة «ريمس» والأستاذ البابوي للرياضة، فهو من هذه الناحية يشبه تمامًا «سيفيروس سابوخت» وهو فيما يعتقد أول من نقل إلى العرب الإشارات الحسابية الهندية التسع، إذ كان إلى جانب وظيفته اللاهوتية رئيسًا لمدرسة الدير الواقعة على الفرات. ويتفق «جربرت» مع «سفيروس» في أن كلا منهما كان يجهل الإشارة الدالة على الصفر. ويتفق الأوربيون مع العرب في الاستعانة بكتاب في الحساب يعني بتعليم الأعداد الجديدة وشرحها؛ ففي عام ٧٧٦ م أي بعد «سيفيروس» بنحو ١١٤ سنة نجد في الشرق العربي كتاب «سيد هنتا» للمؤلف الهندي «براهما جوبتا» وقد ترجم هذا الكتاب إلى العربية مشتملًا على الإشارات العشر كاملة، وكان يسير على نهج العلماء العرب حتى حكم الخليفة المأمون. وإذا تركنا العرب إلى أوربا وجدنا بعد وفاة «جربرت» بنحو قرن تراجم لاتينية لكتاب الخوارزمي في الحساب، وقد انتقل هذا الكتاب إلى الغرب عن طريق إسبانيا فقامت في أوربا مدرسة علمية جديدة تهتم بدراسة علم الحساب الجديد بأعداده التسعة والصفر، وتعرف هذه المدرسة باسم مدرسة الخوارزميين. حقًا إن هذا العلم الجديد شق طريقه إلى العالم العربي وتخطى حدود الفلكيين والرياضيين، لكن كانت معرفته محصورة في الأوساط العلمية، وظل كذلك حتى ظهر العالم الفذ الذي نجح في نقله إلى الشعب في أسلوب سهل مبسط وفي لغة تساير الحياة اليومية وحاجات الشعب الاقتصادية، وهذا العالم هو الخوارزمي الذي كان يعيش في عصر المأمون، وقد كان لأوربا «براهما جوبتا» العرب. كذلك الحال في أوربا فإن فن كتابة الأعداد قد جاءها من وراء جدران الدير، ومن ثم انتشر بين الأهالي، وقد جاءتنا وثيقة مكتوبة تؤيد هذا القول وهي عبارة عن قصيدة شعرية في اللغة الألمانية القديمة لمؤلفها «توماسين فون زركلير» وهو رئيس كاتدرائية «إكويليا» الواقعة في «فينتين»، وكان يحب الألمان كثيرًا وقد أعجب بأخلاقهم، فوضع لأمرائهم وفرسانهم كتابا فلسفيا أخلاقيا في لغة الشعر الألمانية وأهدى كتابه هذا إلى الأمة الألمانية.

стр. 77

وقد شرع «توماسين» في وضع قصيدته عام ١٢١٥ م وكان يبلغ من العمر الثامنة والعشرين، وبعد شهور من تاريخ البدء أتم قصيدته في أوائل عام ١٢١٦ م، وقد بلغت اثني عشر ألف بيت. وفي نفس العام رسم له أحد أصدقائه عددًا من الصور الملونة التي زين بها مخطوطته، ومن بين تلك الصور واحدة تصور الفنون الحرة السبعة وأخرى تعرض «فيثاجوراس» مع «أريسمتيكا» في ملابس ترجع إلى العصر الروماني وهما يشيران بالسبابتين إلى لوح مصغر على شكل سلم. وعلى هذا اللوح نجد الأعداد «١ و ٣ و ٩ و ٢٧» مكررة في الأعداد العربية وبنفس الطريقة نجد الأعداد الواقعة بينها على صورة «موسيقا» والسنة ١٢١٦ م. ومما لا شك فيه أن الرسام البارع كان كما يتبين لنا من العوامل التي راعاها، ومن بينها الأفكار الدينية التي كانت سائدة في وسط رجال الدير من غير رجال اللاهوت، وقد استخدم عام ١٢١٦ وتجنب الأعداد العربية مستخدمًا أخرى كما لو أنها من اختراعه. لكن استخدام الإشارات الخمس مرتين لم يكن خاصًا بالعلماء فقط بل ألمَّ به الشعب أيضًا. ثم ظهر الرجل العظيم الذي دعا لاستخدام الأعداد العربية وفق في دعوته حتى إنها سادت العالم، وهذا الرجل هو «ليوناردو فون بيزا» الذي لم يلتق علمه في الأديرة، كما أنه لم يؤلف ما ألفه للرهبان، وهو يعتبر بحق أول رياضي مفكر في أوربا ومن أشهر رياضييها حتى القرن الثامن عشر فقد كان عالمًا مجتهدًا دءوبًا، وقد اكتسب أصول معرفته عن طريق أسفاره ورحلاته ومن مصادرها الأصلية، ومن ثم أخذ ينشرها ويعلمها لمختلف الطبقات لاستخدامها في حياتهم اليومية. وهكذا نجد جداول المعرفة تتدفق من إسبانيا إلى أوربا، ومن ثم أخذت تتجمع حتى كونت سيلا جارفًا فمر أوربا مبتدئًا من إيطاليا من مركزها الثقافي، ومن قصر الملك الأشتوفي فريدريش الثاني. لقد وجدت أوربا الخوارزمي الأوربي.

стр. 78

تاجر يعلم أوربا ولد «ليوناردو» حوالي ١١٨٠ م في «بيزا»، وهي وطن خليط من السكان وقد أسسها الأتروسكيون عند مصب نهر «أورنو»، وتأثرت هذه المدينة في تاريخها الطويل بالرومان والغوط واللنجو برديين وكذلك الإفرنج. كما أننا نجد راهبًا من رهبان القرن الثاني عشر يرتعد خوفًا من الوثنيين وحوش البحر وهم الأتراك والليبيون والبارثيون والكلدانيون الأقذار، هكذا كان يطيب له تسمية العرب ونعتهم أولئك العرب الذين كانوا يسيرون في شوارع «بيزا» بوجوههم البغيضة القاسية! ! وقد اشتهرت «بيزا» الواقعة على نهر «أرنو» بالصيد والانتصارات التي أحرزها أبناؤها على عرب سردينيا وتمكنوا من قوة صقلية وثرواتها. ثم نجد «بيزا» تستغل فكرة الحروب الصليبية وتتوسع في عمليات الشحن فازدهرت الملاحة وأخذت سفنها تشتغل في نقل التجارة بين الشرق والغرب واستولت على أهم القواعد التجارية الواقعة على الشواطئ، كما شيدت فنادقها على امتداد شاطئ البحر الأبيض المتوسط من استنبول إلى صور فالإسكندرية حتى باجه وكويتا. والشيء الجدير بالذكر أن رئيس الجالية التجارية من أبناء بيزا في باجه الواقعة على ساحل الجزائر الممتد على البحر الأبيض المتوسط كان والد «ليوناردو» ولم يصلنا شيء أكثر عن اسم أسرته، وكل الذي جاءنا عنه اسمه الأول ألا وهو «بواكيو» أي «الطيب». أما ابنه «ليوناردو» فقد ألف بعض الوسائل والكتب ومن

стр. 79

أشهرها «كتاب أباكي»، وقد ذكر الابن في كتابه أنه ابن «بوناكيو» فصاغ منها «ليوناردو» الاسم «ليوناردو فيبوناكي»، وهو الاسم الذي اشتهر فيه في التاريخ ابن بيزا العظيم. والذي حدث أن استدعى الوالد ابنه من بيزا إلى باجه وكان الوالد بحكم عمله ككاتب بيزي في الجمرك على اتصال كبير بتجار الجلود والفراء في الصحراء وبلاد المغرب، مما اضطره إلى علم اللغة العربية والحساب العربي مثله في ذلك مثل زملائه العرب الذين يعملون في الجمارك البحرية. فانتهز فرصة حضور ابنه الذي يمارس هذه التجارة ونجح فيها وسلمه إلى يد معلم عربي لتثقيفه وتعليمه الحساب، وأعجب الشاب «ليوناردو» بعلم الحساب هذا الذي يستخدم الأعداد الهندية التي يسرت السبيل أمام المحاسبين في حل كثير من المشكلات الحسابية. والآن نتساءل: ما قيمة الأعداد الرومانية، وما هي الفائدة التي قد نحصل عليها من استخدامها؟ يكفي للرد على هذا السؤال أن نقوم بعملية حسابية نشيطة كعمليات الطرح مثلًا لنتبين مدى الصعوبة التي سيعانيها المحاسب بخلاف الحال مع الأعداد الهندية والتجارب الحسابية الكثيرة التي قام بها العرب، وقد أدرك «ليوناردو» البون الواسع بين الطريقتين. فاستخدام الحساب العربي ييسر القيام بعمليات الضرب وليس فقط عن طريق الأعداد الصحيحة، بل الكسور أيضًا (من العربية-كسر-) كما يطلق سيدي عمر (السيد المعلم يعبر عن الصلة بين عددين بهذه الوسيلة). فقد شرح لتلميذه الذي كان غارقًا في التفكير كيف أن أساتذة المدارس العليا في بغداد والموصل كانوا يكسرون بين العددين المكتوب أحدهما فوق الآخر عن طريق خط بينهما فالخط مثل الكسر في الشيء. وقد تعلم «ليوناردو» كذلك حساب الأس (٢٢ = ٣ في ٢ = ٤ فالاثنان اس اثنين) وحساب الجذور مثل ٢ هي جذر ٨ أو ٤، وتعلم أيضًا المعادلات والتربيع والتكعيب كما وضعها أبو كامل وعمر الخيام وابن سينا والبيروني وغيرهم. وهكذا نجد «ليوناردو» يلهو بالأعداد بينما أقرانه ولداته يتسلون باللعب في الحواري وعلى أرصفة المواني وبين دور الصناعة والمخازن.

стр. 80

وقد لازم حب الأعداد والحساب «ليوناردو» حتى صار تاجرًا وأسند إليه والده بعض الأعمال التجارية، وكان لا يخفى شغفه بالحساب حتى في أسفاره إلى مصر وسوريا واليونان وصقلية وأسبانيا وصور وكورنسه وكويتا وتونس بل حتى في مكاتب المحاسبة، إذ رأى زملاءه التجار يعدون على الأصابع. وانتهز «ليوناردو» فرصة وجوده في الشرق العربي وزار دور الكتب في دمشق والإسكندرية كما تناقش مع علماء القصر في القاهرة. وعنى بالتجارة كعلم من العلوم فدرس كل شيء يخدمها ويفيدها سواء كانت تلك المعلومات في المخطوطات أو متداولة بين المتعلمين وبخاصة المتضلعين في العلوم الرياضية ومقارنتها، ولم تفته المقابلة بين العلوم الرياضية كما عرفها الهنود واليونان والعرب. وإذا تركنا الشرق إلى الغرب، والعرب إلى اللاتين وجدنا جهلا تامًا بالأعداد الهندية وطرق الحساب العربية حتى أتاح الله لأوربا «ليوناردو» فوضع وهو لم يتجاوز الثالثة والعشرين من عمره كتابًا باللغة اللاتينية حول الطريقة الحسابية التي تعرف باسم «أباكي»، وقد كان هذا الكتاب سببًا في شهرة مؤلفه وقد أدهش كثيرين من المعاصرين مثل «موريس كنتور»، إذ قدر الجهد القيم الذي بذله المؤلف في وضعه؛ مما اضطر «موريس» إلى التعليق عليه بقوله: نعرف عددًا كبيرًا من الرياضيين السابقين والذين ألفوا في لغات مختلفة، لكن أحدًا منهم لن يجاري «ليوناردو». قليلون أولئك الذين قد نعجب بهم، لكن وضع كتاب مثل هذا في القرن الثالث عشر ووجود من يقدرونه حق قدره في القصر القيصري مما يثير الإعجاب حقًا. ولا عجب في أن يستولي هذا الكتاب على لب القيصر الأشتوفي، فقد كان خير الكتب التي ظهرت في ذلك العصر، وقد أعجب به فريدريش الثاني وهو الضليع في الرياضيات العربية وعلوم العرب الطبيعية، ولم تكد تظهر الطبعة الثانية من الكتاب عام ١٢٢٨ حتى أهداها المؤلف إلى فيلسوف القصر «ميخائيل سكونوس» الذي كان متضلعًا أيضًا في العلوم العربية فقويت الصلات بين «ليوناردو» والقيصر، وكثيرًا ما كان يحل ضيفًا عليه وتدور بينه وبين فريدريش الثاني أحاديث علمية كثيرًا ما نالت رضاء القيصر وإعجابه.

стр. 81

وفي عام ١٢٢٠ وهو عام تتويج القيصر الأشتوفي ألف «ليوناردو» استجابة لرغبة فلكي القصر القيصري «دومينوس هيسبانوس» كتابًا في الهندسة أثار إعجاب القيصر، الذي كان قد عاد من ألمانيا لنبوغ صاحبه وعبقريته، وقد نظم فيلسوف القصر وهو «ماجستير يوحنا فون بالرمو» استقبالا عظيما في القصر القيصري في «بيزا» إعجابًا منه بالكتاب الذي ألفه «ليوناردو». فالفيلسوف يوحنا كان ملمًا ببعض المعلومات الرياضية إلا أنه لا يرتفع إلى مستوى ابن «بيزا». وكان بين علماء القصر عالم عربي اسمه تيودور الأنطاكي، وقد درس في الموصل على يد العالم العربي الشهير كمال الدين بن يونس أشهر الكتب للرياضيين العرب، كما سمع في البلاد العربية عن شهرة وعظمة إمبراطور الإفرنج، لذلك رافق أحد رسل القيصر فريدريش الثاني وهو أحد أبناء الشرق وتبعه إلى جنوب إيطاليا. وهناك نجد العلماء مع قيصرهم يتناقشون ويتجادلون، ويتجلى نبوغ هذا الشاب وعبقريته في قائمة بالأسئلة الرياضية الصعبة أعدها بنفسه. وكان حضور «ليوناردو» هذا الاجتماع نصرًا عظيمًا له ولنبوغه، إذ أدرك الحاضرون عبقرية ابن تاجر بيزا، وكيف أجاب على المسائل الرياضية التي عرضت ولم يدركها إلا القيصر وتيودور تلمذي ابن يونس، والذي درس كتب الفرابي وابن سينا وإيكليد وكتاب الماجست لبطليموس. وقد أدرك الحضور عبقرية ليوناردو وإحاطته بعلوم اليونان والعرب. وقد سجل ليوناردو هذه المقابلة مع سيده القيصر في رسالتين رياضيتين تحدث فيهما عن كل ما دار في هذا الاجتماع. لقد ذكر المسائل التي عرض لها في المجلس وشرحها كما شرح القواعد التي اعتمد عليها، وبالرغم من هذا فإنه حتى اليوم لم يتوصل إلى حل جميعها، أعني هذه المسائل التي تعرض لها وأدلى فيها برأيه وهي مسائل تدهش الرياضة الحديثة. وقد كتب المؤرخ «كنتور» عن الرسالتين ما ترجمته: وبعد أن عرضنا لرسالة ليوناردو اعتقدنا أننا عبرنا بما فيه الكفاية عن إعجابنا بالعالم ليوناردو. أما الآن فإننا نعتذر، إذ إننا لا نجد الكلمات التي تعبر عن تقديرنا العظيم للمؤلف ليوناردو بعد الاطلاع على رسالتيه.

стр. 82

في حضوركم يا صاحب الجلالة فريدريش أيها الأمير العظيم: هكذا كتب ليوناردو إلى القيصر عند أول زيارة له لقصر القيصر في بيزا، لقد تحدث معي فيلسوفكم العالك يوحنا فون بالرمو عن الأعداد، وقد أفرد ليوناردو الفصل الأول من كتابه «الباكي» للحديث عن الأعداد التي تعلمها على يد الأستاذ العربي الذي أخذ عنه علم الحساب العربي وطرق استخدامه في أسفاره التجارية الطويلة والإشارات التسع الدالة على الأعداد عند الهنود وهي: ٩ ٨ ٧ ٦ ٥ ٤ ٣ ٢ ١ فهذه الإشارات التسع مضافًا إليها الإشارة (٠)، أي «صفر» في العربية تعبر عن أي عدد من الأعداد. أما ترتيبها فعجيب جدًا فالصف يبدأ عادة بالعدد (٩) وينتهي بالعدد (١) حسب طريقة الكتابة الأوربية. أما العرب فيكتبون من اليمين إلى اليسار وحتى العدد الكامل إذا صاحبه كسر يكتب هكذا (١ - ) أي واحدًا ونصفًا، هكذا يذكر ليوناردو كما علمه مدرس الحساب العربي مراعيًا النظام العربي في الكتابة، وقد اتبع نفس الطريقة مع الأوربيين فعلمهم كتابة الأعداد التسعة الجديدة مع الإشارة (٠) والتي تسمى في العربية «صفرًا». أما تاريخ الصفر فهام جدًا وهو يستحق الشيء الكثير من الاهتمام. استخدم الهنود هذه الدارة كإشارة للتعبير عن نقص شيء من الأشياء أعني «لا شيء»، ويعبر عنه في الهندية «سونيا» أي «فراغ» فلما عرف العرب هذه الإشارة ومدلولها ترجموها بلفظ «صفر» أي «خالي» أو «خلو»، ثم جاء ليوناردو وتتلمذ على العرب في الحساب فأخذ اللفظ العربي كما هو واستخدمه كما استخدمه العرب وإن كان قد صاغ لفظ «صفر» صياغة لاتينية فأصبح «صفرم»، وعرفه بقوله: ومعناها بالعربي: هذه الدارة (٠) تعرف في العربية بلفظ «صفر». وإذا انتقلنا إلى إيطاليا وجدنا في آخر كتاب ليوناردو لفظ «صفرم» يكتب «زفرو»

стр. 83

ثم «زيرو»، فقد تعرضت هذه الكلمة لشيء من التغييرات الصوتية التي تعرضت لها كلمات أخرى مثل «ليفرا» التي أصبحت «ليرا». أما في فرنسا فقد تحولت كلمة «صفر» العربية إلى لفظ «شفر» الذي استخدم أيضًا إلى جانب دلالته العربية للتعبير عن «إشارة سرية»، ثم ذهبت اللغة بعيدًا فضاعت من الاسم فعلا هو «شفريرن» في الألمانية مستخدمًا في المعنيين، لذلك اضطر القوم إلى استعمال الصيغة الإيطالية «زيرو» كما نجد في إنجلترا «صيفر» و «زيرو» وفي ألمانيا «تزيفر». والواقع أن الدارة كانت أصلا هي الإشارة المعبرة عن الصفر إلا أن انتشار الأمية بين عامة الشعب اضطرهم إلى تعلم أسماء الأعداد التسعة عن طريق السماع فقط؛ ولذلك أصبح لفظ «صفر» لديهم شيئًا غامضًا إن دل على شيء في مفهومهم فعلى اللاشيئية أو الإشارة الأجنبية. ففي القرن الرابع عشر نجد الإشارات الدالة على الأعداد العشرة تسمى «أصفارًا»، وهذا من باب التعميم وإن احتفظت فرنسا بلفظ «شيفر» وإنجلترا بكلمة «صيفر» واستخدمت الألمانية الكلمة الإيطالية «زيرو» للتعبير عن هذه الدارة المعروفة في العربية بلفظ «صفر». فهذا التطور في التسمية أدى إلى شيء كثير من الاضطراب كما تعدت هذه البلبلة التسمية إلى الأعداد ذاتها وأصبح العلماء في حيرة. وأخيرًا استقر الرأي على استخدام الإشارة العاشرة المعروفة باسم «شيفر» الدالة على الدارة. أما سائر الإشارات الأخرى فقد أطلقوا عليها التسمية «فيجورين» أي أشكال. لهذا نجد عام ١٣٥٧ م عالمًا يذكر في رسالة وضعها في هذا: هل يجب على هذا الشعب أن ينساق وراء الأميين ويستخدم لفظ «تزيفرن» للدلالة على الأعداد العشرة التي يجب أن يعبر عنها بلفظ «فيجورين» لا «تزيفرن»؟ إن الإشارة الدالة على الصفر لا تشير بتاتًا إلى عدد ما، ومن هنا أطلق العرب عليها لفظ «صفر». أما العلماء الأوربيون فقد اضطروا رغم أنوفهم إلى مجاراة العامة وعمموا لفظ «تزيفر» على سائر الأعداد الدالة في الواقع على قيم حسابية وميزوا الإشارة العاشرة على سواها بعبارة «نوللا فيجورا»، ومن ثم اختصرت إلى «نوللا» وأخيرًا «نل».

стр. 84

حرب الأعداد من إيطاليا شقت هذه الأعداد طريقها إلى أوربا ورافقها في هذه الرحلة مسك الدفاتر الإيطالي الذي كان في ذلك الوقت المثل الأعلى للتجار فعبرت الأعداد وهذا الفن جبال الألب حيث حملها التجار والمسافرون إلى مختلف البيوتات التجارية، لكن التجار والعملاء لم يقلبوا على الأعداد في شيء من الرضا واليقين؛ وذلك لأن الإنسان لا يأمن الغش مع هذه الأعداد فمن السهل مثلا أن يحور الإنسان الدارة الدالة على صفر إلى العدد الدال على (٦) أي ستة، كما أنه من السهل إضافة العدد إلى آخر، ومن العسير على الإنسان أن يميز بين الصحيح والمزور ولا سيما أن وسائل الغش متوافرة والطريق إليه سهل معبد. نعم، إن هذه الأعداد مفيدة جدًا للتجارـ وقد أبيح لهم استخدامها إلا أن احتمال الغش حرم استخدامها في العقود. لكن لم يمض زمن طويل حتى رأينا هذه الأعداد تفرض نفسها في مختلف المناسبات، وأصبحنا نجدها في الكنائس وغيرها من المباني العادية، إذ استخدمها القوم في تاريخ البناء الذي كان مألوفًا لديهم، وقد دون في أربعة أعداد، ومن ثم حفرت على شواهد القبور وعلى النقود وفي حسابات الدولة وبعد ذلك في الكتب حيث أخذت تحل محل الأعداد القديمة في ترقيم الصفحات، وذلك لأن كتابة العدد (٩٩٨) في هذه الصورة أوجز وأوضح من كتابته بالطريقة الروماني: DCCCCLXXXXVIII، والجدير بالذكر أن استخدام الأعداد العربية لم تتقبله

стр. 85

أوربا دون مقاومة، فاحتدم النزاع بين أنصار القديم وأنصار الجديد واستمر هذا الجدال قرونًا عديدة. فالحروف الرومانية كانت هي الأعداد الحكومية الرسمية واستمر الحال كذلك زمنًا طويلًا، ولم يقف الأمر عند هذا بل نجد فرق الاحتلال الرومانية والتجار الرومان يعلمون الجرمان استخدامها كما وصلتنا على الآثار وعلى النقود. ثم نجد الأديرة تساهم في تعميم الأعداد العربية فتنقلها من جديد عبر الألب وتأخذ طريقها إلى الشعب حيث تحل محل الأعداد البسيطة التي اعتادها الشعب إلا أن العامة استخدموا الأعداد العربية مبسطة تبسيط أعدادهم التي اعتادوها، وحيث يتحتم التعبير عن الأعداد كتابة بالكلمات غلبت عادة استخدام الأعداد الرومانية حتى اعتبرت وكأنها ليست أجنبية دخيلة. فكان الجرماني ينظر إلى الأعداد الروماني وكأنها ألمانية، كما تعصب لها وقاوم الأعداد العربية. لقد كان من الصعب على القوم حفظ الإشارات العشر الأجنبية وتعلم رسمها وطرق استخدامها؛ لذلك تفنن بعضهم في ابتداع وسيلة تعين على استذكارها فصاغوها في أبيات شعرية وخلطوا بها الأعداد الرومانية وحرصت هذه الأبيات الشعرية على عرض الأعداد الجديدة في هيئة صور: الآحاد (١) تعطيك اللسان، والعكازان (٢) يشيران إلى الاثنين، وذيل الخنزير يعبر (٣) عن الثلاثة، واللحم المحفوظ أربعة (٤)، والعدد خمسة (٥)، وقرن الوعل ستة (٦)، وسبعة (٧)، والسلسلة (٨) تشير إلى الثمانية، والتسعة (٩)، والدارة (٠)، زائد اللسان الصغير للدلالة على العدد عشرة، وإذا لم يرسم اللسان فالدارة تعبر عن لا شيء. لكن أحدًا لم يوجه مجهودًا لحفظها عن ظهر قلب أو كتابتها؛ لذلك لم توفق في الانتصار على الرومانية، ومما زاد في صعوبتها أن الذي أراد استخدام الأعداد العربية كان لا بد من أن يغير طريقة تفكيره فهو مطالب هنا بمراعاة الخانات وتركيبها IVXLCDM، ولم يكن تحت تصرفهم إلا الآحاد فقط، وهي حسب موقعها أو موضعها قد تصير عشرة أمثالها أو مائة.

стр. 86

فقد جاء في مخطوطة من مخطوطات العصور الوسطى ما يفهم منه أن كتابة الأعداد الجديدة تتطلب قبل كل شيء معرفة قيمة وموضع الخانة التي يوضع فيها العدد، والفهم الصحيح لقيمة الخانة من أصعب الأمور على الإنسان وبخاصة المبتدئين؛ لذلك تستخدم كتب الحساب التي توضع للشعب مختلف الوسائل لشرح الخانات وتبسيطها، وبالرغم من ذلك فإن قيم هذه الأعداد وخاناتها تختلط في تفكير الإنسان كما تمتزج الأعداد القديمة مع الجديدة وتضطرب الخانات وتلتبس على الإنسان، وبخاصة فنحن نعلم أن الأعداد الرومانية توضع إلى جوار بعضها بعضا بخلاف الحال في الأعداد العربية حيث تراعي قيم الخانات. فالإنسان يكتب مثلا العدد ١٤٨٢ هكذا MCCCCG ٨١١ وتاريخ سنة ١٥١٥ يكتب هكذا ١٥ X ٥ و ١٥٠٤ كالآتي ١٥١١١١. وفي مخطوطة ترجع إلى عام ١٢٢٠ نجد المؤلف يشير إلى نظام قيم الخانات؛ لأنه قد سمع عنه ويحاول إدخاله على النظام الروماني إلا أن المؤلف عجز عن التخلص من الأعداد الرومانية كلية، لذلك فهو يكتب العدد ٢٨١٤ هكذا DCCCXIIIIII. إن الإنسان ليعجب حقًا بنظام الخانات إلا أن الأعداد الألمانية العادية من الصعب جدًا على الألماني تركها اللهم إلا أولئك الذين يجرون وراء كل جديد، هذا رأي أبداه كاتب إلى الكنيسة خجلًا عندما أراد أن يكتب العدد الدال على ١٥٠٥؛ فقد رسم الصفر الذي لا ينطق كما لم يفهم الإشارة الصغيرة الدالة على المائة Ivcv. فالإشارة الدالة على الصفر وهي الدارة كانت بالنسبة للقوم مشكلة شاقة لفهم كتاب حساب الخانات فهمًا صحيحًا. ألم تكن الصفر هو الذي يشير إلى لا شيء من ناحية وله من القوة ما يمكنه من التعبير عن العشرات والمئات والآلاف من ناحية أخرى؟ ! إن الصفر كان لغزًا حقًا! نعم إن الصفر كان عددًا وفي نفس الوقت ليس عددًا، مثله مثل الدمية التي تحاول أن تكون كائنًا حيًا نسرًا أو حمارًا أو أسدًا، أو القردة ملكة، هكذا سخر فرنسي في القرن الخامس عشر وقال: أراد الصفر أن يكون عددًا! وذكر مؤلف

стр. 87

ألماني: أن الصفر عدد خارج الأعداد التسعة ويسمى (نللا) أي دارة أو لا شيء بينما الأعداد الأخرى لها قيمتها، والصفر يظل صامتًا هادئًا كنكرة من النكرات بالرغم من ذلك يباشر قوته السحرية ولو أنه لا ينطق بتاتًا. تنبه الأعداد تسعة وجميعها تنطق بلا صعوبة ثم معها تنبه لما (أقول) الصفر لا ينطق دارة وتشبه الـ (٥) وهو دائمًا هكذا لو سبقه العدد واحد تصير قيمته عشرة وبهذا العدد تستطيع أن ترقم وجميع الأعداد تنطق وتستخدم وكلما تكرر رسم الصفر على يمين عدد ما ارتفعت قيمة العدد عشر مرات حسب قابلية العدد. كذلك نجد المبتدئين في العصور الوسطى يتعلمون كتابة الأعداد ويكتبونها كما تكتب اللغة العربية. فمثلًا عند كتابة العدد (٢٠) يكتبون أولًا (٠) ثم (٢) وكذلك الحال مع (٢٣) مثلا فأولا (٣) ثم (٢) لكي نقرأ (ثلاثة وعشرين). وهذا الصفر الذي لم يكن موجودًا من قبل والذي ظهر بغتة وأخذ يقوم بدور خطير هو شيء غامض حقًا؛ لذلك كان موضع التفكه والسخرية عند الكثيرين، وحتى في المسائل الخاصة بما وراء الطبيعة فإن دلالته الثنائية مثار للدهشة. ففي الترجمة التي عثر عليها في دير «سالم» هذه الترجمة اللاتينية لكتاب الخوارزمي في علم الحساب التي ترجع إلى عالم ١٢٠٠ م ذكر المترجم بعض آرائه الخاصة:

стр. 88

«كل عدد يتركب من (١) لكن الواحد يتكون من الصفر»، وهذا الرأي خطأ منطقي وحسابي، ثم يستطرد المترجم ويقول: «ويجب أن نعرف أن شيئًا مقدسًا عظيمًا يكمن وراء الصفر وهذا الشيء لا أول له ولا آخر وهو يعبر عن لفظ «هو»، وكما أن الصفر لا يزيد ولا ينقص كذلك لفظ «هو» لا يقبل زيادة ولا نقصانًا. وكما أن سائر الأعداد قد تبلغ مرتبة العشرات كذلك الحال مع «هو» وليس هذا فقط، بل يبلغ الألوف والحقيقة التي أقررها أن «هو» يخلق كل شيء من العدم وهو يشتمل عليها ويدبرها». ويلاحظ أن سائر الأعداد تلف وتدور حول الصفر فإذا أراد أن يكتب العدد (٣٠٠) عير عنه هكذا (CC ٢) فيتجنب كتابة الصفر الموجود في خانة العشرات، كذلك نجد «سبستيان باخ» عندما يريد أن يكتب العدد (٣٠٠) يضع العدد ثلاثة الروماني أعني (III) قبل الإشارة الدالة على المائة (C) فيكتبه هكذا (IIIC). وهذه الحيلة التي استخدمت للتخلص من الصفر قديمة معروفة استخدمها الصينيون الذين كانوا يجهلونه. وهذا الجمع بين كتابة الأعداد حسب رتبها وبأعداد رومانية تجنبًا لاستخدام الدارة المعبرة عن الصفر انتهى إلى نظام عجيب حقًا لكتابة الأعداد. فلتدوين العدد (١٥٠٢) استخدمت الطريقة الآتية (XV , C et: II) حيث اعتمد الكاتب على اللغة التي لا تعرف كلمة تعبر بها عن الصفر؛ لذلك كتب خمس عشرة مائة واثنتين. لكن الأمر لم يقف عند هذا، فنحن نجد آخرين ألفوا الصفر أسرع من غيرهم الذين ظلوا متمسكين بالأعداد القديمة بالرغم من محاولتهم التعرف إلى الأعداد الجديدة وكتابتها حسب مراتبها فاستخدموا الصفر بين الأعداد الرومانية التي مرنوا على استعمالها، فوقف الروماني نفسه أماها حائرًا عاجزًا عن إدراك هذا الفن الجديد. فالعدد (١٥٠٣) كان يكتب (IVOII) والعدد (١٠٨٩) = (IOVIIIIX) ولا يقف الأمر عند هذا بل نجد شخصًا آخر يستخدم طريقة مبتدعة فالعدد (١٢٠٠) = (ICCOO) لا يستخدم الأعداد الرومانية فقط والأشكال الهندية أيضًا بل نظام

стр. 89

الرتب أو الخانات الهندي، وذلك باستخدامه (١) والدارة للتعبير عن الصفر، ثم نجده يستعمل الترتيب الروماني مع نظام المرتبة فيذكر (مائتين) = (CC). وبالرغم من جميع هذه الصعوبات وتلك العقبات انتصرت أخيرًا الأعداد العربية على الألمانية ولو أن الأميين من الألمان ظلوا بنمأى عنها، فهم أعداء لكل جديد، كما نتبين هذا مما جاء على لسان «مرجريت» في كتاب: در جرينه هينريش، للمؤلف: جو تفريد كللر: «كانت توجد في المنزل المقابل لنا قاعة مظلمة مفتوحة مشحونة بالمخلفات القديمة وفي آخر القاعة كانت تجلس طوال الوقت امرأة عجوز مترهلة في ثياب رثة، وكانت تقرأ بصعوبة بعض المخطوطات وإن عجزت عن الكتابة أو قراءة الأعداد العربية. وكان كل حسابها يعتمد على (١) و (٥) و (١٠) و (١٠٠) في صورها الرومانية، وقد تعلمت هذه الأعداد الأربعة أيام شبابها وفي مكان ما مجهول، وقد توارثت هذه الأعداد الأجيال وكانت هذه العجوز لا تعرف مسك دفاتر كما لا تملك شيئًا مكتوبًا إلا أنها كانت كلما شعرت أنها قادرة على تدوين شيء يهمها سارعت إلى قطعة من الطباشير وخطت بها على مائدة هذه الأعداد الأربعة وهي تدون من ذاكرتها جميع المبالغ التي تهمها بهذه الصورة، وإذا حققت رغبتها من هذا التدوين بلت أصبعها ماء ومحت به ما دونته، وكانت تحصي النتائج وترسمها إلى الجانب، وهكذا نشأت مجموعات عددية صغيرة جديدة ولا يدري أحد سواها دلالاتها أو أسماءها؛ وذلك لأنها لم تستخدم إلا الأعداد الأربعة المجردة وكانت تبدو للآخرين وكأنها طلاسم سحرية وثنية». وإذا كانت الأعداد العربية منذ بدايتها محاطة بهالة من الأسرار توحي بشيء من الرهبة، فإن الأعداد الرومانية اتصفت بهذه الصفة أيضًا عندما طرأ عليها ما طرأ من تغيير وتحوير، فنظر إليها القوم وكأنها وسيلة من وسائل السحر. وهكذا أخذ القوم يسخرون من أولئك العلماء الذين يستعينون بالأحجار لإجراء العمليات الحسابية، ولما ارتقت حالتهم الاجتماعية أوجدوا لأنفسهم وجبات غذائية أحسن نوعًا من السابقة وأخذوا يغذون أنفسهم من ثمار شجر القرو.

стр. 90

ومع تطور المدن والتجارة ازدادت الرغبة في العلم والمعرفة وانتقلت العلوم والمعارف من الأديرة إلى المدينة، ولعل أحسن بيوت تجارية عرفتها أوربا قديمًا هي تلك التي قامت في إيطاليا واتخذت منها ألمانيا مثلًا أعلى لها كما حذا حذو الألمان الهولنديون والفرنسيون والإنجليز حيث عاد أبناء تجار تلك البلاد ومعهم أخبار هذا التطور العظيم، كما أخذت العلوم التي كانت من قبل قابعة في الأديرة تتسرب تدريجيًا من الصوامع والجامعات إلى الخارج وبخاصة اختراع الطباعة. ولم يقف الأمر عند هذا بل نجد صرافي الأقاليم وموظفي ماليتها يوجهون شيئًا من العناية الخاصة في مدارسهم إلى هذا الحساب الجديد وأعداده العربية، كما سعوا جاهدين إلى نشرها. ولعل خير شاهد جاءنا إلى اليوم على انتشار الحساب العربي وصحة استخدامه هو «آدم ريزه» الذي ولد في مدينة «بمبرج» في العام الذي انتهى فيه حكم العرب على إسبانيا، وقد تخصص في تدريس الحساب في مدينة «أرفورت». ففي مثل كتب الحساب هذه توجد جداول فيها الأعداد الرومانية إلى جانب الأعداد العربية وكذلك الكلمات، والغاية من هذه الطريقة تمكين المتعلم من حفظ النوعين من الأعداد معًا واستخدامها في الحساب. لقد غزت الأعداد العربية أوربا، وأخذت تؤدي دورها الهام في العلوم الطبيعية والصناعات والاقتصاد وسائر وسائل الاتصال بين الشعوب الراقية في العالم، وفي مختلف العصور.

стр. 91

الكتاب الثالث الأبناء الثلاثة لموسى الفلكي

стр. 92

وفي كل ليلة بعد صلاة العشاء في المسجد يمتطي فارس الأرواح حصانه الأحمر كالحناء في أواني تجميل النساء مخترقًا صحراء خراسان. أما حوافر الحصان فمغطاة بالمحارم البيضاء وحيث يخطر الفارس الذي يحاكي المومياء ويجري بحصانه دون أن يسمع له صوت بين التلال الواطئة يخيم سكون الليل وينتشر الأمان. هناك الأسلحة والكيس المملوء بفدية البدو العائدين من الأسواق إلى خيامهم وهذه غنائمه الثابتة الخاطفة. موسى بن شاكر يتردد منذ أيام وسنين على قصر الخليفة وهو عالم وقور بين الفلكيين والمهندسين من رجالات المأمون كما أنه صديق حميم للحاكم. لكن موسى بن شاكر هذا لا يكاد يفرغ من صلاة العشاء في المسجد الكبير حتى يتحول إلى لص، بالرغم من السلاسل الذهبية التي كانت تقيده بالقصر، هذا القيد الذي كان في صالح الخليفة، كذلك لم ينس موسى بن شاكر أن والديه وأجداده الذين كانوا قديمًا، يعلم الله وحده، لصوصًا قد جاءوا به إلى هذا الوجود كأحد أبناء الصحراء الأحرار .. لذلك كان ينتهز موسى مجيء الليل وينطلق إلى الصحراء حيث يحيا حياة البداوة بتقاليدها القديمة وعاداتها وحيث الغزو والسلب والنهب حسب تعاليم الفروسية، والفتوة عمل مشرف يقوم به الفتى الحر الأبي. وهكذا نجد موسى يمضي ساعات الليل الطويلة فوق صهوة جواده لا يسمع له أحد صوتًا ولا صديق له إلا نجوم الليل، فهي أنيسة ودليلة شأنها معه كشأنها مع شعبه وأمته منذ آلاف السنين وفي مختلف العصور والأماكن. ولا يكاد الليل يولى حتى يعود هذا الفارس الروحي المجهول الاسم إلى حالته

стр. 93

الجسدية العادية التي يعرفها سكان العاصمة. وعندما تتبين العين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من طلوع الفجر ويؤذن المؤذن للصلاة يركع موسى بن شاكر إلى جوار جاره في المسجد ساجدًا لله شكرًا على ما أولاه من مساعدة إذ أرسل له نفرًا من الفرسان الذين هدوه سواء السبيل حيث توجد الغنائم وتكثر الأسلاب. هل يعتقد المأمون أن الرجل الذي يحتل مكانًا مرموقًا بين علماء قصره وينزل من قلب المأمون مكانًا يحسده عليه الكثيرون هو بعينه الذي يحيا حياتين؟ ثم كثرت حوادث النهب وأعمال السلب في الطرق وكثر عدد الذين شرقوا ونهبوا؛ لذلك اتجهت أنظار الدولة إلى تحقيق هذه الجنايات فحامت الشبهات حول موسى بن شاكر الفلكي، إلا أن الجماعة الإسلامية على استعداد للشهادة على أن موسى هذا كثيرًا ما يشاهد في المسجد صباحًا ومساء ومنذ زمن بعيد يواظب على أداء فروض الله فلا يجد الخليفة مناصًا من السكوت. لقد أثبت موسى أنه حذر ذكي ويتجلى لنا هذا الذكاء وبعد النظر في تولية الخليفة وصيًا على أولاده القصر إذا ما عاجلته منيته أو تمكن خصومه منه وثأروا لأنفسهم ولأموالهم، وقد تحقق بعد نظر موسى وتولى الخليفة الوصاية على أبنائه ونشأتهم تنشئة علمية صادقة جعلت منهم علماء فلكيين يشار إليهم بالبنان في قصر الخليفة ببغداد. هذه قصة حقيقية لا غبار عليها وقد وقعت إبان عصر القيصر كارل الأكبر في أوربا وتمت عندما أغمض القيصر عينيه. إن قصة موسى وقعت حوادثها في واحة مرو البعيدة في وادي مرغاب حيث كان يقيم المأمون بعد أن ترك بغداد عقب وفاة والده هارون الرشيد وزوال دولته. والقصة حقيقية أيضًا من ناحية أخرى ولو من جهة الرمزية فهي تصور حياة البدو الجاهليين الليلية عندما تغيب الشمس بوهجها المحرق وتقبل موجات النسيم العلية وتتلألأ النجوم في القبة الزرقاء وعلى ضوئها يقرأون وهم يرعون الماشية أو يقومون بغزواتهم. أما الآن وقد هداهم الله إلى دينه الحنيف وتثقفوا بتعاليمه السامية العالية فقد أقبلوا على العلوم يتدارسونها ويتأملون السماء بنجومها وأفلاكها وحركاتها.

стр. 94

لقد اعتمد العرب أبناء الصحراء أكثر من غيرهم من أبناء الشعوب الأخرى كاليونان والرومان والجرمان على التأمل في السماء ومراقبة الأفلاك والنجوم، فالعرب وهم البدو الرحل كانوا يتجولون في لا نهائية الصحراء ولا يرون في حلهم وترحالهم إلا السماء ونجومها التي تحول ظلمة الليل إلى نهار وضاح، ولا شك في أن هذه الظواهر الفلكية تترك في نفس ساكن الصحراء وسهولتها فلا جبال تنكسر عندها أشعة الإبصار ولا تلال ولا بحار، أدركنا أثر كل ذلك في البدوي عندما يشاهد الأفق البعيد تتخلله طبقات الهواء. وفي وسط هذه الأبعاد المتشابهة التي تكاد تكون واحدة اللهم إلا هذه التلال المتنقلة من بحار الرمال نجد النظرة البدوية حرة طليقة لا يوجد ما يعترضها ويوجهها اتجاهًا خاصًا، وهذه بدورها تؤثر في حياة البدوي زمانًا ومكانًا، فهو في عراك دائم مع الأنواء والرعود والبرق والمطر واختلاف درجات الحرارة وتعاقب الليل والنهار، والآن قد يسهل علينا إدراك الاعتقاد العربي في الكواكب وسائر الأجرام السماوية وكيف أنها مظهر من مظاهر القوى الإلهية فقبيلة نسام قدست «الدبران» بنوره المائل إلى الحمرة، وطلوعه كان مصحوبًا دائمًا بالغيث والخير العميم من طعام وشراب. أما قيس فقدست الشعرى أكثر النجوم ضوءًا، وهو الذي يتخلل طريق التبان، وقد استولى الشعرى على أفئدة العرب بجماله الممتاز. وقد ظل تقديس الكواكب حتى صدر الإسلام وبخاصة بين القبائل الوثنية كالصابئة، وقد تخرج من بينهم نفر من خيرة العلماء العرب وبخاصة في الفلك أمثال: ثابت بن قرة والبتاني الذي عرفته العصور الوسطى تحت اسم «الباتيجنيوس»، وقد اعترفت له أوربا كأستاذ من أكبر الأساتذة العرب الذين أخذت عنهم أوربا الشيء الكثير. أما خيال اليونان الشاعري فقد صور لهم السماء وكأنها بكواكبها ونجومها وسائر أجرامها هي مصدر الأبطال ووحي الأساطير، كما خلع هذا الخيال على النجوم صورًا قد تغاير حقيقتها في السماء. أما الطبيعة العربية وهي أقرب إلى الواقعية من غيرها فقد تصورت السماء وكأنها أنموذج لعالمهم عالم البداوة بكل ما فيها مما يحياه

стр. 95

البدوي في صحرائه، وذهب العربي بعيدًا فجعل من كل نجم تمثيلية خاصة ففي شمال السماء يشاهد راعيًا يرعى ومعه كلبه وقطيعًا من الغنم وعجلين وعنزًا وتيسًا وناقة وفلوًا وجملا يرعى بمفرده وحول هذا القطيع ضبع وضبعتان وضغارها، وهناك ابنا آوى يقفان خلف البعير، وحيث يتلألأ في السماء نهر المجرة يوجد عش للنعام وإلى جواره خمس نعامات وبعيدًا قليلًا يجتمع ذكرا نعام وبعض صغار النعام كما يشاهد بيض نعام وقشر بيض مكسور بالقرب من العش. تلك هي بعض مناظر الحياة لا صلى تربط بينها وبين الصور السماوية التي نجدها عند البابليين أو اليونانيين، ونحن نعلم أن اليونانيين تعلموا الفلك عن أساتذتهم البابليين. واتخذ اليونانيين من بعض مجموعات النجوم ما اتخذوه منها صورًا لآلهتهم وأبطالهم حسب مواقعها مثلا النجوم (لا) على كتف والنجم (y) على ظهر الحصان المجنح. أما العرب فلم يتصوروا النجوم في هيئة صور بل سموا بعض النجوم أسماء هامة؛ لذلك أصبح عدد أسماء النجوم عند العرب يفوق بكثير الأسماء اليونانية. وعندما ترجم العرب أيام الخليفة هارون الرشيد وابنه المأمون كتاب الفلك للمؤلف «هيبارش» الأكبر، وكذلك فهرس النجوم الذي وضعه نفس المؤلف ونقحه بطليموس وقدمه لنا في الماجسط، اختلطت الأسماء العربية القديمة للنجوم والكواكب مع الألفاظ اليونانية، وبخاصة أن الأسماء العربية كانت لا تزال حية مستخدمة متواترة في أشعارهم وأغانيهم وقصصهم. لذلك لا عجب إذا رأينا أن معظم أسماء النجوم والكواكب المستعملة حتى يومنا هذا عربية أو ترجع إلى أصل عربي، وأوربا التي درست الفلك على أساتذة مسلمين تستخدم حتى اليوم الأسماء العربية مثل: «الدبران» و «الجنوب» و «الغول» و «الكرب» و «الطائر» و «الواقع» و «بيت الجوزاء» و «ذئب» و «فم الحوت» و «رجل» وغيرها. ولا يقتصر الأمر على أسماء الكواكب والنجوم بل هناك كثير من الاصطلاحات الفلكية المتداولة على ألسنة العامة قد أخذتها أوربا عن العرب مثل: «السمت» و «النظير» و «القنطرة» و «الحضيض» و «تيودوليت».

стр. 96

ثم نجد العرب وقد تأثروا بالعلوم الهندية واليوناينة مثل دراستهم لكتاب «سيدهنتا» للمؤلف الهندي «براهما جوبتا» الماجسط لبطليموس ينشطون في قصور الخلفاء المنصور وهارون الرشيد والمأمون ويهتمون اهتماما خاصا بالدراسات الفلكية مستعينين بخبرتهم القديمة التي توارثوها منذ زمن بعيد، فأخذوا بيد هذا العلم حتى جعلوا من الفلك علما عالميا، وأصبح العرب بفضل نشاطهم واجتهادهم أساتذة العالم وقادته. لقد توفي موسى وترك ثلاثة أولاد في سن الطفولة، وقد وصل المأمون، عندما كان يقود حملة عسكرية في آسيا الصغرى، خبر وفاة موسى فسارع وطلب إلى حاكم بغداد الاهتمام بهؤلاء الأطفال والعناية بهم، وبلغ اهتمام الخليفة حدا أنه ما أرسل رسالة إلى بغداد إلا وسأل عنهم. وكان الخليفة المأمون يتحدث ساخرًا دائمًا من أنه مربي أولاد موسى ثم أسلمهم إلى يحيى بن أبي منصور لتربيتهم، وكان يحيى هذا فلكي الخليفة ومدير بيت الحكمة الذي أسسه المأمون للعناية بالعلوم المختلفة، كما زوده بمكتبة غنية بسائر المؤلفات ومنها كتاب الخوارزمي المختار من «سيدهنتا» وجداول بطليموس الفلكية التي نقحها الخوارزمي، وكذلك كتبه في الحساب التي ظلت المرجع الأول والأهم في أوربا حتى عصر إحياء العلوم، وكذلك كتبه في الجبر. وهنا في دار الحكمة نبع العلوم والمعارف وحيث مختلف المراجع التي تربو على الآلاف وكذلك الأجهزة النادرة ومختلف الندوات العلمية في شتى العلوم والفنون، نشأ وترعرع أولئك الأطفال الموهوبون أنجال الفلكي ولص الصحراء موسى بن شاكر، ومن حسن حظهم أن بعد وفاة والدهم انتقلوا إلى رعاية خليفة المسلمين وأمير المؤمنين نور الحكمة ومصدر الإشعاع. ومن حسن طالع أولئك الإخوة أن أكبرهم وهو محمد بن موسى أصبح أشهر الجميع علمًا وسياسة، فنال ثقة الخليفة فورث المكانة التي تولاها أبوه من قبل وأكرم المأمون علماء الفلك فشيد لهم مرصدًا عظيمًا فوق أعلى مكان في بغداد عند

стр. 97

شماسية حيث كانت ترصد الكواكب وتراقب حركاتها مراقبة علمية دقيقة، ووضع المأمون هذا المرصد تحت رئاسة وإشراف يحيى، وكانت تستخدم فيه مقاييس في غاية الدقة تقابلها أخرى مثلها في مرصد جنديسابور. وإمعانًا في الدقة كانت تراجع العمليات الحسابية كل ثلاثة أعوام في مرصد جبل قسيوم بالقرب من دمشق حيث كان يعمل فلكيوه معًا في وضع الجداول المسماة جداول المراجعة أو الجداول الميمونة، وهذه في الواقع عبارة عن مراجعة جديدة دقيقة لجداول بطليموس الفلكية. لم يكد محمد بن موسى ينتهي من دراسته على يحيى حتى أمر الخليفة أن يساهم هذا العالم الشاب في قياس حجم الكرة الأرضية فسافر مع جماعة من الفلكيين إلى «سنجار» الواقعة غرب الموصل، ومما هو جدير بالكر هنا أن «أوتو ستينيس» كان قد قام بأول قياس للأرض بمساعدة الزوايا الضوئية للشمس. أما فلكيو المأمون فقد حاولوا قياس الأرض بوسيلة أخرى فمن نقطة خاصة انتقل جماعة من الفلكيين نحو الشمال وانتقلت جماعة أخرى نحو الجنوب وظلت متجهة حتى بلغت مكان الجدي الصغير، النجم القطبي، فالجماعة التي اتجهت شمالا تشاهد الصعود بينما الجماعة الأخرى التي اتجهت جنوبًا تشاهد الهبوط. فالمسافة بين الجماعتين عبارة عن درجة من دائرة نصف النهار، وقد تمت هذه العملية بدقة تستدعي الإعجاب حقًا. لكن لا يمضي زمن طويل حتى نجد محمدًا وأخويه يقومون بعملية حسابية عجيبة تخلد أسماءهم؛ فحسابهم لا يبين فقط النتيجة التي توصل إليها بطليموس بل تتفق أيضًا والنتيجة التي قام بها في الظل فلكي القصر المعروف باسم «موروزي» «وجدت»، هكذا صرح بعد مائة وخمسين عامًا مواطن لا يقل مكانة عن البيروني: إن الإنسان يجب عليه أن يعتمد على حساب وملاحظات بني موسى، وعلى الإنسان كذلك أن يرعاها فقد حشد بنو موسى كل قواهم العقلية في سبيل الوصول إلى الحقيقة. لقد كان أبناء موسى وحيدي عصرهم في إتقان الوسائل الفلكية والكياسة في استخدامها وتطبيقها. وقد شهد لأبناء موسى علماء آخرون شاهدوا

стр. 98

بعيونهم دقة هؤلاء في كل ما قاموا به. وحدث أن افترق أبناء موسى عن الشيخ يحيى وتركوا مرصده؛ لأن محمدًا كان رجلًا يؤثر الاستقلال وحرية العمل وبخاصة فقد أصبح في شيء من اليسر والثراء، وذلك بفضل تعاون الإخوة ورغبتهم الصادقة في الكسب والعمل، ونجحوا في إقامة مرصد خاص لهم على قنطرة نهر عند دجلة عند «باب التاج». وهنا نجد محمدًا يكرس حياته للرصد والحساب وقد اتصف في عمله هذا بالصبر والجلد. هكذا شهد له معاصروه فقد ألف كتبًا فلكية تعالج الاتجاهات العمودية على البعد القطبي. وكانت هي الأولى من نوعها في الفلك كما اشترك مع أخويه في وضع كتاب في المساحات الكروية، وقد ترجمه إلى اللاتينية «جرهرد فون كريمونا»، وقد عرف هذا الكتاب في العصور الوسطى في أوربا باسم كتاب الإخوة الثلاثة في الهندسة. لكن محمدًا لم يكن فلكيًا بارعًا ورياضيًا عظيمًا فحسب بل أبدى مقدرة فائقة في الفلسفة وبخاصة المنطق أيضًا، فوضع كتابًا حول أصول العالم وعناصره كما عنى بعلم الأرصاد ودوَّن ملاحظات حول الأجواء واهتم بالتركيبات الخاصة بالأجهزة والآلات، وهذه هي الناحية التي كان يهواها ويولع بها أخوه أحمد الذي أضاف الشيء الكثير على ما جاءنا الكثير على ما جاءنا عن العالم القديم خاصًا بالميزان السريع. وكان أحمد هو الفنان البارع والصانع الماهر وقد اشتهر بعبقريته في هذا المضمار فكان من بين أفراد العائلة الوحيد المشهود له بحسن تركيب الآلات وفكها، لقد توافرت له، كما يذكر مرجع عربي في هذه الصناعة، أشياء لم تتوافر لأخيه محمد أو لأحد من السابقين مثل هارون وغيره من الذين كانوا يهتمون بتركيب الآلات وتنظيمها وبخاصة الآلية منها، وقد وضع في ذلك كتابًا شاملًا حير الموهوبين فنيًا من العرب. وامتاز أحمد أيضًا بملكته الخالقة فقد اخترع أشياء كثيرة تدعو إلى الدهشة فقد ثابر في بناء الآلات الدقيقة المعقدة التركيب والتي هي ذات فائدة قصوى للمجتمع ولو قدر لفرد أن يحصل عليها اليوم لأعجب بها وحرص على امتلاكها، فقد عاون ربة البيت في القيام بعملها كما ساعد الفلاح على فلاحة أرضه

стр. 99

وريها وصنع حوضًا تشرب منه الحيوانات الصغيرة فقط ولم يهمل الأطفال والكبار في صنع أدوات اللعب والتسلية التي لو ظهرت اليوم لحرص الكل على اقتنائها. وأحمد هذا هو صاحب غرافات الحمامات والخمور وتفنن في صنع الأخيرة حتى إن منها ما يصب من النبيذ بقدر ما يحتاج إليه الإنسان، وإذا ما حاول صب كمية أخرى عليه أن ينتظر فترة من الزمن، وإليه يرجع الفضل في اختراع الأجهزة التي تعين أثقال السوائل المختلفة وأخرى تمتلئ آليًا عندما تفرغ كما صنع قوارير يشرب منها الإنسان حسب رغبته إما نبيذًا صافيًا أو ممزوجًا أو ماء، وركب مصابيح يخرج فتيلها آليًا كما يتدفق فيها الزيت تلقائيًا ولا يستطيع الهواء أن يطفئها، وقد نجح في صنع جهاز لري الأرض وهو يصفر كما يصدر أصواتًا خاصة تشير إلى أن المياه قد بلغت الارتفاع المطلوب كما صنع مختلف أنواع النافورات وتفنن في الحيل المائية حيث يندفع الماء مكونًا مختلف الأشكال والشخوص، وقد بلغ أحمد من المهارة بحيث استطاع صنع جهاز فلكي يخطئ بواسطته الرأي اليوناني القائل: «إن كرة تاسعة تحيط بالفضاء». وهل بمستغرب أن يضع ابن موسى بن شاكر خبرته وإمكانياته في خدمة العلم الذي كرس له والده حياته أعني الفلك؟ ! لقد اشترك أحمد مع محمد وركبا ساعة نحاسية ذات حجم كبير وقام محمد بعمل حساب شروق وغروب أهم الكواكب والنجوم حسب اليوم والسنة. أما أحمد فقد قام بتنفيذ العملية الحسابية المعقدة التي وضعها أخوه، وكانت هذه الساعة قطعة فنية عجيبة ووحيدة من نوعها من حيث صناعة الآلات وتركيبها، وقد أثارت إعجاب كل من شاهدها فقد رآها الطبيب ابن ربان الطبري في القصر الجديد للخليفة فقال: أما مرصد سامراء رأيت آلة ركبها الأخوان محمد وأحمد ابن موسى، والأخوان خبيران بعلم الفلك وتركيب الآلات. والآلة التي صنعاها عبارة عن كرة وعليها صور الأفلاك وأجرام السماء وتتحرك هذه الآلة بفعل الماء، فإذا اختفى نجم من نجوم السماء اختفى في نفس الوقت النجم الذي يقابله في الكرة عن طريق خط يمثل دوران الأفلاك وله نظيره في السماء، وعندما يعود النجم في السماء إلى الظهور مرة أخرى يظهر هذا النجم على الكرة فوق خط الأفق.

стр. 100

«الأخ الثالث الحسن» كان كما تحدثنا المصادر العربية نابغة عصره في الهندسة كما كان عبقريًا وحيدًا اشتهر بالذاكرة القوية وسعة الخيال والتصور ولم يلقنه أحد ما بلغه من إعجاز في الهندسة، وما عرضت عليه مسألة من المسائل إلا وبادر إلى حلها، وكان هو أول من توصل إلى هذا، ويروى عنه أنه كان يجلس غارقًا في تفكيره وجلس مرة في مجلس من مجالس الخاصة فلم يسمع شيئًا مما دار من حديث في ذلك المجلس، ويروى عنه عن نفسه أنه إذا عرضت له مشكلة من المشاكل كان يرى العالم وكأنه جسم من الظلام ويشعر هو وكأنه قد خارت قواه أو في حالة حلم! وحدث يومًا ما أن التقى في حضرة المأمون بفلكيه الخاص الموروزي الذي اشترك في مراقبة الشمس في دمشق، وكان الموروزي قد قرأ كتاب «أويقليد» كما درس الماجسطي دراسة دقيقة إلا أنه كثيرا ما عجز عن فهم كثير من المسائل الرياضية فتحداه الحسن أن يوجه إليه مسألة هندسية شريطة أن يعرض عليه الحسن سؤالا هندسيا فأحرج هذا الاقتراح الموروزي فشكاه إلى المأمون: «يا أمير المؤمنين لقد قرأ لأويقليد ستة كتب فقط». والمأمون الذي يعتبر عالمًا في الهندسة فقط، وقد درس كتاب أويقليد لا يستطيع أن يتقبل مثل هذا الاتهام الموجه إلى حبيبه الحسن ولا يصدقه، فالتفت مسرورًا إلى المهم شاكًا في التهمة فأجابه الحسن: «والله يا أمير المؤمنين لو أردت الكذب لأثبت كذب دعواه ولاستدعيته للاختبار فهو لم يسألني سؤالا خاصا بمحتويات هذه الكتب التي لم أطلع عليها ولو فعل هذا لأجبته على الفور وذكرت له حلها ولا ضير في ذلك عليّ إذا كنت لم أطلع على هذه الكتب»، والمؤلم أن دراسته لجميع هذه الكتب ومسائلها حتى ما صغر منها لم تفده كثيرًا أو قليلًا حتى يتمكن من حلها. وقد اقتنع المأمون بهذه العبارة إلا أنه لم يغفر للحسن تقصيره بعدم تنفيذ طلباته. ومن بين أعماله التي قام بها مستقلًا عن أخويه كتابه الذي وضعه حول القطوع المخروطية، كما أنه هو مخترع ما يعرف باسم القطع الأهليلجي.

стр. 101

ولم يبلغ أبناء موسى ما بلغوا من شهرة علمية عن طريق بحوثهم فقط بل عن طريق الخدمات الجليلة أيضًا التي أدوها لعلم الفلك، بفضل ما أوتوا من نبوغ في هذه الناحية، وفضلا عن هذا فقد كانوا بالرغم من أنهم كانوا في سن الشباب من أكبر مشجعي ومناصري العلم والعلماء، فكانوا يوفدون البعوث على نفقاتهم الخاصة إلى الدولة البيزنطية للبحث عن المؤلفات الفلسفية والفلكية والرياضية والطبية، وكان أبناء موسى لا يترددون في دفع الأثمان الباهظة لهذه المؤلفات اليونانية التي كانوا يزودون بها مكتبتهم الخاصة بدارهم بباب التاج في بغداد. فهناك وعلى قطعة الأرض التي وهبها لهم المتوكل بالقرب من قصره في سامراء وظف أبناء موسى العدد الكبير من المترجمين الذين استقدموهم من مختلف البلاد، وكانوا بصنيعهم هذا يقتدون بأمير المؤمنين الخليفة المأمون الذي اقتنى المخطوطات وشيد المدارس لتخريج المترجمين. والآن نتساءل: كيف تيسرت الأمور وأصبح أبناء موسى الوحيدين الذين جاروا الخليفة في الأخذ بيد هذه النهضة العلمية العظيمة الأثر؟ ألم يمضوا أيام طفولتهم في حياة إن وصفت بشيء فالبساطة والتواضع؟ ألم يمض موسى بن شاكر وأسرته حياة أقرب إلى الفقر من أي شيء آخر؟ ! والآن نجد أبناءه يدفعون شهريًا لكل مترجم راتبًا لا يقل عن خمسمائة دينار ولا شك في أن إنفاق مثل هذه الأموال في اقتناء الكتب وإيفاد البعوث وترجمتها ونسخها قد كلفهم في شبابهم الكثير من الأموال؛ فمرتب المترجم أعني مبلغ الخمسمائة دينار كان يساوي بعملتنا الحالية حوالي ثمانمائة جنيه ذهبي، ولا شك في أنها مرتبات عالية كانت تكفل لأصحابها سعة في الرزق وسعة في الوقت وتفانيًا في خدمة رسالتهم العلمية الرفيعة. فمن أين لأبناء موسى جميع هذه الموارد المالية التي مكنتهم من النهوض بمثل هذا العبء العظيم؟ ! أين الذهب الذي جمعه موسى إبان غزواته الليلية التي كثيرًا ما شنها؟ إن أحدًا لم ير غزواته ولم يشاهد أسلابه، وهل كان هدف موسى من كل مغامراته تمويل مثل هذا المشروع العلمي الجبار؟ !

стр. 102

لقد استخدم أبناء موسى كثيرين من العلماء من بينهم حنين بن إسحق وإسحق ابن حنين ابنه وحفيده حبيش بن الحسن، وقد كان هؤلاء من أكثر وأجود العلماء إنتاجًا، ولا يفوتنا أن نذكر من أشهر المترجمين أيضًا الذين عملوا لأبناء موسى ثابت ابن قرة وكان صابئيًا من الذين يقدسون النجوم والأجرام السماوية. فهذا الشاب العربي الذي أصبح فيما بعد عالمًا فذًا كان قد اهتدى إليه محمد بن موسى، فقد حدث أن محمدًا في رحلة من رحلاته الاستطلاعية بحثًا عن المخطوطات توجه إلى اليونان وآسيا الصغرى وعند عودته مارًا بحران التقى في «كفر توتة» بهذا الشاب الذي كان يعمل صرافًا في محل له صغير، وكان إلى جانب إلمامه بالنقود عالمًا بعدة لغات، فكان هذا الشاب هو الذي يبحث عنه محمد بن موسى بهو خبير بالحساب ومترجم قدير أحضره معه إلى بغداد واتخذه تلميذًا له في منزله وقدمه إلى الخليفة المعتضد، فأعجب الخليفة بهذا الصابئي وقدمه على سائر علمائه فترجم ثابت بن قرة عددًا من الكتب الفلكية والرياضية والطبية إلى بني موسى وهذه الكتب لمشاهير العلماء أمثال: «أرشميدس» و «أبولونيوس» و «تيودوسيوس» و «أويقليد» و «أرسطو» و «أفلاطون» و «جالينوس» و «بوقراط»، كما ترجم حنين وابنه وصححها، ثم انصرف بعد ذلك إلى تأليف الكتب فوضع ما يقرب من مائة وخمسين كتابًا عربيًا وعشرة في السريانية حول الفلك والرياضة والطب، فوضعته هذه المؤلفات وذلك الإنتاج لا في مقدمة علماء عصره فقط بل زعيمًا للعلوم الإسلامية قاطبة. لقد تحدثنا عن سيرة بني موسى لا رغبة في الإفاضة فيها فهم أشهر مما نتصور، فمن بين خمسمائة وأربعة وثلاثين فلكيًا عربيًا حفظ لنا التاريخ أسماءهم، وهذا عدد يندر أن نجده بين أبناء أمة راقية أخرى في العالم، ونقرر أن بني موسى وغيرهم من أبناء جلدتهم قد ساهموا مساهمة كبرى في بعث النهضة العلمية الأوربية. لكن حياة الإخوة الثلاثة تشع علينا إشعاعات خاصة فدراسة حياة هؤلاء الإخوة العلمية تلقي ضوءًا قويًا على كل مقومات الدراسات التي اعتمد عليها العلماء المسلمون في سبيل النهوض بعلم الفلك منذ أن خرس اليونان إلى غير رجعة. لقد

стр. 103

نهض العلماء المسلمون بهذا العلم نهضة كانت له بعثًا جديدًا ترك في أوربا أبعد الأثر فأيقظها وسد الفراغ العلمي فيها. إن نشاط بني موسى في جمع المخطوطات وترجمتها أحيا من الموت تراث العالم القديم الذي طمره النسيان، والعرب هم الذين بعثوه فعادت إليه الحياة ثانية والعرب هم الذين عرفوا أوربا به. اشتهر العرب بعبقريتهم الفنية في صناعة الآلات واختراعها، فقد أدركوا معنى ووظيفة الآلات التي جاءهم وصفها وطوروها وزادوا عليها فاخترعوا الجديد منها، وبذلك وضع العرب الأسس لقيام هذه النهضة العلمية الصناعية. إن نظرتهم الفنية الدقيقة للظواهر الطبيعية التي تجلت في مراصدهم تفوقت بكثير على تلك النتائج التي توصل إليها العالم القديم وسبق العرب غيرهم فنجحوا في القيام بالبحوث العلمية الدقيقة وتجلت عبقريتهم التي لا تحد في الرياضيات والعلوم الأخرى، وكان يستولي على العربي الفرح والسرور عند توفيقه في حل مسألة رياضية أو حسابية، وهذا الاستعداد مكن العرب من خلق فروع جديدة في الرياضيات، كما سبقوا أوربا وأوجدوا الوسائل المختلفة للدراسات الفلكية.

стр. 104

الابن الأول صانع الآلات أسس يوناني الدراسة الفلكية العلمية وكان هذا العالم أقل يونانية من سائر اليونانيين فحتى ذلك الوقت كان علم الفلك اليوناني علمًا تأمليًا نظريًا وقليلا ما كان يدرك بالإبصار المنتظم، فالعقل اليوناني يهتم بالشكل والنظام والقانون؛ لذلك أسس مع مرور الزمن وتعاقب الأجيال مسرحًا عالميًا من الكمال، فأوجد لكل العصور فكرة النظام القانوني العظيم للوجود، ومن هذه الناحية يختلف اليونانيون عن غيرهم من حيث إدراكهم للكون فهو شيء ملموس معقول محسوس بخلاف علماء الفلك على نهري دجلة والفرات. لقد اشتهر البابليون بنظرتهم الثاقبة الدقيقة فقد آمنوا بجميع المظاهر السماوية وآثارها واقتنعوا بأن كل ما يجري في الكون مقدر من قبل. أما محاولة نسبة المظاهر الكونية إلى قوانين الطبيعة ومحاولة الاستفادة من هذه الصلة أو من نتائجها فلم تكن تهمهم أو تعنيهم. أما الخصال التجريبية التي كثيرًا ما اتصف بها البابليون فلم تتوافر لدى اليونانيين الذين اشتهروا بالأناة عند الإدراك والحساب الدقيق، فجميع هذا أثر في عقليتهم النظرية تأثيرًا أقل من طبيعتهم الميالة إلى التعليل الفلسفي. ففي حوالي عام ٥٠٠ ق. م. استطاعوا أن يتصوروا القبة السماوية المرئية وكأنها كرة هندسية جميلة تتفق والتناسق الإلهي، وفي وسطها الأرض التي كانوا يتصورونها قديمًا أنها أسطوانية الشكل تحلق في الفراغ. ثم جاء القرن الثالث ق. م. فنجد «أريسترخ» أحد أبناء مدينة «ساموس» يضع الشمس مكان الأرض في قلب الكون، لكن هذه الصورة

стр. 105

بالرغم من جمالها لقيت معارضة قوية من الخاصة والعامة الذين فضلوا تصور الأرض في قلب الكون، فالأرض هي التي أخرجت الإنسان وتعهدته والإنسان هو مقياس كل شيء إلا أن هذا الرأي ينقصه الدليل ولا يكفي الادعاء للأخذ به. وهكذا ظلت الأرض الوطن المقدس في الوجود، وظلت هكذا أيضًا حتى عام ١٥٠ ق. م. إذ ظهر في ذلك الوقت رجل من آسيا الصغرى بدأ بحثًا بطريقة أخرى غير يونانية إذ أخذ يقيس السماء ويفحص ويحسب في صبر وأناة ودقة لم يسبقه إليها أحد. والرجل الذي فتح هذا الفتح الجديد في دراسة النجوم ووضع أسس الدراسة العلمية الفلكية هو «هيبارش» فكان يقرأ صفحة السماء بعينين نافذتين ويعد ويقيس بآلات هو واضع معظمها، وقد أهدى هذا العالم ما توصل إليه من معرفة وتواريخ وفهارس للنجوم لجميع الذين يعنون بالدراسات الفلكية، وقد وصفه بطليموس المصري الذي جاء بعده بنحو مائتين وخمسين سنة بأنه أدق العلماء وأخلصهم. والشيء الجدير بالملاحظة أن بطليموس المصري هذا اعتمد في كتابه الماجسطي على ما انتهى إليه «هيبارش»، ولا عجب في هذا، فمجهود «هيبارش» ظل عصورًا طويلة كمثل أعلى للنتيجة التي انتهى إليها علم الفلك، إذ لم يظهر عالم آخر سواء عند الرومان أو من بين الهنود استطاع أن يخطو بهذا العلم خطوة أبعد، وظل الحال كذلك حتى جاء العرب فخلقوا الفلك خلقًا جديدًا، لقد زهر بين العرب فلكيان عظيمان يسمى كل منهما «عمر» وقد جلسا يومًا من الأيام عند عمود مسجد من المساجد وأمامهما كتاب الماجسطي فعبر عليهما جماعة من العلماء فوقفوا وسألوهما: ماذا يدرسان؟ «نحن نقرأ» أجاب أحد العمرين «تفسير قوله تعالى»: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ [الغاشية: ١٧ - ١٨] إن لعلم الفلك أثرًا بعيدًا ومكانة ممتازة عند كل مسلم فطلوع النجوم وشروق الشمس وظهور القمر آيات بينات ناطقة بعظمة الله وعلمه. هذا الله الذي ينطق القرآن الكريم بمجده وقوته هو خالق السماء والأرض والظلام والنور ويحيط بكل

стр. 106

شيء علمًا؛ لذلك قال أحد كبار فلكي العرب ألا وهو البتاني: إن معرفة النجوم تشبه معرفة الأشياء التي يجب على الإنسان أن يعرفها ويدركها كقوانين الذين وأوامره فعن طريقها يهتدي الإنسان إلى معرفة الأدلة التي تثبت وحدانية الله وعظمته وحكمته وقوته وكمال علمه، فلعلم الفلك عند المسلم قيمة علمية عظيمة. لقد توقف حياة البدو الرحل الفلاحين منذ عصور بعيدة جدًا على السماء وأحوالها الطبيعية؛ لذلك اهتم القوم بعلم الفلك ومجاري الأفلاك، ولما جاء الإسلام وجدت صلة قوية بين عقائده وفرائضه وبين النجوم وسائر الأجرام السماوية وبخاصة عند قيام المسلم بفروضه اليومية، وقد نادى القرآن الكريم بوجوب النظر إلى السماء وفشعائر الإسلام الدينية والمحافظة عليها وعلى مواقيتها تحتم على المسلم العناية بمراقبة الشروق والغروب وما بينهما. فالمؤذن في المسجد يجب أن يكون ملمًا بشيء من علم الفلك ليستطيع توقيت مواعيد الصلاة، ويجب أن يعرف استخدام آلة تحديد شروق الشمس وجريانها في كبد السماء ليحدد مواعيد تأدية فرائض الصلاة، كذلك يجب عليه أن يعرف طلوع الهلال وغيابه في شهر رمضان شهر الصوم، كما هو مطالب بمعرفة غياب الشمس وشروقها ليحدد المغرب والعشاء والسحور والإمساك والفجر والظهر والعصر. والمسلم مطالب أيضًا بمعرفة مواعيد الكسوف والخسوف فكل منهما يتطلب الفرائض الخاصة. والاتجاه إلى مكة عند الصلاة شرط لا بد منه لإقامة الصلاة فالاهتمام بالسماء وما يجري فيها أهم للمسلم من الطعام. فلا عجب إذا رأينا المسلمين يقبلون على كل ما يتصل بالنجوم والأفلاك لذلك شجع الخلفاء هذا الاتجاه ودفعوا الشعب إليه حتى لم يمض زمن طويل إلا وأصبح الفلك علمًا تأتي دراسته والعناية به في مقدمة العلوم الأخرى؛ لذلك تخرج منهم المراقبون والمساحون والمحاسبون كما فعل العالم «هيبارش» من قبل. واستتبعت دراسة الفلك إقامة المراصد، ولعل أشهرها هو ذلك الذي شيده المأمون في بغداد أو دمشق، ولا ننسى تلك التي شيدها الخلفاء الفاطميون أمثال العزيز والحاكم في القاهرة وعضد الدولة فيما بعد في بغداد في حديقة قصره. والمرصد الذي شيده

стр. 107

السلجوقي في ملك شاه في نيسابور في شرق فارس، وكذلك هولاكو المغولي في «مراغة» غرب فارس، وأولوغ بك الأمير التتري في سمرقند. ولعل هولاكو كان الوحيد من بين جميع هؤلاء الذي لم يكن مقتنعًا تمامًا بأهمية هذا العلم وفائدته، ففي هجومه على قلب الدول العربية استطاع حفيد جنكيز خان القضاء على صغار أمراء فارس كما قتل بحد السيف الأمراء الإسماعيليين وزعماء الحشاشين، ولم يكتف بذلك بل خرب بغداد وأشعل فيها النيران وأزال من الوجود العباسيين، إلا أن الحضارة العباسية الإسلامية أبهرت أنظار هذا البدائي حتى إنه قرر العمل على الأخذ بيد القائمين عليها، فاتخذ من الرياضي العبقري والفلكي الذائع الصيت ناصر الدين الطوسي (١٢٠١ - ١٢٧٤) -والذي كان في خدمة الأمير الإسماعيلي الذي قتله هولاكو- وزيرًا لماليته. لكن ناصر الدين كان شديد الحرص على مواصلة أبحاثه العلمية إلى جانب وظيفته؛ لذلك فهو في حاجة إلى مرصد فكان هذا الاقتراح، إلى جانب المطالبة باعتماد المبلغ اللازم لإقامته مدعاة لإشارة الشك والريب في قلب هذا البدائي المتوحش؛ لأنه ما كان يجول بخاطره أن علم الفلك هذا يتطلب إقامة مرصد، وأن المرصد يكلفه هذا المبلغ من المال. فأجابه ناصر الدين أن فائدة هذا المشروع سيتبينها هولاكو من هذا المثال البسيط الذي سيقدمه له. فقد طلب من هولاكو أن يسمح له بصناعة حوض كبير من النحاس ويضع هذا الحوض على سطح القصر، وفي المساء لما اجتمع سائر الأعيان والوجوه حول الخان أمر ناصر الدين سرًا بدحرجة هذا الحوض فأحدث صوتًا مخيفًا أوقع الرعب في قلوب جميع الحضور عدا ناصر الدين وهولاكو وكاد الآخرون يموتون رعبًا وفزعًا. فقال ناصر الدين لهولاكو تأمل أن الذي يعلم الأشياء لا يخشى وقوعها وهذا من فوائد علم الفلك، فالذي يفهم هذا اعلم لا يخشى ما قد يقه لأنه يعرف الأسباب؛ فإذا وقعت واقعة تقبلها العالم هادئ النفس لأنه عالم بها ولا يجهلها؛ فاقتنع الخان بكلام وزير ماليته وسارع إلى إجابة طلبه فرصد له الأموال الطائلة لبناء المرصد وتأثيثه فلما تم المرصد فرح به الخان فرحًا عظيمًا وأهداه مبلغا كبيرا من المال يقدر بعشرين ألف دوكات، كما زود

стр. 108

المرصد بمكتبة تحتوي على أربعمائة ألف مجلد جمعها من مكتبات بغداد وسوريا والعراق، كما استدعى عددا كبيرا من علماء أسبانيا ودمشق وتفليس والموصل والمراغة ليعملوا تحت إشراف ناصر الدين ويضعوا الزيح الفلكية الجديدة بتكليف من الخان. أخذ ناصر الدين يوجه اهتمامه إلى السماء ومتابعة سير النجوم والأفلاك ومختلف الكوكبات واستنفدت هذه المراقبة من عمره زهاء الثلاثين عامًا، وذلك لأن زحل يحتاج إلى زمن يقرب من هذا لإتمام دورته، لكن هذا الخان البدوي غير المستقر اعتبر هذا الزمن طويلا جدًا فأصدر أمرًا يقول فيه إن هذه التأملات وتلك الدراسات يجب أن تتم في زمن لا يتجاوز اثني عشر عامًا، وفعلا تم وضع جداول الخان في الزمن الذي حدده. لقد حصل ناصر الدين الطوسي على مرصده، وكان معهدًا للأبحاث لا يوجد ما يضارعه، وأصبح مشهورًا شهرة عالمية في أجهزته وأبحاث علمائه. مهر العرب في صناعة الآلات وتركيبها كما شاهدنا هذا من مثل أحمد بن موسى، وبذل العرب جهدًا مشكورًا في سبيل استخدام الماء والاستفادة منه، والماء كما نعلم هو سر الحياة وعليه تتوقف، ففيما يتصل بري الأراضي صنعوا أنواعًا مختلفة من الوسائل مثل: السواقي والطلمبات والروافع، كما نجحوا في تركيب مضخات تعمل بالنار. والشيء غير المؤكد هو مدى محاولة العرب التغلب على الهواء والتحليق فيه، والواقع أننا نجد في حوالي عام ٨٨٠ م في أسبانيا الطبيب بن فرناس يبني أول طائرة من قماش ورياش، وقد نجح فعلا في التحليق بها مدة طويلة كما حاول القيام بعمليات انسيابية فسقط ولم يتحقق حلم «إيكاروس». لكن هواية صناعة الآلات عند العرب ظلت محصورة تقريبًا في عمل آلات الرصد ومختلف الآلات الفلكية وما جاءهم عن اليونان لم يغنهم شيئًا لتحقيق أهدافهم التي كانوا يرومون تحقيقها، فقد أدخلوا على هذه الآلات الكثير من

стр. 109

الإصلاحات، كما اخترعوا جديدًا للرصد والقياس، وقد بلغوا بها حد الكمال وأخذتها عنهم أوربا وظلت تستخدمها حتى اخترع المنظار البعيد. وحدث أن ابن ناصر الدين الذي كان رئيسًا لمرصد المراغة زار يوما ما هذا المرصد فاستولت عليه الدهشة من كثرة ما عاينه ورآه من آلات الرصد، ومن بينها آلة عبارة عن كرة مشتملة على خمسة أطواق لقراءة مواقع النجوم، وهذه الأطواق الخمسة مصنوعة من النحاس، وأول هذه الأطواق هو دائرة نصف النهار وكان مثبتًا في الأرض والثاني خط الاستواء والثالث سمت الشمس والرابع خطوط العرض والخامس الاعتدالان، وقد شاهد ابن ناصر الدين علاوة على ذلك دائرة لقياس السمت وتعيينه. ومع مرور الزمن أخذت هذه الحلقات في الكبر وهي المستخدمة في هذه الكرة ذات الحلقات الخمس النحاسية، وقد صنعها العرب كما وصفها بطليموس إلا أن المقاييس العربية كانت أدق وأضبط، وقد بلغ قُطر الحلقة النحاسية ثلاثة أمتار ونصف المتر أو أكبر. وللإنسان أن يتساءل الآن: كيف استطاع العرب صناعة مثل هذه الحلقات العظيمة وهي تحتاج ولا شك إلى شيء كثير من الدقة والإتقان، فهل كان لدى العرب أجهزة تحول الدائرة إلى كرات، أعني آلات خراطة وصناعة مثل هذه الحلقات النحاسية الثقيلة والتي كان يبلغ قطر الواحدة منها نحو خمسة أمتار، وصنعها ابن قرقة حوالي عام ١١٠٠ في القاهرة، وتطلبت الاستعانة بوسائل أخرى تشبه ولا شك آلات الخراطة الحديثة المستخدمة اليوم في أوربا والتي توجد بها رقائق من الصلب قوية تدور وتقطع الحلقات. ولما انتهى ابن قرقة من إعداد حلقته الكبرى في القاهرة اعترض عليه السلطان قائلًا: لو صنعت حلقة أصغر من هذه لوفرت على نفسك جهدا كبيرا، فأجابه ابن قرقة: لو استطعت أن أصنع حلقة طرفها عند الهرم والآخر يصل إلى الجانب الآخر من النيل لصنعتها، إذ كلما زادت الآلات حجمًا كانت النتائج التي يصل إليها الباحث أدق إذ ما أصغر آلاتنا إذا ما قيست بعظم الكون.

стр. 110

ولم ينجح العرب في صناعة الآلة ذات الحلقات والبلوغ بها فنيا مرتبة الكمال فقط، بل أضافوا إليها ثلاث حلقات يستطيعون بواسطتها عمل مقاييس الأفق فاستخدموا «الحداد» وهو الذراع المتحركة للقراءة تجنبًا لعدم الدقة التي قد يقع فيها الباحث من جراء الاقتصار على استخدام الجهاز المعروف باسم ذات الحلقات. وزيادة في الرغبة في الحصول على قياس دقيق جدًا اخترع العرب آلات جديدة أخرى تقوم على نظريات جديدة وملاحظات جديدة وتجارب جديدة، وهذا الجهاز هو المعرف باسم السمت المربع وقد كان موجودا في مرصد «مراغه» وهو من أحسن وأدق الآلات وقد ركبه جابر بن أفلح، وهذا الجهاز هو الخطوة الأولى التي مهدت لظهور الجهاز الحديث المستخدم في قياس المساحات المعروف باسم «ثيودوليت». وفي عام ١٤٥٠ تمكن الألماني «يوحنا مللر» أحد أبناء «كونيجزبرج» بإقليم «فرنكين السفلى»، والذي كان يطلق على نفسه «رجيومونتانوس» من تقليد جهاز جابر، وصنع جهازًا يشبهه تمامًا وأقامه في مدينة «نورنبرج». وفي نفس الوقت الذي كان فيه ناصر الدين الطوسي في شرق الدولة الإسلامية يعمل في مرصد المراغة ويراقب النجوم، كان يعيش ملك مسيحي في مدينة «بورجوس» في شمال إسبانيا، وكان هذا الملك قد اقتنع تمامًا بمقدرة المسلمين العلمية وتفوقهم، ولم يتردد في الاستفادة من هذه العبقرية الإسلامية. فهذا الملك المسيحي الذي كان يقدر المسلمين وعبقريتهم العلمية، المسلمين الذين كانوا أعداءه، هو الملك ألفونس العاشر ملك قسطيليا وقد عرفه التاريخ تحت اسم الحكيم ولو أنه لم يشتهر بكياسة سياسته أو إلمامه بأطراف المعرفة أو الثقافة. وكل ما كان يمتاز به هو تقديره للثقافة الإسلامية وتبجيلها، وقد أولع بها حتى إنه أحبها حبًا أفلاطونيًا ولعل الناحية العلمية الإسلامية التي استولت على لبه بصفة خاصة هي نبوغ المسلمين في علم الفلك، هذا العلم الذي يكشف عن مقدرات البشر، والذي ينتقل بالإنسان من الأرض إلى السماء وفي الوقت الذي يكسب فيه الإنسان السماء يخسر الأرض، لذلك شغف هذا الملك جدًا بعلم الفلك الذي أتقنه العرب ونبغوا فيه بينما كانت أوربا حتى الوقت تجهل هذا العلم جهلًا تامًا، أما هو -كما يأمل مستشاروه اليهود- فيجب أن يكون الأول الذي يشيد مرصدًا في مملكته مثله في ذلك مثل
следующие страницы →