Полный текст (468 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
الملك ولا أنعم ولا أرق منه وهو يتشبه في الانغماس في نعيم الملك وترتيب قوانينه ووضع أساليبه وتقسيم مراتب رجاله وتفخم أبهة الملك وإظهار زينته بملوك المسلمين، وملكه عظيم جدًا وله الأطباء والمنجمون، وهو كثير الاعتناء بهم شديد الحرص عليهم حتى إنه متى ذكر له طبيبًا أو منجمًا اجتاز ببلده أمر بإمساكه وأدر له أرزاق معيشته حتى يسليه عن وطنه .. ومن عجيب شأن المتحدث به أنه يقرأ ويكتب بالعربية وعلامته على أما أعلمنا به أحد خدمته المتخصصين به الحمد لله حق حمده وكانت علامة أبيه الحمد لله شكرًا لأنعمه. وأما جواريه وحظاياه في قصره فمسلمات كلهن ومن أعجب ما حدثنا به خديمه المذكور وهو «يحيى بن فنيان» الطراز وهو يطرز بالذهب في طراز الملك أن الإفرنجية من النصرانيات تقع في قصره فتعود مسلمة تعيدها الجواري المذكورات مسلمة وهن على تكتم من ملكهن في ذلك كله، ولهن في فعل الخير أمور عجيبة، وأعلمنا أنه كان في هذه الجزيرة زلازل مرجفة ذعر لها هذا المشرك فمان يتطلع في قصره فلا يسمع إلا ذكرًا لله ولرسوله من نسائه وفتيانه، وربما لحقتهم دهشة عند رؤيته فكان يقول لهم: «ليذكر كل أحد منكم معبوده ومن يدين به تسكينًا لهم»، وأما فتيانه الذين هم عيون دولته وأهل عماله في ملكه فهم مسلمون ما منهم إلا من يصوم الأشهر تطوعًا وتأجرًا ويتصدق تقربًا إلى الله وتزلفًا ويفك الأسرى ويربي الأصاغر منهم ويزوجهم ويحسن إليهم ويفعل الخير ما استطاع، وهذا كله صنع من الله لمسلمي هذه الجزيرة».
ويعرض ابن جبير للمسيحيين وكنائسهم وتشه نسائهم بالمسلمات فيذكر. . .
«كنيسة تعرف بكنيسة الأنطاكي أبصرناها يوم الميلاد وهو يوم عيد لهم عظيم، وقد احتفلوا له رجالا ونساء فأعجبنا من بنيانها. وزي النصرانيات في هذه المدينة زي نساء المسلمين فصيحات الألسن ملتحفات متنقبات خرجن في هذا العيد المذكور وقد لبسن ثياب الحرير المذهب والتحفن اللحف الرائقة وانتقبن بالنقب الملونة وانتعلن الأخفاف المذهبة وبرزن لكنائسهن أو كنسهن حاملات جميع زينة نساء المسلمين. .».
وفي صقلية هذه بقصورها العامرة وحدائقها الغناء وفي شوارع بالرمو الواسعة
стр. 317
الغنية بحوانيتها وحواريها المنسابة في الأحياء العربية نشأ وترعرع حفيد الملك روجير الثاني يتيما مهملا. وهذا الحفيد هو في نفس الوقت حفيد القيصر فريدريش برباروسا، وهو «فريدريش روجير». وقد جلس على عرش مملكة صقلية بعد ابن عمه النورماني الملك «فلهلم» الثاني والقيصر «هينريش» السادس، والده الألماني، ومن ثم اشتهر باسم فريدريش الثاني قيصر الإمبراطورية الرومانية المقدسة، وكانت المسئولية الملقاة على عاتقه شاقة جدًا، إذ كان العالم الذي يعيش فيه مضطربًا متخاصمًا متحاربًا، إلا أن فريدريش أخذ يشق طريقه إلى المجد زعيمًا لعصر جديد.
стр. 318
كانوا أعداء فألف بينهم
إن الهمس في المعسكر بالقرب من يافا لا ينتهي، كما انتشرت الشائعات حتى بلغت إيطاليا، فالهمس يدور حول اتصالات بين القيصر والمسلمين، وذلك منذ شهر سبتمبر عندما وطئت قدم القيصر المطرود من الكنيسة الأراضي المقدسة وظل طيلة هذا الوقت مسالمًا لا يسل سيفًا. ولم يقع حادث يعكر صفو السلام في الأراضي المقدسة، وحتى لا يشعر جنوده من الألمان وبعض الإنجليز ونفر من أهالي بيزا وجنوة، وجميعهم قد أخلصوا له، بالسأم والضجر كلفهم بالقيام ببعض الأعمال اليدوية مثل تقليب الأرض وعزقها حتى لا يملوا العمل في تشييد الحصون. وفي الوقت نفسه كانت الرسل تروح وتغدو بين يافا ومعسكر السلطان الكامل الذي لم يكن يبعد كثيرًا عن حدود مصر. وفي تلك الفترة يجلس زعيم المسيحية في خيمته ومعه عربي في غاية الأناقة يتحدثان في اللغة العربية حديثًا طويلا لا يعرف نهاية، وهو حديث سري، لذلك ظلت هذه المفاوضات سرًا غامضًا على الآخرين. وقد أصبح من العسير على الإنسان أن يتكهن بماذا تأتي الأيام وراء هذه الجبهة العريضة للقيصر الأكبر صاحب السلطان القوي في معسكره وعلى جيشه، ولو أن خصمه في روما أخذ يبذل كل ما في جهده من دعاية وتشنيع، وأعلن البابا زورًا وبهتانًا خبر وفاة القيصر وبذلك أباح لشعبه التحلل من يمين الولاء والطاعة له كما انقض جنود البابا على مملكته. وهنا في الشرق نجد رجال الدين السوريين والبارونات يعلنون معارضة القيصر، كما وجد في معسكره بعض الخونة الذين أخذوا يتربصون به، كما وقع في حيرة من جراء إطعام هذا الجيش الجائع
стр. 319
وبخاصة بعد أن افتقد سائر مصادر التموين «إلا أننا أخفينا آلامنا المبرحة وراء ابتساماتنا المرحة»، وقد ذكر فيما بعد «حتى لا ينتصر أعداؤنا».
وإذا ذكرنا المخلصين للقيصر وحفظه سره جاء رئيس طائفة الألمان وهو «هرمان فون سلزا» والجراف اللنجوباردي «توماس فون أكوين» والرجل العربي الشريف «فخر الدين» الذي سبق له بصفته السفير المصري لسلطان مصر لدى القيصر أن عرض عليه في قصره المعروف باسم «فوجيا» بإقليم أبوليا إبرام معاهدة صلح تسلم بمقتضاها القدس إلى القيصر، واستطاع هذا السفير العربي المصري برقته ولباقته وحسن سياسته إقناع القيصر بوجهة نظره واكتساب ثقته وصداقته، مما اضطر القيصر فريدريش إلى الاطمئنان إليه واطلاعه على جميع أسراره.
لكن حدث في تلك الفترة أن تغير الوضع الذي دفع السلطان إلى التقدم بهذا العرض، إذ أصبح السلطان الكامل ليس في حاجة ماسة إلى مساعدة القيصر فريدريش الثاني، فلماذا إذن هذا التساهل من جانبه إلى فريدريش؟ وعلاوة على ذلك فقد حصل هو على القدس دون حرب أو مساعدة.
ثم نجد القيصر، قيصر أوربا، يجيب سلطان العرب عن طريق كبير أمنائه: «لم نعبر البحر لفتح بلادكم فإننا نملك من البلاد أكثر من أي ملك على ظهر البسيطة، بل لتحقيق اتفاقنا الخاص بالأماكن المقدسة إجلالا للسلام والوئام، ولا داعي للنزاع مع المسيحيين ولا ضرورة لإراقة دماء رعاياكم». فاستقبل السلطان كبير الأمناء استقبالًا عظيمًا وأكرم وفادته إلا أن السلطان أهمله بطريقة مهذبة، وكان تبادل زيارات الرسل بين العاهلين مقصورًا على تبادل الهدايا وإبداء علامات الود والصداقة، فقد أهدى السلطان الكامل للقيصر هدايا عظيمة جدًا من بينها جمال للسباق فجياد عربية وفيلة وقردة وصقور للصيد وأحجار كريمة نادرة، وأقمشة حريرية مقصبة، وفريدريش الثاني يدرك تمام الإدراك المستوى العقلي الرفيع للسلطان الكامل وحاشيته والمتصلين به، فأرسل إليه عددًا من الأسئلة العلمية
стр. 320
العويصة الخاصة بالرياضيات والفلسفة والعلوم الطبيعية، وعن طريق هذه الأسئلة أظهر القيصر له كل احترام وتقدير ولم يدر حديث ما عن المعاهدة والاتفاقية.
والواقع أن تنفيذ الاتفاقية والاستيلاء على القدس يحل العقدة المستحكمة، وهذا كان رأي فريدريش والمخلصين له من حوله، وتخليصه من الحرمان من الكنيسة، فقد ذهبت العداوة المستحكمة بين البابا والقيصر فريدريش الثاني حدًا بعيدًا، واستولت على البابا فكرة تافهة وهي وجوب العمل لإحباط محاولة القيصر في سبيل الحصول على القدس، هذه المهمة التي انتقل من أجلها من روما. وكان كل أمل البابا أن يعود فريدريش بخفي حنين ذليلا لا يتردد في تقديم فروض الولاء والطاعة البابا. والشيء الجدير بالذكر أنه ضبطت خطابات موجهة من البابا إلى السلطان العربي حاكم الوثنيين (! ) يرجوه فيها عدم التنازل عن الأراضي المقدسة لفريدريش الثاني.
أما لعبة السؤال والجواب فقد جاءت علاوة على اللذة العقلية للحاكمين بأحسن النتائج، فقد كان الأمير فخر الدين هو الذي يجيء إلى السلطان بقائمة تحتوي على إجابات علمية هامة جدًا، وهو الذي كان يتوجه إلى القيصر لفي معسكره، فقد كان فريدريش الثاني يقاسمه الخيمة والأفكار، إن فخر الدين كان صديقه العربي الحميم.
لماذا تنشب حرب وهي بغيضة لدى الطرفين: القيصر فريدريش الثاني والسلطان الكامل؟ لماذا يتحارب الاثنان وهما على مستوى رفيع جدًا من الثقافة؟ إن الفرصة سانحة وبخاصة بعد أن أريقت دماء كثيرة من الجانبين لإحلال السلام والصفاء بين الشرق والغرب؟
وأمام حسن النية التي أبداها القيصر لم يسع فخر الدين إلا أن يقر القيصر على رأيه وحبه للسلام، وهكذا استطاع فخر الدين أن يحل العقدة الأولى. وعوضًا عن كبير الأمناء القيصري الأرعن والذي أثار غضب السلطان يجب أن يسند القيصر المفاوضات إلى الجراف «فون أكوين» عوضًا عن ذلك الأرعن، وهذا الجراف قد تعلم العربية في صقلية، كما أتقن الطريقة الإسلامية في المخاطبة وحسن معاملة الناس.
стр. 321
حقًا إن المشورة كانت موفقة كما أحسن اختيار الزمن. فقد عرف فريدريش السلطان عن طريق رسوله الفتوة ومراعاتها وتقدير مركزه ومكانته في أوربا. كما أدرك السلطان جميع التفصيلات والأمور التي تمت بين القيصر فريدريش و «خليفة روما» وكان على علم تام بكل ما يجري وجرى هناك في أوربا. لذلك ما كاد فخر الدين يخبر سيده السلطان الكامل بأفكار الإمبراطور، وأنه يذكره بوعده الذي قطعه على نفسه وأعلن استعداده لعقد اتفاقية جديدة وبخاصة أن مركزه في سوريا لم يكن على ما يرام، حتى وافق السلطان الكامل على عقد الصلح مع القيصر فريدريش الثاني. وفي ١٨ فبراير ١٢٢٩ م تصافح الشرق والغرب وحل السلام محل الخصام.
وقد حضر مراسيم توقيع المعاهدة السادة: «هرمان فون سلزا» رئيس الطائفة الألمانية و «توماس فون أكوين» و «الجراف فون أكيرا»، وأقسم أمير المؤمنين السلطان الكامل يمين العهد والمواثيق واحترام اليمين، كما أعلن في نفس الساعة احترامه لهذه الاتفاقية الرئيس المدني للمسيحيين، وكان ذلك في المعسكر الكائن بالقرب من يافا، ألا وهو القيصر فريدريش الثاني، فقد أقسم يمين الوفاء أمام الأمير فخر الدين.
عقد السلام «بدون حرب وبدون استخدام أسلحة»، وعن طريق المفاوضات، وهذه المعاملة وهذه الأخلاق هي التي قربت وآخت بين ابن عم فريدريش الصقلي وهو الملك فلهلم الثاني الذي عرف المسلمين في مملكته واحترامهم وأحبهم من قبله، وإن لم يكن في درجة حب واحترام فريدريش الثاني.
وقد نجح فريدريش الثاني في كسب ما هو أهم وأعظم، كسب شيئًا لم ينجح فيه أحد قبله، ومن ثم طلب إلى هرمان فون سلزا أن يعلن عاليًا شكر الله في الأعالي وذلك بين مختلف وحدات الجيش. فقد أعلن القيصر هذا الخبر بين عدد قليل من رجاله، وقد علمت الشعوب بهذا الخبر واستغربت كيف استطاع القيصر فريدريش أن يوفق وينجح في جمع شمل أبناء الشعوب المختلفة والمؤاخاة بينهم. إن فريدريش قد نجح بفضل إرادته لا بقوته، لقد حقق فريدريش الثاني ما عجز عن تحقيقه سابقه وبمختلف الوسائل. .
стр. 322
«لقد تحقق هدف الحرب الصليبية وبدون إراقة دماء». لقد تحررت الأماكن المقدسة: القدس، بيت لحم، الناصرة، وكذلك الطريق المستخدم في الحج من الشاطئ مخترقًا الجبل وصيدا وقيصرية ويافا وعكا.
أما القدس التي تضم عددًا كثيرًا من الأماكن الإسلامية المقدسة، فقد أعلنت مدينة مقدسة للطرفين فهي مقدسة للمسلمين أيضًا. وهكذا شرح صلاح الدين لقلب الأسد ريتشارد: أن القدس أكثر قداسة بالنسبة لنا منكم، فمن هناك بدأت قصة الإسراء وتجمعت الملائكة، لذلك نجد مسجد قبة الصخرة والمسجد الأقصى في الحرم الشريف والمعبد الذي يحتفظ به المسلمون، كما أبيح للمسيحيين إقامة صلواتهم به، كما هو الحال مع المسلمين في بيت لحم. إن الحجاج من المسلمين والمسيحيين يجب أن يسود بينهم الحب والاحترام، كما يجب أن يحترم كل فريق حقوق الفريق الآخر وكل يعبد الله حسب طريقته.
إن مثل هذه الفكرة بديهية وطبيعية عند العرب، لكن من وجهة النظر الأوربية عبارة عن نقطة تحول في التفكير العالمي. فقد أخذت تتلوها آراء جديدة أخرى كما ظهر منادون يدعون إلى السلام وحل المشكلات المتنازع حولها عن طريق المفاوضات لا القوة وبخاصة فيما يتصل بمسألة العقائد واستنكار الوسائل المتبعة ضد الوثنيين في نظر الكنيسة المسيحية، والعمل على إيقاف عملية اضطهادهم واستئصالهم. وكان من زعماء المنادين بهذه المبادئ «فولفرام فون اشينباخ» والسير «روجير بيكون» والملك ألفونس العاشر صديق العرب، وكذلك «فرنسيسكوس فون أسيسي» وهو الذي كان ينادي في قصر السلطان الكامل مبشرًا بكلمة الله ولو أنه لم يحرز نجاحًا كبيرًا. واستجابة لسياسة القيصر وتأييدًا لها نجد هذا النداء الذي نادى به التروبادور الفرسان ووصفوه بأنه طبيب أوربا الماهر.
فالسلام الذي حل بين أصحاب الديانات المختلفة ونشر السعادة في حياة المسلمين والمسيحيين جعلهم يسخرون من الحروب الصليبية وعقلية الصليبيين، هذه العقلية البغيضة التي فرضتها الكنيسة على أتباعها. وقد تجلت هذه الروح الجديدة في القضية التي أقامها البابا على سفير القيصر في مدينة ليون حيث أجاب السفير:
стр. 323
إنه في القدس وعلى مشهد من العالم أثبتت سياسة فريدريش البعيدة «أن صداقته من الأمراء العرب وفرت كثيرًا من إراقة الدماء المسيحية».
إن المفاوضة مع الوثنيين! ! -ونسي أن «جوتفريد فون بويليون» والمندوب البابوي «بيلاجيوس» قد تفاوضا مع الوثنيين- فقط هي التي انتهت إلى السماح للوثنيين بإقامة الصلاة في القدس، وهذا هو السبب الذي من أجله اعتبرت الكنيسة القيصر فريدريش الثاني خائنًا ومسيئًا للدين وأنه ابن شيطان ويعمل ضد المسيح وفي مقدمة الأشرار الذين سيصلون النار.
كما أن نجاح وتوفيق القيصر الذي حرمته الكنيسة، هذا النجاح الذي لم تحرزه سائر جيوش الصليبيين آلم خصومه إيلامًا شديدًا كما حط من قدرهم وكرامتهم حتى إنه يقال إن جريجور التاسع حرض رؤساء جماعة الداودية والهوسببتالر على إرسال مندوب سري إلى الكامل يبلغه أنهم علموا أن القيصر سيحج في صحبة نفر قليل في ساعة معلومة فينتقل من القدس إلى موضع المعمورية على الشاطئ الغربي لنهر الأردن. والفرصة سانحة للسلطان ليقبض على القيصر ويقتله، فتألم السلطان من هذه الخيانة ألمًا شديدًا ولا سيما أنها صادرة من فارس الخليفة الروماني، فما كان من السلطان إلا أن أرسل هذه الرسالة الممهورة بتوقيع رئيس طائفة الداودية، وقد كتب السلطان الكامل إلى القيصر قائلا: «إن هذا الوثني مثله مثل عمه صلاح الدين يخجل أشد الخجل مما تقترفه هذه العصبة التي يدعي أفرادها أنهم المسيحيون الحقيقيون والذين يؤمنون بالحب المسيحي أن مثل هذه الجريمة تجرح فتوته».
وهكذا ظلت الكنيسة لآخر لحظة تحارب فريدريش الثاني وتحاول إحباط كل خطواته أو إقامة العراقيل في طريقه وإفساد كل أعماله، ولما تسلم عند باب يافا في القدس مفتاح المدينة من يد مندوب السلطان وسار في الطريق مع الألمان الذين كانوا معه، وقد أخلى المسلمون الشوارع من المارة، حرم أسقف قيصرية دخول المدينة على المسيحيين، كما حرم عليهم إقامة الشعائر الدينية في الكنائس، كما رفض رجال الدين قبول القرابين، وأخذ رجال الدين المسيحيون يحرضون رجال الجيش على الثورة ويطالبونهم إلى جانب ذلك بوجوب القيام بأعمال السلب والنهب،
стр. 324
وبلغة الخصومة منتهاها عندما ألقى رجال الدين الغائط على القيصر وفرسانه لما صعدوا على ظهر السفينة.
لقد نجح فريدريش في إحلال السلام بين الشرق العربي والغرب المسيحي ولو لفترة قصيرة، هذا السلام القائم على الاحترام والتعايش السلمي، هذا السلام الذي أخذت تحاربه الكنيسة بمختلف الوسائل والطرق. أما السلطان الكامل فلم يبق من مختلف أنحاء العالم الإسلامي إلا قذفه بتهمة الخيانة الكبرى فالعالم الإسلامي ما زال يذكر حمامات الدماء التي أراقها الصليبيون في القدس والعالم الإسلامي لذلك يأبى أن يصافي الأيدي المسيحية الملطخة بالدماء.
وهكذا أصبحت رسالة القيصر التي كان من الصعب تحقيقها سياسيًا وواقعيًا وسيلة للتوحيد بين الدولة والدين؛ وبذلك شق لأوربا طريقًا جديدًا في مضمار مستقبل أحسن.
стр. 325
سلطان لوكيرا
«أول رجل حديث على العرش»
هكذا وصف «يعقوب بورخردت» القيصر فريدريش الثاني على أنه مثال الرجل الحر الموجود في المجال التاريخي العالمي، عقلية متحررة» من القيود والتقاليد وهو الرجل الذي يأتي في طليعة قادة النهضة الإصلاحية وحركة إحياء العلوم. وهذا الحكم جدير بالاعتبار والاهتمام، فالقيصر فريدريش كان أكثر أمراء الإصلاح شبها بالحكام العرب، مثله مثل المأمون أو الكامل، وإن الصلة بينه عقلاً وخلقاً وبين سلطان مصر تكاد تشبه الصلة بين أوراق الشجرة الواحدة فالميول واحدة والعادات متشابهة وطرق الحياة والنظرة إليها والسلوك والاتصالات بالناس تكاد تكون عند القيصر فريدريش صورة لتلك التي يتصف بها سلطان مصر، كما أن كلاً منهما يتصف بنظرته التحررية التي يتطلع بها إلى هذا العالم كعالم وحاكم ومصلح وبخاصة فيما يتصل بالمسائل الاقتصادية، وفريدريش كذلك مؤسس مدرسة عليا وليس أقل من الكامل بغضاً لإراقة الدماء.
وفي أعقاب حركة النهضة، نجد القوى التي شحنها فريدريش الثاني تتدخل في التاريخ وتؤثر فيه وتغير وجه أوربا من أساسه. وبالرغم من كل هذا لم يكن يعتقد أنه «إنسان عصري»، ولم يكن الشخص الذي يشعر أنه متحرر وأنه قد يقال عنه إنه مفكر حر أو زنديق، بل كان بالرغم من كل ذلك مسيحياً مؤمناً بالمسيحية، وكان في مسيحيته أفضل من أولئك الذين يجلسون على كرسي بطرس أعني الباباوات: هؤلاء الذئاب في ثياب الحملان، أولئك الذين يخلقون الفرقة بين الناس
стр. 326
ويحرصون على ألا يسود السلام العالم، أولئك الذين يطردون المؤمنين من الكنيسة إشباعاً لميولهم كما يصبون جام غضبهم على خصومهم دون وازع من ضميرهم ويذهبون بعيداً فيستبيحون لأنفسهم تجريد المؤمنين من أموالهم ظلماً وعدواناً. أما هم فيتمرغون في الثراء حتى تقضى ثروتهم عليهم.
لقد كان فريدريش الثاني أسيراً للعصور الوسطى بالرغم من أنه نشأ وتربي في بيئة متعلمة متحررة عن تلك التربية الأوربية التي كانت سائدة في ذلك العصر، وهذه الحالة التي كان عليها فريدريش بالرغم من صلته القوية بالعصور الوسطى تجعلنا لا نتردد في الحكم عليه بأنه إنسان عصري، ومعنى ذلك أنه اقتبس المثل العربية وأثرت فيه وتأثر بها كما أضاف إليها أفكاراً عربية أخرى مكنتها من عروبتها وجعلتها أكثر أصالة من غيرها.
وليس معنى هذا أن هذه الشخصية الجبارة يجب أن ننظر إليها ونحكم عليها من هذه الزاوية فقط، فالشيء الذي يجب الاعتراف به أنه ما كان يبلغ ما بلغه دون القواعد والأسس العربية التي قامت عليها دولة النورمانيين، فضلاً عن الثقافة العربية التي كانت سائدة في صقلية وطنه. وقد أيد هذا الرأي كثيرون من علماء العرب ومن بينهم المؤرخ أبو الفدا الذي تحدث عن كرم الإمبراطور وغرامه بالدراسات الفلسفية والمنطق والطب، كما اشتهر بعطفه على المسلمين، وذلك لأنه نشأ وتربى في جزيرة صقلية حيث كان أغلبية سكانها من المسلمين.
ولولا أن عمه فيليب سارع وترك إيطاليا الثائرة وعمل بوصية والد فريدريش الثاني ونقل الطفل ابن الثلاث سنوات من إيطاليا إلى وطنه الأصلي ألمانيا لحصل فريدريش الطفل على تربية علمية أفضل وأعمق، فالطفل كحاكم للبلاد في المستقبل كان سيحصل ولا شك على كاهن متعلم يقوم على تربيته بصفته ابنا للملك، وهذا الكاهن سيعلمه القراءة والكتابة والحساب وكذلك اللغة اللاتينية. ومن المرجح أن فريدريش وتفكيره الحر، كان سينسجم وهذه التربية، إلا أن هناك عوامل أخرى قد انتهجها وتأثر بها. إن فريدريش لو قدر له أن يربي في قلعة ألمانية
стр. 327
لحظي بتربية ملكية رقيقة ووقتذاك ما كان لأحد من أعدائه أن يتهمه وهو ابن الثالثة عشرة بأنه سيئ الخلق والسيرة لأنه يكون قد تربي التربية التي تتفق وبيئتهم.
وهل من المستطاع أن يرجو الإنسان شيئاً آخر من شاب هو أقرب إلى الطفولة وانطباعاتها منه إلى الرجولة وجدتها، وبخاصة لم يهتم أحد به منذ طفولته، فكان يتجول طليقاً حراً بدون رقيب في مختلف الحواري والأزقة وأحياء الميناء إشباعاً لرغبته في المعرفة، فذهب إلى المساجد والأسواق وأرصفة الميناء، كما اختلط بشعب بالرمو الخليط، وكان في وحدته القاتلة يصادق الحيوان والطير والإنسان غير مكترث بنوعه أو جنسه أو ثقافته. فالوالد الذي أراد أن يصحبه معه إلى ألمانيا قد توفي، لذلك شب الطفل وترعرع، شب هذا الملك الطفل بين الآثار العربية الإسلامية الجميلة وأحجار الفسيفساء البراقة والقلاع العربية الشامخة المتناهية في العظمة، وهي إن كانت ملكاً للملك روجير فإن العمال والمهندسين المعماريين الذين شيدوها كانوا عرباً جنساً وفناً ومعماراً، كما أن الذين كانوا يقومون على العناية بها عرب. لقد نشأ الملك الشاب في وسط لا تقع عينه فيه إلا على صور عربية وخلق عربي وحياة عربية، إنها بيئة العروبة ولوحتها الخالدة التي لن ينساها من يشاهدها. وقد ظلت هذه الصور ملازمة له بالرغم من السنوات العديدة التي مرت عليها. لقد سمع الملك الطفل أغاني المغنين العرب مختلطة بصوت مياه النافورة بين مقاصيرها الملكية، وحولها الأعمدة وكل هذه الأشياء تتراءى له وكأنها حلم. أما أذان المؤذنين من أعلى المآذن فكان يعين ويحدد له نظام يومه.
وحدث أن أمه «كونستنزا» النورمانية، ابنة الملك روجير الثاني قد فارقت الحياة عقب وفاة زوجها بزمن قصير، وحينذاك بدأ النزاع حول الطفل وقامت المشاكل وتعقدت الأمور. فلسوء إدارة الأوصياء أصاب المزرعة الملكية ما أصاب الدولة، ودب الفقر وساءت الحالة مما اضطر هذا الملك الشاب وهو ما زال في السادسة من عمره، إلى الالتجاء سائلاً مستعطفاً مواطنيه العرب فمدوا له يد المساعدة فكانوا يعولونه ويطعمونه مناوبة، هذا لمدة أسبوع، وذلك لمدة شهر وهلم جراً حتى بلغ الطفل السابعة.
стр. 328
وهكذا نجد الحياة ذاتها تولى تربية الملك الطفل وتتعهده منذ سن مبكرة جداً. ففي ميادين بالرمو في المساجد والكنائس والمعابد اليهودية، في الحوانيت والسوق وفي الشوارع كان يتلقى الملك الشاب دروسه اليومية في اللغات التي كانت متداولة حية بين أفراد الشعب المختلط الأجناس، كما تعلم أيضاً عاداتهم ودياناتهم. إن فريدريش كان يتكلم طفلاً تسع لغات. أما العربية فقد كانت كأنها لسانه القومي، كان يعرف كذلك الحساب العربي وشارك في مجالات التجار العرب والأئمة من رجال الدين فأجاد فريدريش المحاولات والمجادلات حول الله والعالم، ومن الجدير بالذكر أن القاضي الشرعي للمسلمين المقيمين في بالرمو كان يتولى تعليم هذا الشاب المتعطش إلى العلم والمعرفة والفلسفة العربية، ويمده بالكتب إرضاء لرغبته الجامحة إلى العلم وتحصيله، ويتنفس عبيرها الباسم، كما ذكر فريدريش ذلك في أسلوب عربي رائع.
فهذه المعرفة التي اكتسبها هذا الملك الشاب النابه بشتى الطرق جعلته يختلف عن والده في كثير من خصائصه وصفاته، فوالده كان يقدر له أنه يكفيه أن يتعلم المبادئ الأولية على يد المعلم «فلهلم فرنسيسكوس». أما الآن فالذي يكتب تاريخ هذا الشاب ابن الثلاث عشرة سنة يستولي عليه الإعجاب. نعم إنه يرفض الوصاية عليه مهما كان لونها ونوعها، هذه الوصاية التي تحدد إقامته وتحصي عليه تحركاته. إنه يأبى إلا أن يتنقل حراً طليقاً في الحياة العامة. لكن هذا المشرب من الحياة هو الذي يرجع إليه الفضل في إبراز خصائصه الخلقية وقدرته العقلية مما جعله يبدو وكأنه أكبر سناً مما هو عليه، فهو بالرغم من طفولته كان كثير المعرفة والاطلاع وذا عقل يضعه فوق سنه لذلك لا يحكم على فريدريش حسب سنه، وإن كان إدراك المرء مرتبطا بسن معينة فقد تبين أنه من حيث نضج التفكير وصحة الحكم على الأمور رجل مكتمل القوى العقلية، وأنه من حيث العظمة ملك.
ولو حدث مرة وبدت عليه علامات الطفولة فإنما مرجع ذلك حداثة سنه، إلا أن حياته الملكية التي كان يحياها وجهته التوجيه الصحيح، وهذا الاتجاه هو أيضاً من آثار الدماء النورمانية التي تجري في عروقه. هنا دولة اتسع صدرها لمختلف الثقافات
стр. 329
الموجودة بها، ومكنتها من التطور. كما أن احترام هذه الدولة لمختلف العقائد والعادات والتقاليد. إلا الزنادقة الذين كانوا في نظره مخربين للنظام القائم - يجعلنا نفهم ميله وحبه للروح الشرقية والثقافة الشرقية، وهذه الثقافة هي الأساس الذي اعتمدت عليه ثقافته وتكوينه العلمي، والثقافة العربية هي التي أفاضت عليه الألوان الثقافية المختلفة التي رفعت من منزلة فريدريش الثاني بين معاصريه، وهذه الثقافة أيضاً هي التي مكنته من تفهم العقلية العربية والحياة فيها والتفكير بها وحبه الشديد لكل ما هو عربي شعباً وثقافة وحضارة.
بدهي أن هذا الحب لم يكن صافياً كله عند غزو النورمانيين، ثم اضطهادهم للعرب بعد الغزو مما اضطر الأخيرين إلى المقاومة والاعتصام بالجهات الجبلية في قلب الجزيرة الصقلية، وذلك إباء من العرب وشمم من الخضوع للسيطرة الأجنبية. وهكذا نجد العرب من وقت لآخر يثيرون الاضطرابات ويهددون أمن الجزيرة. فهذا الموقف العدائي ودوافع التحرر والرغبة الصادقة في التخلص من أعدائهم .. كل هذه العوامل مجتمعة سببت للملك الشاب كثيراً من المتاعب، لذلك كان لا بد له للقضاء على الثائرين من خوض غمار حروب طويلة الأمد استمرت عدة سنوات، والجوع فقط هو الذي هزم العرب واضطرهم إلى التسليم، وقد وطنوا أنفسهم الأسوأ الاحتمالات، فقد قدروا عددهم خمسة وعشرون ألف عربي أنهم سيساقون إلى الإعدام، لكن حدث ما لم يكن في الحسبان، ففريدريش لم ينتقم حتى من المحرضين بل سلك مسلكاً يدل على أنه السياسي الحكيم حقاً.
إن فريدريش الثاني يعرف العرب جيداً، وقد أدرك أيضاً أن إصدار حكم الموت على أميرهم إبان المعركة كان تصرفاً غير حكيم وأيقن أنه عند إحراز أي نصر فالشخص المتعطش إلى الانتقام لن يستطيع الاستفادة من هذا النصر، لأن الانتقام يزيد من اضطهاد المهزوم وإيلامه ودفعه إلى الرغبة في الثأر والانتقام متى سنحت له الفرصة. فالمنتصر الحقيقي هو ذلك المتسامح لا المنتقم، إن فريدريش أدرك أن الاضطهاد قد يضطر العرب إلى الخنوع والذل. أما العفو، أما حسن المعاملة، أما كرم الأخلاق فسيضطرهم إلى الإخلاص له والوفاء والتفاني في سبيل نصرته
стр. 330
والعمل لمصلحته، وقد وقع هذا فعلاً. فبالقرب من مكانه المحبب إليه هذا المستقر الملكي المعروف باسم «فوجيا» في إقليم «أبوليا» أنزل فريدريش الأشتوقي خصومه القدامى ومنحهم حرية العبادة والإخلاص للعقيدة، وهكذا أقام في هذه المنطقة الاستراتيجية الحساسة في شمال مملكته المستعمرات الإسلامية الحربية. لقد أنزل فريدريش العرب في «جيروفلكو» و «لوكيرا» وهما من أكثر المدن الإيطالية ازدحاماً بالسكان، وهناك كان يعيش نحو ثلاثين أو خمسة وثلاثين ألف أسرة عربية. وكان العرب بعيدين عن غيرهم ولهم أميرهم الخاص وحكومتهم الخاصة وكانوا يتمتعون بحريتهم كاملة، فلهم مساجدهم التي يدعو فيها المؤذن إلى إقامة الصلوات الخمس يومياً وللعرب مستشفياتهم ومدارسهم ومكاتبهم وحماماتهم، كما وهبهم القيصر حديقة للحيوان. فمسلك فريدريش من العرب يدل حقا على خبرة القيصر بالناس وحسن معاملتهم، فضلاً عن بعد نظره السياسي، وهو إذا أقبل على هذا العمل فقد رجا أن يؤتي أكله مئات المرات.
والاعتراف بالجميل، الذي اتصف به العرب، يتجلى لنا في مقابلتهم هذا الصنيع الكريم للقيصر وعفوه عنهم بالشكر والولاء، وأدرك فريدريش حسن طوية العرب وإخلاصهم له فاتخذ من شباب عرب «لوكيرا» حرسه الخاص فهم أبناء حرب وقتال وشباب امتلأت نفوسهم حباً للقيصر فلا تهمهم تهديدات البابا أو وعيده، كما أنهم لا يحترمون إلا القيصر ولا يأتمرون إلا بأمره فطاعتهم له عمياء وإخلاصهم لعرشه لا يعرف نهاية، وإن فرقة عربية تتألف من ثلاثين ألف مقاتل لن يتردد جنودها من خوض غمار الحروب دفاعاً عن قيصرهم وذودا عن عرشه. وهؤلاء الجنود العرب يقفون رهن إشارة القيصر لاستخلاص النصر من بين أنياب الموت. ولم يتجل إخلاص القيصر عند تجنيدهم فقط، بل وكل إلى عرب «لوكيرا» حراسة خزانة الدولة وممتلكاتها التي لم تكن تدر حتى ذلك الوقت إلا الدخل القليل. كذلك وكل القيصر إلى العرب الإشراف على القاعات الملكية وإدارة جميع أملاكه وضياعه الخاصة وأملاك الدولة والمصانع التي كانت تنجز جميع الأعمال التي يحتاج إليها القصر الملكي، وكذلك المصانع العربية التي كانت تنتج السهام والأقواس والدروع والجنات مختلف أنواع المجانيق، وكذلك اللجم وسرج الخيل
стр. 331
ورحل الجمال والخيام والسجاجيد والستائر وغطاء الحيطان والوسائد المطرزة بالذهب والمطارح الحريرية.
ففي القاعات الملكية في «لوكيرا» و «مسينا» والأماكن الأخرى كان يطرز المطرزون الملابس الملكية بالحرير والذهب، كذلك المفارش الفاخرة والسرج والأغطية المختلفة للخيول والإبل الموجودة في الإسطبلات القيصرية. إن أعمال التطريز هذه كانت تقوم بها هذه الأنامل الرقيقة الجميلة الماهرة للآنسات اللواتي اشتهرن أيضاً بغزل الحرير والصوف والقطن ونسجه وحياكته تحت إشراف الأغاوات. إن أولئك الآنسات كن سبباً في إساءة سمعة القيصر.
وكان فريدريش الثاني عندما يخرج بالشارات القيصرية التي كانت غاية في الأبهة والعظمة ممتطياً صهوة جواده الذي أهداه إليه العرب. كانت تسير خلفه النوق والإبل سيرها الوئيد دون إحداث صوت أو جلبة، وقد حمل بعضها بجزء من مكتبته، ثم الفيلة المهمة والبغال والقردة والنمر، والعرب في ثيابهم الملونة والحبش السمر يحرسونه، ثم نرى المسلمين رماة الحدق والخدم والخادمات المحجبات والأجنبيات فكان جميع هذا مادة طيبة للخيال. لذلك كان العجب يستولي على النظارة ويعتقد القوم أن للقيصر حريماً، وهذا المنظر يؤيد الشائعة التي انتشرت مروجة أن للقيصر حريماً مما دفع البابا أن يشكوه باكياً إلى المجلس المقدس: «من عدا القيصر يستطيع أن يثبت هذه التهمة؟ ».
وكان كل طفل مسلم نابه في بلاط صقلية يحمل مفتاحاً يخول له الدخول مباشرة على القيصر، وكان جميع الناس مع اختلاف ألوانهم وأجناسهم وعقائدهم وألسنتهم والذين يحملون الألقاب الرفيعة، سواء عند القيصر. وإذا أظهر خادم من خدمه نبوغاً واستعداداً لتحصيل العلم تعهده القيصر ويسر له السبيل، وقد حدث أن المعلم «يواقيم» علم خادم القصر «عبد الله» اللغة العربية قراءة وكتابة فأمر القيصر بصرف مبلغ من المال له. كما نجد الطفلين الزنجبين «مرسوخ» و «موسكا» يتلقيان علم النفخ في الأبواق الفضية التي صنعت خصيصاً لهما تنفيذاً لرغبة عالية.
стр. 332
كذلك نجد الطفل العربي العريض الجبين المتألق العينين والذي تبدو على محياه دلائل الفطنة والذكاء ينال رضاء القيصر عندما شاهده واقفا بين الخدم، وهو ابن جارية مسلمة ووالد مسلم من البربر القاطنين في جبال مراكش فيسر له السبيل وفتح الطريق أمامه حتى بلغ أرقى مناصب الدولة. وكان هذا الطفل يسمى «جيوفيني» ويلقب «آل مورو» أي المسلم. وورد في المذكرات تحت اسم «يوحنيس موروس» وهو الذي اشتهر بإتقانه عدة لغات مما حدا بالقصر إلى ترقيته بسرعة فبعد أن كان أمين القصر رقاه إلى وظيفة كاتم أسرار المجلس الاستشاري القيصري. ومثل هذا «المسلم» مثل «جورج الأنطاكي» العربي الذي حاز ثقة الملك روجير الثاني فرقاه إلى أعلى منصب الدولة، ثم أقطعه عدداً من الضياع.
ولم يكن حظ «المسلم» أيام القصر فريدريش الثاني أقل من حظه أيام الملك كونراد، ففي عهده تولى علاوة على أمانة القصر محافظة مدينة «لوكيرا» مسقط رأسه، ومن ثم رقاه إلى وظيفة كبير أمناء المملكة الصقلية. فهذا التدرج في الرقي الذي يشبه إطلاق الصواريخ والذي بلغه هذا العربي الفقير الأصل تلاشي في أقل من وميض البصر، وذلك لأنه سقط مرة وأفشى سر الأسرة الأشتوفية ممثلة في الملك منفرد صديق العرب وحببهم للبابا، فما كان من العرب أنفسهم إلا أن اقتصوا من هذا الخائن الوضيع وقتلوه انتقاماً لكرامتهم التي أهدرت إخلاصهم الذي لطخه هذا الوضيع بالعار.
أما وظيفته فقد تولاها عربي آخر صقلي يحمل اسماً جرمانياً ألا وهو «ريتشارد» وكان على نصيب عظيم من العلم. وهو في الأصل من رجال القانون فكان يعمل قاضياً، ثم أصبح في الدولة المسيحية كبير الأمناء، ثم تدرج في الرقي حتى عينه الملك مستشاره الخاص وظل في منصبه هذا زهاء عشرين عاماً. ففي عام ١٢٢١ م نجد هذا العربي الذكي الخلص الأمين يقف إلى جانب الملك البالغ من العمر الثامنة عشرة والذي كان يحاول الحصول على تراث والده، فرافق «ريتشارد» الملك الشاب إلى ألمانيا ومنذ ذلك الحين أصبح رفيقه في الحل والترحال، في الحرب والسلم.
стр. 333
وقد تجلى إخلاص هذا العربي أيضاً عند موقفه من فريدريش وأصبح هذا الإخلاص مضرب الأمثال، وذلك لأنه حدث عام ١٢١٦ أن البابا «هونوريوس» الثالث لما أراد اختيار وصى لابنه الحبيب فريدريش كتب إلى العربي «ريتشارد» الرجل الذي اشتهر في روما بأنه موضع الثقة الوحيد لدى الأسرة الأشتوفية، أعني فريدريش.
ثم خلت وظيفة المستشار منذ أن فضل «فالتير فون فليجيارا» -هذا الرجل الأناني والوصي المتقلب منذ عهد شباب فريدريش. الإقامة في الخارج. فبعد عودة القيصر من ألمانيا عام ١٢٢٠ م تولى العربي ريتشارد كبير أمناء مملكة صقلية إلى جانب عمله وزارة المالية والخزانة، وكذلك الإدارة العامة للرأي. ومنحه سيده كثيراً من الأملاك في صقلية وقد ظل هذا العربي قائماً بهذه الوظائف الخطيرة في الدولة حتى وفاته عام ١٢٣٦ م وظهور هذا التغير الجوهري الخطير في التشريعات القانونية في مدارس الحقوق في شمال إيطاليا، وذلك بسبب وجود القاضيين «بطرس فون فينيا» و «ثاديوس فون سويسه» في البلاط الملكي، فقد انتقلت إليهما إدارة مصلحة الرأي بينما انتقل «يوجنيس موروس» إلى مصلحة الأمانة.
لقد بلغ وفاء ريتشارد للقيصر فريدريش حداً دفعه إلى مرافقته حتى في حملته الصليبية، ولم يكن هو المسلم الوحيد في حاشية القيصر، لذلك كان ريتشارد المسلم قذي في عيون وعاظ الحملة الصليبية فاتهموه أنه نجس قدس الأقداس. أما القول بأن ابن الجوزي أستاذ القيصر فريدريش في المنطق قد قام بدور الترجمة في هذه الحملة بين القيصر والطرف الآخر فبعيد عن الصواب، وذلك لأن القيصر كان يجيد العربية إجادة تامة. وما يقال عن ابن الجوزي يقال أيضاً عن اشتراك حملة عربية إسلامية من أبناء «لوكيرا» في هذه الحملة الصليبية، إذ إنه من المستبعد جداً أن يقاتل مسلمو صقلية مسلمي سلطان مصر وبخاصة أن القيصر فريدريش بما عرف عنه من صداقته للإسلام والمسلمين أحصف من أن يحاول هذه المحاولة، وأن يزج بالمسلمين من رعيته في حرب ضد المسلمين في الشرق وفي عكا. والآن نتساءل:
стр. 334
لماذا تظاهر فريدريش وكأنه المسلم المؤمن الحقيقي؟ إنها حيلة دبلوماسية عظيمة أن يتقدم للمفاوضات في الشرق وهو في زي شرقي وتحيط به حاشية شرقية. إنها خدمة عظيمة لأن يفاوض السلطان كسلطان وبتقاليد سلطانية.
والرحلة التي سبق أن وعد القيصر في «إكس لاشبل» بالقيام بها نفذها، لكن ليس لسبب ديني، إنها رحلة كما وصفها لأصدقائه العرب في غير حياء أو خجل ذات فائدة سياسية هامة له، وكان يتمنى أن يزور الشرق العربي، هذا الشرق الذي كان يؤمن بعظمته ورقيه وتفوقه، كما كان يحترم العرب ويعجب بهم كثيراً ويشعر بفضلهم العظيم عليه وكم هو مدين لهم، دين العالم لهم أيضاً، فرحلته إلى العالم العربي ستمكنه من الاجتماع بأنداده.
لذلك لم تكن الدبلوماسية فقط هي التي دفعته إلى تبادل الهدايا والدخول في محاورات ومساجلات في الفروسية من العرب، إنما كان يريد أن يثبت أنه ليس أقل من العرب شأناً؛ والواقع أن هذه النوايا قد ظهرت واضحة وتجلت عندما حرص سلطان مصر على المحافظة على الشعور الديني للقيصر، فأمر المؤذن في القدس أن يتوقف عن الأذان طيلة إقامة القيصر؛ كما نجد السلطان يعين القاضي شمس الدين مرافقاً للإمبراطور وملازماً له طيلة مدة ضيافته وإقامته في القدس؛ فدار حديث بين القيصر والقاضي: «أيها القاضي لماذا لا يؤذن المؤذنون للصلاة؟ » فأجابه القاضي: «يا ملك الملوك إننا نعرف كيف نقدر زيارتكم» فتألم القيصر وقال له: «إنكم تأتون ظلماً في بلدكم ووطنكم من أجلى وذلك بتغييركم عاداتكم وتقاليدكم، إنكم لستم في حاجة إلى هذه المخالفات لو كنتم في بلادي؛ وعلاوة على ذلك فقد سرني جداً سماع المؤذن ليلاً».
إن الرحلة إلى بلاد العجائب كانت للتسلية بالنسبة للآخرين، لكن القيصر كان ينظر إليها وكأنها عودة إلى مصدر ووطن عقليته وثقافته التي تثقف بها، فرحلته هذه تفتح الآن له عينيه وبصيرته، وعند عودته إلى مملكته سيراعى تجاربه التي جمعها ويحاول تطبيقها.
لقد أقام في القدس يومين إلا أنه بالرغم من ذلك شاهد قبة الصخرة المقدسة
стр. 335
وهي الثانية بعد الكعبة، والإمبراطور يشبه جده روجير الثاني الذي اهتم اهتماماً كثيراً بمشاهدة كنيسة أو قلعة أو مستودع أسلحة فكان يتفقد هذه الأماكن تفقد الخبير «لقد شاهد كل شيء بعناية ودقة عظيمتين»، هكذا ذكر الذي كان يرافق الإمبراطور كعضو بعثة شرف «أولاً شاهد المسجد من بعيد وأبدى إعجابه بجماله ومعماره والأثر الذي يتركه في النفس ثم فحص الحائط القائم على الصخرة وأبدى إعجابه ببنائه وبناء المنبر. ولكي يشاهد كل شيء تسلق حتى بلغ القبة وتأبطني عندما خرجنا».
وفي القاعدة المثمنة الأضلاع والتي تعتبر من أكبر الآثار التي شيدها في حكمه «كاستيل ديل مونتيه»، أعني قلعة الجبل - نجد تخليداً لذكريات القيصر لزيارته لقبة الصخرة ومسجدها.
إن الذكريات التي جمعها فريدريش من رحلته إلى الشرق ظلت ملازمة له طيلة حياته كما أثرت فيه ووجهته التوجيه الذي امتاز به: ثقافة روحية نورمانية، وشباب فريدريش الثاني الذي مضاه في صقلية.
стр. 336
على الأسس العربية
إلى جانب الثقافة المختلفة التي لعبت دوراً هاماً في حياة فريدريش الثاني وأعماله، هذه الحياة الغنية بكل شيء، وهذه الثقافات المتعددة الأصل والجوهر كاليونانية البيزنطية والرومانية القديمة والمسيحية الأوربية. كانت الثقافة العربية أبعد جميع الثقافات الأخرى مجتمعة أثراً في حياة القيصر الأشتوفي، فالثالوث الذي تجمع في فريدريش وهو الوراثة النورمانية وانطباعات الشباب وتجارب الشرق، هذا الثالوث كان العامل القوي الذي تتجلى لنا آثاره في حياة فريدريش وأعماله.
والأدلة على ذلك المباني التي شيدها فريدريش الثاني وما أكثرها، ففي مملكته خلف أكثر من مائتي قلعة عدا الحصون والمباني الأخرى الجديدة أو المجددة. إن هذه المباني هي خير ما يعبر عن تلك القوى وهذه الدعائم التي تقوم عليها دولة فريدريش الثاني، فهي مزيج وكأنها في مزيجها هذا إرادة قوية موحدة. في هذه المباني نجد الأبواب التي ترجع إلى العصور القديمة والجمالونات والزخارف والفسيفساء البيزنطية والقباب ذات الأضلاع القوطية، ويتسلل إليها النور عن طريق كوات على شكل ورود قوطية ونوافذ.
لكن الأسس التي قامت عليها هذه الحصون والقاعدة المعمارية التي روعيت عند بنائها كمواقع للدفاع خالدة شامخة لا شك في أنها عربية.
ففي العالم الهندي الجرماني نجد الحصون المستديرة وفي وسطها السكن، كما أنها تختلف نوعاً ما في الأبراج الإقليمية أو تلك المشيدة على الحصون حيث نجدها
стр. 337
متأثرة بالشيء المقدس القائم في وسطها. كذلك نجد نفس هذه الفكرة في المعسكرات في العصور الوسطى حيث سلاح الفرسان.
أما الآن فقد تحولت إلى أبراج للسكن والإقامة للفارس وأسرته، وفي أعلى التلال وقمم الجبال نجد أبراج الحراسة وحول البرج المقام نجد البرج الرئيسي الذي هو مركز الارتكاز وحوله دوائر مملوءة خشبية وخنادق وأسوار.
أما البرج العربي فشيء آخر، ففي أوائل العصر الميلادي نجد بلاد العرب الجنوبية تنهض به نهضة عظيمة متمشية مع سلاح فرسانها العظيم. فحصونها القوية المشيدة من الصخور قد جمعت إلى بعضها عن طريق معدن مصهور، وقد ظلت هذه الحصون قائمة قروناً عديدة وهي ليست مستديرة الشكل بل مربعة وذات زوايا قائمة، فقد انتزع سادة اليمن وحضرموت صخوراً من الحيطان مربعة الشكل يبلغ سمك الصخرة نحو خمسة أمتار، كما أن ارتفاع البرج لا يقل عن ارتفاع عشرين طابقاً وقد أقاموها في رمال الصحراء. أما الأركان الأربعة فكانت تحميها وتدافع عنها أبراج أربعة مصقولة ملساء. وفي جوانب الحيطان الشامخة نجد الأبواب التي تحميها أبراج صغيرة. وفي أثناء الحروب تأوي إليها القبائل بإبلها وغنمها.
وفي القرن الرابع الميلادي نجد هذه الأبراج المتناسقة المشيدة على أسس وقواعد رياضية تنتقل إلى سائر أنحاء الجزيرة العربية، ومن ثم أخذت تنتشر حتى بلغت بيزنطة. وإلى القرن الخامس الميلادي يرجع تاريخ البرج الصغير المعروف باسم «قصر الخير» الموجود في سوريا وطوله نحو سبعين متراً وزواياه قائمة وعليها الأبراج وأربعة أبواب للأبراج والحيطان. وبجواره مباشرة بني حوالي عام ٧٢٨ الخليفة الأموي هشام قصراً فاخراً مثله تماماً إلا أنه أعلى وأضخم. وبين أبراج الزوايا الأربع تقوم حيطان يبلغ ارتفاع الحائط منها ثمانية وعشرين متراُ وطوله مائة وسبعين مترا. وفي كل باب برج يحميه. وإبان حكم هشام باني القصر انقضت الجيوش العربية في أقصى الغرب من جبال البرنات على فرنسا، ومع الجيوش العربية زحفت الأبراج العربية إلى إسبانيا والبرتغال وغيرهما فقضت الأبراج الحجرية على الطريقة الخشبية القديمة التي كانت سائدة في الأبراج الأوربية.
стр. 338
وعن عرب إسبانيا تعلم الفرسان الأوربيون وبخاصة في فرنسا وإنجلترا، كما أخذت أوربا هذا الفن المعماري العربي مباشرة من فلسطين وسوريا فالأبراج المعروفة باسم أبراج الصليبيين وأشهرها هذا المعروف باسم «مارد الفرسان» أقدم من الحروب الصليبية ولم يؤخذ عن الأبراج الأوربية للفرسان، هذه الأبراج المستديرة كما يريد أن يقتنع المؤرخون الأوربيون.
وهكذا نجد أيضاً القيصر فريدريش الثاني مثله مثل الفرنسيين والإنجليز الذين عادوا من الشرق يتأثر بفن المعمار العربي في قلاعه الحكومية التي أمر بتشييدها. ففي العام العشرين حصن في صقلية جميع مراكز الدفاع التي تصدعت أو تهدمت، هذه المراكز الدفاعية التي ترجع إلى العصرين العربي والنورماني، كما استخدم التصميم العربي في مبانيه الجديدة التي أمر بتشييدها في «سراكوز» و «كتانيا». ولم يكد يعود من القدس حتى وضع خطة جديدة للبناء تطلب إنجازها عشرات السنين كما أقام في طول البلاد وعرضها شبكة من الأبراج الضرورية للدفاع عن البلاد أو إدارتها، ومن هنا أصبحنا نجد في «باري» و «تراني» و «برنديزي» وفي مدن أخرى كثيرة جداً ما يعرف في إسبانيا باسم «كوكا» وفي فرنسا «باستيل» أي قلعة أو برج أو حصن وفي إنجلترا «بوماري» وجميعها قد أخذت عن العرب، فالتصميم والفن والأقواس المدببة والسهام كلها عربية، هذا إلى جانب الحيطان المربعة الضخمة وبعض الزخرفة التي نشاهدها في مباني فريدريش تبين بوضوح تصميمها العربي، وكذلك الأسماء المنحوتة عليها تؤيد هذه الأصالة العربية.
ومن هذه الأبراج الأشتوفية التي أقامها فريدريش الثاني في جنوب إيطاليا سرت موجة تقليدها إلى شمال إيطاليا وألمانيا حيث نجدها في أبراج الطوائف البروسية. ووجودها في بروسيا لم يكن صدفة، فمؤسس الطوائف الألمانية ورئيسها هو «هرمان فون سلزا» وفرسان جماعته وطوائفه كانوا في الواقع من حاشية القيصر الأشتوفي. ولم تتأثر هذه الطوائف الألمانية بهذا الفن المعماري العربي فقط بل بالأفكار أيضاً التي نقلوا الكثير منها من مملكة فريدريش إلى شرق ألمانيا ولو أن فريدريش نفسه جاء بها من الخارج، من الشرق، من العرب.
стр. 339
بينما كان القيصر الأشتوفى في ألمانيا كريماً كرماً يشرف الدولة ويرفع من شأنها، ويغمر هيئات أخرى كثيرة ببعض الحقوق والامتيازات، فعم كرمه الأساقفة والأمراء والمدن والأديرة، إذ به في مملكته صقلية يفعل عكس هذا. لقد تجرأ وأتى بتجربة عظيمة أراد من ورائها في بروسيا دولة الطوائف أن تكون مثلاً يحتذى في كل أوربا، فقد أزال كل الأنظمة العتيقة البالية دون تردد أو شفقة وبسط المسائل المعقدة الملتوية والإجراءات العتيقة فنبه وأيقظ الغافل وكانت النتيجة المحتومة التي رمي إليها خلق دولة من الموظفين تجمعت فيها السلطات في يد الملك الذي فرض إرادته عن طريق موظفي الدولة على سائر طبقات الشعب. وهكذا نجد دولة الإقطاع تختفي وتقوم مقامها حكومة الفرد، حكومة مركزية، حكومة موظفين.
ولم يكن فريدريش هو الأول في التاريخ العالمي، وليس الإنسان في حاجة إلى ضرب الأمثال، فروما وبيزنطة خير من يقدم الأمثلة، ولكن هل ساهم العرب هنا أيضاً في خلق مثل هذا النظام؟
كما أننا نشاهد في الأبراج التي بناها فريدريش الثاني وفي سائر أبنيته الجديدة الأعمدة الرومانية البيزنطية، كذلك الحال في كيان الدولة النورمانية، فقد اقتبست التصميمات المعمارية العربية، وكذلك طريقة تشييد الحيطان العربية دون إدخال أي تعديل فيها وبذلك استطاع فريدريش مواصلة البناء دون صعوبة.
وحكم شعب غير متجانس الأصول والعقائد والتقاليد متمرد على الأوضاع القائمة التي خلقها نظام منذ ثلاثين عامًا؛ مما اضطر الحاكم إلى إيجاد نظام قوي حكومي من الموظفين. هذا مع إيجاد نظام حكم مطلق اقتبسه فريدريش من نظام حكومة السلطان الكامل، وعلاوة على ذلك كانت الأحاديث المتبادلة ليلا في الخيمة مع صديقه فخر الدين تتناول شتى المواضيع، فهي لم تعن بالفلسفة فقط بل عالجت أيضا تنظيم الدولة وإدارتها حسب الأنظمة العربية المتبعة. وقد أدرك فريدريش أن العرب قد نبغوا في دولتهم في خلق نظام إداري قوي، فسلاطين الفاطميين في مصر كانوا أيضاً سادة صقلية واشتهروا بأنظمتهم المالية. وفي الواقع أن الجراف روجر الأول قد اقتبس في دولته القائمة في الجزيرة نفس النظام الذي
стр. 340
كان سائداً من قبل أيام حكم العرب، فأبقي على ديوان الخزانة والحسابات والإدارة والجمرك، وهي التي كانت تعرف قديماً باسم ديوان الأحباس وديوان النظر، وغيرها كتلك الخاصة بالتنظيم الإداري وما إليها، وقد احتفظ روجير بأسمائها العربية وموظفيها العرب كما حرص حرصاً شديداً على الحسبة لتنظيم المكوس والأتاوات والمكاييل والموازين وإدارة الأملاك. والذي حدا بروجير على الاحتفاظ بهذا النظام العربي إعجابه به أولاً وتجنباً لما عساه أن يحدث من اضطراب وفوضى. كذلك استخدم أيضاً فرقاً عربية بضباطها وقوادها كما حرص على الاستفادة من أمراء البحرية العرب.
وحرب فريدريش ضد الثوار ثم الحملات الصليبية وفيما بعد حروبه المتصلة ضد البابا والمدن اللومباردية. كل هذه المشاكل مجتمعة كلفته أموالاً طائلة، وديوان الأحباس وديوان النظر وغيرهما من الدواوين العربية فقط هي التي مكنته من جمع الأموال اللازمة للمحافظة على كيان الدولة داخلياً وخارجياً. كذلك استن فريدريش سنة العرب في مسح الأراضي سنوياً وتقدير الضرائب حسب مساحتها وذلك تجنباً لما عساه أن يقع من ظلم عند تقدير الضرائب، فأدخل هذا النظام أيضاً إلى صقلية، كما تكونت لجان لتقدير الأراضي وتقدير الدخل، وتقدير الضرائب، ومقابل الجزية في البلاد الإسلامية التي فرضت على غير المسلمين فرضها هو في مملكته على المسلمين واليهود.
كذلك نجد الضرائب غير المباشرة التي فرضها العرب على المواد التموينية والمواد الكمالية تفرض على سكان صقلية كما كانت فيها من قبل. كذلك نجد احتكار الدولة لبعض السلع الخاصة والمناجم عاد ملكاً خاصاً لرئيس الدولة الذي كانت تتبعه إدارة المكوس، كما احتكرت الحكومة أيضاً بعض البضائع مثل الحرير وغيره من الحاجيات المنزلية، فكما أن هذه الأشياء كانت حقاً من حقوق الدولة العربية منذ أواخر القرن العاشر الميلادي كذلك الحال هنا في صقلية، فقد درس فريدريش هذا النظام وبخاصة إبان إقامته في الشرق، وعند عودته فرض احتكار الدولة للملح والمعادن والقار والكتان، كما استولى على تجارة الحرير وصباغته وجعلها حقاً من حقوق الدولة، كما وضع تجارة الحبوب تحت رقابتها أيضاً.
стр. 341
كذلك من الأنظمة المالية لأوربأ نظام المكوس الفردريشي، فقد اقتبسه النورمانيون عن رعاياهم العرب إلا أن فريدريش نظمه تنظيماً دقيقاً جداً، فألغي المكوس الداخلية الإقليمية التي كانت كل جماعة تفرضها حسب أهوائها واكتفى فريدريش بالمكوس القائمة عند حدود المملكة فقط. وعقب عودته من الحملة الصليبية أقام في جميع الموانئ وعلى الحدود الشمالية فنادق كتلك الموجودة في البلاد العربية وعلى امتداد طرق القوافل وفي الموانئ حيث تأوي مئات الألوف من التجار والمسافرين. فجميع الصادرات والواردات يجب أن تخزن في مخازن خاصة تابعة لتلك الفنادق وتحت إشراف موظفين خصوصيين، وكانت هذه البضائع توزن موازين حكومية وتباع وتشترى وتفرض عليها المكوس.
وكان في الفنادق الحكومية مصرف لتبادل النقود، وهي أول الفنادق الحقيقية في القارة الأوربية. وكان من عادات العرب التي امتازوا بها الحمامات، لذلك كانوا يقدمون للمسافرين في فنادقهم الحمامات، وقد استفادت البندقية والمدن التجارية الإيطالية الأخرى من هذه التجارب العربية الشرقية، فأدخل الأوربيون نظام الحمامات التي أثارت دهشة وإعجاب سكان الجانب الآخر من جبال الألب. كما استخدم القوم هذه الإصلاحات التي أدخلها العرب في صقلية، ومن ثم انتشرت في مختلف الموانئ الشمالية الإيطالية. وعن طريق التجار أو طوائف الفرسان الألمان أدخلت الفنادق العربية الأصل إلى المدن التجارية الألمانية «هنزا».
ومع الأشياء تأتي الأسماء فنجد الأسماء العربية تشق طريقها إلى العالم التجاري الأوربي مثل: «فندق» و «مخزن». وكذلك «دار الصناعة» و «حوالة Aval» و «ديوان Dune» و «جبل = ملح جبلي» و «عوار» و «حبل» و «مخاطرة» و «رزق» و «شيك» و «سمسار» و «استار استرليني» و «طرح» و «تعريف» و «تفريق» و «سكة».
ومنذ مائة وخمسين عاماً أو أكثر انتقل حكم صقلية من العرب إلى الأوربيين وبالرغم من ذلك ما زالت المسائل المالية والإدارة المالية موكولة إليهم بالرغم من
стр. 342
أهمية الاقتصاد في حياة البلاد، فأولئك العرب كانوا دعامة قوية للقيصرية فنشاطهم وإنتاجهم للقيصر فريدريش الثاني وبخاصة في حروبه كان على جانب عظيم من الأهمية.
إن العرب كانوا يكونون في ذلك الوقت الطبقة الممتازة في البلاد، فكبير الأمناء «ريتشارد» كان في الوقت نفسه بمثابة وزير مالية الدولة والمستشار المالي للقيصر، وكانت جميع أموال الضرائب تسلم إليه لينفق منها عن طريق موظفين أمناء على رجال الدولة والجيش والتسليح وسائر ما تحتاج إليه البلاد.
وكما كان الحال في القصر الملكي هكذا كانت الوظائف المالية الكبرى في جزيرة صقلية غالباً في يد عرب، وكانت اللغة العربية هي لغة الدواوين المالية وما زالت تسمى متى اليوم «ديوان»، كذلك اللغة العربية هي لغة موظفي الدرجتين الثانية والثالثة، وعليهم تقوم الدولة ويعتمد القيصر وإليهم الرجوع. وحدث عام ١٢٤٤ م أن المستشار القانوني المسمى وقتذاك «فرنندو كارا كيولو» أخفق في جمع الضرائب المستحقة بالرغم من الضائقة المالية التي تعانيها البلاد فغضب عليه القيصر وطرده وأسند منصبه إلى عربي.
ومن بين كبار موظفي صقلية، ذلك الموظف المعروف باسم «أوبرت فلاموناكا» وهو في الواقع ابن عبدالرحمن، وقد ترقى بجده وكفايته من وظيفة المدير العام المصلحة ضرائب بالرمو إلى المدير العام المالية صقلية وامتد سلطانه حتى القصور الملكية .. وقد استخدم القيصر هذا الموظف النابه في الأعمال الدبلوماسية أيضاً. فقد سافر إلى إسبانيا ومراكش إلى قصر أمير المؤمنين كسفير للقيصر. كما ترأس مرة أخرى بعثة اقتصادية لإجراء محادثات تجارية مع سلطان تونس وقد تسلم مكافأة لهذه المهمة تقدر بنحو ثلاث وأربعين وثلاثة أرباع أوقية ذهباً، «وكان قد أنفقها على نفسه وعلى حراس وفرسان قنصل تونس وهو «هينريش عباس» وللأبل التي أحضرها من تونس في حضوره»، وفي دولة كدولة الأشتوفي كان من المستطاع أن يصر هو على ألا يوقع اتفاقية أو وثيقة إلا باللغة العربية.
стр. 343
ولم يكن شغل الأداة الحكومية مقصوراً على العناية بالموظفين والجيش بل أولت النباتات العربية اهتماماً صادقاً، فقد اهتمت الدولة مثل «الحنا» و «النيلة» و «قصب السكر»، كما اعتنت بالفلاحين وعملت على رفع مستواهم الاجتماعي. وكانت عيون الدولة شأنها شأن العيون العربية يقظة في مراقبة التاجر وموازينه ومكاييله، وكذلك العناية بتخزين المواد التموينية وحالتها. وكانت الدولة تعنى بفحص مواد التموين والمذابح التي يجب أن تقوم حسب الطريقة الشرقية خارج المدن، كما درجت الدولة على اختيار الصناع وموظفي المصارف والصيارفة والطبيب والصيدلي.
وكانت الدراسة تسير حسب منهج مرسوم ومدروس من قبل «ولما كانت دراسة الطب تتطلب قبل كل شيء الإلمام بالمنطق، لذلك تقرر ألا يقبل طالب في مدرسة الطب إلا بعد أن يمضي ثلاث سنوات من قبل في دراسة المنطق»، ثم ينتقل إلى الطب فيقضي على الأقل خمس سنوات وكذلك الحال في الجراحة والتشريح مع إجراء تجارب عملية في الجثث. كذلك على طالب الطب أن يجتاز امتحانين أمام الكلية وأمام القيصر أو مندوبه. وبعد أن يجتاز الطالب الامتحان يمضي خمسة أعوام في المستشفى نائبا، وبعد ذلك فقط يصرح له مباشرة مهنة الطب. أما الجراح فمسئوليته أكبر ورسالته أخطر، لذلك لا يصرح له مباشرة عمله إلا بعد الحصول على ترخيص خاص، وذلك بعد أن يثبت إلمامه بعلم التشريح والطب إلماماً عظيماً.
فهذه المعلومات ضرورية جداً لإجراء عملية جراحية أو إتمام العلاج ومتابعته حتى يتم الشفاء. «وزيادة في الدقة» يجب عليه استخدام إسفنجة التخدير العربية التي أدخلها «هوجو فون لوقا».
أما عدد زوار المستشفى يومياً وقيمة أتعاب الطبيب، فقد حددتها الدولة. أما الفقراء فكانوا يعالجون دون مقابل، كذلك الصيدلي كان يخضع لنظام خاص ينظم علاقاته بالمرضى أولاً وبالدولة ثانياً، فالصيدلي كان يخضع دائماً لرقابة موظفي الصحة ورجال شرطتها.
стр. 344
فهناك ندرك مدى التقدم الطبي الذي فاق نظيره عند الإفرنج؛ لذلك لا يدهشنا أن نرى القيصر يتخذ من الطب العربي مثالاً يحتذى. ولم يكن فريدريش هو أول من تنبه إلى هذا في صقلية بل نجد جده روجير الثاني يسبقه إلى هذا، فقد أصدر قانوناً خاصاً بالطب والأطباء. ثم جاء فريدريش ونسج على منواله فوجه جل عنايته إلى الطب العربي واقتباسه، كما أصدر قانوناً خاصاً بالطب في أوربا.
وكما كان الحال إبان حكم العرب وسيطرتهم، وكما عرف فريدريش من الشرق أدخل هو أيضاً نظام الحسبة العربي لمراقبة سائر المهن والتجارة والاقتصاد والصحة كما حرص على وجوب السهر على مراقبة هذا النظام واحترامه، وقد ظل نظام الحسبة قائماً في مملكته قروناً طويلة، وفي عام ١٢٣١ أصدر القيصر مرسوماً بتعميمه في أوربا أيضاً، أي خارج الجزيرة. كذلك رفع من المستوى الصحي العام وشعر بضرورة وجود الحمامات، فأهميتها لا تقل عن أهمية المدارس والمكاتب، لذلك أكثر منها وجعلها عامة فأصبحت مدينة «لوكيرا» أنظف وأصح مدينة في القارة الأوربية. وبلغ من حماقة خصوم القيصر أن أطلقوا عليه لقب «سلطان الوكيرا»، ولا أدل على اهتمام القيصر باقتباس كل ما هو عربي صالح وإدخاله إلى بلاده من أنه عمم الحمامات في كل إقليم من أقاليم بلاده، وكذلك المياه الجارية التي هاجمتها الكنيسة لأنها اعتبرتها تبذيراً، فكيف يستحم الفرد يوميا، إنها جريمة، وبخاصة الاستحمام أيام الأعياد الكنسية، إذ كيف يتجرد الإنسان من ملابسه، إنها جريمة كبرى!
إن القيصر الذي تعلم طفلاً وشاباً من الشعب يجب أن يهتم بما يفيد الشعب ويخدمه، وهل هذا عجيب؟ !
وهكذا نجد القيصر ينشط في تأدية خدمات عظيمة للشعب ترفع من شأنه وشأن دولته وبهذه الطريقة فقط استطاع بمساعدة موظفيه تنفيذ جميع هذه الإصلاحات لجعل من دولته أول وأعظم دولة مدنية مستقلة عن الكنيسة وسلطانها.
أما موظفو الدولة فكان فريدريش يتطلب منهم ثقافة خاصة، لذلك أوجد
стр. 345
القيصر جامعة نابولي لتخريج عدد كبير من العلماء الأذكياء النابهين، كما حرص على إشاعة العدل بين أفراد الرعية لأنه أدرك أن العدل أساس الملك، وإلى جانب دراسة القانون، كانت تدرس في أول جامعة مدنية في أوربا جميع فروع العلوم الأخرى عدا الطب الذي كان يدرس في «سالرنو».
أما الشعلة المضيئة في مملكة صقلية ونجم أوربا اللامع، فهو القيصر فريدريش الثاني.
стр. 346
محادثات على الحدود
من بين المؤثرات العلمية التي أثرت في تكوين عقلية القيصر وشخصيته طيلة حياته البالغة ستة وخمسين عاماً: اللغة العربية. فهذه اللغة كانت أقوى العوامل أثراً في حياته وتوجيهه لا لأنه مما فيها وترعرع منذ طفولته حيث كان عقليته متفتحة القبول المعارف والاستفادة منها بل لطبيعته واستعداده وخصائصه، فقد وجدت جميع هذه الخصال في الثقافة العربية الغذاء الصالح، كما وجد القيصر الطفل والقيصر الشاب في هذه البيئة العربية الجو الملائم لنموها وازدهارها.
فمن إسبانيا الواقعة في غرب القارة الأوربية زحفت العروبة والعربية على كل أوربا، ومن أجزاء القارة البيضاء من استنكر هذا الزحف ومنها من أعجب به، لكن على كل حال وقفت أوربا من زحف الثقافة العربية موقفاً سلبياً. فمن إسبانيا وفد قبل الحملة الصليبية العالم العظيم، على القصر الملكي في صقلية حيث فريدريش. وعن طريق القيصر، عرفت أوربا الآراء الخطرة للفيلسوف العربي ابن رشد. لقد درس «ميخائيل سكوتوس» في إسبانيا وألم باللغة العربية إلماماً جيداً؛ لذلك ساهم في طليطلة في التراجم والترجمات العربية اللاتينية. وكان هذا كافياً لأن يزكيه لدى القيصر فيحسن استقباله. لقد جاء هذا الضيف العالم ومعه معلومات كثيرة جداً في مختلف المواضيع إلا أنه وجد في صقلية أستاذه: «أيها القيصر السعيد إني أعتقد حقاً إذا استطاع شخص أن يتجنب الموت عن طريق علمه فأنت هذا الشخص»! وترجم للقيصر كتاب الحيوان لابن سينا، وشرح ابن رشد على أرسطو، وهو الكتاب الذي ظل مدة ثلاثين عاماً يزعج المسلمين المتزمتين والمسيحيين كذلك.
стр. 347
ابن رشد قاضي قرطبة، كان كذلك طبيباً وفيلسوفاً، وتوفي وقد بلغ اثنين وسبعين عاماً في قصر خليفة مراكش، وفي نفس العام وهو العام الذي تسلم فيه فريدريش، أربع سنوات في بالرمو، التاج الملكي. أما مؤلفاته فتكاد تتفق ومشرب القيصر الأشتوفى، وعند إلقاء النظرة الأولى عليها تبدو غير متطرفة بخلاف الوصف الذي توصف به «الحركة دائمة» ولك حركة سبب سابق وبدون حركة لا يوجد زمن، ولا نستطيع أن نتصور أن للحركة أولاً أو آخراً». وهذا الفيلسوف القرطبي يؤمن كذلك إيماناً قوياً بأرسطو ففيه كل الفلسفة. هذا رأي ابن رشد، وتتوقف المسألة على شرحه. وفكرة تجسيد المعرفة بجميع فروعها منذ ألف عام قبل مجيء الرسول، وقبل أن تعلن كلمة الله، كما يعتقد المسيحيون، كل هذا لا يمنع ابن رشد الذي يقدس أرسطو من أن يهتم بشرح فلسفة أرسطو والدفاع عنها، وكأنه أرسطو نفسه. والواقع أن هذا الفيلسوف العربي الحديث عالج المسألة في شيء عظيم من البراعة، فابن رشد يقول ما مضمونه إن الخلق من العدم عبارة عن أسطورة فالعالم في الواقع هو خلق مستمر يخلقه الله، والله هو المدبر للكون ومنظمه وهو روح الوجود، فهذه الروح الإلهية تلهم الروح الإنسانية العلم والمعرفة ...
هل هذا الفيلسوف منكر وجود الله وغير مؤمن به؟ حقاً إن ابن رشد يؤمن بحقيقتين، حقيقة المعرفة وحقيقة العقيدة. لكن ألم ينسب إليه أنه ينكر خلود الروح؟ إن هذا الرأي لابد أن يكون قد صدر عن شخص لم يقرأه. فابن رشد يقرر أن تحويل جسد الإنسان المادي هو الطارئ لكن توجد وحدة روحية فقط. والناحية السلبية من الروح جزء من الجسد ويموت يموت الجسد؛ لأن كل شيء فردي هالك. أما الجزء الإيجابي من الروح فهو الجزء الإلهي وليست فيه فردية وهو خالد. إنه مثل الشمس التي تضيء جميع الأشياء وهي خالدة، وهذا الجزء الإيجابي هو الجزء الإلهي فينا وهذا الجزء خالد أبدي خلود العالم وأبديته.
وخصم ابن رشد ذلك الذي يدعى «أن الفلسفة العربية ليست مستقلة وليس لها أصل»! «حقاً» هل قرأ هذا الزنديق هذه العبارة: «ليس للعالم وجود، إنه موجود في العقل الذي يفهمه».
стр. 348
إن أفكار ابن رشد تركت أثراً بعيداً في القيصر فريدريش، إنها هي اللغة التي يتكلم بها القيصر نفسه؛ كلاهما جاءا إلى الوجود وكل يملك حق الدخول المباشر إلى هذا الوجود. كذلك شخصية أخرى شبت وترعرعت في عصر الملك فريدريش وقد تأثرت بابن رشد تأثيراً قوياً بالرغم من معارضتها له.
توماس فون أكوين، جراف فون أكيرا، سفير فريدريش الثاني في بلاط السلطان الكامل وحاكم القدس، كان له حفيد وابن أخ يسميان بنفس الاسم. أما حفيده توماس الصغير فهو ابن المستشار «أدينولف» في صقلية، وقد تربى مع أخيه يعقوب، وهو الشاعر الذي ظهر فيما بعد كغلام يتعلم الفروسية في القصر ثم تزوج «مرجريت» ابنة القيصر فأصبح بذلك زوج ابنة القيصر فريدريش الثاني. وأما ابن أخيه الأكبر والمسمى أيضاً توماس فهو ابن المستشار القضائي «لندولف» فون «أكوين»، وأخوه «رينالد» الذي أصبح مثل ابن عمه شاعراً ينظم الشعر على منوال الشعراء العرب فقد تربى تربية تؤهله أن يكون نبيلاً. غير أن ميوله كانت دينية فآثر أن يكون رجل دين إلا أن أسرته كانت تعارض فيه هذا الاتجاه؛ لذلك لجأت إلى القيصر ترجوه أن يستعمل نفوذه لإثنائه عن عزمه. لكن «رينالد» لجأ إلى قاضي قضاة القصر وهو «بطرس فون فينيا» راجياً مساعدته واستطاع الهرب. لكن القدر أراد شيئاً آخر. فقد التحق توماس بجامعة نابولي وأصبح من أكبر رجال الكنيسة الرومانية إذ حصل على لقب «دكتور أنجيليكوس».
أما المجادلات التي قامت حول أرسطو وداعيته ابن رشد فقد أثارت انتباه الكثيرين ولم يستطع توماس أن يقف منها موقفاً سلبياً، ومما أثار الدهشة أن توماس خصمه أقره ووافقه على ما ذهب إليه في كثير من شروحه وتأويلاته، بل لم يقف توماس عند هذا فقط بل أخذ بوجهات نظر ابن رشد التي أفادت كثيراً فيما بعد في المجادلات التي قامت بين المسلمين والمسيحيين، وقد أقر علماء الطائفتين ما ذهب إليه ابن رشد، ومن هنا نشأت الهزلية التي جعلت قديساً من هذا الشخص الذي كان متأثراً تأثيراً قوياً بزندقة القيصر، وهو يعتبر كابن للقيصر ومن أخلص المخلصين للأسرة القيصرية، هذا الشخص أعلنته الكنيسة قديساً، وهو أحد الآباء البررة
стр. 349
للكنيسة وللمسيحية وعن طريقه رضيت الكنيسة عن أرسطو بل عن العربي المسلم ابن رشد مفسر أرسطو وأكبر مناصريه والداعين له. وأخيراً بعد أن تبينت جامعة باريس خطر هذا الفيلسوف العربي الذي أثر في الفكر الأوربي أثراً كبيراً، ظهرت العلوم العملية ومهدت الطريق لظهور الفكر الأوربي وازدهاره.
وفي قصر فريدريش قام ميخائيل سكوتوس بأعمال الترجمة التي تولى القيصر نشرها بين الجامعات الأوربية المختلفة، فأصبحت هي التوطئة إلى الفلسفة العربية، ومن هنا أيضاً فتح الطريق إلى الرياضيات العربية والأعداد العربية حيث نجدها مذكورة في مؤلفات أمثال «ليوناردو فون بيزا» الذي كثيراً ما حل ضيفاً على القيصر وعلى صديقه ميخائيل، وقد أضاءت هذه الكتب الطريق لأوروبا كما سبقت الإشارة إلى ذلك.
أما فريدريش البحاثة العبقري الذي كان دائماً مشغوفاً بالأبحاث والاطلاع كما وصفه ابنه «منفريد» فقد كان يرى في أفكار ابن رشد المصباح الوضاء الذي ينير له سبيل الحياة، كما كان يأنس إلى رفقة ميخائيل ويعتز بصداقته، فإليه كان يتوجه القيصر إذا ما عن له أمر هام أو عرضت له مسائل عويصة.
ويذكر ميخائيل سكوتوس فلكي القيصر المخلص أن القيصر استدعاه مرة ووجه مجموعة من الأسئلة الخاصة بالأرض وعجائبها، فكان القيصر وكأنه جاء من عالم آخر. ذلك القيصر الذي طرده البابا من الكنيسة يود أن يعرف كل شيء عن هذا العالم الذي يعيش فيه، يريد أن يعرف الأبعاد والمساحات والأحجام فهو يسأل: كم عدد السموات الموجودة؟ وكم عدد الأعماق؟ وكان القيصر يوجه أسئلته في شيء من الحياء والحذر، فهو يسأل مثلاً عن حجم الكرة الأرضية: سمكها وطولها والمسافة بينها وبين السماء العليا، كذلك المسافة بين الأرض وأبعد الأعماق، ثم هل هناك عمق واحد أو أكثر، وإذا وجدت أعماق متفاوتة، فما هي المسافة بين العمق والآخر؟ كذلك نجد رغبة القيصر القوية في معرفة الأعداد، وهذه خاصية عرف بها روجير الثاني أيضاً، فهو كان حريصاً على تبسيط المعلومات وتجسيدها ليسهل إدراكها وفهمها عن طريق الأعداد. وهذه الظاهرة هي التي دفعت جده أن يقوم
стр. 350
بالليل وبقيس حيطان مدينة نابولي لأنه أراد أن يعرف مقدار المساحة التي تضمها هذه الحيطان.
كذلك موضوع الخلود، فقد شغل فريدريش الثاني كثيراً إلا أنه كان يكتم هذه الرغبة، ثم نجد القيصر الذي حرم من الكنيسة للمرة الثانية يتجه إلى العلماء العرب، فقد أرسل أسئلته إلى مصر وسوريا والعراق والأناضول واليمن ومراكش وسلمها سلطان الموحدين إلى الفيلسوف الشاب ابن سبعين في كوينا، وكانت الفكرة السائدة عند هذا الشاب العربي ابن العشرين أن الإفرنج في درك علمي منحط جداً، وأعتقد أن أسئلة ترد من أمير الجهلاء المسيحيين لا تحتاج إلى كبير عناء للإجابة عنها، وتسلم القيصر هذه الإجابة التي تحمل كل معاني الاستهتار من هذا الفيلسوف الشاب المغرور. وتحمل القيصر هذه الإهانة ضاحكاً وأرسل إليه هدية أزعجته. وهذا الاستهتار من هذا الشاب كان هو الوحيد الذي حدث، وذلك لأن سائر الأمراء والعلماء العرب أدركوا أن توجيه هذه الأسئلة من القيصر تكريماً لهم وتقديراً لمعرفتهم واحتراماً لعقليتهم العربية، لذلك بذلوا كل ما في طاقتهم لإجابة هذا الملك المحترم ملك الإفرنج عن أسئلته الدقيقة.
فتبادل الآراء كان قوياً وكثيراً بالرغم من مشاغل القيصر السياسية والإدارية، وذلك لأن القيصر فريدريش لم ينظر إليها كوسيلة من وسائل شغل الفراغ أو التسلية بل كان الدافع إليها كما يرجح عربي هو اختبار علم المسلمين.
أما العلوم الأوربية والمعرفة الأوربية فقد عجزت عن إشباع رغباته العلمية وإرواء ظمئه إلى المعرفة والتحصيل، فالقيصر كان يؤمن بأن كل ما يجري وكل ما هو كائن إنما هو شيء بدهي، وكان فريدريش يطمع في أن يجد شريكاً له صديقاً يرى في الوجود ما يراه القيصر كما يرى الوجود كما هو، أي كما هو كائن في الحقيقة والواقع.
أما العالم العربي الذي غذاه بعلمه ونشأه فقد باعد بينه وبين أنداده .. ففي العالم العربي كانت المسائل واضحة جلية، ولا توجد أحكام تحد من تفكير رجال الدين. الإسلامي أو من البحث والدرس، لذلك ظل القيصر وحيداً، ولم يجد في عصره
стр. 351
من الأوربيين من يفهمه، بل كان بالنسبة لزمانه في أوربا لغزاً من الألغاز. لقد كان فريدريش دائم البحث وراء أصدقاء يفهمونه، أصدقاء في مستواه العقلي والعلمي، لذلك أرسل أسئلته إلى يافا ليتعرف على العرب ويتبادل معهم الأفكار العلمية والأبحاث الهامة، ويجد فيهم الأصدقاء الذين يقدرونه وينقذونه من الوحدة والعزلة. كان القيصر يرجو من وراء هذه المراسلات أن يحظى بتقدير العرب وصداقتهم. كان حريصا على أن يخرج من هذا العالم الذي ولد فيه وشاءت الأقدار أن تجعله أوربيا، وكانت هذه التبعية الأوربية تؤلمه وتؤذيه. إن القيصر كان يشعر في أواخر أيامه وكأنه الغريب الذي يحن إلى العودة إلى وطنه الأصلي. إن ضربات الغدر القاسية التي كانت توجه إليه ويواجهها في أوربا لم تؤله إيلام البعد الروحي والعلمي بينه وبين معاونيه من رجال الدولة، حتى إنه قال: أريد أن أبقى في الشرق إلى الأبد!
ومن الوثائق التاريخية المؤثرة حقاً هذه الرسالة التي وجهها الإمبراطور في العربية إلى صديقه فخر الدين بعد أن افترقا وقد استهلها بالبسملة.
ولعل الشيء الذي باعد بين فريدريش وعصره هو هذا الوحي العقلي الذي كان يتلقاه بين الحين والآخر من الشرق وطنه الروحي، وهذا التراث العربي هو الذي ميزه عن سائر معاصريه، لذلك كان فريدريش يحاول دائماً الاتصال بهؤلاء الأنداد العظام. لقد استقبل البعثة العربية التي قدمت له كهدية مرصداً ذهبياً وقبة للأجرام السماوية متحركة استقبالاً حاراً جداً لا للهدية فقط، التي أدخلت إلى نفسه كثيراً من الفرح والسرور وهو البحاثة الذي لا يمل التفكير والاطلاع، بل لملاقاة علماء دمشق الذين طالما أسعده الاتصال بهم. وحرص فريدريش على إبقائهم في ضيافته فظلوا شهوراً وشهوراً، ثم سمح لهم بالعودة إلى بلادهم بعد أن احتفل بهم وكرمهم كثيراً وبالغ في الحفاوة بهم فأولم وليمة كبرى بمناسبة الهجرة النبوية الشريفة، وكانت هذه الوليمة شرقية أبهة وكرماً. ولم يسبق لأوروبا أن عرفت وليمة تدانيها عظمة وأبهة، لكن ماذا يصنع القيصر وليس في مقدوره استضافة أعضاء هذه البعثة مدة أطول.
стр. 352
وقد تحدث العرب أنفسهم عن هذه المعاملة، ومن المهم جداً أن نشاهد القيصر بعيون عربية ونقرأ تقديراً عربياً أوحت به أخلاق وصفات وعبقرية هذا الملك الإفرنجي، كما ندرك من خلال هذا التقدير العربي الأهمية الكبرى التي علقها العرب على اختيار هذه البعثة التي زارته والعناية القصوى في اختيارها. وذلك لأن مثل هذه البعثة يجب ألا يكون مستوى أعضائها أقل من مستوى بعوث القيصر إلى الأمراء العرب. ومن العبارات العربية نتبين كيف أن هذه البعثة قد وفدت على عالم فاضل لا يقل علماً ومعرفة عن أكبر أستاذ علم في الموصل.
وذكر ابن أبي أصيبعة في ترجمته لكمال الدين بن يونس ما نصه:
هو كمال الدين أبو عمران موسى بن يونس بن محمد بن ... علامة زمانه وأوحد أوانه وقدوة العلماء وسيد الحكماء قد أتقن الحكمة وتميز في سائر العلوم وكان عظيماً في العلوم الشرعية والفقه، وكان مدرساً في المدرسة بالموصل ويقرأ العلوم بأسرها من الفلسفة والطب والتعاليم وغير ذلك. وله مصنفات في نهاية الجودة ولم يزل بمدينة الموصل إلى أن توفي ﵀.
حدثني القاضي نجم الدين عمر بن محمد بن الكريدي قال:
وكان ورد إلى الموصل كتاب الإرشاد للعميدي، وهو يشتمل على قوة من خلاف علم الجدل هو الذي يسميه العجم «جست» أي الشطار، فلما أحضر إلى الشيخ كمال الدين بن يونس نظر فيه وقال: علم مليح ما قصر فيه مؤلفه، وبقي عنده يومين حتى حرر جميع معانيه ثم إنه أقرأه الفقهاء وشرح لهم فيه أشياء ما ذكرها أحد سواه. وقيل إن كمال الدين بن يونس كان يعرف علم الكيمياء من ذلك. حدثني أيضاً القاضي نجم الدين بن الكريدي قال: حدثني القاضي جلال الدين البغدادي تلميذ كمال الدين بن يونس وكان الجلال مقيماً عند ابن يونس في المدرسة قال: كان قد ورد إلى الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل من عند الأنبرور (كذا بالأصل وهي الأمبرور = الإمبراطور) ملك الفرنج، وكان متفنناً في العلوم - رسول وبيده مسائل في علم النجوم وغير ذلك، وقصد أن كمال الدين بن يونس يرد أجوبتها فبعث صاحب الموصل إلى ابن يونس يعرفه بذلك ويقول له أن
стр. 353
يتجمل في لبسه وزيه ويجعل له مجلسا بأبهة لأجل الرسول، وذلك لما يعرفه عن ابن يونس أنه كان يلبس ثياباً رثة بلا تكلف وما عنده خير من أحوال الدنيا فقال: نعم. حكى جلال الدين قال: فكنت عنده وقد قيل له هذا رسول الفرنج قد أتى وقرب من المدرسة فبعث من تلقاه، فلما حضر عند الشيخ نظرنا فوجدنا الموضع فيه بسط من أحسن ما يكون من البسط الرومية الفاخرة وجماعة مماليك وقوف بين يديه وخدام وشارة حسنة. ودخل الرسول وتلقاه الشيخ وكتب الأجوبة عن تلك المسائل بأسرها. ولما راح الرسول غاب عنا جميع ما كنا نراه فقلت للشيخ: يا مولانا ما أعجب ما رأينا من تلك الأبهة والحشمة! فتبسم وقال: يا بغدادي هو العلم».
وفي عصر متأخر ظهر طالب آخر من أولئك المتحمسين لأستاذ آخر في الموصل، كان يحسد كمال الدين للشهرة التي بلغها وكان قد علم عن هذا الحدث الذي وقع الكمال الدين عن طريق السماع فقط، إلا أنه ما زال ذاكراً صعوبة المسائل العويصة التي تقدم بها الإمبراطور إلى العلماء العرب، وقد أثارت هذه المسائل كثيراً من الاهتمام.
ومن أهم الأشياء التي سمعها من كمال الدين أنه أيام حكم الكامل أرسل الإفرنج إلى سوريا بعض المسائل أرادوا منه (كمال الدين) حلها، وهي تتناول مختلف المواضيع من طبية وفلسفية ورياضية. وقد استطاع علماء سورية حل المسائل المتعلقة بالطب والفلسفة. أما المسائل الرياضية فقد عجزوا عن حلها إلا أن الملاك الكامل أصر على وجوب حلها، لذلك أرسلها إلى الموصل إلى المفضل بن عمر أستاذنا، وقد كان في العلوم الهندسية بارعاً جداً وبالرغم من ذلك لم يكن من اليسير عليه حلها فعرض المسائل على الشيخ ابن يونس. وبعد تفكير استطاع حلها وأرسلها إلى الملك الكامل في سوريا.
ووجود شخص يستطيع أن يوجه مثل هذه المسائل العويصة دليل قوي على أن السائل قد بلغ مستوى العرب علماً وثقافة، وهذه حقيقة سلم بها العرب. لقد أمطر هذا الرجل العجيب الذي كان يتربع على عرش أوربا أمراء العرب بكثير من الأسئلة وبعضها قد حفظه لنا الإمام العلامة شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي، وقد
стр. 354
كان نابغة عصره في الفقه والعلوم الطبيعية والبصريات وغيرها، وقد اهتم بكثير من المسائل التي كانت تشغل أهل عصره كهذه المسائل الوقحة التي اهتم بها المسيحيون واليهود، تلك الخاصة بالتماثيل المقدسة التي تبكي دموعاً ويسيل اللبن من أثدائها. فقد أجاب القرافي على مثل هذه المسائل وعالجها بالرغم من احتقار أصحابها ولو أنه كان يقدر مليكهم تقديراً عظيماً نظراً لحرصه الشديد على العلم والتحصيل. وهذه الحقيقة هي التي دفعت القرافي إلى القول في مقدمة كتابه «الاستبصار فيما تدركه الأبصار: ««وقد كتب الأنبرور (الإمبراطور) ملك الفرنج بصقلية سبع مسائل من الصعبة الشوارد والكلة الأوابد في زمن الملك الكامل يمتحن بها المسلمون، فكان ذا دهاء وعلم وذكاء وفهم فسمعت أنه أجيب عن بعضها ولم أعلم أنه أجيب عن كلها والجالب لحصول الجواب عنها وتحقيق الصواب فيها أن الناس حينئذ كثير فيهم المحصلون وعلماء الملة متظافرون، وقد جمعت في الكتاب هذا خمسين مسألة غريبة المدرك صعبة المسلك من المشكلات الحقيقية والغوامض العقلية من جنس تلك المسائل .. ».
ومن بين هذه الأسئلة الخمسين والخاصة بالبصريات بذكر شهاب الدين ثلاثاً منها منسوبة إلى القيصر فريدريش الثاني وهذه المسائل هي:
المسألة الحادية عشرة: «لم كانت المقاذيف والرماح وجميع الأشياء المستقيمة إذا دلي في الماء الصافي بعضها ترى معوجة إلى سطح الماء مع أنها ليست معوجة؟ ». وبعد أن يجيب القرافي على هذه المسألة ويشرحها يقول: «وهذه المسألة من أعظم المسائل التي سأل عنها الأنبرور».
المسألة الخامسة والعشرون: «قال الأنبرور لم كان سهيل يرى عند طلوعه أكبر منه عند توسطه مع أنه لا رطوبة في الجنوب كما قيل في الشمس؛ لأن البلاد الجنوبية صحاري يابسة فلم تكن عظيمة عند الطلوع بسبب اجتفاف الرطوبة؟ ».
المسألة الثلاثون: «قال الأنبرور لم كان صاحب البخار ومبادئ الماء يرى الخيوط السود شبه البق والناموس خارج عينه مع أنه لا شيء خارج عينيه من سلامة العقل
стр. 355
الموجب لعدم الغلط؟ ، وكيف يرى شيء داخل الحدقة مع أن الأشياء القريبة من الحدقة جداً لا ترى فلا يرى أحد ما التصق من جفنه على حدقته؟ ».
والواقع أن مثل هذه الأسئلة التي يوجهها الأمير المسيحي تدل على كفاحه في سبيل تمزيق حجب الجهالة المنتشرة في أوربا، ومثل هذا الجهد قد قابله العالم العربي بكل تقدير وإعجاب، وهذا يؤكد ما قاله سياسي عربي في القيصر فريدريش الثاني: «والواقع أن العالم المسيحي لم يعرف منذ عهد الإسكندر حاكماً كهذا».
فهذه الشهرة التي يتمتع بها القيصر جذبت إليه مسيحياً يعقوبياً من أنطاكية وكان قد درس على كمال الدين بن يونس في الموصل الفلسفة والرياضيات والفلك، كما درس الطب في بغداد ثم تعرف على رسول الإمبراطور في قصر حاكم أرمينية، ومن ثم توجه إلى مقر القيصر في «فوجيا» حيث نجده وهو المعروف باسم السيد تيودور في مناسبة استقبال القيصر لليوناردو فون بيزا.
ثم توفي فيلسوف القصر وهو ممثل العلوم العربية الغربية الأندلسية واسمه «ميخائيل سكوتوس» وكانت وفاته إبان رحلة قام بها مع القيصر عام? ? ? ? م في ألمانيا، لذلك عين القيصر فريدريش الثاني السيد «تيودور» ممثل العلوم العربية الشرقية خلفا له، وقد أبدى «تيودور» في هذه الوظيفة الجديدة، أعنى كبير فلاسفة القصر، نشاطاً عظيماً، وظل هذا العربي متقلداً هذا المنصب حتى قبيل وفاة القيصر بشهور قليلة. وتقول الشائعات إن هذا العالم واسع الاطلاع هو الذي كان يعد الدواء والمواد المسكرة للقيصر، لذلك اتهم بالمسئولية في وفاته، ويقال إنها تسببت عن كمثرى مسكرة أعدتها يد خائبة فكانت سبباً في نكسة القيصر فوفاته.
وكان هذا العربي الواسع الاطلاع كثير التدخل في أعمال القيصر إذ كان يتناقش مع القيصر حول مسائل رياضية وفلكية، كما وضع له تقوا وشارك في أعمال المجلس وكان يقوم بجمع المراسلات مع الحكام العرب، وكثيراً ما سافر في بعثات سياسية إلى قصور أمراء العرب، ويعقد باسم القيصر المعاهدات التجارية. وكان كذلك بحكم وظيفته أيضاً ككبير أطباء القيصر يعد بنفسه الأشربة للقيصر ولسائر موظفيه، كما ألف للقيصر وفي أسلوب جيد جداً رسالة في وجبات الطعام، وقد
следующие страницы →