← Джавами‘

Джавами‘ · id 148533

مقالات الطناحي صفحات في التراث والتراجم واللغة والأدب

محمود محمد الطناحي

Полный текст (690 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وأبو حيان توفي نحو سنة ٤٠٠ هـ، فيتطرق الشك إذن إلى أمرين: الأول كون القصيدة قيلت في مدح عميدالملك الذي تأخرت وفاته كثيراً عن وفاة أبي حيان. الثاني: نسبة البيتين لابن زريق. ولما كنا لا نملك ما ندفع به الأمر الأول، برغم أن القصيدة ليس فيها ذكر لعميد الملك، لا من قريب ولا من بعيد، فإن الشك ينحصر في الأمر الثاني، وهو أن البيتين ليسا لابن زريق، ويقوي هذا دليلان: الأول: أن أبا حيان لم ينسب البيتين لقائل، لا لابن زريق ولا لغيره. الثاني: أن أبا منصور الثعالبي (١)، نسبهما مع بيتين يأتيان بعدهما في ترتيب القصيدة إلى الوأواء الدمشقي المتوفى نحو سنة ٣٨٥ هـ، والثعالبي حجة فيما يورده، لأنه يسجل أدب عصره، وقد أورد محقق ديوان الوأواء (٢) هذه الأبيات الأربعة عن الثعالبي، ووضعها في الزيادات التي ليست بأصل الديوان، ثم ذكر أن الأبيات من قصيدة ابن زريق، وأحال على كتاب «الكشكول» للعاملي. وإذا صح كلام الثعالبي فيكون ابن زريق قد ضمَّن هذه الأبيات الأربعة قصيدته التي لا شك في نسبتها إليه، أو أن بعض الرواة أقحم الأبيات على القصيدة، لاتفاق القافية والوزن والنفس الشعري. ولعل مما يتصل بهذه القضية أني وجدت أبياتاً للتهامي المتوفى سنة ٤١٦ هـ، شديدة الشبه بأبيات ابن زريق، أوردها أسامة بن منقذ (٣)، أولها: أستودع الله في أرض الحجاز رشا ... في روضة القلب مأواه ومرتعه ونأتي إلى من أثبت قصيدة ابن زريق، فأول من عرفت: أبو سعد السمعاني المتوفى سنة ٥٦٣ هـ، وذكر أبياتاً من القصيدة غير تامة، وبعده: أسامة بن منقذ المتوفى سنة ٥٨٤ هـ، وذكر من القصيدة عشرة أبيات، وصلاح الدين الصفدي المتوفى سنة ٧٦٤ هـ، وتاج الدين السبكي المتوفى سنة ٧٧١ هـ، وأبو بكر بن حجة

стр. 107

الحموي المتوفى سنة ٨٣٧ هـ، وبهاء الدين العاملي المتوفى سنة ١٣٠١ هـ (١)، وهؤلاء الأربعة ذكروا القصيدة كاملة، وانفرد السبكي وابن حجة بإيرادها بسندهما المتصل إلى ابن زريق. ومما ينبغي التنبه له أن هناك شاعراً آخر في القرن الرابع، عرف أيضاً بابن زريق، وقد ترجم له الثعالبي في اليتيمة، وأورد له شعراً، ولم يذكر له اسماً، إنما ذكره بكنيته، فقال: «أبو محمد بن زريق الكوفي الكاتب» (٢)، وأنشد له بيتين في مدح بغداد، في كتابه: «ثمار القلوب في المضاف والمنسوب» (٣)، وأنشد هذين البيتين أيضاً ياقوت الحموي في «معجم البلدان» عند كلامه على بغداد. وقد أنشد ابن خلكان البيت: أستودع الله في بغداد ... إلخ. ثم قال: وهذا البيت لمحمد بن زريق الكاتب الكوفي، من جملة قصيدة طويلة (٤). ومهما يكن من أمر فهذه رائعة ابن زريق، وقل أن أخلي بينك وبينها، وأقول: إن هذه القصيدة ليست كل ما تركه ابن زريق من إنتاج شعري، فقد وجدت له قصيدة جيدة في رثاء ديك، أوردها صلاح الدين الصفدي في كتابه «الوافي بالوفيات» ولعلي

стр. 108

أوفق في نشرها قريباً، ثم ذكر بروكلمان أن له أرجوزة في الأخلاق، مخطوطة في برلين، ومن يدري لعل له أشياء غير هذه وتلك، فكم في الزوايا من خبايا: [«عينية ابن زريق»] لا تعذلية فإن العذل يولعه ... قد قلت حقاً ولكن ليس يسمعه (١) جاوزت في لومه حداً أضر به ... من حيث قدرت أن اللوم ينفعه فاستعملي الرفق في تأنيبه بدلا ... من عذله فهو مُضنى القلب موجعه قد كان مضطلعاً بالبين يحمله ... فضلعت بخطوب البين أضلعه (٢) يكفيه من لوعة التفنيد أن له ... من النوى كل يوم ما يروعه (٣) ما آب من سفر إلا وأزعجه ... رأي على سفر بالعزم يجمعه كأنما هو من حل ومر تحل ... موكل بفضاء الأرض يذرعه (٤) إذا الزماع أراه في الرحيل غنى ... ولو إلى السند أضحى وهو يزمعه (٥) تأبى المطامع إلا أن تجشمه ... للرزق كدا وكم ممن يودعه وما مجاهدة الإنسان واصلةً ... رزقاً ولا دعة الإنسان تقطعه والله قسم بين الخلق رزقهم ... لم يخلق الله مخلوقاً يضيعه لكنهم ملئوا حرصاً فلست ترى ... مسترزقاً وسوى الغايت تقنعه والحرص في الرزق والأرزاق قد قسمت ... بغي ألا إن بغي المرء يصرعه والدهر يعطي الفتى ما ليس يطلبه ... يوماً ويطمعه من حيث يمنعه أستودع الله في بغداد لي قمراً ... بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه

стр. 109

ودعته وبودي لو يودعني ... صفو الحياة وأني لا أودعه وكم تشفع بي ألا أفارقه ... وللضرورات حال لا تشفعه وكم تشبث بي يوم الرحيل ضحى ... وأدمعي مستهلات وأدمعه لا أكذب الله: ثوب العذر منخزق ... عني بفرقته لكن أرقعه إني أوسع عذري في جنايته ... بالبين عنه وقلبي لا يوسعه أعطيت ملكاً فلم أحسن سياسته ... وكل من لا يسوس الملك يخلعه ومن غدا لابساً ثوب النعيم بلا ... شكرٍ عليه فعنه الله ينزعه اعتضت من وجه خلي بعد فرقته ... كأساً تجرَّع منها ما أجرَّعه كما قائل لي ذقت البين قلت له ... الذنب والله ذنبي لست أدفعه ألا أقمت فكان الرشد أجمعه ... لو أنني يوم بان الرشد أتبعه إنني لأقطع أيامي وأنفذها ... بحسرة منه في قلبي تقطعه بمن إذا هجع النوام بت له ... بلوعة منه ليلي لست أهجعه لا يطمئن بجنبي مضجع وكذا ... لا يمطئن له مُذ بنت مضجعه ما كنت أحسب ريب الدهر يفجعني ... به ولا أن بي الأيام تفجعه حتى جرى البين فيما بيننا بيد ... عسراء تمنعني حظي وتمنعه وكنت من ريب دهري جازعاً فرقاً ... فلم أوق الذي قد كنت أجزعه بالله يا منزل الأنس الذي درست ... آثاره وعفت مذ بنت أربعه هل الزمان معيد فيك لذتنا ... أم الليالي التي أمضته ترجعه في ذمة الله من أصبحت منزله ... وجاد غيث على مغناك يسرعه من عنده لي عهد لا يضيعه ... كما له عهد صدق لا أضيعه ومن يصدع قلبي ذكره وإذا ... جرى على قلبه ذكري يصدعه لأصبرن لدهر لا يمتعني ... به ولا بي في حال يمتعه علماً بأن اصطباري معقب فرجاً ... فأضيق الأمر إن فكرت أوسعه عسى الليالي التي أضنت بفرقتنا ... جسمي ستجمعني يوماً وتجمعه وإن تغل أحداً منا منيته ... فما الذي بقضاء الله يصنعه * * *

стр. 110

التحقيق (١) تحقيق النصوص علم له قوانينه وأعرافه ومصطلحاته وأدواته، وله جانبان: جانب الصنعة، وجانب العلم. فأما جانب الصنعة: فهو ما يتصل بجميع النسخ المخطوطة للكتاب المراد تحقيقه، والموازنة بينها واختيار النسخة الأم أو الأصل كما سنعرض له فيما بعد ٠ ثم ما يكون بعد ذلك من توثيق عنوان المخطوط واسم المؤلف، ونسبة المخطوط إليه، ونسخه والتعليق عليه، وتخريج شواهده وتوثيق نقوله وصنع الفهارس الفنية اللازمة، فهذا كله جانب الصنعة الذي يستوي فيه الناس جميعاً، ولا يكاد يفضل أحد أحدًا فيه، إلا بما يكون من الوفاء بهذه النقاط أو التقصير فيها. وأما جانب العلم في تحقيق النصوص: فهو الغاية التي ليس وراءها غاية، وهو المطلب الكبير الذي ينبغي أن تصرف إليه الهمم، وتبذل فيه الجهود، ولاء لهذا التراث العريق، وكشفاً لمسيرتنا الفكرية عبر هذه الأزمان المتطاولة. وتلخيص هذا الجانب الآن في هذه المحاضرة المحدودة عسر كل العسر، والتدليل عليه لا يكون إلا بالنظر في أعمال المحققين الأثبات، وقراءة حواشيهم، وسترون أن هؤلاء المحققين العلماء دائرون في قضايا العربية كلها التي يدور حولها النص، أصالة أو استطراداً، ثم تأملوا جريدة مراجعهم وستجدون أنها تكاد تغطي

стр. 111

المكتبة العربية كلها، فعدة المحقق هي الكتب في كل فن، لأنه في كل خطوة يخطوها مع النص مطالب بتوثيق كل نقل، وتحرير كل قضية، بل إن المحقق الجاد قد يبذل جهداً مضنياً لا يظهر في حاشية أو تعليق، وذلك حين يريد الاطمئنان إلى سلامة النص واتساقه، ولا يشفع له إذا كبا أو تعثر أنه متخصص في النحو فقط، أو في البلاغة فقط، فلا بد أن يكون على صلة باللغة والنحو والتفسير والحديث - متناً وسنداً - وعلم الكلام، والأصول والفقه، والأدب والبلاغة والعروض والتاريخ والبلدان (الجغرافيا) وسائر فروع العلم، إن لم يكن من طريق الإلمام الكامل - وهذا شاق بلا ريب - فمن طريق الأنس بكتب هذه الفنون، والدُّربة على التعامل معها والإفادة منها، ومعرفة مظنة العلم نصف العلم. وعلى ذلك فإن طالب الدراسات العليا حين يحقق نصاً تراثياً على هذا النحو، إنما يقول مادة علمية محررة، تقوم عليها دراسات الدراسين، فلا دراسة صحيحة مع غياب النص الصحيح المحرَّر. وكم رأينا من دراسات انتهت إلى نتائج غير صحيحة، لأنها اتكأت على نصوص محرفة، وأوضح ما نرى هذا في الدراسات الشعرية التي قامت على دواوين شعرية غير محققة. والتحقيق في اللغة: التصديق أو قول الحق، والإحقاق: الإثبات، يقال: أحققت الأمر إحقاقًا: أي أثبته وأحكمته وصححته. والجاحظ يسمي العلماء الأثبات: العلماء المحقين. (رسالة فصل العداوة والحسد - رسائل الجاحظ ١/ ٣٣٩)، والشريف الرضي يسمَّيهم «العلماء المحققين» (حقائق التأويل ص ٢٠). والتحقيق في اصطلاح نشر التراث: «هو أن يؤدَّى الكتاب أداءً صادقاً كما وضعه مؤلفه كماً وكيفاً بقدر الإمكان»، والكتاب المحقق: «هو الذي صح عنوانه واسم مؤلفه ونسبة الكتاب إليه، وكان متنه أقرب ما يكون إلى الصورة التي تركها مؤلفه». ولتحقيق هذه الغاية لا بد من إجراءات علمية تدور على النقاط التالية: ١ - تحقيق عنوان الكتاب.

стр. 112

٢ - تحقيق اسم المؤلف. ٣ - تحقيق نسبة الكتاب إلى مؤلفه. ٤ - تحقيق متن الكتاب حتى يظهر بقدر الإمكان مقارباً لنص مؤلفه. والخطوة الأولى في تحقيق الكتاب هي: جمع قدر معقول من مخطوطاته، والموازنة بين نسخ هذه المخطوطات لاختيار النسخة الأصل أو النسخة الأم، والنسخ المساعدة، ويتم اختيار هذه النسخة الأصل وفق معايير معينة، هي على هذا الترتيب: ١ - أن تكون النسخة بخط المؤلف، أو تكون من إملائه على أحد تلاميذه، أو تكون قد سمعت عليه، أو أجاز روايتها عنه، على أن يثبت في أول النسخة أو آخرها ما يدل على ذلك. ٢ - أن تكون النسخة مأخوذة عن النسخة السابقة التي هي الأصل، أو تكون فرع فرعها. ٣ - إذا فقدت نسخة المؤلف أو النسخة المنقولة عنها - وهي فرعها أو فرع فرعها - فيكون المعيار العام في تفضيل نسخة على أخرى هو قدم تاريخ النسخ، وقربه من عصر المؤلف، مع سلامة المتن وصحة النسخ. ويدور عمل المحقق بعد أن ينسخ الكتاب من الأصل المخطوط الذي اختاره وارتضاه، وبعد المقابلة على النسخ الأخرى، على جملة من التعليقات، هي: ١ - ذكر فروق النسخ، ولا يذكر من هذه الفروق إلا ما له وجه ومعنى. ٢ - تخريج النصوص (قرآن - حديث - شعر - مثل). وتخريج النصوص هو الدلالة على مواضعها في مصادرها. ٣ - توثيق النقول التي صرح المؤلف بنسبتها إلى أصحابها، أو التي سكت عنها، ثم عرف المحقق أصولها وأصحابها.

стр. 113

٤ - التعريف بالأعلام والأماكن، ولا يعرف منهما إلا ما كان مجهولًا أو قليل الشهرة. ٥ - الشروح اللغوية للألفاظ الغربية، ويتصل بها شرح المصطلحات، والإشارات التاريخية. وواضح أن تعليقات المحقق التي تقوم على هذه النقاط الخمس، ينبغي أن تكون في دائرة إضاءة النص وتوضيحه فقط، فلا يصح أن يتوسع فيها حتى تخرج إلى التفسير الكامل، فتحقيق النصوص ليس شرحاً لها. ويسبق هذا العمل عمل ويقفوه عمل، فأما الذي يسبقه فهو ترجمة لمؤلف الكتاب، على المنهج المعروف عند أئمة التحقيق، ثم حديث عن الكتاب المحقق، ومكانه في الفن الذي يدور حوله، تأثراً وتأثيراً، ثم مكانة الكتاب في المكتبة العربية على وجه العموم. وأما الذي يقفوه فهو فهارس فنية تكشف عن كنوز الكتاب وفوائده، وتجرى هذه الفهارس على النحو الذي عرف عند شيوخ صنعة التحقيق. ويستعمل مصطلح التحقيق مرادفاً لمصطلح «التصحيح» أو «النشر»، وفي بداية الطباعة العربية لم يعرف هذا المصطلح «التحقيق»، ولعل أول من استعمله ووضعه على صدر الكتب التي نشرها هو: أحمد زكي باشا، شيخ العروبة، المتوفى سنة ١٣٥٣ هـ - ١٩٣٤ م، وذلك فيما نشره من هذه الكتب: الأصنام، لابن الكلبي ١٣٣٢ هـ - ١٩١٤ م، والتاج في أخلاق الملوك، المنسوب للجاحظ، في السنة نفسها، وأنساب الخيل، لابن الكلبي، الذي طبع بعد وفاته سنة ١٣٦٥ هـ - ١٩٤٦ م. وقد مرَّ تحقيق التراث أو نشره في الديار المصرية بأربع مراحل . المرحلة الأولى: مطبعة بولاق والمطابع الأهلية. وفي هذه المرحلة نشرت النصوص التراثية

стр. 114

فقط خالية من دراسة الكتاب وترجمة مؤلفه وذكر مخطوطاته وفهرسته، لكن النشر في تلك المرحلة اتسم بالدقة المتناهية والتحرير الكامل، وكان يقوم على التصحيح (التحقيق) فئة من أهل العلم، يأتي على رأسهم الشيخ نصر الهوريني، والشيخ محمد بن عبد الرحمن، المعروف بقطة العدوي، كما شمل النشر في تلك المرحلة أصول التراث العربي كله، دون تخير إلى مذهب أو اتجاه. المرحلة الثانية: عنيت هذه المرحلة إلى حد ما بجمع النسخ المخطوطة للكتاب المراد نشره، وذكر ترجمة المؤلف ، وبعض الفهارس، وتعرف هذه المرحلة بهذه الأسماء: محمد أمين الخانجي، ومحب الدين الخطيب، ومحمد منير الدمشقي، وحسام الدين القدسي. المرحلة الثالثة: مرحلة دار الكتب المصرية. وفي هذه المرحلة أخذ تحقيق الكتب ونشرها يتجه إلى النضج والكمال، من حيث جمع النسخ المخطوطة من مكتبات العال م، وإضاءة النصوص ببعض التعليقات والشروح، وصنع الفهارس التحليلية الكاشفة لكنوز الكتب، وما يسبق ذلك كله من التقديم للكتاب وبيان مكانه في المكتبة العربية. وقد تأثر هذا المنهج إلى حد ما بمناهج المستشرقين الذين نشطوا إلى نشر تراثنا وإذاعته من القرن الثامن عشر الميلادي. وقد وقف على رأس هذه المرحلة أحمد زكي باشا، شيخ العربة. المرحلة الرابعة: مرحلة الأفذاذ من الرجال، وهي مرحلة الأعلام: أحمد محمد شاكر، ومحمود محمد شاكر، وعبد السلام محمد هارون، والسيد أحمد صقر . وقد دخل هؤلاء الرجال ميدان التحقيق والنشر مزوَّدين بزاد قوي من علم الأوائل وتجاربهم،

стр. 115

ومدفوعين بروح عربية إسلامية عارمة، استهدفت إذاعة النصوص الدالة على عظمة التراث، الكاشفة عن نواحي الجلال والكمال فيه. ومن أعظم آثار هذه المرحلة تحقيق هذه الكتب العالية: الرسالة، للشافعي، وطبقات فحول الشعراء، لابن سلام، والبيان والتبيين، والحيوان، للجاحظ، وتأويل مشكل القرآن لابن قتيبة، وإعجاز القرآن للباقلاني. وقد أثرت هذه المرحلة تأثيراً كبيراً، في كل مكان نشر فيه تراث عربي. وفي العقود الأربعة الأخيرة أفسحت الجامعات العربية صدرها لتحقيق المخطوطات سبيلًا للحصول على الشهادات الجامعية العليا (ماجستير - دكتوراه)، لكن الجامعات العربية حين فعلت ذلك لم تزود الطالب بما يعينه على تحقيق ذلك النص، من معرفة لمناهج التحقيق، وقراءة المخطوطات المشرقية والمغربية، وتوثيق النقول وتخريج الشواهد، وصنع الفهارس، وحدود التعليق على النص، والتقديم له، ثم الوقوف على أمهات المراجع العربية، في فنون التراث المختلفة، ومعرفة التعامل معها، والإفادة منها. وكان مأمولًا أن تثمر تلك الجهود التي بدأها شيخنا عبد السلام هارون ﵀، في دار العلوم، والأستاذ مصطفى جواد ﵀، في كلية الآداب بجامعة بغداد، تلك الجهود التي استهدفت تعريف الطلاب بفن تحقيق النصوص ومناهجه، من واقع تجارب الشيخين، ولكن تلك الجهود، لم تتم ولم يكتب لها الشيوع. ولم تبق إلا تلك الإشارات العاجلة الخاطفة عن تحقيق النصوص، والتي تجيء في ثنايا مادة «مناهج البحث» التي تدرس للطلبة في السنة المنهجية المؤهلة للدراسات العليا، ومعظمها مما يسقط إلى أساتذة هذه المادة من الترجمات الغربية، ومن منظور اسشراقي بحت. فلم يجد الطالب الذي يتصدى لتحقيق نص سبيلًا أمامه إلا أن يركض هنا وهناك، ويتخبط بين منهج ومنهج ولا يخرج بشيء، لأنه دخل بغير شيء. وقد كان موقف بعض الجامعات العربية من تحقيق النصوص، موقفاً غربياً

стр. 116

متناقضاً، فهي قد قبلته طريقاً للحصول على الماجستير والدكتوراه، ثم رفضته في أعمال الترقيات العلمية (يحلوُّنه عاماً ويحرَّمونه عامّاً) -. وليست الترقية العلمية أشد خطراً من إجازة الدكتوراه. وكانت حجة الرافضين أن تحقيق النصوص قد اتخذ مركباً سهلًا. وهذا حق، ولكن ما هكذا تكون الأحكام عامة مطلقة، والأولى أن يقال: إن تحقيق النصوص عمل من الأعمال العلمية، جيَّدة جيَّد، ورديئه رديء. ومهما يكن من أمر: فقد كانت مشاركة الجامعات العربية في تحقيق النصوص سبيلًا لإظهار بعض النصوص التي لا يقبل عليها الناشرون كثيراً، ولا يهتمون بها، لأنها لا تحقَّق ربحاً، لقلَّة جمهورها من القراء. والله أعلم. * * *

стр. 117

محمد مرسي الخولي .. والبنيان الذي تهدم (١) جاء نعيه من القاهرة، فلفَّني حزن أسود كثيب، وغشي نفسي ما غشاها، ثم استرجعت وسألت ربي أن يُذهب عني ما أجد، من الجزع المردي، والأسى الماحق؛ فإن فقد الأحباب مما يكوي الفؤاد، ويهد النفس هدّاً! وسبحان من تفرد بالبقاء. لقد كان محمد مرسي الخولي آخر حارس من حراس معهد المخطوطات، هذا الصرح الشامخ الباذخ، الذي قدم للتراث الإسلامي والعربي الكثير. إن من أوجب الواجبات أن يكتب تاريخ هذا المعهد، الذي صان التراث وجمعه وحفظه، وإنه من حق الأجيال أن تعرف تاريخ أبنائها الأبرار، الذين عرفوا لتراثهم حقه من الإجلال والتكرمة. نعم من حق الأجيال أن تعرف ماذا صنع: أحمد أمين، ويوسف العش، ومحمد بن تاويت الطنجي، وصلاح الدين المنجد، وعبد الحليم النجار، وخليل عساكر، وعبد العزيز الأهواني، وفؤاد سيد، ورشاد عبد المطلب، وحمد الجاسر، وخير الدين الزركلي، ثم عبد الفتاح الحلو، ومحمد مرسي الخولي. رحم الله من مضى، وأطال عمر من بقي، وعسى ألا يكون سقط علي من أسماء هؤلاء الرواد أحد؛ فإني أتكلم عن هؤلاء الذين عملوا في دائرة معهد المخطوطات، وظيفة فيه، أو قرباً منه، أو دعماً له. لقد أنشئ معهد المخطوطات، منذ نحو خمسة وثلاثين عاماً، تابعاً للإدارة

стр. 118

الثقافية بجامعة الدول العربية بالقاهرة، وقد كان يحدو المنشئين له، والقائمين عليه، غرض نبيل: وهو تلمس المخطوطات العربية في مظانها، وتصويرها، ثم فهرستها، ووضعها أمام الدارسين. وقد رسم معهد المخطوطات لنفسه منهجاً دقيقاً، فأقام لجنة عكفت على موسوعة «بروكلمان» العظيمة «تاريخ الأدب العربي» واستخرجت نفائس المخطوطات، وأسماء المكتبات التي تحتفظ بها، وكان من أعضاء هذه اللجنة أستاذنا الكبير الدكتور خليل عساكر، والمرحوم الدكتور عبد الحليم النجار، وهما من هما في فقه العربية والألمانية، والدكتور عبد الحليم ﵀، كان من فضلاء هذا الزمان، وهو مترجم كتاب «العربية» ليوهان فك، وقد ترجم، أيضاً، للإدارة الثقافية بجامعة الدول العربية، الأجزاء الثلاثة الأولى من «تاريخ الأدب العربي» لبروكلمان، ثم أعجلته المنية عن إتمامه، وهو أيضاً شقيق الشيخ محمد علي النجار، الذي كان يقال له: سيبويه العصر، وهو محقق «الخصائص» لابن جني، وقد أخبرني المرحوم فؤاد سيد - وكان مخالطاً للرجلين - أن معرفة الدكتور عبد الحليم بالنحو العربي قد تفوق معرفة أخيه، على جلالة قدره. تنبيه: «ما أكتبه عن تاريخ معهد المخطوطات إنما أكتبه عن قرب ومعايشة؛ لأني قد علمت فيه نحو خمس عشرة سنة، لكن أستاذي الكبير الدكتور خليل عساكر أخبرني أن الذي اشترك معه في لجنة «بروكلمان» هو الدكتور عبد العزيز الأهواني، ﵀، وكان هذا من رواد الدراسات الأندلسية في العالم العربي». وأعود إلى ما كنت آخذاً فيه، فأقول: انصرف رجال معهد المخطوطات إلى عملهم الجاد في صمت وصبر، وكان المقابل المادي زهيداً جداً، وإن تعجب فعجب أن الواحد منا، الآن، يكتب صفحتين اثنتين، أو يذيع حديثاً مدته عشر دقائق عن التراث، ويتقاضى عن هذا وذاك ما كان يتقاضاه، هؤلاء الأعلام في شهور! وسبحان من قدر الأرزاق، وقسم الحظوظ: وليس الغنى والفقر من حيلة الفتى ... ولكنْ أحاظٍ قسَّمت وجدود

стр. 119

انطلقت بعثات معهد المخطوطات إلى أماكن وجودها، فصورت نفائس مخطوطات الهند، وتركيا، والقدس، والشام، والمغرب، والمملكة العربية السعودية، واليمن، وسائر البلدان العربية، ثم ما أتيح لها من مكتبات أوروبا وأمريكا، وصورت نوادر مكتبات القاهرة: دار الكتب المصرية، والمكتبة الأزهرية، والبلدية بالإسكندرية، وسوهاج، ودمياط وطنطا. ثم صبَّت كل ذلك في مكتبة المعهد بالقاهرة، وقدمت للدارسين زاداً طيباً، انتفع به المخلصون، وربح منه الرابحون. وحين أفسحت الجامعات العربية صدرها لتحقيق التراث، حصولًا على شهادتها العليا، كان معهد المخطوطات ملجأ وملاذاً، فزع إليه الدارسون، فأمدهم بالأصول، ودلهم على المراجع، وربط بينهم وبين الهيئات العلمية خارج مصر. وفي السنوات الأخيرة كاد عمل موظفي معهد المخطوطات يخلص لخدمة طلاب الدراسات العليا، وقد ذكرهم من ذكر، ونسيهم من نسي، وعند الله في ذلك الجزاء. ولقد كان محمد مرسي الخولي واحداً من هذا النفر الكريم الذين أخلصوا لمعهد المخطوطات، وقدموا للمتردَّدين عليه أجل الخدمات. تخرَّج، ﵀، في كلية اللغة العربية، من كليات الأزهر الشريف، وبعد تخرجه عمل مصححاً بدار المعارف بمصر، وهناك أشرف على كثير من مطبوعات «سلسلة ذخائر العرب». وتصحيح الكتب كان ولا يزال المدرسة الأصلية لتخريج العلماء، وفي هذه المدرسة تخرج الأخوان الفاضلان الدكتور عبد الفتاح الحلو، والدكتور مصطفى عبد الواحد؛ فقد عملا زماناً بمطبعة عيسى البابي الحلبي، هذه الدار العريقة في نشر الكتب، وقد صحح الأخوان كثيراً من كتب التراث كانت لهما عدة وعتاداً فيما استقبلاه، بعد ذلك، من أعمال.

стр. 120

وفي دار المعارف، حيث عمل الفقيد العزيز، وقعت عليه عين فاحصة، هي عين الدكتور صلاح الدين المنجد، مدير معهد المخطوطات آنذاك - ولهذا الرجال أثر بارز في تاريخ المعهد - وقد التقطه الدكتور المنجد ليكون له عوناً وسنداً، فيما كان يرومه وينشده من أعمال المعهد. وصار محمد مرسي الخولي عضواً نشطاً في معهد المخطوطات، وشارك في مختلف أعماله: مفهرساً لمصوراته، ودليلًا لزائريه، ومصححاً لمطبوعاته، ومحرراً لمجلته، ومسؤولًا عن نشرته، وموفداً في بعثاته. وكان، ﵀، حلو الشمائل، رقيق الطبع، مرهف الحس، ولم يكن يضيق بالزائرين، على كثرتهم وإزعاج بعضهم، ولقد كان من قضاء الله عليه أن داهمته علتان منهكتان، واستبد به داءان عُضالان: القلب والربو، ولقد قاسى منهما كثيراً، وفي سنواته الأخيرة عرض عليه رؤساؤه أن يخلد إلى الراحة غير مقطوع عنه رزقه، ولا مسلوب منه حقه، ولكنه رفض، وظل متشبثاً بموقعه في معهد المخطوطات يفيد ويدل، ما استطاع إلى ذلك سبيلاً. ومن عجيب أمره ﵀ أنه كان مع اشتداد العلة، وتفاقم الداء، متيقظ الحس، مشبوب الذاكرة، لم يسقط عليه شيء من كنوز المعهد، ما فهرس من هذه الكنوز، وما لم يفهرس، ولقد أخبرني من نعاه إلى أنه رآه في المعهد قبل موته بيوم واحد. وقد حصل الفقيد، ﵀، على درجتي «الماجستير» و «الدكتوراه» من كلية اللغة العربية، وكانت أطروحته الأولى: تحقيق ديوان أبي الفتح البستي، وكانت الثانية: تحقيق الجزء الأول من كتاب «الجليس والأنيس» للمعافى بن زكريا الحريري، وقد أشار إليه العلامة الزَّرِكلي في الأعلام ٧/ ٢٦٠ «الطبعة الرابعة». ثم كان له نشاط في تحقيق الكتب ونشرها، فمن ذلك ١ - بهجة المُجالس وأنس المجالس - للحافظ ابن عبد البر، صاحب الاستيعاب، طبع في جزئين، نشر الهيئة المصرية العامة للكتاب.

стр. 121

٢ - أخبار الأذكياء - للحافظ أبي الفرج بن الجوزي، نشر مؤسسة الأهرام بمصر. ٣ - الجزء الأول من محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار - لابن عربي، نشر مؤسسة الأهرام بمصر - أيضا. ٤ - البرصان والعرجان - للجاحظ، نشر دار الاعتصام بمصر. ٥ - ديوان أبي الفتح البستي - تحقيق؛ وهو أطروحته للماجستير، كما سبق، نشر بيروت. هذا إلى بعض المقالات والنصوص الصغيرة المحققة التي نشرها بمجلة المعهد. رحمك الله أيها الأخ الصادق الإخاء، وجزاك خير ما يجزي به عباده المخلصين. وبعد: فقد رحل رشاد عبد المطلب، ورحل بعده محمد مرسي الخولي، ثم خرج عبد الفتاح الحلو - أطال الله بقاءه - وخرج معه من خرج، فهل نقول: إن بنيان معهد المخطوطات قد تهدم؟ نسأل الله أن يقيل المعهد عثرته - في أي مكان وجد - وأن يهيئ له من يواصل المسيرة التي تكاد تتعثر، ويقيم البنيان الذي يريد أن ينتقض، ورحمة ربنا وسعت كل شيء، وإنا لله وإنا إليه راجعون. * * *

стр. 122

صحة من أجل اللغة العربية (١): هل يتحول التراث العربي إلى ألغاز وطلاسم؟ ! لم يعد خافياً على أحد ذلك التدني الذي وصل إليه خريجو أقسام اللغة العربية في جامعتنا خلال العقود الأخيرة، وهؤلاء الخريجون هم الذين يتولون تعليم أولادنا في المدارس، وهم أيضاً الذين يسمعوننا الكلمة العربية من خلال الإذاعة والتلفزيون، ولو ترك الأمر على ما هو عليه الآن فالله وحده هو الذي يعلم أبعاد الكارثة التي ستطبق على هذه الأمة، ونخشى أن تغشانا طوارقها ذات يوم وقد استحال تراثنا الذي ضني به الأوائل خلال أربعة عشر قرناً من الزمان: ألغازاً وطلَّسمات، كالذي تراه على جدران المقابر والمعابد ولفائف البردي، رموزاً قديمة تخفى على جمهرة الناس، ولا يعقلها إلا العالمون، ويومها سنقول: استعجمت دار مي ما تكلمنا ... والدار لو كلمتنا ذات أخبار وها هي نذر الفتنة قد أطلت برأسها، فلن يستطيع أحد مهما غلا في تقدير كليته أو معهده أن يزعم أن طالباً متخرجاً في هذا المعهد أو تلك الكلية يستطيع الآن أن يقرأ سطراً من كتاب سيبويه، فضلاً عن أن يفهمه أو يحل رموزه، وإذا لم يستطع خرَّيج كلية تعنى باللغة العربية وآدابها أن يقرأ سيبويه، فمن ذا الذي يقرأه؟ وإذا لم يقرأه في سني دراسته فمتى يقرأه؟ إن الأخطاء اللغوية والنحْوية صارت تأخذ علينا الطرق وتأتينا من كل مكان؛

стр. 123

وهي أخطاء بشعة مفزعة تشمل كل شيء: من الأخطاء في أبنية الأسماء وأبنية الأفعال ومخارج الحروف وصفاتها، وأسماء الأعلام والكنى والألقاب والأنساب، ولا تسأل عن غياب العلامة الإعرابية أو التخليط فيها، وقد كنت عنيت يوماً برصد هذه الأخطاء وتحليلها، ولكني رأيت الأمر قد اتسع اتساعاً عظيماً، وتشعب تشعباً مفزعاً، وأصبحت أنا وهذه الأخطاء كالذي قاله الأول: تكاثرت الظباء على خراش ... فما يدري خراش ما يصيد وإن أبناءنا وبناتنا في معاهد العلم ليأتوننا كل يوم بكل غريبة وعجيبة من معلميهم ومعلماتهم، وكلما رتقت فتقاً تخرَّق عليك آخر، وكلما سددت ثلمة انفتحت أمامك أخوات لها أوسع وأبشع. والسوأة السواء في تلاوة القرآن العزيز، فقد استعجم كلام ربنا على ألسنة معلمي المدارس، وصاروا يتلونه على تلاميذهم محرفاً ومزالًا عن جهته، ثم أصبحت تسمعه من بعض المذيعين والمذيعات كذلك مغلوطاً ملحوناً. وهذه هي المصيبة التي تتضاءل دونها كل مصيبة، وهذا هو الخطر الماحق الذي يجب أن نقف جميعاً أمامه ندرأه وندفعه، فإن القضية بهذه المثابة قد صارت ديناً يغتال وشريعة تنتهك، ولا بد أن يقول فيها كل غيور على دين الله كلمته، لا يتتعتع ولا يتلجلج، لا يفزعه سخط الساخط، ولا يخفيه سلطان هؤلاء الذين يظنون أن بيدهم إغلاق الأبواب وفتحها، وقد قال سيدنا رسول الله ﷺ : «ألا لا يمنعن رجلاً هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه». عود على بدء: ولقد تابعت هذه القضية منذ زمان بعيد، ورأيت أهل العلم يردونها إلى أسباب كثيرة، على أني لم أرَ من وضع يده على أصل البلاد ومكمن الداء إلا قارئاً كريماً هو الأستاذ طارق البوهي - بكَفْرِ الشيخ -. وقد علمت فيما بعد أنه من رجال التربية، وقد جاء رأيه هذا في سطر واحد منشور في باب (مجرد رأي) بجريدة الأهرام قال: «لا يجب أن نقسو كثيراً على الشباب، فهم نتاج البذور التي ألقيت والتعليم الذي

стр. 124

أعطي لهم ومجالات الثقافة التي تلقوها». وهذا رجل صادق، عرف الحق فقاله، ولم يضيع نفسه ويضيعنا في متاهات التفلسف والتنظير واللف والدوران. ثم إنه أحسن الله إليه قد وضع القضية في حاق موضعها: ماذا يتلقى طالب العربية الآن في كليات اللغة العربية وأقسامها بالجامعات؟ أمشاج من قواعد النحو والصرف مطروحة في مذكرات يمليها الأساتذة إملاء أو يطبعونها طبعات تزيد عاماً وتنقص عاماً، واختفى الكتاب القديم لتحل محله هذه المذكرات والمختصرات، ودفع الطلاب دفعاً إلى الملل من قراءة الكتب، و «المللُ من كواذب الأخلاق» كما قال عمرو بن العاص ﵁. إن هجر الكتاب القديم - وهو وعاء العلم ومستودع التراث - والاستعاضة عنه بالمذكرات والمختصرات، قد حجب عن هذا الجيل كوى النور، وحلأهم عن موارد العلم ... وكان من أخطر الأمور ردُّ ذلك إلى التيسير والتسهيل والتخفيف على الناشئة، ولقد مضينا في التيسير والتسهيل خطوات وخطوات حتى انتهينا إلى هذا الذي نشكو منه ونضيق به، ونسأل الله السلامة منه. على أن تيسير النحو قد سلك دروباً مظلمة، فليس من التسهيل والتيسير أن تدع «زيداً وعمراً» في التمثيل لتقول: «سمير وأشرف»، وليس من التسهيل والتيسير أن تترك التمثيل على القاعدة النحوية بالشاهد القرآني والحديثي وأشعار العرب وأمثالها لتكتب قصة متكلفة عن نزهة في القناطر الخيرية، أو زيادة إلى أهرامات الجيزة، أو حكاية عن الفلاح في الحقل، لتستخرج من كل ذلك شواهدك على القاعدة النحوية والصرفية. وليس يشك عاقل في أن التمثيل لتقدم المفعول على الفاعل بمثل: «قطف الوردة طفل» ليس في قوة الاستشهاد بقوله تعالى: ﴿وإذ ابتلي إبراهيم ربه﴾ [البقرة: ١٢٤]، وقوله: ﴿إذ حضر يعقوب الموت﴾ [البقرة: ١٣٣]، وقوله: ﴿إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله﴾ [آل عمران: ١٤٠]، وقوله: ﴿لن ينال الله لحومها ولا دماؤها﴾ [الحج: ٣٧]، وقوله: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ [فاطر: ٢٨]،

стр. 125

وقوله ﷺ في الحديث السابق: «ألا لا يمنعن رجلًا هيبةُ الناس أن يقول بحق إذا علمه»، وقول جرير: جاء الخلافة أو كانت له قدراً ... كما أتى ربَّه موسى على قدر فأنت مع المثال الأول أمام تركيب تمثلت فيه القاعدة النحوية، لكنه كالتمثال الأصم، فاز من الوسامة والقسامة بأوفر الحظ والنصيب، ولكنه تمثال جامد فاقد الحركة والنطق. أما مع الأمثلة القرآنية والحديثية والشعرية فأنت أمام نماذج تتنعَّش بالحياة وتمور بالحركة، مع ما تعطيه من أنس خبرة بالأبنية والتراكيب العربية. ومن هنا احتلت الشواهد التراثية في تقعيد النحو مكانة عالية. على أنه ينبغي أن يكون واضحاً أن فكرة التيسير على الناشئة كانت ظاهرة بينة في فكر النحاة الأوائل رضوان الله عليهم: فابن السراج المتوفى ٣١٦ هـ يؤلف كتاباً كبيراً في النحو هو «الأصول» ثم يضع إلى جانبه مؤلفاً صغيراً جداً هو «الموجز»، وأبو علي الفارسي ٣٧٧ هـ يؤلف «الإيضاح» وهو متن صغير سهل العبارة إلى جانب كتبه الكبار: التذكرة والشعر والحجة والشيرازيات ... وغلامه ابن جني العظيم - كما كان يصفه أستاذنا الطيب الدكتور كمال بشر أطال الله في النعمة بقاءه - يؤلف بجانب الخصائص والمنصف وسر صناعة الإعراب والمحتسب رسائل موجزة في النحو والصرف، مثل اللمع والملوكي في التصريف. وأبو القاسم الزجاجي ٣٤٠ هـ يصنف كتاباً في الفكر النحوي هو «الإيضاح في علل النحو» ثم يؤلفه للناشئة كتابه الشهير «الجمل»، وهو كتاب سهل رهو، وقد جاء عنوانه في الأصل المخطوط هكذا: «كتاب الجمل في النحو ... اختصار أبي القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي» أرأيت إلى كلمة «اختصار»؟ وقد وقفت عند كتاب غريب أراه صورة واضحة الدلالة على أن علماءنا الأوائل كانوا مشغولين حقاً بتربية الناشئة والتيسير عليهم والتدرج معهم في تعليم النحو. وذلك هو كتاب «إعراب ثلاثين سورة من القرآن الكريم» لأبي عبد الله الحسين بن أحمد المعروف بابن خالويه المتوفى سنة ٣٧٠ هـ. لقد كان المألوف في

стр. 126

زمن ابن خالويه والأزمان التي سبقته والتي جاءت بعده أن يتصدى العلماء لإعراب القرآن الكريم كله، ولكن الذي صنعه ابن خالويه شيء عجب: لقد وضع كتابه لإعراب ثلاثين سورة فقط، مبتدئاً بسورة الطارق، ومنتهياً بسورة الناس، ثم افتتح كتابه هذا بإعراب الاستعاذة والبسملة، وفاتحة الكتاب ... ولا تفسير لصنيع ابن خالويه هذا وإيثاره لإعراب قصار السور هذه إلا أنه وضع الناشئة أمامه، لأن هذه السور من أوائل ما يحفظه الصبيان من الكتاب العزيز، وأنها كثيرة الدوران على ألسنتهم، وأن عرض قواعد النحو والصرف من خلال هذه السور القصار مما يثبتها ويمكنها في النفوس. فتعليم النحو من خلال هذه الكتب القديمة الموجزة فيه تثبيت للعربية وتمكين لها في النفوس، مع التقاط معارف أخرى تأتي من خلال الشواهد والنصوص، وينبغي أن نحسن الظن بناشئتنا ولا نخشى عليهم من التعامل مع الكتاب القديم فإن فيهم خيراً كثيراً ... ولقد كانت لي تجربة جيدة هذا العام، حين دعيت إلى تدريس النحو لطالبات السنة الأولى بكلية البنات بجامعة عين شمس، وقد قرأت معهن شيئاً من كتاب شذور الذهب على خوف مني ووجل، لكني صبرت نفسي معهن واحتشدت لهن احتشاداً، وكانت تجربة ناجحة جداً، وتلقت الطالبات كلام ابن هشام بقبول حسن، وقد رأيت من هؤلاء الطالبات نماذج مبشرة بخير كثير. والغريب حقاً أن زملاءنا الأكرمين بالجامعات المصرية ينفرون من تدريس الكتاب القديم، وحين يخرجون إلى جامعات دول الخليج يحملون حملاً على تدريسه، وهناك يؤدونه بكفاءة عالية جداً، لأنهم بلا ريب أهل فقه وبصيرة، ولأنهم أيضاً ينتمون إلى جيل المتون الذي سأحدثك عنه. جيل المتون: على أن أخطر ما في هذه القضية أن يقترن تعليم النحو من خلال المذكرات والمختصرات بالطعن على أئمة النحاة والإزراء بتصانيفهم وغياب المنهجية في تآليفهم ومحاكمتهم إلى مناهج غربية ظهرت بعدهم بقرون.

стр. 127

ومما لا شك فيه أن أساتذتنا الأفاضل، وزملاءنا الأكرمين الذين يدورون في هذا الفلك إنما ينتمون جميعاً إلى الجيل العظيم: جيل المتون والحواشي، نعم كلهم من جيل الحفظة ... حفظة القرآن الكريم والمتون والمنظومات، وهذا شيء أعرفه تماماً، وبخاصة عند أبناء كليتي: دار العلوم، من الجيل الذي سبقني والذي زاملني والذي جاء بعدي بقليل، فهؤلاء جميعاً قد تعلموا النحو من خلال الكتاب القديم، على هذا السياق، وبذلك الترتيب: التحفة السنية بشرح المقدمة الآجرومية - تنقيح الأزهرية للشيخ خالد الأزهري - قطر الندى وبلّ الصدى - شذور الذهب في معرفة كلام العرب، كلاهما لابن هشام - شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك - أوضح المسالك على ألفية ابن مالك لابن هشام - شرح الأشموني على ألفية ابن مالك مع حاشية الصبان عليه. وبهذه المسيرة الأصيلة الضخمة استطاع أستاتذتنا وزملاؤنا أن يفقهوا النحو ويبرعوا فيه ثم يكتبوا مذكراتهم ومختصراتهم. وأيضاً نقدهم للفكر النحوي. ولو أنهم تربوا من أول أمرهم على المذكرات وتعلموا من المختصرات لما فقهوا ولما برعوا، ولما كتبوا «نحوهم الكافي والشافي والصافي والوافي». ثم إن الخطر كل الخطر: أن يصدر التشكيك في النحو ومصطلحاته من أساتذة كبار لهم في النفوس مكان ومكانة، ولكلامهم في القلوب وقع وتأثير. ومن ذلك ما وقع في يدي ذات يوم، من كلمة للأستاذ الكبير الدكتور نجيب محمود - متعه الله بالصحة والعافية - بجريدة الأهرام بتاريخ ١/ ١٢/ ١٩٨٨ بعنوان: «العربي بين حاضره وماضيه»، ضمن سلسلة مقالاته التي اختار لها عنوان: «عربي بين ثقافتين»، وقد أدار كلمته هذه حول تقييم الموروث الذي انتهى إلينا من ماضينا، وأنه ينبغي علينا أن ننتقي ونختار، وأن ننظر إلى «نوع الحصيلة التي اخترناها لتكون هي ماضينا المبثوث فينا، وذلك لأننا قد نسيء الاختيار - وكثيراً جدّاً ما نفعل - فنبث عوامل الضعف والشلل من حيث أردنا القوة وانطلاقه الحياة». ثم دلل على سوء الاختيار هذا بنموذج من تجربته الشخصية مع مدرس اللغة

стр. 128

العربية الذي التقى به في السنة الثالثة الابتدائية، وذلك ما أملاه عليهم عن «إذا» و «أنها ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه». ثم تساءل الدكتور الفاضل عن جدوى تلك العبارة لا سيما والمتلقي طفل في الحادية عشرة من عمره؟ وعقب فقال: «وإني لأدعو القارئ إلى استعادة ما أسلفناه، وهو أن العربي إذ يحيا حياته حاملًا في رأسه هذا الذي قيل له عن كلمة «إذا» وما تؤديه، فإنما هو يحيا حاملًا معه نتفة من الماضي، لكنها نتفة عسيرة الهضم، قد تصيب المعدة بالأذى، وأما اليقين عنها فهو أنها لن تنفع حاملها غذاء يقتات منه ليكون عربيّاً موصول الهوية بماضيه، فإذا تصورنا أن مئات الألوف ممن يعدون بين حملة العلم في بلادنا يحيون وهم يحملون في رؤوسهم أطناناً من أمثال هذه «المعرفة» التي إن صلحت في الأركان الأكاديمية المعزولة عن الهواء الطلق فهي لا تصح لحياتنا الناهضة وسيلة حفز ودفع وتحريك». هذا كلام الدكتور الفاضل، وفيه من سلطان الذكاء وقوة العارضة ومن بريق العذوبة والحلاوة ما ترى! ولكنه عند التحقيق منقوض ومردود عليه. والأستاذ الدكتور زكي نجيب محمود رمز من رموز فكرنا المعاصر، وهو أيضاً واحد من هذا النفر الكريم الذين أسهموا إسهاماً واضحاً في نشاط «لجنة التأليف والترجمة والنشر»، هذه القلعة الضخمة من قلاع الفكر العربي. فأقول: إن هذا المثال الذي ذكره الدكتور، ورأى فيه أساس الداء ومدخل البلاء في تعلم العربية: «إذا ... ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه» ... هذا المثال يستدعي - بلا ريب - عند بعض القراء أمثلة أخرى من بابه، ضاقوا بها أشد الضيق حين تلقوها أول مرة، وخاصة إذا لم يشتغلوا بالعربية وقضاياها فيما استقبلوا من أيام وما صرفوا من اهتمامات، لكنه في الوقت ذاته وبالقدر نفسه عند من اشتغلوا بالعربية، وجعلوها ميداناً لدراساتهم وأبحاثهم فيما بعد: يذكر بأيام زاهية جادة صارمة وضع فيها الأساس متيناً صلباً، فقام الباء عالياً شامخاً، «وإنما يمدح السوق من ربح» كما تقول العرب في أمثالها.

стр. 129

الضوابط الراسخة: وإني سائل الدكتور الفاضل: أي بأس في ذكر هذا الضابط النحوي؟ وأي ضرر في أن يتلقاه الصغار فيما يتلقون في النشأة الأولى؟ والدكتور يعلم أن طبيعة تعلم العربية تقتضي حفظ كثير من النصوص والضوابط لترسيخ القاعدة، ولذلك لجأ المصنفون قديماً إلى المنظومات العلمية لضبط القواعد وتثبيتها، ثم كان من ذلك أيضاً تلك الضوابط النثرية لبعض القواعد، مثل «سألتمونيها» لحصر حروف الزيادة في الصرف، و «سكت فحثه شخص» لضبط الحروف المهموسة، و «لم أر على ظهر جبل سمكة» لبيان الأسباب والأوتاد والفاصلة في العروض. ومن أطرف ما حفظناه من مشايخنا في الصغر قولهم «صن شمله» رموزاً لأسماء الأنبياء المصروفة، أي المنونة: فالصاد لصالح، والنون لنوح، والشين لشعيب، والميم لمحمد ﷺ ، واللام للوط، والهاء لهود، ﵈ أجمعين. فهذه الأسماء الستة تنون وما عداها من أسماء الأنبياء يمنع من التنوين. وكانوا يقولون لنا أيضا: «لا ت كسر الصحاح ولا تفتح الخزانة»، يريدون «الصَّحاح» للجوهري وأنه بفتح الصاد، وخزانة الأدب للبغدادي وأنها بكسر الخاء. وقالوا: «من حفظ المتون حز الفنون»، ولا شك أن الأستاذ الكبير يعرف في جيله هذه المجموعة التي طبعت باسم «مجموع مهمات المتون»، يشتمل على ستة وستين متناً في مختلف العلوم والفنون، وتاريخ الطبعة الرابعة منه ١٣٦٩ هـ - ١٩٤٩ م. ولا ينبغي أن يلتفت إلى ما يقال من أن هذا عيب في اللغة العربية أن تعتمد على الحفظ الأصم الأعمى، فهذا أمر معروف في سائر اللغات. يقول العالم الأديب الدكتور عبد الله الطيب، في دفع تلك الفرية: «ومساكين اللغة العربية ينفرون من الحفظ ليكونوا متمدينين». ثم يقول: «وأشهد على نفسي أني عندما كنت أدرس في الخارج (لندن) كنا ندرس بعض القطع المسرحية لشكسبير، فكان التلاميذ يسمع بعضهم لبعض القطع عن ظهر قلب، حتى أمثال «يدخل يطارده القتلة» أو «يخرج يطارده سبع»، وكانت لههذ المسرحيات القديمة شروح، وقد تكون الأبيات أربعة

стр. 130

أسطر في أعلى الصحيفة، بخط كبير، وسائر الصحيفة بخط دقيق، شرح لما فوق، ويقبل التلاميذ على ذلك ولا ينفرون، فإذا قدم لهم شيء يشبه ذلك بالعربية نفروا منه نفوراً شديداً. ومن عجيب الأمر أن الكتب التي كنا ندرسها بالإنجليزية كان ورقها أصفر، والورق الأصفر لعله ألين على عين القارئ من الرق الناصع الأبيض». ملحوق التراث بجريدة المدينة المنورة بالسعودية - ٢١ من ربيع الأول ١٤٠٨ هـ = ١٢ من نوفمبر ١٩٨٧ م. فهذا الذي يراه الدكتور زكي نجيب محمود «نتفة من الماضي عسيرة الهضم قد تصيب المعدة بالأذى»، هو عند النظر والتحقيق أساس العلم ومدخله، بل هو الغذاء الذي تصح به المعدة، وتتكون عليه الأنسجة والخلايا، وما دخل علينا البلاء، واستبد بنا الضعف إلا يوم أن هجرنا هذه الضوابط الكلية، ونفرنا من الحفظ، واجتوينا النصوص، ثم غرقنا في البحث النظري الذي أسلمنا إلى التجريد والمطلق. أما إشفاق الدكتور الفاضل على الصبي الذي هو في الحادية عشرة، أن يؤخذ إلى هذه التراكيب والمصطلحات المعقدة التي تصيب المعدة بالأذى فإن الدكتور الكريم يعلم علماً ليس بالظن أن من أصحاب هذه السن في جيله من أتم حفظ القرآن الكريم، وحفظ إلى جانبه شيئاً من المتون، مثل (متن نور الإيضاح) في فقه الحنفية، أو (متن العشماوية) في فقه المالكية، أو (متن أبي شجاع) في فقه الشافعية، أو (متن زاد المستقنع) في فقه الحنابلة، إلى جانب (متن الآجرومية) الشهير ... وإني أعيد هنا ما ذكرته من قبل: أن أساتذتنا الذين كتبوا في الدراسات اللغوية والنحوية الحديثة وشرَّقت كتبهم وغرَّبت، ينتمون جميعاً إلى جيل الحفظة: حفظة القرآن والمتون والحواشي والمصطلحات، وما كان لهؤلاء الأساتذة أن يكتبوا ما كتبوا لو لم يحفظوا منذ الصغر: «إذا ... ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه»، وأخواتها مثل: «لا يجمع بين العوض والمعوض عنه»، «اجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت في الياء. وذلك في مثل سيَّد».

стр. 131

ولا زلنا نحن أبناء الجيل التالي الذي تستطيع أن تشم فيه رائحة العلم، لأننا وردنا الماء صافياً قبل أن تكدره الدلاء، ولأننا أدركنا معاهد العلم قبل أن يدهمها السيل، أقول: لا زلنا نذكر هذه المشاكل النحوية التي التقينا بها في طراءة الصبا وريق الشباب، مثل إعراب قوله تعالى: ﴿إن هذان لساحران﴾ وكيف رفع ﴿هذان﴾ وهو اسم ﴿إن﴾، وتوجيه الرفع في قوله تعالى ﴿والصابئون﴾ في الآية الكريمة ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون ... ﴾ [المائدة: ٦٩]، واختلاف المعنى باختلاف حركة الإعراب على الراء في قوله تعالى: ﴿ولا تمنن تستكثر ((٦)﴾ [المدثر: ٦]، وعود الضمير على غير مذكور في قوله تعالى: ﴿حتى توارت بالحجاب (٣٢)﴾ [ص: ٣٢]، أي الشمس، والمصدر المتصيد في قوله تعالى: ﴿وإن تشكروا يرضه لكم﴾ [الزمر: ٧]، أي الشكر، وقوله: ﴿ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا﴾ [الإسراء: ٦٠]، أي التخويف. وقوله: ﴿ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرًا لهم﴾ [آل عمران: ١١٠]، أي الإيمان، ثم في مثل قول الشاعر: إذا نُهي السفيه جرى إليه ... وخالف والسفيه إلى خلاف أي جرى إلى السفه .. كل هذا كنا نستظهره ونديره على ألسنتنا في سهولة ويسر، كانت أسناننا في تلك الأيام لا تتجاوز الخامسة عشرة ... نعم كل هذا عرفناه وخبرناه، وجرى منا مجرى المحفوظات والمأثورات، فأورث ملكة في النحو، وأكسب إحساساً بالعربية في أبنيتها وتراكيبها، حتى إذا غبي علينا شيء من هذه الأبنية والتراكيب فزعنا إلى ذلك المذخور من أيام الصبا، فأسفر وجهه، ودن عصيه ... فهل عند أبناء اليوم من ذلك شيء؟ ولا يصح أن يقال: إن هذا الذي ذكرته كان سمة التعليم الديني أو التعليم الذي تغلب عليه العربية، كالذي في الأزهر الشريف ودار العلوم، فإن الدكتور الفاضل يعلم علم اليقين مواد العربية التي كانت تقدم لتلاميذ المدارس في التعليم العام، أو الأميري. وأمامي الآن طبعة ثانية من «معجم المصباح المنير» للفيومي المتوفى سنة ٧٧٠ هـ، وتاريخ هذه الطبعة ١٩٠٩ م، وكتب على صدرها «قررت نظارة المعارف العمومية طبع هذا الكتاب على نفقتها واستعماله بالمدارس الأميرية»، وكذلك يعلم الدكتور كتب التراث التي كانت مقررة على طلبة المدارس الثانوية، مثل «البخلاء» للجاحظ، الذي نشره أحمد العوامري بك، وعلي الجارم بك سنة ١٣٥٦ هـ = ١٩٣٨ م، و «نقد النثر» المنسوب إلى قدامة بن جعفر - وثبت فيما بعد أنه البرهان في وجوه البيان لابن وهب - الذي نشره الدكتور طه حسين، والأستاذ عبد الحميد العبادي سنة ١٣٥٦ هـ = ١٩٣٧ م، وقد قررته وزارة المعارف

стр. 132

لطلاب السنة الخامسة التوجيهية إلى طائفة أخرى من الكتب المشحونة بالنصوص، مثل «مجموعة النظم والنثر» لعبد الله باشا فكري والمنتخب من أدب العرب. هذا إلى أن الأزهر الشريف كان موجهاً لتعليم النحو في المدارس ومهيمناً عليه، فهذا الكتاب الشهير «الدروس النحوية» الذي ألفه حفني بك ناصف مع محمد أفندي دياب والشيخ مصطفى طموم ومحمد أفندي صالح: قررت نظارة المعارف العمومية سنة ١٣٠٤ هـ طبعه على نفقتها بعد تصديق شيخ الجامع الأزهر. وهكذا كان تعليم النحو والعربية في مصر أيام عزها ومجدها من خلال الكتاب القديم أالكتاب الحديث المؤسس على القديم والماضي في طريقه. فهذه العبارة النحوية التي نقلها الدكتور زكي نجيب محمود عن شيخه ينبغي أن تؤخذ في إطار الجد والصرامة الذي كان يشمل تدريس سائر العلوم في ذلك الزمان. وما أخذت مصر مكانتها التي تزهو بها في العالمين في مختلف العلوم والفنون إلا بذلك الجيل الذي أخذ بالجد في كل أموره منذ النشأة الأولى والناس بأزمانهم أشبه منهم بآبائهم. ولا سبيل لنا إذا أردنا صلاح الحال وإصلاح الألسنة إلا إحياء جيل المتون والحفظة، وذلك لن يكون إلا بالعودة في تدريس النحو إلى الكتاب القديم والنص التراثي، فإن آخر هذه الأمة لن يصلح إلاَّ بما صلح به أولها. * * *

стр. 133

الحفظ وأثره في ضبط قوانين العربية (١) كتب الأستاذ الدكتور محمود الربيعي كلمة في أسبوعيات الأهرام ٦/ ٧/١٩٩٠ م، بعنوان «ترتيب الأولويات»، قال فيها: «إن تلقين المناهج لطلاب العلم الذين يدرسون في الجامعات لدينا يجعلهم يتحدثون عن «أعوص» المناهج الغربية الأجنبية كأنهم أصحابها، فإذا طلبت إليهم أن يقرأوا (مجرد قراءة) نصاً إبداعياً باللغة التي يُعَدُّون للتخصص فيها (عربية أو أجنبية) لم يقيموا النص قراءة، فضلاً عن التعمق في فهمه بالتحليل والتركيب والتفكيك». وهذا كلامُ حكيمٍ (بالتنوين والإضافة)، وهو أيضاً كلام ظاهر الوضاءة والحسن والتيقظ، لأنه يلخص المأساة التي نعيشها منذ نحو ثلاثين عاماً، في هذا المستوى المتدنَّى من علوم العربية: قراءة وكتابة، ثم هو كلام يفضي بنا إلى قضية ذات خطر، ليس في الأدب وحده، بل إن هذا الخطر يمتد ليشمل مختلف فروع التراث العربي، وأعني تلك الفجوة الواسعة بين النظرية والتطبيق، أو بين المحفوظ والمفوظ. فأنت قد تصادق شخصاً دارساً للأدب: تاريخه ومذاهبه ومدراسه، وإذا فاتشته في قضية من قضاياه النظرية تلك، صال وجال، ولاك ومضغ، وخلط عربياً بعجمي، وأتاك بكل عجيبة وغريبة، فإذا أخذته إلى نص مما كتبه السابقون الأولون، وأردته على شيء من التفسير أو التحليل والتذوق حارَ وأبلس، «وصار لسانه قطعة

стр. 134

لحم خرساء تدور في جوبة الحنك» كما يقول شيخنا محمود محمد شاكر - في سياق آخر. ومثل ذلك يقال في نحويّ خالطت بشاشة النحو قلبه، وخبر سواده وبياضه (زعم)، أسهر فيه ليله، وأدأب له نهاره، حتى ظن أنه ملك ناصيته: قواعد وخلافيات ونقداً، فإذا أخذ في كلام، أو أدار قلمه على بيان خلَّط واعتسف وأخطأ، وما أتي هذا النحوي وذلك الأديب إلا من قبيل الإغراق في النظريات والمناهج والقواعد، واطراح الحفظ، وهجر النصوص، وإهمال التطبيق. وقد سرى هذا الداء الخبيث إلى علمين جليلين في تراثنا - وما كان ينبغي أن يسرى إليهما، لأنهما ملاك الأمر كله - وهما التفسير والحديث، ففي ميدان التفسير قد تصادف دارساً يحدثك بإفاضة وإحاطة عن مدارس التفسير واتجاهاته، من تفسير بالمأثور إلى تفسير بالرأي، والتفسير الموضوعي للقرآن، والتفسير الفقهي، والتفسير الإشاري الصوفي، إلى آخر هذه القائمة، فإذا طلبت منه تفسير شيء من كتاب الله لم تظفر منه بشيء إلا شيئاً لا يُعبأ به ... وقد اختفت تلك الصور الجليلة النبيلة، حين كنت تستوقف شيخاً فاضلًا عقب صلاة الجمعة، أو في طريق عام، فتسأله عن آية من كتاب الله فإذا أنت أمام علم حاضر وإجابة شافية. وقل مثل هذا في حديث سيدنا رسول الله ﷺ ، فقد اشتغل به كثير من طلبة العلم الآن: دراسة نظرية، تعنى بتدوينه وعلومه وتصانيفه من الصحاح والمسانيد ... إلى غير ذلك مما كان يعرف قديماً بعلم «الدراية»، لكنك قل أن تجد منهم من اعتنى بهذا العلم الجليل «رواية» من حيث حفظ المتون وإتقان الغريب. وقد أدى هذا الأمر إلى مصيبة كبرى اجتاحت بعض الشباب المسلم المحب لحديث المصطفى ﷺ ، ومعرفة السنة المطهرة، فقد اتجه كثير منهم في هذه الأيام إلى طلب معرفة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وتجريح الرواة وتعديلهم - وهذا بحر لا ساحل له، ولا يقوى عليه إلا أولو العزم من الرجال - وقد صرفوا في ذلك جهوداً كثيرة كان الأولى أن تصرف إلى قراءة صحيحي الإمامين الجليلين: البخاري

стр. 135

ومسلم، وبقية الكتب الستة التي هي دواوين السنة، ثم بعض المسانيد الأخرى، قراءة فهم وبحث وإمعان، فإذا أتقنوا ذلك كان لهم أن يبحثوا في الضعيف والموضوع، وقد بلغت السفاهة ببعضهم أن يقول عن حديث رواه الإمام الجليل أبو عبد الله البخاري: «صحَّحه فلان» يشير إلى أحد العلماء المعاصرين. أفبعد إخراج البخاري للحديث، يقال: صحَّحه فلان؟ إن الإسراف في النظريات والمناهج هو الذي أضعف إحساس أبنائنا بالعربية الأولى، وهو الذي أورثهم العجز الذي يأخذ بألسنتهم وأقلامهم، فلا يستطيعون قولاً ولا بيانًا. على أن هذا الذي ذكره الدكتور الربيعي، والذي ذكرته أنا، يرجع إلى أننا أهملنا جوانب ضرورية في تعلم العربية. ومن هذه الجوانب التي أهملت جانب النصوص أو الحفظ ... فإنه يشيع في أيامنا هذه كلام عجيب، يبغض إلى طالب العربية «الحفظ» ويزهده فيه، بل إن الأمر قد تعدى ذلك إلى تثبيت قاعدة تجعل «الحفظ» مقابل «الفهم» وأن الطالب الذي قد تعدى ذلك إلى تثبيت قاعدة تجعل «الحفظ» مقابل «الفهم» وأن الطالب الذي يحفظ «صمام» وغير قادر على الفهم والاستيعاب، ونقرأ لمسؤول كبير عن التعليم في مصر قوله: «ولا بد أن يدرك الطالب أن زمن الحفظ والصمامين قد انتهى». تراثنا قائم على الرواية: وهذا الكلام إن صدق على العلوم المعملية والتطبيقية، لا يصدق على علوم العربية، من أدب وبلاغة ولغة ونحو، وذلك لأن تراثنا كله قائم على الرواية والدراية، والرواية مقدمة، ولذلك قالوا: «الرواية من العشرين والدرابة من الأربعين». والجوهري صاحب «الصَّحاح» يقول في مقدمته: «قد أودعت هذا الكتاب ما صح عندي من هذه اللغة ... بعد تحصيلها بالعراق رواية وإتقانها دراية». وقد وصل إلينا تراثنا في أول أمره عن طريق الحفظ والرواية، فقد وعته صدور الرواة والنقلة، وسلَّمته أجيال إلى أجيال، حتى أظل زمان التدوين والكتابة، فالحفظ

стр. 136

هو الأساس، وقد حثوا عليه ومدحوا أهله، فروي عن الأصمعي أنه قال: «كل علم لا يدخل معي الحمام فليس بعلم». ويريد أنه حافظه ومستحضره في كل وقت وعلى كل حال. وقال محمد بن يسير - من شعراء الدولة العباسية الأولى: أأشهد بالجهل في مجلس ... وعلمي في البيت مستودع إذا لم تكن حافظاً واعياً ... فجمعك للكتب لا ينفع وقال بعض أهل العلم: حفظ اللغات علينا ... فرض كفرض الصلاة فليس يُضبط دين ... إلا بحفظ اللغات ولولا الحفظ في تاريخنا التراثي لما أمكن لهذه الطائفة من عباقرة العربية العميان أن يسجلوا لنا هذا القدر الضخم من المعارف الإنسانية، كالذي نقرأه عند أبي العلاء المعري - وأبو العلاء فوق شاعريته صاحب لغة ونحو وصرف وعروض -، وابن سيده صاحب المحكم والمخصص، والإمام الترمذي صاحب السنن، وغيرهم كثير، مما ذكره صلاح الدين الصفدي في كتابه الطريف «نَكْت الهِمْيان في نُكَت العميان». وحسبك بقراء القرآن وعلماء القراءات، كالشاطبي صاحب المنظومة الشهيرة في القراءات السبع المسمَّاة: «حرز الأماني ووجه التهاني». وفي هذا العصر الحديث يأتي الدكتور طه حسين ﵀ على رأس أفذاذ العميان المعاصرين. إن طبيعة تعلم العربية تقتضي حفظ كثير من النصوص لتثبيت القواعد والتمكين للأبنية والتراكيب في ذهن طالب العلم. وقد قيل - الحفظ الإتقان - وذلك ما رواه أيوب بن المتوكل قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: كان الرجل من أهل العلم إذا لقي من هو فوقه في العلم فهو يوم غنيمته، سأله وتعلم منه، وإذا لقي من هو دونه في العلم علمه وتواضع له، وإذا لقي من هو مثله في العلم ذاكره ودارسه. وقال: لا يكون إماماً في العلم من أخذ بالشاذ من العلم، ولا يكون إماماً في العلم

стр. 137

من روى كل ما سمع، ولا يكون إماماً في العلم من روى عن كل أحد، والحفظ الإتقان». حفظ كلام العرب: ويقول ابن خلدون: «ووجه التعليم لمن يبتغي هذه الملكة ويروم تحصيلها أن يأخذ نفسه بحفظ كلامهم القديم الجاري على أساليبهم، من القرآن والحديث وكلام السلف ومخاطبات فحول العرب في أسجاعهم وأشعارهم، وكلمات المولدين أيضاً في سائر فنونهم، حتى يتنزل لكثرة حفظه لكلامهم من المنظوم والمنثور منزلة من نشأ بينهم ولقن العبارة عن المقاصد منهم». ويقول أيضاً: «وتعلم مما قررناه في هذا الباب أن حصول ملكة اللسان العربي إنما هو بكثرة الحفظ من كلام العرب، حتى يرتسم في خياله المنوال الذي نسجوا عليه تراكيبهم فينسج هو عليه، ويتنزل بذلك منزلة من نشأ معهم، وخالط عبارتهم في كلامهم حتى حصلت له الملكة المستقرة في العبارة عن المقاصد على نحو كلامهم». ويقول أيضاً عن هذه الملكة التي تحصل بالحفظ والدُّربة: « ... فإن الملكات إذا استقرت ورسخت في محالها ظهرت كأنها طبيعة وجبلَّة لذلك المحل. ولذلك يظن كثير من المغفلين ممن لم يعرف شأن الملكات أن الصواب للعرب في لغتهم إعراباً وبلاغة أمر طبيعي، ويقول: كانت العرب تنطق بالطبع، وليس كذلك، وإنما هي ملكة لسانية في نظم الكلام تمكنت ورسخت فظهرت في بادئ الرأي أنها جبلة وطبع. وهذه الملكة كما تقدم إنما تحصل بممارسة كلام العرب وتكرره على السمع، والتفطن لخواص تراكيبه ... وليست تحصل بمعرفة القوانين العلمية في ذلك، التي استنبطها أهل صناعة اللسان، فإن هذه القوانين إنما تفيد علماً بذلك اللسان، ولا تفيد حصول الملكة بالفعل في محلها». وهذا الكلام الأخير هو الذي ينتهي إليه كلام الدكتور الربيعي، وهو الذي

стр. 138

أدرت عليه مقالتي هذه. فإن «معرفة القوانين العلمية التي استنبطها أهل صناعة اللسان» هي «النظريات والمناهج» في أيامنا هذه. فكما أن الوقوف عند «معرفة القوانين العلمية» هذه لا يصنع ملكة أدبية لغوية، كذلك الاكتفاء «بالنظريات والمناهج» لا يكسب هذه الملكة. ويقرر ابن خلدون أيضاً: «أنه لا بد من كثرة الحفظ لمن يروم تعلم اللسان العربي، وعلى قدر جودة المحفوظ وطبقته في جنسه وكثرته من قلته تكون جودة الملكة الحاصلة عنه للحافظ». ويقول القاضي عبد الرحيم بن علي بن شيث الإسنائي القوصي، في سياق حديثه عن أدوات الكاتب وعدته: «والحفظ في ذلك ملاك الأمر، فإنه يؤهل ويدرب، ويسهل المطلوب ويقرَّب». هل الحفظ مطلوب ؟ ! هذا وقد وقعت على نص خطير جداً، هو خير رد وأوفاه على هؤلاء الذين يشترطون الحفظ: الفهم، ويقولون: لا تطلبوا من الصبي حفظ ما لا يفهم، فإن هذا غير مُجد في العملية التعليمية. يقول أبو الفتح عثمان بن جني: «قال لنا أبو علي - الفارسي - يوماً قال لنا أبو بكر - ابن السراج -: إذا لم تفهموا كلامي فاحفظوه، فإنكم إذا حفظتموه فهمتموه». وهذا كلام صحيح، يصدقه الواقع وتؤكده التجربة، فإن الإلحاح بالحفظ الدائم المستمر مما يمهد للفهم لا محالة. وآية ذلك أن صغار التلاميذ في دور الحضانة والروضة يرددون مع إطلالة كل صباح النشيد الوطني لبلادهم، وهم بالقطع لا يعرفون شيئاً عن معاني مفرداته فضلًا عن تراكيبه، ولكنهم بمرور الأيام يدركون ويفهمون. والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصى في اكتساب وإدراك المعارف. ونحن الذين حفظنا القرآن صغاراً نعرف هذا من أنفسنا، فما زلنا نذكر ألفاظ القرآن وتراكيبه الغريبة علينا في مطالع أيامنا، ثم إضاءة معانيه في نفوسنا بعد ذلك

стр. 139

بالتدريج، وإن كنا لا ندرك بالضبط متى تم هذا، كما لا يدرك الناظر في السماء انسلاخ النهار من الليل إلا حين يغشاه نوره ويغمره سناه. وليس أدل على أهمية «الحفظ» في العملية التعليمية في تراثنا، من هذا القدر الهائل من المنظومات في اللغة والنحو والفرائض (المواريث)، والقراءات، وعلوم الحديث والأصول والبلاغة والمنطق والعروض والميقات والطب، وكل ذلك لضبط القاعد وتثبيت الأحكام. وما أمر «ألفيه ابن مالك» ببعيد! ومع المنظومات المطولة في النحو والصرف كان هناك البيتان والثلاثة والأربعة لضبط القاعدة وترسيخها. فهذا جمع التكسير ينقسم إلى جموع قلة وإلى جموع كثرة، وللأول أربعة أوزان، وللثاني سبعة عشر وزناً، ولصعوبة حصر هذه الأوزان صاغها بعضهم شعراً ليسهل حفظها، فجموع القلة جمعت في قوله: بأفعل ثم أفعال وأفعلة ... وفعلة يعرف الأدنى من العدد كأفلس وكأثواب وأرغفة ... وغلمة فاحفظنها حفظ مجتهد وجموع الكثرة جمعت في قوله: في السفن الشهب البغاة صور ... مرضى القلوب والبحار عبر غلمانهم للأشقياء عمله ... قطاع قضبان لأجل الفيلة والعقلاء شرد ومنتهى ... جموعهم في السبع والعشر انتهى وترتيب الخليل بن أحمد لمواد المعجم نظمها بعضهم في قوله: عن حزن هجر خريدة غناجة ... قلبي كواه جوى شديد ضرار صحبي سيبتدئون زجري طُلَّباً ... دهشي تطلب ظالم ذي ثار رغماً لذي نصحي فؤادي بالهوى ... متلهب وذوي الملام يماري وواضح أن المراد الحروف الأولى من كلمات هذا النظم هكذا: ع ح هـ خ غ ... الخ. هذا إلى الضوابط النثرية، مثل «سألتمونيها» لضبط حروف الزيادة، و «سكت

стр. 140

فحثه شخص» لضبط الحروف المهموسة. فبهذه الضوابط الشعرية والنثرية تعلمنا الأدب واللغة والنحو، وتعلم من قبلنا، لأننا سلمنا ولأنهم سلموا من زلازل التطوير وأعاصير التيسير. وإنه لواجب علينا إذا أردنا الخير لهذا الجيل أن نحيي فيهم مهارات الحفظ، ونقدم لهم قواعد العربية من خلال النصوص التراثية الموثقة. ولقد جاءني ابني بكتاب القراءة والنصوص الأدبية للصف الثالث الإعدادي للعام الدراسي ١٩٩٠ م - ١٩٩١ م، وفي ص ١٣ منه جاء هذا السؤال: (اختر الصواب مما بين كل قوسين: مقابل غضب (رضا - سرور - سكون) وطلب مني ابني الجواب الصحيح، فقلت له (رضا) وقال هو (سرور) وأصر على رأيه، لأنه لم يستسغ أن يكون «الرضا» مقابل الغضب ولأن أستاذه قال ذلك أيضاً والأٍستاذ لا يخطئ ولم يقتنع حتى ذكرت له حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ الذي أخرجه أبو داود في سننه ٣/ ٣١٨، والحاكم في مستدركه ١/ ١٠٥، أنه قال: «يا رسول الله، أكتب ما أسمع منك؟ قال: «نعم»، قلت: عند الغضب وعند الرضا؟ قال: نعم إنه لا ينبغي لي أن أقول إلا حقاً». وهنا انفرجت أسارير ابني، ونظر إليّ (نظرة الرضا لا الغضب). فهذا السؤال الذي جاء في ذلك الكتاب المدرسي سؤال جيد، لأنه يزيد المحصول اللغوي عند التلميذ لا محالة. ولكنه ينبغي أن يكون مؤسساً على نصوص محفوظة للتلميذ بها أنس ومعرفة سابقة. وأنَّى لتلميذ في هذه السن أن يختار بين هذه الكلمات القريبة المعاني دون نص يشهد وحفظ يؤيد، فالحفظ وسيلة ضبط وإتقان ينبغي أن تراعى من أول درجة من درجات سلم التعليم، ولا تشفقوا على الصغار والناشئة، فإن فيهم خيراً كثيراً، وانظروا إلى هؤلاء الصغار الذين يظهرون على شاشة التلفزيون من أعضاء «المسلم الصغير» وتأملوا حلاوة الأداء وسلامة مخارج الحروف، ثم حفظ نصوص القرآن والحديث عن ظهر قلب. ومن وراء ذلك كله فالحفظ عاصم من التخليط في أبنية الأسماء والأفعال. وإذا كان القرآن الكريم كتاب هداية وإرشاد، فإنه أيضاً كتاب عربية وبيان،

стр. 141

ويجب أشد الوجوب أن نشد أبناءنا إليه في كل مراحل تعليم العربية. وأن يكون اختيارنا لآياته في مقرر (القراءة والنصوص) قائماً على تلك الآيات التي تنمي الحس اللغوي والنحوي عند التلاميذ، ولا سيما تلك الآيات التي تأتي فيها الأفعال مضبوطة على وجهها الصحيح، وقد لاحظت أن كثيراً من أبنية الأفعال التي نهطئ نحن الكبار أيضاً في ضبطها، أو ننطقها على وجه من الوجوه الضعيفة غير الفصيحة، جاءت على وجهها الصحيح في الكتاب العزيز، وأكتفي هنا ببعض الأمثلة: أمثلة من القرآن: يقول الناس في كلامهم: «كبر الولد يكبر» فيضمون الباء في الماضي والمستقبل، والصواب بالكسر في الماضي، وبالفتح في المستقبل: «كبرِ يكبَر» وهذا يكون في السن والعمر، يقال: كبر الرجل يكبر كبراً فهو كبير، أي طعن في السن، ومنه قوله تعالى عن أموال اليتامى والنهي عن أكلها: ﴿ولا تأكلوها إسرافًا وبدارًا أن يكبروا﴾ [النساء: ٦]، أما «كبر يكبر» بالضم في الحالتين، فليس من السن، وإنما هو بمعنى عظم، ضد صغر، وشواهده في الكتاب العزيز كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون (٣)﴾ [الصف: ٣]، وقوله : ﴿قل كونوا حجارة أو حديدًا (٥٠) أو خلقًا مما يكبر في صدروكم﴾ [الإسراء: ٥٠، ٥١]. ويقولون: نقمت عليه كذا وكذا - أي عبته وكرهته - فيكسرون القاف في «نقمت» والأفصح الفتح: نقمت، وهذا الفعل من باب ضرب، وفي لغة من باب تعب، والأولى هي الأفصح، قال ابن السكيت: «وقد نقمت عليه أنقم، والكسر لغة - أي في الماضي - والفتح الكلام»، قلت: وبه جاء التنزيل، قال تعالى: ﴿وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله﴾ [التوبة: ٧٤]، وقال تقدست أسماؤه: ﴿وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد (٨)﴾ [البروج: ٨]، وقال تقدَّست أسماؤه: ﴿قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله﴾ [المائدة: ٥٩]. ويقولون: فلان ينقصني حقي، وينقص في الميزان، فيضمون ياء المضارعة، والأفصح والأكثر فتحها، ينقصني، وينقص، وهذا الفعل ثلاثي: يستوي فيه اللازم

стр. 142

والمتعدي، يقال: نقض الشيء، نقصته أنا، ونقصه هو. وفي لغة: أنقصه ونقَّصه، معدَّى بالهمزة والتضعيف، لكنها لغة ضعيفة، ولم تأت في كلام فصيح، وشواهد ذلك من القرآن المتلو المحفوظ، ﴿ولا تنقصوا المكيال والميزان﴾ [هود: ٨٤]، وقوله تعالى: ﴿أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها﴾ [الرعد: ٤١]، وقوله: ﴿إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئًا﴾ [التوبة: ٤]. وقد جاء اسم المفعول من الثلاثي في قوله : ﴿وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص (١٠٩)﴾ [هود: ١٠٩]. ويقولون: حرص فلان على كذا، وحرصت على كذا، فيكسرون الراء، والأفصح فتحها، حرص وحرصت، وبالفتح جاء التنزيل، قال سبحانه وبحمده: ﴿وما أكثر الناس ولو حصرت بمؤمنين (١٠٣)﴾ [يوسف: ١٠٣]، وقال : ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم﴾ [النساء: ١٢٩]. ويقولون: صلح حالي، وصلح أمري، فيضمون اللام، والأفصح فتحها: صلَح، قال تعالى: ﴿جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم﴾ [الرعد: ٢٣]، وقال تقدَّست أسماؤه: ﴿ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم﴾ [غافر: ٨]، ومن شواهد ذلك في الحديث الصحيح قوله ﷺ من حديثه الطويل: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله»، قال الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر فتح العين في «صلح»: «وحكى الفراء الضم في ماضي صلح». وهذا بالفعل من باب قعد: صلح يصلح، وذكر ابن دريد أن ضم اللام في الماضي ليس بثبت. وهكذا تكون النصوص التراثية - وأعلاها كلام ربنا وسيلة ضبط وإتقان، إذا اعتنينا بها قراءة وحفظاً. ويبقى أمر لا بد من إثارته، لأنه يتصل بموضوعنا هذا بنسب وثيق، وإن كان في الظاهر دخيلًا عليه وبعيداً عنه، ولأنه أيضاً يتصل بالثقافة العامة وتنمية وجدان الأمة: وذلك أنك كنت تجد - في الزمان القريب - من أوساط الناس وعوامهم من يأنس للكلام الفصيح ويرتاح له، ويحفظ منه الشيء بعد الشيء، وذلك من خلال ما

стр. 143

يسمعونه من خطيب الجمعة، العالم المتمكن، من نصوص القرآن العزيز والحديث الشريف، والأدعية المأثورة. أما الآن فتكاد خطب الجمعة - ولا سيما على ألسنة الشبان المتحمسين - تتحول إلى ثرثرة وكلام عام مبهم عن «مدرسة محمد ﷺ »، و «الإسلام في خطر» و «الإسلام هو الحل» وهذا وهذان مما يصرف عن الاستشهاد بالقرآن والحديث وكلام العرب، وإذا أتاك شيء من ذلك فهو يأتيك في معظمه ملحوناً ومزالًا عن جهته. وكل هذا إنما جاء من مقولات مضللة، وهي أن «خطب الجمعة لا بد أن تتفاعل مع الأحداث المعاصرة، وأن تشارك في صنع القرار» ... إلى آخر ما تعرف. وليتنا نعود إلى خطبة الجمعة المكتوبة على الورق الأصفر، والتي كان الخطيب يدعو في آخرها للسلطان بالنصر - ونستغفر الله مما سخرنا من هذه الخطب - فمن خلال هذه الخطب المكتوبة حفظنا كثيراً من النصوص، وضبطنا كثيراً من أبنية الأسماء والأفعال. وربنا المستعان على ما يصفون. * * *

стр. 144

حلقات مفقودة في تراثنا المطبوع (١) كان إنجازاً حضاريّاً كبيراً ظهور المطبعة في القرن الخامس عشر الميلادي، على يد جوتنبرج الألماني (١٣٩٧ م - ١٤٦٨ م). ولئن كانت الغاية من الطباعة هي تكثير عدد نُسخ الكتاب لكي تُتاح قراءته لكثير من الناس، فقد تحققت هذه الغاية بصورة محدودة عند العرب قديماً، بما تمثل في كثرة نسخ الكتاب المخطوطة، ورواج صنعة الوراقة والنساخة. ويذكر الجاحظ أن يحيى بن خالد البرمكي لم يكن في خزانة كتب كتاب إلا وله وثلاث نسخ، ويذكر المقريزي أنه كان في خزانة العزيز بالله ثلاثون نسخة من كتاب «العين» للخليل بن أحمد، ومائة نسخة من «الجمهرة» لابن دريد، وأنه كان في خزانة الفاطميين مائتان وألف نسخة من «تاريخ الطبري». والمشتغلون بعلم المخطوطات يعلمون أن هناك كتباً ذوات عدد، كثرت نسخها كثرة ظاهرة، بحيث لا تكاد تخلو منها مكتبة من مكتبات العالم. وكأنما كان هذا الاختراع العجيب - اختراع الطباعة - من أجل فكرنا وتراثنا نحن العرب دون غيرنا من الأمم. فقد دارت المطابع شرقاً وغرباً لإخراج علمنا من مخطوطات محدودة إلى أسفار مطبوعة، بدأت بالمئين ثم انتهت إلى ما فوق الآلاف. ففي الغرب كان مهد الطباعة العربية في إيطاليا - كما هو معروف - ومن أوائل

стр. 145

ما طبع هناك متن «الكفاية» في النحو، لابن الحاجب سنة ١٥٩٢ م. و «القانون» في الطب، لابن سينا، سنة ١٥٩٣ م. ثم تعددت المطابع العربية في أوروبا، وطبع فيها مئات الكتاب العربية وأكثرها في لندن وباريس وليبزج وليدن وجوتنجن وروما وفيينا وبرلين وبطر سبورج. ومن أشهر في شهرتها مطبعة بولاق بمصر، لكن ما يؤخذ على هذه المطابع الأوروبية أنها كانت تطبع نسخاً محدودة من الكتب العربية، وكأنهم كانوا يطبعون لأنفسهم. أشهر المطابع: وفي الشرق كانت الآستانة (استانبول) عاصمة الخلافة العثمانية أسبق مدن الشرق إلى الطباعة. وكان من أشهر مطابعها مطبعة الجوائب التي أنشأها أحمد فارس الشدياق (١٨٠٤ م - ١٨٨٧ م) ونشر فيها طائفة صالحة من الكتب. ثم المطبعة العامر التي نشرت كتباً ذوات عدد، منها شرح «كافية ابن الحاجب» للرضي الاستراباذي، سنة ١٢٧٥ هـ، و «الكليات» لأبي البقاء الكفوي، سنة ١٢٨٧ هـ. ثم كانت الصيحة المدوية في طبع الكتاب العربي، في مطبعة بولاق بمصر، أو كما تُسمّى أحياناً «المطبعة الأميرية» وهي قلعة ضخمة من قلاع المعرفة. لقد أخرجت هذه المطبعة مئات الكتب في التفسير والحديث، والأصلين: أصول الدين وأصول الفقه، واللغة والنحو والصرف، والبلاغة والأدب، والتاريخ والطب والرياضة والطبيعة والفنون الحربية، وغير ذلك من أصناف العلوم ... إلى ألف ليلة وليلة، ورجوع الشيخ إلى صباه ... فأيُّ علمٍ كان في ذلك الزمان! وإلى جانب مطبعة بولاق ظهرت المطابع الأهلية، مثل مطبعة جمعية المعارف، والخيرية والعثمانية والأزهرية والشرفية أو الكاستلية والرحمانية والجمالية والمنار والمنيرية وكردستان العلمية وهندية والسعادة والتجارية وصبيح ثم المطبعة الميمنية التي كانت أساساً للحلبي بفرعيه: مصطفى البابي، ومحمد. ومطبعة دار الكتب المصرية، ولجنة التأليف والتراجمة والنشر.
следующие страницы →