Полный текст (468 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
ولع بالكتب
في أعقاب الحرب العالمية الثانية انتشر انتشار الوباء الرغبة الملحة في الحصول على سيارة وثلاجة وتليفزيون، هذا بينما كان العالم العربي قديمًا شديد الولع باقتناء الكتب، فأقبل على شرائها كل من استطاع إلى هذا سبيلا كما انتشرت الرغبة في الشراء انتشار العدوى في جميع البلاد العربية، وكانت هذه الرغبة لا تفوقها رغبة أخرى اللهم إلا رغبة العالم الحديث.
وكما أن المستوى الاقتصادي والعقلي والاجتماعي للإنسان في عصرنا الحالي يتطلب امتلاك السيارة والتليفزيون، فإن المستوى العربي فيما بين القرنين التاسع والثالث عشر كان يقاس بالمكتبة الخاصة.
ولا شك في أن الخليفة عندما أشار عليه وزيره البرمكي، الدالاي لاما، الوحيد من آسيا، بتأسيس مكتبة في دار الحكمة ببغداد، استجاب لتوه إلى هذه المشورة وشعر بالحاجة الماسة إليها. فدور الكتب تنمو وتزدهر بسرعة. فقد حدثنا رحالة عام ٨٩١ م أن بغداد المطلة على دجلة مائة مكتبة عامة يستعين بها كل طالب علم سواء أكان مستعيرًا أم مطلعًا بداخلها، وبكل مكتبة المترجمون والنساخ في قاعاتهم الخاصة، كما توجد بكل مكتبة قاعة كبرى عامة للندوات والمناقشات وهي شبيهة بالأندية الإنجليزية اليوم.
ومدينة صغيرة مثل النجف كانت في القرن العاشر الميلادي فخورة لامتلاكها أربعين ألف مجلد في الوقت الذي كانت فيه الأديرة الأوربية تقيد هذا العدد القليل
стр. 282
من الكتب الذي قد لا يتجاوز العشرة في السلاسل نظرًا لندرتها وخوفًا عليها من الضياع. أما مكتبة مدينة الري فقد سجلت أسماء كتبها في فهرس يقع في عشرة مجلدات كبيرة وكان في كل مسجد مكتبة، وكل مستشفى يستقبل زواره في قاعته الكبرى الغنية بالكتب، ويحرص على شراء جميع ما يظهر من الكتب الطبية إشباعًا لحاجة الطلاب والباحثين. وفي مرصد «مراغة» يدون ناصر الدين الطوسي أربعمائة ألف مخطوطة، فنجد في جنوب بلاد العرب أميرًا عالما يملك مكتبة بها مائة ألف مجلد؛ ثم نجد ابن سينا ولما يبلغ الثامنة عشرة يزور سلطان بخارى المريض واسمه محمد المنصور استجابة لرغبة طبيبه الخاص بمساعدته طبيًا، فتقديرًا لمجهوده أذن له السلطان في أن يختار من مكتبة القصر ما يحتاج إليه من كتب للدراسة، وهذه المكتبة منظمة تنظيمًا موضوعيًا، كما تشغل غرفًا كثيرة من غرق القصر؛ وقد شاهد ابن سينا فيها كتبًا لا يعرف الكثيرون أسماءها، كتبًا لم يرها ابن سينا من قبل ولا من بعد.
وبعد أن ترك ابن سينا القصر السلطاني بزمن قصير شبت النيران في القصر فأتت على المكتبة، وكان هذا الحادث من الأسباب التي دفعت جماعة من حساده وأعدائه إلى اتهامه بأنه هو الذي أحرقها، وحتى يحتكر هو ما بها وينسبه إلى نفسه.
لكن أحدًا -حتى خليفة قرطبة الذي كان يوفد المبعوثين والعملاء لاقتناء أهم الكتب وأشهرها لمكتبته الخاصة استكمالا لها وتيسيرًا للعلم لطلابه- لا يقارن بالخليفة العزيز في القاهرة. فمكتبة الفاطميين كان بها زهاء مليون وستمائة ألف مجلد وفي حالة جيدة كاملة، ومن بينها ستة آلاف وخمسمائة كتاب في الرياضيات وثمانية عشر ألفًا في الفلسفة. وهذه المكتبة لم تثن ابنه عندما تولى الحكم عن تأسيس مكتبة أخرى إلى جوار الأولى وكانت تشغل ثماني عشرة قاعة.
وقد شجع هذا الاستعداد لدى الخلفاء والسلاطين الوزراء وغيرهم من رجال القصر على النسج على منوالهم، فنجد الوزير المهلبي يترك عندما توفي عام ٩٦٣ م نحو مائة وسبعة عشر ألف مجلد، وهذا العدد لم يكن نادرًا، كما نجد زميله ابن
стр. 283
عباد يقتني مكتبة من مئتين وستة آلاف مجلد كما خلف أحد القضاة مليونًا وخمسين ألف مجلد، ولو أن هذه الأرقام مبالغ فيها، وأن لفظ مجلد قد يطلق على فصل مستقل، إلا أن المبالغة في ذكر هذه الأعداد تشير إلى مدى المفاخرة باقتناء الكتب والأهمية التي كان يعلقها القوم على اقتنائها؛ وهذا الغرام باقتناء الكتب حقيقة لا مراء فيها بدليل هذا الخبر الذي يروي عن أحد الوزراء، أنه لم يقم يومًا من الأيام برحلة ما دون أن ترافقه مكتبته وكانت حمولة ثلاثين جملا. وقد قلد القيصر فريدريش الثاني العرب في هواية الكتب وتشجيع العلم والعلماء، ولا غرابة في هذا فالقصير فريدريش الثاني هو تلميذ العرب في كل شيء فحتى في تنقلاته كان يحمل معه مكتبته على ظهور الإبل. ولدينا الآن سؤال آخر؟
أين اليوم المكتبات الخاصة التي تشتمل كل واحدة منها على ما يتراوح بين عشرين وثلاثين ألف مجلد، كما جمعها من قبل أمثال طبيب صلاح الدين الخاص المسمى ابن المطران ثم الصيدلي الشهير ابن التلميذ وكذلك ابن القفطي المؤرخ؟ ولا يفوتنا أن نذكر أن الكتب لم تكن تطبع في ذلك الحين بل كانت تنسخ والنسخ قد يستغرق الأشهر أو السنوات، فهي لم تكن رخيصة بل غالية، فابن الهيثم مؤسس علم البصريات تناول خمسة وسبعين درهمًا أجرًا لنسخ جزء من أويقليد، وقد عاش ابن الهيثم عامًا كاملًا ينفق من نصف هذا المبلغ. وابن الجزار الطبيب الرحالة المرح، أحد أبناء القيروان، خلف مائتين وخمسين قنطارًا من الرق الذي كتبه بيده، وهذا الرق هو جلد غزال. ويحكى عن طبيب آخر خبر لا يقبل شكًا من أحد من معاصريه، أن سلطان بخارى دعاه إلى قصره فرفض الدعوة لأن انتقاله إلى بخارى يضطره إلى الحصول على أربعمائة جمل لنقل مكتبته التي تزن حوالي عشرة آلاف كيلو جرام. كذلك يحكى عن عالم آخر توفي عن ستمائة صندوق كتب في مختلف العلوم الفنون، ويقال إن حمل كل صندوق كان يتطلب عددًا كبيرًا من الرجال. نعم إن الإنسان قد يجد عددًا قليلًا من العلماء الذين يحتاجون إلى مراجع علمية خاصة، فهؤلاء كانوا يوجدون في مختلف العصور، ولو أنهم كانوا أحيانًا قلة. لكن الأمر عند العرب كان على عكس ذلك، فهواة الكتب كانوا كثرة وكانوا
стр. 284
يوجدون بين سائر الطبقات وليس فقط بين العلماء. فكل متعلم من السياسي إلى تاجر الفحم، ومن قاضي المدينة إلى المؤذن خبير بالكتب وتجارتها. فالمكتبة المتوسطة الخاصة في القرن العاشر كانت تحتوي على كتب تفوق بكثير محتويات جميع مكتبات أوربا وقتذاك.
فالثراء لا يتم لشخص دون ملكيته لمكتبة غنية بالكتب النادرة القيمة، فقد ذكر مؤرخ عربي أنه لما كان في قرطبة وقعت له حادثة في سوق تجارة الكتب أغضبته، وذلك لأنه اعتاد أن يكثر من التردد على السوق لمشاهدة الكتب الحديثة وشراء ما قد يحتاج إليه فوجد مرة كتابًا أعجبه فعرض ثمنًا وعرض آخر ثمنًا أعلى، فقلت لمنافسي: أرجو الله أن يحافظ على سيدنا الطالب المجتهد، إذا كان لديك سبب قوي يحتم عليك شراء هذا الكتاب أتركه لك، وذلك لأن الثمن المعروض تخطى الحدود. فأجابه الرجل: لست طالبًا ولا أعرف محتويات الكتاب إلا أنني قد أسست حديثًا مكتبة رفعًا لمرتبتي بين مواطني، ووجد أن مكانًا خاليًا في المكتبة، وهذا الكتاب يملؤه. وعلاوة على هذا فخط هذا الكتاب جميل جدًا وهو يسرني كثيرًا كما أنه مجلد تجليدًا فاخرًا، لذلك لا يهمني الثمن الذي أدفعه فيه. فأجبته: إن الناس الذين هم مثلك لديهم الوسيلة لتحقيق رغباتهم «الجوز للذي لا أسنان له»!
نعم إن الذين لا أسنان لهم كثيرون، لذلك ستستمر هذه الحالة لا عشرات السنوات بل المئات، وهذا عنصر هام من عناصر الحياة الاقتصادية العربية، فقد كانت تجارة الكتب تكلف المجتمع العربي ملايين الملايين سنويًا، فالمكتبة النظامية لجامعة بغداد مثلا كانت ميزانيتها السنوية مليونين ونصف مليون فرنك ذهبي لشراء الكتب والمخطوطات، لذلك كانت الكتب مصدرًا من أهم مصادر الرزق لمئات الآلاف من البشر.
فالنساخ والخطاطون كانوا فنانين في مهنتهم فكل مكتبة وكل تاجر كتب يوظف لديه عددًا من هؤلاء الموظفين ومعظمهم من الطلبة الذين يريدون أن يكسبوا قوتهم اليومي أو من فقراء المتعلمين، ثم نحد صناع الورق في سمرقند وبغداد ودمشق
стр. 285
وطرابلس الشام وطبرية بفلسطين و «ياتيفا» الشهيرة بالقرب من بلنسية في الأندلس، ثم نجد مجلدي الكتب يطبقون الورق على الطريقة الصينية مثنى ورباع وثمان وسداس عشر في الحجم المعروف باسم المنصوري أو كما يعرف الآن باسم «فوليو» والبغدادي وهو المعروف الآن باسم «كوارت».
وكما نجد اليوم الكتب كذلك الحال مع عمال الجلد فهم الذين كانوا يزخرفون جلد الكتاب. وكم رزمة ورق وكم لتر مداد من الكحل والصمغ العربي تستهلك سنويًا؟ وكم من ورق غزال أو ماعز يستخدم والرق الجميل والسختيان وغيرها؟
فتجارة الكتب والصيدلة مهنتان من اختراع العرب. فتاجر الكتب رسول من رسل الثقافة، كما أن مكان بيعها مركز ثقافي هام في المدينة. فهذه التجارة وجدت أولا لزمن طويل فقط عند العرب.
ففي سوق الوراقين هكذا كان يسمى الحي الواقع عند باب البصرة حيث كان يوجد أكثر من مائة وراق في محالهم -كان يلتقي علماء بغداد، وعلماء العالم الإسلامي. هنا يلتقي الفيلسوف مع الشاعر والفلكي حول الكتب الجديدة، وهنا التقى الطبيب مع المؤرخ وجامع الكتب النادرة، وهنا كانت تعقد حلقات المحاورات العلمية والندوات الأدبية، فهنا مركز الثقافة العربية، هنا يتبادل العلماء الآراء.
لذلك لا عجب إذا ظهر عام ١٠٠٠ م «كتاب تبادل الآراء»، وهو يشتمل على مائة حديث وستة جرت بين العلماء في بيت فيلسوف حينًا وفي سوق الوراقين أحيانًا.
وفي ذلك العصر ظهر فهرس ابن النديم، وهو من أشهر تجار الكتب كما كان من كبار العلماء، وفي هذا الفهرس ذكر سائر الكتب العربية الأصيلة أو المنقولة إليها من اللغات الأجنبية. وقد عرف كل مؤلف أو كل كتاب بمقدمة شخصية يعرف فيها القارئ بصاحب الكتاب. وقد قدم ابن النديم لهذا الكتاب بمقدمة تحدث فيها عن حيل الوراقين وآلاعيبهم.
وابن النديم كزملائه الوراقين على جانب عظيم من العلم والمعرفة، فقد حضر
стр. 286
محاضرات مشاهير فلاسفة عصره كما تزاور معهم، وكان على صلة قوية بهم وبمختلف الهيئات العلمية التي لعب دورًا هامًا في الحياة العقلية العربية في القرن العاشر الميلادي، لقد كان ابن النديم صديقًا حميمًا لعلي بن عيسى أكبر طبيب عيون في العصور الوسطى، كما كان صديقًا لكثيرين من العلماء الآخرين البارزين، وكان يمضي الليل معهم في محاورات ومساجلات وندوات علمية؛ وهذا العالم الفاضل الواسع الاطلاع لم يكن نادرًا في ذلك العصر وفي تلك البيئة بين زملائه المنتشرين في مختلف مراكز الثقافة العربية والذين كانوا يأتونه بإنتاج العصور المختلفة في مختلف فنون العلوم والمعارف. ومن بين هذه الكتب التي كانوا يحضرونها إليه القديمة النادرة وهي مصادر هامة لعلم فهرسة الكتب ومعرفتها ولا يبحث عنها الناشر بل الوراق الذي كان يتنقل بين مختلف المدن باحثًا عن كنوز علمية جديدة تملأ خزائنه. ومما يذكر نقلا عن ابن أبي أصيبعة في ترجمته لحياة الطبيب «أفرايم بن الزفان» ما نصه:
«هو أبو كثير أفرايم بن الحسن بن إسحق. . . وهو من الأطباء المشهورين بديار مصر، وخدم الخلفاء الذين كان في زمانهم، وحصَّل من جهتهم من الأموال والنعم شيئًا كثيرًا جدًا. وكان قد قرأ صناعة الطب على أبي الحسن علي بن رضوان وهو من أجلِّ تلامذته، وكانت له همة عالية في تحصيل الكتب، وفي استنساخها حتى كانت عنده خزائن كثيرة من الكتب الطبية وغيرها، وكان أبدًا عنده النساخ يكتبون ولهم ما يقوم بكفايتهم منه. ومن جملتهم محمد بن سعيد بن هشام الحجري وهو المعروف بابن ما ساقة، ووجدت بخط هذا عدة كتب قد كتبها الأفرايم وعليها خط أفرايم. وحدثني أبي أن رجلا من العراق كان قد أتى إلى الديار المصرية ليشتري كتبًا ويتوجه بها وأنه اجتمع مع أفرايم واتفق الحال فيما بينهما أن باعه أفرايم من الكتب التي عنده عشرة آلاف مجلد وكان ذلك في أيام ولاية الأفضل بن الأمير الجيوش. فلما سمع بذلك أراد أن تبقى تلك الكتب في الديار المصرية ولا تنتقل إلى موضع آخر فبعث إلى أفرايم من عنده بجملة المال الذي قد اتفق تثمينه بين أفرايم والعراقي ونقلت الكتب إلى خزانة الأفضل وكتب
стр. 287
عليها ألقابه، ولهذا فإني قد وجدت كتبًا كثيرة من الكتب الطبية وغيرها وعليها اسم أفرايم وألقاب الفاضل أيضًا. وخلف أفرايم من الكتب ما يزيد على عشرين ألف مجلد ومن الأموال والنعم شيئًا كثيرًا».
واهتمام سياسي خطير مثل الأفضل بالعلوم والفنون والفلك والخصومة الشعرية التي نشبت بينه وبين أخيه -شيء طبيعي، فالولع بالعلوم والآداب من خصائص العرب في ذلك العصر كاهتمام جيل اليوم بكرة القدم، فالعناية بالعلوم كانت من مقومات الحضارة والمدنية والمفاخرة في ذلك العصر.
فنحن نجد رجلا مثل أسامة بن منقذ الذي ذكر ما ذكر من أخبار تقشعر لها الأبدان خاصة بالطب والجراحة عند الإفرنج، وحدث أن غرقت يومًا ما سفينة له وسلب الصليبيون كل ما فيها وأذاقوا عشيرته من العذاب ألوانًا وفي ذلك يقول أسامة:
إلى الله أشكو فرقة دميت لها .... جفوني وأذكت بالهموم ضميري
تمادت إلى أن لاذت النفس بالمنى ... وطارت بها الأشواق كل مطير
فلما قضى الله اللقاء تعرضت ... مساءة دهري في طريق سروري
إن هذه المعاني لم تصدر عن عالم شاعر بل عبارات محارب وسياسي كان كغيره من أبناء جلدته قد تلقن القراءة والكتابة منذ الطفولة.
стр. 288
شعب يدرس
ولا يفوتنا أن نذكر أن وسط أوربا كان فيما بين القرنين التاسع والثاني عشر الميلادين مسرحًا للأمية التي بلغت نسبتها خمسة وتسعين المائة.
وبينما حاول كارل الأكبر (شارلمان) وهو في سن متقدمة تعلم الهجاءة، وحتى هذه التوطئة قد أعيته. وبعده بعدة قرون نجد الأشراف الأوربيين يتحايلون على التهرب من تعلم القراءة والكتابة هذا الفن العسير، وفي الأديرة كان قليلا جدًا عدد الرهبان الذين يستطيعون القراءة والكتابة، بل في دير القديس جالين لم يوجد في عصر من العصور راهب واحد يقرأ ويكتب، وقد كان ذلك عام ١٢٩١ م -إذ بنا في نفس العصر نجد في قرى ومدن البلاد العربية آلاف الآلاف من المدارس التي تضيق بالصبية من الجنسين وهم في سن السادسة والحادية عشرة وكانوا يتعلمون القراءة والكتابة، قراءة القرآن الكريم وكتابته، إذ كانوا يستخدمون لهذه الغاية ألواحًا خشبية ومدادًا أسود بنيًا، ومن ثم يتلون القرآن سورة سورة بعد أن يحفظوها، ومن ثم يتقدمون في الدراسة تدريجيًا ويتلقنون النحو والصرف. وكان السر في تأسيس هذه المدارس الرغبة الصادقة في إبداء حسن إسلام أولئك الذين يعتنقونه. فقد نشأت هذه المدارس حرة وهبة وليست قسوة وجبرًا، وإن إتقان القرآن قراءة وكتابة كان من مقومات الثقة في الدين وفهم كتاب الله . وهنا نجد البون شاسعًا بين الشرق والغرب وموقف الشرقيين والغربيين من الكتب المقدسة. فكتاب المسيحيين المقدس كان حكرًا على رجال الدين فقط. أما المسيحي العادي فكان يجهله جهلا تامًا، فرجل الدين فقط هو الذي يقرأ ويفهم لغة الوحي. ومنذ عام
стр. 289
٨٠٠ م يعظ الواعظ المسيحي في لغة لاتينية لا يفهمها الشعب، لذلك قرر المجمع المقدس الذي انعقد في «تور» أن تكون لغة الواعظ هي لغته القروية الدارجة الساذجة، ومن هنا نتبين أنه حتى بين رجال الدين لم تتطلب الكنيسة الثقافة الدينية العميقة، وكانت تكتفي من رجال الدين بهذه الثقافة اللاتينية الضحلة والتي بعثتها النهضة العلمية الكارولينية. أما الشعب المسيحي وقتذاك فلم يكن في حاجة إلى دراسة اللاتينية، وذلك لأن تثقيف الشعب لم يكن من الأمور المرغوب فيها في ذلك العصر
أما في العالم الإسلامي فقد كان الحال غير الحال فكان من مصلحة الدولة العربية نشر الثقافة والمعرفة بين رعاياها، فالأطفال من جميع الطبقات كانوا يقصدون المدارس الأولية نظير نفقات ضئيلة جدًا، وعندما شرعت الدولة في تعيين المدرسين منحت المجانية الكاملة لغير القادرين، هذا وفي جهات أخرى كان التعليم مجانًا لسائر الطبقات حتى في إسبانيا. ففي قرطبة كانت توجد ثمانون مدرسة عامة، وفي عام ٩٦٥ م أسس الحكم الثاني سبعة وعشرين مدرسة أخرى لأولاد الفقراء، وفي القاهرة أسس المنصور قلاوون مدرسة بالمستشفى المنصوري خاصة بالأيتام كما قرر لكل طفل يوميًا رطل خبز وجلبابًا للشتاء وثانيًا للصيف. وكان كذلك للبدو مدرسون متنقلون. إن ثغرة واحدة لم توجد في العالم الإسلامي وكان يجب سدها. فضلا عن أن التعليم عند العرب لم يبق في حدوده الأولية الضيقة وذلك لأسباب سياسية فالخصومة بين المعارضة وأحزاب الحكومة ومنافسة كلّ في كسب جموع الشعب إلى صفوفه أدت إلى العمل على رفع مستوى الشعب علميًا بغض النظر عن اختلاف الطبقات، وقد دفعت هذه الفكرة إلى التنفيذ في القرن العاشر الميلادي الأحزاب اليسارية لكي تتمكن من القيام بحركة دعاية واسعة ضد المحافظين الذي اهتمت برامجهم السياسية بالمطالبة بتعميم تعليم مختلف الطبقات، وأسسوا المدارس العالية وجعلوا التعليم فيها مجانيًا. فلم يسع الحكومة إلا أن سارعت وافتتحت مدارس أخرى لتقاوم دعاية خصومها، وهكذا انتشرت المدارس العالية في مختلف المدن الإسلامية وكان الطلاب يقطنون في المدارس ويتنازلون شهريًا مرتبات لسد حاجاتهم ونفقاتهم الخاصة. وكانت الطوابق
стр. 290
الأرضية في المدارس معدة للمطابخ وإعداد الطعام وتناوله، كما أنشئت بهذه الطوابق أيضًا الحمامات. أما حجر الدرس فكانت في الطابق الأول، وكانت تحيط بالغرف الدهاليز والمكتبة وكلها تقع حول النافورة الموجودة في الردهة الداخلية.
وهنا كان يتعلم الشبان العرب الطموحون: القرآن الكريم، والحديث الشريف والنحو والصرف، وفقه اللغة والفصاحة والبلاغة والآداب، والتاريخ، وعلم الشعوب، والجغرافية والمنطق، والرياضيات، وعلم الفلك. فكان المنهج الدراسي منهجًا غنيًا، كما كانت طريقة التدريس تعتمد على المناقشات التي كانت تثار بين الطلاب وأساتذتهم. وإلى جانب ذلك كان هناك مساعدون من الخريجين أو المتقدمين لمعاونة الطلاب على فهم المشاكل وتحصيل المواد، فكان طنين المذاكرة والتحصيل كطنين النحل إذ كان الطلاب يجنون شهد المعرفة من ألف زهرة من أزهار الحكمة.
ومن هؤلاء الطلاب كانت تتكون طبقة القادة سواء في الدين أو السياسة. ويذكر أن أحد الأساتذة عاد يومًا من جولة من جولاته الاستطلاعية فذكر أنه لم يتوجه إلى مدينة أو مكان ما إلا وجد تلميذًا من تلاميذه قد تقلد منصبًا هامًا.
وكان بعض الفلاحين يسلمون أولادهم إلى مدرسين خصوصيين لتعليمهم مقابل مكافأة تدفع نقدًا أو حبوبًا، ويتولى المدرس تدريس الطلاب في بيته الخاص على أن يثقفهم الثقافة التي تؤهلهم لتقلد وظائف خاصة في الدولة، كأن يصير الطالب قاضيًا أو موظفًا من موظفي القصر. ولا تقتصر مهمة المدرس الخاص على تلقين الطالب العلوم نظريًا، بل كان يتولى أيضًا تدريبه عمليًا كأن يرافقه في الأسواق ويشاركه في شراء الأشياء أو زيارة الحمامات أو دخول المسجد. كذلك قد نقرأ أحيانًا كيف أن أستاذًا يشكر تلميذه الذي عنى به أثناء مرضه، فباع الطالب حماره الوحيد ليشتري بثمنه دواء لأستاذه، أو كيف أنه كان يحمل أستاذه المريض على كتفه إلى الحمام الساخن. وجرت عادة بعض الآباء أنهم كانوا يحضرون مربين خصوصيين لتربية أبنائهم في منازلهم. وإن طفلًا نابغًا مثل ابن سينا الذي حفظ القرآن وهو ابن عشر سنوات، كما حفظ كثيرًا من الكتب اللغوية عن ظهر قلب قد
стр. 291
تخطى حدود المدرسة وضاقت هي به. فقد بدأ حياته الدراسية بالشريعة وكان ذلك على يد مدرس خاص، كما تعلم الحساب على يد تاجر فحم، ثم نجد والده يستدعي أبا عبد الله النثيبي إلى منزله وكان يدعي معرفة الفلسفة وأخذ يدرس الطفل النابه إيساجوجي فورفوريوس. لكن سرعان ما فاق الطالب المدرس وأجاب عن الأسئلة أحسن منه ثم شرع يدرس المنطق فأدرك ابن سينا أن أستاذه لا يفقه شيئًا من هذا، فشرع ابن سينا يدرس المنطق بمفرده مستعينًا بتفسير خاص كما استعان بالمدرس لفهم أويقليد، فقرأ عليه خمس أو ست صفحات وواصل هو بمفرده دراسة الباقي. ثم أقبل على الماجسطي، وما كاد ينتهي من المقدمة حتى أقبل على الهندسة، وقال النثيبي: في استطاعتك أن تقرأ هذا الكتاب مستقلا ومن ثم تشرحه لي لأصحح لك أخطاءك. ولم يدم هذا الحال طويلا إذ غادر النثيبي بخارى فأقبل ابن سينا باشتياق على دراسة الطبيعة وما بعد الطبيعة، كما شرع في دراسة الطب على عيسى بن يحيى المصحي فقرأ أصعب الكتب ثم قال فيما بعد إن الطب ليس صعبًا، وقد ألم به في زمن قصير، إذ كان عمره وقتذاك ست عشرة سنة. وصرف نحو عام ونصف عام في التوسع في دراسات علمية أخرى وبخاصة المنطق والفروع الأخرى للفلسفة ومراجعتها. وفي ذلك الوقت شفى ابن سينا السلطان الذي اختاره عملا بنصيحة أطبائه المسنين. وقد استكمل دراساته في مكتبة القصر وفي المستشفيات؛ ولما بلغ الثامنة عشرة كان قد أتم دراسته. وكأنى بالفوز العظيم والتوفيق الكبير في تحصيل العلوم من خصائص هذا العبقري.
أما الطريق العادي لكل طالب فهو التوجه إلى المسجد، إذ إن المساجد ليست دور عبادة فقط بل دور علم وتعليم أيضًا، والعلم كما يقول الرسول فوق العبادة العمياء. ألم يقل النبي هذا الحديث: «مِدَادُ أقلامِ العُلَمَاء خَيْرٌ مِن دِماء الشهداء»!
ولا شك في أن روما تدخل صاحب مثل هذا القول في زمرة الزنادقة.
ففي المساجد يجلس إلى جوار الأعمدة الدقيقة الجميلة الأساتذة وحلقة الدرس من الطلاب. وهم يلقون محاضراتهم والأبواب مفتوحة والحضور مباح للجميع. لكل رجل وكل امرأة، ولكل فرد الحق في توجيه الأسئلة إلى الأستاذ وهذا ممّا
стр. 292
يضطره إلى الدقة في التحضير والاستعداد للمحاضرةـ ولكل فرد الحق في أن يحاضر إذا ما شعر بأنه متمكن في مادته لكن أسئلة الطلاب تحول دون وصول الأدعياء إلى مكان الأستاذية.
ففي صحون المساجد كان للطالب الحق في أن يستمع إلى من يشاء من الأساتذة ولا سيما المشهورين منهم والذين يفدون من مختلف أرجاء العالم العربي، فالعلماء الذين هم في طريقهم إلى الحج ينتهزون فرصة مرورهم بمركز شهير من مراكز البحث والدرس فيلقون دروسهم، فنجد هؤلاء ومنهم المؤرخ والجغرافي والنباتي والمحدث والأديب وهم من بين أبناء البلاد العربية الممتدة من المحيط الأطلسي إلى بحر الخزر، فكان هؤلاء العلماء يقصدون أساتذة دمشق أو بغداد وقد يكونون هم أيضًا أستاذة الأزهر في القاهرة أو القيروان أو فاس أو الزيتونة في تونس، فهؤلاء الحجاج كانوا ينقلون في الوقت نفسه نقل الصحافة فهم ينقلون ما يجري في طليطلة أو الري وهكذا من البصرة حتى فاس وقرطبة.
وما أسهل السرقات الأدبية والعلمية في مثل هذه الرحلات وتلك الأسفار إذ تنتقل الآراء العلمية الجديدة والنظرية الخطيرة من فم إلى فم، ويذكر يحيى بن عيسى في شيء من البساطة أنه سمع عن أبي بكر البغدادي كيف أن الشيخ سعيد بن ياقوت أعلن هذا الرأي في مجلس عام.
إن العربي لن يلوك لسانه أفكار الآخرين، فكل من يريد استخدام كتاب لمؤلف آخر في الدرس، عليه أن يحصل قبل كل شيء على موافقة كتابية من المؤلف، فليس من المسموح به أن أحدًا يستشهد في محاضراته ولو شفويًا بأقوال أستاذه دون أن يكون قد حصل على تصريح مكتوب، كما لا يجوز لأحد أن يستشهد أو ينشد أشعار شاعر دون رضاء الشاعر عن هذا، كما هو الحال في الجاهلية حيث كان للراوي الحق فقط في رواية ونشر شعر شاعره. هكذا كان احترام حقوق المؤلفين أو الشعراء أو آراء الآخرين. فلكل مؤلف حق حماية مؤلفاته طيلة حياته، وبعد وفاته ينتقل هذا الحق إلى ورثته. كما أن له الحق في أن يوصي بأن يرثه أبناؤه أو أحد تلاميذه.
стр. 293
فيروى عن أستاذ أنه كان سخيًا في منح الإجازات الدراسية لتلاميذه حتى قال فيه تلاميذه: إنه يغطي الأرض بالشهادات خاصًا بما يسمع وإجازات للتدريس كذلك.
والتصريح بنشر ما يقرأ أو يسمع يعتبر دليلًا على كفاية الطالب، والذي يحصل على الإجازة يحصل في نفس الوقت على حق التدريس علانية أي إجازة التدريس «ليسنتيا دوكندي»، وهكذا نجد حق التأليف أو الاختراع العربي الذي كان يلازم إنشاء المدارس العليا العربية ينتقل إلى الجامعات الأوربية، وهذا هو أصل الدرجة العلمية الجامعية المعروفة باسم «ليسنتياتين» والتي ما زلنا نجدها حتى اليوم في الدرجة اللاهوتية ليسانس اللاهوت، وربما أيضًا «البكالوريا»، وهي تقابل في العربية «الحق في تفويض آخر بالتدريس»، أعني «بحق الرواية».
ومما لا شك فيه أن الجامعات العربية التي أينعت وازدهرت منذ القرن التاسع الميلادي، ومنذ عصر «جربرت» تغري وتجذب بعض المتعطشين الأوربيين إلى العلوم والمعارف، فكانوا يتسللون سرًا عبر جبال البرنات، ولا غرابة في هذا فالجامعات العربية كانت قد بلغت مرتبة رفيعة جدًا، وما كانت هناك في مختلف أنحاء العالم جامعة تنافسها، لذلك نظر إليها الأوربيون على أنها الصورة المثالية للجامعات عامة وبخاصة الأوربية، فلا غرابة إذا رأينا الأوربيين يقلدونها فيقتبسون عن الجامعات العربية الإجازات العلمية ونظام الكليات وطرق التدريس. جميع هذه الهبات وهبها العرب للأوربيين.
لم يقدم العرب لأوربا البناء فقط بل محتوياته أيضًا أعني العلوم والمعارف. فقد أهدوا لأوربا مواد هذه الدراسة اليونانية، فالعرب قد اعترفوا بأهميتها وضرورة تدريسها لذلك أعطى العرب أوربا العلوم اليونانية والفلسفة اليونانية.
فهذا المدح القيم الذي يتجاهل ويتعامى عن الإنتاج العربي العلمي، هذا الإنتاج العربي الذي هو الدعامة التي تقوم عليها المعرفة الأوربية، والذي يتفوه به الأوربيون جريمة وإثم لا تجاه العرب فقط بل تجاه الحقيقة ذاتها.
стр. 294
وسيطًا كان أيضًا اليونانيون والهنود فالعالم اليوناني، «تاليس» وكذلك «فيثاغورس» يدينان بالفضل في معرفتهما الرياضية وما حصَّلاه لمصر، وفي الفلك لبابل. فهذان العالمان اليونانيان أخذا عن مصر وبابل هذه الأصول وتلك القواعد، فاليونان ورثة، فقد ورثوا الشرق القديم، واليونان هم الوسطاء الذين نقلوا عن الشرق القديم علومه، ومن ثم قدموها إلى الشعوب الأخرى، كما هو الحال مع العرب فهم وسطاء اليونان والشرق القديم ومن شعوبه انحدروا، وأوربا هي وريثة العرب والعالم القديم.
وكل عصر يكيف العلم القائم ويشكله كما يريده أبناء العصر، فإن كان هؤلاء من الرجال الأفذاذ تناولوا هذا العلم وأبدعوا فيه فنحن نجد «تاليس» يدرك في القواعد الهندسية المصرية الأصول العلمية العامة، وهكذا نجد العقلية اليونانية تتجلى في المادة التي كانت خاصة وتجعلها شيئًا عامًا وتخرج من حقل التجارب الواقعية إلى العملية المجردة، وهذه خاصية امتازت بها العقلية اليونانية. والواقع أن كل ثقافة سواء المصرية القديمة أو البابلية تكوِّن وحدة مستقلة مثلها مثل الثقافة العربية، أو الأوربية حيث نميز في شيء من الوضوح بين حالتي الثقافتين. ومن الخطأ أن يستخدم شخص ما، إذا ما أراد دراسة ثقافة بعينها، نفس المقاييس لكل الثقافات التي يعرض لها.
كان العنصر الهام في العقلية اليونانية يهتم بإثبات جوهر الشيء، حتى إذا ما تعب من السير في طريق التجارب واحتقر العمل اليدوي في الحقل مثلا واعتبر أن مثل هذا العمل هو من شأن العبيد لا الأحرار، فإن هذا اليوناني يطير إلى جبل أوليمب باحثًا عن القوانين العامة والأفكار التي مكنته من بلوغ منتهاه وإدراك الخلود، لكن تنقصه القدرة على المقابلة عن طريق الملاحظة فالتجربة واقعية. بدهي أن يونانيين لاحظوا وجربوا وقابلوا بين ما قاموا به هنا وهناك من تجارب، بدهي أن أرسطو أجهد نفسه في سبيل دراسة الفرد، لكن هيكل العلوم اليونانية لم يتغير بسبب مسلك أرسطو فالطب اليوناني والطبيعة اليونانية والكيمياء والحيوان والنبات ظلت بل بقيت فلسفة، وبذلك فهي يونانية. لكن العقلية الهلّينية اشتقت طريقًا آخر بخلاف الأوربيين، كما سلكت كذلك طريقًا يخالف طريق العرب.
стр. 295
من الخطأ أيضًا، كما حدث اليوم، أن نقابل بين العرب واليونان، وأن نتهم العرب بنقص في فهم العالم وتفسيره تفسيرًا فلسفيًا، كذلك ليس من العدل أن نصف العلوم العربية بأنها تقليد أعمى للعلوم الهلّينية، وأن العربية عبارة عن أخذ ورد للعلوم اليونانية أو الهندية، كما أن إنتاج أمثال «تاليس» و «فيثاغورس» هو نقل عن المصريين والبابليين. إن العرب عندما أخذوا ما أخذوا عن اليونانيين أخضعوه لأبحاثهم التجريبية وتوسعوا فيما أخذوا عن اليونانيين، نعم إن العرب هم مخترعوا العلوم التطبيقية والوسائل التجريبية بكل ما تدل عليه هذه العبارة.
والعرب هم المخترعون الحقيقيون للأبحاث التجريبية.
ومما هو جدير بالذكر أن العلماء الهلّينيين وجلهم ليسوا من أصل يوناني بل من أصل شرقي امتازوا بالاستعداد للملاحظة ومختلف الوسائل التجريبية، ولو اضطر هذا العالم الهلّيني إلى إخضاع العملي للنظري أحيانًا. فكل بحث عند العرب يجب أن يبدأ ويعتمد على حقائق مستقلة، والعرب هم أول من نادى بهذا، ومن ثم تطور البحث، فبعد أن كان يعني بالحقائق الجزئية أصبح يهتم بالكليات التي تقوم على الحقائق الثابتة. وعن طريق المثابرة في البحث والمقاييس استطاع العرب حصر الحقائق والإحاطة بها، وبعد تجارب مضنية كثيرة أجريت على النظريات قرر العربي قبولها والاعتراف بصحتها أو رفضها، هذا إلى جانب حرية البحث والتفكير. وقد سبق العرب الأوربيين في هذا النوع من الأبحاث الحرة بنحو ثمانية قرون وشعارهم «الشك أول شروط المعرفة».
واعتمادًا على هذا الرأي ظهر العلماء الطبائعيون العرب، وكانوا أول من فتح الطريق في العالم فسار في طريقهم الأوربيون وظهر أمثال: «روجير بيكون» و «ألبرتوس مجنوس» و «فيتيليو» و «ليوناردوا دا فنشي» و «جليلي».
وهناك حقيقة يجب أن نقررها مرة ومرات، وهي أن العرب لم ينقذوا الثروة العقلية اليونانية فقط، ولولا هم لضاعت وقبرت، بل العرب هم الذين نظموها فبوبوها ورتبوها، ومن ثم قدموها لأوربا في ثوب علمي قشيب. العرب هم مؤسسو الكيمياء التجريبية وكذلك الطبيعة العملية والجبر والحساب بمعناه الحديث،
стр. 296
وحساب المثلثات الكروي، وعلم طبقات الأرض، والاجتماع وغير ذلك من الاختراعات الكثيرة الأخرى في مختلف العلوم والمعرفة، وغالبًا ما سطا عليهم اللصوص ونسبوها إلى أنفسهم. فالعرب هم الذين قدموا للعالم أغنى وأثمن هدية، فهم أصحاب البحوث المنتظمة في الطبيعيات، هذه البحوث التي كانت العامل القوي في بعث العلوم الطبيعية في أوربا.
ولعل أول وأعظم أوربي تأثر بالعقل العربي والعلوم العربية ولم يخش التعاون مع العرب هو القيصر العظيم، القيصر الأشتوفي الصقلي «فريدريش الثاني».
стр. 297
الكتاب السادس
موحد الشرق والغرب
стр. 298
دولة النورمان .. دولة بين عالمين
أضاف القيصر الأشتوفي «هينريش» السادس بعض القطع الثمينة عند عودته من إيطاليا إلى المجموعة النادرة التي هي ملك للدولة المقدسة. وهذه القطع القيمة عبارة عن المعاطف التي توج فيها كثيرون من قياصرة أوربا وملوكها، ومن بينهم ابنه الأكبر «فريدريش» الثاني حيث توجوا جميعهم في روما. وأثمن وأجمل هذه التحف النادرة الموجودة في الدولة الرومانية المقدسة كان ولا شك معطف القيصر.
فعلى القماش الأحمر الأزرق توجد نخلة تحمل ثمارًا تبرق كالذهب، وعلى كل طرف من طرفي ناحيتي المعطف رسم أسد قوي يبطش بجمل. أما ميدان القتال فهو من لونين: الأحمر والذهبي يحيط به زنار أسمر قائم وصفان من اللؤلؤ يبرزان الزخرفة، والحافة عبارة عن شريط عليه كتابة جاء فيها اسم الشخص الذي زخرفها بالذهب ووطنه وزمن إنجاز العمل «صنع في المصنع الملكي، وفيه السعادة والحظ والشرف والتمام. .» هكذا نص شعار المصنع «في مدينة صقلية عام ٥٣٨ هـ».
فهل يرجع هذا المعطف إلى أيام «تيوديريش»؟ كلا. فالكتابة التي على حافة معطف القيصر الألماني مكتوبة بحروف عربية، وقد اعتاد الطراز العربي استخدام الشهور القمرية والسنة الهجرية، كما كانت النقود التي تضرب في صقلية تحمل التقويم العربي الهجري. فلمن صنع هذا المعطف الأزرق الثمين جدًا وعليه الأسد والجمل حيوانا الصحراء؟ .
стр. 299
إن العام الهجري ٥٢٨ يقابل الميلادي ١١٣٣، في عاصمة صقلية: بالرمو، هذه المدينة العظيمة التي أصبحت وكأنها مدينة القصص والخيال، عاصمة لملك اشتهر بإعجابه بعظمة الشرق وأبهته، وهذا هو «روجير» الثاني، وهو ابن فاتح الجزيرة وقاهرها الأمير النورماني «روجير» الأول الذي انتزع هذه الجزيرة من العرب بعد أن حكموها زهاء ثلاثة قرون، ثم نجد أرملته الأميرة «أديلاسيا» هذه السيدة الذكية التي جعلت من بالرمو العاصمة العربية عاصمة للدولة النورمانية، وبذلك وضعت مركز ثقل الدولة الفتية بعيدًا عن المركز الشمالي الواقع حول مسينا، وهو يوناني بيزنطي، بينما بالرمو تقع في المركز العربي والبيئة العربية، وبذلك مكنتها «أديلاسيا» من التوسع والازدهار. وبعد أن تمكن ابنها من ضم جنوب إيطاليا إلى مملكته استطاع مطالبة سيد روما بالتاج.
ولهذا الملك روجير الثاني ملك الصقليتين صنع أحد أفراد رعيته وهو عبد الله الطراز العربي الرمز العظيم للقوة الملكية: الأسدان اللذان يبركان على الجمل في التراب «رنك» البيت المالك النورماني. وإذا سأله سائل: ما الدليل على هذا الطغيان؟ حار جوابًا. . .
فقيل قرنين كان أجداده من جهة القيروان في تونس العاصمة القديمة منذ أيام سيدي عقبة فاتح شمال إفريقيا قد أقلعوا إلى صقلية فأدخلوا فيها النواعير التي جعلت من أرضها الجرداء حدائق غناء، فقد جاءوا ومعهم من وطنهم الأول النخيل والسني، كما غرسوا البرتقال والفستق وشجيرات المر إلى البنان (الموز) والزعفران. لقد أغنى العرب تلك الأراضي الفقيرة بحقول القطن وقصب السكر كما توجوا البلاد بتاج من القلاع الحصينة والقصور الشامخة والمساجد التي تعتبر آية في الفن والجمال. فابن حوقل الجغرافي يحصي بها حوالي عام ٩٧٠ م نحو ثلثمائة مسجد في بالرمو فقط، هذا إلى جانب القصور التي كانت موضوع شعر الشعراء والمغنين. كما كان بها الفلاسفة والأطباء والطبائعيون والرياضيون يتعاونون جميعهم في نشر العلم والثقافة ورفع مستوى الشعب. هنا ألف المؤلفون كتبهم
стр. 300
ودونوها على ورق أبيض ناعم، وهذا هو أول ورق جاء إلى أوربا قبل أن تعرفه من قبل عن طريق إسبانيا بزمن بعيد. هنا قال الشعراء شعرهم في عروض لم يعرفه اليونان أو الرومان أو الجرمان. وهذا العروض الشعري غزا شعر سائر الشعوب الراقية.
وهكذا نجد جزيرة صقلية تصبح للعرب وطنًا، ولما انقض عليهم الأسد النورماني اعتقد كثيرون «أن نير العبودية المسيحية» لن ترضى به العرب وأن حنينهم إلى وطنهم الأول سيقتلهم، لقد حن العرب إلى ذلك الوطن البعيد حيث تشرق الشمس وترسل أشعتها دفئًا وحيوية وقوة وعطرًا للإنسان والحيوان والنبات، وكذلك أنواع البخور التي كانت تعطر أرجاء الجو فيتنفس الإنسان الهواء العليل الذي يطارد الهموم والأحزان.
وقد آلم العهد الجديد الذي حل بالجزيرة كثيرين من الشعراء أمثال عبد الجبار بن أبي بكر بن محمد بن حمديس الصقلي السرقوسي، فقد هاله ما جلب العهد الجديد على الجزيرة فرحل إلى أشبيلية، ومن شعره في ذلك:
ديار تمشيت إليها الخطوب .... كما تتمشى الذئاب الضراء
وقد جاء في هذه القصيدة التي مطلعها:
نفي هم شيبى سرور الشباب ... لقد أظلم الشيب لما أضاء
ويستطرد ابن حمديس في قصيدته ويقول:
وراءك بحر لي جنة ... لبست النعيم بها لا الشقاء
إذا أنا حاولت منها صباحًا ... تعرضت من دونها لي مساء
فلو أنني كنت أعطي المنى ... إذا منع البحر منها اللقاء
ركبت الهلال به زورقًا ... إلى أن أعانق فيها ذكاء
ولا تقف شكوى ابن حمديس ولا حنينه عند هذه الأبيات فديوانه يفيض
стр. 301
بالحسرة والألم والحنين، لكن بالرغم من ذلك يرغب في العودة إلى الوطن الذي يحتله الأجانب.
إن جروح ودموع أولئك الذين بقوا في الجزيرة قد نضبت وبخاصة بعد أن أصبح المنتصرون عبيدًا للمغلوبين، وتتلمذوا عليهم، وأقبلوا على تحصيل الثقافة والعلوم على أيديهم.
حقًا إن النورمانيين قد وجدوا أنفسهم في بيئة دينية جديدة ما كانت تجول بخاطرهم فكانوا أنى أداروا وجوههم لا يشاهدون إلا الجمال والأبهة وحياة أخرى أرفع وأرقى من تلك التي كانوا يحوينها، إنها حياة لا عهد لهم بها من قبل، هذا إلى جانب فن معماري أقرب إلى القصص منه إلى أي شيء آخر، هذا إلى لغة وشعر بلغا منزلة فنية عليا إلى جانب علم رفيع، لذلك لا عجب إذا وجدنا النورمانيين يؤخذون بهذه البيئة الجديدة ويقعون أسراها عن طيب خاطر.
ولماذا لا تؤثر البيئة الإسلامية في غير المسلمين، مهما اختلفت عقائدهم وأجناسهم متى سنحت فرص الاتصال بهم؟ ألم يحدث أن الفرسان المسيحيين، لما كانوا في البلاد المقدسة وبخاصة ملكهم «بلدوين» الأول، رفضوا الانصياع للعقلية الصليبية ولم تحل إنذارات البابا دون اقتباس عادات وتقاليد المسلمين أعدائهم في العقيدة، وبلغت درجة تأثر أولئك الفرسان المسيحيين وعلى رأسهم بلدوين بالمسلمين والإسلام أنهم حرموا على أنفسهم أكل لحم الخنزير كما التزموا أكل الطعام العربي ومراعاة كل ما هو عربي حتى العملة العربية والمحلاة بالآيات القرآنية الكريمة. لقد جاء الصليبيون «لمقاتلة أعداء الله» فحدث أنهم قلدوا المسلمين في كل شيء حتى إن المراسلين الذين كانوا في القدس والذين كان يسرهم أن ينشروا عنهم أنهم يحاربون في سبيل الله، قال أولئك المراسلون: «نحن الذين كنا أوربيين أصبحنا الآن شرقيين».
أما حكام صقلية الجدد فقد كانوا أسبق من غيرهم إلى اقتباس العادات والتقاليد والثقافة الإسلامية رغمًا من الاتفاقية المبرمة بينهم وبين البابا. وقد أسرف هؤلاء الحكام وغيرهم من سكان صقلية المسيحيين في التحلل من التقاليد المسيحية حتى
стр. 302
الطقوس الكنيسة وشعروا بالسعادة عندما ساروا في طريق الأمراء العرب. لقد أقام أولئك الحكام المسيحيون في هذه القلاع العربية، فقصورهم تحيط بها الحدائق الغناء حيث تتدفق فيها الينابيع الصناعية، كما زخرفوا هذه القصور بالزخارف العربية والمياه المتحجرة في أعلى الكهوف والأقواس المدببة، ولم يترددوا في تسميتها بأسماء عربية وأن يدشنوها باسم الله الرحمن الرحيم:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قف ساكنًا وتأمل
عملا عظيمًا شامخًا
إنه ملك خير ملوك الأرض «فلهلم» الثاني.
إن الزاهد هو الذي ينصرف عن الثوب الحريري المهفهف إلى اللباس الصوفي الخشن الذي يؤلم الجسد بما يحدثه من حكة. وهذا الزاهد لن يقره أو يجاريه الأمراء والأميرات من بيت النورماني، فضلًا عن رغبة النورمانيين الملحة في الاندماج في هذه الحياة الناعمة الراقية التي تفيض على الحياة متعة ولذة وسعادة.
وهكذا أصبحنا ندرك أنه ليس من البدهي أن يخوض أولئك الأوربيون غمار حرب ضد أعداء عقيدتهم، ليس من البدهي أن يضحي الصليبيون بأرواحهم في القدس ودمياط، إن مثل هذه الحرب لا يمكن الاقتناع بوجوبها، وهكذا نجد وللمرة الأولى في تاريخ العالم المسيحي النورمانيين يقابلون التسامح العربي بتسامح آخر وفتوة سمحاء. وهذه الصفات رفعت من قدر النورمانيين وميزتهم على سائر الفاتحين المسيحيين، كما أن هذه الأخلاق وتلك المعاملة هي التي جعلت من دولتهم دولة ممتازة، كما أنه لم تزدهر في أوربا دولة أخرى ازدهار الدولة النورمانية.
فهل الأسباب التي دفعت النورمانيين إلى عدم تخريب وتدمير وتقتيل هؤلاء الوثنيين (! ! ) الذي خضعوا هي أسباب سياسية؟ أو هل اضطرت الظروف النورمانيين إلى معاملة العرب الذين كانوا يفوقونهم عددًا هذه المعاملة المعتدلة، والنورمان لم يعرفوا ولم يشاهدوا الفتوحات العربية والرعب الذي أدخلوه في
стр. 303
قلوب الأوربيين؟ أو أن أسباب هذه المعاملة الحسنة للعرب سببها الفروسية التي اكتسبوها عن طريق الفتوة العربية التي اتخذها النورمانيون شعارًا لهم ومثالا يحتذى، هذه الفتوة التي قابلوها بكل احترام وتقدير؟
وكذلك الجرمان سرت فيهم الرغبة الملحة في معاملة الآخرين معاملة حسنة، ولتحقيق هذه الرغبة يجب أن يتحلوا بالشرف وكرم الأخلاق فأقبلوا على العرب وعاملوهم معاملة الند ونظروا إليهم على أنهم خصوم شرفاء، وقد ظلت هذه المعاملة الحسنة مجهولة لدى سائر الشعوب المسيحية الأوربية أو الصليبيين أو متطرفي الأسبان الذين استردوا بلادهم ثانية واعتبروا فيما بعد مثل هذه المعاملة على أنها من الغرائب. وإن الإنسان ليذكر عبارات عمرو بن العاص قبل الاستيلاء على الإسكندرية ومسلكه عندما يقرأ ما قاله وصنعه الأمير «روبرت جويسكارد» عند أبواب بالرمو حيث أباح للمسلمين والمحاصرين حرية العبادة وتأمين حياتهم وممتلكاتهم، وقد وفَّى بوعده حتى بعد الاستسلام. ويعجب الإنسان أيضًا من الجرأة التي اتصف بها أخو «روبرت جويسكارد» ألا وهو الأمير «روجير» الذي بلغت ثقته بالعرب حدًا جعله يكل إليهم حكم البلاد وإدارتها، وقد أعاد التاريخ نفسه بعد قرن من الزمان فحيث كنا نجد العرب المنتصرين يؤمنون خصومهم المهزومين، والذين لا يدينون بدينهم على أموالهم وأرواحهم وممتلكاتهم وعقائدهم، كذلك صنع روجر الأول فقد أمن المسلمين من رعاياه على أراضيهم وأرواحهم وممتلكاتهم وعقائدهم، ولو أن فارقًا وقع بين العصرين، أعني عصر انتصارات العرب وعصر انتصارات النورمان، وهذا الفارق هو أن المهزومين الآن لا يحاولون تقليد المنتصرين في حياتهم وعاداتهم وتقاليدهم، بل العكس هو الصحيح، فالآن نجد المنتصرين المسيحيين الذين يقلدون المسلمون ويحاولون الاندماج فيهم وائتلافهم، إن المسيحيين هنا يقلدون المسلمين فالمسلمون انتصروا أو انهزموا هم المثل الأعلى الذي يتحذى.
وإنه لمن أثر التعاليم الإسلامية هذا الذي يتفق وعقلية الملك الجرماني الملحد «ثيودوريش»، فقد كان يؤمن بالمذهب الإسلامي القائل: «لا إكراه في الدين» فحرم
стр. 304
الجراف الألماني استخدام القوة لإجبار المسلمين من رعاياه على تغيير عقائدهم، لذلك نجد الأسقف الإنجليزي «أنسلم» يذكر أنه لما دخل الخيام العربية المقامة أمام أسوار «كبوا» غضب الأمير النورماني غضبًا شديدًا، لما شعر أن هذا الأسقف الإنجليزي أخذ يبشر بالمسيحية بين جنوده المسلمين. وقد كتب مؤرخ الأسقف الإنجليزي يقول: «لماذا لم يرغب ورفض الجراف روجير أمير صقلية أن مسلمًا واحدًا من مسلمي صقلية يعتنق المسيحية، هذا ما لا أريد الاهتمام به وسيعاقبه الله».
ولكن «عبد الله» مزخرف ملابس وأقمشة الملك روجير الثاني علم منذ زمن بعيد أن ضغط الأسد النورماني ليس ثقيلا على مواطنيه وأبناء ملته فقد كانوا يتلقون علومهم في مدارسهم العربية، ومساجدهم وحماماتهم وأسواقهم كانت قائمة يقصدها المسلمون لإقامة شعائرهم وقضاء مصالحهم، كما منحهم الملك ثقته فاختار من بينهم أحسنهم دربة على الأعمال الإدارية لإدارة بلاده، كما شكل من بينهم فرقة عسكرية دائمة عاملة للضرب على أيدي المتمردين من أمراء «أبوليا»، كما أن الملك كان في حاجة ماسة إلى المسلمين لتنظيم وتدعيم وتثبيت دولته الفتية، وما كان في استطاعته النهوض بهذا العبء دون مساعدة العربي الذي كان الباب مفتوحًا أمامه بلوغ أعلى مراتب الدولة سواء في الوظائف المدنية أو العسكرية أو في الحاشية، كما ذكر مؤرخ عربي أن ملك النورمانيين قد تخلق بعادات وخلق ملوك المسلمين، فأوجد في حاشيته وظائف جديدة، وبذلك أخذ يتخلص تدريجيًا من عادات الإفرنج وتقاليدهم وبخاصة أنه لم تكن لديهم مثل هذه الوظائف التي خلقها كوظيفة أمير البحر مثلا.
وتعيين أمير للبحر كان أمرًا ضروريًا إذ بعد الاستيلاء على الجزيرة أصبحت الحاجة ماسة إلى إنشاء أسطول دائم للدفاع عنها، كما كان حالها عندما كانت تحت سيطرة العرب، ولما كانت بالرمو هي عاصمة هذه الجزيرة، فقد أخذت تحتل مكانًا رفيعًا هامًا، كما أصبحت هي مركز القوة البحرية الرئيسية، وأصبح أمير بالرمو هو أمير الأسطول «أمير الرحل»، أعني أمير البحر (أدميرال).
стр. 305
وفي أيام حكيم روجير الثاني كانت وظيفة أمير البحر هي أعلى وظيفة في الدولة كما أن شاغلها كان موضع ثقة الملك، وأول من تقلد وظيفة الأميرالية، هذه الوظيفة التي هي أصلا وظيفة عربية، لم يكن أحد رجال البحر الأقدمين الذين خدموا في الأسطول النورماني بل إن أول أمير بحر للأسطول المسيحي كان عربيًا، وهو عبد الرحمن النصراني، واسمه اليوناني «الكاثوليكي» هو «كريسودولوس». وكان حتى أيام روجير قائد القوات البحرية والبرية. لكن روجير الثاني رفع من شأن هذا الرجل الثقة وعينه أيضًا قاضي القضاة، ومن ثم وصل إلى درجة «كبير الأشراف»، وخلف هذا الأميرال أمير بحر آخر للدولة الملكية النورمانية، والأميرال الثاني هو العربي العبقري إداريًا واقتصاديًا واسمه «جرورج» الأنطاكي.
وبالرغم من عقيدته المسيحية تقلد رئاسة وزارة الزيريين وكان في سن مبكرة جدًا، وذلك في مدينة المهدية بالقرب من تونس. ثم نجد هذا المغامر يتقدم بعد وفاة سيده إلى القصر الملكي النورماني عارضًا خدماته هربًا من النية السيئة لسيده الجديد، وقد وجد روجير فيه الرجل الصالح المطلوب. وبينما كان القصر وسكان المهدية مشغولين بتأدية صلاة الجمعة في المسجد الكبير صعد وزير المالية متنكرًا في ثياب بحار ومعه رفقاؤه سرًا إلى سفينة البريد النورمانية، هذه السفينة التي تظاهرت كما لو أنها جاءت ومعها رسالة خاصة من بالرمو إلى أمير المهدية. فهذا التوفيق الذي أحرزه «جورج» الأنطاكي المغامر لازمه وما زال شابًا، والذي حدث أن أمير البحر «كريستودولوس» وهو أقوى شخصية في الدولة عين هذا الاقتصادي العبقري الشاب موظفًا في مصلحة الضرائب، إلا أن استعداده السياسي التجاري مكنه من القيام بمهمة إلى سلطان مصر كان قد كلفه بها «روجير» فعينه قبطانًا في البحرية وتخطى كعادته الكثيرين الذين كانوا يشغلون مناصب أعلى منه فأصبح رئيسًا حتى على أميري البحر «أويجين» و «يوحنا» أي الوالد والابن وهما أيضًا من العرب ومن بين الأمراء العرب الذين كانوا يعملون سواء في الأسطول أو الجيش. وقد استطاع جورج الأنطاكي بعد أن صار أميرًا للبحر أن يرقى إلى أمير أمراء البحر، وبفضل عبقريته الإدارية التخطيطية رفع من شأن أسطول صقلية ونشأه تنشئة جديدة على
стр. 306
النظام المتبع في الأسطول العربي، فأصبح هذا السلاح البحري سلاحًا قويًا استطاع بعد زمن قصير السيطرة على شمال إفريقيا.
فهذا العربي العظيم الذي قدم لدولة النورمانيين أهم وأعظم خدمة كان مقربًا جدًا إلى الملك لا لخدمته فقط بل لأخلاقه ونبله فقد قضى جورج الأنطاكي هذا العربي العظيم نحو أربعين عامًا في خدمة الملك «روجير»، وكانت حياته الوظيفية تتسم بالوفاء والإخلاص والتفاني في العمل، هذا إلى جانب حسن المعاملة ونبل الأخلاق مما جعل الملك روجير يحترمه ويقدره تقديرًا عظيمًا لم يحظ به موظف آخر من قبل. فهناك وثيقة ترجع إلى عام ١١٣٢ م يتحدث فيها الملك عن أمير أمراء البحر جورج الأنطاكي، وقد جاء فيها ما معناه: «أنه الرجل الأول في دولته»، فهذا الرجل الذي أدى للملك أجل الخدمات، كانت الشخصية التي لا يستغني الملك عنها والرجل الذي يدين له الملك بالشيء الكثير، حتى إن أحد أعدائه اعترف له بالعظمة والفضل، عندما توفي جورج الأنطاكي بعد هذه الوثيقة بنحو عشرين عامًا، فذكر «لن يستطيع ملك صقلية تعويضه».
ثم إن صداقة مثل هؤلاء الأفذاذ تدفع الحاكم ولا شك لا إلى تقدير صديقه فقط بل إجلال أبناء جنسه أيضًا، ولذلك نجد الملك يتصل بالعرب ويتبادل معهم الرأي ويشاورهم في مختلف أموره وأمور دولته، ويذهب الملك بعيدًا فيرجو العرب أن يعلموه ما يجهل، فاحتفظ بعدد كبير من شعرائهم وعلمائهم في قصره وكلف عددًا منهم بترجمة المراجع العربية واليونانية إلى لغته، وقد شارك في هذه الترجمة أمير البحر «أويجنيوس»، كما ساهم مع النورمان في المجادلات التي كانت كثيرًا ما تقع بين المسيحيين والمسلمين، وتعصب الملك للإسلام والمسلمين. والذي حمل الملك على هذا الموقف اعتقاده، كما يروي ابن الأثير، أن المسلمين جديرون بالاحترام والتقدير، لذلك صادقهم وحماهم من الإفرنج، فأحبوه. وقد أشاد به العرب في أشعارهم كما شاركوه أحزانه عند وفاة ابنه البكر الذي امتاز بالحسن والنشط والذكاء، فرثاه الشعراء العرب، كما نجد سيدات عربيات من كرائم الأسر يندبنه ويبكينه، كما ارتدين ثياب الحزن وتركن شعورهن ووقفن أما القصر يولولون
стр. 307
ويندبون ويلطمن الخدود. ولم يقف الأمر عند الحرائر بل حتى الخادمات كن يجرين في الشوارع نائحات مولولات نادبات قارعات الرق. وعرب أيضًا هم الذين خلدوه بمؤلفاتهم، وقد ذكروه على أنه الحاكم المثالي الذي عرفته العصور الوسطى، وهو مؤسس الدولة والمشرع والسياسي، كما اهتم بالرياضيات والفلك والجغرافية وعلم الطبيعة والفنون.
ويدين روجير الثاني للعرب الذين مكنوا له في الأرض وهو أصغر ملوك أوربا وصيّروه أغنى الجميع. فالعرب هم المهرة في زراعة الأرض وفي النشاط الصناعي، ونظامهم مثالي في الاقتصاد والضرائب، وقد أخذه عنهم كما أخذ عنهم الإدارة والتشريع. وهناك مصدر آخر من مصادر ثرائه الخيالي هو الضرائب التي كان يدفعها العرب المقيمون على شواطئ شمال إفريقيا، وهم خالقو أسطوله. وأمير أمراء البحر جورج الأنطاكي هو الذي استطاع بمهارته إخضاع شمال إفريقيا لسيادة صقلية، ثم تركه روجير تسامحًا منه للحكام العرب. والواقع أن روجير يدين كثيرًا لهذا العربي الإفريقي الذي جعله ملك «صقلية وإيطاليا وإفريقيا».
أليس من الواجب عليه أن يلم بالبلاد التي يحكمها؟ هذه فكرة تقوم في الشرق فقط، إذ لا يوجد عالم غير عربي هو الذي يستطيع وضع خريطة تبين هذه البلاد ومواقعها، وهذه الخريطة يجب أن تكون من النوع الذي قام سبعون جغرافيًا بإعداده بأمر من الخليفة المأمون في بغداد. لذلك نجد ملك صقلية وإيطاليا وإفريقيا يقوم بدعوة أشهر جغرافي العرب في عصره ألا وهو الإدريسي، من «كويتا»، الذي يكتب:
«فمن بعض معارفه السنية ونزعاته الشريفة العلوية أنه لما اتسعت أعمال مملكته وتزايدت همم أهل دولته وأطاعته البلاد الرومية ودخل أهلها تحت طاعته وسلطانه أحب أن يعرف كيفيات بلاده حقيقة ويقتلها يقينًا وخبرة ويعلم حدودها ومسالكها برًا وبحرًا، ففي أي إقليم هي وما يخصها من البحار والخلجان الكائنة بها ومعرفة غيرها من البلاد والأقطار في الأقاليم السبعة التي اتفق عليها المتكلمون وأثبتها في
стр. 308
الدفاتر الناقلون والمؤلفون، وما لكل إقليم منها من قسم بلاد يحتوي عليه ويرجع إليه. . . فأحضر لديه العارفين بهذا الشأن فباحثهم عليه وأخذ معهم فيه فلم يجد عندهم علما أكثر مما في الكتب المذكورة، فلما رآهم على مثل هذه الحال بعث إلى سائر بلاده فأحضر العارفين بها المتجولين فيها فسألهم عنها بواسطته جمعًا وأفرادًا فما اتفق فيه قولهم ووضح في جمعه نقلهم أثبته وأبقاه، وما اختلفوا فيه ألغاه وأرجاه. . . وأن يؤلفوا كتابًا. . بوصف أحوال البلاد والأرضين في خلقها وبقاعها وأماكنها وصورها وبحارها وجبالها وأنهارها ومواتاتها ومزروعاتها وغلاتها وأجناس أبنائها وخواصها والاستعمالات التي تستعمل بها والصناعات التي تروج بها، والتجارات التي تجلب إليها وتحمل منها والعجائب التي تذكر عنها وتنسب إليها. . . من ذكر أحوال أهلها وهيئاتهم وخلقهم ومذاهبهم وزيهم وملابسهم ولغاتهم».
لقد درس الإدريسي في قرطبة وقام برحلات طويلة بين آسيا والشواطئ الغربية لإنجلترا ثم تحول جنوبًا حتى بلغ جنوب إفريقيا وقضى خمسة عشر عامًا في بالرمو يعد أرقامه وخرائطه وملاحظاته العديدة، وقد شارك الملك المتعطش إلى العلوم والمعرفة والجغرافيا الإدريسي في ولعه بالعلوم والمعارف وبخاصة أن الملك لم يترك أجنبيًا سواء أكان ضيقًا أم دبلوماسيًا أم تاجرًا يفد إلى مملكته إلا استجوابه عن وطنه وخصائصه وعقائده ورحلاته وتجاربه. كما أصدر الملك أمرًا إلى موظفيه العرب ذوي الخبرة الواسعة في قياس مختلف المدن والأنهار والمرتفعات بإنجاز كل ما يتصل بأعمال المساحة.
وفي أوائل عام ١١٤٥ م كمل هذا المؤلف العلمي العظيم، وقد خلف لنا بطليموس العرب سبعين خريطة، وقد سلمها قبيل وفاته إلى الذي كلفه بوضعها وإنجازها. وهذه الخرائط تمتاز على الخريطة الشهيرة التي وضعها الجغرافي المصري العظيم دقة وحجمًا، هذا فضلا عن بعض المآخذ الواردة فيها. لكن أحسن وأشهر خريطة وصلتنا هي تلك التي تركها لنا الإدريسي، أعني الخريطة الكبرى للعالم وهي محفورة على كرة من الفضة قطرها متران وتزن ثقل رجلين مكتملين، أما
стр. 309
شرحها فعبارة عن هذا الكتاب القيم الموسوم باسم «كتاب الرجني» نسبة إلى الملك «رجار» = «روجير».
والإدريسي بالرغم من نبوغه وعبقريته كان واحدًا من كثيرين.
ولا شك في أن الجغرافيا العربية -منذ أسفار التاجر سليمان إلى الصين، وأسفار رحالة آخرين في جنوب وجنوب شرق آسيا، والتي تمت قبل أن يقوم ماركو بولو برحلاته بنحو أربعة قرون- كانت قد بلغت أوجها في تلك الفترة، كما أثبتت أن العرب شعب مغرم بالرحلات والأسفار، فاتساع الدولة وترامي أطرافها، إلى كثرة اللغات وتنوع الثقافات، بالإضافة إلى الكرم العربي المشهور اضطر العلماء ألا يثوبوا من سفر إلا وقد أزعجهم سفر إلى مكان آخر حيث يجمعون مختلف العلوم والسير والأخبار، هذا إلى جانب زيارتهم مشاهير العلماء، فالعرب رحالة في مختلف الأقاليم وبذلك أصبحوا ذوي شهرة عالمية.
كذلك قد ترك لنا الرحالة العرب وصفًا دقيقًا لمختلف أنحاء وأطراف العالم الإسلامي، وشاركهم هذا الفضل الحجاج سواء وفدوا عن طريق البر أو البحر. فضلا عن الأسفار التي قصد من ورائها إشباع رغبة خاصة أو إرضاء هواية التنقل والرحيل، إذكاء للخيال أو المعرفة من الجولان في مختلف بلاد العالم. أما الجغرافية التي كانت تدرس بين جدران الأديرة في أوربا والتي كانت تعتمد على المراجع القديمة، وعلى الأحكام النظرية فلا تستحق الوقوف عندها والأخذ منها.
أما عند العرب، وفي العالم الإسلامي، فإننا نجد بحاثة مثل المقدسي يقرر أنه خاض معترك الحياة وعاش مع الأحداث اليومية، فقد كتب في القرن العاشر الميلادي ما نصه:
«وما تم لي جمعه إلا بعد جولاتي في البلدان ودخولي أقاليم الإسلام ولقائي العلماء وخدمتي الملوك ومجالستي القضاة ودرسي على الفقهاء، واختلافي إلى الأدباء والقراء وكتبة الحديث ومخالطة الزهاد والمتصوفين، وحضوري مجالس القصاص والمذكورين مع لزوم التجارة في كل بلد، والمعاشرة مع كل أحد والتفطن
стр. 310
في هذه الأسباب بفهم قوي حتى عرفتها، ومساحة الأقاليم فالفراسخ حتى أتقنتها، ودوراني على التخوم حتى حررتها، وتنقلي إلى الأجناد حتى عرفتها، وتفتيشي عن المذاهب حتى علمتها، وتفطني في الألسن والألوان حتى رتبتها، وتدبري في الكور حتى فصلتها، وبحثي عن الأخرجة حتى أحصيتها. . فقد تفقهت وتأدبت وتزهدت وتعبدت وفقهت وأدبت وخطبت على المنابر وأذنت على المنائر وأممت المساجد وذكرت في الجوامع واختلفت إلى المدارس ودعوت في المحافل وتكلمت في المجالس وأكلت مع الصوفية الهرائس ومع الخانقائيين الثرائد ومع النواتي العصائد وطردت في الليالي من المساجد وسحت في البراري وتهت في الصحاري وصدقت في الورع زمنًا وأكلت الحرام عيانًا وصحبت عباد جبل لبنان وخالطت حينًا السلطان وملكت العبيد وحملت على رأسي بالزنبيل وأشرفت مرارًا على الغرق وقطع على قوافلنا الطرق وخدمت القضاء والكبراء وخاطبت السلاطين والوزراء وصاحبت في الطرق الفساق وبعت البضائع في الأسواق وسجنت في الحبوس وأخذت على أني جاسوس وعاينت حرب الروم في الشواني وضرب النواقيس في الليالي. . .».
ومن مشاهير الرحالة العرب الذين اكتسبوا شهرة عالمية ابن بطوطة الذي ترك بلده طنجة وأخذ يتجول في العالم مدة لا تقل عن أربعة وعشرين عامًا قام بها بمختلف المغامرات، كذلك العالم البحاثة المسعودي أحد أبناء بغداد، فقد كان كثيرًا ما يهتم بالمواضيع الجغرافية العويصة كاتصال بحر الخزر بالبحر أو ما يتعلق بالكرة الأرضية من بحر آرال حتى زنزيبار، ومن الصين إلى إسبانيا واهتمام أيضًا بدراسة كل هذه الممالك يشير إلى أهمية المعلومات التي حصلنا عليها حول الكرة الأرضية والتي صححت الأخطاء القديمة التي كانت سائدة من قبل.
وإلى جانب الجغرافية الوصفية نجد الأخرى الفلكية حيث ظهر الفلكي الشهير البتاني وكذلك ابن يونس والبيروني وابن سعيد والإدريسي وياقوت، وقد خطوا جميعهم بنا خطوات واسعة جدًا في علم الجغرافية تفوق تلك التي عرفها العالم القديم، كما نجحوا في قياس أطوال وأعراض كثير من المدن قياسًا غاية في الدقة،
стр. 311
وقد أقبل العرب المغرمون بالحساب على هذه المقاييس وأتموا هذه الجداول الجغرافية. وإن أخطأت مقاييس بطليموس في تقدير الدرجات فإن العرب لم يختلفوا إلا في دقيقة أو اثنتين. أما الإدريسي فقد جمع بين القياسين الوصفي والفلكي الرياضي.
وهناك نوع آخر من الجغرافية أعني الجغرافية الطبيعية أو جغرافية علم طبقات الأرض، وقد نبغ في هذا النوع ابن سينا والبيروني وتوصلا إلى نتائج علمية هامة، وخاصة ما يتصل بنشأة الجبال وطبقات الصخور. فابن سينا يعرف حوالي عام ١٠٠٠ م الجبال فيقول:
«وأما الارتفاع فقد يقع لذلك بسبب بالذات وقد يقع بسبب بالعرض. أما السبب بالذات فكما يتفق عند كثير من الزلازل القوية أن ترفع الريح الفاعلة للزلزلة طائفة من الأرض وتحدث رابية من الروابي دفعة. وأما الذي بالعرض كأن يعرض لبعض الأجزاء من الأرض انحفار دون بعض بأن تكون رياح نسافة أو مياه حفارة تتفق لها حركة على جزء من الأرض دون جزء فيتحفر ما يسيل عليه ويبقى ما لا يسيل عليه رابيًا ثم لا تزال السيول تغوص في الحفر الأول إلى أن يغور غورًا شديدًا ويبقى ما انحرف عنه شاهقًا وهذا كالمتحقق من أمور الجبال وما بينها من الحفور والمسالك وربما كان الماء والريح منطقة متفقة الفيضان، إلا أن أجزاء الأرض تكون مختلفة فيكون بعضها لينًا وبعضها حجريًا فينحفر بالتوالي اللين ويبقى الحجري مرتفعًا ثم لا يزال ذلك المسيل ينحفر ويبقى على الأيام ويتسع النتوء وكلما انحفر عنه الأرض كان سموه أكثر، فهذه هي الأسباب الأكثرية لهذه الأحوال الثلاثة، فالجبال تكوّنها من أحد أسباب تكوّن الحجارة، والغالب أن تكوّنها من طين لزج جف على طول الزمان وتحجر في مدد لا تضبط فليشبه أن تكون هذه المعمورة قد كانت في سالف الأيام غير معمورة بل مغمورة في البحار فتحجرت. إما بعد الانكشاف قليلا قليلا في مدد لا يفي التاريخ بحفظ أطواقها. وإما تحت المياه لشدة الحر. . . ولهذا ما يوجد في كثير من الأحجار إذا كسرت أجزاء الحيوانات المائية كالأصداف وغيرها. . .».
стр. 312
وعلم طبقات الأرض عند ابن سينا مثل لخاصيتين من خصائص المعرفة العربية سواء في القرن العاشر أو الرابع عشر، وسواء في شرق العالم العربي أو غربه وسواء في أصفهان أو في الأندلس، أعني خاصيتي عدم الاتساق والديناميكية، فالمعرفة العربية تنظر إلى العالم وأحداث الحياة على أنها في خلق دائم وأنها نهر خالد يتجلى فيه خلق الله، لذلك تدعو المعرفة العربية إلى الطموح في إجراء التجارب الشخصية والبحث وشرح الحقيقة والرجوع بالأشياء إلى أصولها، كما أنها تعتمد على أدلة لا تقبل شكًا فهي ثابتة تهتم علاوة على ذلك بالشهود العيان.
وحدث مرة أن هوى نيزك وكان شاهده محاميًا، وقد كان هذا في عصر كان فيه الغرب بعيدًا كل البعد عن هذا التقدم وذلك الرقي، وكان عاجزًا عن إدراك كنه الظواهر الطبيعية كما كان عاجزًا عن تعليلها، ثم يذكر ابن سينا:
«وإنما تتكون الحجارة في الأكثر على وجهين من التكوّن أحدهما على سبيل التفخير والثاني على سبيل الجمود فإن كثيرًا من الأحجار يتكون من الجوهر الغالب فيه الأرضية وكثيرًا منها يتكون من الجوهر الغالب فيه المائية، فكثير من الطين يخف ويستحيل أولا شيئًا بين الحجر والطين وهو حجر رخو يستحيل حجرًا، وأولى الطينات بذلك ما كان لزجًا فإن لم يكن لزجًا فإنه يتفتت في أكثر الأمر قبل أن يتحجر، وقد شاهدنا في طفولتنا مواضع كان فيها الطين الذي يغسل به الرأس وذلك في شط جيحون ثم شاهدناه قد تحجر تحجرًا رخوًا والمدة قريبة من ثلاث وعشرين سنة. . .».
لكن مترجمي العصور الوسطى لا يهتمون كثيرًا بهذه الملاحظات التي أبداها ابن سينا، كما لا يهتمون بسعة اطلاعه وهذه ملاحظات مع أخرى كثيرة جدًا نتبين منها مدى دقة الباحث وتعقبه. وبينما نجد هذه العبارات وتلك الأمثال في النسخة العربية لابن سينا، إذا بنا نجد اللاتيني يعالج الفصل بشيء من عدم الاكتراث، ويذكر أنه يتحدث، وهو يعني ابن سينا، عن ذكريات الطفولة وغسل الرأس.
ففي أوربا ظل القوم زمنًا طويلًا لا علم لهم بالجغرافيا وبخاصة كعلم يقوم على
стр. 313
مثل هذه الأسس وتلك القواعد وخرائط الإدريسي التي رسم عليها الأرض على هيئة كرة بالرغم من أنه لم يكن من المستطاع حسب التجارب الشخصية أو غير الشخصية أو الحسابات الرياضية تدعيم هذا الرأي القائل بكروية الأرض، فالذي كان معروفًا في كثير من الأديرة حسب رواية الكتاب المقدس أن خريطة العالم عبارة عن قطعة من الأرض تحيط بها المياه وفي وسطها تقع الجنة. وليس بطليموس بل جغرافيو العرب في القصر الملكي في صقلية، هم أولئك العرب الذين علموا أوربا. وخريطة الإدريسي تختم ثلاثة قرون كانت خالية مظلمة، وخريطته هي أول مجهود علمي شخصي، كما أن كتاب ابن سينا عن المعادن هو المرجع الأول لأوربا ودراستها لعلم طبقات الأرض، وقد زلت معتمدة على ابن سينا حتى القرن الثامن عشر.
ويذكر الإدريسي عن البلد الذي وضع فيه مؤلفه:
«إن جزيرة صقلية فريدة الزمان فضلا ومحاسن ووحيدة البلدان طيبًا ومساكن وقديمًا دخلها المتجولون من سائر الأقطار والمترددون بين المدن والأمصار وكلهم أجمعوا على تفضيلها وشرف مقدارها أعجبوا بزاهر حسنها ونطقوا بفضائل ما بها وما جمعته من مفترق المحاسن وضمته من خيرات سائر المواطن. فأما صقلية المقدم ذكرها فأقدارها خطيرة وأعمالها كبيرة وبلادها كثيرة ومحاسنها جمة ومناقبها ضخمة، فإن نحن حاولنا إحصاء فضائلها عددًا وذكرنا أحوالها بلدًا بلدًا عز في ذلك المطلب وضاق فيه المسلك لكنا نورد منها جملا يستدل بها ويحصل على الغرض المقصود منها إن شاء الله تعالى. . .
«مدينة بلرم وهي المدينة السنية العظمى والمحلة البهية الكبرى والمنبر الأعظم الأعلى على بلاد الدنيا، وإليها في المفاخرة النهاية القصوى ذات المحاسن الشرائف ودار الملك في الزمان والمؤتنف والسالف ومنها كانت الأساطيل والجيوش تغدو للغزو وتروح كما هي الآن عليه من ذلك، وهي على ساحل البحر في الجانب الغربي والجبال الشواهق العظام محدقة بها وساحلها بهج شرقي فرج ولها حسن المباني التي سارت الركبان بنشر محاسنها في بناءاتها ودقائق صناعاتها وبدائع
стр. 314
مخترعاتها. وهي على قسمين قصر وربض. فالقصر هو القصر القديم المشهور فخره في كل بلد وإقليم وهو في ذاته على ثلاثة أسمطة، فالسماط الأوسط يشتمل على قصور منيفة ومنازل شامخة شريفة وكثير من المساجد والفنادق والحمامات وحوانيت التجار الكبار، والسماطان الباقيان فيهما أيضًا قصور سامية ومبان فاخرة عالية وبهما من الفنادق والحمامات كثير وبه الجامع الأعظم الذي كان بيعة في الزمن القديم وأعيد في هذه المدة على حالته في سالف الزمان، ووصفته الآن تغرب عن الأذهان لبديع ما فيه من الصنعة والغرائب المفتعلة والمنتخبة والمخترعة من أصناف التصاوير وأجناس التزاويق والكتابات. فأما الربض فمدينة أخرى تحدق بالمدينة من جميع جهاتها وبه المدينة القديمة المسماة بالخالصة التي بها كان سكنى السلطان والخاصة في أيام المسلمين وباب البحر ودار الصناعة التي هي للإنشاء والمياه بجميع جهات مدينة صقلية مخترقة وعيونها جارية متدفقة وفواكهها كثيرة ومبانيها ومنتزهاتها جنة تعجز الواصفين وتبهر عقول العارفين وهي بالجملة فتنة للناظرين .. ».
ومن بين الرحالة الذين سحرتهم بالرمو الرحالة العربي الغرناطي ابن جبير الذي زارها عام ١١٨٥ م فبهرته، وقد ترك لنا في رحلته وصفًا دقيقًا في صقلية وبالرمو والقصر الملكي، وقد أطنب في وصف عاصمة النورمانيين والملك النورماني. وقد سبقه إلى هذا الوصف في ذلك المديح الإدريسي بنحو ثلاثين عامًا. وحدث أن توفي في تلك الفترة الملك رجار الثاني وفي نفس العام الذي أتم فيه الإدريسي كتابه وأغدق عليه الملك الكثير من الهدايا وبعد أن خلفه ابنه فلهلم الأول الذي لم يحكم طويلا إذ توفي وخلفه ابنه وحفيد روجير الثاني وهو فلهلم الثاني.
وقد ظل الأسد النورماني يحكم صقلية زهاء قرن من الزمان، والشيء الجدير بالانتباه هذه الصلة القوية بين الحاكم ورعاياه العرب، وهذه الصلة هي التي لفتت نظر رحالة غرناطة وكان يعتقد أنه سيزور بلدًا يحكمه الإفرنج إلا أنه سرعان ما تبين مقدار الثقة العظيمة التي أولاها الملك للمسلمين «وشأن ملكهم هذا عجيب في حسن السيرة واستعمال المسلمين واتخاذ الفتيان المناجيب وكلهم أو أكثرهم كاتم
стр. 315
لهمساته متمسك بشريعة الإسلام، وهو كثير الثقة بالمسلمين وسكن إليهم في أحواله والمهم من أشغاله حتى إن الناظر في مطبخته رجل من المسلمين وله جملة من العبيد السود المسلمين وعليهم قائد منهم ووزراؤه وحجابه الفتيان، وله منهم جملة كبيرة هم أهل دولته والمرتسمون عاصمته وعليهم يلوح رونق ملكه لأنهم متسعون في الملابس الفاخرة والمراكب الفارهة، وما منهم إلا من له الحاشية والخول والأتباع، ولهذا الملك القصور المشيدة والبساتين الأنيقة ولا سيما بحاضرة ملكه المدينة المذكورة. . .».
ويستطرد ابن جبير في وصف رحلته فيصف العاصمة قاعدة ملك الجزيرة:
«والمسلمون يعرفونها بالمدينة والنصارى يعرفونها ببلارمة. . . الجامعة بن الحسنين غضارة ونضارة فما شئت بها من جمال مخبر ومنظر ومراد عيش يانع أخضر عنيقة أنيقة مشرفة مؤنقة تتطلع بمرأى فتان وتتخايل بين ساحات وبسائط كلها بستان فسيحة السكك والشوارع تروق الأبصار بحسن منظرها البارع عجيبة الشأن قرطبة البنيان مبانيها كلها بمنحوت الحجر المعروف بالكدان يشقها نهر معين ويطرد في جنباتها أربع عيون قد زخرفت فيها لملكها دنياه واتخذها حضرة ملكه الإفرنجي أباده الله تنتظم بلبنها قصور انتظام العقود في نحو الكواعب ويتقلب من بساتينها وميادينها بين نزهة وملاعب فكم له فيها، لا عمرت به، من مقاصير ومصانع، ومناظر ومطالع. . . وكنائس قد صيغ من الذهب والفضة صلبانها. . .
وللمسلمين بهذه المدينة رسم باق من الإيمان يعمرون أكثر مساجدهم ويقيمون الصلاة بأذان مسموع، ولهم أرباض قد انفردوا فيها بسكانهم عن النصارى والأسواق معمورة بهم وهم التجار فيها ولا جمعة لهم بسبب الخطبة المحظورة عليهم ويصلون الأعياد بخطبة، ودعائهم فيها للعباسي، ولهم بها قاض يرتفعون إليه في أحكامهم وجامع يجتمعون للصلاة فيه. . وأما المساجد فكثيرة لا تحصى وأكثرها محاضر لمعلمي القرآن. وبالجملة فهم غرباء عن إخوانهم المسلمين تحت ذمة الكفار ولا أمن لهم في أموالهم ولا في حريمهم ولا أبنائهم. .».
ويذكر ابن جبير في وصف الملك: «. . وليس في ملوك النصارى أشرف في
стр. 316
الملك ولا أنعم ولا أرق منه وهو يتشبه في الانغماس في نعيم الملك وترتيب قوانينه ووضع أساليبه وتقسيم مراتب رجاله وتفخم أبهة الملك وإظهار زينته بملوك المسلمين، وملكه عظيم جدًا وله الأطباء والمنجمون، وهو كثير الاعتناء بهم شديد الحرص عليهم حتى إنه متى ذكر له طبيبًا أو منجمًا اجتاز ببلده أمر بإمساكه وأدر له أرزاق معيشته حتى يسليه عن وطنه .. ومن عجيب شأن المتحدث به أنه يقرأ ويكتب بالعربية وعلامته على أما أعلمنا به أحد خدمته المتخصصين به الحمد لله حق حمده وكانت علامة أبيه الحمد لله شكرًا لأنعمه. وأما جواريه وحظاياه في قصره فمسلمات كلهن ومن أعجب ما حدثنا به خديمه المذكور وهو «يحيى بن فنيان» الطراز وهو يطرز بالذهب في طراز الملك أن الإفرنجية من النصرانيات تقع في قصره فتعود مسلمة تعيدها الجواري المذكورات مسلمة وهن على تكتم من ملكهن في ذلك كله، ولهن في فعل الخير أمور عجيبة، وأعلمنا أنه كان في هذه الجزيرة زلازل مرجفة ذعر لها هذا المشرك فمان يتطلع في قصره فلا يسمع إلا ذكرًا لله ولرسوله من نسائه وفتيانه، وربما لحقتهم دهشة عند رؤيته فكان يقول لهم: «ليذكر كل أحد منكم معبوده ومن يدين به تسكينًا لهم»، وأما فتيانه الذين هم عيون دولته وأهل عماله في ملكه فهم مسلمون ما منهم إلا من يصوم الأشهر تطوعًا وتأجرًا ويتصدق تقربًا إلى الله وتزلفًا ويفك الأسرى ويربي الأصاغر منهم ويزوجهم ويحسن إليهم ويفعل الخير ما استطاع، وهذا كله صنع من الله لمسلمي هذه الجزيرة».
ويعرض ابن جبير للمسيحيين وكنائسهم وتشه نسائهم بالمسلمات فيذكر. . .
«كنيسة تعرف بكنيسة الأنطاكي أبصرناها يوم الميلاد وهو يوم عيد لهم عظيم، وقد احتفلوا له رجالا ونساء فأعجبنا من بنيانها. وزي النصرانيات في هذه المدينة زي نساء المسلمين فصيحات الألسن ملتحفات متنقبات خرجن في هذا العيد المذكور وقد لبسن ثياب الحرير المذهب والتحفن اللحف الرائقة وانتقبن بالنقب الملونة وانتعلن الأخفاف المذهبة وبرزن لكنائسهن أو كنسهن حاملات جميع زينة نساء المسلمين. .».
وفي صقلية هذه بقصورها العامرة وحدائقها الغناء وفي شوارع بالرمو الواسعة
стр. 317
الغنية بحوانيتها وحواريها المنسابة في الأحياء العربية نشأ وترعرع حفيد الملك روجير الثاني يتيما مهملا. وهذا الحفيد هو في نفس الوقت حفيد القيصر فريدريش برباروسا، وهو «فريدريش روجير». وقد جلس على عرش مملكة صقلية بعد ابن عمه النورماني الملك «فلهلم» الثاني والقيصر «هينريش» السادس، والده الألماني، ومن ثم اشتهر باسم فريدريش الثاني قيصر الإمبراطورية الرومانية المقدسة، وكانت المسئولية الملقاة على عاتقه شاقة جدًا، إذ كان العالم الذي يعيش فيه مضطربًا متخاصمًا متحاربًا، إلا أن فريدريش أخذ يشق طريقه إلى المجد زعيمًا لعصر جديد.
стр. 318
كانوا أعداء فألف بينهم
إن الهمس في المعسكر بالقرب من يافا لا ينتهي، كما انتشرت الشائعات حتى بلغت إيطاليا، فالهمس يدور حول اتصالات بين القيصر والمسلمين، وذلك منذ شهر سبتمبر عندما وطئت قدم القيصر المطرود من الكنيسة الأراضي المقدسة وظل طيلة هذا الوقت مسالمًا لا يسل سيفًا. ولم يقع حادث يعكر صفو السلام في الأراضي المقدسة، وحتى لا يشعر جنوده من الألمان وبعض الإنجليز ونفر من أهالي بيزا وجنوة، وجميعهم قد أخلصوا له، بالسأم والضجر كلفهم بالقيام ببعض الأعمال اليدوية مثل تقليب الأرض وعزقها حتى لا يملوا العمل في تشييد الحصون. وفي الوقت نفسه كانت الرسل تروح وتغدو بين يافا ومعسكر السلطان الكامل الذي لم يكن يبعد كثيرًا عن حدود مصر. وفي تلك الفترة يجلس زعيم المسيحية في خيمته ومعه عربي في غاية الأناقة يتحدثان في اللغة العربية حديثًا طويلا لا يعرف نهاية، وهو حديث سري، لذلك ظلت هذه المفاوضات سرًا غامضًا على الآخرين. وقد أصبح من العسير على الإنسان أن يتكهن بماذا تأتي الأيام وراء هذه الجبهة العريضة للقيصر الأكبر صاحب السلطان القوي في معسكره وعلى جيشه، ولو أن خصمه في روما أخذ يبذل كل ما في جهده من دعاية وتشنيع، وأعلن البابا زورًا وبهتانًا خبر وفاة القيصر وبذلك أباح لشعبه التحلل من يمين الولاء والطاعة له كما انقض جنود البابا على مملكته. وهنا في الشرق نجد رجال الدين السوريين والبارونات يعلنون معارضة القيصر، كما وجد في معسكره بعض الخونة الذين أخذوا يتربصون به، كما وقع في حيرة من جراء إطعام هذا الجيش الجائع
стр. 319
وبخاصة بعد أن افتقد سائر مصادر التموين «إلا أننا أخفينا آلامنا المبرحة وراء ابتساماتنا المرحة»، وقد ذكر فيما بعد «حتى لا ينتصر أعداؤنا».
وإذا ذكرنا المخلصين للقيصر وحفظه سره جاء رئيس طائفة الألمان وهو «هرمان فون سلزا» والجراف اللنجوباردي «توماس فون أكوين» والرجل العربي الشريف «فخر الدين» الذي سبق له بصفته السفير المصري لسلطان مصر لدى القيصر أن عرض عليه في قصره المعروف باسم «فوجيا» بإقليم أبوليا إبرام معاهدة صلح تسلم بمقتضاها القدس إلى القيصر، واستطاع هذا السفير العربي المصري برقته ولباقته وحسن سياسته إقناع القيصر بوجهة نظره واكتساب ثقته وصداقته، مما اضطر القيصر فريدريش إلى الاطمئنان إليه واطلاعه على جميع أسراره.
لكن حدث في تلك الفترة أن تغير الوضع الذي دفع السلطان إلى التقدم بهذا العرض، إذ أصبح السلطان الكامل ليس في حاجة ماسة إلى مساعدة القيصر فريدريش الثاني، فلماذا إذن هذا التساهل من جانبه إلى فريدريش؟ وعلاوة على ذلك فقد حصل هو على القدس دون حرب أو مساعدة.
ثم نجد القيصر، قيصر أوربا، يجيب سلطان العرب عن طريق كبير أمنائه: «لم نعبر البحر لفتح بلادكم فإننا نملك من البلاد أكثر من أي ملك على ظهر البسيطة، بل لتحقيق اتفاقنا الخاص بالأماكن المقدسة إجلالا للسلام والوئام، ولا داعي للنزاع مع المسيحيين ولا ضرورة لإراقة دماء رعاياكم». فاستقبل السلطان كبير الأمناء استقبالًا عظيمًا وأكرم وفادته إلا أن السلطان أهمله بطريقة مهذبة، وكان تبادل زيارات الرسل بين العاهلين مقصورًا على تبادل الهدايا وإبداء علامات الود والصداقة، فقد أهدى السلطان الكامل للقيصر هدايا عظيمة جدًا من بينها جمال للسباق فجياد عربية وفيلة وقردة وصقور للصيد وأحجار كريمة نادرة، وأقمشة حريرية مقصبة، وفريدريش الثاني يدرك تمام الإدراك المستوى العقلي الرفيع للسلطان الكامل وحاشيته والمتصلين به، فأرسل إليه عددًا من الأسئلة العلمية
стр. 320
العويصة الخاصة بالرياضيات والفلسفة والعلوم الطبيعية، وعن طريق هذه الأسئلة أظهر القيصر له كل احترام وتقدير ولم يدر حديث ما عن المعاهدة والاتفاقية.
والواقع أن تنفيذ الاتفاقية والاستيلاء على القدس يحل العقدة المستحكمة، وهذا كان رأي فريدريش والمخلصين له من حوله، وتخليصه من الحرمان من الكنيسة، فقد ذهبت العداوة المستحكمة بين البابا والقيصر فريدريش الثاني حدًا بعيدًا، واستولت على البابا فكرة تافهة وهي وجوب العمل لإحباط محاولة القيصر في سبيل الحصول على القدس، هذه المهمة التي انتقل من أجلها من روما. وكان كل أمل البابا أن يعود فريدريش بخفي حنين ذليلا لا يتردد في تقديم فروض الولاء والطاعة البابا. والشيء الجدير بالذكر أنه ضبطت خطابات موجهة من البابا إلى السلطان العربي حاكم الوثنيين (! ) يرجوه فيها عدم التنازل عن الأراضي المقدسة لفريدريش الثاني.
أما لعبة السؤال والجواب فقد جاءت علاوة على اللذة العقلية للحاكمين بأحسن النتائج، فقد كان الأمير فخر الدين هو الذي يجيء إلى السلطان بقائمة تحتوي على إجابات علمية هامة جدًا، وهو الذي كان يتوجه إلى القيصر لفي معسكره، فقد كان فريدريش الثاني يقاسمه الخيمة والأفكار، إن فخر الدين كان صديقه العربي الحميم.
لماذا تنشب حرب وهي بغيضة لدى الطرفين: القيصر فريدريش الثاني والسلطان الكامل؟ لماذا يتحارب الاثنان وهما على مستوى رفيع جدًا من الثقافة؟ إن الفرصة سانحة وبخاصة بعد أن أريقت دماء كثيرة من الجانبين لإحلال السلام والصفاء بين الشرق والغرب؟
وأمام حسن النية التي أبداها القيصر لم يسع فخر الدين إلا أن يقر القيصر على رأيه وحبه للسلام، وهكذا استطاع فخر الدين أن يحل العقدة الأولى. وعوضًا عن كبير الأمناء القيصري الأرعن والذي أثار غضب السلطان يجب أن يسند القيصر المفاوضات إلى الجراف «فون أكوين» عوضًا عن ذلك الأرعن، وهذا الجراف قد تعلم العربية في صقلية، كما أتقن الطريقة الإسلامية في المخاطبة وحسن معاملة الناس.
следующие страницы →