وقد رأيا فيه نبوغاً صالحاً، فقرَّباه منهما وأحلَّاه من نفسيهما محلًا كريماً. وفي مجلسهما عرف أصول الكتب، ووقف على طرائق المصنفين، وألمَّ بمصطلحات الفنون، ثم تلقى عنهما علماً كثيراً. والتلقي كان سمة عصور ازدهار العلم، فهو الطريق الصحيح لتحصيل المعرفة، وآفة العلم في زماننا أنك قلَّ أن تجد من تستفتيه أو تتلقى عنه، وليس أمامك إلاَّ أن تضرب في بحر لجي غير آمن من زيغ البصر وضلال التأويل.
ولقد أحبَّ رشاد عبد المطلب الكتاب العربي حباً ملك عليه نفسه وحسه، ولم يصرف عنه بشيء من مطالب الصبا ونوازع الشباب. أحب الكتاب وحرص عليه كأنه ولده رآه على يأس، وعرفه كما يعرف الناس آباءهم. وقد دفعه هذا الحب وذلك الحرص إلى أن يتلمسه: مطبوعاً في مطبعة درست وذهب رسمها، أو منشوراً في مجلة نسي الناس اسمها، أو مخطوطاً في خزانة عامة أو خاصة خفي على الدارسين مكانها. وقد وهب الله له ذهناً صافياً، سريع اللمح قوي الإدراك، وذاكرة محيطة جامعة تعرف الشاردة والواردة.
ولقد كان من صنع الله لي وتوفيقه إياي أني عرفته منذ خمسة عشر عاماً، قضيت منهاً عشرة كوامل، لصيقاً به مجاوراً له، وقد رأيت منه العجب: يأتيه الدارس ويطرح أمامه موضوع دراسته، وما بين يديه من مصادر وموارد، ولم يكد يفرغ الدارس من كلامه حتى يندفع ﵀ يهدر كالشلال، ذاكراً ما لا يحصى كثرة من المراجع مما لم يخطر للطالب على بال، فإذا رأى علامات الرضا وأمارات السرور على وجه صاحبه، قنع بذلك سعيداً جذلان، وإذا ما أسرف صاحبه في مديح أو ثناء، قال له بصوت ودود ولهجة حانية: حسبك، فهذا شيء علقناه عن مشايخنا، ثم قال: وما أوتيته على علم عندي. ثم لم يزل بصاحبه يغريه بموضوعه، ويمده بالمراجع من مكتبته، ثم يقدمه إلى أستاذه المشرف عليه، ويعرفه بالصفوة من العلماء. وأشهد - ويعلم الله - أن كثيراً من الرسائل الجامعية صنعت في بيت رشاد عبد المطلب، ووضعت خطوطها الأولى على مكتبه، ولكن الناس يجحدون.
стр. 72
وكان ﵀ إذا تكلم في فرع من فروع التراث اعتقدت أنه لا يحسن غيره:
وكان من العلوم بحيث يقضى ... له من كل علم بالجميع
ثم كان آية في إدراك العلائق بين الكتب والمؤلفين: تأثراً أو نقداً أو شرحاً أو اختصاراً أو تذييلاً، وأعجوبة في معرفة أسماء المؤلفين بكناهم وألقابهم، والتمييز بين من اشتركوا منهم في شهرة أو كنية، كالسخاوي القارئ والسخاوي المؤرخ. وهذا فن غاب رجاله، فما أكثر ما نرى في هذه الأيام خلطاً بين أبي حيان التوحيدي الأديب، وأبي حيان الأندلسي النحوي. والأمثلة في هذا المجال كثيرة والإمساك بنا أولى.
وقد تعدى تأثير رشاد عبد المطلب توجيه الدارسين وإفادة العلماء - إلى الطابعين وناشري الكتب، فكان على صلة دائمة بهم، يشير عليهم بطبع أصول الكتب، ويغريهم بالتأنق في إخراجها.
ولقد كان عمل رشاد عبد المطلب بمعهد المخطوطات علامة بارزة في تاريخ نشر التراث في عصرنا الحديث.
ومعهد المخطوطات أنشئ بجامعة الدول العربية سنة ١٩٤٦ م، وهذا المعهد يقوم بعمل جليل، يستهدف استنقاذ تراثنا الإسلامي من عوادي الزمن وغوائل الناس والأيام، وذلك بتصويره من أماكن وجوده في شتى مكتبات العالم، ثم فهرسته وتصنيفه وتقديمه للدارسين.
وقد التحق به ﵀ سنة ١٩٤٧ م، فشارك في إرساء قواعده، وواكب نشاطه وتطوره، وخرج في بعثاته ينتقي ويختار، وتضم مكتبة المعهد الآن مجموعة نادرة من نفائس المخطوطات في مختلف العلوم والفنون، كان لرشاد عبد المطلب فضل اختيارها والتعريف بها، مع الرواد الأوائل: يوسف العش، ومحمد بن تاويت الطنجي، وصلاح الدين المنجد. وحين وضعت أصول نشر التراث في العصر الحديث - وفي مقدمتها جمع نسخ الكتاب - واندفع العلماء ينشرون ما لم ينشر،
стр. 73
ويعيدون نشر ما طبع غير محقق، كان لهذه المجموعة التي يقتنيها معهد المخطوطات فضل كبير على العلم والعلماء، وأخص بالذكر مخطوطات تركيا والهند.
والمشتغلون بالتراث يعلمون أن المخطوطات تتفاضل فيما بينها قيمة ونفاسة، وكان ﵀ ذا حس دقيق وبصر نافذ حين يتعامل مع المخطوطات، وقد رافقته في رحلتين من رحلات معهد المخطوطات: الأولى إلى تركيا سنة ١٩٧٠ م، والثانية إلى المغرب سنة ١٩٧٢ م، ولقد رأيت منه في الرحلتين عجباً، وأفدت منه علماً كثيراً.
كان ﵀ أعجوبة في معرفة قصة المخطوطات: المفقود منها والناقص والنادر، وذلك أن الكتاب المخطوط إما أن يكون مفقوداً، بمعنى أنه يتردد ذكره في المراجع، لكنه لا تعرف له نسخة في مكتبات العالم، وإما أن يكون ناقصاً، بمعنى أنه يوجد منه قطعة أو جزء لا غير، وثالث أحواله أن يكون نادراً، لا توجد منه إلا نسخة واحدة. عرف ذلك كله وأحصاه عدداً.
ثم كان أثابه الله آية في تحديد الزمن الذي كتب فيه المخطوط، فقد نظر كثيراً في المخطوطات، وألف أقلام القرون المتقدمة والمتأخرة، ثم عرف قواعد المشارقة والمغاربة في الكتابة، وبهذا الإلف وتلك المعرفة كان يستطيع أن يحدد على وجه التقريب تاريخ كتابة هذه المخطوطات الخالية من تاريخ النسخ، ثم كان قادراً على أن يكشف زيف هذه التواريخ المكذوبة التي تكتب في آخر المخطوط لترويجه أو التكسب به.
وفيما عدا هاتين الرحلتين اللتين رافقته فيهما، سافر ﵀ في بعثات المعهد إلى المملكة العربية السعودية والقدس وسوريا ولبنان والهند وإيران وإسبانيا والبرتغال. وفي داخل جمهورية مصر العربية جمع مخطوطات نادرة من مكتبات الإسكندرية وطنطا ودمياط وسوهاج. وهو في كل هذه الرحلات كان يلبي حاجة العلماء والدارسين لمعرفته بالكتب التي يُعنون بها.
стр. 74
وقد حرصت هيئات الاستشراق على الإفادة من علمه وخبرته، ففي عام ١٩٦٤ م دعي لإلقاء محاضرات في عدد من جامعات الولايات المتحدة الأمريكية، حيث قضى هناك ستة أشهر. وفي عام ١٩٧٢ م سافر إلى لندن بدعوة من المجلس الثقافي البريطاني للاستعانة بخبرته في شؤون المخطوطات والمكتبات، وقد أمضى هناك ستة أسابيع زار خلالها جامعات لندن وكمبردج وأكسفورد ولانكستر.
وفي كل اللجان التي شُكَّلت في مصر لقضايا التراث كان ﵀ عضواً فيها، فشارك في لجنة إحياء التراث الإسلامي بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، والمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية.
إنتاجه العلمي:
حقيق بمن طوَّف كل هذا التطواف بالمكتبة العربية، مخطوطها ومطبوعها، أن يكتب شيئاً يحمل اسمه، وقد عرف تاريخ التأليف العربي كثيراً من الورَّاقين الذين وظفوا خبرتهم في الجمع والتأليف، مثل ياقوت الحموي صاحب معجم الأدباء ومعجم البلدان، وابن شاكر الكتبي صاحب فوات الوفيات وعيون التواريخ، ولكن الرجل أعظم الله أجره شغل بالناس، يجمع لهم أصول علمهم، ويهيئ لهم مادة دراستهم، وكم كنت أغريه بأن يعيد نشر فهرست ابن النديم، وفهرست ابن خير الإشبيلي، ومفتاح السعادة، وكشف الظنون، ونحو ذلك من هذه الكتب التي عنيت برصد النتاج العربي في شتى الموضوعات، وهو الميدان الذي لا يزاحمه فيه مزاحم. ومع كل ذلك فقد أصدر عام ١٩٥٣ م - بالاشتراك مع المغفور له الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي - فهرساً جامعاً لكتاب «العقد الفريد» لابن عبد ربه. وقد تضمن هذا الفهرس اثني عشر نوعاً من الفهارس الفنية، كشفت عن كنوز هذا السفر العظيم من تراثنا الأدبي، وقد أفرد لهذا الفهرس الجزء السابع من الطبعة التي أخرجتها لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة.
وفي عام ١٩٧٠ م حقق كتاب: «ذيول العبر في خبر من عبر» للذهبي
стр. 75
والحسيني، وهو في تراجم رجال القرن الثامن الهجري. وقد نشرته وزارة الإرشاد والأنباء بالكويت.
وفي سنة ١٩٧٣ م صنع فهرساً لمؤلفات العرب المخطوطة والمطبوعة، في الطب والصيدلة، وقدمه إلى مؤتمر الطب والصيدلة عند العرب، الذي عقدته المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بجامعة الدول العربية. وقد أثنى أعضاء المؤتمر على هذا الفهرس وأوصوا بطبعه.
وفي عام ١٩٧٤ م نظمت الجمعية المصرية للدراسات التاريخية بالاشتراك مع المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب ندوة عن «الجبرتي المؤرخ»، وقد ﵀ في هذه الندوة بحثاً عن «آثار الجبرتي المخطوطة والمطبوعة».
وحين استوت لرشاد عبد المطلب هذه المعرفة الجامعة المحيطة خلال حياته المصابرة المثابرة، حسده الحاسدون بغياً وعدواً، وما نقموا منه إلا أنه حصَّل ما لم يحصله غيره، وفقه ما لم يفقهه سواه من هؤلاء الذين ينتسبون إلى التراث وجاهة أو منصبًا، وحين كلَّت خطاهم وقعدت بهم هممهم عن اللحاق به سلقوه بألسنة حداد:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالناس أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسداً وبغياً إنه لدميم
وقد صبر على ما كذب وأوذي حتى أتاه أمر الله.
والآن وقد ذهب الرجل إلى رحاب ربه - تاركًا في القلوب حسرة لا تنقضي، وفي فن معرفة المخطوطات فراغاً يبعد أن يُشغل - نسأل الله العليّ القدير أن يغفر له ويرحمه، وأن يجعل كل ما قدمه لتراث هذه الأمة، في موازينه يوم تجد كل نفس ما عملت من خير مُحضراً.
* * *
стр. 76
التراث العربي في المغرب .. (١)
وقضية التواصل بين المشرق والمغرب (٢)
- ١ -
من مكرور القول ومُعاد الكلام أن الأمة العربية قد احتشدت لتسجيل تراثها وجمعه في جهاد دائب لم تشهده أمة من الأمم، ولم تعرفه ثقافة من الثقافات، ولم يقف هذا الجهاد عند مصر من الأمصار، أو يكتفِ بقطر من الأقطار، بل امتد إلى كل بلد طالته يد الإِسلام.
وقد اقتضت طبائع الزمان والمكان أن تشهد بلاد المشرق الخطوات الأولى لذلك التسجيل والجمع، ابتداء من منتصف القرن الثاني الهجري.
ولم يكد المغاربة والأندلسيون يتسامعون بأنباء هذا النشاط الذي كانت تغلي به حلقات الدرس ومجالس العلماء في البصرة والكوفة، وصرير أقلام النساخ في مكة والمدينة ومصر والشام حتى ولوا وجوههم شطر المشرق العربي بنفس مشوقة وقلب لهيف.
والمتتبع لحركة التأليف العربي في خطواته الأولى يروعه هذا الحشد الهائل
стр. 77
من العلماء وطلاب المعرفة. فأي بركان هذا الذي فجَّره كتاب الله المنزل علي النبيّ الأميّ، ففتح به آذاناً صُمّاً وقلوباً غلفاً؟ وأي ضياء وهاج ذلك الذي جاء به الدين الجديد، فأزاح ظلمات القرون والأحقاب؟
انسالت أفواج المغاربة على المشرق، يشافهون العلماء ويروون العلم ويستنسخون الكتب، وقد استفاضت كتب التراجم والرجال بأخبار هذه الرحلات، وقد بدأت رحلات المغاربة والأندلسيين إلى المشرق منذ أواخر القرن الثاني الهجري، مواكبة لحركة الجمع والتدوين، مصاحبة لنشأتها.
ذكر أبو بكر الزبيدي الأندلسي، في ترجمة الغازي بن قيس، المتوفَّى سنة ١٩٩ هـ، قال: «كان ملتزمًا للتأديب بقرطبة أيام دخول الإمام عبد الرحمن بن معاوية ﵁ الأندلس، وأدرك نافع بن أبي نعيم - أحد القراء السبعة - وقرأ عليه، وهو أول من أدخل قراءته» (١).
وفي ترجمة جودي النحوي المتوفى سنة ١٩٨ هـ، قال: «هو جودي بن عثمان، من أهل مورور - قريباً من قرطبة - ورحل إلى المشرق، فلقي الكسائي والفراء وغيرهما، وهو أول من أدخل كتاب الكسائي، وله تأليف في النحو» (٢).
وهذا قاسم بن أصبغ محدث الأندلس الكبير، يرحل إلى المشرق مع محمد بن عبد الملك بن أيمن، ومحمد بن زكريا بن أبي عبد الأعلى، فيسمع بمكة ومصر من علمائهما، ويدخل العراق فيسمع من المبرد وثعلب، ويروي عن ابن قتيبة كثيراً من كتبه» (٣).
وقد رأيت بخزانة القرويين بفاس نسخة عتيقة جداً من كتاب ابن قتيبة المسمَّى:
стр. 78
«تأويل مشكل القرآن» برواية قاسم بن أصبغ هذا، عن ابن قتيبة، بمنزله ببغداد، في شهر ربيع الأول سنة ست وسبعين ومائتين.
وتصور لنا كتب التراجم إقبال أهل المغرب على علمائهم العائدين من المشرق، لسماع ما تلقوه عن علماء مكة والعراق ومصر والشام (١). ولقد بلغ من حرصهم وشدة تتبعهم أنهم كانوا يسألون كل قادم من المشرق، ولو كان من التجار. روى الزبيدي عمن أخبره عن عبد الوهاب بن عباس بن ناصح، قال: «كان أبي لا يقدم من المشرق قادم إلا كشفه عمن نجم في الشعر بعد ابن هرمة، حتى أتاه رجل من التجار، فأعلمه بظهور حسن بن هانئ» (٢)، يعني أبا نواس.
وقد كان لاستيلاء بني أمية على بلاد المغرب بعد ذهاب دولتهم في المشرق، أثر كبير في إذكاء روح العربية بتلك البلاد، ويؤثر عن عبد الرحمن بن معاوية المعروف بالداخل أول خلفاء بني أمية بالأندلس، الكثير من البر بالعلماء والإجلال لهم، وكذلك سار بنوه من بعده، دعماً لقواعد الملك، واستكمالًا لمظاهر الخلافة. قد تناهت أنباء هذا البر وذلك الإجلال إلى المشرق، فسعي أدباؤه إلى هناك، حيث عطايا الخلفاء موصولة بهبات الوزراء. ذكر ياقوت في ترجمة أبي الفرج علي بن الحسين الأصبهاني صاحب كتاب «الأغاني»، قال: «وله بعد تصانيف جياد فيما بلغني كان يصنفها ويرسلها إلى المستولين على بلاد المغرب من بني أمية، وكانوا يحسنون جائزته، لم يعد منها إلى الشرق إلا القليل. والله أعلم» (٣). وقد سمى هذه التصانيف الوزير جمال الدين القفطي (٤).
وهذا أحد أعلام الأدب العربي في المشرق: أبو علي إسماعيل بن القاسم البغدادي القالي، صاحب كتاب «الأمالي» يفد على القيروان سنة ٢٣٩ هـ، وقد جلب في قافلته أحمالًا كثيرة من نفائس المؤلفات المشرقية، ما بين لغوية وأدبية وتاريخية،
стр. 79
ودواوين الشعراء الجاهليين والمخضرمين والمولَّدين، فباع منها في مدة عام كامل ما شاء أن يبيع لأهل إفريقية، ثم تحول بعد ذلك في سنة ٣٣٠ هـ إلى الأندلس بما بقي له منها. وقد حفظ لنا أبو بكر بن خير الإِشبيلي قائمة بأسماء هذه الدواوين في فهرست ما رواه عن شيوخه (١).
تواصل أدباء المشرق والمغرب، وإن ظلت رحلات المغاربة إلى المشرق أكثر وأدوم لأسباب كثيرة، من أبرزها أن المشرق كان ولا يزال طريق المغاربة للحج، الركن الخامس من أركان الدين الحنيف.
وحين انتدب المغاربة للتصنيف والكتابة ظهر في إنتاجهم مشابه من مناهج المشارقة وطرائقهم في الكتابة، مما حدا ببعض النقاد والمؤرخين أن يربطوا بين الإنتاج المشرقي والمغربي، على نحو يريد أن يثبت دائماً أن المغاربة قد تأثروا بالمشارقة في كل ما يعالجون، فهم يقولون: إنَّ ابن زيدون بحتري المغرب (٢)، وإنَّ أبا بكر الزبيدي الإشبيلي، صاحب كتاب «مختصر العين» في المغرب بمنزلة ابن دريد في المشرق (٣)، وإنَّ أبا الحسن بن بسام الشنتريني صاحب كتاب «الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة» قد تأثر بأبي منصور الثعالبي ونسج على منواله في كتابه: «يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر» (٤). إلى غير ذلك من الأمثلة.
стр. 80
ولئن قبلت هذه المقالة في القرون الأولى للتصنيف، فإنها بحاجة إلى مراجعة فيما تلا ذلك من قرون. ولقد كان ظهور القاضي أبي الفضل عياض بن موسى اليحصبي السبتي المولود بمدينة سبتة - رد الله غربتها - سنة ٤٧٦ هـ، والمتوفى بمدينة مراكش سنة ٥٤٤ هـ، إيذاناً باستقلال الشخصية المغربية وامتلاكها لناصية البيان وإسهامها في جلاء وجه الثقافة الإسلامية، وعياض ركن من العلم باذخ، وله طرائق في العلم مأنوسة، كتب الكثير، وتمثل تآليفه إضافات هامة في تاريخ الفكر الإسلامي، وقد رزقت مصنفاته من الحظوة وحسن القَبول والتلقَّي ما لم يرزقه مؤلف مغربي آخر (١). ومما يشيع على ألسنة المغاربة قولهم: «لولا عياض لما ذكر المغرب». ويقول شاعرهم:
كلهم حاولوا الدواء ولكن ... ما أتى بالشفاء إلا عياض
والمعنى الثاني المراد من التورية في قوله: «بالشفاء» هو كتاب عياض الجليل: «الشفا في التعريف بحقوق المصطفى»، أشهر وأسير كتب الشمائل النبوية.
تتابعت جهود المغاربة في التصنيف عالية شامخة وبدءاً من القرن السادس لم يعد للمشارفة فضل سبق عليهم، بل نراهم قد زاحموا المشارقة على فنين عظيمين من فنون التراث: علم القراءات، وعلم النحو.
أما علم القراءات فعنايتهم به قديمة، وتصانيفهم فيه مبسوطة، ويرى الأستاذ الدكتور عبد العزيز الأهواني أن: هذا هو الميدان الوحيد الذي سيطر عليه المغاربة سيطرة تامة (٢).
وبحسبنا أن نذكر من فرسان هذا الميدان: أبا عمرو الداني ومكي بن أبي طالب وأبا العباس المهدوي وإسماعيل بن خلف، وغيرهم كثير تراهم في فن
стр. 81
القراءات من فهارس المكتبات. وبحسبنا أيضاً أن نعرف أن أشهر نظم في هذا الفن، وهو المسمَّى: حرز الأماني ووجه التهاني، والمعروف بالشاطبية، صاحبه مغربي أندلسي، وهو: القاسم ابن فِيرُّه بن خلف الرعيني الأندلسي الشاطبي، وقد صار نظمه هذا العمدة في ذلك الفن، وتعاقب عليه الشراح من المشرق والمغرب، ولا يزال يتصدر برامج الدراسة في معهد القراءات بالأزهر الشريف.
ولم تفتر عناية المغاربة بعلم القراءات على امتداد الأيام وتصرف الأحوال، وقد تعرفت أثناء رحلتي الأولى إلى المغرب، على شاب من ريف المغرب، في منزل الأستاذ العلامة محمد المنوني بمدينة الرباط، وكان هذا الشاب آية في معرفة القراءات العشر بطرقها ورواياتها المختلفة، يحفظها ويستشهد لها من الكتاب العزيز في سهولة ويسر. وقد أخبرني الأستاذ المنوني أن لهذا الشاب نظائر كثيرة في بلاد المغرب، وبخاصة في الريف.
وأما علم النحو فللمغاربة احتفال به زائد، وقد ظهر اهتمامهم له مبكراً. هذا أبو عبد الله حمدون بن إسماعيل، من قدماء المغاربة القرويين، كان يحفظ كتاب سيبويه، وقد توفي حمدون هذا بعد المائتين (١). وقد وقف المغاربة على قدم واحدة مع المشارقة في العناية بكتاب سيبويه إمام النحاة: شرحاً أو تعليقاً أو اختصاراً (٢).
ذكر جلال الدين السيوطي في آخر كتابه: «بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة» وهو يسرد موارده في تأليف الكتاب، قال: «وأما المغرب فأهله أصحاب اعتناء شديد بذلك، والنحاة به جم غفير» (٣).
ويورد جمال الدين القفطي كلاماً جيداً يشهد لذلك، يقول في ترجمة أبي محمد عبد الله بن علي بن إسحاق الصَّيْمري النحوي: «قدم مصر، وحفظ عنه شيء
стр. 82
من اللغة وغيرها، وصنف كتاباً في النحو سمَّاه «التبصرة» وأحسن فيه التعليل على مذهب البصريين، ولأهل المغرب باستعماله عناية تامة، ولا يوجد به نسخة إلا من جهتهم» (١).
ويقوي كلام القفطي هذا أني عرفت ثلاث نسخ مخطوطة من هذا الكتاب، كلها مكتوبة بخط أندلسي مغربي عتيق: النسخة الأولى محفوظة بمكتبة الإمبروزيانا بميلانو، كتبت سنة ٥٨٢ هـ، والثانية بالخزانة العامة بالرباط، نسخت سنة ٥٩٧ هـ، والثالثة بخزانة القرويين بفاس، وهي من خطوط القرن السادس في أكبر الظن. وبقي من هذا الكتاب نسخة رابعة، ذكر المستشرق كارل بروكلمان أنها محفوظة بالمكتبة الأهلية بباريس، ولا أعلم من حالها شيئاً فأذكره.
وقد ذهبت مؤلفات المغاربة النحوية بالذيوع والشهرة في معاهد الدرس والتعليم مشرقاً ومغرباً، فهذه ألفية ابن مالك الجياني الأندلس تحظى بالشهرة، ويتلقاها الناس بالقَبول، ويرجعون إليها في ضبط قواعد النحو والصرف، ويأخذون بها ناشئتهم وصبيانهم (٢).
وهذا متن الآجرومية، لم يطاوله متن آخر: ضبطاً لقواعد النحو وحصراً لمسائله ويسراً في صياغته، ولا يزال موضع التلقَّي والقَبول إلى يوم الناس هذا. وصاحب هذا المتن هو: أبو عبد الله محمد بن محمد بن داود الصنهاجي، عرف بابن آجروم، ومعناه بلغة البربر: الفقير الصوفي. وهو من أهل فاس.
وفيما عدا هذين الفنين شارك المغاربة في سائر فنون التراث، درساً وتصنيفاً، ثم كان لهم فضل إظهار آثار المشارقة: شرحاً لها وكشفاً لغوامضها.
стр. 83
فهذا أبو عبيد البكري الأندلسي يعمد إلى نصين جليلين من تأليف المشارقة، بالشرح والبيان: الأول كتاب «الأمثال»، لأبي عبيد القاسم بن سلام البغدادي ويسمي البكري شرحه لهذا الكتاب: فصل المقال في شرح كتاب الأمثال. وهذا الشرح قد «احتوى على أكمل تعليقات وتفاسير قديمة ومهمة على ذلك الكتاب، كما احتوى مادة رائعة لا توجد في غيره من كتب الأمثال الأخرى» (١).
والثاني: كتاب «الأمالي»، لأبي علي القالي البغدادي. ووسم أبو عبيد شرحه لذلك الكتاب: اللآلي في شرح أمالي القالي. ونشره العلامة عبد العزيز الميمني باسم: سمط اللآلي.
ثم يتصدى ابن السَّيد (بكسر السين) البطليوسي، بالشرح والبيان لأحد أصول الأدب الأربعة، وهو كتاب ابن قتيبة البغدادي المسمَّى: «أدب الكاتب»، أو: «أدب الكتاب». واسم هذا الشرح: الاقتضاب في شرح أدب الكتاب. وهو من أجل شروح الكتاب، كما يقول صاحب كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون.
وحين فرغ أبو محمد الحريري البصري من إنشاء «مقاماته» الأدبية المعروفة، تعاقب عليها الشراح بالتفسير والبيان، حتى بلغت شروحها أكثر من خمسة وثلاثين شرحاً، ما بين مشرقي ومغربي. ومن أعظم هذه الشروح وأجمعها للغرائب والفرائد شرح أبي العباس الشَّريشي الأندلسي.
ولم يعرف للسيرة النبوية التي صنفها محمد بن إسحاق شرح أوعب وأكثر جمعاً للفوائد والشوارد، من شرح أبي القاسم السهيلي الأندلسي المسمَّى: الروض الأُنُف، والمشرع الرّوى في تفسير ما اشتمل على حديث السيرة واحتوى.
والمشتغلون بتاريخ المذاهب الفقهية الإسلامية يعرفون أن أهم شروح مذهب مالك بن أنس ﵁، إنما جاءت من قبل العلماء المغاربة الذين أكثروا
стр. 84
التصنيف فيه، ما بين مختصر ومبسوط. وذلك لغلبة مذهب مالك على أهل هذه الديار.
ولن يتسع المقام لأكثر من هذه المثل، وهي كثيرة مفرطة في الكثرة. وحسبنا أن نختم بذكر أثر خطير من آثار الفكر الإسلامي، نشط له المغاربة، وتناولوه بالشرح والتعليق، على حين قصر غيرهم، استعظاماً لشأنه، وتهيباً من مسالكه، ذلك هو كتاب «البرهان» في أصول الفقه، لإمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني (بضم الجيم وفتح الواو: نسبة إلى جوين، بلدة من نواحي نيسابور) من أئمة علماء الشافعية في القرن الخامس.
يقول تاج الدين السبكي عن هذا «البرهان»: «اعلم أن هذا الكتاب وضعه الإمام في أصول الفقه، على أسلوب غريب، لم يقتد فيه بأحد، وأنا أسميه لغز الأمة لما فيه من مصاعب الأمور، وأنه لا يخلي مسألة عن إشكال، ولا يخرج إلا عن اختيار يخترعه لنفسه، وتحقيقات يستبد بها. وهذا الكتاب من مفتخرات الشافعية، وأنا أعجب لهم، فليس منهم من انتدب لشرحه ولا للكلام عليه، إلا مواضع يسيرة تكلم عليها أبو المظفر بن السمعاني في كتاب «القواطع» وردها على الإمام، وإنما انتدب له المالكية، فشرحه الإمام أبو عبد الله المازري شرحاً لم يتمه، وعمل عليه أيضاً مشكلات، ثم شرحه أيضاً أبو الحسن الأنباري من المالكية، ثم جاء شخص مغربي، يقال له: الشريف أبو يحيى، جمع بين الشرحين».
ويقول السبكي في موضع آخر عن المازري: «هذا الرجل كان من أذكى المغاربة قريحة وأحدهم ذهناً، بحيث اجترأ على شرح «البرهان» لإمام الحرمين، وهو لغز الأمة الذي لا يحوم نحو حماه، ولا يدنان حول مغزاه، إلاَّ غواص على المعاني، ثاقب الذهن، مبرز في العلم» (١).
стр. 85
- ٢ -
ويداول الله الأيام بين الناس، فتتهاوى عروش، وتسقط دول، وتتطاول أمم تريد أن تنقض كيداً ومكراً ، وتتعرض الأمة الإسلامية مشرقاً ومغرباً لخطوب وفتن كقطع الليل المظلم تسعى لتغتالها اغتيالًا.
وفي غمار تلك الأحداث التي صكت المسامع وخلعت القلوب لم تذهل هذه الأمة عن تراثها الذي شرفت به، ولم ترض أن تسلم حتى يسلم معها، كالأم تحضن طفلها وسط الحريق المدمر، لا يهمها أن تنجو حتى تنجو به.
ولقد كان من صنع الله ولطفه أن هذه الغزوة التترية الكاسحة على المشرق العربي منتصف القرن السابع، لم تمد شواظها إلى بلاد المغرب، فظلت خزائنها عامرة بالكتب، ومجالسها مأنوسة بالعلم والعلماء.
وتتمادى الأيام ولا يفتر حماس المغاربة لجمع المخطوطات وتعهدها بالصيانة والرعاية، ثم تتطور وظيفة الزوايا المغربية، من مكان معد للعبادة وإيواء الواردين المحتاجين، إلى دور تجمع العلماء والكتب، وتدعو إلى الجهاد ومقاومة الأجنبي.
وفي القرن الثامن تكاثرت الزوايا وانتشرت فيما بين المغرب ومصر، إيناساً وعوناً لحجاج بيت الله الحرام ليأووا إليها في مراحل سفرهم الطويل، وقد نمت حول هذه الزوايا مدارس استقر فيها طلبة العلم، الأمر الذي حدا بملوك بني مرين أن يشيدوا كذلك مدارس بجانب المراكز التعليمية الكبرى خصوصاً جامع القرويين بفاس (١).
ومن أشهر الزوايا في المغرب: الزاوية الدلائية والناصرية والحمزاوية، وتضم هذه الزاوية الأخيرة مجموعة من نوادر المخطوطات، كتب عنها وعرَّف بها الأستاذ العلامة محمد المنوني، في العدد الثامن من مجلة تطوان. ومن أنفس مخطوطات
стр. 86
هذه الخزانة الجزء الرابع من كتاب «غريب الحديث» لابن قتيبة، بخط أندلسي؟ وقع الفراغ من نسخة سنة ٥١٧ هـ، وهذا الكتاب نادر جداً في مكتبات العالم. وتنبيهات وتعاليق على كتاب «الكامل» للمبرد، من تأليف أبي عبيد البكري، والوقَّشي، والبطليوسي، وهذه التنبيهات والتعاليق لا توجد في مكان آخر من مكتبات العالم، فيما انتهى إليه علمي.
وفي العصر الحديث لم يستطع الاحتلال الفرنسي أن يطمس الوجوه العربية في المغرب فيردها على أدبارها بربرية أو أعجمية. فهذا مسجد القرويين يموج بالعلم والمعرفة، وينهض في المغرب بما ينهض به الأزهر في المشرق. وقد أدرك المغاربة المعاصرون جلال هذا الموروث الضخم الذي آلَ إليهم، فتلقوه بكلتا اليدين، وشدوا يد الضنانة عليه، ولقد بلغ من احتفالهم به وحرصهم عليه أن أقاموا حوله الجدر، وبنوا عليه الحيطان، حذراً عليه في بعض الأماكن التي خيف عليه فيها من بطش الباطشين واعتداء المعتدين.
ويبرز من بين رجالات هذا العصر عالم فحل، قدم للتراث العربي يداً باقية، حين سعى جاهداً وعمل مخلصاً في جمعه وحفظه، ذلك هو محمد عبد الحي ابن عبد الكبير الحسني الإدريسي الكتاني الفاسي، عرف باسم: عبد الحي الكتاني.
كان هذا الرجل شغوفاً بالكتب مولعاً بجمعها، مع علم غزير واطلاع واسع، وقد وقف حياته على الكتب، ونذر نفسه للعلم، فطوف الكثير، ولقي العلماء، وكاتب واستجاز من لم يلقهم.
يقول ﵀ عن نفسه، في مقدمة كتابه «فهرس الفهارس»: «فرحلت لأقاصي البلدان وشاسع الأطراف والسكان، من حجاز ومصر وشام، وتونس والجزائر وبلاد المغرب الأقصى حواضره وبواديه، وكاتبت أهل الجهات البعيدة كالعراق واليمن والهند واسطنبول وصحراء إفريقية شنقيط (موريتانيا الآن) وغيرها، رغبة في الاستكثار، فحصل لي من ذلك ما لا عين رأيت ولا أذن سمعت ولا خطر
стр. 87
على قلب أحد من أهل جيلينا وأقراننا» (١). ولن تصدق هذا الكلام حتى ترى ذلك القدر الهائل من المخطوطات التي عمرت بها مكتبة الرجل، والتي ضمت إلى الخزانة العامة بالرباط (٢).
وقد قام هذا الرجل في المغرب بما قام به العلامة أحمد تيمور في مصر، فقد جمع هذا أيضاً غرائب ونوادر من المخطوطات حفلت بها مكتبته العامرة التي ضمت إلى دار الكتب المصرية وعرفت بمكتبة تيمور.
المكتبات العامة والخاصة في المغرب:
زرت المغرب مرتين عضواً في بعثة معهد المخطوطات التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، من منظمات جامعة الدول العربية، وكانت المرة الأولى في صيف عام ١٣٩٢ هـ - ١٩٧٢ م، والثانية في صيف هذا العام. وقضيت في الزيارتين ستة أشهر رأيت فيها من عناية المغاربة بالمخطوطات وحرصهم عليها وصيانتهم لها، ما يبهج النفس، ويدل على أن الخير باق، وأن الله جلت قدرته لن يضيع تراث هذه الأمة مهما تناوشها الأعداء وأحاط بها الماكرون.
والمخطوطات في المغرب تحتفظ بها المكتبات العامة التي تشرف عليها الدولة، والخزائن الخاصة لدى العلماء. وتوجد المكتبات العامة في الرباط وفاس ومكناس ومراكش وتطوان. وقد أتيح لي أن أرى مكتبات الرباط وفاس وتطوان.
ففي الرباط مكتبتان عامرتان: الخزانة الملكية الملحقة بالقصر الملكي.
والخزانة العامة التابعة لوزارة الثقافة.
стр. 88
وتزخر الخزانة الملكية بنوادر المخطوطات، ومن أنفس ما تضمه هذه الخزانة نص نادر لأبي العلاء المعري، لا يعرف في مكتبة أخرى من مكتبات العالم إلى يومنا هذا، ذلك هو كتاب «الصاهل والشاحج» يتكلم فيه أبو العلاء على لسان فرس وبغل. وقد كان لظهور هذا الكتاب دوي هائل في الأوسط الأدبية، وقد كتبت عنه الأستاذة الدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) أكثر من مرة بجريدة الأهرام.
ونسخة هذا الكتاب مخطوطة سنة ٦٣٨ هـ، بقلم أندلسي، وفي الخزانة نسخة أخرى من خطوط القرن العاشر تقديراً، وهي منقولة عن نسخة مكتوبة سنة ٦٩٣ هـ.
وإلى جانب هذا الكتاب النادر، توجد مخطوطات أخرى نفيسة في الخزانة الملكية، منها:
إصلاح المنطق - لابن السكيت، بقلم أندلسي نفيس سنة ٥٩١ هـ.
الأصول في الهندسة - لإقليدس، بقلم أندلسي نفيس سنة ٦٨٣ هـ.
البارع في أحكام النجوم - لابن أبي الرجال، الجزء الأول بقلم أندلسي نفيس سنة ٧٠٦ هـ، والجزء الثاني من نسخة أخرى بقلم أندلسي نفيس سنة ٣٦١ هـ.
بغية الآمل في ترتيب «الكامل» للمبرد، لمؤلف مجهول. والكتاب مرتب على الفنون، ومقسم على أربعين باباً. والنسخة بقلم مغربي سنة ١٢٨٣ هـ، منقولة عن نسخة مكتوبة سنة ٦٤٦ هـ.
تاريخ علماء الأندلس - للخشني، بقلم أندلسي عتيق سنة ٤٨٣ هـ.
تاريخ مكة - للأزرقي، بقلم نسخي قديم من خطوط القرن السادس تقديراً.
تخريج الدلالات السمعية على ما كان في عهد رسول الله ﷺ للخزاعي.
بقلم أندلسي جيد سنة ٨٧٦ هـ. وهذا الكتاب هو الأصل الذي بنى عليه العلامة عبد الحي الكتاني السابق ذكره، كتابه العظيم المسمَّى: التراتيب الإدارية والعمالات والصناعات والمتاجر والحالة العلمية التي كانت على عهد تأسيس المدنية الإسلامية في المدينة المنورة العلية. وهو مطبوع في الرباط سنة ١٣٤٦ هـ.
стр. 89
دلائل الإعجاز - لعبد القاهر الجرجاني، نسخة بقلم نسخي نفيس من خطوط القرن السابع تقديراً، وبأولها توقيع لابن هاشم النحوي، ولابن الصائغ.
ديوان أبي تمام - برواية الصولي، بقلم نسخي نفيس سنة ٦٦٤ هـ، منقولة عن نسخة مكتوبة سنة ٣٨١ هـ.
ديوان جرير - برواية السكري: نسخة نفيسة كتبها الخطاط المبدع ياقوت المستعصمي سنة ٦٨٩ هـ.
ديوان سبط ابن التعاويذي، بقلم أندلسي نفيس سنة ٧٢٤ هـ.
ديوان ابن سهل الإسرائيلي - وهو إبراهيم بن سهل الإشبيلي، كان يهودّياً وأسلم - نسخة بقلم أندلسي من خطوط القرن التاسع. والديوان مرتب على حروف الهجاء، وعني بترتيبه وتهذيبه ابن الدهان.
ديوان ابن مكانس - وفيه نثره أيضاً - بقلم نسخي سنة ٩٨٩ هـ.
السيرة النبوية - لابن إسحاق. رواية ابن هاشم. جزء منها بقلم أندلسي نفيس سنة ٥٣٣ هـ.
شرح الجمل في النحو - للزجاجي. تأليف ابن الصائغ الكناني، بقلم مغربي سنة ٨٩١.
شرح دواوين الشعراء الستة الجاهليين - الجزء الأول بقلم أندلسي جميل سنة ٥٩٤ هـ، وبهاشمه حواش وتعليقات.
طبقات النحويين واللغويين - لأبي بكر الزبيدي الأندلسي. نسخة بقلم أندلسي قديم من خطوط القرن الخامس تقديراً، وهذه هي النسخة الثانية من الكتاب، فلم يكن يعرف منه إلا نسخة وحيدة بمكتبة نور عثمانية بمدينة استانبول بتركيا. وعنها أصدر الأستاذ الجليل محمد أبو الفضل إبراهيم نشرته الأولى للكتاب، ثم أعاد تحقيقه ونشره على هذه النسخة الثانية وصدر عن دار المعارف بمصر منذ سنتين.
العباب في اللغة - للصاغاني. خمسة أجزاء تمثل نحو ثلثي الكتاب، منها
стр. 90
أربعة أجزاء بخط المؤلف نفسه، سنة ٦٥٠، وخطه نسخي جيد. وهذا الكتاب من كتب اللغة المعتبرة، ويعد من المراجع الأساسية للمعجم المعروف «تاج العروس في شرح القاموس».
ووجود هذه الأجزاء الخمسة من «العباب» في الخزانة الملكية بالرباط يعد كسباً كبيراً، فإن هذا الكتاب لا تكاد توجد منه نسخة كاملة في أي من مكتبات العالم إلى الآن.
فضائل الشام - لأبي سعيد السمعاني. نسخة بقلم نسخي نفيس سنة ٦٤٩ هـ، وعليها قراءة للإمام الصاغاني المذكور، في سنة كتابة النسخة. وحسب معرفتي لا أعلم لهذا الكتاب إلا نسخة واحدة بدار الكتب المصرية.
كليلة ودمنة - ترجمة ابن المقفع - نسخة بقلم نسخي نفيس من خطوط القرن الثامن، وبها أشكال ملونة تحكي أحداث القصة.
مختصر شرح مسائل حنين بن إسحاق في الطب، لمؤلف مجهول. نسخة بقلم نسخي حسن من خطوط القرن الثامن.
المصباح المنير في غريب الشرح الكبير - للفيومي نسخة بخط المؤلف، كتبها سنة ٧٣٧ هـ. والمصباح المنير هو ذلك المعجم اللغوي المحرر الذي كان مقرراً على تلاميذ المدارس الثانوية في مصر إلى عهد ليس ببعيد.
المقتبس في تاريخ علماء الأندلس - لابن حيان. جزء منه بقلم أندلسي جيد من خطوط القرن السادس تقديراً. وهذا «المقتبس» نادر وعزيز جداً في مكتبات العالم، ويشتغل به الآن الأستاذ الدكتور محمود علي مكي.
المنتخب من مسند عبد بن حميد الكشي - لمؤلف مجهول. نسخة بقلم مغربي دقيق سنة ٧٢٠ هـ، ويوجد المسند نفسه بخزانة القرويين بفاس.
نفح الطيب من غصن الأندس الرطيب - للمقَّري المتوفى سنة ١٠٤١ هـ، نسخة بخط المؤلف.
стр. 91
هذه مثل قليلة مما تضمه الخزانة الملكية من نفائس المخطوطات.
أما الخزانة العامة بالرباط فتمثل المخطوطات المحفوظة بها: الرصد العام للخزانة، ثم مخطوطات الخزائن الخاصة التي ضمت إلى الخزانة العامة، حفظاً لها وحرصاً عليها، ويأتي في مقدمة هذه الخزائن الخاصة: مكتبة عبد الحي الكتاني، وبعدها مجموعة الجلاوي والحجوي، ثم حصيلة الزاوية الحمزاوية والزاوية الناصرية.
وإذا كانت الخزانة الملكية تحتفظ بأثر نادر من آثار المشارقة، وهو كتاب «الصاهل والشاحج» الذي ذكرت لك خبره من قبل، فهذه الخزانة العامة تحتفظ أيضاً بكتاب نادر للجاحظ، ذلك هو كتاب «البرصان والعرجان والعميان والحولان» الذي سجل فيه الجاحظ أدب أصحاب العاهات، مستطرداً على جاري عادته إلى ذكر النوادر والغرائب.
لقد ظل هذا الكتاب المعجب يتردد في بطون الكتب القديمة دون أن تعرف له نسخة في مكتبات العالم، حتى اكتشفه الشيخ البحاثة السيد المختار السوسي، صاحب كتاب «المعسول» ﵀. وقف المختار السوسي على هذا الكتاب منذ نحو أربعين سنة، قابعاً في الزاوية العياشية ببلدة بزو، بين تادلة والسراغنة جنوب شرقي الدار البيضاء. وتتوالى الأيام ولا يفرط المغاربة في ذلك الأثر النادر، حتى كانت زيارة الدكتور صلاح الدين المنجد إلى بلاد المغرب، منذ نحو عشرين سنة، وهو إذ ذاك مدير معهد المخطوطات، ويصحبه عالم المخطوطات الكبير الأستاذ محمد إبراهيم الكتاني، إلى بزو، ويقدم له نفائس المخطوطات ومن بينها هذا الكتاب الفريد، الذي يقدم المغاربة صورة منه هدية للمشارقة تحفظ بخزانة معهد المخطوطات بمصر، ثم يقوم الأخ الدكتور محمد مرسي الخولي بتحقيق هذا الكتاب ونشره على تلك النسخة الوحيدة، منذ ثلاثة أعوام بمصر، وكتب عنه نقداً عالم تطوان الكبير الأستاذ محمد بن تاويت في مجلة دعوة الحق المغربية، عدد جمادى الأخيرة من هذا العام.
стр. 92
وليس كتاب الجاحظ هذا هو الأثر الوحيد الذي تنفرد الخزانة العامة بالاحتفاظ به دون مكتبات العالم، فمن ذلك ايضاً:
تعليق من أمالي ابن دريد، نسخة بقلم نسخي جيد، سنة ٦٤١ هـ.
الوسيط في الأمثال - للواحدي المفسر، نسخة بقلم نسخي نفيس من خطوط القرن السادس تقديراً، ولا يعيب هذه النسخة الوحيدة إلا أن بها سقطاً في وسطها.
وهذا الكتاب لم يرد له ذكر في فهارس المكتبات، ولعل ذلك هو الذي دفع المستشرق الألماني رودلف زلهايم إلى أن يقول: «ولا ندري المقصود بما ذكره البغدادي في الخزانة ٤/ ١١٠، من قوله: قال الواحدي في أمثاله» (١).
منال الطالب في شرح طوال الغرائب (أي الأحاديث الطويلة المأثورة عن رسول الله ﷺ ، والصحابة والتابعين رضوان الله عليهم) - لمجد الدين بن الأثير، صاحب كتاب «النهاية». نسخة بقلم نسخي نفيس جداً. وقد اجتمع لهذه النسخة من أسباب التوثيق والقَبول ما لا يكاد يجتمع في نسخة أخرى: فناسخها هو محمد بن نصر الله، وهو ابن أخي المؤلف، والده ضياء الدين ابن الأثير صاحب كتاب: «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر». وقد فرغ محمد من نسخ الكتاب سنة ٦٠٦ هـ، ثم قرأه وسمعه وصحَّحه على عمه المؤلف، وكتب صورة القراءة والسماع عمه الثاني عز الدين بن الأثير المؤرخ صاحب كتاب «الكامل».
ديوان شعر - لعبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم القيسي الأندلسي، كان حيّاً سنة ٨٣٦ هـ، وليس لهذا الشاعر ولا لديوانه ذكر في أي مكان، وتتجلى أهميته البالغة في أنه عاش في الأندلس أواخر أيام دولة الإسلام هناك، وقضى حقبة من حياته أسيراً عند الإسبان، وقال في هذه الأثناء كثيراً من شعره، كما سجل في شعره كثيراً من الأحداث في عصره، ورثي كثيراً من المراكز الإسلامية التي عاصر سقوطها في يد الإسبان (٢).
стр. 93
وإلى جانب هذه المخطوطات الوحيدة التي تحتفظ بها الخزانة العامة في الرابط: رأيت نفائس أخرى. منها: إعراب القرآن الكريم - لأبي إسحاق الزجاج، نسخة في عشرة أجزاء، بقلم نسخي جيد سنة ٣٨٣ هـ.
مجموع بقلم نسخي نفيس جداً، كتب سنة ٣٥١ هـ - فيه من الكتب:
الموجز في النحو - لابن السراج.
الموفقي في النحو - لابن كيسان.
كتاب النحو - للغدة الأصبهاني.
شرح ما يكتب بالياء من الأسماء المقصورة والأفعال - لابن درستويه.
المقصور والمدود - لأبي عمر الزاهد.
كتاب الكتاب (أي الكتابة والخط والإملاء، وفيه كلام عن المذكر والمؤنث) لابن درستويه.
المذكر والمؤنث - للمفضل بن سلمة.
كتاب الخط، وكتاب القلم، وكتاب العروض - الثلاثة لابن السراج.
مختصر في فلك دوائر العروض - لبعض العروضيين.
كتاب القوافي - لأبي القاسم الطيب بن علي التميمي.
الاشتقاق - لابن دريد، نسخة بقلم نسخي جيد، كتبها العالم المعروف أحمد بن عبد القادر بن مكتوم المتوفى سنة ٧٤٩ هـ. وهذه النسخة هي الثانية المعروفة في مكتبات العالم من هذا الكتاب إلى الآن. والنسخة الأولى محفوظة بمكتبة ليدن بهولندة، وعليها كان اعتماد المستشرق الألماني وستنفلد في نشرته سنة ١٨٥٤ م، ثم عول عليها أيضاً أستاذنا الجليل عبد السلام هارون في تحقيقه للكتاب.
التعازي والمراثي - للمبرد، نسخة بقلم نسخي نفيس سنة ٧٥٧ هـ، وهذه هي النسخة الثانية أيضاً من الكتاب. والنسخة محفوظة بمكتبة الأسكوريال بإسبانيا.
стр. 94
أنساب الأشراف - للبلاذري، نسخة كاملة في مجلد واحد، ثم نسخها سنة ٦٦١ هـ، وهي أقدم نسخة معروفة من الكتاب.
مقالة في الأدوية المضمونة المجربة - لجالينوس، ترجمة حنين بن إسحاق.
نسخة كتبت سنة ٦٨٣ هـ.
وتحتفظ الخزانة العامة بعدة مخطوطات بخطوط مؤلفيها، عرفت منها:
غريب الحديث - لابن الجوزي، فرغ من تأليفه سنة ٥٧٦ هـ، وخرجه من مبيضته سنة ٥٨١ هـ.
ميزان الاعتدال في نقد الرجال - للحافظ الذهبي وفي آخر النسخة سماعات على المؤلف، سنة ٧٤٣، ٧٤٥ هـ.
مجموع يحتوي على عدة تآليف - لتقي الدين السبكي المتوفى سنة ٧٥٦ هـ، وعلى بعض هوامشه خط صلاح الدين الصفدي.
قطعة من كتاب طبقات الشافعية الكبرى - لتاج الدين السبكي المتوفى سنة ٧٧١ هـ، ومن الغرائب أن هذه القطعة من نفس النسخة التي يوجد منها جزء بدار الكتب المصرية، برقم ٦٤ م (تاريخ مصطفى فاضل)، فانظر كيف تفرقت أجزاء النسخة الواحدة في مكتبات العالم!
وفي فاس العاصمة القديمة للمغرب توجد خزانة جامع القرويين، مفخرة البلاد المغربية على الإطلاق، في رحابه تكون رجال وازدهرت معارف، وقد وقف كثير من الملوك والأمراء والعلماء، على خزانة هذا الجامع، والعدد الوفير من المخطوطات في شتى العلوم والفنون، وتزخر هذه الخزانة بالنوادر والنفائس، ولا سبيل إلى ذكر كل ما رأيته من هذه وتلك، فحسبي أن أجتزئ ببعض المثل، فمن ذلك:
سير الفزاري - ويسمى كتاب السير في الأخبار والأحداث - لأبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن الحارث الفزاري المتوفى سنة ١٨٨ هـ، والموجود من هذا الكتاب الجزء الثاني، في ١٨ ورقة، وهو مكتوب على رق الغزال، وتم نسخه في
شهر ربيع الآخر سنة ٢٧٠ هـ (مائتين وسبعين)، وهذا تاريخ له خطره وجلاله عند المشتغلين بتاريخ المخطوطات، وعلى هذا الجزء خط خلف بن عبد الملك بن بشكوال، المؤرخ المشهور، صاحب كتاب «الصلة» في تاريخ علماء الأندلس، ثم توجد عدة أجزاء من نسخة أخرى كتبت سنة ٣٧٩ هـ، وتقع في ٥٩ ورقة.
стр. 95
أجزاء من نسخ مختلفة من تفسير الإمام أبي جعفر الطبري، على رق الغزال، وبعض هذه الأجزاء مكتوب سنة ٣٩١ هـ.
مختصر أبي مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري - في فقه المالكية - نسخة بخط أندلسي عتيق سنة ٣٥٩ هـ.
النوادر والزيادات - لابن أبي زيد القيرواني، في فقه المالكية، جزء منها على رق الغزال، بقلم أندلسي قوبل على نسخة المؤلف وهو على قيد الحياة سنة ٣٨٣ هـ.
كتاب الزهد والرقائق - لابن المبارك، نسخة بقلم أندلسي سنة ٤٦٥ هـ.
السيرة النبوية - لابن إسحاق، برواية يونس بن بكير، وهي رواية عزيزة جداً، فإن المطبوع المتداول ابن بكير هذه إلا من خلال النقول عنها، عن ابن سعد وابن الأثير وابن كثير (١)، والموجود من رواية ابن بكير في الخزانة الأجزاء: الثاني والثالث والرابع والخامس، وأحد هذه الأجزاء مكتوب سنة ٥٠٦ هـ.
الألفاظ في اللغة - لابن السكيت، رواية ثعلب، نسخة بقلم أندلسي على رق الغزال، قرئت على العالم اللغوي ابن السيد البطليوسي في منزله بمدينة بلنسية سنة ٥١١ هـ.
السماء والعالم - في اللغة - لأبي عبد الله محمد ابن أبان اللخمي القرطبي المتوفى سنة ٣٥٤ هـ، الموجود منه الجزء الثالث بخط أندلسي قديم، وبآخره وقفية
стр. 96
سنة ٨٥٥ هـ، ولا تعرف من هذا الكتاب نسخة في أي من مكتبات العالم، وهو من مراجع ابن سيده في كتابه «المخصص».
البيان والتبيين - للجاحظ، الجزء الثالث من نسخة جليلة، على رق الغزال بقلم أندلسي نفيس جداً ضارب في القدم، والنسخة مقابلة على أصول صحيحة: أصل الوقشي، وابن سراج، وعطاء بن البادش، وبحواشيها تعليقات قيمة من كتاب الموالي، وكتاب الحيوان للجاحظ.
الإبانة في الوقف والابتداء، في القرآن الكريم - لأبي الفضل محمد بن جعفر الخزاعي، نسخة عتيقة بخط ابن الباذش النحوي المعروف، فرغ من نسخها سنة ٥٢٠ هـ.
كتاب مشتبه النسبة، معه المؤتلف والمختلف في أسماء وألقاب رواة الحديث - كلاهما للحافظ عبد الغني بن سعيد الأزدي المصري، نسخة بخط نسخي جيد سنة ٥٣٦ هـ.
كتاب خلق الإنسان، وكتاب الفرق، في اللغة، كلاهما لثابت بن أبي ثابت، نسخة بخط أندلسي سنة ٦٠٠ هـ، وفي الخزانة نسخة أخرى من خلق الإنسان، بها بعض النقص، وهي بخط أندلسي قديم، وهذا «خلق الإنسان» كان قد نشره الأستاذ المحقق عبد الستار أحمد فراج بالكويت منذ عشر سنوات، عن نسخة وحيدة محفوظة بالمكتبة التيمورية بدار الكتب المصرية.
تاريخ رواة الحديث - لابن أبي خيثمة، الموجود منه الجزء الثالث، بقلم أندلسي سنة ٦١٠ هـ، وهذا الكتاب عزيز جداً، وقد عرفت ورأيت منه قطعتين صغيرتين: الأولى بالخزانة العامة بالرباط، والثانية بالمكتبة المحمودية بالمدينة المنورة، على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى السلام.
مختصر تفسير أبي زكريا يحيى بن سلام التيمي المتوفى سنة ٢٠٠ هـ، تأليف أبي عبد الله محمد بن عبد الله ابن أبي زمنين المتوفى سنة ٣٩٩ هـ، نسخة بخط أندلسي سنة ٦١١ هـ.
стр. 97
كتاب الأخلاق المسمى: نيقوماخيا - لأرسطو، بخط مغربي سنة ٦١٩ هـ، وبآخره مقالة في المدخل إلى علم الأخلاق يظن أنها من تأليف نيقولاوش.
مجمع بخط أندلسي سنة ٦٣٦ هـ، فيه كتاب الأضداد للتوزي، وكتاب الفرق بين الحروف الخمسة، وكتاب المثلث في اللغة، كلاهما لابن السيد البطليوسي.
البيان والتحصيل - في فقه المالكية - لابن رشد الجد، نسخة مزينة بخط أندلسي دقيق على رق غزال، كتب سنة ٧٢٠ هـ، وتفيد هذه النسخة المعنيين بدراسة الخطوط وتطورها، فقد كتبت بقلم أندلسي دقيق ومنسّق جداً، وبلغ عدد صفحاتها ٤٦٠ صفحة، في كل صفحة ٧٥ سطراً، وهذا نمط في الكتابة قل أن يوجد في المخطوطات العربية، وأوراق النسخة كلها من بطن الغزال، وهو أرق شيء فيه، ولك أن تقدر كم من الغزلان استخدم في كتابة هذه النسخة.
كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر (تاريخ ابن خلدون)، الموجود منه الجزآن الثالث والخامس من النسخة ذات الأجزاء السبعة التي وقفها ابن خلدون على خزانة جامعة القرويين، بتاريخ شهر صفر سنة ٧٩٩ هـ، وعليها خط يده.
كتاب في السياسة - لأبي بكر محمد بن الحسن المرادي المتوفى سنة ٤٨٩ هـ، نسخة مكتوبة سنة ٨٤٣ هـ.
منظومة رجزية في علم الطب العام - لابن الطفيل الفيلسوف، الرجز مرتب على سبع مقالات تتجاوز عدد أبياته ٧٧٠٠ بيت، ويقول بعض المغاربة الذين قرأوا هذه الأرجوزة أن ابن الطفيل تكلم فيها على مرض السكر.
شرح أرجوزة ابن سينا في الطب - لابن رشد الحفيد - نسخة بخط أندلسي قديم.
هذه مختارات مما تفيض به هذه الخزانة العريقة من الذخائر والتح، وقد رأيت بعض النفائس وقد عبثت بها الأرضة والرطوبة عبثاً شديداً، ولولا غيرة القائمين على الخزانة - وعلى رأسهم العلامة محمد العباد الفاسي - لأتت الأرضة والرطوبة
стр. 98
على الكثير من نوادرها، وهذا رجاء أبعث به إلى الحكومة المغربية الرشيدة - وأياديها على التراث مذكورة مشكورة - أن تولي مزيد اهتمام بهذه الخزانة، فتبادر بتصوير كل مقتنياتها تصويراً فنَّياً بعد أن ترممه وتجلده، ثم رجاء آخر إلى العلامة العابد الفاسي أن يخرج إلى النور هذا الفهرس العلمي القيم الذي صنعه لمحتويات الخزانة، الذي وظف فيه علمه الغزير وخبرته النادرة، فلقد رأيت كثيراً من التعليقات الجيدة على أغلفة المخطوطات بقلمه، آجره الله وجعله في موازينه.
وفي تطوان رأيت مخطوطات المكتبة العامة، وعددها قليل بالقياس إلى مخطوطات الرباط وفاس، ومن أهم ما تضمه هذه المكتبة ديوان أبي الطيب المتنبي - بقلم مغربي جميل، وتمتاز هذه النسخة بأن بها زيادات من شعر المتنبي ليست توجد في سائر نسخ الديوان المعروفة، فضلاً عما بها من ذكر مناسبات القصائد، وشرح بعض الألفاظ اللغوية، والتنبيه على المعنى المراد، والديوان مرتب على حروف المعجم، وبأوله مقدمة للأديب أبي جمعة المراكشي الماغوسي، في بيان أهمية شعر المتنبي، وما له من الحظوة عند ملوك السعديين.
وقد كتب عن مخطوطات تطوان العلامة عبد الله كنون، مقالة مستفيضة تراها في مجلة معهد المخطوطات - الجزء الثاني من المجلد الأول.
هذا ما كان من أمر المكتبات العامة التي عرفتها في المغرب. أما المكتبات الخاصة فتنتشر في حواضر المغرب وبواديه، وقد أشار إلى بعضها الدكتور صلاح الدين المنجد في الجزء الأول من المجلد الخامس، من مجلة معهد المخطوطات.
وقد عرف المغاربة المعاصرون قيمة ما انتهى إليهم من ذلك الإرث الكريم فتناولوه بالدرس والبيان، واكتشفوا من خلاله تاريخ الحاضرة في بلادهم، ونفر منهم طائفة تفقهوا في فن المخطوطات، فجروا وراءها يجمعونها من الزوايا والصحراء، ويقيمون حولها الدراسات، ثم يقدمونها للناس ميسورة الجنى دانية القطاف.
وقد عرفت ثلاثة رجال من أعلام هذه الطائفة: محمد المنوني ومحمد إبراهيم الكتاني في الرباط، ومحمد العابد الفاسي في فاس، وهذا تقدمت الإشادة بفضله عند
стр. 99
الحديث على القرويين. أما المنوني والكتاني فقد قدما للتراث العربي في المغرب يداً باقية وأثراً مذكوراً، فكم اكشفا من مخطوطات، وكم صحَّحا من نسبة كتب لغير أصحابها، ولولا خوف الإطالة لذكرت من هذا وذاك الشيء الكثير، ثم كانت مساعدتهما المخلصة وعونهما الكريم لكل من يرد المغرب أو يستفتيهما من خارجه، فلم يحجبها علماً ولم يبخلا بنصح.
ويمثل هؤلاء الأعلام الثلاثة الطبقة الأولى في الواقع الأدبي المغربي المعاصر، وهي الطبقة التي تخرجت في القرويين، واتصلت بالتراث في أصوله الأولى ومنابعه النقية بعيداً عن عبث المختصرين وضلال المتأولين.
وقد عاشت هذه الطبقة تجربة الحماية الفرنسية بكل مرارتها، فلم تخدع عن لغتها وتراثها، وظلت خفيفة به حريصة عليه مستزيدة منه.
وبجانب هؤلاء الأعلام الثلاثة عرفت من فحول هذه الطبقة: عبد الله كنون في طنجة، وسعيد أعراب، ومحمد داود، ومحمد بن تاويت - في تطوان، والرحالي الفاروقي في مراكش، وعبد السلام بن سودة في فاس، وفي الرباط: عبد الله الجراري، وعبد العزيز بن عبد الله، ومحمد الفاسي، عبد الوهاب بن منصور، ومحمد بن العباس القباح، والحاج محمد باحنيني وزير الثقافة، وهذا الرجل نمط وحده، فهو أديب مترسل، تستمع إليه فيحملك إلى دنيا حافلة بالنغم الحلو واللفظ المعجب والمعنى الشريف. وقد أتيح لي أن أستمع إليه في أمسية شعرية بالرباط، قدم فيها الشاعر السوري الكبير عمر أبو ريشة، فخلتني مع بيان الجاحظ وترسل ابن العميد، ولا أعتقد أن لهذا الأديب نظائر كثيرة في المشرق والمغرب.
وما زالت هذه الطبقة تواصل عطاءها السخي، وعلى وقع خطواتها سارت الطبقة الثانية من أدباء المغرب، وهي طبقة أصابت من مائدة القرويين العامرة، ثم اتصلت بالمناهج الحديثة وحصلت على أرقى الشهادات الجامعية، واتخذت مكانها في قاعات الدرس بالجامعة والمعاهد العلمية، وهذه الطبقة هي أمل المغرب
стр. 100
المعاصر، لما عرفت من وقوفها على القديم واتصالها بالحديث، وقد أدركت منها: الأساتذة الدكاترة: محمد بن شريفة، وعباس الجراري، وعبد الهادي التازي - في الرباط، والأستاذ الدكتور عبد السلام الهراس، وعبد الوهاب التازي، والشاهد البوشيخي - في فاس، والأستاذين حسن الوراكلي وإسماعيل الخطيب - في تطوان، وعباس الجراري أكثر هؤلاء اتصالًا بالحديث، مع روافد تراثية خصبة.
ونأتي إلى الطبقة الثالثة: كتاب الرواية والقصة والمسرحية والشعر والحديث، وكتَّاب هذه الفنون الأدبية في المغرب يعالجونها على النحو الذي تعالج به في مصر والشام والعراق وسائر بلاد المشرق سواء بسواء، من حيث البناء والمضامين والانتماءات الفكرية المختلفة.
وتطالعك من كتاب الرواية والقصة أسماء: عبد الكريم غلاب، وإدريس الخوري، وبوشتي حاضي. ومن كتاب المسرحية: عبد الكريم برشيد، ومصطفى الزباخ، ومن الشعراء: محمد الصباغ، وحسن الطريبق، وأحمد المجاطي، وعبد الكريم الطبال، ومحمد السرغيني، ومحمد بن ميمون، ولا شك أن هناك كثيرين غير ما ذكرت ممن عرفت خلال رحلتي الاثنتين إلى المغرب.
وهذه الطبقات الثلاث من علماء وأدباء المغرب تواصل إنتاجها بثراء وغزارة، وبجمعها كلها عتاب شديد على أدباء المشرق لإعراضهم وتجافيهم عما تنتجه القرائح المغربية، وهذا العتاب يأتيك هامساً رفيقاً من طبقة الشيوخ، وتسمعه صاخباً غاضباً من طبقة الشباب، فعلى حين يرى الشيوخ أن هذا الإعراض والتجافي إنما جاءا نتيجة عوامل اصطنعت في الأمة العربية اصطناعاً لتلفتها عما وجدت عليه آباءها، وهي إلى زوال وانقضاء، يرى الشباب أنهما - الإعراض والتجافي - نغمة من مقام التفوق الثقافي الذي يحس به المشارقة نحو المغاربة، وآية ذلك هذا السيل من الكتب التي تحمل عناوين توحي بالشمولية، مثل «دراسات في الشعر العربي المعاصر» من مصر، و «الشعر العربي الحديث وروح العصر» من العراق،
стр. 101
و «في الشعر العربي المعاصر» من سوريا، ثم تقرأ هذه الكتب فلا ترى فيها ذكراً لشاعر من شعراء المغرب.
وقد كتب الأديب عبد الجبار العلمي، يرد على الأديب السوري بندر عبد الحميد كلمته التي نشرها بجريدة الثورة السورية، عن التجربة الشعرية في المغرب، واتهامها بالانطواء والعزلة، ومما قاله العلمي: «وأحب أن أقول للسيد بندر عبد الحميد: إن المثقفين المغاربة من أشد الناس حرصاً على الاطلاع على النشاط الثقافي في كل الأقطار العربية، وأنهم يلتهمون كل ما يصل إلى المغرب من كتب ومجلات وصحف عربية، وأنهم يتمثلون كثيراً من التيارات الجديدة، سواء في القصة أو المسرح أو الشعر، وأن التجربة الحديثة لدينا تمتح من جميع الاتجاهات، سواء منها العربية أو الأجنبية ... وهناك عديد من الأبحاث في كلية الآداب في السنة الأخيرة من الليسانس، كلها تتضمن شخصيات أدبية معاصرة، سواء في مصر أو في سوريا أو في العراق» (١).
وهذا الذي قاله الأديب عبد الجبار العلمي حق كله، وقد وقفت على أماراته وشواهده في كل المدن المغربية التي زرتها، فالمكتبات عامرة بآثار المشارقة، وإحالات الأساتذة الجامعيين وغيرهم من الباحثين على كتابات أدباء المشرق تملأ حواشي كتبهم، وعلى الجانب الآخر انظر ما يكتبه بعض المشارقة من دراسات أندلسية أو مغربية، وسترى خلطاً كثيراً واضطراباً بيَّناً، أدى إليهما قلة معرفة بالمراجع المغربية الأصيلة، وعدم متابعة لما يجري على الساحة المغربية من نشاط أدبي وفير.
وليسمح لي الأستاذ العلمي أن أنتقل بالقضية إلى ميدان أخطر وأجل من قضايا القصة والمسرح والشعر الحديث، إنها قضية الفكر العربي الشتيت، والأمة الغافلة عن ماضيها، الذاهلة عما يراد بها، ولقد كان هناك تواصل ولقاء بين أبناء هذه الأمة
стр. 102
يوم كانت وسيلة الاتصال الناقة والسفينة، وحين تقاربت المسافات وطويت الآماد تقطعت أسباب التواصل وانصرف كل في واد، وقد حدثتك من قبل عن قاسم بن أصبغ الأندلسي الذي روى عن ابن قتيبة كتبه بمنزله ببغداد، ويا بعد ما بين الأندلس وبغداد.
ولم يعد هناك من صور التواصل إلا ما يكون من تلك المؤتمرات الأدبية التي تعقد في عاصمة من عواصم البلاد العربية كل عام أو عامين، تستغرق من الأيام سبعة أو عشرة، وتنتهي جلساتها ببعض القرارات والتوصيات التي تذروها الرياح، بل قد تكشف هذه المؤتمرات أحيانًا عن تنافر موحش بين أعضاء الوفود، نتيجة اختلاف المشارب والأهواء، وإقحام قضايا تجافي روح الأدب والفكر.
وإذا كانت الأمة العربية تشترك كلها مشرقاً ومغرباً في مسؤولية التواصل هذه، فإني أشهد أن المغاربة لم يقصروا، وما برحوا يمدون أبصارهم إلى المشرق، تكريماً لعلمائه وإفادة منهم، فهذه الدروس الدينية الرمضانية التي تلقى بين يدي جلالة الملك الحسن الثاني ملك المغرب، في قصره بالرباط، والتي تسمَّى: الدروس الحسنية، يدعى إليها كبار مفكري الإسلام من البلاد العربية، وقد دعي من علماء مصر هذا العام أستاذنا الجليل محمود شاكر - ويسميه بعضهم هناك: شيخ العربية - والباحث الدكتور مصطفى محمود.
وقد حدَّثني أحد منظمي مهرجان ابن زيدون في الرباط أنَّ وزارة الثقافة المغربية قد دعت إلى هذا المهرجان كل من له أدنى صلة بابن زيدون في مختلف البلاد العربية، وقد دعي من أدباء مصر عدد وفير ليسوا كلهم على صلة بابن زيدون، بل إن بعضهم لا وجود له فيما يكتب من أدب في مصر هذه الأيام، وقد كانت له أيام، ولكنها رغبة المغاربة الدائمة في تكريم الأديب المصري، وإجلالهم لماضيه، حين زالت الحواجز التي كانت تعوق حركة المصريين اندفع المغاربة في دعوة كثير من أساتذة الجامعات المصرية للإفادة من علمهم في قاعات الدرس بالجامعات المغربية.
стр. 103
والحق أن لمصر في الوجدان المغربي رصيداً ضخماً من الحب والإعزاز، تراه أنَّى سرت وحيثما توجَّهت، وقد رأيت من تعلق المغاربة بكل ما هو مصري ما لا يبلغ كنهه وصف واصف، ولا يسوء القوم إلا أننا نجهل عنهم الكثير، ولقد قال لي عالم مغربي كبير: إننا نعرف عنكم كل شيء وأنتم لا تعرفون عنا أي شيء.
وبعد: فإذا كان المغرب قد حافظ على التراث العربي، مخطوطات نادرة ونصوصاً قيمة، فإنه قد حافظ عليه أيضاً، سلوكاً وفضلاً ورعاية لواجب الأخوة مهما تباعدت الديار وتناءت الأمصار.
وهذه دعوة من فوق منبر «الثقافة» إلى أدباء المشرق عامة، وأدباء مصر خاصة أن يلتفتوا لفة جادة إلى أدب إخوانهم في المغرب، درساً له وبحثاً عن مواطن الإجادة فيه، فما ينبغي أن يظل هذا الركن القصي من الوطن العربي غير محسوب في خريطة الفكر العربي.
* * *
стр. 104
عينية ابن زريق (١)
ذهب الشعراء المكثرون بالذيوع والشهرة في مجال قراءة الشعر ودرسه، وبقي على ساحة القريض طائفة كبيرة من الشعراء الذين عرفوا بالشعراء المقلَّين، وقد قال هؤلاء من الشعر أحلاه، وصاغوا من النغم أعذبه، وتوزعت أغاريدهم وأنغامهم في المجاميع الأدبية والأمالي والمجالس، وكتب التاريخ والتراجم والبلدان، وموسوعات العلوم، كالتفسير والنحو واللغة والبلاغة.
ولن يستقيم درس الشعر العربي وتبرز صورته واضحة الملامح بيَّنة القسمات إلاَّ إذا جمع شعر هؤلاء الشعراء المقلَّين، وأوتي حظه من البحث والتأمل.
وقد نشط إخواننا أدباء العراق هذه الأيام لجمع هذا الشعر وإذاعته في دواوين صغيرة، وعلى الرغم مما شاب عملهم من بعض العجلة والقصور في تخريج الشعر وتوثيقه، فإنه جهد طيب خليق بكل الاحتفال والمؤازرة والاقتداء.
وليت أساتذة الجامعات العربية يغرون تلاميذهم في الدراسات العليا بجمع هذا الشعر ودرسه، وليتجه هذا الجمع إلى البلدان في عصورها المختلفة، فيقال مثلًا: «شعراء مصر في القرن الرابع الهجري»، وهكذا في سائر البلدان العربية على امتداء العصور، ومن أعجب العجب أن ما كتبه أسلافنا لإقامة مثل هذه الدراسات كبير وفير، ولكنه يخفى على كثير ممن يتعاطون الأدب والشعر هذه الأيام، كأنه كتب بلغة غير لغتنا لأمة سوى أمتنا:
فدع عنك نهباً صِيح في حَجَراته ... ولكنْ حديثاً ما حديث الرواحلِ
وأقول: إن بعض هؤلاء الشعراء المقلين عرف بقصيدة واحدة تناقلها الرواة
стр. 105
وأنشدها المنشدون. ومنهم ابن زريق صاحب القصيدة العينية البديعة التي يسمع المحب فيها رجع أناته، ويحس الغريب منها لذع الغربة يكوي فؤاده ويشده إلى مراتع صباه ومراتع لهوه، ويغذي الصوفي بها مواجيده وأشواقه، ثم يجد فيها قارئ الشعر متعته بما يسري فيها من نغم علوي وإيقاع آسر.
وقد شرَّقت هذه القصيدة وغرَّبت، وعُدَّ حفظها من أسباب الظرف. روى أبو عبد الله الحميدي المتوفى سنة ٤٨٨ هـ، عن الإمام أبي محمد بن حزم، قال: «يقال: من تختم بالعقيق وقرأ لأبي عمرو وتفقه للشافعي وحفظ قصيدة ابن زريق فقد استكمل الظرف» (١).
وابن زريق صاحب هذه القصيدة هو: أبو الحسن علي بن زريق الكاتب البغدادي، عاش في بغداد ثم رحل إلى الأندلس وبها توفي. ولم أجد له ترجمة تعين تاريخ مولده أو وفاته. ويرى المستشرق الألماني كارل بروكلمان (٢) أنه توفي نحو سنة ٤٢٠ هـ، وقد أورد له صلاح الدين الصفدي (٣) ترجمة موجزة جداً، ذكر فيها أنه أنشأ هذه القصيدة في مدح العميد أبي نصر وزير طغرلبك. وأبو نصر هذا هو: عميد الملك الوزير محمد بن منصور الكندري المتوفى سنة ٤٥٦ (٤)، لكن أبا حيان التوحيدي أنشد بيتين من قصيدة ابن زريق لم ينسبهما، وهما قوله:
أستودع الله في بغداد لي قمرا ... بالكوخ من فلك الأزرار مطلعه
ودعته وبودَّي لو يودعني ... صفو الحياة وإني لا أودعه (٥)
стр. 106
وأبو حيان توفي نحو سنة ٤٠٠ هـ، فيتطرق الشك إذن إلى أمرين: الأول كون القصيدة قيلت في مدح عميدالملك الذي تأخرت وفاته كثيراً عن وفاة أبي حيان. الثاني: نسبة البيتين لابن زريق. ولما كنا لا نملك ما ندفع به الأمر الأول، برغم أن القصيدة ليس فيها ذكر لعميد الملك، لا من قريب ولا من بعيد، فإن الشك ينحصر في الأمر الثاني، وهو أن البيتين ليسا لابن زريق، ويقوي هذا دليلان: الأول: أن أبا حيان لم ينسب البيتين لقائل، لا لابن زريق ولا لغيره. الثاني: أن أبا منصور الثعالبي (١)، نسبهما مع بيتين يأتيان بعدهما في ترتيب القصيدة إلى الوأواء الدمشقي المتوفى نحو سنة ٣٨٥ هـ، والثعالبي حجة فيما يورده، لأنه يسجل أدب عصره، وقد أورد محقق ديوان الوأواء (٢) هذه الأبيات الأربعة عن الثعالبي، ووضعها في الزيادات التي ليست بأصل الديوان، ثم ذكر أن الأبيات من قصيدة ابن زريق، وأحال على كتاب «الكشكول» للعاملي.
وإذا صح كلام الثعالبي فيكون ابن زريق قد ضمَّن هذه الأبيات الأربعة قصيدته التي لا شك في نسبتها إليه، أو أن بعض الرواة أقحم الأبيات على القصيدة، لاتفاق القافية والوزن والنفس الشعري.
ولعل مما يتصل بهذه القضية أني وجدت أبياتاً للتهامي المتوفى سنة ٤١٦ هـ، شديدة الشبه بأبيات ابن زريق، أوردها أسامة بن منقذ (٣)، أولها:
أستودع الله في أرض الحجاز رشا ... في روضة القلب مأواه ومرتعه
ونأتي إلى من أثبت قصيدة ابن زريق، فأول من عرفت: أبو سعد السمعاني المتوفى سنة ٥٦٣ هـ، وذكر أبياتاً من القصيدة غير تامة، وبعده: أسامة بن منقذ المتوفى سنة ٥٨٤ هـ، وذكر من القصيدة عشرة أبيات، وصلاح الدين الصفدي المتوفى سنة ٧٦٤ هـ، وتاج الدين السبكي المتوفى سنة ٧٧١ هـ، وأبو بكر بن حجة
стр. 107
الحموي المتوفى سنة ٨٣٧ هـ، وبهاء الدين العاملي المتوفى سنة ١٣٠١ هـ (١)، وهؤلاء الأربعة ذكروا القصيدة كاملة، وانفرد السبكي وابن حجة بإيرادها بسندهما المتصل إلى ابن زريق.
ومما ينبغي التنبه له أن هناك شاعراً آخر في القرن الرابع، عرف أيضاً بابن زريق، وقد ترجم له الثعالبي في اليتيمة، وأورد له شعراً، ولم يذكر له اسماً، إنما ذكره بكنيته، فقال: «أبو محمد بن زريق الكوفي الكاتب» (٢)، وأنشد له بيتين في مدح بغداد، في كتابه: «ثمار القلوب في المضاف والمنسوب» (٣)، وأنشد هذين البيتين أيضاً ياقوت الحموي في «معجم البلدان» عند كلامه على بغداد.
وقد أنشد ابن خلكان البيت: أستودع الله في بغداد ... إلخ. ثم قال: وهذا البيت لمحمد بن زريق الكاتب الكوفي، من جملة قصيدة طويلة (٤).
ومهما يكن من أمر فهذه رائعة ابن زريق، وقل أن أخلي بينك وبينها، وأقول: إن هذه القصيدة ليست كل ما تركه ابن زريق من إنتاج شعري، فقد وجدت له قصيدة جيدة في رثاء ديك، أوردها صلاح الدين الصفدي في كتابه «الوافي بالوفيات» ولعلي
стр. 108
أوفق في نشرها قريباً، ثم ذكر بروكلمان أن له أرجوزة في الأخلاق، مخطوطة في برلين، ومن يدري لعل له أشياء غير هذه وتلك، فكم في الزوايا من خبايا:
[«عينية ابن زريق»]
لا تعذلية فإن العذل يولعه ... قد قلت حقاً ولكن ليس يسمعه (١)
جاوزت في لومه حداً أضر به ... من حيث قدرت أن اللوم ينفعه
فاستعملي الرفق في تأنيبه بدلا ... من عذله فهو مُضنى القلب موجعه
قد كان مضطلعاً بالبين يحمله ... فضلعت بخطوب البين أضلعه (٢)
يكفيه من لوعة التفنيد أن له ... من النوى كل يوم ما يروعه (٣)
ما آب من سفر إلا وأزعجه ... رأي على سفر بالعزم يجمعه
كأنما هو من حل ومر تحل ... موكل بفضاء الأرض يذرعه (٤)
إذا الزماع أراه في الرحيل غنى ... ولو إلى السند أضحى وهو يزمعه (٥)
تأبى المطامع إلا أن تجشمه ... للرزق كدا وكم ممن يودعه
وما مجاهدة الإنسان واصلةً ... رزقاً ولا دعة الإنسان تقطعه
والله قسم بين الخلق رزقهم ... لم يخلق الله مخلوقاً يضيعه
لكنهم ملئوا حرصاً فلست ترى ... مسترزقاً وسوى الغايت تقنعه
والحرص في الرزق والأرزاق قد قسمت ... بغي ألا إن بغي المرء يصرعه
والدهر يعطي الفتى ما ليس يطلبه ... يوماً ويطمعه من حيث يمنعه
أستودع الله في بغداد لي قمراً ... بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه
стр. 109
ودعته وبودي لو يودعني ... صفو الحياة وأني لا أودعه
وكم تشفع بي ألا أفارقه ... وللضرورات حال لا تشفعه
وكم تشبث بي يوم الرحيل ضحى ... وأدمعي مستهلات وأدمعه
لا أكذب الله: ثوب العذر منخزق ... عني بفرقته لكن أرقعه
إني أوسع عذري في جنايته ... بالبين عنه وقلبي لا يوسعه
أعطيت ملكاً فلم أحسن سياسته ... وكل من لا يسوس الملك يخلعه
ومن غدا لابساً ثوب النعيم بلا ... شكرٍ عليه فعنه الله ينزعه
اعتضت من وجه خلي بعد فرقته ... كأساً تجرَّع منها ما أجرَّعه
كما قائل لي ذقت البين قلت له ... الذنب والله ذنبي لست أدفعه
ألا أقمت فكان الرشد أجمعه ... لو أنني يوم بان الرشد أتبعه
إنني لأقطع أيامي وأنفذها ... بحسرة منه في قلبي تقطعه
بمن إذا هجع النوام بت له ... بلوعة منه ليلي لست أهجعه
لا يطمئن بجنبي مضجع وكذا ... لا يمطئن له مُذ بنت مضجعه
ما كنت أحسب ريب الدهر يفجعني ... به ولا أن بي الأيام تفجعه
حتى جرى البين فيما بيننا بيد ... عسراء تمنعني حظي وتمنعه
وكنت من ريب دهري جازعاً فرقاً ... فلم أوق الذي قد كنت أجزعه
بالله يا منزل الأنس الذي درست ... آثاره وعفت مذ بنت أربعه
هل الزمان معيد فيك لذتنا ... أم الليالي التي أمضته ترجعه
في ذمة الله من أصبحت منزله ... وجاد غيث على مغناك يسرعه
من عنده لي عهد لا يضيعه ... كما له عهد صدق لا أضيعه
ومن يصدع قلبي ذكره وإذا ... جرى على قلبه ذكري يصدعه
لأصبرن لدهر لا يمتعني ... به ولا بي في حال يمتعه
علماً بأن اصطباري معقب فرجاً ... فأضيق الأمر إن فكرت أوسعه
عسى الليالي التي أضنت بفرقتنا ... جسمي ستجمعني يوماً وتجمعه
وإن تغل أحداً منا منيته ... فما الذي بقضاء الله يصنعه
* * *
стр. 110
التحقيق (١)
تحقيق النصوص علم له قوانينه وأعرافه ومصطلحاته وأدواته، وله جانبان: جانب الصنعة، وجانب العلم.
فأما جانب الصنعة: فهو ما يتصل بجميع النسخ المخطوطة للكتاب المراد تحقيقه، والموازنة بينها واختيار النسخة الأم أو الأصل كما سنعرض له فيما بعد ٠ ثم ما يكون بعد ذلك من توثيق عنوان المخطوط واسم المؤلف، ونسبة المخطوط إليه، ونسخه والتعليق عليه، وتخريج شواهده وتوثيق نقوله وصنع الفهارس الفنية اللازمة، فهذا كله جانب الصنعة الذي يستوي فيه الناس جميعاً، ولا يكاد يفضل أحد أحدًا فيه، إلا بما يكون من الوفاء بهذه النقاط أو التقصير فيها.
وأما جانب العلم في تحقيق النصوص: فهو الغاية التي ليس وراءها غاية، وهو المطلب الكبير الذي ينبغي أن تصرف إليه الهمم، وتبذل فيه الجهود، ولاء لهذا التراث العريق، وكشفاً لمسيرتنا الفكرية عبر هذه الأزمان المتطاولة.
وتلخيص هذا الجانب الآن في هذه المحاضرة المحدودة عسر كل العسر، والتدليل عليه لا يكون إلا بالنظر في أعمال المحققين الأثبات، وقراءة حواشيهم، وسترون أن هؤلاء المحققين العلماء دائرون في قضايا العربية كلها التي يدور حولها النص، أصالة أو استطراداً، ثم تأملوا جريدة مراجعهم وستجدون أنها تكاد تغطي