← Общие книги

Общие книги · id 148532

شمس الله تشرق على الغرب = فضل العرب على أوروبا

زيغريد هونكه

Полный текст (468 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

يكال دائماً بكيلين فأوروبا عند الاستفادة تهتم بالشكل بينما العرب بالجوهر، وعند دراسة الجوهر في الفن الأوربي نجد الدارس يحاول إرجاعه إلى الثقافة القديمة فإن لم يوفق أهمله وانصرف عنه. وهذه الظاهرة ندركها في الفن الغوطي حيث نجد فيه العناصر العربية الجوهرية، كذلك الفن الروماني فقد صب في الواقع في قوالب شرفية قديمة من آسيا الصغرى، وهكذا أيضاً الفن الجرماني الخاص باستخدام الحيوان في الزخرفة، فهو غالباً فن شعبي آسيوي. أما المعمار العربي الإسلامي فكثيراً ما استعار من البابلي أو الفارسي أو البيزنطي. وفي «كلوني» يجرى تبار عربي إسلامي ويستمر هذا التيار جارياً حتى يبلغ إنجلترا حيث نجد العقد المدبب العربي الذي انتقل إلى «كلوني» ودخله بعض التطور وأصبح في القرن الرابع عشر على هيئة قطعة فنية تشبه اللهب، وهو يستخدم في النوافذ والمسطحات. وقد انتقل هذا الفن مباشرة من العرب إلى «كلوني» ومنها إلى إنجلترا حيث التقى بالفن المعروف باسم فن «تودور» حيث يوجد عقد تودور وكذلك عقد «كيل» (نسبة إلى مدينة كيل) ونحن نجد الفنين في الجامع الأزهر بالقاهرة حيث يوجد ما يعرف باسم «ظهر الحمار» هو عقد المروحة مع القباب المعروفة والشبابيك كعنصر من عناصر الزخرفة. ثم أخذ الفن التودوري ينتشر من الجزر البريطانية حتى بلغ الولايات المتحدة وأصبح فيها هو الفن المستعمل في الجامعات الأمريكية. ومع مرور الزمن أخذ فن المعمار العربي يتغلغل في داخل القارة الأوربية، وأصبحت هذه البلاد وطناً للفن العربي قروناً طويلة، فنجد الغزاة المسيحيين للأندلس يشيدون قصورهم وكنائسهم حسب الفن المعماري العربي الذي استولى على قلوبهم واضطرهم إلى الاستعانة بالفنيين العرب. وما زلنا إلى اليوم نشاهد هذا الفن العربي المعماري. وفي القرنين السادس عشر والسابع عشر نجد الفن المعماري العربي الإسباني يتطور وينتقل إلى الأميريكتين الجنوبية والوسطى حيث نجد الفنين المعروفين باسم «بلاترسكين» و «خورير جرسكين» كما نجد الفن المعماري الذي أخذ عن إسبانيا والمعروف باسم

стр. 387

«أزوليوس» والذي استخدمه العرب في المباني الدينية والدنيوية وهو القيشاني الذي ما زال حتى يومنا هذا يزين كنائس المكسيك ومساكن أمريكا اللاتينية والدور الإسبانية الحديثة والمكسيكية الجديدة وكذلك في أمريكا الشمالية. وفي صقلية نجد المعمار العربي أيام حكم النورمان والأشتوفيين يتطور تطوراً عظيماً وينتشر في مختلف جهات إيطاليا، هذا مع الإشارة إلى أن كل ميناء عظيم كان يحتفظ بعلاقاته الخاصة مع العرب والفنون العربية والثقافة العربية سواء عن طريق التجارة أو عن طريق خضوعها للعرب. وليست فقط البندقية بل أيضاً «بيزا» التي أخذت تنمو وتكبر تدريجياً حتى أصبحت سيدة البحار وملكة توسكانا، وذلك بفضل علاقاتها مع العرب. ولما تحالف أسطول «بيزا» مع أسطول جنوة وطردا العرب من سريدينيا، اتحدت بيزا مع النورمانيين للاستيلاء على صقلية وانتزاعها من العرب. ففي عام ١٠٦٣ م أخذت بيزا تشيد كاتدرائيتها الشهيرة وذلك من الغنائم العربية التي غنمتها عند الاستيلاء على بالرمو كما استخدم المسيحيون بقايا مخلفات المساجد التي هدموها في بناء كنيسة «بابتيستريوم» و «كامبانيلا»؛ وهكذا نجد الكاتدرائية متأثرة بالفن العربي تأثراً كبيراً وبخاصة باستخدام الرخام الأسود والأبيض في العقود عند دورانها، وهذا الفن العربي قد استعاره البور جنديون في الفن الروماني، ثم الخطوط الرمادية السوداء التي تزخرف الحوائط الخارجية الرخامية الأفقية والزخرفية التي على السطوح، ثم طريقة استخدام العقود السبعة المختلفة. وعند العرب العقود العادية والعقد المدبب والتطعيم العربي المختلف الألوان، والقاعات ذوات الأعمدة وأخرى كثيرة قد اكتسبتها أوربا من العرب المقيمين في صقلية. فالاتصال مع المدن التجارية الشرقية قوى الرغبة في اقتباس كل ما هو عربي، وهكذا نشأ الفن الرومانتيكي الإيطالي الجميل، وكذلك الفن البيزي الذي شمل بيزا وجميع إقليم توسكانا وعبر حدوده. أما البندقية فقد اقتبست إلى جانب الفن البيزنطي كثيراً من مختلف الفنون العربية، فالمآذن العربية أصبحت في عصر النهضة أبراج النواقيس في إيطاليا،

стр. 388

والكومبانيلي القائمة قد تأثرت أيضاً بالمئذنة، كما نجد المهندس المعماري الإنجليزي الشهير «ورين» الذي تأثر بالفن الإسلامي يستغل هذا الأثر الإسلامي في تشييد أبراج كنائسه، وأخذ الإيطاليون يجمعون بين القباب والأبراج وجعلوا منها قطعة فنية جميلة. كذلك الحال مع المحاريب التي تشبه الأصداف والتي ظهرت في عصر النهضة والتي هي في الواقع تقليد للمساجد الإسلامية بمآذنها. وعند تشييد الأبراج العربية من الأحجار أدخلت فيها معدات حربية كثيرة عاد بها الصليبيون من الشرق، وهذه المعدات العربية قد استخدمت في تشييد أسوار المدن الألمانية والأبراج البورجندية والقلاع الإنجليزية والحصون الفرنسية. ومن بين هذه الوسائل الحربية العربية المداخل المستديرة التي تعرقل وتعطل القوة الهجومية للعدو، وكذلك الخوارج للدفاع فمثلها مثل الأبراج القائمة على الحوائط إذ هي تمكن من القيام بهجوم أو دفاع جانبي. أما الخوارج الدافقة والتي يسميها الأوربيون «ماخيكوليس»، فقد أقبل عليها الأوربيون إقبالاً عظيماً، فهذا النوع من الخوارج عربي أصلي جاهلي، وهو عبارة عن حوامل تبرز من الحائط وفوقها مبنى بشبه الشرفة وفي أرضه فتحة يتدفق منها على العدو الزيت الحار الساخن أو القار. ولم تمض عشرة أعوام على معرفة أوربا لها واشتهارها في ألمانيا باسم «أنف القار» حتى استخدمتها فرنسا وإنجلترا في أربعة أبراج، وعوضاً عن الحواجز الخشبية استخدمت أوربا منذ القرن الرابع عشر، لرفع الأبواب وأبراجها وبخاصة في القلاع الإسبانية والفرنسية والإنجليزية والسويسرية والألمانية، صفا من الخوارج المصبوبة تقوم عليها الممرات الواقية المثبتة بالحيطان. وهي تقوم مقام الخوذة من السلاح. وهكذا أصبحنا نجدها من خصائص الأبراج المشيدة للدفاع، وقد انتشرت ما بين اسكتلندة والقسطنطينية، وأصبحت ضرورية لكل برج ولو كحلية زخرفية. وقد أحضر الصليبيون معهم من الشرق علاوة على ما ذكر، عادة تغطية الأبراج بخوذات من الحجر كما هو مشاهد في «لارن» ببلجيكا «وروديلزبرج» في ألمانيا.

стр. 389

فخوذات الأبراج العربية استعارها الصليبيون الألمان من «ورمس» واستخدموها في كنيستهم المعروفة باسم كنيسة القديس بولس، وللإشارة إلى حربهم الصليبية رسموا سفنهم الصليبية. وكما هو الحال في قبابهم الرمادية التي تعلوها سماء بلادهم المغطاة بالسحب والغيوم تقوم على سطوح مبانيهم المائلة المنحدرة والممتدة على ضفاف الرين توحي إلى الناظرين إليها بأجنبيتها، فهي تعبر عن هذه الخوذة العربية الحجرية، وهي التي تتدرج من مربعات إلى مثمنات ثم إلى دوائر، وهي التي قلدها الألمان على طول نهر الرين في «ديتلزهيم» و «الزهيم» و «جونتر زبلوم» بل حتى في «شبير» و «فيتزلار» و «أمورياخ». أما في إسبانيا ذاتها فقد اختفت آثار العصور العربية الذهبية ولم يبق بها إلا القليل جداً، وآخر آثار الماضي الذهبي التي تحمل بعض الآثار الفنية لمشيديها السالفين: «الحمراء» وقصر السلطان العظيم في غرناطة وبقايا القلعة الصيفية وقصر طليطلة وغير ذلك وبخاصة برج إشبيلية الذي كان يستخدم قديماً مرصداً للفلكيين، وهذا البناء لا يقوم على مصاطب مدرجة يستطيع الفارس بلوغها بل على سهل منحدر. أما واجهة البناء ذات الألوان المختلفة اللامعة فكأنها زجاج وتغطيها نوافذ مزدوجة جميلة على أشكال مدببة أو على هيئة أوراق العشب أو حدوة فرس. ومن بقايا الآثار العربية العظيمة في الأندلس وهذه الثقافة الرفيعة: هذا المسجد العظيم الذي شرع عبد الرحمن الأول في تشييده في قرطبة، لكن مما يؤسف له حقاً أن الكنيسة التي بنيت في داخله تبين لنا عظمة هذا المكان الذي كان قديماً يشتمل على أكثر من ألف وأربعمائة عمود، وبين العقود التي تشبه حدوة الفرس يتدلى أربعة آلاف وسبعمائة مصباح من الفضة من سقف مصنوع من خشب الأرز المزخرف. ولما جاء هشام الأول وهو الابن المتواضع المحافظ لعبد الرحمن الأول أتم البناء الذي بدأه والده وأضاف إليه المئذنة. والحكم الأول الذي كان واسع الأفق وميالاً إلى المرح والسرور ترك المسجد قائماً كما هو، لكن عبد الرحمن الثاني الذي كان هاوياً للفنون الزخرفية رغب في إيجاد عمل للعمال العاطلين فشيد كثيراً من المباني فقرر توسيع المسجد وشيد فيه محراباً ثانياً. أما ابنه محمد الأول الذي كان متزمتاً جداً

стр. 390

ومتديناً، فقد زخرف الحوائط والأبواب وأقام حاجزاً يفصل بين المقصورة التي يصلى فيها الحاكم وبقية المساجد. ثم خلفه عبد الله وكان حاكماً مستبداً جاهلاً فشيد طريقاً مسقوفاً من القصر الواقع غرب المسجد إلى المقصورة. وجاء بعده الحاكمان الأمويان العظيمان في الأندلس وهما اللذان جعلا من الإمارة خلافة، وخلافة ناجحة، وهما عبد الرحمن الثالث العظيم والحكم الثاني، وكانا معاصرين للملك هينريش الأول والقيصر أوتو الأعظم. وقد جدد الأمويان المنارة التي هدمها زلزال ووسعا المسجد ناحية الجنوب وشيدا المقصورة الجديدة التي كان يجب تشييدها، كما أقاما أيضاً محراباً جديداً. ثم جاء المنصور وكان وصياً على هشام الثاني فزاد في المسجد من الجهة الشرقية وقد تطلب هذا هدم بعض المنازل فاضطر إلى تعويض أصحابها. وهكذا نجد هذا البناء يصاحبه التقدم والرقي إبان حكم الأسرة الأموية، ويعتبر عصرها أزهى العصور الإسبانية، فقد اشتهر بكثرة المباني كما ارتقت في عهده الموسيقى.

стр. 391

الموسيقى تساير الحياة إن الرجل الذي ترك السفينة في الجزيرة في ديسمبر ٨٢٢ م، وهذه السفينة التي نقلته من «كويتا» وعبرت المضيق، مضيق جبل طارق، قد استرعي انتباه سائر ركاب السفينة، فقد كان يرتدي قبعة مدببة القمة من الفراء الغالي تغطي شعر رأسه المستدير الذي كان يكسو جبهته ويتدلى حتى حاجبيه بعيداً عن الأذنين والرقبة، وقد كانت له لحية مهذبة مصبوغة باللون الأحمر وله عينان لامعتان مكتحلتان تشعان ذكاء ويقظة وتفوح منه رائحة عطرية ومعه زوجه الشابة وحولهما أطفال يتصايحون، وبعد شهرين تبين أنه المغني البغدادي الشهير وقد امتطى صهوة بغل مطهم يحيط به بعض موظفي القصر في قرطبة. ولم يكن صاحبنا في حاجة لأن يهاجر من العاصمة الشرقية، فقد غمره هارون الرشيد بعطفه وشمله بإحسانه، لكن الحقد والحسد والغيرة هدمت سعادة «زرياب» وقوضت عشه، فأستاذه إسحق بن إبراهيم الموصلي، الذي استطاع بمدرسته الموسيقية مضايقة المنتدى الموسيقى في الكوفة، كان لا يعلم الغناء للجواري الحسان فقط، بل يهتم بتخريج الموسيقيين من الجنسين راجياً من وراء هذا أن ينال حظوة عند الخليفة. فالشاب الكردي الموصلي كان يمتاز بعادات حسنة جداً، فقد كان يجيد النكتة والحديث إلا أن زرياب إلى جانب لسانه الزلق كان له تفكيره الخاص وكان مثله مثل أستاذه عظمة واعتداداً بالنفس. ولو أنه كان ينوء تحت أعباء مسئوليات جمة. سأله

стр. 392

الخليفة مرة عن غنائه، فأجاب أنه يستطيع أن يغني كما يغنى الآخرون، لكن علاوة على هذا يقدر على أداء أشياء لا يقدر عليها غيره، إن فنه يدركه ويقدره الفنانون أو الذين لهم دراية كبرى كدراية أمير المؤمنين؛ ثم استأذن الخليفة أن يسمعه بعض أغانيه التي لم يسمعها من قبل. فأعطى إسحق بن إبراهيم الموصلي تلميذه عوده، فتفقده زرياب كما يتفقد حذاء قذرا، وقال: إذا شئتم يا مولاي غنيت لكم شيئاً كالذي سيغنيه أستاذي، وسأغني بمصاحبة عودي. وفي هذا الوقت كان إسحق الموصلي يزداد ألماً وحقداً فطلب زرياب أن يستصحب عوده الذي صنعه هو، وبعد استئذان الخليفة أخذ زرياب يغني قصيدة من تلحينه يمدح فيها أمير المؤمنين. وقد أعجب الخليفة بها إعجاباً عظيماً وقرر أن مثل هذه العبقرية يجب أن تصبح حلية يتحلى بها قصره. أما إسحق بن إبراهيم الموصلي فقد تأثر كثيراً من هذه القصيدة لأنه لم يكن يخطر بباله أن مثل هذا النجم سيتلألأ سريعاً، لذلك قال له إسحق لقد خدعتني خداعاً عظيماً بكتمانك وخبئك، لقد حاولت أن تطعنني أمام الخليفة. ثم طلب إليه ألا يغني، وسيدفع له إسحق مالاً كثيراً، وإن لم يفعل هذا فسينتقم منه شر نقمة. ومن ثم نرى الإشاعة تنتشر في أن أرواحاً تتقمص زرياب وتخبره عن الألحان وتبلغ هذه الشائعة الخليفة الذي أبدي الرغبة في مشاهدة زرياب، كما قيل للخليفة كذباً وميناً إن زرياب مغرور وإنه قد غضب لأن الخليفة لم يمنحه المال الكافي. ولماذا لا ينجح الشخص الذي نجح لدى هارون الرشيد، عند الحكم الأول في الأندلس فاستولى عليه السرور وذلك لأن بلبل بغداد قد تركها، وأنه سيغرد في حدائق قصره. لكن لم يكد المغني يضع قدميه في الأندلس، حتى علم أن مرسل الخطاب قد توفي منذ زمن قصير، فكان هذا الخبر صدمة قوية لزرياب حتى فكر في العودة إلى إفريقيا عندما حضر إليه رسول الخليفة الأموي الجديد الذي جلس على عرش البلاد واسمه عبد الرحمن الثاني، فقد دعاه عبد الرحمن هذا إلى قصره لكي يسطع نجمه في ردهاته، وأرسل إليه بغلا مطهماً جعل زرياب يشعر أن القوم في الأندلس يقدرون فنه.

стр. 393

وبعد أن مضى زرياب ثلاثة أيام في قصر ضيافة الأمير استراح فيها من وعثاء السفر دعاء عبد الرحمن للمثول بين يديه وعامله الخليفة معاملة كريمة جداً، فقد دفع له مرتبه قبل أن يتبين صوته وفنه كما أخبره الخليفة أنه سيدفع له مرتباً شهرياً خيالياً هذا عدا الهدايا التي سيمنحها له بين الحين والحين، وبعد أن تعينت المكافأة رجا عبد الرحمن المغني أن يغنيه أغنية، وبعد سماعها اتضح له أنه كان مصيباً في تقديره. ومع تقدم الزمن نجد زرياب يكشف عن مزاياه وخلاله النبيلة التي تحببه إلى الخليفة وتقربه إليه، فقد كان يتمتع زرياب بذاكرة جبارة، كما كان يحفظ آلاف الأغاني ويحيط بألحانها وأنغامها إحاطة قوية، كذلك كان زرياب عالماً بالفلك والجغرافيا وكان يجيد الحديث عن البلاد الأجنبية وعادات شعوبها وتقاليد أهلها، وعلاوة على ذلك قد امتاز بروحه الجذابة الفياضة ولباقته ومسلكه. فهذا الرجل الجميل الأنيق حسن البزة كان المثل الأعلى للرجل المهذب في الذوق الرفيع. وكل شيء يخترعه زرياب يقلده فيه الآخرون، فكان زرياب مثال الأناقة في قرطبة يحتفظ بشعره طويلاً ويفرقه ثم يقصه حول رأسه، فكان زرياب فناناً أنيقاً يعرف كيف يعني ملبسه ويجاري أحدث الأزياء التي تساير مختلف فصول السنة، فكان يرتدي الأقمشة الخفيفة ذات الألوان الزاهية الحية الجميلة في فصل الربيع والأثواب البيضاء الفضفاضة صيفا ومعاطف الفراء والقلانس شتاء. فقد كان يرتدى آخر ما يتوصل إليه الذوق السليم في بغداد إبان الشتاء. كذلك نجد المغنى يثور على نظام مائدة الطعام، فقد أوجد أطعمة جديدة وأدخل إلى المطعم الإسباني طعام الهليون، وهكذا نجد هذا الفنان المحبب إلى الجميع، هذا السيد الأنيق، قد استولي بلطفه وفنه على قلب الأمير وشعبه، حتى إن القوم كانوا يقصدونه لقضاء حاجاتهم. وهكذا نجد عبد الرحمن الثاني، يؤسس معهداً للموسيقى القصر في قرطبة، وفي هذا المعهد كان يتعلم الهواة الغناء والموسيقى نظرياً وعملياً. وذلك لأن العرب كانوا منذ أقدم العصور شعباً محباً للغناء، يعشق الغناء عشقاً لا يدانيه فيه شعب آخر، فالموسيقى كانت تلازم العرب من المهد إلى اللحد، فكل عواطفهم كانوا يحولونها إلى غناء فنجد غناء العمل وفرح اللعب وفرح الحب وألمه

стр. 394

والرغبة الشديدة في الحرب أو الثأر والحزن على الموتى. ففي العصر الجاهلي تقوم طائفة المغنين والمغنيات، وفي عصر الاستقرار في المدن نجد المغنيات اللواتي كن يغنين بمرافقة الآلات الوترية، فكانت المغنية من مستلزمات الحياة في البيت مثلها مثل البيانو في كل غرفة جميلة في القرن التاسع عشر، أو مثل المذياع في كل غرفة جلوس في القرن العشرين. ولم تكن تلك الموسيقى من هذا النوع الغريب على آذاننا اليوم والمشهور بنغمته الواحدة، فالغناء في النغمة الواحدة نشأ أولا بعد خراب بغداد على يد المغول، وظهر ربع النغمة، وهي نغمة ليست عربية أصيلة، فعلى النقيض من ذلك نجد الأنغام العربية كانت غنية متنوعة مثلها مثل الفن العربي، كما نجد العرب يستخدمون حتى القرن الثالث عشر سلم النغم الفيثافوري؛ ويرجح أن هذا السلم النغمي الفيثاغوري سلم سامي الأصل، وقد أثر هذا السلم في فارس وبيزنطة، ومن ثم انتقل إلى العرب. ولو أن هذه البضاعة المستوردة من فارس أو بيزنطة لم تعوض العرب موسيقاهم القومية بل طعمت بأصل عربي. والصفة المميزة لهذه الموسيقى «النغم» الذي لا يشترط وجوده في كل فن من فنون الموسيقى كما قد يتبادر إلى أذهاننا. أما موسيقى الغناء القديمة فمثلها مثل الشعر القديم لا تعرف نغماً، كما أن الشعر يعتمد على العروض فقط، أعني أنه يقوم على تقاطيع طويلة وقصيرة. وأقدم موسيقى كنسبة ترجع إلى العصور الوسطى مثلاً لا تعرف زمناً للنغم أو عروضاً، وهي تعتمد عادة على وحدات من الأنغام متصلة إلا أنها وحدات نغمية غير موزعة، مثل تقسيم الجمل عن طريق الشولات وما إليها، توزيعاً منتظماً. أما البناء الزمني للنغم فهو شرقي أصيل مع ملاحظة أن الزمن النغمي يساعد على خلق القياس الزمني الموسيقى وهو يؤدي مباشرة إلى توقيع، وقد يكون هذا هو أهم شيء موسيقى قدمه العرب لأوروبا، أعني القياس الزمني وذلك عن طريق وحدة الزمن النغمي إلى توقيع نجده في الموسيقى، وقد عرض لهذه الظاهرة وتلك الخاصية الفيلسوف العربي وصاحب النظريات الموسيقية في منتصف القرن التاسع

стр. 395

الميلادي ألا وهو الكندي، وقد انتقلت هذه الموسيقى العربية إلى أوربا في القرن الحادي عشر عن طريق المغنين المتجولين وسبايا الحرب من النساء الأندلسيات. أما نظرية القياس الموسيقى في المؤلفات الإسبانية العربية فقد غزت القطع الموسيقية اللاتينية في القرنين الثاني عشر والثالث عشر. وقد ورثت أوربا فن الموسيقى عن العرب، كما ورثت أيضاً الزخرفة الموسيقية العربية التي نجدها في النغم، كما يلاحظ في الموسيقى تمسك العرب بالمبدأ الأفقي الموسيقى، وهكذا نفهم سر غرام العربي بالموسيقى الغنائية، كفن مصاحب للغناء أكثر منها كفن مستقل. وتدين أوربا للعرب كذلك في آلاتها الموسيقية، بعد أن سبق أن أهدت بيزنطة إلى أوربا الأرغول والقانون وربما الجنك أيضاً. واليوم عندما يستخدم قائد الفرقة الموسيقية عصاه عند عزف قطعة موسيقية فإن الآلات الموسيقية التي أمامه ما هي إلا آلات عربية أو بتعبير أدق انحدرت عن آلات عربية كثيراً ما استعملت لعزف مجموعة فنية جميلة رقيقة من الأنغام، وقد جاءت كثرة هذه الآلات العربية بعد اختبارها اختباراً دقيقاً عن طريق إسبانيا إلى أوربا، وما زالت محتفظة بأسمائها العربية فمن الآلات الوترية العود والقيثارة والطنبور والسنطير، كذلك الرباب والبوق والنار والمزمار والصاجات والنقارة وغيرها. ثم نجد الفيلسوف الفارابي الذي كان عالماً كبيراً في النظريات الموسيقية، يخترع في النصف الأول من القرن العاشر الرباب والقانون، وقد مهدت الآلتان لاختراع البيان الأوربي. وعدا المخترعات الأخرى التي سجلها لنا التاريخ العربي للموسيقى نجد أيضاً «زرياب» الذي تركناه في قرطبة يجدد فيها تجديداً عظيماً، وهذا هو السبب الذي جعله يرفض العزف على عود إسحق بن إبراهيم الموصلي، ورجا الخليفة أن يسمح له بأن يعزف على عوده الخاص الذي زوده بوتر خامس ولحن على عوده ذي الأوتار الخمسة مقدمة له، وقد لقي ذلك إعجاب أمير المؤمنين وحسد معلمه.

стр. 396

وبينما نجد الموسيقيين الأوربيين يعتمدون عند ضبط القانون وما إليه، على الأذن إذ بنا نجد طالب الموسيقى في مدرسة زرياب يتعلم العزف على رقبة العود، وفي هذه الرقبة نجد ارتفاع النغم وقد قيس قياساً خاصاً عن طريق جمعها معاً، وهذا من المزايا الكبرى التي تحبب الآلات الموسيقية العربية إلى الأوربيين. وربما كانت هذه الآلات هي التي دفعت الأوربيين إلى معرفة الإيقاع وإجادته، وهذا قد أدى بدوره إلى خلق أوربا للرباعي والخماسي والثماني، ولا سيما أن الأوربي ميال بطبعه إلى العمودية، وقد دفعه هذا الاستعداد إلى خلق الموسيقى المتجانسة، وهذه محاولة لم يشعر بها العربي نظراً لطبيعته الخاصة. وقد أثرت الموسيقى العربية أيضاً عن طريق النغم الموسيقى العالي الموجود في صوت الخصيان، كما أثرت أيضاً بأنغامها وأوضاعها الموسيقية الخاصة التي كانت شائعة في الأندلس في الفترة الممتدة بين القرنين الثامن والثاني عشر في الموسيقى الأوربية سواء الفنية منها أو الشعبية، وكان الأثر شديداً جداً في الموسيقى اللاتينية كما يتضح لنا هذا واضحاً من اقتباساتها تعبيرات وخصائص موسيقية عربية، وقد يكون العرب قد تأثروا في هذا ببعض النظريات اليونانية إلا أنهم كرياضيين وعلماء طبيعة بالفطرة أجروا عليها كثيراً من الاختبارات والتجارب التي مكنتهم من تنقيحها، وبالرغم من أن هذه النظرية قد جاءت عن علماء لهم شهرتهم الخاصة فإن العرب قد نقحوها وخطوا بها خطوات واسعة وسبقوا اليونان فيما وصلوا إليه أو جاءوا به. فنحن نجد عدداً كبيراً من علماء الموسيقى العرب قد شاركوا في هذه الأبحاث، إلا أنه مما يؤسف له حقاً أن ما وصلنا عنهم قليل جداً، وقد ترجم بعضه. ويدين إلى العلماء العرب من الأوربيين أمثال «جونديسلفوس»، و «فنسنت دبوفيه»، و «يوحنا أجيديوس»، و «روبرت كيلوردباي»، و «رامون لل»، و «سيمون تونستيده»، و «روجير بيكون» و «آدم فون فولده» حيث تأثروا بالعرب وأخذوا عنهم كثيراً. ويعد الإنجليزي «ولتر أودينجتون» العالم العربي ابن

стр. 397

سينا أنه عالم موسيقى من المرتبة الأولى. ومؤلفات الفارابي الموسيقية كانت موضوع عناية ودراسة حتى القرن السابع عشر الميلادي. وقد تعلمت أوربا عن ابن سينا والفارابي العلاقة بين ٤.٥= النغم الثالث الكبير و ٥.٦ = النغم الثالث الصغير، فقد غيروا صوت النغم الثالث وهو عدم الموافقة في الألحان وجعلوا منه النغم المألوف إلى آذاننا اليوم أعني تجانس الألحان. وقد اهتم الجراف السويبي وهو «هرمانوس كونتراكتوس الذي كان يقطن في «ريشناو» كعالم يقدر العرب وعلومهم تقديراً عظيماً، بسائر مؤلفات الكندي وبخاصة ما يتعلق منها بالموسيقى وأخذ عنه كتابة الموسيقى العربية. أما المقاطع «دورم فاسول لاسي» التي يقال عنها إنها من وضع الإيطالي «جويدو فون أريتزو» الذي يقال إنه وضعها حوالي عام ١٠٢٦ م وقد راعى فيها أوائل سطور ترنيمة يوحنا، فالواقع أن المقاطع الموسيقية (در .. ) إنما اقتبست من المقاطع النغمية العربية (د) تنطق قديماً (د) مضمونة ثم (ر) (م) (ص) (ل) (س)، وهذه كثيراً ما نجدها في مقطوعات موسيقية لاتينية مشتملة على كثير من المفردات العربية، وهذه المقطوعة اللاتينية ترجع إلى القرن الحادي عشر، وقد وضعت في جبل «كاسينو» الذي كان يقيم فيه العرب. وقد عاش المغني العربي زرياب في قصر الحاكم الذي كان يقدره ويجله، لذلك كان موضع حسد الكثيرين وحقدهم، وفي مقدمة حاسديه والحاقدين عليه لجمال صوته وأثره البعيد يحيي بن الحكم الملقب لجماله بالغزال. وكان يحيي هذا شاعراً موهوباً؛ لذلك عينه الحكم الأول في بلاطه، وقد حرص يحيى على الاحتفاظ بمكانته في القصر مدافعاً عنها أمام هذا الأجنبي القادم من بغداد. وهكذا نجد هذين الفنانين يتنافسان، كل يحاول بفنه ومهارته الانتصار على منافسه، وحال عبد الرحمن أن يبعد كلاً منهما عن الآخر، فأرسل الغزال سفيراً له في القسطنطينية حيث استولى هذا الأندلسي اللبق بأحاديثه وجماله على قلوب الفاتنات وبخاصة القيصرة التي رغبت إليه أن يقيم دائماً في القصر، إلا أنه لم يكد يعود إلى قرطبة مغروراً بهذا التوفيق الذي أحرزه في القسطنطينية حتى هاجم زرياب المغني الذي كان قد خلاله الجو فازدادت مكانته، وفي ذلك الوقت كان عبد الرحمن المحب

стр. 398

للسلام يفكر في إحلال السلام والوئام مع النورمانيين الذين كانوا قد هاجموا إشبيلية، ومنوا بهزيمة قاصمة، فأرسل شاعر قصره الغزال في صحبة السفارة النورمانية إلى «كوتلند»، وقد أنسته أغانيه الغرامية التي ظل يرددها في حب امرأة ملك النورمان الحقد والغضب علي زرياب. لكن لما عاد الغزال تبين أن النار التي لم تخمد بعد أصبحت ضعيفة لا تقوى على إعداد الطعام، لذلك قرر مهاجمة زرياب والسخرية منه، فأفقد هذا الموقف الغزال مكانته، فأقصاه عبد الرحمن من قصره ونفاه. وفي الوقت الذي كان مغني بغداد في قرطبة تكلل هامته بأوراق الغار، نجح كذلك شاعر قرطبة في بغداد في الحصول على شعارات المجد والتكريم بالرغم من أن القوم في بغداد لم ينظروا إلى الأندلسيين نظرة إعجاب وتقدير.

стр. 399

زخرف العالم الوضاء إذا فكر العربي في الأندلس، وإذا حلم بجنة الأرض، فإنما يقصد الأندلس إبان حكم عبد الرحمن الثالث، فإن هذا الأمير الذي أهداه الله إلى الأندلس، كان المثل الأعلى للحاكم فنجح وخلق من أمة متفككة الأوصال? عن طريق الدين والجنس? شعباً قوياً، أصبح في خمسين عاماً شعباً نابعاً متسامحاً سياسياً وفي طليعة شعوب العالم المتمدين. وبدهي أن الحياة السياسية حتى ذلك العصر كانت متقلبة، وكذلك كان الخلاف قائماً في الداخل بين المفكرين الأحرار وبين المحافظين المتزمتين، لكن كل هذا لم يحل دون ازدهار الحضارة وتطورها. كذلك الحالة الاقتصادية في البلاد، فقد أينعت وازدهرت؛ وذلك بفضل نشاط العرب وتجاربهم في الزراعة والري. فالعين العربية المجربة تبينت الكنوز المطمورة في الأرض التي يجب استخراجها والاستفادة منها لرفع مستوى البلاد والنهوض بها. فقد حفر العرب الآبار وزودوها بروافع المياه والسواقي التي يبلغ اتساعها نحو عشرين أو ثلاثين متراً وكانوا يحصلون على الماء من الجبال ويجمعونه في أحواض كبيرة يمتد الحوض منها نحو خمسة كيلو مترات، ومن ثم كانوا يجرون المياه في قنوات كبيرة إلى الأراضي، حيث تخزن في أحواض ثم تصرف منها في الحقول، وهكذا نجح العرب في إرواء الأراضي الجافة الجرداء حتى التلال وأعالي الجبال وجوانبها فسطحوها ورووها وزرعوها، كما تلقى الفلاحون دروساً في زراعة

стр. 400

الرمان والخوخ واللوز والمشمش والبرتقال والكستناء والبنان والنخيل والبطيخ والهليون وقصب السكر والقطن ومختلف النباتات وصناعة الكعك من الفاكهة التي كانت تكون عنصراً هاماً من صادرات البلاد الإسبانية. وحتى اليوم ما زلنا نجد في اللغة الإسبانية الخاصة بالزراعة والري كثيراً من الألفاظ والاصطلاحات العربية. ففي ذلك العصر استغل العرب كل بقعة من الأرض فكان الحقل إلى جوار الحقل كما يصف ذلك المسعودي في كتابه مروج الذهب. وبفضل العناية بالري والزراعة وحسن استغلال الأرض إلى صفاء السماء وجودة الجو، كانت الأرض أيام عبد الرحمن الثالث تنتج ثلاثة محاصيل أو أربعة من الحبوب في العام، واستبعت العناية بالزراعة الاهتمام بتربية الماشية وبخاصة الإبل والخيل، ويكفي العرب فخراً أنهم أصحاب فكرة التلقيح الصناعي وهم أول من استخدمها، وقد أخذ بها العالم الحديث في القرن العشرين فقط. ثم فتحت المناجم التي ظلت أكثر من ألف عام لا تستخدم ولا تستغل، فقد سبق أن أخرج الفينيقيون بعض محتوياتها فاستخرجوا منها سنوياً كثيراً من الحديد والنحاس والزئبق، فقامت صناعات عظيمة فنية لا تستطيع أوربا أن تتصورها فعم الرخاء البلاد وارتفع مستوى معيشة السكان، حتى إن كل أندلسي كان يركب بغلاً ولا يمشي، كما أدى انخفاض أسعار الخضر والفاكهة وسائر المواد التموينية وارتفاع أجور العمل إلى نزوح كثيرين من الفلاحين العرب والعمال العرب إلى الأندلس فبلغ عدد السكان حوالي عام ٩٥٠ م في إسبانيا العربية نحو ثلاثين مليوناً، فقامت آلاف القرى حول قرطبة فازدهرت الحياة وأينعت. ومنذ أن استقلت الأندلس أيام الأمويين عن خلافة بغداد انقطعت الضرائب التي كانت تتدفق من الأندلس إلى شرق العالم العربي وأصبحت تنفق على أهالي الأندلس أنفسهم فساهمت هذه الأموال في رفع مستوى المعيشة، وبفضل حكمة وحسن تدبير عبد الرحمن، هذا الخليفة العظيم، كان ينفق ثلث إيراد الدولة على الشئون الداخلية والجيش الذي كان يعتبر وقتذاك من أحسن جيوش العالم نظاماً وقوة، كما يذكر ذلك سفير «أوتو الأكبر» وهو رئيس الدير «يوحنا فون جورز»،

стр. 401

والثلث الثاني كان يحتفظ به كرصيد، والثلث الأخير كان ينفقه الخليفة في تشييد المساجد والقناطر والطرق الحربية وشق الترع، وبذلك كان يخلق عملاً لسائر العمال المتعطلين فخلد وحقق أمانيه وأحلامه كما ذكر هو ذلك. وفي عصره الذهبي قامت مدينة الصخرة، مدينة الأحلام، بالقرب من قرطبة وهي في أبهى حلة لها فقد زخرفت مبانيها وقصورها بالذهب الخالص والرخام والبلور والأبنوس والجواهر الكريمة. كما اشتهرت أيضاً بحدائقها الغناء. ويذكر أن جارية عبد الرحمن المحبوبة تركت عند وفاتها ثروة طائلة ليفتدي ببعضها كثيرون من أسرى المسلمين الذين وقعوا في قبضة الإفرنج. لكن جميع الأبحاث والمفاوضات التي قام بها المسلمون مع الإفرنج باءت بالفشل، لذلك ما كان من عبد الرحمن إلا أنه، تحقيقا لوصية جاريته التي أوقفت ثروتها لافتداء أسرى المسلمين ولم يوفق في هذا التعنت الإفرنج، شيد الصخرة وأطلق عليها اسم جاريته تخليداً لها ولا سيما أنه قد استغل الثروة التي تركتها فيها. لقد عمل في الصخرة نحو عشرة آلاف عامل وظلوا يعملون بها زهاء خمسة وعشرين عاماً بدون انقطاع فشيدوا آيات العمارة، حتى قال شاهد عيان: لقد رأيت بها أشهر ما شيدته يد إنسان من مبان عظيمة. وقال عربي آخر إن قصر الخليفة كان على جانب عظيم من الأبهة والجلال حتى قيل إنه الوحيد من نوعه في العالم الإسلامي. واعترف أكثر من زائر من مختلف أنحاء المعمورة أنهم لم يروا له مثيلاً في العالم كما لم يعرفوا عظمة وأبهة وفخامة كتلك. وهذه المنشآت العظيمة لم تلبث أن تركت أثراً عظيماً، لا في العاصمة فقط، بل على امتداد شاطئ الوادي الكبير، وحول المساحات الممتدة بين القرى حيث القصور الشامخة والبيوت الخلوية الجميلة لأصحاب الجاه والسلطان والأثرياء، وحيث دور اللهو والمتنزهات، كما قصد سكان المدن تلك الأماكن استظلالاً في غابات الزيتون والكروم والنخيل والسرو. وفي المنطقة الممتدة بين «سييرا مورينا» و «سييرا نيفادا»

стр. 402

التي يجري فيها الوادي الكبير كان يقوم اثنا عشر ألف قرية من بينها ست عواصم وثمانون مدينة كبرى وثلثمائة متوسطة. لكن أعظم مدينة كانت لدى الأندلسي هي قرطبة وعلى جوانبها ذوات المروج الخضراء كان ثمان وعشرون ضاحية، وكانت قرطبة إبان حكم عبد الرحمن الأكبر في منتصف القرن العاشر، من حيث اتساع رقعتها، أكبر مدينة في الغرب بما في ذلك أوربا. فعدا مساكن الوزراء والموظفين كانت تحتوي قرطبة على نحو? ? ? ? ? ? مسكن وستمائة مسجد وثلثمائة حمام وخمسين مستشفى وثمانين مدرسة عامة وسبعة عشر معهداً تربوياً (وكانت في القرن التاسع تضم أربعة آلاف طالب شريعة) وعشرين مكتبة عامة، تحتوى على مئات الآلاف من الكتب، في عصر لم يكن في أوربا مدينة، عدا القسطنطينية، كانت تتسع لأكثر من ثلاثين ألف سكن. ولم تمتلك هيئة، من الهيئات مستشفى واحداً أو مدرسة عليا. ولم توجد بها مكتبة تستحق الذكر أو حمام عمومي. هذا مع الإشارة إلى أن ذلك العصر قد عرف بقذارة الشوارع وعدم رصفها مما ساعد على انتشار الأوبئة والأمراض. والعجيب أن صحيفة كولونيا تكتب في ٢٨ مارس عام ١٨١٩ منددة بإضاءة الشوارع بمصابيح الغاز واصفة هذا الحدث بأنه مرفوض وأنه بدعة تتعارض والتعاليم الدينية، وذلك لأن الله خلق الليل ظلاما ويجب على البشر ألا يعارضوا ويخالفوا إرادة الله. في ذلك العصر كانت جميع شوارع قرطبة وحوانيتها البالغ عددها ثمانين ألفاً حوالي عام ٩٥٠ م ليست فقط مرصوفة رصفاً عظيماً وتنظف بواسطة عربات تجرها الثيران، بل كانت تضاء ليلاً بمصابيح مثبتة في جدران المنازل. وبعد ذلك بقرنين أعني عام ١١٨٥ قررت باريس كأول مدينة في أوربا احتذاء حذو المدن العربية فرصفت الشوارع، وجارتها المدن الأوربية الأخرى في منتصف القرن الثالث عشر. إن هذا الحدث كغيره من الأحداث يشير إلى اقتباس أوربا الشيء الكثير عن العرب، وقد نقل الأوربيون هذه الأشياء عن طريق الرحالة عبر جبال البرانس، ولو أنه من العجيب حقاً أن المسيحية أو المسيحيين أقاموا مدة في بلاد السحرة حتى

стр. 403

لا يتهموا بأنهم يقتبسون عن العرب شيئاً! وليست الأوهام هي التي سيطرت على الراهبة العالمة الشاعرة المسماة «روزفيتا» والتي كانت مقيمة في صومعة دير «جندر زهيم» السكسوني عندما علمت بقصة قرطبة ووضعت فيها قصيدة تمدحها: فقالت عنها: «إنها زينة الدنيا وبهجتها، إنها المدينة الحديثة الجميلة الشامخة بأبنيتها، الشهيرة بأفراحها وهي تحوي جميع الأشياء». وليس اليهود فقط هم الذين قاموا بدور الوسيط ونقلوا الثقافة العربية إلى أوربا بل نجد كثيرين من المسيحيين قد سمعوا بهذه البلاد المباركة، حيث قرطبة وطليطلة ومعالمهما الشهيرة الجديرة بالرؤية والزيارة. ففي أثناء قيام حكومة الأمويين بين القرنين الثامن والحادي عشر أقبل عدد كبير من الطلبة من مختلف أنحاء العالم على إسبانيا طلبا للعلم وتحصيلا للمعرفة حيث كانت قرطبة النبع الذي لا ينضب. نعم إن العلوم الأندلسية اعتمدت أول الأمر على العلوم اليونانية، والعلوم التي كانت منتشرة في شرق العالم العربي، إلا أن هذه العلوم الأندلسية لم تلبث أن وقفت على ساقيها، وذلك بفضل الخليفة الحكم الثاني بن عبد الرحمن. وبعد أن اشتد ساعد المعرفة العربية الأندلسية واستقلت عن غيرها خرجت شخصيات علمية عالمية مثل: ابن رشد وابن زهر وابن طفيل صاحب رسالة حي بن يقظان، هذه القصة الفلسفية التي تعالج الإنسان الطبيعي، وهي التي أتاحت إلى «ديفو» أن يضع قصة «روبينسون كروزو»، كما نجد ابن باجه وأبا القاسم والطروغي وابن البيطار وابن فرناس وابن الخطيب والعالم العظيم جداً ابن خلدون الفيلسوف والمؤرخ الأول ومؤسس علم الاجتماع. ثم نجد الصوفيين ابن عربي وابن سبعين، ويمتاز جميع أولئك العلماء على علماء شرق العالم العربي. وامتاز الحكم على سابقيه بحبه وشغفه بالعلم ونشره بين طبقات شعبه الذي رفعه والده سياسياً واقتصادياً حتى جعله شعباً مثالياً لذلك حاول الابن منذ اليوم الأول من توليه الحكم أن يجعله في طليعة الشعوب الأخرى علمياً وثقافياً، وامتاز بذلك على أسلافه. فقد أتبع كل مسجد مدرسة، وكانت بكل حي من أحباء المدينة مدرسة خاصة ومئات الآلاف من الكتب التي كانت محفوظة في المكتبات العامة

стр. 404

وكانت تحت تصرف أفراد الشعب الذين كانوا يستطيعون قراءتها وفهمها، وأراد الحكم شيئاً آخر، فقد أسس في قرطبة سبعاً وعشرين مدرسة أخرى خاصة بالفقراء وكان يدفع هو نفقات وأجور أعضاء هيئة التدريس. وقد ساعدت هذا الحاكم العالم في جميع أوجه نشاط المعرفة في بلاده، وفي تحقيق رغباته العلمية. هذه الثروات الطائلة التي خلفها له والده وأحسن هو إدارتها والتصرف فيها، فأنفق جزءاً كبيراً منها في الكتب ونشرها ومساعدة العلماء وفتح المدارس، فكان يرسل بعوثه العلمية إلى مختلف المراكز الثقافية والعلمية لشراء أو نسخ أمهات الكتب في مختلف العلوم والفنون، وإذا ما أدرك مبعوث الخليفة القرطبي أن عالما في صدد وضع كتاب بادره وقدم إليه المكافأة السخية مقابل حصوله على هذا الكتاب بمجرد الفراغ منه، فقد حدث فعلاً أن كثيراً من المؤلفات التي وضعت في البصرة أو الموصل قد عرفت وانتشرت في الأندلس قبل أن تراها بغداد! وبلغ غرام الحكم بالكتب أن حرص حرصاً شديداً على شراء الكتب الجديدة وجمعها وقراءتها قبل أن تصل إلى يد غيره لأن حبه لها لم يكن أفلاطونياً بل واقعياً، فيقال إن مكتبة قصره كانت تضم (٤٠٠.٠٠) أربعمائة ألف مجلد قد قرأ جميع ما بها وعلق على بعضها وعلى مؤلفيها، وحقا كان هذا الخليفة مضرب الأمثال في العلوم والآداب وسعة الاطلاع، وكان يقصده الأساتذة والعلماء عبر الصحاري والبحار حيث وجدوا عنده الكرم الحاتمي والعلم الذي لا يجاريه فيه أحد، هذا إلى جانب كونه المسامر اللبق. وكانت شخصية هذا الأمير جذابة حتى أقبلت عليه فئات عديدة من كبار العلماء في العالم الإسلامي بل حتى رجال اللاهوت المسيحي قد تهافتوا عليه، فاكتسب بذلك هذا الخليفة الواسع الاطلاع والأفق، الحليم والواسع الصدر، العالم الأديب، إعجاب كبار رجال الكنيسة الذين توافدوا عليه وانكبوا على دراسة اللغة العربية وآدابها. ولما كان وليا للعهد كلف الحكم الغوطي الغربي الأسقف «جودمار فون جيرونا» وضع كتاب باللغة العربية في تاريخ الإفرنج. كما أن أسقف قرطبة المسمى «ريكديمندوس» الذي كان قد سبق أن أرسله الخليفة عبد الرحمن الثالث عام ٩٥٥ م

стр. 405

سفيراً إلى القيصر أوتو الأكبر. هذا الأسقف الذي كان صديقا لعلماء الطبيعيات العرب، قد وضع كتاباً باسم «راب بن سعيد» الأسقف وأهداه إلى الأمير المسلم الذي كان يرعاه. وموضوع هذه الرسالة: تقسيم الأزمان وإعادة تكوين الأجسام، وقد ترجمها إلى اللاتينية من العربية «جيرهارد فون كريمونا». والحقيقة أن الحكم لم ينفرد بين حكام الأندلس بتشجيع العلم والعلماء، فنحن نجد المظفر ملك «بادايوز» يضع موسوعة علمية شاملة لمختلف فنون المعارف في مائة مجلد، كذلك المقتدر ملك «سرجوسة» أظهر نبوغاً عظيماً في الفلك والرياضيات والفلسفة، كما كان يقدر العلماء تقديراً عظيماً. وتقدير العلم سواء عند الأمويين أو غيرهم لم يكن شيئاً نادراً أو مستحدثاً، وعلى النقيض من ذلك فالعالم الذي كان يعينه الأمير في وظيفة حكومية يجب أن يكون على جانب عظيم من العلم والمعرفة ولم يوجد عالم في دولته دون وظيفة أو عمل، فكل عالم كان علمه كفيلاً لأن يجلسه في أعلى المناصب وأرفعها وحتى صغار الأمراء الذين جاءوا بعد سقوط الأمويين عام ١٠٣١ وبعد ضياع الخلافة في قرطبة وإشبيلية وغرناطة والمرايا وسرجوسه كانوا يتنافسون في تشجيع العلم والأخذ بيد العلماء وبذلك مهدوا الظهور النهضة العلمية الثانية التي ظهرت بعد ذلك في الأندلس. وليست العلوم فقط أو الفنون التطبيقية هي التي وجدت إقبال العلماء عليها وتشجيع الأمراء لأصحابها بل الشعر أيضا، والشعر للعربي كالهواء للإنسان، فقد شجعه الأمراء تشجيعاً منقطع النظير، ومن بين الأمراء من أجاد الشعر إجادة تامة.

стр. 406

شعب من الشعراء إن الذي يسير في أمسيات الصيف الحارة في مرج الفضة، وقد سلط عليه القمر أضواءه الفضية، يقع بصره على شابين مرحين، فهنا نجد السكان، سكان إشبيلية، يبحثون عن أماكن اللهو أو يسيرون في المتنزهات، وقد أهداها الندى نسيماً عليلاً على طول الوادي الكبير، إلا أن أحداً لا يفكر في أن أحد الشابين الذي يرتدي ثياباً حريرية مهفهفة هو أبو القاسم محمد، ملك المستقبل. فهذا الأمير المرح المحبب إلى النفوس كان يجد لذة في الاختلاط بمختلف طبقات الشعب متنكراً يرافقه صديقه الذي كان يكبره بتسعة أعوام، وهو ابن عمار. وكان ولي العهد يحب هذا الصديق حباً شديداً، لأن ابن عمار كان يجيد الشعر إجادة تامة ولم يكن ليتميز عليه في الأندلس في صناعة الشعر إلا ابن زيدون العظيم. وبالرغم من أن ابن عمار كان فقيراً جداً، إلا أنه كان مغامراً، لذلك استولى بشعره على قلب الأمير الذي كان أيضاً شاعراً، وطالما تنافسا في قرضه والمطارحة، كان يقول أحدهما بيتاً ويقول الآخر بيتاً يتفق والأول عروضاً وقافية. ويوماً كانا يسيران يمرحان ويتمتعان باستنشاق هذا النسيم العليل، وقد هب على الشاطئ فحرك سطح الماء وهز الأمواج كرقائق الفضة. فقال المعتمد لصديقه الشاعر: أجز: «صنع الريح من الماء زرد» فأطال ابن عمار الفكرة، ولم يكن في نظمه للشعر من أوتوا البديهة الحاضرة، وكانت امرأة من الغسالات على مقربة منهما، وسمعت ما قاله المعتمد لابن عمار، ولما عجز الأخير عن الإجابة قالت المرأة على البديهة: «أي درع لقتال لو جمد».

стр. 407

فتعجب المعتمد من حسن ما أتت به مع عجز ابن عمار، ونظر إليها فإذا هي حسناء فاتنة، فأعجب بها وأخذ بجمالها، فسألها «أذات زوج هي؟ » فقالت: «لا»، فلما ذهبت في سبيلها قال لخادم كان يتبعه: «سل عن هذه الفتاة واعرف مكان أهلها»، وعلم أنها جارية رميك بن حجاج وأن اسمها اعتماد، فلما عاد إلى قصره استدعى صاحبها واشتراها منه وتزوجها، ومن فرط حبه لها أطلق على نفسه منذ تلك اللحظة اسم «المعتمد»، وبهذا الاسم اشتهر كأكبر شاعر بين جميع ملوك العرب وخلفائهم. وهكذا تجد الاثنين ينسجمان انسجام الروي في الشعر أو انسجام القافية، وقد ظل حبهما حياً مدى حياتهما حتى لقى كل منهما قضاءه الحزين المحتوم. كما أن قصيدة مطلعها: أدر الزجاجة فالنسيم قد انبرى ... والنجم قد صرف العنان عن السرى هي التي ألفت بين المعتمد وصديقه ابن عمار. وقصائد ابن عمار هذا هي التي حررت المعتمد من السجن، حيث نجد ملك إشبيلية وهو المعتضد الذي كان سريع الغضب يأمر بإعدام ولي العهد الذي تسبب بإهماله في ضياع معركة وهزيمة جيشه. لكن أشعار ابن عمار شفعت له لدى المعتضد الذي اشتهر بالغلظة والقسوة، إلا أنه كان شاعراً يقدر الشعر الرصين وبسببه يعفو عن كل شيء. فالشعر الجيد قد يفك من الأغلال، وقد عرف هذه الصفة موظف من موظفي المالية في قرطبة كان قد اختلس أموالاً عامة. فقد وجه الخليفة المنصور تهمة إلى هذا الموظف مستنكراً جرأته وسرقته أموال الخليفة، فاعتذر الموظف بأن القدر أقوى من الإرادة الحسنة، والفقر يضلل الفضيلة، وهكذا استطاع هذا اللص النجاة بفضل مهارته الشعرية، وكان المنصور يستصحب معه في حروبه أربعين من خيرة شعرائه، وكتب الأدب العربي تفيض بكثير من القصص التي تبين مدى تقدير العربي للشعر وتقديسه. وقد أبهرت العقلية الشعرية للفيلسوف والطبيب ابن الخطيب، وهو ذلك

стр. 408

الطبيب الذي هدي أوربا إلى أن وباء الطاعون معد، فقربه الأمير إليه وبخاصة أنه أعجب بأسلوبه الجميل في رسائله إلى سائر الحكام، فعلا شأنه وازدادت شهرته واختص ملك قرطبة بخدماته، كما استطاع مرتين بقصائده الرائعة الاستحواذ على قلب ملك المغرب وعطفه فبادر مرتين إلى إنقاذ تاج هذا الملك الشاب وعرشه. والقصيدة العصماء تحتل مكانة رفيعة في شعب يجد في الشعر ضرورة من ضرورات الحياة اليومية، وأن الحاجة إليه لا تقل عن الحاجة إلى اللغة. والشعر لدى العرب أسلوب من أساليب اللغة التي تهيمن على كل عربي حتى الفلاح في حقله والعالم في مدرسته والأميرة في خدرها. والقصيدة تتدفق من بين الشفاه في سهولة ودون تكلف ويستخدمها صياد السمك في الوادي الكبير والصانع في مصنعه. والعربي يقول الشعر في كل مناسبة. ويذكر أنه في إقليم (سيلفيز) كان فلاح يسير خلف الفدان ويرتجل الشعر، ويذكر أن أحد سكان هذا الإقليم من قبيلة بني الملاح ذهب لعمله مع ابنه الصغير يتمشى على ضفة النهر حيث تنقنق الضفادع فأخذ الوالد يدرب ابنه على قول الشعر؛ ففي الأندلس حيث يدرج الأطفال على صياغة الشعر ويسطرون المجلات بأسماء الشعراء يجعل من العسير الحكم على أشعر الشعراء، ومن هو الشاعر، بينما من السهل الإجابة على أي الملوك وأي الوزراء وأي رجال السيف والعلماء لم يكن شاعراً. وإذا أراد الإنسان أن يتحدث عن شعب من الشعراء يجب أن يتحدث أولاً عن العرب وبخاصة عن العرب الجاهليين، وكذلك الحال عندما نتحدث عن عرب الأندلس إذ كان الشعر لديهم عبارة عن تطور لغوي. إن اللغة العربية تطورت إلى شعر وشعر من نوع خاص أو إلى فن من فنون الشعر الخاصة، فقد تحولت اللغة إلى نغم وقافية. والخاصية المميزة التي تميز العربية وسائر أخواتها السامية عن الأسرة الهندسية الأوربية مثلاً هو مبدأ التثليث فأصول الكلمة ثلاثة صامتة تعبر عن المعنى المشترك، والحروف الصامتة هي التي تتغير فقط، وهي التي تميز بين المعاني المتكافئة والصيغ المصرفية المتنوعة.

стр. 409

لكن استخدام الحركات يخضع لقواعد خاصة، وهذه الحركات واستخدامها سبب من أسباب خلق ألفاظ عديدة جداً تتفق جرساً وتختلف معنى، كما نجد ألفاظا تختلف في حروفها المتحركة أعني نشأة السجع. فهذه الصفة التي تمتاز بها العربية والتي تختصها بنغم واضح جلي تتطلب ولا شك قيام شعر مقفي أو نثر مسجوع، فهذه الصفة خاصة بالعربية، والعروض العربي لا اليوناني ولا اللاتيني هو الذي أثر في الآداب الأوربية والعالمية. وإذا كانت اللغات الجرمانية وعلى الأقل اللغة الألمانية لا تتفق والسجع، فإن اللغة العربية الشرقية نجحت في القضاء على منافساتها والإبقاء عليها سجينة حتى أصبحت اليونانية وكأنها أجنبية بالنسبة للألمانية والألمان. لماذا يستخدم الشعراء الألمان اليوم الوزن (الهكساميتر) القديم؟ لماذا لا يقول الشاعر الألماني غزلاً في هذا الوزن القديم؟ لقد ظلت الترانيم الكنسية الدينية والأشعار الدنيوية زمناً طويلاً مرتدية ثوباً لاتينياً. ولماذا لم يستخدم الشعب الألماني عندما أخذ يقول الشعر العروض القديم لصياغة هذا الشعر؟ ولماذا فضل عليه العروض العربي؟ هل السبب هو الميل الشديد إلى النغم، وأن الشعر المقفى الذي يكسب الروح قوة ويقظة - وإن كان غير مفيد. يتفق واستعداد الشعب؟ أو هل كانت هي الحاجة الملحة إلى الموسيقي وليس التقطيع اللغوي للرومان أو الجمود الأجنبي اليوناني حيث يستعاض عنه بالنغم؟ من المؤكد أن أغاني «جوته» و «هينه» كانت شيئاً آخر غير تلك التي جاءتنا لو لم يقرر الذوق الشعبي فناً شعرياً آخر. والآن نتساءل: كيف بلغ السجع والنغم هذه المكانة العالمية؟ فأول عامل مؤثر جاء من صلوات اليهود في المعابد في القرن الأول الميلادي وذلك عن طريق بيزنطة والترانيم المسيحية القديمة والصلوات التي كانت تقام في الكنيسة الرومانية الشرقية في الشعر الديني اللاتيني في الكنيسة الرومانية الغربية التي كانت صدى للمؤثرات الشرقية. كما نجد رهباناً مصريين وسوريين وبعض البيزنطيين الذين هربوا إبان النزاع الذي قام حول الصور، قد أقاموا سداً منيعاً ضد هذا التيار في الأديرة الأوربية. أما الباباوات المنحدرون من أصل شرقي ومعهم

стр. 410

أنصارهم فقد حرصوا على ترك الطرق مفتوحة، فنجد الأوزان العربية تستخدم إلى جانب الأوزان القديمة المتأخرة زمناً طويلاً، كذلك نجد نتيجة أخرى لذلك غير موزونة وغير منغمة. ومصدر هذه الظاهرة الشعر الديني. وظلت القافية نحو نصف قرن وأطول غير مطردة، لكن حوالي القرن الحادي عشر أخذت هذه الظاهرة تنتشر بفضل العوامل القوية التي دخلت عليها ودفعتها إلى الأمام. وفي إنجيل «أوتفريد» نجد السجع مستعملاً، وقد كان ذلك حوالي عام ٨٦٠ م إذ يظهر للمرة الأولى في اللغة الشعبية وينافس غيره، لكن ظل زمناً طويلاً قبل أن يفرض نفسه. أما التيار الثاني الذي أثر في الشعر الأوربي فقد جاء عن طريق الشعر الغنائي العربي الصحراوي. وبغتة وبدون تمهيد نجد أنفسنا حوالي القرن الخامس الميلادي أمام شعر كامل موزون مقفى، وهذه الظاهرة تدعو إلى الاستغراب حقاً فكيف نجدها في هذه الحالة عند شعب يحيا حياة البداوة والحرب، بعيداً عن مقومات الثقافة والمدنية، فإذ به يصل إلى خلق هذا الشعر الكامل ذي الجانب العظيم من الجمال، إنه شعر بلغ مرحلة من الجمال الفني لا تدانيها مرحلة، فهو شعر يعبر عن منتهى بلوغ أكبر مرحلة من مراحل الرقي الفكري. حقا إن لغة هذا الشعر تحمس العربي لفظا ووزناً، لكن بينما نجد القافية في الشعر السرياني عبارة عن شيء فريد وحيد إذ بالعربي يستخدمها كعنصر أساسي في الشعر العربي، وكما هو الحال في الفن العربي من حيث الزخرفة كذلك القافية التي بها يتم البيت ويقفل، هذا إلى جانب الكيفية التي تستخدم بها فالشاعر العربي يكيفها بعدد لا يحصى من النغم وأبيات تسير على وتيرة واحدة وترتبط معاً برباط النغم. وهكذا نجد هذه اللغة العربية وما تخلقه من فن شعري تسترسل فيه الصور الشعرية والمشاعر الإنسانية كالأمواج تدفع الموجة الأخرى إلى اللانهائية، وقد تبلغ القصيدة مائة بيت وتكون وحدة في الروي ووحدة في العروض مثل تلك التي قالها إمرؤ القيس في المطر، إمرؤ القيس الذي عاش قبل مجيء الرسول بنحو خمسين سنة ومنها: ديمة هطلاء فيها وطف ... طبق الأرض يجري وندر

стр. 411

ففي هذه القصيدة وهي الصورة الشعرية القديمة حيث تتكرر بها الأنغام ويتكرر الروى أو القافية قدم العربي الصورة الصادقة حقاً للفن العربي في زخرفة المساحات، وهذا الفن الشعرى يعرف حتى اليوم على أنه قديم. لكن المدارس الشعرية الحديثة كمدرسة أبي نواس في بغداد، أو مدرسة الشاعر الأعمى الذي عاش في نهاية القرن التاسع الميلادي في بلاط الأمويين في قرطبة، قد حطمت القيود القديمة للشعر العربي والقصيدة العربية وجاءتنا بفنون أخرى جديدة. فالقصيدة مقسمة إلى أدوار مستقلة في هيئة أغان مع تغيير وتنويع القافية مع الشيء الكثير من البيان والبديع. فمثل هذه الفنون الجديدة أو هذا التطور في القصيدة العربية ظهر في إيران على يد الفردوسي وعمر الخيام وآخرين، وانتشر هذا الفن بسرعة ونقله وردده العرب في العالم الإسلامي من قرطبة حتى قرى القوقاز ومن طوس ونيسابور في إيران حتى نهر النيجر والجنج. لكن هذا الفن الشعري قد استقبلته أوربا استقبالاً حسناً وحماسياً فشعراء التروبادور بزعامة الهرزوج «فلهلم التاسع فون أكويتانين» استخدموا هم والشعراء الغزاليون نغماً عربياً وقافية عربية كما استخدموا الأدوار العربية والأوزان العربية وخصائص أخرى من خصائص الشعراء الغنائيين الأندلسيين، وكذلك مغني الدروب أعني المغني المتجول. ويتجلى هذا الأثر في صورة واضحة جلية في الأغاني الدينية للملك ألفونس الحكيم الذي تأثر بلاطه بالعرب الذين كانوا يحيون فيه أو بالعرب عامة، كما نجد هذا الأثر العربي في مؤلفات «يوان رويز» كبير قساوسة «هيتا» الذي كان منغمسا في الحياة الإسلامية والتقاليد الإسلامية كما قال شعرا وأغاني راقصة لصديقاته بين المغنيات العربيات، كما نجد الأثر العربي في أغاني عيد الميلاد في اللغة اللاتينية وفي الأدوار الفرنسية والقصائد. أما في إيطاليا فالأثر العربي أشد وأقوى منه عند التروبادور، فهنا في إيطاليا نجد الأغنية العربية تجد معجبين كثيرين وبخاصة في الحياة والترانيم الدينية كما هو مشاهد عند القديس «فرنس فون أسيسي» والفرنسيسكاني «فراجا كابوني دا تودي» الذي كان معاصراً لدانتي كما في «دولش ستيل نوفو»، وعند دانتي نفسه. وأشد ما يكون الشعر

стр. 412

العربي أثراً في الشعر الشعبي في «أومبريان» و «توسكانا» والبندقية. فمن الأوزان العربية نشأ الفن المعروف باسم «مدريجال» العلماني وحتى «لو رينسو ده مديشي» و «مكيافل» قالا الشعر في أوزان عربية. وعلاوة على ذلك نجد العرب في صقلية يؤثرون في الأغاني الشعبية أثراً بليغاً ما زلنا حتى اليوم نجده في إيطاليا، كما أثر العرب في النوع المعروف باسم «سونيت» في شمال إيطاليا. وحيث يقال الشعر في مختلف أجزاء الدولة العربية نجد اللغة العربية والأسلوب العربي كما هما عند البدو، لذلك كان العرب يرسلون أولادهم إلى البادية ليتلقنوا عليهم اللغة العربية الخالصة لغة الشعر الفصيح ولو أن أولئك العرب البدو قد خرجوا من بلادهم وانسابوا في العالم واختلطوا مع شعوب وأجناس أخرى، فإن الشعر العربي ظل محتفظاً بخصائصه ولغته في مختلف تلك الأقطار التي انتشر فيها العرب. والشعر العربي شعر غنائي يعبر عادة عن مشاعر شخصية وانطباعات الشاعر نفسه فالقصيدة والحالة هذه عبارة عن عقد من اللآلئ، كما أن الغناء هو الفن السائد في الشعر كما هو الحال اليوم في أوربا، وكما أن الملحمة آخذة في الزوال تدريجياً. واللغة تؤثر تأثيراً منتجاً سواء كانت نثراً أو شعراً، ومن هنا نجد الثروة اللغوية العربية غنية جداً، فقد يعبر البدوي أو المحارب عن أدق المعاني الإنسانية والمشاعر عن طريقها، بخلاف اللغة الألمانية فهي فقيرة في مفرداتها الموجودة تحت تصرف الشاعر الألماني، وهي المفردات التي يستخدمها عند وصف شيء بعينه من زواياه المختلفة، بينما نجد ساكن الصحراء بنظره الثاقب وقوة مشاهدته والصبر على التأمل، فضلاً عن صفاته التي يمتاز بها، ولو أنها في عالم الماديات تجعل عالمه محدوداً? يتسع هذا العالم أمام إدراكه التنبئي الذي يتميز به وجهه ونظرته التي تتجلى لنا من عينيه. كل هذه الخصائص تترك أثراً في الرمل وصرخة في الليل

стр. 413

وعبيراً وجرساً، وهنا ندرك السرور عند بلوغ الهدف والتعبير عن غرضه التعبير الصادق. ولكي نصور قوة اللغة في التعبير عن الصور تعبيراً دقيقاً نذكر لامية الشنفري، وهذا شاعر جاهلي، والشنفري هنا ثائر على الناس وعلى الله؛ لذلك فهو يهرب إلى حيث الوحوش الضارية والذئاب والضياع فيتخذ منها أصدقاء له. ومن فرط إعجاب الشعب بهذه اللامية ضمها إلى المعلقات هذه القصائد التي تعتبر من مفاخر الشعر الجاهلي فأجازها وأجاز قائليها. كذلك لنقرأ القرآن الكريم حيث نلمس قوة اللغة وجمال الأسلوب وفصاحته: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥)﴾ [العاديات: ١ - ٥]. أو قوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التكوير: ١ - ١٩]. وما جاءنا في الشعر العربي خاصاً بالحيوانات العزيزة لديهم كثير جداً، كهذا الوصف الجميل في الفرس ومنه: غدونا بضاف كالعسيب مجلل ... طويناه حيناً فهو شرب ملوح ولم يقف الشعر عند هذا بل نجد الأندلسي يصف قوسه وصفاً دقيقاً حياً، كما يعرض ابن شرف لطلوع الشمس فيصورها كما صورها الشاعر الألماني «موريكه». إن الخيال العربي لا يعرف حدوداً، فهو عوضاً عن أن يصف الأشياء من ظاهرها يبعث فيها الحياة والحركة فكل زهرة تتفتح في الظلام وتفتح فاها باحثة عن ضرع

стр. 414

السحابة لتشرب. ثم نجد الشاعر يتنقل من صورة إلى أخرى، فهو يقول إن يدي الربيع قد شيدتا أبراج زهرة الزنزلخت على سيقان عالية، وإنها لأبراج ذوات مجار فضية. وهكذا نجد العربي يخلق فناً مختلف الألوان يأخذ بالأبصار ويبدو وكأنه أغنية من أغاني الشاعر «موريكه»، ثم نجد انعكاسات شاطئ الوادي الكبير تصور وكأنها معركة تدور رحاها بين الزهور والماء. إن الموضوعات التي يعالجها هذا الشعر تشبه النفس البشرية فجميع النغمات تعبر عن الأحزان والكآبة والشكوك التي تودي بصاحبها، كما نجد فيها البعض العنيف والحزن العميق والحب الصارخ، هذا جميعه نجده مثلاً في قصيدة شاعر مثل ابن خفاجة كما نجد شعراً أكثر مرحاً كما هو الحال مع ابن الأبار. ويقال إن الخليفة المعتضد لما دب إليه المرض وأحس بقرب منينه استدعى مغنياً يغنيه ليجعل أول ما يبدأ به فألا، فأول ما غني قصيدة ابن الأبار هذه وفيها: نطوى الليالي علماً أن ستطوينا ... فشعشعيها بماء المزن واسقينا فتطير من ذلك ولم يعش بعدها سوى خمسة أيام وقد خلفه ابنه المعتمد زوج اعتماد أو رميكة كما كانت تسمى نفسها، وقد ظل جالساً على العرش رغماً من تلبد الجو بالغيوم السياسية زهاء اثنين وعشرين عاماً كانت كلها أيام سعادة وعزة، وقد أحبه العرب حبا لم يمنحوه إلا للقليلين من أمرائهم، وكان المعتمد معاصراً لكل من «هينريش الرابع» و «جريجور السابع» و «وليم الفاتح» والجراف «روجير» الأول في صقلية. وكان المعتمد كما يروى ابن خلكان أكرم وأحسن وأشجع أمير إسباني، كما كان قصره مزار المسافرين وملتقى العبقريات والكعبة التي تتجه إليها آمال القوم وأمانيهم. وكان يعيش معه في قصره طبيبه الخاص أبو العلاء بن زهر وهو الثالث من الأسرة الإشبيلية التي اشتهرت بالطب وهي تنتمي إلى قبيلة إياد، هذه القبيلة العربية القديمة، وقد اشتهر ابن زهر هذا بالطب والفلسفة واعتاد أن يكتب بطاقة وصف العلاج على جذاذات قطعها من أسطوانة سميكة أهداها إليه تاجر عراقي ولم تكن إلا قانون ابن سينا، وكانت هذه هي النسخة الأولى التي وصلت إلى الأندلس. وطبيب المعتمد كان والد الطبيب والفيلسوف الشهير ابن زهر وجد طبيب

стр. 415

آخر اشتهر كذلك بالشعر فخرج هذا الحفيد ابن زهر من إشبيلية إلى قصر حاكم مراكش فحدث في أحد الأيام أن بعض أشعار هذا الطبيب الخاص بالسلطان قد وقعت في يده، وفي هذه الأبيات يشكو ابن زهر حنينه إلى ابنه فتأثر السلطان أثراً بليغاً واستدعى سراً أسرة ابن زهر من إسبانيا ورفع لابن زهر مرتبه. وفي بلاط الأسرة العبادية بإشبيلية عاش أيضاً شاعر عظيم بل من أعظم الشعراء العرب، ألا وهو ابن زيدون حيث اتخذ من قصرهم ملجأ له، وكان له ابن وزر للمعتمد، خلفاً للصديق والوزير الأول ابن عمار أكثر الرجال نفوذاً في القصر، كما أن المعتمد استمد اسمه من اسم حبيبته اعتماد. وهكذا نجد الشاعر ابن زيدون يجعل من اسم ابنه الوليد نصباً للحب، هذا الحب الذي أضناه وأشقاه طوال حياته. وقد حمل هو أثر هذا الشقاء حيث تسمى: أبا الوليد بن زيدون. وابن زيدون من أشهر عائلات قرطبة والسيدة التي اقترن حظه بها هي الأميرة الأموية الجميلة الشاعرة الشهيرة «ولادة» التي كانت موضع تقدير سائر رجال قرطبة. وكان يحسده ويحقد عليه وزير ابن جهور، لذلك عكر على ابن زيدون حبه وحياته من زوجه حتى انتهت بمأساة، فقد وشى هذا الحاسد بهذا الشاعر الممتاز الذي كان قد وقع عليه الاختيار والذي كان يتبوأ مركزاً ممتازاً في الإدارة والسياسة، وشى به لدى حاكم قرطبة وشاية سياسية. فوجه ابن زيدون إلى خصمه خطاباً فيه الكثير من التورية السياسية والعبارات القوية حتى جعل خصمه سخرية الجميع، كما رفع مكانته هو الأدبية، لكنه فقد عطف رئيسه فزج به في السجن. ولما لم يجد مفراً من رئيسه صاحب القوة والسلطان هرب ابن زيدون طالب الخلاص، وظل كذلك زمناً طويلاً، لكن حبه الشديد لولادة كان يضطره إلى المجازفة بحياته والاقتراب من قرطبة. ففي خرائب قلعة الصخرة الأموية العظيمة التي هدمها البربر وخربوها، وحيث الآن ينعق البوم، كان ابن زيدون يرسل من هناك أشواقه إلى حبيبته التي أحبها كثيراً وخلد هذا الحب في كثير من قصائده. وانتهى بابن زيدون المطاف إلى قصر ملك إشبيلية حيث تمكن قبل وفاته من خدمة المعتمد عند فتح قرطبة.

стр. 416

وقد انضم إلى عقد أولئك الشعراء شعراء آخرون صقليون تركوا صقلية لما سقطت في يد النورمان ومنهم «أبو العرب» و «ابن حمديس» وكان النجم المتألق في هذا العقد الملك الشاعر المعتمد فقد جذبت شاعريته الكثيرين وتفوقت عليهم، وقد اشتهر المعتمد كذلك بالشعر الغرامي الغزلي فتغزل في «رميكة» فوصف نفسه بأنه عبد الجميلات الفاتنات، وقد أفرد كثيراً من غزلياته في وصفهن ووصف جمالهن وكان شعره كأنه قد صيغ من أحجار كريمة تضيء كالبلور والماس. وشعره يبين الروح العربية وطبيعتها الرشيقة الرقيقة، وهذا ما جعل منه شاعراً فحلاً. ثم جاء المسيحيون طامعين في الاستيلاء على الأندلس، لذلك سارع الأمراء الأندلسيون واستدعوا يوسف الحاكم البربري لمراكش ليساهم تحت إمرة المعتمد في رد المسيحيين فنشبت معركة بين المسلمين والمسيحيين أبلى فيها المعتمد بلاءً حسناً، كما حارب حرب الأبطال المغاوير وهزم المسيحيين شر هزيمة. ورجع يوسف إلى مراكش «وفي نفسه من أمر الجزيرة المقيم المقعد» كما يقول المراكشي، وقال لبعض ثقاته من وجوه أصحابه: «كنت أظن أني قد ملكت شيئاً، فلما رأيت تلك البلاد صغرت في عيني مملكتي، فكيف الحال في تحصيلها». ورأى أصحابه أن يشيروا عليه برأي يجعل الاستيلاء عليها ميسوراً إلى حد كبير، وأغلب الظن أنهم كانوا مثله يطمعون في امتلاكها فسير حملة واستولى عليها. ويصف الفتح المعتمد يوم سقوط إشبيلية في يد المرابطين بقوله: «ولما انتشر الداخلون في البلد وأوهنوا القوى والجلد، ويتوقد عند انتضائه، فلقيهم في رحبة القصر، وقد ضاق بهم فضاؤها، وتضعضعت من رحبتهم أعضاؤها، فحمل فيهم حملة صيرتها فرقاً، وملأتهم فرقاً، وما زال يوالى عليهم الكر، حتى أوردهم النهر، وما بهم جواد، وأودعهم حشاه كأنهم له فؤاد، ثم انصرف وقد أيقن بانتهاب ماله، وذهاب ملكه وارتحاله، وعاد إلى قصره واستمسك به يومه وليلته مانعاً لحوزته، دافعاً للذل من عزته، وقد عزم على أفظع أمر، وقال بيدي لا بيد عمرو، ثم صرف تقاه، عما كان نواه، فنزل من القصر بالقسر، إلى قبة الأسر، فقيد للحين، وحان له يوم شر ما ظن أنه يحين، ولما قيدت قدماه، وبعدت عنه رقبة الكبة ورحماه قال يخاطبه:

стр. 417

تبدلت من عز ظل البنود ... بذل الحديد وثقل القيود وبعد أن كبله يوسف نقله وأسرته في سفينة فبكاه شعبه على ضفاف الوادي الكبير ولطم النساء وجوههن، ونقل المعتمد وأسرته من طنجة إلى مكناس جنوباً حتى «أغمات»، ومن ثم عزل عن باقي أفراد أسرته ليمضي حياته في السجن. وهكذا نجد المعتمد يقضي آخر سنى حياته في البؤس والشقاء، وإن أصبح شاعراً مفلقاً بل أعظم شاعر أندلسي، وتوفي ووري اللحد كسير النفس شقى الفؤاد بعد أن رثى نفسه قبل وفاته بكثير من المراثي التي تعتبر من أشهر ما قيل في هذا الفن سواء في الجاهلية أو الإسلام. فقد ظل في السجن خمس سنوات قاسي فيها ويلات الذل والسجن والمرض وفي عام ١٠٩٥ ترك الحياة وهو ابن خمس وخمسين سنة، ودفن إلى جانب «رميكة» في «أغمات». وفي أوائل القرن الثاني عشر خرج رجل من إشبيلية مخترقاً الصحراء العربية فلقى ترحيباً عظيماً من أفراد قبيلة لحم. وفي إحدى الليالي أصابه أرق فخرج من خيمته وأخذ يتطلع إلى السماء المليئة بالنجوم ورأى في القمر الوضاء ما ذكره بسيده السابق فأخذ يردد بعض الأشعار. وفي هذه اللحظة فتح باب الخيمة التي كان فيها وخرج منها رئيس القبيلة وسأله: لمن هذه الأشعار الواضحة كالنهر العذبة كالمرج الذي سقاه ماء المطر؟ إنها أشعار حلوة كصوت الغانية وقد حلت عنقها بقلادة من الذهب. إنها أشعار قوية لها رنين يشبه صوت البعير. وحكم البدرى على اللغة يعتد به كمرجع من مراجع جودة اللغة والشعر وهو حكم يغاير حكم سكان المدن. فأجاب الرجل الإشبيلي أنه لملك ملك على وطنه من العباديين ومن قبيلة اللخميين، فامتلأ رئيس القبيلة فخاراً وعجباً إذ اكتشف مأثرة أخرى من مآثر قبيلته فنادى الشيخ أفراد قبيلته وأخبرهم ما يشرفهم أن شاعراً عظيماً قد ظهر منهم. وهكذا نجد الأشبيلي يقص على كل القبيلة خبر ملكه الشاعر العظيم الكريم الذي كان فارساً عظيماً لا يخاف الموت ولا يخشاه، وأميراً كريماً لا يجاري في كرمه، ولما انتهى من الخبر امتطى البدو الخيل فرحين فخورين ليحتفلوا بهذا الخبر فاهتزت

стр. 418

الأرض تحت أقدامهم تحية للملك الشاعر وهو من قبيلتهم؛ وبعد ذلك بمائتين وخمسين عاماً رحل حاج مخترقاً مراكش وكان وزير ملك غرناطة، وهذا الحاج هو ابن الخطيب الطبيب ومكتشف وباء الطاعون فأدى به طريقه إلى «أغمات، إلى قبر المعتمد واعتماد، وذلك في سفح تل تكسوه زهرة اللوتس وعندما وقف أمام القبور المهدمة الموحشة وعيناه تذرفان الدموع ارتجل أبياتاً منها: قد زرت قبرك عن طوع بأغمات ... رأيت ذلك من أولى المهمات وذيل الكتاب بقوله إنه سيعود إليها «إن شاء الله ربي» أو شاء ابن عمار. ولما علم ابن عمار بالأمر وجه إليه أبياتاً منها: مولاي عندي لما تهوى مساعدة ... كما يتابع خطف البارق الساري والمعتمد يعرف تماماً أن الصديق يدرك تماماً الإدراك مدى حبه لاعتماد، وأن هذا الحب جعل منه عبداً لاعتماد. وبالرغم من أنها لم تكن مثقفة ثقافة عالية أو تربت تربية خاصة إلا أنها سحرته وقد ملك كل ما فيها قلبه. إنها ذكية نبيهة وشاعرة موهوبة، هذا فضلاً عن مرحها وطفولتها وما يبدو منها أحياناً من دلع ودلال. ففي أحد أيام شهر فبراير شاهدها تبكي في أحد نوافذ القصر وهي تشاهد الثلج يتساقط من السماء فسألها المعتمد عن سبب بكائها فأجابته: «إنك طاغية جبار غشوم، انظر إلى جمال ندف الثلوج البارقة اللينة العالقة بغصون الأشجار، وأنت أيها الناكر للجميل لا يخطر ببالك أن توفر لي مثل هذا المنظر الجميل كل شتاء ولا تصحبني إلى بلد يتساقط فيه الثلج في الشتاء» فسارع المعتمد وجفف دموعها قائلاً: «لا تحزني ولا تستسلمي لليأس يا سلوة النفس ومنية القلب فإني أعدك وعداً صادقاً أنك سترين هذا المنظر الذي أدخل على قلبك السرور كل شتاء، وأمر بزرع أشجار اللوز على جبل قرطبة حتى إذا نور زهره بدت الأشجار وكأنها محملة بقطع الثلج الناصعة البياض. ومن مشهور أخبارها مع المعتمد القصة المعروفة في قولها: «ولا يوم الطين»، وذلك أنها رأت الناس يمشون في الطين فاشتهت المشي فيه فأمر المعتمد فسحقت أشياء من الطيب وذرت في ساحة القصر حتى عمته ثم نصبت الغرابيل وصب فيها

стр. 419

ماء الورد على أخلاط الطبيب وعجنت بالأيدي حتى عادت كالطين وخاضتها مع جواريها، وغاضبها في بعض الأيام فأقسمت أنها لم تر منه خيراً قط فقال لها: «ولا يوم الطين» فاستحيت واعتذرت. وكان المعتمد متيماً باعتماد لا يتردد في الركوع أمامها واسترضائها، لم يكن يهمه أنها كانت فتاة من الشعب، وأنها ولدت في أفقر الأحياء بينما ولد هو في قصر، كذلك كان حال الحاكم الأموي «الحكم الأول» حوالي عام ٨٠٠ م حيث كان أميراً على الأندلس. فبالرغم من قسوته وجبروته كان أمام جميلات قصره ضعيفاً كالأسير الذليل، كذلك كان في شرق العالم الإسلامي الخليفة هارون الرشيد وخليفة قرطبة سليمان حفيد عبد الرحمن الأكبر. إن الشعب العربي شعب شعراء وغزلياته لم تكن رياء ونفاقاً بل حقيقة تعبر عن شعور حقيقي، وإن الضعف أمام الحبيبة لم يكن أقل من الخضوع والتوسل إلى الله وإن صلة الإنسان بحبيبته لم تكن تخالف صلته بخالقه. إن العربي في صحرائه التي لا تعرف إلا اللانهائية كان يدرك تفاهته بالنسبة للبيئة التي يعيش فيها وضعف قواه وإرادته، كما يؤمن بأن وجوده يتوقف على إرادة القوى العظيم، لذلك وصف الله بأنه الرحمن الرحيم، وهاتان هما أهم صفاته، ولن يستطيع إنسان بلوغ رحمة الله إلا عن طريق التواضع والاستسلام له، لذلك كان المسلمون الحقيقيون هم «المسلمين» وعن طريق التواضع يفرق بين المؤمن وغير المؤمن. الإسلام هو الاستسلام لله وإرادته وأن يصير الإنسان عبداً لله. فهذه الصفات التي يتصف بها الحب الإلهي، انعكست على الشعر العربي الغزلي، وهذه الظاهرة ندركها حتى في الغزل الجاهلي. ولعل من أقدم وأنبل أنواع الحب والغزل ذلك النوع المعروف باسم الحب العذري نسبة إلى قبيلة بني عذرة الذين يموتون عندما يحبون. وهذا النوع قد يشبه الحب الأفلاطوني عند اليونان، وكان لهذا الحب الأفلاطوني في أوربا الأوقات الخاصة وذلك عندما يجد العرب نوعاً من الحب الذي يتحكم فيه العقل، وقد انتشر على طول حدود العالم الإسلامي حيث انتشر هذا الحب العذري، فنجد أمثال جميل بثينة يغني في الحب أي حب بثينة، حيث

стр. 420

يعتقد أنها له وأنه لها منذ أول الخليقة، وهي فكرة تذكرنا بحب «جوته» للسيدة «فون شتين». إلا أن المحبين لا يتغلب كل منهما على قبيلته والموقف العدائي لكل قبيلة من الأخرى. لكن حبه يقضى على الزمان والمكان، إنه حب قوي عنيف إلا أنه بالرغم من ذلك قنوع متواضع حيث يتوسل إلى حبيبته التي لا ينالها معتقداً أنها له ولا لشيء أرضى حتى الموت يربطه ويتصل به أو يقضي على هذا الحب. وهناك نوع آخر من الحب هو ذلك الذي نجده بين الحارث بن عوف شيخ قبيلة مرة وبين بهيسة، وبالرغم من قوة الحارث كان يضعف ويخضع لحبيبته التي كانت في حين لآخر تريد أن تفرض عليه إرادتها وقوتها. وحوالي عام? ? ? م نجد هذا النوع من الحب العذري حب جميل نجده عند عباس ابن الأحنف في قصر هارون الرشيد لإحدى جواري هارون الرشيد مثلها مثل عباس بن الأحنف ذاته، إلا أنها تتفوق عليه لجمالها وعفتها؛ لذلك قال إذا عبد إنسان كائناً لجماله فملكتي يجب أن تكون إلهاً. وبالرغم من أنها جارية عادية فإنه كان يقدسها كما لو أنها كائن سماوي رحمته أو قست عليه، وكما أن المسلم عبدالله فهو عبدها المخلص الأمين. وكانت الحبيبة تسيطر على فؤاده، واستسلامه لها هو الذي يرفعه ويسمو به. أما «أوفيد» العرب في الغزل فهو على بن حزم (٩٩٤ - ١٠٦٤) ولو أنه أصلاً من أسرة غوطية غريبة اعتنق الجيل الرابع منها الإسلام، وكان يعيش عيشة عربية وتزوج عربية وتقلد أسمى المناصب في بلاط قرطبة، ويدعى العرب أنه زور في نسبه، وأنه يقول إنه انحدر من مولى أعتقه الخلفاء الأمويون في دمشق. ومثل هذه الأخبار ليست نادرة، لكن النادر حقاً أن دخيلاً على العرب تتقمصه الروح العربية والعقلية العربية مثل ابن حزم، هذا الشاعر الغزلي العذري وإلى جانب ذلك كان فيلسوفاً وصوفياً، ففي كتابه الشهير حول الحب نظرياً وعملياً، والمعروف باسم» طوق الحمامة» يعترف بأن الاستسلام للحبيب موقف يعجز الوصف عن تصويره، وتخرس الألسنة عن التعبير عنه كما سبق أن تبينا هذا من عباراته وشعره.

стр. 421

فهذا الحب العذري نجده أيضاً في الأندلس وقد عبر عنه ابن حزم بقوله: «ثم هجر يوجبه العتاب لذنب يقع من المحب، وهذا فيه بعض الشدة لكن فرحة الرجعة وسرور الرضى يعدل ما مضى، فإن لرضى المحبوب بعد سخطه لذة في القلب لا تعدلها لذة وموقفاً من الروح لا يفوقه شيء من أسباب الدنيا، وهل شاهد مشاهد أو رأت عين أو قام في فكر ألذ وأشهى من مقام قد قام عنه كل رقيب وبعد عنه كل بغيض وغاب عنه كل واش واجتمع فيه محبان قد تصارما لذنب وقع من المحب منهما وطال ذلك قليلاً وبدأ بعض الهجر ولم يكن ثم مانع من الإطالة للحديث فابتدأ الحب في الاعتذار والخضوع والتذلل والأدلة بحجته الواضحة من الإدلال والإذلال والتذمم بما سلف فطوراً يدلي ببراءته وطوراً يرد بالعفو ويستدعى المغفرة ويقر بالذنب ولا ذنب له، والمحبوب في كل ذلك ناظر إلى الأرض يسارقه اللحظ الخفي، وربما أدامه فيه ثم يبسم مخفياً لتبسمه وذلك علامة الرضى، ثم ينجلي مجلسهما عن قبول العذر ويقبل القول. وامتحت ذنوب النقل وذهبت آثار السخط ووقع الجواب بنعم وذنب مغفور، ولو كان فكيف ولا ذنب وختما أمرهما بالوصل الممكن وسقوط العتاب والإسعاد وتفرقا على هذا. هذا مكان تتقاصر دونه الصفات وتتلكن بتحديده الألسنة. ولقد وطئت بساط الخلفاء وشاهدت محاضر الملوك، فما رأيت هيبة تعدل هيبة محب لمحبوبه، ورأيت تمكن المتغلبين على الرؤساء وتحكم الوزراء وانبساط مدبري الدول، فما رأيت أشد تبجحاً ولا أعظم سروراً بما هو فيه من محب أيقن أن قلب محبوبه عنده ووثق بميله إليه وصحة مودته له. وحضرت مقام المعتذرين بين أيدي السلاطين ومواقف المتهمين بعظيم الذنوب مع المتمردين الطاغين فما رأيت أذل من موقف محب هيمان بين يدي محبوب غضبان قد غمره السخط وغلب عليه الجفاء، ولقد امتحنت الأمرين وكنت في الحالة الأولى أشد من الحديد وأنفذ من السيف لا أجيب إلى الدنية ولا أساعد على الخضوع، وفي الثانية أذل من الرداء وألين من القطن أبادر إلى أقصى غايات التذلل لو نفع وأغتنم فرصة الخضوع لو نجع وأتحلل بلساني فأغمض على دقائق المعاني ببياني وأفنن القول فنوناً وأتصدى لكل ما يوجب الترضي». وأقوى من هذا ويتفق لفظاً وتصويراً عرض المرأة المثالية التي ترتفع حتى تبلغ

стр. 422

مستوى الآلهة بين «دانتي» وابن عربي (١١٦٥ - ١٢٤٠). وليس صدفة أن هذا الصوفي الأندلسي من مرسية الذي كان معاصراً لفريدريش الثاني، والذي عاش مائة عام سبقت الشاعر الإيطالي اللاهوتي، قد اقتبس «دانتي» الشيء الكثير من مؤلفاته فحب «دانتي» «باتريس» أخذ يتطور في عقلبته حتى جاء بها إلى الجنة، ومن ثم أخذ ينتقل من مرحلة إلى أخرى، فصوره مأخوذة عن ابن عربي، بل حتى بباتريس لها سابقتها وهي الجميلة «نظام» ابنة ابن رستم في مكة فقد اتخذها مصدر وحيه الشعر في ديوانه، إنها معقد آماله ومصدر تفكيره وإن كل اسم اختاره يشير إليها وكل بيت في الرثاء لها إلا أنه كان يذكر دائماً أن الله هو مصدر الوحي والإلهام لأنه يجب على الإنسان أن يؤثر الآجلة على العاجلة، وقد اقحم شراح بن عربي وخصومه في شعره الصوفي ما قاله في نظام، ويعبر حقيقة عن حبه العذري الظاهر كما فعل «دانتي» فيما بعد. فالرفع من مكانة المرأة العربية والسمو بها إلى مكانة قريبة من الذات الإلهية دليل قوي بالرغم من انتشار نظام الحريم على مكانتها الحرة في المجتمع. فالنساء الأندلسيات كن يتمتعن بقسط وافر من المساواة وكن يساوين الرجال كما كان لهن حظ وافر من الحرية والعمل في المجتمعات سواء كن من السيدات أو فتيات عاديات بل حتى الجواري كن بفضل هذه الحرية التي يتمتعن بها يتساوين مع الرجال في الحياة العامة. فقد شاركنهم الحياة العقلية فألفن كتب علمية كما قلن الشعر وكتبن النثر وألقين الخطب وتفنن في مختلف فنون الشعر حتى الغزل فعبرن عن حبهن وكن وحالهن هكذا يشبهن تماماً الجاهليات. وقد جاءتنا أخبار ستين سيدة اشتهرن بقول الشعر، كما وصلنا ديوان كامل لشاعرة من الشاعرات الشهيرات. والتاريخ الأندلسي يعرف أسماء شاعرات عديدات بلغن في قولهن الشعر صيتاً بعيداً، ومن بينهن هذه الجميلة التي نبغت في إجادة الشعر والعزف على العود. وكذلك الشاعرة العظيمة حفصة التي اشتهرت بحبها للشاعر أبي جعفر وذاع صيتها وصيت هذا الحب في جميع أنحاء الأندلس. ثم نجد الأميرة «أمر الكرام» والمغنية التي غنت أمير الأندلس الولهان المسمى المنصور حيث أبانت عن حبها دون خجل لوزيره، ولما أدركت غيرته عليها وغضبه انتقدت نفسها ببيت شعر.

стр. 423

ومن بين شهيرات الشاعرات الأميرة «ولادة» وقد ذكر عنها عربي أنها كانت أول عربية سيدة في عصرها فقد كانت سافرة تحتقر الحجاب فضلاً عن طبيعتها الملتهبة، وكانت هذه خير وسيلة تظهر فيها طبيعتها وطبائعها الظاهرة والخافية، فضلاً عن جمال وجهها وحميد أخلاقها وصفاتها، وقد كان بيتها في قرطبة ملتقى الأشراف الذين كانوا يتنافسون في إنشاد الشعر، كما قصده العلماء والكتاب واشتهرت بالكرم وحسن الأخلاق وحدة الذهن. تحت رعاية مثل هذه الأديبة الشاعرة انتشر الشعر العربي الغزلي الأندلسي فتخطى الحدود إلى أوربا، وإلى مثل هذه السيدة وجه الصوفي ابن الفارض غزله وشعره وقصيدته التي مطلعها: ته دلالاً فأنت أهل لذاكا ... وتحكم فالحسن قد أعطاكا إن أوربا لم تعرف في تاريخها مثل هؤلاء الناس. لم يظهر في أوربا شاعر عبر عن حبه بهذه الطريقة، لم تعرف أوربا محباً ركع أمام حبيبته وسجد على أعتابها راجياً رضاها. لم يسلك هذا المسلك أمثال «أنا كريون» أو «ثيوكريت» أو «سافو» أو «أفلاطون»، فهؤلاء لم يعرفوا الخضوع والخشوع أمام هذه الحبيبة التي تتمتع بهذا الحب الإلهي. هذه الحبيبة التي تتوقف الحياة أو الموت عليها. كذلك لم يعرف «أوفيد» بالرغم من أنه كان أستاذ الشعر الغرامي هذا النوع العربي. وكذلك الحال مع الشعراء الجرمان وتقديمهم للمرأة، فقد كان يعتمد على المساواة بين الرجل والمرأة أو احتقار ابنة حواء الخاطئة، فكيف حدث أن ظهر في جنوب فرنسا أولا الهر زوج فلهلم التاسع هر زوج (إكريتانين وبواتييه) ومعه بغتة جيش من المغنين يغنون أغاني تدل على أنهم العبيد المخلصون والخدم الأوفياء للسيدة، وأنهم بخضوعهم وتواضعهم وطاعتهم يبلغون عطف السيدة ولو أنها في الحقيقة كائن غير ذي شخصية؟ إن المرأة قد خضعت لقوة الرجل ربما بسبب خطيئتها، والكنيسة تحتقر المرأة لأن احترامها يتعارض والذات الإلهية وبخاصة الزوجة ليست هذه التي لم يصبها العار عار اتصالها برجل بل هي عذراء، فالآن أصبحت وللمرة الأولى تخاطب وتعامل

стр. 424

وكأنها كائن سماوي قريب من الله أو شبيهة به بل كنائبة عن الله بل يصلي لها وكأنها إله فهي تخاطب بعبارة «السيدة المحترمة» «الرحيمة» «العطوف» وهي التي تمنح الرحمة للفارس المتواضع، وحتى الشعر الديني كان يخاطب «أم الله على أنها الخادمة المطبعة والخادمة السيد». بدأت النظرة إليها تتغير فأصبحت تخاطب بعبارة «الحبيبة، السيدة الوقور» وهي التي يجثو تحت قدميها العظماء وبعطفها يرتفع مقدارهم. فهذه الفكرة أخذت تنتشر مثل الزوبعة أو الإعصار في المجتمعات الموجودة في الأقاليم ومنها إلى مختلف أرجاء فرنسا فإيطاليا فصقلية فالنمسا وألمانيا. إن الألفاظ أصبحت كأوراق الشجر تشبه في عروضها وقافيتها أصولها العربية، وفي أول العهد كانت عادة إخفاء اسم الحبيبة سائدة كما هو الحال عند عباس بن الأحنف، ويعوض عن اسمها باسم آخر مصطنع، وقد يكون اسم ذكركما نجد كثيراً من مميزات الشعر العربي الغنائي. لكن يجب أن نذكر هنا أن الشيء الأصيل عند العربي أصبح هنا في أوربا شيئاً مستحدثاً فعندما يؤكد التروبادور أنه لا يوجد شيء يسعده مثل صيرورته في قبضتها وتحت سلطانها وأن يصير عبداً لها، تعتبر مثل هذه التعبيرات عبارة عن ألفاظ شعرية فقط، وذلك لأن مكانه قائلها كفارس أو سيد لا تقل اجتماعيا عن زوجها فهي عبارة من عبارات الآداب التي تستخدم عادة بين الرجال والنساء في المجتمعات. أما الخضوع العربي فما هو إلا نصائح كنصائح «أوفيد» وهي عرض خدمات النساء أو إظهار التقدير لهن بخلاف الحال في أوربا حيث تعتبر هذه المعاملة من مقومات المجتمع بين الرجال والنساء. وقد اهتدى العالم «بورداخ» إلى أن الشعر الغزلي الغنائي الأندلسي هو أصل الأوربي، وهذا الرأي ما زال إلى يومنا قائماً. ومثل هذا الفن الأدبي العربي يمثل الثروات العقلية الأخرى التي وجدت طريقها إلى أوربا. وموقع الأندلس جغرافياُ وسياسياُ ساعدها على القيام بهذه الرسالة.

стр. 425

المسالك في أوربا إن مقدرة ملك قسطيليا وليون على لعبة الشطرنج يعتبرها ابن عمار، صديق المعتمد ووزيره الأول، شيئاً بدها، وذلك بسبب كثرة الاتصالات بين الملوك المسلمين والمسيحيين وجرأة «ألفونس» السادس على اللعب قد اكتسبها من زياراته المتعددة لقصر الكافر العنة الله عليه» (! ! ) إلا أن هزيمته أمام العربي كانت شيئاً طبيعياً، فالعربي ماهر جداً في لعبة الشطرنج العربية وهذا شيء بدهي ومؤكد حتى كان في استطاعته أن يراهن بمملكة إشبيلية، وقد خسر ألفونس السادس ملك قسطيلية وليون اللعبة، وهكذا أنقذت دولة المعتمد مرة أخرى ليس عن طريق السلاح بل بالعقل، وهكذا ترك ابن عمار خيمة العدو وخلفه خدمه يحملون لوح الشطرنج عائداً إلى داره منتصراً. فقال باحتقار: نصف عربي! لقد اعتاد الإنسان أن يشاهد عربياً عند الجيران المسيحيين بعد أن أغلق المسيحيون دورهم في وجه العرب في القرن الأول من دخول المسلمين الأندلس، تعصباً منهم ضد العرب والمسلمين لكن لم يمض زمن طويل حتى تغيرت الأوضاع وتلاشى التعصب المسيحي ضد المسلمين؛ وذلك بسبب المنازعات الداخلية واحتياج كل إلى مساعدة خارجية، وإلى من سيلجأ أحدهم إذا ما فقد عرشه واضطر إلى ترك بلاده؟ ومن يساعد ذلك الذي فقد تاجه في سبيل استرداده؟ لذلك اضطر المسيحيون في نهاية الأمر إلى عقد محالفات مع المسلمين. ولا ينسى اليوم الذي نجد فيه السيدة
следующие страницы →