Полный текст (468 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
من الأوربيين من يفهمه، بل كان بالنسبة لزمانه في أوربا لغزاً من الألغاز. لقد كان فريدريش دائم البحث وراء أصدقاء يفهمونه، أصدقاء في مستواه العقلي والعلمي، لذلك أرسل أسئلته إلى يافا ليتعرف على العرب ويتبادل معهم الأفكار العلمية والأبحاث الهامة، ويجد فيهم الأصدقاء الذين يقدرونه وينقذونه من الوحدة والعزلة. كان القيصر يرجو من وراء هذه المراسلات أن يحظى بتقدير العرب وصداقتهم. كان حريصا على أن يخرج من هذا العالم الذي ولد فيه وشاءت الأقدار أن تجعله أوربيا، وكانت هذه التبعية الأوربية تؤلمه وتؤذيه. إن القيصر كان يشعر في أواخر أيامه وكأنه الغريب الذي يحن إلى العودة إلى وطنه الأصلي. إن ضربات الغدر القاسية التي كانت توجه إليه ويواجهها في أوربا لم تؤله إيلام البعد الروحي والعلمي بينه وبين معاونيه من رجال الدولة، حتى إنه قال: أريد أن أبقى في الشرق إلى الأبد!
ومن الوثائق التاريخية المؤثرة حقاً هذه الرسالة التي وجهها الإمبراطور في العربية إلى صديقه فخر الدين بعد أن افترقا وقد استهلها بالبسملة.
ولعل الشيء الذي باعد بين فريدريش وعصره هو هذا الوحي العقلي الذي كان يتلقاه بين الحين والآخر من الشرق وطنه الروحي، وهذا التراث العربي هو الذي ميزه عن سائر معاصريه، لذلك كان فريدريش يحاول دائماً الاتصال بهؤلاء الأنداد العظام. لقد استقبل البعثة العربية التي قدمت له كهدية مرصداً ذهبياً وقبة للأجرام السماوية متحركة استقبالاً حاراً جداً لا للهدية فقط، التي أدخلت إلى نفسه كثيراً من الفرح والسرور وهو البحاثة الذي لا يمل التفكير والاطلاع، بل لملاقاة علماء دمشق الذين طالما أسعده الاتصال بهم. وحرص فريدريش على إبقائهم في ضيافته فظلوا شهوراً وشهوراً، ثم سمح لهم بالعودة إلى بلادهم بعد أن احتفل بهم وكرمهم كثيراً وبالغ في الحفاوة بهم فأولم وليمة كبرى بمناسبة الهجرة النبوية الشريفة، وكانت هذه الوليمة شرقية أبهة وكرماً. ولم يسبق لأوروبا أن عرفت وليمة تدانيها عظمة وأبهة، لكن ماذا يصنع القيصر وليس في مقدوره استضافة أعضاء هذه البعثة مدة أطول.
стр. 352
وقد تحدث العرب أنفسهم عن هذه المعاملة، ومن المهم جداً أن نشاهد القيصر بعيون عربية ونقرأ تقديراً عربياً أوحت به أخلاق وصفات وعبقرية هذا الملك الإفرنجي، كما ندرك من خلال هذا التقدير العربي الأهمية الكبرى التي علقها العرب على اختيار هذه البعثة التي زارته والعناية القصوى في اختيارها. وذلك لأن مثل هذه البعثة يجب ألا يكون مستوى أعضائها أقل من مستوى بعوث القيصر إلى الأمراء العرب. ومن العبارات العربية نتبين كيف أن هذه البعثة قد وفدت على عالم فاضل لا يقل علماً ومعرفة عن أكبر أستاذ علم في الموصل.
وذكر ابن أبي أصيبعة في ترجمته لكمال الدين بن يونس ما نصه:
هو كمال الدين أبو عمران موسى بن يونس بن محمد بن ... علامة زمانه وأوحد أوانه وقدوة العلماء وسيد الحكماء قد أتقن الحكمة وتميز في سائر العلوم وكان عظيماً في العلوم الشرعية والفقه، وكان مدرساً في المدرسة بالموصل ويقرأ العلوم بأسرها من الفلسفة والطب والتعاليم وغير ذلك. وله مصنفات في نهاية الجودة ولم يزل بمدينة الموصل إلى أن توفي ﵀.
حدثني القاضي نجم الدين عمر بن محمد بن الكريدي قال:
وكان ورد إلى الموصل كتاب الإرشاد للعميدي، وهو يشتمل على قوة من خلاف علم الجدل هو الذي يسميه العجم «جست» أي الشطار، فلما أحضر إلى الشيخ كمال الدين بن يونس نظر فيه وقال: علم مليح ما قصر فيه مؤلفه، وبقي عنده يومين حتى حرر جميع معانيه ثم إنه أقرأه الفقهاء وشرح لهم فيه أشياء ما ذكرها أحد سواه. وقيل إن كمال الدين بن يونس كان يعرف علم الكيمياء من ذلك. حدثني أيضاً القاضي نجم الدين بن الكريدي قال: حدثني القاضي جلال الدين البغدادي تلميذ كمال الدين بن يونس وكان الجلال مقيماً عند ابن يونس في المدرسة قال: كان قد ورد إلى الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل من عند الأنبرور (كذا بالأصل وهي الأمبرور = الإمبراطور) ملك الفرنج، وكان متفنناً في العلوم - رسول وبيده مسائل في علم النجوم وغير ذلك، وقصد أن كمال الدين بن يونس يرد أجوبتها فبعث صاحب الموصل إلى ابن يونس يعرفه بذلك ويقول له أن
стр. 353
يتجمل في لبسه وزيه ويجعل له مجلسا بأبهة لأجل الرسول، وذلك لما يعرفه عن ابن يونس أنه كان يلبس ثياباً رثة بلا تكلف وما عنده خير من أحوال الدنيا فقال: نعم. حكى جلال الدين قال: فكنت عنده وقد قيل له هذا رسول الفرنج قد أتى وقرب من المدرسة فبعث من تلقاه، فلما حضر عند الشيخ نظرنا فوجدنا الموضع فيه بسط من أحسن ما يكون من البسط الرومية الفاخرة وجماعة مماليك وقوف بين يديه وخدام وشارة حسنة. ودخل الرسول وتلقاه الشيخ وكتب الأجوبة عن تلك المسائل بأسرها. ولما راح الرسول غاب عنا جميع ما كنا نراه فقلت للشيخ: يا مولانا ما أعجب ما رأينا من تلك الأبهة والحشمة! فتبسم وقال: يا بغدادي هو العلم».
وفي عصر متأخر ظهر طالب آخر من أولئك المتحمسين لأستاذ آخر في الموصل، كان يحسد كمال الدين للشهرة التي بلغها وكان قد علم عن هذا الحدث الذي وقع الكمال الدين عن طريق السماع فقط، إلا أنه ما زال ذاكراً صعوبة المسائل العويصة التي تقدم بها الإمبراطور إلى العلماء العرب، وقد أثارت هذه المسائل كثيراً من الاهتمام.
ومن أهم الأشياء التي سمعها من كمال الدين أنه أيام حكم الكامل أرسل الإفرنج إلى سوريا بعض المسائل أرادوا منه (كمال الدين) حلها، وهي تتناول مختلف المواضيع من طبية وفلسفية ورياضية. وقد استطاع علماء سورية حل المسائل المتعلقة بالطب والفلسفة. أما المسائل الرياضية فقد عجزوا عن حلها إلا أن الملاك الكامل أصر على وجوب حلها، لذلك أرسلها إلى الموصل إلى المفضل بن عمر أستاذنا، وقد كان في العلوم الهندسية بارعاً جداً وبالرغم من ذلك لم يكن من اليسير عليه حلها فعرض المسائل على الشيخ ابن يونس. وبعد تفكير استطاع حلها وأرسلها إلى الملك الكامل في سوريا.
ووجود شخص يستطيع أن يوجه مثل هذه المسائل العويصة دليل قوي على أن السائل قد بلغ مستوى العرب علماً وثقافة، وهذه حقيقة سلم بها العرب. لقد أمطر هذا الرجل العجيب الذي كان يتربع على عرش أوربا أمراء العرب بكثير من الأسئلة وبعضها قد حفظه لنا الإمام العلامة شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي، وقد
стр. 354
كان نابغة عصره في الفقه والعلوم الطبيعية والبصريات وغيرها، وقد اهتم بكثير من المسائل التي كانت تشغل أهل عصره كهذه المسائل الوقحة التي اهتم بها المسيحيون واليهود، تلك الخاصة بالتماثيل المقدسة التي تبكي دموعاً ويسيل اللبن من أثدائها. فقد أجاب القرافي على مثل هذه المسائل وعالجها بالرغم من احتقار أصحابها ولو أنه كان يقدر مليكهم تقديراً عظيماً نظراً لحرصه الشديد على العلم والتحصيل. وهذه الحقيقة هي التي دفعت القرافي إلى القول في مقدمة كتابه «الاستبصار فيما تدركه الأبصار: ««وقد كتب الأنبرور (الإمبراطور) ملك الفرنج بصقلية سبع مسائل من الصعبة الشوارد والكلة الأوابد في زمن الملك الكامل يمتحن بها المسلمون، فكان ذا دهاء وعلم وذكاء وفهم فسمعت أنه أجيب عن بعضها ولم أعلم أنه أجيب عن كلها والجالب لحصول الجواب عنها وتحقيق الصواب فيها أن الناس حينئذ كثير فيهم المحصلون وعلماء الملة متظافرون، وقد جمعت في الكتاب هذا خمسين مسألة غريبة المدرك صعبة المسلك من المشكلات الحقيقية والغوامض العقلية من جنس تلك المسائل .. ».
ومن بين هذه الأسئلة الخمسين والخاصة بالبصريات بذكر شهاب الدين ثلاثاً منها منسوبة إلى القيصر فريدريش الثاني وهذه المسائل هي:
المسألة الحادية عشرة: «لم كانت المقاذيف والرماح وجميع الأشياء المستقيمة إذا دلي في الماء الصافي بعضها ترى معوجة إلى سطح الماء مع أنها ليست معوجة؟ ». وبعد أن يجيب القرافي على هذه المسألة ويشرحها يقول: «وهذه المسألة من أعظم المسائل التي سأل عنها الأنبرور».
المسألة الخامسة والعشرون: «قال الأنبرور لم كان سهيل يرى عند طلوعه أكبر منه عند توسطه مع أنه لا رطوبة في الجنوب كما قيل في الشمس؛ لأن البلاد الجنوبية صحاري يابسة فلم تكن عظيمة عند الطلوع بسبب اجتفاف الرطوبة؟ ».
المسألة الثلاثون: «قال الأنبرور لم كان صاحب البخار ومبادئ الماء يرى الخيوط السود شبه البق والناموس خارج عينه مع أنه لا شيء خارج عينيه من سلامة العقل
стр. 355
الموجب لعدم الغلط؟ ، وكيف يرى شيء داخل الحدقة مع أن الأشياء القريبة من الحدقة جداً لا ترى فلا يرى أحد ما التصق من جفنه على حدقته؟ ».
والواقع أن مثل هذه الأسئلة التي يوجهها الأمير المسيحي تدل على كفاحه في سبيل تمزيق حجب الجهالة المنتشرة في أوربا، ومثل هذا الجهد قد قابله العالم العربي بكل تقدير وإعجاب، وهذا يؤكد ما قاله سياسي عربي في القيصر فريدريش الثاني: «والواقع أن العالم المسيحي لم يعرف منذ عهد الإسكندر حاكماً كهذا».
فهذه الشهرة التي يتمتع بها القيصر جذبت إليه مسيحياً يعقوبياً من أنطاكية وكان قد درس على كمال الدين بن يونس في الموصل الفلسفة والرياضيات والفلك، كما درس الطب في بغداد ثم تعرف على رسول الإمبراطور في قصر حاكم أرمينية، ومن ثم توجه إلى مقر القيصر في «فوجيا» حيث نجده وهو المعروف باسم السيد تيودور في مناسبة استقبال القيصر لليوناردو فون بيزا.
ثم توفي فيلسوف القصر وهو ممثل العلوم العربية الغربية الأندلسية واسمه «ميخائيل سكوتوس» وكانت وفاته إبان رحلة قام بها مع القيصر عام? ? ? ? م في ألمانيا، لذلك عين القيصر فريدريش الثاني السيد «تيودور» ممثل العلوم العربية الشرقية خلفا له، وقد أبدى «تيودور» في هذه الوظيفة الجديدة، أعنى كبير فلاسفة القصر، نشاطاً عظيماً، وظل هذا العربي متقلداً هذا المنصب حتى قبيل وفاة القيصر بشهور قليلة. وتقول الشائعات إن هذا العالم واسع الاطلاع هو الذي كان يعد الدواء والمواد المسكرة للقيصر، لذلك اتهم بالمسئولية في وفاته، ويقال إنها تسببت عن كمثرى مسكرة أعدتها يد خائبة فكانت سبباً في نكسة القيصر فوفاته.
وكان هذا العربي الواسع الاطلاع كثير التدخل في أعمال القيصر إذ كان يتناقش مع القيصر حول مسائل رياضية وفلكية، كما وضع له تقوا وشارك في أعمال المجلس وكان يقوم بجمع المراسلات مع الحكام العرب، وكثيراً ما سافر في بعثات سياسية إلى قصور أمراء العرب، ويعقد باسم القيصر المعاهدات التجارية. وكان كذلك بحكم وظيفته أيضاً ككبير أطباء القيصر يعد بنفسه الأشربة للقيصر ولسائر موظفيه، كما ألف للقيصر وفي أسلوب جيد جداً رسالة في وجبات الطعام، وقد
стр. 356
وضعها بعد تفكير عميق وفيها يرشد القيصر إلى وجبات طعامه كماً وكيفاً من حيث النوع والكمية والتوابل اللازمة وجميع هذا موزع حسب الوجبات اليومية. كذلك المشروبات والأنبذة وتقلب الطقس وتغيير درجات الحرارة بالانتقال من جهة إلى أخرى والهضم والنوم والجماع. فهذه رسالة تعتبر معجزة حقاً، وكانت في أوربا وقتذاك كالماسة بين الأحجار.
كذلك صدر أمر قيصري إلى السيد تيودور بترجمة عدد من المؤلفات العربية في العلوم الطبيعية، كما أبدى القيصر رغبته في تصحيحها بيده، فكان يمضي وقته في مشتاه أمام أبواب «فاينزا» المحاصرة مطلعاً على تقرير لتيودور حول الصيد.
والمؤلف العربي لهذه الرسالة كان يعيش قريباً جداً من فريدريش وكان يعني بصقور القيصر. وكان هذا الرجل يحب قيصره أكثر من الصقور ونشأت عن هذه العلاقة الرغبة في الصيد بواسطة الصقور.
стр. 357
ميلاد نظرة جديدة للعالم
تجمع بين الجرماني والعربي النظرة القوية الفاحصة للطبيعة كما هي، وقد فقد المثقفون الأوربيون هذه الصفة. فكل من القيصر ومدرب صقوره وابني القيصر «أنزيو» و «منفريد» والمشرف على خيول القيصر وهو مؤلف رسالة في علاج الخيل - هؤلاء جميعهم من بين أولئك الذين يرون بعيون شبه مغلقة. أما هم فهم المبصرون فقط وهم الذين يعرفون المسائل الطبيعية، كما يقرر ذلك فريدريش نفسه. إنهم أساتذة في إدراك وملاحظة وفحص الحقائق المحسوسة.
لكن لم يحصل أن الأوربيين نظروا إلى الطبيعة لذاتها، وقد رأينا العصور الوسطى تهتم بكتاب خاص وتغرم به، وهو كتاب «فيزيولوجوس» الذي يتحدث عن النملة والأسد، وقد ولد لهما حيوان أطلق عليه اسم الأسد النملي، وقد مات هذا الحيوان بمجرد ولادته، وذلك لأنه عاجز عن إطعام نفسه أو غير قادر على ذلك فموتاً يموت. والدليل على صحة ذلك ما ورد في الكتاب المقدس حيث ذكر: أن الأسد النملة يموت جوعاً؛ وذلك لأنه من طبيعتين فإذا دفعته طبيعة من الطبيعتين إلى أكل اللحم رفضت الطبيعة الأخرى أي طبيعة النمل التي تشتهى أكل الحبوب، ولكن النمل يريد أن يعيش على الحبوب وهذا يتعارض وطبيعة الأسد؛ لذلك فهو محروم من اللحم والحبوب ومن أجل ذلك يموت. وهكذا أولئك الذين يريدون أن يخدموا سيدين في وقت واحد الله والشيطان؛ إذ بينما يدعوهم الله إلى الطهارة يحضهم الشيطان على ارتكاب الجريمة.
стр. 358
فبدرت كلمات فريدريش وكأنها رعد وبرق في ذلك المجتمع الساذج: إن هدفنا هو إظهار الأشياء كما هي في حالتها الطبيعية الحقيقية.
فهذه الكلمات وهذا الصنيع الذي سبقها وهداها كان نقطة التحول في موقف أوربا ونظرتها إلى العالم والتعرف إلى كنهه وحقيقته.
إن هذا القيصر المثقف العالم العظيم الذي كان مشغوفاً بالاطلاع مقبلاً عليه فضلاً عن هذه المقدرة العلمية التي اكتسبها منذ طفولته، كان. بالرغم من ذلك. لا يثق في المكتوب بقدر ما يثق في عينيه، كما أن الإنسان لا يحصل على شيء حقيقي يقيني عن طريق السمع. إن حديقة الحيوان هي خير ما يقدم للإنسان البصير الحقائق، كما يطلق عليه ذلك العرب، عن طريق النظر إلى الكائنات وطرق حياتها وعاداتها فقط، إنه يتأمل عصافيره في جنته التي شيدها لها، وفي دقة وعناية وصبر لا يعرف الملل والكلل يشبه ذلك الذي يستخدمه الفلكي العربي عندما يتتبع حركات النجوم وجريانها. إنه يصف تشريح الطير وعاداته وطيرانه وصفاً دقيقاً واضحاً وطبياً، يشبه ذلك الذي يجريه الأطباء العرب على مرضاهم وهم على سرر الموت.
وكتابه عن: «حول فن الصيد بواسطة الصقور» الذي وضعه استجابة لرغبة ابنه منفريد» - بالرغم من كثرة الوقت والجهد اللذين يتطلبهما تأليف مثل هذا الكتاب من السنين العديدة والدقة والعناية. هذا الكتاب يحوي أكثر مما يدل عليه عنوانه. إنه كتاب خاص بعلم الطيور ودراستها دراسة علمية دقيقة؛ والشيء الجدير بالذكر أن هذا الكتاب ظهر في ثوب لم يكن يحلم به المؤلف، وهو طليعة العلم التطبيقي الحديث.
فكل ما يذكره هذا الكتاب يعتمد على تجارب المؤلف الخاصة أو تجارب آخرين حيث لا يستطيع فريدريش الملاحظة أو إجراء التجارب. وفي تلك الحالات كان يكلف باحثين خصوصيين يعتمد عليهم ولم يكن يبخل عليهم بالمال اللازم حيث يتصل الأمر بالعلم والمعرفة، وأحياناً كان يحصل على المعلومات التي يريدها عن طريق اتصاله بالأمراء العرب الذين كانوا يقدرون أهمية البحوث العلمية ويغرمون بها وبخاصة في مصر أو في جهات أخرى.
стр. 359
لكن فريدريش لم يذكر موضوعاً من هذه الموضوعات إلا وقد فحصه ودقق فيه وتأكد من قيمة البيانات الواردة بخصوصه أو عن طريق من يوثق بهم، وكان هذا يجري مجرى مذهب ابن البيطار النباتي العربي حيث ذكر في مقدمة كتابه الجامع المفردات الأدوية والأغذية. «صحة النقل فيما أذكره عن الأقدمين وأحرره عن المتأخرين، فما صح عندي بالمشاهدة والنظر وثبت لدى بالخبر لا الخبر ... وما كان مخالفاً في القوى والكيفية والمشاهدة الحسية في المنفعة والماهية للصواب والتحقيق أو أن ناقله أو قائله عدل فيه عن سواء الطريق نبذته ظهراً وهجرته ملياً».
وقد ترجم فيلسوف القصر «ميخائيل سكوتوس» علم الحيوان لأرسطو وشرح ابن سينا إلى القيصر العالم، من اللغة العربية، كما قرأ القيصر في اللغة العربية كتباً حول الصقور والصيد بها، كما قرأ الرسالة التي وضعها مدرب صقوره وهو العربي مؤمن. وقد تأثر القيصر كثيراً في هذا الاتجاه بالمراجع العربية المختلفة التي اطلع عليها وبالرغم من ذلك كان مستقلاً في رأيه وتفكيره فلم يكن من السهل عليه قبول أي رأي أو الأخذ به ما لم يقتنع هو به وبصحبته «لقد اتبعنا أرسطو حيث تقضي الضرورة بذلك، لكن في كثير من الحالات التزمنا ما علمتنا إياه التجارب وبخاصة في الطبيعة. إن طيوراً خاصة أخطأ أرسطو في حكمه عليها، وفيما قاله عنها لذلك خالفنا أمير الفلاسفة وعارضناه في كل ما ذكره، وذلك لأن أرسطو لم يسبق له صيد العصافير أو نادراً ما مارسه. أما نحن فقد أحببنا هذا الصيد ومارسناه كثيراً».
إن جميع هذه المعلومات وتلك التجارب قد حصلها في أحسن مدرسة عربية حيث لا غموض ولا إبهام، إننا لا نجد هنا ذلك الظلام الدامس فكل شيء نراه واضحاً وحراً، فجميع فروع العلوم والفكر في متناول التجارب والملاحظات. هنا كل شيء منظم ويتبع طريقة واحدة ويبحث في شيء من الدقة والعناية ولا يصدر الحكم ارتجالاً ودون ترو. وهذا الموقف من البحث العلمي والدقة في إصدار الأحكام كان إشباعاً للذة التي كان يشعر بها الباحث عند إدراكه كنه هذه الظواهر الطبيعية ونشأتها ووحدتها المستقلة وقوتها التي تؤثر فيها، وهذه الحقائق وتلك النتائج تستحق حقاً أن يتغاضى الإنسان عن المؤثرات الخارجية التي تؤثر في هذه المظاهر الطبيعية. وعوضاً عنها يهتم الإنسان بالأسباب والمسببات.
стр. 360
ففي المدرسة العربية نشأ فريدريش الثاني ووضع العلم منذ الطفولة حتى أصبح أستاذاً. وإبان عصر إحياء العلوم نجد هذه الفترة الزمنية تتشبث بعوامل أخرى، إلا أن فريدريش ألقى عكازه الذي كان يعتمد عليه لأنه أصبح في غير حاجة إليه ويستطيع السير بدونه، فهو لا يتعلم ويقتبس فقط بل أخذ يخلق، وبذلك أصبح مؤسس العلوم الحديثة، وهو يأتي بصفته هذه في طليعة جماعات كثيرة هو جدها الذي خلقها، إنه صاحب الفضل في خلق هذه الجماعات العلمية وبخاصة تلك التي قامت إلى جانب المتكلمين والإنسانيين والمصلحين، فقد حقق فريدريش فوق أولئك وطار إلى أمثال «ألبرتوس مجنوس» و «روجير بيكون» و «ليوناردو ده فينشي» و «فرنسيس بيكون» و «جاليلي»، ومن ثم إلى العصر الحديث. فهل القيصر هو البادئ؟ أو أنه حلقة في السلسلة التي تمتد من الحركة العربية العقلية، وذلك لأن «ألبرت الأكبر» و «روجير بيكون» و «ليوناردو» هم أيضا من أولئك الذين يقومون في الواقع على أكتاف العرب.
والشيء الجدير بالذكر أن خطاً مستقيماً يبتدئ بالعلوم العربية ويسير متجهاً إلى القصر الملكي الصقلي، ومن ثم إلى فريدريش الثاني. وتحدثنا القصة أن القيصر الأشتوفى زار الجراف السويبي والدومينيكاني «ألبرت فون بولشتيدت» الذي كان قريباً في تفكيره وعقليته من القيصر، في حديقته بمدينة كولونيا. ومن المؤكد أنه كانت هناك صلة بين فريدريش وبين معلم ألبرت ألا وهو «هينريش فون كولن»، وقد أعاره مخطوطة لابن سينا ونسخته الخاصة لابن رشد لكي ينسخها. ومن المؤكد أيضاً أنه أطلع ألبرت لا على هاتين النسختين فقط بل على نسخة للقيصر نفسه وهي «فن الصيد بالصقور»، فهذه الكتب كانت موضوعة على مكتب ألبرت، ويبدو لنا كما لو أن صوت فريدريش أو صوت ابن البيطار العربي هو الذي يدوى عندما يقدم كتابه في مفرداته حيث يقول: «صحة النقل فيما أذكره عن المتقدمين وأحرره عن المتأخرين، فما صح عندي بالمشاهدة والنظر وثبت لدى بالخبر لا الخبر ادخرته كنزاً سرياً .. وما كان مخالفاً في القوى والكيفية والمشاهدة الحسية في المنفعة والماهية للصواب والتحقيق أو أن ناقله أو قائله عدل فيه عن سواء الطريق نبذته ظهراً وهجرته ملياً .. ولم أحاب في ذلك قديماً لسبقه ولا محدثاً اعتمد غيري على
стр. 361
صدقه .. » فمؤلفاته لم يدونها على مكتبه، هذه المؤلفات الخاصة بالنبات والحيوان. فللمرة الأولى نجد باحثاً أوربياً يتجول في أوربا بعينين مفتوحتين في الطبيعة، كما يفعل العرب وكما يفعل القيصر، فنجد العالم الألماني يتخذ من هذه الألفاظ ألفاظه ومن هذه العقلية مبدأ له فيقول: «إن رسالة العلوم الطبيعية ليست نقل أو تدوين ما ذكره ويذكره الآخرون بل تعليل وشرح العوامل والعناصر المؤثرة في هذه الظواهر الطبيعية».
وهكذا نجد ألبرت الأكبر ينسج على منوال قيصره ويصبح مجرباً فاحصاً ولو أنه هنا هاو وبخاصة إذا ما قورن بمثل «روجير بيكون» الذي كان ينادي بالتجارب. فإلى جانب الطرق العربية الشرقية التي تصل مباشرة إلى العالم الإنجليزي، وكذلك الإنجليزيين اللذين زار أحدهما الشرق فترجم المؤلفات الرياضية العربية واسمه «أثيلهارت فون باث» وأستاذه في البصريات المسمى «جروستستا» أو عن طريق أستاذه الفرنسي المسمى «بطرس فون ماريكورت» الصليبي الذي أحضر معه من العرب البوصلة والمغناطيس، وغير هؤلاء نجد طرقاً أخرى تصل إلى العالم الإنجليزي، وهي عبارة عن قنطرة تربط بينه وبين القصر الملكي في صقلية ومواطنه «ميخائيل سكوتوس».
ففي صقلية هذه التي ظلت قروناً عديدة نورمانية أشتوفية، ولدت أوربا الحديثة، وكانت العبقرية العربية هي المولدة، ففي هذه الدولة التي كانت تقع بين عالمين التقى فريدريش الثاني بعقليته الجرمانية مع العبقرية العربية، وبذلك تحققت النبوءة التي تنبأ بها «جوتفريد فون فيتربو» لقيصره هينريش السادس قبل أن يرزق بهذا الطفل: «إن فريدريش هذا سيكون حمامة السلام بين الشرق والغرب، ولو لفترة قصيرة في السياسة وإلى الأبد في الحياة العقلية».
إن القنطرة التي أقامها فريدريش الثاني بين الشرق والغرب كانت السبب في ظهور جيل جديد وعقلية جديدة تنظر إلى العلوم الطبيعية نظرة فاحصة ناقدة مجربة، فكان الأثر العقلي المتبادل هو الخالق لهذا التطور العلمي الجديد في أوربا، وكانت صقلية هي حاملة هذه النهضة العلمية الجديدة، وعنها أخذت أوربا في البناء
стр. 362
الأوربي والموسيقى والشعر، لا الفصاحة والبلاغة وسائر عبارات المجاز والاستعارة، بل الأفكار البناءة القوية الثابتة، وقد جاءت الأخيرة أوربا عن طريق العرب من إسبانيا.
وتحت الجبة الفضفاضة البيضاء الصوفية التي يرتديها رهبان القديس برنارد تناول زعيم الملحدين الذي كان في حقيقته مسيحياً. شهادة الموت، وفي قلعة تقع في الطريق بين قصره العزيز إليه في «فوجيا» ومدينة «لوكيرا» المسلمة حيث توفى القيصر فريدريش الثاني في ١٣ ديسمبر ١٢٥٠، وميتاً أقفلت الدائرة وميتاً عاد فريدريش الثاني إلى بالرمو، إلى المدينة التي قضى فيها شبابه العجيب المليء بالمغامرات وفيها دفن مع والديه وأجداده النورمانيين.
في بالرمو يضطجع فريدريش الثاني ليس في جبة رهبان القديس برنارد بل في معطفه الذي يزينه النسر، هذا المعطف الأحمر لسيد العالم وإلى جواره سيفه في غمده العربي. وأما كفنه فمطرز تطريزاً جميلاً وعلى أطرافه كتابة على الشريط مذهبة طرزتها له أياد عربية، طرزتها لصديق الإسلام والمسلمين وتلميذ المسلمين الوفي الأمين، وعلى كمه كتب إهداء إلى السلطان.
стр. 363
الكتاب السابع
الفنون العربية الأندلسية
стр. 364
الصور الأولى للعبارة الألمانية «السيدة المحترمة»
أرجوك أيتها السيدة الفاضلة أن تقبلي عذري واسمحي لي أن أظل دائماً عبدك الذي يقدرك كل التقدير.
ريز ماريا ريلكة
«وليس هذا خطاب حب وغرام ويجب أن أختم كما بدأت: أيتها الآنسة الفاضلة أتسمحين لي أن أقدم خالص احتراماتي».
المطيع لك كثيراً ..
فريتز فرايهز فون ليليا نكرون
فسواء أكان هذا ماساً حقيقياً أم بلوراً فهذه الخلية التي تتحلى بها ملكة القلب أو زوج الرئيس، والتي توضع عند قدميها هذه الحلية وتلك الباقة من الألفاظ الرقيقة، مستوردة من الشرق العربي، وهذه العبارات منذ أن انتقلت إلى ألمانيا وأوروبا أخذت تنتقل من يد إلى أخرى ومن أخرى إلى أخرى وتتغير الصيغة مع مضي العصور واختلاف البلاد فحذف منها أو هذب، وما زالت بالرغم من جميع ذلك محتفظة بأثرها السحري ومفعولها العجيب عندما يستخدمها المحب الولهان عند مخاطبته حبيبته في القرن العشرين.
وإذا كنت غداً في خطابك المرسل إلى السيدة المحترمة وتوقعه بإمضائك على أنك خادمها، ولو أنك لست خادمها المطيع، فإنك على كل حال «الخاضع كثيراً فلان .. » إنك بهذه الصيغة تمجد العروبة وتقدم لها شكرك واحترامك. وفي كل
стр. 365
حفلة أو مناسبة كريمة في القرن العشرين وحيث تتاح لك الفرصة لتحقيق رغبة في تقبيل يد سيدة، فإنك تبرهن لها على مكانتك، وحيث تسيطر عليك مشاعرك الحقيقية وذلك بركوعك أمام حبيبتك فإنك مقلد لمحب عربي.
وإذا كررت هذا الصنيع وهذه اللغة وتلك الإشارات، وأنت في موقف الاستسلام والخنوع والخضوع أمام السيدة التي تقدسها، فإنما تأتي بعادة ثانية اكتسبتها أوربا من العرب، وكانت قبل الاتصال بهم تجهلها جهلاً تاماً، وقد تعلمتها أوربا عن العرب، كما تعلمت أشياء أخرى كثيرة، وهي تمارسها بالرغم من المتاعب والمشاق التي تتطلبها لأسباب تربوية كثيرة، وقد يقدمها الزوج إلى زوجه لوقوعه في خطيئة حواء وضعفه واستسلامه. هنا نجد استسلام الرجل لإرادة المرأة، وهناك استسلام المرأة لإرادة الرجل. وهكذا نجد نوع العلاقات الجنسية وقيامها بين الاثنين والذي ظل في أوربا قرونا طويلة موضوع نزاع حول محاولة كل طرف إحراز النصر على الآخر. والواقع أن العوامل التي نشأت بين الرجل والمرأة من حيث الرغبة في السيطرة، وأن كلا يشعر أنه هو صاحب الحق. أن هذه العوامل في الواقع دخيلة على أوربا غريبة عن الأوربيين.
وذلك لأن استسلام الرجل للمرأة وضعفه أمام السيدة المحترمة التي رفع من مكانتها وجعلها في مستوى الآلهة في هذا المجتمع الذي نعيش فيه عبارة عن شيء رمزي فقط، وقد أقبل عليه الرجل بمحض إرادته، أو أنه شيء بغيض مكروه حقير، إذ كيف يقبل شخص الفناء نهائياً أمام كائن رفعه ووضعه في مصاف الآلهة وأصبح عبارة عن مجاز شعري يقف منه موقف الخادم الذليل المطيع. إن هذه الطبيعة تغاير تماماً طبيعة الطريقة التي سلكها الحب الجرماني الذي يقوم على المساواة بين الشخصين واحترام الحقوق والحرية.
فالحب الجرماني لا يعرف توزيع الأدوار الموجودة في غراميات البحر الأبيض المتوسط، إن الحب الجرماني بعيد جداً عن المؤثرات الأجنبية، فهو لا يعرف استسلاماً وفناء وضياع شخصية طرف من الطرفين، بل يقوم على حب متبادل واحترام متبادل يتطلب الرضاء والإعجاب المتزايد. الحب الجرماني يتعارض مع
стр. 366
قول الكتاب المقدس «ليكن سيدك»، وهكذا نجد الكنيسة تمزق الصلات بين الرجل والمرأة، الكنيسة هي التي تقضي على صلات المساواة كما جعلت من المرأة كائناً خاضعاً لقوة الرجل، وهذه استجابة لإرادة الله الذي شاءت مشيئته أن يفرق بين الجنسين فسلح الرجل الأوربي بكل وسائل القوة التي تحت تصرفه.
لكن بالرغم من موقف الكنيسة هذا نجد العادات العربية والتقاليد العربية تنتصر وبدون قوة، بل بالاعتراف بالحياة والأخذ بأسبابها. وهذا الموقف هو الذي كسر أغلال الكنيسة كما قاوم موقف الكنيسة العدائي من النساء والعودة بالمرأة إلى ثقافتنا، وهذه العودة طبيعية وضرورية. وجميع أحداث ذلك العصر من مسائل عقلية وجمال ونبل وشرف وثراء وغيرها من آيات المثل العليا التي غمرت الحياة الأوربية أصبحت جزءاً مكملاً للحياة الأوربية لا يمكنها أن تعيش بدونه. وإن شعراء أوربا وأدباءها وأجمل وأحسن تراث أوربي ظهر في ذلك العصر وكل ما يميز ذلك العصر الأدبي، يدين في نشأته وحيويته إلى العروبة، ولولاها لانزوى واندثر. فالعروبة هي مصدر الوحي للفنانين والشعراء والمغنين. لكن كيف؟ ألا تحيا المرأة العربية منذ زمن بعيد مكبلة بأغلال الرق والاستعباد محرومة من الحرية مجردة من مباشرة حقوقها الإنسانية مضطهدة؟ ألا يعرف الإنسان كيف يتحدث عن الحريم وحياتهن خلف القضبان وحيث يستطيع الزوج أن يقترن بأربع زوجات ويراقبهن بغيرة؟ نساء لا يرين أزواجهن قبل الزواج ولا يؤخذ رأيهن في الأزواج، وللرجل الحق، حسب مزاجه، أن يطلق من يطلق ويردها إلى أسرتها ثانية، ويتمنع علاوة على ذلك برضاء الدين وآله؟ ألا يتعارض مركز الفلاحة وقد أحنى الدهر ظهرها من ثقل الأحمال التي تحملها وتسير إلى السوق بينما الزوج الشامخ يسير إلى جوارها راكباً حماره. أليست هذه الحالة تتعارض والفكرة السائدة عن تكريم المرأة وعن الفروسية العربية؟ أو لم تبدأ العربية الآن فقط في التحرر من الحريم وتركه؟ أو لم تبدأ الآن فقط بترك الحجاب والتخلص من هذا الاستعباد الذي خيم عليها قروناً وأصبحت الآن فقط تمتع بحقوقها الإنسانية؟ أكاذيب وحقائق. كيف كانت الحقيقة؟
стр. 367
«قال الحارث بن عوف بن أبي حارثة: أتراني أخطب إلى أحد فيردني؟ قال: نعم. قال: ومن ذاك؟ قال: أوس بن حارثة بن لام الطائي. فقال الحارث لغلامه: ارحل بنا، ففعل فركبا حتى أتيا أوس بن حارثة في بلاده فوجداه في منزله، فلما رأي الحارث بن عوف قال: مرحباً بك يا حار. قال: وبي. قال: ما جاء بك يا حار؟ قال: جئتك خاطباً. قال: لست هناك. فانصرف ولم يكلمه. ودخل أوس على امرأته مغضباً، وكانت من عبس فقالت: من رجل وقف عليك فلم يطل ولم تكلمه؟ قال: ذاك سيد العرب الحارث بن عوف بن أبي حارثة المري. قالت: فما لك لم تستنزله؟ قال: إنه استحمق. قالت: وكيف؟ قال: جاءني خاطباً. قالت: أفتريد أن تزوج بناتك؟ قال: نعم. قالت: فإذا لم تزوج سيد العرب فمن؟ قال: قد كان ذلك. قالت: فتدارك ما كان منك. قال: ماذا؟ قالت: تلحقه فترده. قال: وكيف وقد فرط مني ما فرط إليه؟ قالت: تقول له: إنك لقيتني مغضباً بأمر لم تقدم فيه قولاً، فلم يكن عندي فيه من الجواب إلا ما سمعت، فانصرف ولك عندي كل ما أحببت، فإنه سيفعل. فركب في أثرهما. قال خارجة بن سنان: فو الله إني الأسير إذ حانت منى التفاتة فرأيته فأقبلت على الحارث، وما يكلمني غماً. فقلت له: هذا أوس بن حارثة في أثرنا. قال: وما نصنع به؟ امض، فلما رآنا لا نقف عليه صاح: يا حار. أربع على ساعة. فوقفنا فله فكلمه بذلك الكلام فرجع مسروراً. فبلغني أن أوساً لما دخل منزله قال لزوجته: ادعي لي فلانة (أكبر بناته) فأتته فقال: يا بنية، هذا الحارث بن عوف سيد من سادات العرب. قد جاءني طالباً خاطباً، وقد أردت أن أزوجك منه فما تقولين؟ قالت: لا تفعل. قال: ولم؟ قالت: لأني امرأة في وجهي ردة (القبح مع شيء من الجمال)، وفي خلقي بعض العهدة (الضعف)، ولست بابنة عمه فيرعى رحمي، وليس بجارك في البلد فيستحي منك، ولا أمن أن ير مني ما يكره فيطلقني، فيكون على في ذلك ما فيه. قال: قومي بارك الله عليك، ادعي لي فلانة (ابنته الوسطى)، فدعتها، ثم قال لها مثل قوله لأختها، فأجابته مثل جوابها، وقالت: إني خرقاء وليست بيدي صناعة، ولا آمن أن يرى منى ما يكره فيطلقني فيكون على في ذلك ما تعلم، وليس بابن عمي فيرعى حقي،
стр. 368
ولا جارك في بلدك فيستحييك قال: قومي بارك الله عليك، ادعي لي بهيسة (يعني الصغرى)، فأتي بها فقال لها كما قال لهما.
فقالت: أنت وذاك. فقال لها: إني قد عرضت ذلك على أختيك فأبتاه. فقالت. ولم يذكر لها مقالتيهما. لكني والله الجميلة وجها، الصناع يداً، الرفيعة خلقاً الحسيبة أبا، فإن طلقني فلا أخلف الله عليه بخير. فقال: بارك الله عليك. ثم خرج إلينا فقال: قد زوجتك يا حارث بهيسة بنت أوس.
قال: قد قبلت. فأمر أمها أن تهينها وتصلح من شأنها، ثم أمر ببيت فضرب له، وأنزله إياه، فلما هيئت بعث بها إليه فلما دخلت إليه لبثت هنيهة ثم خرج إلى فقلت: أفرغت من شأنك؟ قال: لا والله. قلت: وكيف ذاك؟ قال: لما مددت يدي إليها قالت: مه. أعند أبي وإخوتي هذا والله ما لا يكون. قال: فأمر بالرحلة، فارتحلنا ورحلنا بها معنا، فسرنا ما شاء الله. ثم قال لي: تقدم فتقدمت، وعدل بها عن الطريق، فما لبثت أن لحق بي، فقلت: أفرغت؟ قال لا والله. قلت: ولم؟ قال: قالت لي: أكما يفعل بالأمة الجليبة أو السبية الأخيذة. لا والله حتى تنحر الجزر وتذبح الغنم، وتدعو العرب، وتعمل ما يعمل لمثلى. قلت: والله إني لأرى همة وعقلاً، وأرجو أن تكون المرأة منجبة إن شاء الله.
فرحلنا حتى جئنا بلادنا، فأحضر الإبل والغنم، ثم دخل عليها وخرج إلى فقلت: أفرغت؟ قال: لا. قلت: ولم؟ قال: دخلت عليها أريدها، وقلت لها قد أحضرنا من المال ما قد ترين، فقالت: والله لقد ذكرت لي من الشرف ما لا أراه فيك. قلت: وكيف؟ قالت: أتفرغ لنكاح النساء والعرب تقتل بعضها (وذلك في أيام حرب عبس وذبيان). قلت: فيكون ماذا؟ قالت: اخرج إلى هؤلاء القوم فأصلح بينهم، ثم ارجع إلى أهلك فلن يفوتك، فقلت: والله إني لأرى همة وعقلاً، ولقد قالت قولاً. قال: فاخرج بنا. فخرجنا حتى أتينا القوم فمشينا فيما بينهم بالصلح، فاصطلحوا على أن يحتسبوا القتلى فيؤخذ الفضل ممن هو عليه، فحملنا عنهم الديات، فكانت ثلاثة آلاف بعير في ثلاث سنوات فانصرفنا بأجمل الذكر.
стр. 369
قال محمد بن عبد العزيز: فمدحوا بذلك، وقال فيه زهير بن أبي سلمى قصيدته:
أمن أم أوفي دمنة لم تكلم ...
فذكرهما فيها فقال:
تداركتما عبساً وذبيان بعدما ... تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم
فأصبح يجرى فيهم من تلادكم ... مغانم شتى من أفال المزنم
بنجمها قوم لقوم غرامة ... ولم يهريقوا بينهم ملء محجم
وذكر قيامهم في ذلك فقال:
صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو ...
وهي قصيدة يقول فيها:
تداركتما الأحلاف قد ثل عرشها ... وذبيان قد زلت بأقدامها النعل
وهذه لهم شرف إلى الآن. ورجع فدخل بها، فولدت له بنين وبنات».
(الأغاني. ج ١٠ ص ٢٩٤ ... مطبعة دار الكتب المصرية).
ثم سكت القاص ويصيح المستمعون: «ما شاء الله». لقد أدرك ما يهمهم. و «بهيسة» ما زالت المرأة التي تهواها قلوبهم. أربعة أو خمسة أجيال قد مضت منذ أن جعل الإسلام آلهة الجاهلية دون الملائكة وأعلن عبادة الواحد الأحد الفرد الصمد. لكن بالرغم من ذلك ما زال الإنسان في دمشق الفيحاء يتذاكر أخبار الجاهلية العربية في قصر الأمويين حيث كانت العربية الأصيلة النبيلة تستولي على قلوب الرجال، وحيث كانت المرأة العربية الأصيلة العظيمة تدفع الرجل إلى الحرب والكفاح والبطولة، وكان منحها البطولة لشخص ما مفخرة الأجيال.
ها هي ذي امرأة مستقلة تاجرة تقف في الحياة العامة ومعتركها، وهي الأرملة الغنية «خديجة» أولى زوجات رسول الله محمد ﷺ ، عاش معها أربعة وعشرين
стр. 370
عاماً وولدت له ستة أطفال، وهي مع ذلك تمثل السيدة النبيلة الواعية الحاضرة البديهة الذكية، إنها المثل الأعلى للأرستقراطية العربية، فقد رغب إليها النبي ﷺ أن تتثقف وتتعلم مثلها مثل الرجل. وهناك علماء مشهورون يرشحون المرأة لوظيفة القضاء، كما زارت المسجد وألقت المحاضرات العامة وشرعت.
ومن النساء من أصبحت مدعية عامة واشتهرت بلقب نقيبة رجال الشرع فهي «شيخة» وأستاذة وإنها لفخر النساء. هكذا كانت تكرم العالمة «شهدة» فخر النساء بنت أبي نصر أحمد، وقد تلقت العلم على مشاهير العلماء، ثم حصلت على إجازة التدريس، وأصبحت منارة العلم. كما نجد شاعرات ينافسن الشعراء كما كان الحال قدما، ولا تشعر شاعرة منهن بأنها تعامل معاملة شاذة. والواقع أن العربية لم تكن رهينة البيت طالما كانت الأرستقراطية العربية هي المهيمنة على المجتمع العربي. لكن هذا الوضع قد تغير.
ففي بغداد في قصر العباسيين هبت ريح أخرى جاءت من الشمال إذ وفدت جماعات من الجواري الفارسيات والروميات ومن بينهن من أصبحن أمهات خلفاء فأدخلن بدورهن عادات وتقاليد غريبة على المجتمع العربي والأسرة العربية، لقد أدخلن الحجاب ونظام الحريم، وهذه تقاليد إيرانية قديمة ترجع إلى العهد الذي كان يسود فيه إيران والعقائد الإيرانية المذهب الثنائي أو الإثنينية:
١. الحرمان من الحرية.
٢. وضع المرأة الفارسية في منزلة دون منزلة الرجل.
وهذه الحالات لم تعرفها العروبة ولم تقل بها الشريعة الإسلامية. فالحجاب والبعد عن الحياة الاجتماعية لم يقل بهما الإسلام. فقد خاطب المؤمنين كما خاطب المؤمنات: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ
стр. 371
وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣٠، ٣١] وكذلك دعا القرآن الكريم النساء إلى عدم التبرج: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣] وأين يبدأ الجزء الفاتن في المرأة، الذي يجب ستره؟ هذا هو موضوع النزاع بين الفقهاء، فمنهم من قصره على الثديين، ومنهم من قال الوجه أيضاً وأجمعوا على أن اليدين فقط هما ما تظهرهما المرأة .. أما الاستقرار في البيوت جرياً وراء التقاليد الفارسية وتكليف الخصيان خدمتهن حسب العادات البيزنطية التي كانت أصلاً مظهراً من مظاهر الأرستوقراطية، فقد عممت استغلالاً لقول القرآن الكريم: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ الذي كان يقصد به «أزواج النبي» ومن ثم بولغ فيه فحد المجتمع من نشاط المرأة.
وهذه الضربة القاصمة التي أصابت المرأة جاءتها من حاكم لا حول له ولا سلطان، خليفة مصاب بعقدة نفسية غبي بليد ألا وهو الخليفة القادر.
ومن الأسباب التي ساعدت على قيام تعدد الزوجات، الذي كان معروفاً منذ الجاهلية، الرغبة في كثرة النسل لتعزيز القبيلة وتقوية أواصر القرابة بين الأسرات وتعويض ضحايا الثأر والانتقام والرحيل. ولما جاء الإسلام قرر فرض زعامة العرب على الشعوب المغلوبة التي فتح الإسلام بلادها والحرص على عدم الامتزاج والفناء في الشعوب الأخرى. والحقيقة تقال: إن الأمويين في معركة ضد البربر خسروا ما لا يقل عن عشرة آلاف من أفراد أسرهم وأتباعهم. وفي عصر المأمون نجد البيت العباسي يضم نحو ثلاثة وثلاثين ألف نسمة. لكن الشيء الذي كان ضرورياً في العصور الأولى اتجه، بعد أن استقر السلطان العربي، اتجاهاً آخر يتعارض والسيادة التي كانت تتمتع بها البيوتات العربية القديمة. فالاختلاط مع الأجانب والزواج من أجنبيات والتسامح في المثل العليا التي كان يتطلبها العربي من زوجته، كانت من أسباب الانحلال والاضحلال فيما بعد.
стр. 372
فني الحريم كان تعدد الزوجات من أسباب القضاء على روح الحرية والاستقلال والشعور بالشخصية وكل مقومات المرأة العربية الأصيلة. وعوضاً عن هذه الصفات الحميدة أصبح الرجال أكثر ميلاً إلى اللواتي يجدن فن الإغراء وإيقاع الرجال في حبائلهن، أعني اللواتي كن يغشين دور اللهو والغناء في الكوفة والتي كانت تغص بتجار الرقيق الذين كانوا يبتزون أموال السادة والشباب في المدينة الذهبية بغداد.
هذه هي الناحية السطحية التي يتجه إليها دائماً التفكير الأوربي، لكن كلما تعمق الإنسان في المجتمع تبين الصورة الحقيقية واضحة المعالم، وبخاصة كلما ابتعدت هذه الصورة عن التأثير الفارسي أو بتعبير آخر عندما تصبح الصورة عربية خالصة. إن البدوية لم تستخدم أبدا الحجاب كما أنها لم تعش يوما ما عيشة الحريم ولم تغلق دونها الأبواب، لأن مثل هذه الحياة الأرستوقراطية لم تكن تسمح بها الحياة الاقتصادية، وحياة العمل لسكان الصحاري والمروج سواء كانوا بدوا أو فلاحين، كما لم تسمح بحياة البذخ التي أباحها الإسلام، أعني الزواج من أربع نساء.
وذلك لأن الإسلام طالب الزواج بالعدل بينهن سواء في الأكل أو الالتزامات الزوجية: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣]. ألم يقر الإسلام رغبة في احترام العدالة أن يتزوج الرجل واحدة فقط؟ ومن غير الأغنياء يستطيع أن يعدل بين أزواجه؟ إن المسألة ليست اقتصادية فقط، فالعربي الأصيل كما يقول مؤرخ عربي: «إذا ما أحب فواحدة فقط ويخلص لها وتخلص له حتى الموت».
وهكذا نجد صورة العربية عندما تبتعد عن المدينة وآثارها تقترب من الصورة الحقيقية للمرأة العربية الشامخة الشاعرة بوجودها وكيانها وشخصيتها، لذلك كانت البدوية في صدر الإسلام أكثر تمتعاً بالحرية وأكثر استقلالاً وأكثر أثراً في المجتمع العربي من تلك السيدة النبيلة العظيمة المقيمة في دمشق، وهكذا نستطيع أن نفسر
стр. 373
الرغبة الجامحة في حياة البداوة، كما نتبين هذه الرغبة الملحة التي أبدتها «ميسون» وبلغت معاوية في قصيدتها التي مطلعها:
لبيت تخفق الأرواح فيه ... أحب إلىَّ من قصر منيف
فما كان من معاوية السيد الحاكم المهذب إلا أن منحها حريتها، وهكذا عادت بنت الصحراء إلى حياتها الأولى غير آسفة على الخز والقصور، والأخريات اللواتي كن يتمتعن بنعيم الحياة والأبهة والعظمة التي لم تر المرأة الشرقية مثيلاً لها فيما بعد.
أما إسبانيا العربية ففاقت الشرق العربي وقدمت حياة أفضل وأجمل.
стр. 374
إن العالم شيد لي مسجداً
إسبانيا هي الحلم، هي الأمنية، إنها تاج العروبة. والتقدم الذي عرفته العروبة تم في إسبانيا، كما يقول العربي الأندلسي. وما حدث لم يكن مقصوراً على عالم المرأة بل عم كل ناحية من النواحي الثقافية العربية.
وهذه ظاهرة عجيبة حقاً تستحق التفكير أكثر من سائر الافتراضات والعجائب التي جاءت بها الثقافة العربية، وهذا يبدو فيه شيء من التناقض، فأخصب البقاع حضارة وثقافة ومدنية هي تلك التي كانت فيها قليلة جداً، وذلك لندرة وجود العنصر العربي وحيث لم تقم من قبل حضارة هامة، إن الحضارة الطارئة التي جاء بها الغزاة لم تتأصل فيها لتزدهر وظلت ضعيفة هزيلة، بخلاف الحال في الأقطار الأخرى التي تشبه إسبانيا تماماً وذلك مثل صقلية ومصر وسوريا والعراق وإيران حيث نجد شعوباً مثقفة ثقافة رفيعة تلعب دوراً هاماً في الثقافة البشرية مثل الهلينية والبيزنطية واليونانية والفارسية والهندية حيث تفاعلت مع الثقافة العربية.
أما في بلاد المغرب البربرية وفي إسبانيا حيث كانت الدولة الغوطية الغربية وريثة الاستقلال الروماني والاستعباد والمرض المزمن الذي أصاب البلاد من جراء الاستعمار الروماني والذي خلف طبقة من رجال الدين المتعصبين، فهنا لا يوجد شيء وتنعدم كل مقومات الحضارة، وعندما جاء الفاتحون أخذت الموجات العربية تفد من بلاد العرب ومن سوريا وليس حولهم شعوب قد يقتبسون منهم شيئاً ما. فهذه الثقافة الرفيعة العالية التي بلغها العرب في إسبانيا هي خير ما يدحض هذه
стр. 375
الادعاءات القائلة بأن العرب قد أخذوا الحضارات البائدة وأعادوها ثانية، وأنهم مقلدون فقط ولم يأتوا بجديد. ففي إسبانيا لم توجد حضارات يقال إن العرب قد اقتبسوها وتعلموها وقلدوها، والحقيقة التي يجب الاعتراف بها أن جمال الثقافة الأندلسية لم يكن فارسياً أو يونانياً بل كان عربياً وعربياً فقط، وعندما اختفى العرب من إسبانيا انحطت البلاد وتدهورت حضارتها وخيم عليها الموت ولم تنتج شيئاً.
ففي إسبانيا ظل حكم العرب ثمانية قرون كانت أزهى وأغنى العصور، ومن خير ما عرف على يد البيوت الحاكمة وهي عربية قديمة، وهي بيوت أموية حكمت في قرطبة كما حكم العباديون في إشبيلية والناصريون في غرناطة بينما لم يقم البربر والمسيحيون إلا بأعمال التخريب والتدمير، وبخاصة إذا كانوا لم يتأثروا بالثقافة العربية والعقلية العربية. وفي شرق العالم العربي بعد القضاء على الأمويين على يد العباسيين الذين في عهدهم، توغلت العناصر الأجنبية في الحكم والسيادة ولو أنهم كانوا من العوامل المؤثرة في الثقافة العربية.
وما هي فترة ثمانية قرون؟ ! إنها قصيرة إلا أنها غنية جداً بالأحداث التاريخية! إنها فترة تساوي تلك التي تمتد من موت البطل «ليونيداس» حتى آخر اضطهاد حل بالمسيحيين أيام القيصر «ديو قليطيين»، أو إذا ما قيست بالعصر الحديث عبارة عن فترة من الزمن هي التي تبدأ بهنري الثاني حتى مجيء الملكة الياصابات الثانية ملكة إنجلترا، وعلى الدقة منذ مجيء الملك فيليب الثاني ملك فرنسا حتى الجمهورية الخامسة للجنرال ديجول، أو منذ سقوط هنري قلب الأسد أمام القيصر فريدريش الأول بارباروسا حتى مجيء عصر الدكتور كونراد أديناور، فهذه الفترة بالضبط عبارة عن? ? ? عاماً ازدهرت وأينعت فيها الحضارة العربية في شبه الجزيرة الأوربية.
لكن الغرب لم يعرف شيئاً عنها.
والجار الغاضب المكشر عن أنيابه الذي كان يقيم على الجانب الآخر من جبال البرناس ظل قرنين، ثلاثة، أربعة أصم أعمى، فقد غشت عينيه غشاوة بفعل الأنوار الساطعة والجنة الغناء، وفيها المعماريون والمغنون والشعراء والعلماء، وهي كذلك
стр. 376
جنة النساء. وقد صور هذا الجار الغاضب تلك الجنة بأنها وطن السحرة وعبدة الشياطين وأنها وطن تقديم البشر قرباناً لمحمد، لماذا؟ خوفاً من هذا السحر الذي قد يأتي بالحقيقة. لكن هذا الجار فشل في سد أذنيه وإغماض عينيه تماماً وتأثر أثراً قوياً بحضارة جاره.
وبالقرب من قرطبة في حديقة قصر عبد الرحمن، هذا القصر الذي شيده حسب تصميم أجداده الذين شيدوا قصورهم في الصحراء السورية، كان هذا الأمير العربي يزرع أول نخلة في أرض الأندلس وعنها انتقل النخيل إلى أوربا.
إن هذا الأمير هو الشاب عبد الرحمن الذي طالما حن إلى وطنه الأصلي وسجل هذا الحنين في أشعاره وهو أخر فرد من الأسرة الأموية وهو أحد حكامهم الأقوياء الأشداء. فقد نجا وهو ابن العشرين من المذبحة التي حلت بأهله في دمشق، وقد ظل خمسة أعوام ضالاً هائماً متعرضاً لمختلف الأخطار، في شمال إفريقيا، حتى استطاع أخيراً هذا الفقير المعدم بفضل شجاعته وعزيمته القوية وإرادته الحديدية أن يصير حاكماً على الأندلس التي كانت تقاسي من انقسامات العرب هناك وشحنائهم.
ومع هذه الشجرة العربية التي جاء بها من وطنه أخذ الفن العربي يدخل الأندلس ومن ثم أخذ هذا الفن يزدهر وينتشر خارج الأندلس ومختلف البلاد الأوربية، حيث أصبحنا نجد فناً معمارياً عربياً وموسيقى عربية وشعراً عربياً وغزلاً عربياً.
ففي فترة حكمه التي بلغت ثلاثة وثلاثين عاماً والتي كانت مليئة بالكفاح وضع عبد الرحمن الأول الأساس للدولة العظمى التي شاهدتها العصور الوسطى، وكل من جاءوا بعده من العباقرة الجبابرة أضافوا لبنة إلى هذا البناء الشاهق، كما ساهموا في بناء المسجد العظيم الذي وضع أساسه عبد الرحمن الأول في قرطبة عاصمته.
أما كاتدرائية القديس «فينسينس» فقد قدر ثمنها مائة ألف دينار وهذا مبلغ عظيم جداً في ذلك العصر مما يشير إلى أن الحالة كانت ميسرة مستقرة فلا هدم للمعابد ولا تكسير لصور مقدسة أو غيرها. نعم إنه عندما فتح طارق وبربره البلاد هدموا كثيراً
стр. 377
من الكنائس، لكن الكاتدرائية احتفظ بها مسيحيو قرطبة وأعدوها لتأدية طقوسهم الدينية وقد أخذوا بهذه عهداً مكتوباً. أما الفاتحون فقد اكتفوا بتشييد مساجدهم المتواضعة خارج المدينة.
ثم نجد العرب الذين قدموا من المدينة محاربين ومدافعين عن النبي ﷺ ومعهم ذراريهم وأتباعهم يستقبلون موجة أخرى من العرب السوريين فامتلأت بهم قرطبة مما جعل الحاجة ماسة إلى تشييد مسجد عظيم في العاصمة في قرطبة، وقد بلغت نفقات بناء هذا المسجد مائة ألف دينار، وقد اشترى عبد الرحمن الكاتدرائية المسيحية من المسيحيين بهذا المبلغ، أعني مائة ألف دينار، كما منح المسيحيين الحق في أن يجددوا بهذا المبلغ كنائسهم التي خربت.
والآن يستطيع المسلمون الانتقال إلى هذه الكنيسة التي آلت إليهم بحكم الشراء أو تحويرها التحرير الذي يتفق والشعائر الدينية الإسلامية، فكان مثلهم مثل المحاربين القدماء الذين لم يعتادوا البناء، فكانوا يستولون في البلاد المفتوحة على بعض دور العبادة المسيحية كما وقع في دمشق والقدس. وهكذا صنع جد عبد الرحمن ألا وهو الخليفة عبد الملك عندما حول كنيسة العذراء مريم، التي تنسب إلى «يوستنيان» والواقعة أمام المعبد في القدس، إلى المسجد الأقصى، كما حول ابنه الوليد كنيسة القديس يوحنا في دمشق إلى المسجد الكبير مع الإشارة إلى أن الكنيسة أصلا قد شيدت من أحجار وأعمدة معبد «جيوبيتر» القديم. لكن ليس معنى هذا أن المعابد التي شيدت للآلهة الأجانب قد استغلها المسلمون واستخدموها دوراً لعبادتهم، فالمساجد العظيمة كانت تشيدها الدولة في معسكرات جيوشها، فقد شيدت مثلا لجنودها المحاربين جامع ابن طولون في القاهرة وسيدي عقبة في القيروان، فهذه المساجد كانت تشيد عادة في الفضاء الواسع كما كانت في هندستها المعمارية، إذا ما استثنينا قبة الصخرة، ومساجد القبور، تتبع تخطيطاً بعينه أعني نظام المسجد ذي الصحن المربع غير المسقوف وبه ميضأة للوضوء ويحاط بسور يشبه سور الحصن وحوله صفوف من الأعمدة التي تظلل أولئك الذين يريدون الانصراف إلى الله في الصلاة، وذلك عن طريق الصلاة في القاعة المسقوفة. وهذا
стр. 378
الفن المعماري برجع في الواقع إلى فن قديم قد يكون هو الذي كان مستخدماً في العصر الجاهلي عند تشييد المعابد مثل معبد صرواح في بلاد العرب الجنوبية وفي نظام المصلي الذي كان موجوداً إبان حياة الرسول. وكان تخطيط المصلى معروفاً في المدينة قبل تشييد أول مسجد بزمن بعيد، وقد استخدمه الرسول في مناسبات خاصة.
أما الحفيد الأموي في الأندلس فقد كان يدرك أنه لا يمكن الجمع بين المسجد والكنيسة فلم يحول الأخيرة إلى مسجد، وما كان في حاجة إلى ذلك، فقد مضى العهد الأول، العهد الذي لازم صدر الإسلام، لذلك نجد عبد الرحمن يدفع ثمن الكنيسة غالياً جداً ويهدمها ويشيد مكانها بناءً جديداً، حيث استخدم الأعمدة القديمة أيضاً.
لكن الاعتماد على فن المعمار الأجنبي أصبح في غير موضعه، واستخدام بعض المواد القديمة في البناء ليس معناه استخدام نفس الفن الذي استخدمت فيه هذه المواد بل استخدمت في تشييد فن جديد وهذا الفن المعماري الذي يعبر عن روح ذلك العصر وثقافته وحضارته وعقيدته، وبخاصة أنها تستخدم في تشييد مسجد الإسلام. وبالرغم من أن المنفذين لهذا الفن المعماري، من بنائين وعمال وغيرهم قد انحدروا من عناصر مختلفة إلا أن المعمار العربي كان مستقلاً عربياً خالصاً، وهذا الفن يستمد كيانه من خصائص وعناصر إسلامية دينية مثل: المحراب والمنبر والأريكة والمئذنة. فالفن المعماري، وفن المسجد إن كان سقفه يقوم على أعمدة كانت في الأصل في كنائس مسيحية فلا رابطة تربط بينها وبين الكنيسة بالرغم من أن الأعمدة قد أخذت من الكنيسة. والواقع أن المسجد والكنيسة معبدان يختلف كل منهما عن الآخر.
إن المسجد ليس هو بيت الله المقدس الذي يستطيع فيه المؤمن بواسطة رجل الدين التقرب إلى الله، بخلاف الحال مع الكنيسة فهي متى قدست أصبحت حقاً لا رمزاً مدينة سماوية يحكم فيها المسيح وأن القدس السماوية قد نزلت من السماء إلى الأرض، هذا هو معنى الكنيسة عند المسيحي في مختلف العصور، فمنذ القرن
стр. 379
الرابع الميلادي نجد الكاتدرائية المسيحية القديمة والقدس السماوية كمدينة قديمة وفيها أقواس النصر وقاعات ذوات عقود وقصر القيصر وقاعة العرش. وفي عصور متأخرة نجد الكنيسة الرومانية هي البرج السماوي لملك الجيش والكنيسة بأبراجها وحيطانها القوية ونوافذ لإطلاق النيران وحتى أبواب المدينة ممثلة فيها. والكاتدرائية القوطية تمتاز ببساطة البناء يضيئها نور سماوي وزخرف السماء وجمالها مما لا يجده الإنسان على الأرض. وهذه المدينة السماوية المضيئة تقرب بين المعاني القوية كما قال ذلك العالم «سيدلماير». إن جميع هذه المعاني لا يشير إليها المسجد كما أن هذا المعنى الشعري يعبر عنه المسجد تعبيراً واقعياً وهذه هي ميزته:
﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [العنكبوت: ٥٦] وقال تعالى أيضاً: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٥٠]. هذه هي عقلية القدامى من البدو الذين عاشوا في الصحراء غير المتناهية فكانوا يشاهدون الكائنات غير المرئية، لذلك نجد المسلم مثل أسلافه يصلي في كل بقعة من الأرض ففيها يواجه الله. فلا توجد قواعد خاصة تقيد المسلم كما لم يفرض عليه الإسلام مكاناً خاصاً بالذات لتأدية فرائضه الدينية لا معبد ولا كنيسة كما أن تعبده لا يرتبط كما هو الحال في المسيحية بقسيس أو وسيلة تجمع بينه وبين الله. فلدى المسلم كل شخص يمثل الله وكل مسلم له الحق في أن يصلي بالمصلين ويكون إماماً في المسجد.
وغير الصلاة الخاصة الفردية التي يؤديها المسلم، على المسلمين أن يجتمعوا معاً ليصلوا جماعة، والبيت الذي يؤذن فيه لصلاة الجماعة هو «الجامع» الذي لا تقتصر مهمته على إقامة الصلاة به فقط بل هو مدرسة لتعليم التلاميذ والتفقه في المسائل الشرعية؛ لذلك يسمى الجامع الكبير حيث تؤدي صلاة الجمعة ويؤديها المسلمون يوم الجمعة، ويسمى هذا المسجد «المسجد الجامع» أو بالاختصار «جامع». والمسجد الجامع ليس مكاناً يمتاز بقدسية خاصة، وإنما يمتاز على غيره بميزات أخرى كما تمتاز الكنيسة على الأماكن الأخرى العادية ومساكن الناس، لذلك لم يلاحظ عند تشييد الجامع أن يؤثر بمظهره الخارجي في المصلين، كما أن تصميمه لا يختلف عن أي
стр. 380
شكل هندسي لبناء قائم الزوايا أو مكعب، كما أن شكله الخارجي غير جذاب ومهمل وحيطانه ملساء عارية من الزخرفة تشبه حيطان حصن من الحصون أو مصنع أو قصر حاكم. وفي الداخل فقط نجد بعض الزخارف. أما الأعمدة الداخلية فقد يبلغ عددها خمسة عشر عموداً، كما أنه يشتمل على كثير من العقود حيث يركع المسلم غير مقيد بعقد خاص أو مذبح، وهذا يتفق وتعاليم الإسلام الذي لا يميز بين طبقة وطبقة. فالمحراب في المسجد غير المذبح، فالمحراب يبين فقط اتجاه المصلين حيث نجد العالم يقف إلى جوار السقاء والقائد إلى جوار الجندي، كما نجد الإمام في ملابسه العادية يؤم المصلين مثله مثل ماسح الأحذية وسائر الأفراد، يركع ويسجد ويقوم بسائر الفروض الدينية.
فهذه الخصال الشعبية حقاً تتمثل في المسجد كما تتمثل في أي بناء آخر فالمسجد إذا ما أريد تكبيره اتسع أفقياً لا علوياً. وبقدر عدم اكتراث العربي بالبناء الخارجي ومظهره إذ به يهتم اهتماماً كبيراً بالزخرفة الداخلية.
إن المسجد لا يعني البتة برقصات المعبد أو الأغاني أو الصور أو البخور أو بعض المظاهر المغرية للتأثير في المسلمين لتنقلهم من ملاذ الدنيا، وعن طريقها، إلى ملاذ الآخرة، بينما نجد الكاتدرائية الغوطية تحول الشيء غير المحسوس محسوساً وتتفنن في هذا بخلاف الإسلام الذي يحول الماديات إلى روحانيات. إن الصحراء الجرداء التي لا شيء فيها تخلق من العربي شخصاً لا يؤمن بالماديات إيمانه بالمعنويات، فالعربي يحول المادية إلى معنوية إلى رياضة. إن طبيعة الصحراء ذات النمط الواحد تكرار وتكرار لهذا النمط الذي يتراءى في الهواء لا عمق له، لا أبعاد له، لأن هذا النور الذي يغمر الصحراء قد يقضي على الأبعاد والانعكاسات ويقرب البعيد في الأفق وغير ذلك.
كذلك لا نجد في المسجد شيئاً مادياً أو محسوساً، ولا شيء فيه يؤثر في الإنسان بل يؤثر في غير المرئي الكائن في كل عصر ومكان، ولا يتصف بصفات الإنسان أو الكائنات الطبيعية، إنه واحد في نفسه وليس كائناً آخر يشبهه وهو موجود في نفسه.
стр. 381
وليس الفن العربي (أرابيسك) شيئاً آخر، واسمه يدلنا على أصالته العربية، وهو خير من يعرض الخصائص الرياضية المعنوية حيث نجد دوراتنا في الوسط وهذا الدوران يرجع إلى حيث بدأ، وبذلك يكمل نفسه تلقائياً ويكون شكلاً هندسياً كاملاً. إن الزخرفة العربية لا تمر سريعاً وليست حركة تتجه اتجاهين كما هو الحال في اللولب الكريتي أو «ميندر» اليوناني. وهكذا نجد الفن العربي فتاً حاضراً لا نهاية له فهو نظام خاص وهو أساس كل الكائنات وهو يتجلى في جميع المظاهر الطبيعية، وهكذا نجد الفن العربي يتزايد وينمو نمواً متجانساً ذا نغم ثابت. إن الفن العربي حاضر ولا نهاية له، إن الفن العربي لا أول له ولا آخر لا تحده حدود، فالمساحة في الفن العربي لا تعرف حدوداً بل تمتد وتمتد في مختلف الجهات لكن بالرغم من هذا لا تنمو نمواً غير مهذب ولا تتضخم تضخماً مريضاً فكل شيء في الفن العربي قد أحكمنه نظم وقواعد جبارة واضحة وضوح البلور وكأنها نغم متسق.
لقد تعمق «جوته» في الحياة العقلية الشرقية وعاش فيها، لذلك ندرك تماماً عباراته الشعرية التي صاغها في الشعر العربي ووصفه بها، وما يقال عن الشعر يقال أيضاً عن الفن العربي. ولماذا؟ لأن الشخص الذي تملكت شعوره وإحساساته الطباع والمشاعر الشرق به يتصف ولا شك بهذه العقلية العربية:
إن عدم نهايتك دليل عظمتك.
وعدم بدايتك مقدر لك.
إن قصيدتك تدور كالقبة الزرقاء.
الأول هو الآخر دائماً. دائماً لا يتغيران.
وما أبي به الوسط معروف.
الذي يبقى إلى النهاية كان هو الأول.
والتأثير العربي أو التعريب يقع عندما يحاول الفن العربي الاستعانة بالنباتات الفارسية أو المصرية للزخرفة، فنجد الفن العربي سرعان ما يجرد هذه الزخرفة من قيمها المحسوسة كما يجردها من جسدها.
стр. 382
وتتفق مع الفن العربي في هذه الخاصية زخرفة الحيوان في الفن الجرماني النورماني، فإن هذا الفن يجرد جسم الحيوان من إحساسياته حتى يحوله إلى مجرد حركات أو خطوط ويربط بينها حسب قواعد النغم، فهذا الشبه الظاهري بدين به الفن العربي، وهو يتفق في هذه الظاهرة مع الفن الجرماني أو الأوربي عديم الصورة، الذي يعرض إلى تجسيد وتصوير الكائنات غير الأرضية، وقد أقبلت عليها أوربا واستخدمتها في الزخرفة. وفي المجال الواسع للفنون الأوربية وبخاصة في الزخرفة التي ظهرت في عصر النهضة تشرع أوربا تلعب دورها الهام.
وقد أخذت أوربا أيضاً الزخرفة العربية للكتابة، وذلك لأن الفن العربي قد امتد إلى الكتابة فاتخذها مادة للزخرفة سواء كانت خطوطاً أو آيات قرآنية حيث تعبر عن الأشياء المجردة أو المواضيع غير المجسدة، كما استخدم الأفقية منها في الزخرفة وذلك باستخدامها كخيوط ذهبية ممتدة على الحيطان والأعمدة في القصور والمساجد. وهذا مظهر من مظاهر الرغبة في التجرد من الحساسية وهذه خاصية من خواص العقلية الإسلامية وهي ليست جديدة في العقلية الشرقية. لذلك لم يجد القرآن ضرورة لإصدار حكم بخصوصها.
أما ما يقال عن تحريم الصور، فالقرآن لم ينص على هذا التحريم إلا في هذه الآية: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة: ٩٠]، وأما فيما يتعلق بتصوير الكائنات الحية فلم يعرض له القرآن، وفي العصور المتأخرة فقط استنكر الفقهاء التصوير لأنه تقليد لله أو تشبه بالخالق. لكن تحريماً لتصوير الأشكال لم يرد ذكره في القرآن الكريم. ففي العصور المختلفة سواء في صدر الإسلام أو بعده، نشاهد كثيراً من الصور التي تزين الأسقف والحوائط في القصور كما تزين بها الموائد في الولائم كما نجد تماثيل السباع تحت صحون النافورات أو تقذف المياه في الأطباق الرخامية. وفي قلعة الصخرة بالقرب من قرطبة نجد في قاعة نوم الخليفة. حيث يقع نظره عندما يستيقظ. نافورة خضراء وحولها اثنا عشر حيواناً من الذهب الخالص ترقص. فنحن نرى أسداً وغزالاً وتمساحاً وثعباناً ونسراً وفيلاً وحمامة وصقراً ودجاجة وديكاً وحدأة وبازاً.
стр. 383
وقد قال الشاعر الصقلي ابن حمديس يصف داراً بناها المنصور بن أعلى الناس ببجاية ومطلعها:
واعمر بقصر الملك ناديك الذي ... أضحى بمجدك بيته معموراً
وفي القلاع العربية نجد زخرفة ورسوماً تزينها، وليست هذه الرسوم عبارة عن نباتات وحيوانات فقط بل تعبر عن آدميين أيضاً: ملوك ونسائهم وصيادين وشعراء ونساء جميلات وفرسان وسيدات وكأنهم يطلون من الحيطان والأبواب والقاعات، وحتى في مسجد قرطبة نجد رسوماً تصور القصص الديني الإسلامي مثل أهل الكهف وأغربة نوح، كما نجد الأسد والنسر مستخدمين كعنصرين من عناصر الزخرفة والزينة. وقد ظلت هذه الفنون التعبيرية مستخدمة مثلها مثل الفنون الزخرفية.
وغير الفن العربي نجد زخرفة الأسقف والقباب والردهات والأعمدة، وذلك بتجريدها من ماديتها حتى إن الحائط يكاد يختفى ولا تتبينه العين، وذلك باستخدام الزخارف الجصية ومختلف وسائل الزخرفة، ولعل هذا النوع أثر من آثار الفن الفارسي مثله مثل العقود المدببة التي أكثر الفن الإسلامي من استخدامها، كزخرفة غالباً، أو للتغطية أو بين الأعمدة، على أن تزخرف زخرفة عربية بأوراق الأعشاب أو أعمدة على شكل مراوح. وفي الفن الإسلامي الهندي نجد أحجاراً صماء ونادراً ما تستخدم كأجزاء أساسية في البناء.
ثم انتقل الفن العربي الإسلامي إلى أوربا المسيحية، وكان خط سيره من سمراء المقر العظيم للخليفة على نهر دجلة، وجامع ابن طولون في القاهرة ثم إلى الفاطميين فصقلية النورمانية حيث أحرز هذا الفن نصراً مبيناً؛ وربما انتقل مباشرة إلى النورمانيين في «إيل دفرانس»، لكن من المؤكد أنه انتقل من صقلية العربية كغنائم حرب «بيزية»، ومن ثم انتقل إلى الفن البيزى الرومانتيكي من ناحية أو من ناحية أخرى عن طريق كنيسة «ديزيدريوس» التي شيدها البابا فيكتور الثالث وهي تقع فوق جبل «كاسينو» وهي من الفن البورجندى الرومانتيكي الذي هو عبارة عن غطاء للفن الغوطي الذى نهض به رهبان «كلوني» ورئيس الدير «هوجو»: وذلك
стр. 384
لأن رئيس دير «كلوني» لاحظ عام? ? ? ? ومعه مرافقوه العقود المدببة في بناء جبل كاسينو الذي كان قد شيده رئيس الدير المسمى «ديزيدريوس» خبير صقلية والعالم بها وبغزاتها النورمانيين. وقد تم له ذلك بمساعدة معماريين عرب وعمال مصريين وهم الذين علموا رهبانه فنهم المعماري. كذلك يلاحظ أن الصلات بين صقلية وبورجند كانت كثيرة وقوية، فالبلاد المقدسة بالنسبة لـ «كلوني» تقع جنوب البرنات وممتدة على طول الطريق المؤدي إلى قبر حواري «سنتياجو» وهو الإسباني الذي كان يعارض الدعوة الإسلامية. وإن الطريق الطويل للحج الذي يبدأ من باريس يمر فيه سنويا الآلاف من الحجاج إلى أقدس المقدسات المسيحية في أوربا يملأون جوانب الأديرة الكبرى وكنائس «كلوني» ومعظمها مهداة من ملوك إسبانيا. كما نجد كثيرين من سكان «كلوني» الفرنسيين كانوا في القرن الحادي عشر أول الأساقفة والقسس ورؤساء الكاتدرائيات في الأقاليم الأندلسية التي استولت عليها المسيحية. أما الأمراء الإسبانيون المسيحيون وعلى رأسهم الملك المستعرب ألفونس السادس والذي كان أصلاً أحد السكان ثم صار فاتحاً لطليطلة العربية، فقد كانوا يقدمون طاعتهم وولاءهم لرئيس دير «كلوني»، وذلك عن طريق تقديم هدايا، وأموال طائلة ليست فقط ذهبا بل غنائم حربية عربية وغيرها من الهدايا القيمة. وهذه الهدايا التي قدمها ألفونس السادس هي التي استغلها رئيس الدير المسمى هوجوه في سبيل تشييد الكنيسة العظيمة في «كلوني»، كما تعهد بإقامة صلاة على روح المهدي، أعني ألفونس السادس وعلى مذبح خاص.
فلو كان العقد المدبب عبارة عن زخرفة فقط عند العرب ما وجدناه شاحباً في جبل «كاسينو» و «بيزا» و «كلوني» والفن البورجندي الرومانتيكي. إن الدور الهام لهذا العقد في أوربا هو الدور المعماري البنائي الأصل في الفن الغوطي؛ وبذلك احتل دورا هاما في الكاتدرائيات الغوطية. وهذا الدور الذي بلغه العقد المدبب لم يبلغه العقد المستدير في الفن الرومانتيكي.
لكن هذا الفن لم ينتقل بمفرده إلى الفن الغوطي بل نقل معه ورقة العشب والعقد من إسبانيا وكانت تستخدم في زخرفة النوافذ والمحاريب. ثم نجد التناقض يبدو
стр. 385
واضحاً في العقود ذات أوراق العشب أو المدببة التي أحبها العرب لميلهم الفطري إلى الرياضة إلا أنها في الفن الغوطي تلعب دوراً هاماً، وهذا الفن يستخدمها في زخرفة الحوائط. ومع العقد المدبب جاءت أيضاً النافذة، وبفضل الأثر الفني الساساني ظهرت النافذة المستديرة في الفن الغوطي.
وفي القرن التاسع الميلادي حدث تجديد في الفن العربي فنجد حزمة من الرماح تظهر في زوايا الأعمدة وهي هامة جداً في فن المعمار الغوطي وبخاصة في القباب. ومن القاهرة عن طريق إيطاليا جاءت إلى السقف الغوطي زخرفة القباب. والمآذن الإسلامية التي امتازت بقيامها على قواعد مربعة، ثم أصبحت مثمنة ثم تطورت إلى دائرة هي التي كونت في الفن الغوطي برج الناقوس.
والآن نتساءل: هل الفن الغوطي يتكون غالباً من كثير من عناصر الفن العربي؟ إن الذي يريد أن يصدر مثل هذا الحكم تفوته الحقيقة القائلة: إن المواد الأولية ليست هي التي يتكون منها الفن بل الترتيب والتنظيم هما في الواقع العنصر الخالق في الفن وهو الذي يصنعه وينوب عنه. إنها الاستعارة العقلية سواء كانت عن طريق الأفكار الدينية أو الدنيوية أو سواء كانت من ناحية معمارية أو شعرية أو علمية، ولا أدل على هذا من العقد المدبب وما تستفيده منه. إن الفن والاستعارة الفنية ليست فيما يستعيره الشعب بل هي الطريقة التي يستفيد بها من العنصر الذي يستعيره وكيف يشكل هذا العنصر وطريقة استغلاله. فهذه الوسيلة هي في الواقع العامل الرئيسي الخالق. أما طريقة الخلق والتكوين فهي التي تحدد القطعة الفنية وتعينها؛ لأن العبقرية الخالقة لا تقتبس كل شيء بل تختار من بين ما يروقها ما يساعدها على خلق نموذج فني ممتاز.
والتبادل الثقافي ظاهرة موجودة عند كل الشعوب ولا يمكن الشك في أن أي شعب لن يستطيع أن يتجنب هذا التبادل. والاقتباس لا يضير الشعب أو يحط من مكانته ومكانة فته طالما لا يفنى هذا الشعب ويذوب أو يتلاشى فنه في فن شعب آخر. وهذه الحقيقة ندركها في الفن الغوطي وفي أوربا، لذلك ليس من العدالة أن ننكر هذه الظاهرة على العروبة والإسلام. والملاحظ أنه سواء في الفن أو العلوم
стр. 386
يكال دائماً بكيلين فأوروبا عند الاستفادة تهتم بالشكل بينما العرب بالجوهر، وعند دراسة الجوهر في الفن الأوربي نجد الدارس يحاول إرجاعه إلى الثقافة القديمة فإن لم يوفق أهمله وانصرف عنه. وهذه الظاهرة ندركها في الفن الغوطي حيث نجد فيه العناصر العربية الجوهرية، كذلك الفن الروماني فقد صب في الواقع في قوالب شرفية قديمة من آسيا الصغرى، وهكذا أيضاً الفن الجرماني الخاص باستخدام الحيوان في الزخرفة، فهو غالباً فن شعبي آسيوي. أما المعمار العربي الإسلامي فكثيراً ما استعار من البابلي أو الفارسي أو البيزنطي.
وفي «كلوني» يجرى تبار عربي إسلامي ويستمر هذا التيار جارياً حتى يبلغ إنجلترا حيث نجد العقد المدبب العربي الذي انتقل إلى «كلوني» ودخله بعض التطور وأصبح في القرن الرابع عشر على هيئة قطعة فنية تشبه اللهب، وهو يستخدم في النوافذ والمسطحات. وقد انتقل هذا الفن مباشرة من العرب إلى «كلوني» ومنها إلى إنجلترا حيث التقى بالفن المعروف باسم فن «تودور» حيث يوجد عقد تودور وكذلك عقد «كيل» (نسبة إلى مدينة كيل) ونحن نجد الفنين في الجامع الأزهر بالقاهرة حيث يوجد ما يعرف باسم «ظهر الحمار» هو عقد المروحة مع القباب المعروفة والشبابيك كعنصر من عناصر الزخرفة.
ثم أخذ الفن التودوري ينتشر من الجزر البريطانية حتى بلغ الولايات المتحدة وأصبح فيها هو الفن المستعمل في الجامعات الأمريكية.
ومع مرور الزمن أخذ فن المعمار العربي يتغلغل في داخل القارة الأوربية، وأصبحت هذه البلاد وطناً للفن العربي قروناً طويلة، فنجد الغزاة المسيحيين للأندلس يشيدون قصورهم وكنائسهم حسب الفن المعماري العربي الذي استولى على قلوبهم واضطرهم إلى الاستعانة بالفنيين العرب. وما زلنا إلى اليوم نشاهد هذا الفن العربي المعماري. وفي القرنين السادس عشر والسابع عشر نجد الفن المعماري العربي الإسباني يتطور وينتقل إلى الأميريكتين الجنوبية والوسطى حيث نجد الفنين المعروفين باسم «بلاترسكين» و «خورير جرسكين» كما نجد الفن المعماري الذي أخذ عن إسبانيا والمعروف باسم
стр. 387
«أزوليوس» والذي استخدمه العرب في المباني الدينية والدنيوية وهو القيشاني الذي ما زال حتى يومنا هذا يزين كنائس المكسيك ومساكن أمريكا اللاتينية والدور الإسبانية الحديثة والمكسيكية الجديدة وكذلك في أمريكا الشمالية.
وفي صقلية نجد المعمار العربي أيام حكم النورمان والأشتوفيين يتطور تطوراً عظيماً وينتشر في مختلف جهات إيطاليا، هذا مع الإشارة إلى أن كل ميناء عظيم كان يحتفظ بعلاقاته الخاصة مع العرب والفنون العربية والثقافة العربية سواء عن طريق التجارة أو عن طريق خضوعها للعرب. وليست فقط البندقية بل أيضاً «بيزا» التي أخذت تنمو وتكبر تدريجياً حتى أصبحت سيدة البحار وملكة توسكانا، وذلك بفضل علاقاتها مع العرب. ولما تحالف أسطول «بيزا» مع أسطول جنوة وطردا العرب من سريدينيا، اتحدت بيزا مع النورمانيين للاستيلاء على صقلية وانتزاعها من العرب. ففي عام ١٠٦٣ م أخذت بيزا تشيد كاتدرائيتها الشهيرة وذلك من الغنائم العربية التي غنمتها عند الاستيلاء على بالرمو كما استخدم المسيحيون بقايا مخلفات المساجد التي هدموها في بناء كنيسة «بابتيستريوم» و «كامبانيلا»؛ وهكذا نجد الكاتدرائية متأثرة بالفن العربي تأثراً كبيراً وبخاصة باستخدام الرخام الأسود والأبيض في العقود عند دورانها، وهذا الفن العربي قد استعاره البور جنديون في الفن الروماني، ثم الخطوط الرمادية السوداء التي تزخرف الحوائط الخارجية الرخامية الأفقية والزخرفية التي على السطوح، ثم طريقة استخدام العقود السبعة المختلفة. وعند العرب العقود العادية والعقد المدبب والتطعيم العربي المختلف الألوان، والقاعات ذوات الأعمدة وأخرى كثيرة قد اكتسبتها أوربا من العرب المقيمين في صقلية. فالاتصال مع المدن التجارية الشرقية قوى الرغبة في اقتباس كل ما هو عربي، وهكذا نشأ الفن الرومانتيكي الإيطالي الجميل، وكذلك الفن البيزي الذي شمل بيزا وجميع إقليم توسكانا وعبر حدوده.
أما البندقية فقد اقتبست إلى جانب الفن البيزنطي كثيراً من مختلف الفنون العربية، فالمآذن العربية أصبحت في عصر النهضة أبراج النواقيس في إيطاليا،
стр. 388
والكومبانيلي القائمة قد تأثرت أيضاً بالمئذنة، كما نجد المهندس المعماري الإنجليزي الشهير «ورين» الذي تأثر بالفن الإسلامي يستغل هذا الأثر الإسلامي في تشييد أبراج كنائسه، وأخذ الإيطاليون يجمعون بين القباب والأبراج وجعلوا منها قطعة فنية جميلة. كذلك الحال مع المحاريب التي تشبه الأصداف والتي ظهرت في عصر النهضة والتي هي في الواقع تقليد للمساجد الإسلامية بمآذنها.
وعند تشييد الأبراج العربية من الأحجار أدخلت فيها معدات حربية كثيرة عاد بها الصليبيون من الشرق، وهذه المعدات العربية قد استخدمت في تشييد أسوار المدن الألمانية والأبراج البورجندية والقلاع الإنجليزية والحصون الفرنسية. ومن بين هذه الوسائل الحربية العربية المداخل المستديرة التي تعرقل وتعطل القوة الهجومية للعدو، وكذلك الخوارج للدفاع فمثلها مثل الأبراج القائمة على الحوائط إذ هي تمكن من القيام بهجوم أو دفاع جانبي. أما الخوارج الدافقة والتي يسميها الأوربيون «ماخيكوليس»، فقد أقبل عليها الأوربيون إقبالاً عظيماً، فهذا النوع من الخوارج عربي أصلي جاهلي، وهو عبارة عن حوامل تبرز من الحائط وفوقها مبنى بشبه الشرفة وفي أرضه فتحة يتدفق منها على العدو الزيت الحار الساخن أو القار. ولم تمض عشرة أعوام على معرفة أوربا لها واشتهارها في ألمانيا باسم «أنف القار» حتى استخدمتها فرنسا وإنجلترا في أربعة أبراج، وعوضاً عن الحواجز الخشبية استخدمت أوربا منذ القرن الرابع عشر، لرفع الأبواب وأبراجها وبخاصة في القلاع الإسبانية والفرنسية والإنجليزية والسويسرية والألمانية، صفا من الخوارج المصبوبة تقوم عليها الممرات الواقية المثبتة بالحيطان. وهي تقوم مقام الخوذة من السلاح. وهكذا أصبحنا نجدها من خصائص الأبراج المشيدة للدفاع، وقد انتشرت ما بين اسكتلندة والقسطنطينية، وأصبحت ضرورية لكل برج ولو كحلية زخرفية.
وقد أحضر الصليبيون معهم من الشرق علاوة على ما ذكر، عادة تغطية الأبراج بخوذات من الحجر كما هو مشاهد في «لارن» ببلجيكا «وروديلزبرج» في ألمانيا.
стр. 389
فخوذات الأبراج العربية استعارها الصليبيون الألمان من «ورمس» واستخدموها في كنيستهم المعروفة باسم كنيسة القديس بولس، وللإشارة إلى حربهم الصليبية رسموا سفنهم الصليبية. وكما هو الحال في قبابهم الرمادية التي تعلوها سماء بلادهم المغطاة بالسحب والغيوم تقوم على سطوح مبانيهم المائلة المنحدرة والممتدة على ضفاف الرين توحي إلى الناظرين إليها بأجنبيتها، فهي تعبر عن هذه الخوذة العربية الحجرية، وهي التي تتدرج من مربعات إلى مثمنات ثم إلى دوائر، وهي التي قلدها الألمان على طول نهر الرين في «ديتلزهيم» و «الزهيم» و «جونتر زبلوم» بل حتى في «شبير» و «فيتزلار» و «أمورياخ».
أما في إسبانيا ذاتها فقد اختفت آثار العصور العربية الذهبية ولم يبق بها إلا القليل جداً، وآخر آثار الماضي الذهبي التي تحمل بعض الآثار الفنية لمشيديها السالفين: «الحمراء» وقصر السلطان العظيم في غرناطة وبقايا القلعة الصيفية وقصر طليطلة وغير ذلك وبخاصة برج إشبيلية الذي كان يستخدم قديماً مرصداً للفلكيين، وهذا البناء لا يقوم على مصاطب مدرجة يستطيع الفارس بلوغها بل على سهل منحدر. أما واجهة البناء ذات الألوان المختلفة اللامعة فكأنها زجاج وتغطيها نوافذ مزدوجة جميلة على أشكال مدببة أو على هيئة أوراق العشب أو حدوة فرس. ومن بقايا الآثار العربية العظيمة في الأندلس وهذه الثقافة الرفيعة: هذا المسجد العظيم الذي شرع عبد الرحمن الأول في تشييده في قرطبة، لكن مما يؤسف له حقاً أن الكنيسة التي بنيت في داخله تبين لنا عظمة هذا المكان الذي كان قديماً يشتمل على أكثر من ألف وأربعمائة عمود، وبين العقود التي تشبه حدوة الفرس يتدلى أربعة آلاف وسبعمائة مصباح من الفضة من سقف مصنوع من خشب الأرز المزخرف. ولما جاء هشام الأول وهو الابن المتواضع المحافظ لعبد الرحمن الأول أتم البناء الذي بدأه والده وأضاف إليه المئذنة. والحكم الأول الذي كان واسع الأفق وميالاً إلى المرح والسرور ترك المسجد قائماً كما هو، لكن عبد الرحمن الثاني الذي كان هاوياً للفنون الزخرفية رغب في إيجاد عمل للعمال العاطلين فشيد كثيراً من المباني فقرر توسيع المسجد وشيد فيه محراباً ثانياً. أما ابنه محمد الأول الذي كان متزمتاً جداً
стр. 390
ومتديناً، فقد زخرف الحوائط والأبواب وأقام حاجزاً يفصل بين المقصورة التي يصلى فيها الحاكم وبقية المساجد. ثم خلفه عبد الله وكان حاكماً مستبداً جاهلاً فشيد طريقاً مسقوفاً من القصر الواقع غرب المسجد إلى المقصورة. وجاء بعده الحاكمان الأمويان العظيمان في الأندلس وهما اللذان جعلا من الإمارة خلافة، وخلافة ناجحة، وهما عبد الرحمن الثالث العظيم والحكم الثاني، وكانا معاصرين للملك هينريش الأول والقيصر أوتو الأعظم. وقد جدد الأمويان المنارة التي هدمها زلزال ووسعا المسجد ناحية الجنوب وشيدا المقصورة الجديدة التي كان يجب تشييدها، كما أقاما أيضاً محراباً جديداً. ثم جاء المنصور وكان وصياً على هشام الثاني فزاد في المسجد من الجهة الشرقية وقد تطلب هذا هدم بعض المنازل فاضطر إلى تعويض أصحابها.
وهكذا نجد هذا البناء يصاحبه التقدم والرقي إبان حكم الأسرة الأموية، ويعتبر عصرها أزهى العصور الإسبانية، فقد اشتهر بكثرة المباني كما ارتقت في عهده الموسيقى.
следующие страницы →