← Джавами‘

Джавами‘ · id 148533

مقالات الطناحي صفحات في التراث والتراجم واللغة والأدب

محمود محمد الطناحي

Полный текст (690 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ويجب أشد الوجوب أن نشد أبناءنا إليه في كل مراحل تعليم العربية. وأن يكون اختيارنا لآياته في مقرر (القراءة والنصوص) قائماً على تلك الآيات التي تنمي الحس اللغوي والنحوي عند التلاميذ، ولا سيما تلك الآيات التي تأتي فيها الأفعال مضبوطة على وجهها الصحيح، وقد لاحظت أن كثيراً من أبنية الأفعال التي نهطئ نحن الكبار أيضاً في ضبطها، أو ننطقها على وجه من الوجوه الضعيفة غير الفصيحة، جاءت على وجهها الصحيح في الكتاب العزيز، وأكتفي هنا ببعض الأمثلة: أمثلة من القرآن: يقول الناس في كلامهم: «كبر الولد يكبر» فيضمون الباء في الماضي والمستقبل، والصواب بالكسر في الماضي، وبالفتح في المستقبل: «كبرِ يكبَر» وهذا يكون في السن والعمر، يقال: كبر الرجل يكبر كبراً فهو كبير، أي طعن في السن، ومنه قوله تعالى عن أموال اليتامى والنهي عن أكلها: ﴿ولا تأكلوها إسرافًا وبدارًا أن يكبروا﴾ [النساء: ٦]، أما «كبر يكبر» بالضم في الحالتين، فليس من السن، وإنما هو بمعنى عظم، ضد صغر، وشواهده في الكتاب العزيز كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون (٣)﴾ [الصف: ٣]، وقوله : ﴿قل كونوا حجارة أو حديدًا (٥٠) أو خلقًا مما يكبر في صدروكم﴾ [الإسراء: ٥٠، ٥١]. ويقولون: نقمت عليه كذا وكذا - أي عبته وكرهته - فيكسرون القاف في «نقمت» والأفصح الفتح: نقمت، وهذا الفعل من باب ضرب، وفي لغة من باب تعب، والأولى هي الأفصح، قال ابن السكيت: «وقد نقمت عليه أنقم، والكسر لغة - أي في الماضي - والفتح الكلام»، قلت: وبه جاء التنزيل، قال تعالى: ﴿وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله﴾ [التوبة: ٧٤]، وقال تقدست أسماؤه: ﴿وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد (٨)﴾ [البروج: ٨]، وقال تقدَّست أسماؤه: ﴿قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله﴾ [المائدة: ٥٩]. ويقولون: فلان ينقصني حقي، وينقص في الميزان، فيضمون ياء المضارعة، والأفصح والأكثر فتحها، ينقصني، وينقص، وهذا الفعل ثلاثي: يستوي فيه اللازم

стр. 142

والمتعدي، يقال: نقض الشيء، نقصته أنا، ونقصه هو. وفي لغة: أنقصه ونقَّصه، معدَّى بالهمزة والتضعيف، لكنها لغة ضعيفة، ولم تأت في كلام فصيح، وشواهد ذلك من القرآن المتلو المحفوظ، ﴿ولا تنقصوا المكيال والميزان﴾ [هود: ٨٤]، وقوله تعالى: ﴿أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها﴾ [الرعد: ٤١]، وقوله: ﴿إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئًا﴾ [التوبة: ٤]. وقد جاء اسم المفعول من الثلاثي في قوله : ﴿وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص (١٠٩)﴾ [هود: ١٠٩]. ويقولون: حرص فلان على كذا، وحرصت على كذا، فيكسرون الراء، والأفصح فتحها، حرص وحرصت، وبالفتح جاء التنزيل، قال سبحانه وبحمده: ﴿وما أكثر الناس ولو حصرت بمؤمنين (١٠٣)﴾ [يوسف: ١٠٣]، وقال : ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم﴾ [النساء: ١٢٩]. ويقولون: صلح حالي، وصلح أمري، فيضمون اللام، والأفصح فتحها: صلَح، قال تعالى: ﴿جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم﴾ [الرعد: ٢٣]، وقال تقدَّست أسماؤه: ﴿ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم﴾ [غافر: ٨]، ومن شواهد ذلك في الحديث الصحيح قوله ﷺ من حديثه الطويل: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله»، قال الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر فتح العين في «صلح»: «وحكى الفراء الضم في ماضي صلح». وهذا بالفعل من باب قعد: صلح يصلح، وذكر ابن دريد أن ضم اللام في الماضي ليس بثبت. وهكذا تكون النصوص التراثية - وأعلاها كلام ربنا وسيلة ضبط وإتقان، إذا اعتنينا بها قراءة وحفظاً. ويبقى أمر لا بد من إثارته، لأنه يتصل بموضوعنا هذا بنسب وثيق، وإن كان في الظاهر دخيلًا عليه وبعيداً عنه، ولأنه أيضاً يتصل بالثقافة العامة وتنمية وجدان الأمة: وذلك أنك كنت تجد - في الزمان القريب - من أوساط الناس وعوامهم من يأنس للكلام الفصيح ويرتاح له، ويحفظ منه الشيء بعد الشيء، وذلك من خلال ما

стр. 143

يسمعونه من خطيب الجمعة، العالم المتمكن، من نصوص القرآن العزيز والحديث الشريف، والأدعية المأثورة. أما الآن فتكاد خطب الجمعة - ولا سيما على ألسنة الشبان المتحمسين - تتحول إلى ثرثرة وكلام عام مبهم عن «مدرسة محمد ﷺ »، و «الإسلام في خطر» و «الإسلام هو الحل» وهذا وهذان مما يصرف عن الاستشهاد بالقرآن والحديث وكلام العرب، وإذا أتاك شيء من ذلك فهو يأتيك في معظمه ملحوناً ومزالًا عن جهته. وكل هذا إنما جاء من مقولات مضللة، وهي أن «خطب الجمعة لا بد أن تتفاعل مع الأحداث المعاصرة، وأن تشارك في صنع القرار» ... إلى آخر ما تعرف. وليتنا نعود إلى خطبة الجمعة المكتوبة على الورق الأصفر، والتي كان الخطيب يدعو في آخرها للسلطان بالنصر - ونستغفر الله مما سخرنا من هذه الخطب - فمن خلال هذه الخطب المكتوبة حفظنا كثيراً من النصوص، وضبطنا كثيراً من أبنية الأسماء والأفعال. وربنا المستعان على ما يصفون. * * *

стр. 144

حلقات مفقودة في تراثنا المطبوع (١) كان إنجازاً حضاريّاً كبيراً ظهور المطبعة في القرن الخامس عشر الميلادي، على يد جوتنبرج الألماني (١٣٩٧ م - ١٤٦٨ م). ولئن كانت الغاية من الطباعة هي تكثير عدد نُسخ الكتاب لكي تُتاح قراءته لكثير من الناس، فقد تحققت هذه الغاية بصورة محدودة عند العرب قديماً، بما تمثل في كثرة نسخ الكتاب المخطوطة، ورواج صنعة الوراقة والنساخة. ويذكر الجاحظ أن يحيى بن خالد البرمكي لم يكن في خزانة كتب كتاب إلا وله وثلاث نسخ، ويذكر المقريزي أنه كان في خزانة العزيز بالله ثلاثون نسخة من كتاب «العين» للخليل بن أحمد، ومائة نسخة من «الجمهرة» لابن دريد، وأنه كان في خزانة الفاطميين مائتان وألف نسخة من «تاريخ الطبري». والمشتغلون بعلم المخطوطات يعلمون أن هناك كتباً ذوات عدد، كثرت نسخها كثرة ظاهرة، بحيث لا تكاد تخلو منها مكتبة من مكتبات العالم. وكأنما كان هذا الاختراع العجيب - اختراع الطباعة - من أجل فكرنا وتراثنا نحن العرب دون غيرنا من الأمم. فقد دارت المطابع شرقاً وغرباً لإخراج علمنا من مخطوطات محدودة إلى أسفار مطبوعة، بدأت بالمئين ثم انتهت إلى ما فوق الآلاف. ففي الغرب كان مهد الطباعة العربية في إيطاليا - كما هو معروف - ومن أوائل

стр. 145

ما طبع هناك متن «الكفاية» في النحو، لابن الحاجب سنة ١٥٩٢ م. و «القانون» في الطب، لابن سينا، سنة ١٥٩٣ م. ثم تعددت المطابع العربية في أوروبا، وطبع فيها مئات الكتاب العربية وأكثرها في لندن وباريس وليبزج وليدن وجوتنجن وروما وفيينا وبرلين وبطر سبورج. ومن أشهر في شهرتها مطبعة بولاق بمصر، لكن ما يؤخذ على هذه المطابع الأوروبية أنها كانت تطبع نسخاً محدودة من الكتب العربية، وكأنهم كانوا يطبعون لأنفسهم. أشهر المطابع: وفي الشرق كانت الآستانة (استانبول) عاصمة الخلافة العثمانية أسبق مدن الشرق إلى الطباعة. وكان من أشهر مطابعها مطبعة الجوائب التي أنشأها أحمد فارس الشدياق (١٨٠٤ م - ١٨٨٧ م) ونشر فيها طائفة صالحة من الكتب. ثم المطبعة العامر التي نشرت كتباً ذوات عدد، منها شرح «كافية ابن الحاجب» للرضي الاستراباذي، سنة ١٢٧٥ هـ، و «الكليات» لأبي البقاء الكفوي، سنة ١٢٨٧ هـ. ثم كانت الصيحة المدوية في طبع الكتاب العربي، في مطبعة بولاق بمصر، أو كما تُسمّى أحياناً «المطبعة الأميرية» وهي قلعة ضخمة من قلاع المعرفة. لقد أخرجت هذه المطبعة مئات الكتب في التفسير والحديث، والأصلين: أصول الدين وأصول الفقه، واللغة والنحو والصرف، والبلاغة والأدب، والتاريخ والطب والرياضة والطبيعة والفنون الحربية، وغير ذلك من أصناف العلوم ... إلى ألف ليلة وليلة، ورجوع الشيخ إلى صباه ... فأيُّ علمٍ كان في ذلك الزمان! وإلى جانب مطبعة بولاق ظهرت المطابع الأهلية، مثل مطبعة جمعية المعارف، والخيرية والعثمانية والأزهرية والشرفية أو الكاستلية والرحمانية والجمالية والمنار والمنيرية وكردستان العلمية وهندية والسعادة والتجارية وصبيح ثم المطبعة الميمنية التي كانت أساساً للحلبي بفرعيه: مصطفى البابي، ومحمد. ومطبعة دار الكتب المصرية، ولجنة التأليف والتراجمة والنشر.

стр. 146

وقد خرج من هذه المطابع آلاف الكتب في كل علم وفن، مما لم تعرفه أمة من الأمم، ولم تشهده ثقافة من الثقافات. خمسة كتب في كتاب واحد: وقد شاعت ظاهرة غريبة جداً في طبع الكتب تلك الأيام. فقد جرى كثير من المطابع على طبع كتاب أو أكثر بهامش الكتاب الأصلي، أو بآخره لصلة ذلك بالكتاب. وكأن القوم كانوا في سباق لنشر الفكر العربي وإذاعته ... وهذه الظاهرة لم تعرف إلا في مطابع مصر واستنابول. ومن أطرف ما يذكر هنا أنَّ هناك خمسة كتب مطبوعة في كتاب واحد، وفي صفحة واحدة اجتمعت الكتب الخمسة، في الصلب والهامش، مفصولة بجداول، دون أن يختلط بعضها ببعض، وذلك هو الكتاب المسمَّى: «شروح التلخيص» في علوم البلاغة، ويشتمل على: ١ - شرح سعد الدين التفتازاني على تلخيص المفتاح، للخطيب القزويني. ٢ - مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح، لابن يعقوب المغربي. ٣ - عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح، لبهاء الدين السبكي. ٤ - الإيضاح، للخطيب القزويني. ٥ - حاشية الدسوقي على شرح السعد. والثلاثة الأولى طبعت في صلب الكتاب، والاثنان الآخران بهامشه، وهذا ما جعل بعض إخواننا الظرفاء يقول: لا بد من فض الاشتباك بين هذه الكتاب. ثم توالى طبع الكتاب العربي في بلاد أخرى خارج مصر، مثل الهند. ومن أشهر مراكز النشر فيها تلك الدار الكبرى «دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن»، ولهذه الدائرة نشاط ظاهر في نشر علوم الحديث ومتونه وتاريخ رجاله، إلى مجلدات ضخمة في علوم أخرى، مثل كتاب «الحاوي في الطب» لأبي بكر الرازي، في ٢٣ جزءاً، ونظم الدرر في تناسب الآيات والسور للبقاعي في ٢٠ جزءاً، ومن قبل ذلك فللهند تاريخ قديم في نشر الكتاب العربي، فقد طبع بها «كتاب سيبويه»

стр. 147

بمدينة كلكتا سنة ١٨٨٧ م، و «مغازي الواقدي» سنة ١٨٥٥ م، و «حماسة أبي تمام» سنة ١٨٥٦ م، و «تلقيح فهوم أهل الأثر في عيون التاريخ والسَّير» لابن الجوزي، بمدينة دلهي سنة ١٢٨٦ هـ. وكذلك تعددت المطابع في المغرب العربي، والعراق وبلاد الشام، وأخرجت قدراً ضخماً من علومنا ومعارفنا، وفي السنوات الأخيرة دخلت الدول العربية الغنية الميدان، فأنشأت المراكز التراثية التي جمعت صور المخطوطات، وأنفقت بسخاء على تحقيق الكتب ونشرها. وتعدت دور النشر الصغيرة والكبيرة في جميع البلدان العربية. الوفاء لتراثنا: إذن نحن أمام قدر هائل من المطبوع العربي ملأ السهل والجبل في كل علم وفن، فهل يحقق لقائل أن يقول: «امتلأ الحوض وقال قطني»، أي حسبي، ولسنا في حاجة إلى جمع المخطوطات والبحث عنها وتحقيقها ثم نشرها، فإن ما في يدنا من مطبوع التراث فيه مقنع وبلاغ، وبارك الله فيما رزق. ونعم ... كان حسبنا هذا وكافينا لو ظل تعاملنا مع تراثنا كما هو الآن: حَسْوة الطائر وقَبْسة العجلان، تأخذ حاجتك وتمضي لا تلوي على شيء. وليس الطريق هنالك! إن أكبر الآفات عندنا اليوم أننا نتعامل مع كتبنا تعامل المراجع، على قدر الحاجة ليس غير، وكأنها تَحِلة القسم أو إبرار اليمين، وقلّ من يقرأ منا كتاباً بأكمله. ومن هنا نقنع باليسير، وتظل الصورة الحقة لتاريخنا وفكرنا مغيّبة عنا تماماً. إن الوفاء لتراثنا والكشف عنه ومعرفته يقتضي نفضه كله ومفاتشته كله، وكما يصنع الورثة الذين يبذلون أقصى السع والطاقة لمعرفة ما دقّ وجلّ من تركة مورَّثهم حتى لا تفوتهم منه فائتة، ولا يسقط عليهم منه شيء، كذلك ينبغي أن يكون بحثنا عما استودعه أهل العلم من أمّتنا بطون الكتب والدفاتر. وفي هذا المجال ينبغي أن نستبعد من منهجنا ما يشيع في بعض الدراسات

стр. 148

الحديثة من أن كتب التراث ذات الموضوع الواحد تتشابه فيما بينها، وأن غاية اللاحق أن يدخل على ما تركه السابق، يدور حوله ويردد مباحثه وقضاياه، ثم أفضى ذلك الزعم إلى دعوة صاخبة تنادي بغربلة التراث وتصفيته، بالإبقاء على النافع المفيد، وترك ما عداه قابعاً في المتاحف، كمومياء الفراعنة، يذكر بتطور الخطوط وقواعد الرسم والكتابة وتاريخ صناعة الورق. وسوف نقول وقتها: إننا نحافظ على تراثنا من عوامل البلى والفناء، ونتعهده بالمبيدات والكيماويات الحافظة، فنؤكد بذلك انتماء كاذباً وولاء مدخولًا، ونكون كالذين يحتفظون في بيوتهم بصحيح البخاري التماساً للبركة وطرداً للعفاريت والأرواح الشريرة. وفي هذا المجال أيضاً ينبغي أن نستبعد من منهجنا نظرية تقسيم عصور الفكر العربي إلى عصور علو وانحطاط، وألا ننظر إلى كتب المتأخرين وأصحاب المختصرات والذيول والحواشي على أنها من الفضول والحشو. فلو لم يكن في تصانيف السيوطي والبغدادي والخفاجي والمحبي والشوكاني إلا أنها حفظت لنا كثيرًا من علم الأوائل الذي اغتالته غوائل الناس والأيام، لكان ذلك من أكبر الدواعي إلى حفظها والعناية بها. على أن تراثنا لم يأخذ مكانه - عند التأمل والإنصاف - إلا بما صنفه الأوائل، مضافاً إليه تلك الشروح والمختصرات والذيول والصلات والحواشي والتقريرات. وهذا حديث طويل. وليست المختصرات عند علمائنا كما هي في تصورنا هذه الأيام: إيجازاً وضغطاً للكتاب الكبير، بحذف الأسانيد والمكرر ... ونعم إنها قد تكون كذلك، لكن مع الرؤية الخاصة للمختصر، بإضافته أو نقده، وإليك مثالًا واحداً على ذلك: كتاب «الأغاني» لأبي الفرج الأصبهاني، اختصره ابن منظور صاحب «لسان العرب» فيما سمَّاه: «مختار الأغاني». وفي الجزء الثالث من هذا «المختار» نجد ترجمة موسعة جداً لأبي نواس، تضمنت أخباراً وأشعاراً لأبي نواس، لا تجدهما في الأصل «الأغاني». وكذلك صنع ابن منظور في ترجمة «جميل بن معمر» حيث أورد له بعض أشعار وأخبار لم ترد في «الأغاني».

стр. 149

أهمية المكتبة العربية: وفي هذا المجال - ثالثًا - ينبغي أن ننظر إلى المكتبة العربية نظرتنا إلى الكتاب الواحد. وذلك لأن كتب أهل العلم عندنا متشابكة الأطراف، متداخلة الأسباب، فمع الإقرار بنظرية التخصص في الإطار العام للتأليف، فإنك قل أن تجد كتاباً من هذه الكتب مقتصراً على الفن الذي يعالجه، دون الولوج إلى بعض الفنون الأخرى لدواعي الاستطراد والمناسبة، وهذا يؤدي لا محالة إلى أن تجد الشيء في غير مظانه. وأمامي الآن أمثلة ذوات عدد على هذا الذي أقوله، لا يتسع المقام لذكرها ... وأكتفي هنا بمثالين: ١ - كتاب «دلائل الإعجاز» للشيخ عبد القاهر الجرجاني، يُعدّ أصلًا في علم البلاغة وإعجاز القرآن. وكان مما عالجه في كتابه هذا الرد على من يقولون: «إن الفصاحة لا تظهر في أفراد الكلمات، ولكن تظهر بالضم على طريقة مخصوصة». وقد عرضَّ الشيخ عبد القاهر بأصحاب هذه المقالة في مواضع كثيرة من كتابه، كان منها قوله: «واعلم أن القول الفاسد والرأي المدخول إذا كان صدره عن قوم لهم نباهة وصيت وعلو منزلة في نوع من أنواع العلوم غير العلم الذي قالوا ذلك القول فيه، ثم وقع في الألسن فتداولته في نوع من أنواع العلوم غير العلم الذي قالوا ذلك القول فيه، ثم وقع في الألسن فتداولته ونشرته، وفشا وظهر، وكثر الناقلون له والمشيدون بذكره، صار ترك النظر فيه سُنة والتقليد ديناً ... ». ويسأل شيخنا محمود محمد شاكر - حفظه الله -: من يكون هؤلاء القوم الذي لهم نباهة وصيت ... ؟ يقول شيخنا أبو فهر: «وفتَّشت ونقَّبت، فلم أظفر بجواب أطمئن إليه، وتاسيت الأمر كله إلا قليلًا نحو من ثلاثين سنة، حتى كانت سنة ١٣٨١ هـ - ١٩٦١ م، وطبع كتاب «المغني» للقاضي عبد الجبار، المتكلم المعتزلي. في تلك السنة صدر الجزء السادس عشر من كتاب «المغني» فإذا هو يتضمن فصولًا طويلة في الكلام على «ثبوت نبوة محمد ﷺ »، وفي إعجاز القرآن وسائر المعجزات الظاهرة عليه ﷺ . فلما قرأته ارتفع كل شك، وسقط النقاب عن كل مستتر، وإذا التعريض الذي ذكره عبد القاهر حين قال: واعلم أن القول الفاسد

стр. 150

والرأي المدخول ... لا يعني بهذا التعريض وبهذه الصفة أحداً سوى قاضي القضاة المعتزلي عبد الجبار». ثمَّ نقل شيخنا عبارة القاضي عبد الجبار من الجزء السادس عشر من «المغني»، وهي: «أن الفصاحة لا تظهر في أفراد الكلام، وإنما تظهر بالضم على طريقة مخصوصة». وهي التي حكاها الشيخ عبد القاهر، ولم ينسبها لأحد على التعيين. أرأيت؟ هذا كتاب «المغني في أباب التوحيد والعدل» كتاب في أصول فكر المعتزلة وهو داخل في علم الكلام، فما أبعده في تقسيم العلوم وفهارس الكتب عن علم البلاغة! ولكن الكتب العربية تتنادى وتتواصل، وهكذا يعلمنا أستاذنا محمود محمد شاكر كيف تلتمس المعرفة من مظانها ومن غير مظانها، ولن يكون ذلك إلا بالذي ذكرته لك من النظر للمكتبة العربية على أنها كتاب واحد، ثم بالصبر على القراءة، والأخذ في الكتاب قراءة ودرساً إلى غايته ومنتهاه. ٢ - والمثال الثاني: عرض لي في بعض تحقيقاتي هذان البيتان الشهيران: اقبل معاذير من يأتيك معتذرا ... إن بر عندك فيما قال أو فجرا فقد أطاعك من يرضيك ظاهره ... وقد أجلّك من يعصيك مستترا وكانا عندي غير منسوبين فأردت نسبتهما. وأول ما يهرع إليه المحقق في ذلك كتب الأدب، لا سيما تلك التي تتحدث عن العفو والاعتذار. وفي مكتبتي كتاب بذلك العنوان «العفو والاعتذار» لأبي الحسن العبدي، صاحب ابن دريد اللغوي، فنظرت فيه، فوجدت البيتين، ولكن بغير نسبة أيضاً، فأخذت في البحث حتى انتهيت إلى أنهما لهلال بن العلاء الرقي، وذلك في ترجمته من كتاب «سير أعلام النبلاء» للحافظ الذهبي (وينسبان على ضعف للبحتري). وهذا كتاب «سير أعلام النبلاء» معدود في كتب التراجم، فيا بعد ما بينه وبين كتب الأدب في تصنيف العلوم! وإذا قد انتهيت من تقرير هذه الحقائق، على سبيل الوجازة والاختصار أقول: إن هذا المطبوع من تراثنا - على ضخامته وازدحام المكتبات به - لا يمثل الصورة

стр. 151

الكاملة الحقيقية لتاريخ أمتنا وقضايانا الفكرية. فما زالت الأيام تظهرنا يوماً بعد يوم على نفائس من تراثنا المخطوط كنا نجهلها أو نعدها من المفقودات. وكم في الزوايا من خبايا. وهذه المخطوطات التي تجود بها المكتبات الخاصة والعامة حيناً بعد حين ينبغي أن تنتهي بنا إلى الحذر في إصدار الأحكام الحاسمة وقول الكلمة الأخيرة. فإن القول الفصل في قضايا الفكر والأدب لا يصار إليه قبل استيفاء أدوات البحث، وأهم هذه الأدوات، بل عدتها الأولى: النصوص في مختلف عصورها. وقد أتاح لي عملي بمعهد المخطوطات - جمعاً وفهرسة - وجلوسي إلى أشياخ العلم ونشري لبعض الكتب، ثم إشرافي على عدد من الرسائل الجامعية التي تدور في فلك تحقيق النصوص - أتاح لي ذلك كله أن أقف على غرائب وعجائب في بطون المخطوطات تنقص كثيراً مما استقر عند الباحثين والدارسين في تاريخنا الفكري، وذلك لاعتمادهم على مصادر محدودة، وغياب تلك المخطوطات التي لم تنلها أيديهم. وإن في وجود هذا القدر الضخم من مخطوطاتنا التي تعج بها المكتبات العامة والخاصة شرقًا وغرباً، والتي تنتظر الهمم لبعثها ونشرها، ما يدل على أن هناك حلقات مفقودة في تراثنا المطبوع. وخذ مثلًا «الكتاب» لسيبويه. وهو قرآن النحو، كما يقولون: مضى على طبعه أول مرة أكثر من مائة عام. وفي «الكتاب» من العسر والغموض على شداة العلم ما هو معروف ومتعالم، بل إن بعض إشارات سيبويه ومباحثه تدق على الخاصة، فكان ينبغي أن ينشر كل ما يتصل بهذا الكتاب الإمام، من شروح وتقييدات، وقد ن شر شيء من ذلك، ولكن بقي أهم شرح له، وهو شرح أبي سعيد السيرافي، أليست الأحكام على سيبويه وعلى «كتابه» ناقصة في غياب هذا الشرح الكبير؟ ثم «ألفية ابن مالك» أشهر نظم نحوي، نشر كثير من شروحها، ولكن بقي أهم شرح لها، وهو شرح الإمام الشاطبي، صاحب «الموافقات»، و «الاعتصام». وكتاب «التسهيل» في النحو،

стр. 152

لابن مالك أيضاً، نشر شيء من شروحه، وبقي أضخم وأحفل شرح له، وهو شرح أبي حيان المسمَّى: «التذييل والتكميل». وعلى كثرة ما نشر من كتب علم القراءات القرآنية، فلا يزال هناك كتابان على غاية من القيمة والأهمية، أولهما في القرن الرابع، وهو كتاب «الحجة في علل القراءات السبع» لأبي علي الفارسي، والثاني في القرآن العاشر، وهو «الطائف الإشارات لفنون القراءات» للقسطلاني شارح البخاري. ويمثل الكتاب الأول قيمة كبرى في ميدان الدراسات اللغوية والنحوية والاشتقاق والأصوات ولهجات القبائل، وإلى الثاني المنتهى فيما يتعلق بالقراءات العشر والأربعة الزائدة عليها، وعلم الوقف والابتداء، ومرسوم الخط العثماني، مع ما عرض له من مباحث أخرى تتعلق بالذكر الحكيم. حلقات مفقودة: وفي ميدان تفسير القرآن الكريم ما زالت هناك أسفار ضخمة تمثل خير تمثيل تلك الحلقات المفقودة. ومن تلك الأسفار كتاب «البرهان في علوم القرآن» لأبي الحسن الحوفي المصري المتوفى سنة ٤٣٠ هـ. وكتابه هذا ضخم جداً، تقع مخطوطته في نحو ثلاثين مجلداً، ولا تقل إن «البرهان» للزركشي، و «الإتقان» للسيوطي يكفيان، فهذان بالنسبة إلى كتاب الحوفي قطرة في بحر، مع اختلاف المنهج والمادة العلمية. ومنها «البسيط» في التفسير، لأبي الحسن الواحدي المتوفى سنة ٤٦٨ هـ، وكتابه كبير أيضاً (والبسيط هنا بمعنى المبسوط الواسع، فعيل بمعنى مفعول، وليس على ما سيظنه بعض العامة بمعنى الموجز المختصر). ومنها «الكشف والبيان في تفسير القرآن» لأبي إسحاق النيسابوري الثعلبي المتوفى سنة ٤٢٧ هـ وهو كتاب كبير أيضاً، وقد رأيت منه نسخة نفيسة مكتوبة في السنوات ٦٢٦ هـ - ٦٣٠ هـ بمدينة الفيوم، وهذه النسخة المخطوطة محفوظة بالمكتبة المحمودية بالمدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى السلام، وصورتها لمعهد المخطوطات بالقاهرة سنة ١٩٧٣ م.

стр. 153

وفي الحديث النبوي وعلومه ما زالت هناك طائفة كبيرة من مخطوطاته تنتظر التحقيق والنشر. أما الفقه وأصوله فلعلها من أكثر علومنا غبناً في ميدان التحقيق والنشر. والعجيب حقاً أننا ما زلنا نعيش على كتب الفقه التي طبعت بمصر منذ زمن بعيد، مثل الأم للشافعي، والمهذب للشيرازي، والمجموع للنووي، وبدائع الصنائع للكاساني، وشرح فتح القدير لابن الهمام، وحاشية ابن عابدين، وبداية المجتهد لابن رشد «الحفيد»، والفروق للقرافي، والمغني لابن قدامة ... ثم تنظر في فهارس المخطوطات فتجد ما لا يحصى كثرة الفقه وأصوله التي لم تطبع ... ولا سبيل هنا إلى ذكر أسماء تلك المخطوطات فهي إلى الكثرة والتنوع ما هي! وقل مثل هذا في مخطوطات أصول الدين وعلم الكلام والفلسفة. وإليك مثلًا كتاب «أبكار الأفكار» لأبي الحسن الآمدي. لماذا لم يطبع هذا الكتاب إلى الآن؟ باهظاً في الحصول على هذه المخطوطات، وفي التعامل معها، ويتمنون اليوم الذي يرون فيه هذه الآثار منشورة مطبوعة. مخطوطات تاريخية كثيرة: وتحتل كتب التاريخ مكانة عالية في المكتبة العربية. ولعل علم التاريخ أكثر ما صنف فيه من بين علومنا الأخرى، حيث يتنوع التأليف فيه بين التاريخ العام، كتصانيف الطبري وابن الأثير وابن كثير، وبعض تصانيف الذهبي والصفدي والعيني وابن شاكر الكتبي، إلى التاريخ الخاص، وهو ما يعرف بكتب الطبقات والتراجم، ثم التاريخ على البلدان كتواريخ مكة والمدينة والقدس وبغداد ودمشق ومصر. وتتسع بعض كتب الطبقات لمعارف تراثية أخرى غير التاريخ، كالذي نراه عند التاج السبكي في «طبقات الشافعية الكبرى». ومع هذا القدر الضخم المطبوع من كتب التاريخ فلا تزال هناك أصول مخطوطة كثيرة من هذا العلم ينبغي أن تنشر وتذيع، منها كتاب «عيون التواريخ» لابن شاكر الكتبي، ثم يأتي على رأس هذه الأصول التاريخية المخطوطة كتاب «تاريخ

стр. 154

الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام» لمؤرخ الإسلام الحافظ الذهبي. وهذا الكتاب أضخم مؤلفات الذهبي التاريخية، ثم هو أوسع التواريخ العامة حتى عصره، تناول فيه تاريخ الإسلام من بدء الهجرة النبوية حتى سنة ٧٠٠ هـ، فحصر مادة ضخمة في نطاقة الزماني الممتد عبر سبعة قرون كاملة، وفي نطاقه المكاني الشامل لجميع الرقعة الإسلامية التي امتد إليها الإسلام من الأندلس غرباً إلى أقصى المشرق، وقد شمل الحوادث الرئيسة التي مرت بها الجماعة الإسلامية منذ هجرة النبي ﷺ وتعاقب الأحداث والدول في شتى أنحاء العالم الإسلامي حتى نهاية القرن السابع الهجري، كما تضمن تراجم المشهورين في كل ناحية من نواحي الحياة، ولم يقتصر على فئة معينة منهم، وتقدر تراجم هذا الكتاب بأربعين ألف ترجمة، كما ذكر الدكتور بشار عواد معروف في دراسته عن «الذهبي»، وقد جمع مخطوطات هذا الكتاب العظيم. ونأتي إلى كتب الأدب. والمطبوع منها يملأ الأرجاء، بحيث يظن الظان أنه لا زيادة لمستزيد، لكن المعنيين بجمع الكتب والمشتغلين بعلم المخطوطات، والمتابعين لما ينشر من فهارسها يعلمون أن هناك قدراً كبيراً من صغار كتب الأدب وكبارها لم يعرف طريقه للمطبعة. ولندع صغار كتب الأدب إلى كبارها ونذكر ببعض المجاميع الشعرية والنثرية التي ما زالت مخطوطة، فمنها كتاب جليل القدر هو «الجليس الصالح الكافي والأنيس الناصح الشافي» لأبي الفرج المعافي بن زكريا المتوفى سنة ٣٩٠ هـ. ومنها كتاب «جمهرة الإسلام ذات النثر والنظام» للشيرزي المتوفَّى نحو سنة ٦١٧ هـ. وهذا الكتاب مرتب على ستة عشر كتاباً في الفنون الأدبية، وفي كل كتاب عشرة أبواب. أشهر مخطوطة شعرية: ومن أحفل هذه المجاميع الأدبية كتاب «السفينة» لابن مبارك شاه المصري المتوفى سنة ٨٦٢ هـ، وهو كتاب حاشد جمع فيه مؤلفه مختارات من دواوين الشعراء وأخبارهم وتراجمهم، ومن بدائع المنثورات والحكايات ومنتخبات من مئات الكتب

стр. 155

الطريفة في شتى الفنون والعلوم. ويقع مخطوط هذا الكتاب في أربعة عشر مجلداً ضخماً. ونأتي إلى أشهر مجموعة شعرية مخطوطة، وهي كتاب «منتهى الطلب من أشعار العرب» لمحمد بن المبارك بن محمد ميمون، الذي كان حيّاً سنة ٥٨٩ هـ. قال في مقدمته: «هذا كتاب جمعت فيه ألف قصيدة واخترتها من أشعار العرب الذين يستشهد بأشعارهم. وجعلته عشرة أجزاء، وضمنت كل جزء منها مائة قصيدة، وأدخلت فيها قصائد المفضليات وقصائد الأصمعي التي اختارها، ونقائض جرير والفرزدق، والقصائد التي ذكرها ابن دريد في كتابه الشوارد، وخير قصائد هذيل، والذين ذكرهم ابن سلام في الطبقات». وقد استفاد ناشرو الشعر من هذه المجموعة، ورجعوا إليها في مخطوطتها عشرات المرات في جمع وتوثيق شعر الشعراء المقلين والمكثرين، ويوجد منها مجلدان مخطوطان. وهذه المجموعات الأدبية المخطوطة فضلًا عما تحتويه من إضافة عزيزة لمواريثنا الأدبية، تكمل نقصاً ظاهراً في بعض ما انتمى إلينا من هذه المواريث، فإننا لا نعدم منها القطعة والبيت والبيتين والثلاثة من شعر الشعراء الذين طبعت دواوينهم المخطوطة، أو جمعت جمعاً. وبعد ... فهذا حديث موجز مقتضب عن تلك الحلقات المفقودة من تراثنا المطبوع. وهي حلقات توجد مخطوطاتها مفرقة في مكتباتنا ومكتبات العالم، تنتظر صلاح الأزمان وهمم الرجال لنشرها وإذاعتها. * * *

стр. 156

دار الكتب .. ونشر التراث في مصر (١) في أوائل الستينات أخذتُ طريقي إلى دار الكتب المصرية، طالب علم يلتمس رزقه في نسخ المخطوطات العربية، وكانت الدار يومئذ تقف في ذلك المكان المعروف بميدان باب الخلق، مهيبة شامخة، فكان الداخل إليها لا يملك إلا أن يُنشد قول الشريف الرضي، وقد نظر إلى مدينة الحيرة وآثارها: شهدت بفضل الرافعين قبابها ... ويبين بالبنيان فضل الباني ثم يترحم على رافع الدار وبانيها «علي باشا مبارك». وكنت بالغدو والآصال أمر على قسم المطبوعات بالدار، فأجد أشتاتاً من نفائس المطبوعات التي أخرجتها الدار وعرضتها بأبخس الأثمان. وكنت أرى الناس أفواجاً ومن كل بقعة يتزاحمون على شراء هذه المطبوعات لنفاستها ورخصها. وفي تلكم الأيام أيضاً رأيت بقية من هذه الطائفة الجليلة من أشياخ العلم التي كانت تقوم على تصحيح الكتب بالدار، فيما كان يعرف بالقسم الأدبي، وكان هناك رجل من أفاضل الناس، هو الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم، ﵀، الذي كان يتعهد هذه الذَُبالة المرتعشة، ويمدها بالزيت حتى لا تنطفئ. ثمَّ تمادت بي الأيام، فنسختُ وقرأتُ وأبصرتُ وسمعتُ وسألتُ. وكان مما عنيت به التأريخ لنشر التراث العربي، في ديارنا وغير ديارنا - على ضعفي وقلة حيلتي - وقد رأيت هذا التاريخ يسير في مراحل مختلفة، ورأيت مطبوعات دار

стр. 157

الكتب المصرية تمثل من هذه المراحل مرحلة متميزة غاية التميز، هي بالقياس إلى ما سبقها من مراحل تمثل مرحلة النضج والكمال، من حيث استكمال الأسباب العلمية، واصطناع الوسائل الفنية المعينة على إخراج التراث إخراجاً دقيقاً، يقوم على جمع نسخ الكتاب المخطوطة، والمفاضلة بينها، ثم اتخاذ إحدى النسخ أُمّاً أو أصلاً، وإثبات فروق النسخ الأخرى، وما يتبع ذلك من إضاءة النص ببعض التعليقات والشروح، وصنع الفهارس التحليلية الكاشفة لكنوز الكتاب، وما يسبق ذلك كله من التقديم للكتاب وبيان مكانه في المكتبة العربية، وموضعه من كتب الفن الذي يعالجه، تأثراً وتأثيراً، ثم الترجمة لمؤلفه. ولابد من الاعتراف بأن ذلك المنهج الذي أصَّلته مدرسة دار الكتب المصرية للمحققين العرب، قد تأثر إلى حد ما بمناهج المستشرقين الذين شغلوا بتراثنا، ونشطوا لإذاعته ونشره، منذ القرن الثامن عشر الميلادي أو قبله بقليل. المكتبة الزكية: وكان صاحب الفضل في مد الجسور بين مصر وأوروبا - فيما يتصل بنشر التراث - أحمد زكي باشا، الذي اتصل بعلماء الاستشراق، ومثّل مصر في مؤتمراتهم. وهذا أحمد زكي باشا رجل من رجال مصر الأفذاذ، كان من كبار الكتاب والخطباء، ولد بالإسكندرية عام ١٨٦٧ م. وتخرج بمدرسة الحقوق بالقاهرة، وأتقن الفرنسية، وكان يفهم الإنجليزية والإيطالية، وقام بفكرة إحياء الكتب العربية، وأحكم صلته برجالات العرب في جميع أقطارهم. وكان شديد الحب للعربية، ولقب نفسه بشيخ العروبة، وسمَّى داره بيت العروبة، وجمع مكتبة في نحو عشرة آلاف كتاب، ووقفها، فنقلت بعد وفاته إلى دار الكتب وسميت فيها: المكتبة الزكية، توفي سنة ١٩٣٤ م. يقول عنه شيخي عبد السلام هارون ﵀: «ولعل أول نافخ في بوق إحياء التراث العربي، على المنهج الحديث في مصر، هو المغفور له أحمد زكي باشا، الذي قام بتحقيق كتاب «أنساب الخيل» لابن الكلبي، و «الأصنام» له أيضاً، وقد

стр. 158

طبعا في المطبعة الأميرية - مطبعة بولاق - سنة ١٩١٤ م باسم لجنة إحياء الآداب العربية التي عُرفت فيما بعد في دار الكتاب المصرية باسم القسم الأدبي، ولعل هذين الكتابين مع كتاب «التاج» للجاحظ الذي حققه أيضاً في السنة نفسها، من أوائل الكتب التي كتب في صدورها كلمة «بتحقيق»، كما أن تلك الكتب قد حظيت بإخراجها على أحدث المناهج العلمية للتحقيق، مع استكمال المكملات الحديثة، من تقديم النص إلى القراء ومن إلحاق الفهارس التحليلية. ويضاف إلى ذلك أنه أول من أشاع إدخال علامات الترقيم الحديثة في المطبوعات العربية، وألف في ذلك كتاباً، سمَّاه: «الترقيم في اللغة العربية» طبع في مطبعة بولاق، سنة ١٩٠٣ م. ومما حققه شيخ العروبة أيضاً كتاب: «نَكْت الهِمْيان في نُكَت العميان» لصلاح الدين الصفدي. ونشره بمطبعة الجمالية سنة ١٩١١ م، ثم قدمه إلى أعضاء المؤتمر الدولي الرابع لتحسين حالة العميان. وعلى وقع خطوات أحمد زكي باشا، وبهدي من توجيهه وإرشاده، تكوَّن القسم الأدبي بدار الكتب المصرية، امتداداً للجنة إحياء الآداب العربية التي أسسها شيخ العروبة، وطبع تحت شعارها «أنساب الخيل» و «الأصنام». وقد قام هذا القسم الأدبي بعبء ضخم حين نشر عيوناً مما تركه أهل العلم من آبائنا الأولين. ولقد كان هذا القسم مدرسة كبرى في القدوة المثالية للمحققين المعاصرين، وكان يضم مشيخة جليلة من العلماء الكرام البررة، الذين أخلصوا لله فيما أسند إليهم، أذكر منهم: أحمد زكي العدوي، والشاعرين أحمد الزين وأحمد نسيم، وعبد الرحيم محمود، ومحمد عبد الجواد الأصمعي، ومحمد عبد رب الرسول، والعالم الجزائري الشيخ إبراهيم أطفيش. ومما يُستطرف ذكره هنا أن الشيخ محمد الخضر حسين، العالم التونسي الجليل قد عمل زماناً مصححاً بدار الكتب المصرية. وهذا الشيخ الخضر حسين التونسي المولد والنشأة قد تولى مشيخة الأزهر، أول قيام الثورة المصرية. وهذا من أكبر الدلائل على أن مصر لا تعرف التعصب.

стр. 159

عناية بالتراث: وقد بدأ القسم الأدبي نشاطه في إذاعة التراث ونشره من خلال مطبعة بولاق الكبرى، وكان من ذلك موسوعة «صبح الأعشى» للقلقشندي الذي ظهر في ١٤ مجلداً سنة ١٩٢٠ م باسم دار الكتب المصرية، ثم أنشأت الدار مطبعة خاصة بها، جمعت لها كل أسباب الجودة والإتقان، فخرج الكتاب التراثي من هذه المطبعة في أبهى حلة وفي أنقى صورة، وتستطيع أن تقول في اطمئنان أنها أول مرة تحظى كتب التراث بتلك العناية الفائقة، وافَتحْ جزءاً من كتاب «الأغاني» أو «تفسير القرطبي» واعجَبْ ما شئتَ لهذا السخاء في جمال الحرف وتنسيق السطور واتساع حواشي الصفحات، ثم دقة التصحيح والمراجع، ولا يكاد يشبه مطبوعات الدار هذه إلاَّ مطبوعات لجنة التأليف والترجمة النشر، مثل: «سمط اللآلي»، و «إمتاع الأسماع» للمقريزي، و «شرح الحماسة» للمرزوقي، ومطبوعات دار المعارف في أيامها الأولى. ولعل أول كتاب صدر عن القسم الأدبي عن مطبعة الدار هو «نهاية الأرب» للنويري الذي بدأت طبعه محققاً سنة ١٩٢٣ م، وقد كانت الصيحة المدوية لدار الكتب المصرية تبنَّيها لطبع كتاب «الأغاني» لأبي الفرج الأصبهاني، بعد طبعات سابقة في مصر وفي أوروبا، وقد تكفل بنفقات طبعه رجل من أعيان مصر هو «السيد على راتب» المتوفى سنة ١٩٥٥ م. وصدر الجزء الأول منه سنة ١٩٢٧ م، وحظي بعناية كاملة، في إعداد الأصول، ودقة التصحيح، وصنع الفهارس التحليلية، في نهاية كل جزء من أجزائه. وفي مطبعة دار الكتب المصرية، وعلى منهجها القويم، خرجت هذه النفائس: تفسير القرطبي (عشرين جزءاً)، والنجوم الزاهرة في أخبار مصر والقاهرة لابن تغري بردي (١٢ جزءاً)، وكان صاحب الفضل في نشر هذا الكتاب، عبد الخالق ثروت باشا رئيس وزراء مصر، سنة ١٩٢٢ م، فهو الذي أشار على الدار بطبع الكتاب، وكان لهذا الوزير عناية بالعلم ونشره، فقد كان عضواً في تلك الجمعية الخيرية التي قامت على نشر كتاب «المخصص» لابن سيده، سنة ١٩٠٢ م.

стр. 160

ومن إصدارات دار الكتب في ذلك الزمان: شروح سقط الزند، لأبي العلاء المعري (خمسة أجزاء)، والتعريف بآثار أبي العلاء (مجلد ضخم)، وعيون الأخبار لابن قتيبة (أربعة أجزاء)، والطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز ليحيى بن حمزة العلوي (ثلاثة أجزاء)، وأساس البلاغة للزمخشري (جزءان) والفاضل للمبرد والمعرَّب للجواليقي، ومعجم ألفاظ القرآن الكريم للأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، ﵀ رحمة سابغة. ومن دواوين الشعر: ديوان الهذليين (ثلاثة أجزاء)، ودواوين: مهيار الديلمي (أربعة أجزاء)، وزهير بن أبي سلمى، وابنه كعب، وحميد بن ثور، وسحيم عبد بني الحسحاس، وجِران العَوْد، ونابغة بني شيبان، وتميم بن المعز لدين الله الفاطمي. ومن الموسوعات التي بدأت الدار طبعها ولم تتمه: مسالك الأبصار لابن فضل الله العمري، والمنهل الصافي لابن تغري بردي. وتدور الأيام، وتضعف العزائم بضعف الرجال، ويدعو الداعي إلى شيء نُكُر، وهو إلغاء القسم الأدبي، يقول شيخنا عبد السلام هارون، ﵀: «ثم ضعفت العناية بهذا القسم، إلى أن تولى الأستاذ أمين مرسي قنديل إدارة دار الكتب، فقام بمجهود ضخم جدّاً، إذ حاول أن ينقذ هذا القسم من الفناء، فدبَّت الحركة فيه، ولكن الظروف لم تسعفه بتنفيذ فكرته النشيطة، وكاد القسم الأدبي في عهده يرتقي القمة في نشر موسوعات التراث، ولكن أطاحت بذلك فكرة خاطئة مغرضة، تزعم أن ليس من وظائف دور الكتب في أوروبا أن تضطلع بنشر التراث، وكأننا في جميع خطواتنا إنما نترسم أوروبا، في حقها وباطلها». قلت: وحين تولى الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم أشلاء هذا القسم المذبوح، حاول أن ينفخ فيه، فصدر في أيامه: إنباه الرواة على أنباه النحاة للقفطي، والخصائص لابن جني، ومعاني القرآن للفراء، والمعارف لان قتيبة. وفي منتصف الستينات أراد القائمون على دار الكتب إعادة القسم الأدبي، فيما سمَّوه: «مركز تحقيق التراث»، وتكون غايته نشر أعمال تراثية، ثم إعداد جيل

стр. 161

يتلقى فن التحقيق بوجه عملي، على يد بقية شيوخه وأعلامه، في رحاب دار الكتب حيث تتوفر المراجع: مخطوطة ومطبوعة. وقد وفق هذا المركز في نشر بعض الكتب بتحقيق علماء لهم في تحقيق النصوص سابقة، ومعاونة نفر من الشباب أُريد تدريبهم على تحقيق النصوص. ومن هذه الكتب: ديوان ابن الرومي (ستة أجزاء)، ومقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث، وكتاب الموسيقى الكبير للفارابي، والمذكر والمؤنث للمبرد، ولأبي البركات الأنباري، وكتاب الجواهر وصفاتها ليحيى بن ماسويه، ولا يزال هذا المركز قائماً، ولكن نشاطه قلَّ بصورة واضحة، ولعل الله يهيئ له من يقيل عثرته. وقد أفسحت مطبعة دار الكتب المصرية مكاناً للهيئات العلمية من خارج مصر، فطبعت لحساب دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد - الهند، كتابين جليلين، أحدهما: «معرفة علوم الحديث» للحاكم النيسابوري، سنة ١٩٣٧ م، وثانيهما كتاب: «إعراب ثلاثين سورة من القرآن الكريم» لابن خالويه، سنة ١٩٤١ م. وبعد ... إن لدار الكتب المصرية تاريخاً عريقاً في نشر الكتاب العربي، ولكن عوامل كثيرة من الاستلاب والمسخ والتشويه تحجب هذا التاريخ أو تطمسه. لكن القضية أكبر من ذلك: إن تاريخ مصر يُغتال، وإن صفحات رجالها تطوى، وإن أيامها تُغَيَّب. وكل ذلك يتم بأيدينا وأيدي غيرنا، ثم نقول: إن هذا الجيل ضعيف الانتماء لمصر! واللَّهُمَّ لا؛ إن في هذا الجيل خيراً كثيراً، لكن الذين يعرضون عليه أمجاد مصر يقفون به أحياناً عند مظاهر هينة جداً من تاريخ الأيام والرجال، ويذرون وراءهم أياماً عظيمة ورجالًا كباراً. وإن من أوجب الواجبات أن تنشر أمام هذا الجيل صفحاتنا المضيئة، ومن أهمها تاريخنا وجهادنا في طبع الكتاب العربي والإسلامي، فقد غبر زمان وجاء زمان وليس بين أيدي الناس - عرباً وعجماً - من جياد الكتب إلا ما طبع بمصر. ثم جاء الزمان النكد، ودارت آلات الطباعة الغاصبة (الأوفست) تأكل تاريخ مصر أكلًا وتغتال أيام الرجال اغتيالًا، فتنزع من فوق الأغلفة ومن خواتيم الكتب

стр. 162

زمان ومكان الطبع، ثم تمادت فأسقطت أسماء المصححين والمحققين، ليقال بعد ذلك إن الحركة الثقافية قد انتقلت من مصر إلى البلد الفلاني والبلد الفلاني، ثم ليقال أيضاً: كلا أبويكم كان فرعا دعامة ... ولكنهم زادوا وأصبحت ناقصا ويعلم الله ... إنها ليست عصبية البلد تحملنا على ما نقول، ولكنها العصبية للحق المهدر، والغصب للتاريخ المهان، وربك يفعل ما يشاء. * * *

стр. 163

لسان العرب لابن منظور (١) خرج من مصر - تأليفاً وطباعة - أضخم معجمين في تاريخ المعاجم العربية: لسان العرب لابن منظور المتوفى ٧١١ هـ، وتاج العروس من جواهر القاموس للمرتضى الزبيدي المتوفى في سنة ١٢٠٥ هـ، ومع أن تاج العروس هو أغَزر المعاجم اللغوية مادة وأكثرها شمولًا، فإن لسان العرب قد ذهب بالشهرة كلها: لأسباب ودواعٍ يأتيك حديثها. وابن منظور: هو أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرَّم بن علي الأنصاري الإفريقي المصري، ينتهي نسبة إلى الصحابي الجليل رُوَيْفع بن ثابت ﵁، وقد ذكر ابن منظور هذا النسب في مادة (جرب) من اللسان. ولد ابن منظور يقيناً بالقاهرة سنة ٦٣٠ هـ، ونشأ بها وتعلم وصنَف، وتوفي سنة ٧١١ هـ، ودفن بقرافتها. و «الإفريقي» في نسبه معناها التونسي، فقد كانت إفريقية في ذلك الزمان يراد بها تونس الآن. وقد وُلد جد ابن منظور «علي» في تونس، ثم غادرها إلى القاهرة، وبها ولد ابنه «مكرَّم» والد ابن منظور، ثم ولد هذا وإخوته بها. وقد ذهب بعضهم إلى أن ابن منظور وُلد بتونس، وذهب آخرون إلى أنه ولد بطرابلس الغرب. يقول الدكتور إحسان عباس: «وقد ثار في السنوات الأخيرة جدل حول منتمى ابن منظور، أملته النظرة الإقليمية، أهو إفريقي أم مصري ... ولو تأملت هذا الكلام من جميع هؤلاء الدارسين لتملكك العجب، ودهشت لهذا الذي يجري في

стр. 164

الدراسات والتحقيقات، من استنامة إلى السهول والتساهل، مع أن الأدفوي يقول في البدر السافر: محمد بن مكرَّم الإفريقي المحِتد القاهري المولد. وهذا ابن سعيد يروي نقلًا عن المكرَّم نفسه والد محمد، أنه أي المكرَّم - ولد بالقاهرة. فإذا كان الأب نفسه ولد بالقاهرة فبأي حق يفتش الدارسون عن عبقرية إفريقية (تونسية) ولدى ابن منظور؟ ». ومهما يكن من أمر فقد عرف ابن منظور بالاشتغال بالأدب، نظماً ونثراً، مع معرفة بالنحو واللغة والتاريخ، وتولى كتابة الإنشاء بالدولة، وكان كثير النسخ، ذا خط حسن. قد اشتهر باختصار الكتب. التصنيف والتدوين: ومع هذا النشاط الظاهر في الاشتغال بعلوم العربية واختصار مصنفاتها، فما عرف ابن منظور وما شهر إلا بكتابه العظيم: لسان العرب. وقد جاء ابن منظور بعدما استقر التأليف المعجمي، واتضحت طرائقه ومدارسه. وقد بدأ التصنيف - كما هو معروف - موازياً للتدوين في علوم العربية، في النصف الأول من القرن الثاني، وتمثل ذلك في تلكم الرسائل الصغيرة التي تناولت موضوعات بعينها، مثل ما كتب في خَلْق الإنسان والبهائم والحشرات، والإبل والخيل والنخل والنبات والمطر واللبن، وما كتب في نوادر الأبنية، ثم ما كتب في غريب القرآن والحديث. قام بهذا اللغويون الأوائل، مثل أبي خيرة الأعرابي، وأبي عمرو بن العلاء وأبي مالك الأعرابي، وأبي زيد، والأصمعي، وأبي عبيدة معمر بن المثنى، وأبي عُبيد القاسم بن سلاّم. وفي ذلك الزمان أيضاً قام الخليل بن أحمد بتصنيف أول معجم متكامل، وهو المعجم الرائد «العين» الذي رتبه على مخارج الحروف. وبجانب هذا التأليف المعجمي الخالص الذي بدأه الخليل قام العلماء من النحاة واللغويين بصنع دواوين الشعراء وشرحها، من أمثال الأصمعي وتلميذه أبي نصر الباهلي، وأبي عمرو

стр. 165

الشيباني وابن السكيت وثعلب والسكري. وقد قدم هؤلاء مادة لغوية غزيرة من خلال شرح ما صنعوه وما جمعوه من شعر. هذا إلى اهتمام علماء كل فن وعلم باللغة، يقدمونها أمام كل بحث، ويُعْنَوْن بها قبل كل كلام. ولا عجب في هذا، فاللغة هي المدخل الحقيقي لمعرفة علومنا كلها وتاريخنا كله، والاستهانة بها والتفريط في قواعدها ورسومها إنما هي استهانة وتفريط بمعارفنا وعلومنا كلها. وقد انتهى إلى ابن منظور حصاد طيب في التصنيف المعجمي، نظر فيه واستصفى منه خمسة كتب بنى عليها معجمه، وهذه الكتب بحسب ذكره لها: تهذيب اللغة للأزهري (٣٧٠ هـ)، المحكم لابن سيده (٤٥٨ هـ)، والصَّحاح للجوهري (حدود ٤٠٠ هـ)، والحواشي عليه لابن بَرَّي المصري (٥٨٢ هـ) وتسمى هذه الحواشي: التنبيه والإيضاح عما وقع في الصَّحاح. النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير (٦٠٦ هـ). وتمثل هذه المراجع الخمسة ثلاث مدارس في التأليف المعجمي: المدرسة الأولى، مدرسة ترتيب المواد اللغوية وفق مخارج الحروف، وهي مدرسة الخليل بن أحمد، ويمثلها من هذه الكتب: التهذيب والمحكم. والمدرسة الثانية: التي ترتب المواد على الجذور اللغوية (أصل الاشتقاق) واعتبار الحرف الأخير منها باباً، والحرف الأول فصلًا، مع مراعاة الترتيب الألفبائي فيما بين حرفي الباب والفصل. ويمثل هذه المدرسة الصَّحاح وحواشيه. والمدرسة الثالثة: التي ترتب المواد وفق الأول والثاني والثالث. ويمثلها النهاية. وقد ارتضى ابن منظور من مناهج هذه المدارس منهج المدرسة الثانية، مدرسة الصَّحاح، ورتب كتابه على أساسها، وأخضع المدرستين الأخريين لها. وقد صدَّر ابن منظور معجمة بمقدمة أبان فيها عن منهجه، وأنبأنا أنه تغيَّا من تأليفه هذا غايات ثلاثاً: الغاية الأولى تعليمية، وتمثلت في نقده لطريقة ترتيب المواد وفق المخارج، ويصف ذلك بقوله: إنه «مطلب عسر المهلك، ومنهل وعسر المسلك، وكأن واضعه شرع للناس مورداً عذباً وحلَّأهم عنه».

стр. 166

غيرته على العربية: والغاية الثانية غاية دينية، يقول: «إنني لم أقصد سوى حفظ أصول هذه اللغة النبوية وضبط فضلها، إذ عليها مدار أحكام الكتاب العزيز والسنة النبوية». وتأتي الغاية الثالثة، ويمكن أن نسميها غاية قومية وطنية، باعثها الغيرة على العربية والعصبية لها، بعد أن اطرح الناس الحديث بالعربية، وهجروها إلى اللغة الأعجمية وهي التركية في ذلك الزمان - يقول ابن منظور: «وذلك لما رأيته قد غلب في هذا الأوان من اختلاف الألسنة والألوان، حتى لقد أصبح اللحن في الكلام بعد لحناً مردوداً، وصار النطق بالعربية من المعايب معدوداً، وتنافس الناس في تصانيف الترجمانات في اللغة الأعجمية، وتفاصحوا في غير اللغة العربية، فجمعت هذا الكتاب في زمن أهله بغير لغته يفخرون، وصنعته كما صنع نوح الفُلك وقومه منه يسخرون». هذا ما قاله ابن منظور منذ سبعمائة عام عن حال اللغة العربية بإزاء اللغة الأجنبية، فماذا نحن قائلون الآن؟ ويصرّح ابن منظور في مقدمته بأن عمله في معجمه لم يخرج عن حدود ما في مراجعه الخمسة، فيقول: «وليس لي في هذا الكتاب فضيلة أمُتّ بها ولا وسيلة أمسك بسببها سوى سوى أني جمعت فيه ما تفرق في تلك الكتب من العلوم ... فمن وقف فيه على صواب أو زلل أو صحة أو خلل فعهده على المصنف الأول، وحمده وذمه لأصله الذي عليه المعول؛ لأنني نقلت من كل أصل مضمونه، ولم أبدّل منه شيئاً فيقال: «فإنما إثمه على الذين يبدلونه». وقد أغرى هذا الكلام كثيراً من الباحثين، وثبت لديهم أن ليس لابن منظور في «اللسان» إلا الجمع والترتيب. والحقيقة أن هذا الكلام جرى على لسان ابن منظور على سبيل التواضع وهضم النفس، وهو نمط من الكلام معهود عند كثير من أهل العلم فينا الذين لا يذهبون عن أنفسهم، ولا يتعلقون بالباطل فيضعون أنفسهم فوق هامات السابقين، وإنما يظهر الكِبرَ ويفشوا العُجْب بالنفس عندما تضعف العزائم وتصغر النفوس.

стр. 167

فابن منظور لم يقف عند هذه الكتب الخمسة وحدها، فقد استطرد إلى ذكر فوائد من قراءاته وسماعاته، وحكى عن معاصريه من العلماء، ونقل نقد العلماء لما بين يديه من موادز هذا وقد ضمّ «اللسان» قدراً هائلاً من المواد اللغوية، ممزوجة بمعارف أخرى استمدها من مراجعة الخمسة المذكرة بمناهجها واهتماماتها المختلفة: فقد أخذ من تهذيب الأزهري هذا القدر الضخم من الأبنية والمترادفات والمشترك اللفظي، وشاهد القرآن الكريم والحديث الشريف، وأشعار العرب وأقوالها وأمثالها، إلى جانب ذلك الاهتمام المبكَّر بالناحية البلدانية الجغرافية التي استوعب بها الأزهري التعريف بكثير من بلدان ومواضع ومياه الجزيرة العربية، مما كان أساساً للجغرافيين العرب من بعد، مثل أبي عبيد البكري في «معجم ما استعجم»، وياقوت في «معجم البلدان»، وللغويين الذين اهتموا بالمواضع والبلدان، من أمثال الفيروزآبادي في «القاموس المحيط»، والزبيدي في «تاج العروس». ثم أخذ عن الجوهري وابن سيده ما ضمناه معجميهما من التوجيهات النحوية والصرفية وقضايا الاشتقاق. ومن ابن بري أخذ عنايته الفائقة بتصحيح الشواهد الشعرية وتحريرها ونسبتها. ومن ابن الأثير شرحه لغريب أحاديث رسول الله ﷺ ، وكلام الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين. الأدب سبيل المعرفة: أخذ ابن منظور هذا كله، وأضاف إليه قراءاته ومسموعاته، وأحسن جمعه وترتيبته، وأجاد عرضه، وأعانه على ذلك اشتغاله بالأدب. وقد كان الأدب ولا يزال خير سبيل لإيصال المعرفة، وسرعة انصبابها إلى السمع، واستيلائها على النفس، والبليغ يضع لسانه حيث أراد، ويمهّد لنفسه طريقاً إلى كل قلب، وإنك لتجد كثيراً من الدراسات قد جمعت فأوعت، لكنها لم تبلغ مبلغها من النفع والفائدة لجفافها وعُسْرها وتجافيها عن الأدب.

стр. 168

وبذلك أصبح «لسان العرب» كتاب العربية، يجد فيه طالبه كل ما يريد، وأصبحت قراءته متعة تطلب لذاتها، إذ سلم من جفاف المعاجم التي تقف عند حدود الدلالة وشرح اللفظ المفرد أو التركيب المعزول عن سياقه، وكم عرفنا من أدباء وعلماء يديمون قراءة «اللسان» كما يقرأ أحدهم كتاباً للشافعي أو الجاحظ أو أبي حيان. وقد أخبرني شيخي محمود محمد شاكر - حفظه الله - أنه قرأ «لسان العرب» كله وهو تلميذ بالثانوي، ثم أخبرني أيضاً أن أمير الشعراء أحمد شوقي قرأ «اللسان» كله. قلت: ولعل هذا يفسر لنا «معجم شوقي الشعري» - والنثري أيضاً في أسواق الذهب - هذا المعجم الذي يدهشنا بهذه الألفاظ والتراكيب الضاربة في الفصاحة بعروقها. وما أحرانا أن ن دفع أبناءنا في كليات الدراسات العربية والإسلامية، إلى قراءة المعاجم، وكثرة التفتيش فيها والصبر عليها، بدلًا من وقوفنا بهم عند حدود تلك الدراسات النظرية، التي تتناول نشأة المعجم ومدارسها، ثم تنتقل إلى ذكر عيوب المعجم العربي. ولئن سلّمنا ببعض هذه العيوب فإنها مما لا ينبغي أن تعرض على طال بالعلم في مراحله الأولى، بل يؤجل ذلك وأشباهه إلى مراحل الدراسات العليا، لأنه لا يصح بحال أن نكشف لصغار الطلبة - وهم في هذه المرحلة الجامعية الأولى - عن أبواب النقد هذه، وأن ندلهم عليها، فإن مداركهم تقصر عن إدراك تلك المرامي البعيدة، فضلًا عما يحدثه ذلك في نفوسهم من زلزلة وبلبلة قد تزهدهم في العلم كله. ومن آدابنا في ذلك ما ذكره أبو داود في رسالته إلى أهل مكة، قال: «إنه ضرر على العامة أن يكشف لهم كل ما كان من هذا الباب فيما مضى من عيوب الحديث: لأن علم العامة يقصر عن مثل هذا»، قال الحافظ ابن رجب الحنبلي: «وهذا كما قال أبو داود، فإن العامة تقصر أفهامهم عن مثل ذلك، وربما ساء ظنهم بالحديث جملة إذا سمعوا ذلك» - شرح علل الترمذي ص ٥٣٤.

стр. 169

طبعات اللسان: كان من حظ كثير من آثارنا الكبرى أن تطبع في ذلك الزمان الرخيّ المهنئ، حيث كانت مصر تُشع علماً وحضارة، فعلماؤها مستقرون، ومكتباتها زاخرة، ومجالس العلم بها مشهودة، واحترام العربية باسط سلطانه، والحياء عاصم، والنقد بالمرصاد. وكانت مطبعة بولاق الكبرى في ذلك الزمان منارة علم باذخ، ومركز ضوء باهر، وقد طبعت من أصول العلم وكبار الكتب ما أخرج الناس من الظلمات إلى النور. وكان من أجلّ مطبوعاتها «لسان العرب» ما بين سنتي ١٣٠٠ هـ - ١٣٠٧ هـ، وقد اجتمع لهذه الطبعة من آيات الإتقان والكمال ما لم يجتمع في كتاب: فالنسخ المخطوطة جيدة، والضبط كامل تغلب عليه السلامة، والتصحيح دقيق، حيث كان يتولى التصحيح بمطبعة بولاق مشيخة جليلة من علماء الأزهر الشريف. وقد جاءت هذه الطبعة في عشرين مجلداً من القطع الكبير، متوسط كل مجلد ٤٥٠ صفحة. ثم كانت النشرة الثانية للكتاب بدار صادر ببيروت سنة ١٩٥٥ م في ٦٥ جزءاً صغيراً جُعلت بعد ذلك في ١٥ مجلداً، ويقول عن هذه النشرة شيخنا عبد السلام هارون ﵀: «وكان من المتوقع أن تسلم هذه النشرة من كثير من أخطاء النشرة الأولى، ولكن من المؤسف أن الأخطاء والتحريفات التي وردت في النشرة الأولى، أي طبعة بولاق، قد زيد ع ليها كثير من أمثالها، وإن كان من الحق أن بعض الأخطاء القديمة قد عولج فيها بنسبة ضئيلة جداً» - تحقيقات وتنبيهات في معجم لسان العرب ص ٤، ٥. وفي السنوات الأخيرة أصدرت دار المعارف بمصر طبعة ثالثة من اللسان بعد أن غيرت ترتيبه من نظام التقفية (الباب والفصل) إلى الترتيب على الحرف الأول والثاني والثالث، كما رتب الزمخشري معجمه «أساس البلاغة»، والفيومي معجمه «المصباح»، وإن كان هذا الترتيب أقدم من الزمخشري والفيومي، وتفصيل ذلك في غير هذا المكان.

стр. 170

عمل غير صالح ! وهذا الذي أقدمت عليه دار المعارف، في نظري عمل غير صالح؛ لأن فيه جرأة على أعمال السابقين، وقد قال أصحاب دار صادر في نشرتهم للسان: «وأشير علينا أن نغير ترتيب «اللسان»، ولكنا آثرنا أن يبقى على حاله حفظاً للأثر من أن يُغَيَّر» وهذا هو الحق والصواب، فإن ابن منظور - ومن قبله الجوهري - قد رتّب معجمه على اعتبار آخر الكلمة وأولها بعد تجريدها من الزوائد، لأسباب اقتضت ذلك، ومن أهم هذه الأسباب أن آخر الكلمة ثابت تصريفاً واشتقاقاً، وإنما تطرأ الزيادة والتغيير على الأول والحشو (الوسط). وإعادة ترتيب المادة المعجمية على الأول والثاني ينقض ذلك فضلًا عما يحدثه من تعريض منهج المؤلف للاضطراب، من حيث اختلال الإحالات والإرشادات تقديماً وتأخيراً، فالمؤلف يقول وفق منهجه: تقدم ذلك، أو: سيأتي، ولا يستقيم هذا على المنهج المقلوب، فقد يكون المقدم آتياً، والآتي مقدماً. ويرتبط بتلك الدعوة دعوة أخرى خطيرة، وهي ترتيب المادة اللغوية داخل المعجم على ظاهر اللفظ، دون رعاية للتجريد والزيادة. وفي هذا إضاعة لعلم كبير من علومنا، هو علم الصرف والاشتقاق. ومما ينبغي التنبيه عليه هنا: أن بعض علمائنا الأقدمين قد ذكر في معجمه بعض الألفاظ على ظاهر لفظها لشيوع الكلمة بشكلها هذا، لكنه كان ينبه في كل مرة إلى أن أصل الكلمة هو كذا. ومن هؤلاء العلماء ابن الأثير المتوفى سنة ٦٠٦ هـ في معجمه: «النهاية في غريب الحديث والأثر»، وهو من المعاجم المتخصصة التي رتبت المادة على الأول والثاني والثالث، فقد ذكر في باب الحاء والدال والهاء حديث: «فجعلتهُ في قبر على حدة» ثم قال: «أصلها من الواو، فحذفت من أولها وعوّض منها الهاء في آخرها، كعدة وزنة من الوعد والوزن، وإنما ذكرناها هنا لأجل لفظها». لكننا إذا رتبنا معاجمنا كلها على هذا المنهج، ونبها في كل مرة على الأصل الاشتقاقي تضخمت تلك المعاجم جداً فيما لا غناء فيه ولا طائل تحته.

стр. 171

أما ما يقال عن التيسير والتسهيل فهو كلام من يظن أن أبناء العربية كلهم صاروا تلاميذ في مرحلة التعليم الثانوي أو ما هو دونه، وأننا قد تحولنا جميعاً إلى طبقة من العوام لا تقوى على المناهج الموروثة، ولا تطول يدها الكتب الكبار، واللهم لا! ولا ينبغي أن يكون التيسير والتسهيل سبيلًا إلى طمس المعالم وهدم الحدود. ومن وراء ذلك كله فإن السالك هذا السبيل لا يأمن العثرة بعد العثرة، والزلة إثر الزلة، وما أريد أن أطيل بذكر الأمثلة والشواهد، لكنني أشير هنا إلى عملين تراثيين سلكا هذا المسلك، وما كان ينبغي لهما ذلك، أولهما: كتاب «معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع» لأبي عبيد البكري الأندلسي المتوفى ٤٨٧ هـ، وقد نشره الأستاذ مصطفى السقا ﵀ سنة ١٩٤٥ م. والكتاب في أصل وضعه مرتب على الأبجدية المغربية التي تخالف الأبجدية المشرقية في ترتيب الحروف، وحين نشره الأستاذ السقا أعاد ترتيبه على أبجديتنا المشرقية المعروفة، وقد أدى هذا إلى اختلال في إحالات المؤلف تقديماً وتأخيراً. قد تربك القارئ الذي لم يقرأ مقدمة الأستاذ المحقق. ثم إنه ﵀ قد تصرف في الكتاب تصرفاً آخر أشار إليه في مقدمته. ومن العجيب حقاً أن الناشر الأول للكتاب، هو المستشرق الألماني «وستنفلد» حافظ على ترتيب المؤلف للكتاب، وذلك في نشرته التي صدرت بجوتنجن بألمانيا سنة ١٨٧٦ م، ثم أضاف إليه فهرسة على ترتيب أهل المشرق للحروف، فأحسن كل الإحسان. والمثال الثاني: كتاب «الاستيعاب في معرفة الأصحاب» - الصحابة ﵃ لابن عبد البر القرطبي المتوفى ٤٦٣ هـ، . وقد رتب كتابه هذا أيضاً على ترتيب الحروف عند المغاربة، فجاء ناشره الأستاذ علي محمد البجاوي ﵀، وقلب هذا الترتيب ورده إلى الترتيب المشرقي، وقد أدى ذلك إلى سقوط بعض التراجم التي استدركها الناشر في آخر طبعته. فالحق والصواب أن تترك الكتب كما وضعها مؤلفوها، ثم يلجأ إلى الفهارس

стр. 172

والكشافات تيسيراً وتسهيلاً، كما فعل «وستنفلد» في نشرته لكتاب البكري، وكما صنع شيخنا عبد السلام هارون ﵀ في فهارس «تهذيب اللغة» للأزهري، ومن الطريق هنا أن شيخي محمود محمد شاكر حفظه الله لا يزال حريصاً على ترتيب مواد اللغة على طريقة الباب والفصل (أصل الاشتقاق). إنَّ البرّ بتراث الآباء والأجداد، واحترام التاريخ، يقتضينا أن نأخذ بأيدي أبنائنا إلى ذلك الموروث، نخوض بهم لججه، ونسلك معهم دروبه، ونفتح لهم مقفله، وهكذا تتواصل أجيال المعرفة، فيحرص اللاحق على إرث السابق، ويصونه كما يصون كرام الأبناء ودائع الآباء. أما إذا لجأنا إلى إعادة الترتيب والاختصار وما أشبههما فإننا نباعد بينهم وبين تاريخهم، ونتركهم كالذي لا يعرف من النهر الكبير إلا ما يأتيه به الجدول الصغير. * * *

стр. 173

الشيخ مصطفى إسماعيل وقرَّاء مصر (١) كانت نفحة عطرة، تلك التي نشرها قلم الشاعر الناقد (السمَّيع) الأستاذ كمال النجمي - أطال الله في النعمة بقاءه - وذلك في كتابه «الشيخ مصطفى إسماعيل - حياته في ظل القرآن». والحديث عن الشيخ مصطفى إسماعيل، ﵀، يستدعي تاريخاً عريضاً ممتداً عن إقراء القرآن وقراءته بمصر، وهو تاريخ حافل بكل عجيبة وغريبة. ولقد سمعنا من أهل العلم في ديارنا وغير ديارنا هذه الكلمة المأثورة: «القرآن الكريم نزل بمكة وقرئ في مصر وكتب في استانبول»، وهي كلمة حكيمة يصدقها التاريخ ويؤكدها الواقع، ولولا ضيق المقام لكان لي فيها تفسير وبيان. ولقد أثرت طريقة أداء القرَّاء المصريين في قرَّاء الدنيا شرقاً وغرباً، وخاصة بعد شيوع آلات الإيصال الحديثة من المذياع والأسطوانات والأشرطة، ولقد أذكر أني دعيت إلى مؤتمر علمي في الموصل بالعراق سنة ١٩٨٢ م، وذات يوم كنا نتجول في شوارع الموصل تلك المدينة صاحبة التاريخ، فانتهى إلى سمعي صوت الشيخ عبد الباسط عبد الصمد يجلجل من بعض المحلات التجارية، فقلت بصوت مسموع: الشيخ عبد الباسط هنا! فرد علي العالم العراقي الكبير الدكتور حسين علي محفوظ: «يا أخي، نحن العراقيين كانت لنا لحون خاصة وأداء خاص للقرآن الكريم حتى كان عام ١٩٤٨ م وتوفيت الملكة «عالية» وجاءنا قارئان من مصر لإحياء ليالي

стр. 174

المأتم: الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي، والشيخ أبو العينين شعيشع، فأعجب الناس بها إعجاباً شديداً استحال إلى محاكاة وتقليد للأداء المصري وهجر القرَّاء العراقيون طريقتهم «المأثورة». وفي سنة ١٩٧١ م كنت في زيارة لمدينة «أدرنة» بشمال تركيا، وفي مسجد السلطان سليم استقبلنا مقيم الشعائر بالمسجد، وما أن علم أننا مصريون حتى هش وبش وقال بالحرف: ما شاء الله، مصر، أزهر شريف، أنا الشيخ يوسف، سلموا على الشيخ مصطفى إسماعيل، فأنا أحبه كثيراً، لقد جاء إلينا وقرأ في هذا المسجد، ثم انطلق يردد بصوت عال آيات من سورة آل عمران جهد أن يقلد فيها صوت الشيخ مصطفى. واستمع إلى قرَّاء القرآن الآن في الباكستان والهند والصين، وبلاد جنوب شرقي آسيا، تجد لهذا الذي ذكرته من التأثير المصري أشباهاً ونظائر، بل إن التسجيلات التي ملأت مصر الآن لقرَّاء الحرمين الشريفين، والتي يعجب بها الناس إعجاباً شديداً، للمشايخ: علي الحذيفي، وإبراهيم الأخضر، وعلي باجابر، وعبد الرحمن السديس، إنما يظهر الأثر المصري فيها واضحاً جداً لمن يعرفون الأصوات وتاريخ الشعوب في قراءة القرآن، ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر﴾ [القمر: ١٧]. لكن الأمر كاد يخلص لمصر في القرنين الأخيرين، فتربع قراؤها على عرش الإقراء: رواية ودراية، وصارت الرحلة إليهم من الشرق والغرب، ويرجع ذلك إلى أسباب كثيرة: منها بروز الأزهر الشريف قوة كبرى مؤثرة بعد الحملة الفرنسية، وتأثير رجاله على الحياة العامة: سياسيّاً واجتماعيّاً، ومنها استقرار الأوضاع وازدهار الحياة بمصر أيام محمد على وذريته، ومنها - وهو الأهم - إنشاء مطبعة بولاق والمطابع الأهلية الأخرى، وفي هذه المطابع خرجت منظومات علم القراءات ومتونه: كالشاطبية وشروحها، وطيبة النشر، والمقدمة الجزرية، وغير ذلك مما لا يحصى الآن. ثم كان أبقى أثر وأخلده هو «مصحف الملك فؤاد» الذي طبع بمصر سنة ١٣٣٧ هـ وقد قام بتصحيحه ومراجعته على أمهات كتب الرسم والضبط والقراءات:

стр. 175

الشيخ محمد بن علي بن خلف الحسيني، وحفني بك ناصف، والمشايخ مصطفى عناني، وأحمد الإسكندري، ونصر العادلي، وهذه الطبعة هي أصح طبعة للقرآن الكريم بشهادة أهل العلم والخبرة. ثم كانت الوثبة الكبرى في طريق علم القراءات بمصر هي إنشاء معهد خاص للقراءات تابع لكلية اللغة العربية بالأزهر الشريف عام ١٩٤٣ م، وفي هذا المعهد تخرجت أجيال حافظة للقرآن ضابطة لقراءاته وعلومه. ويذكر التاريخ أسماء عظيمة لمعت في سماء مصر في القرنين الأخيرين، وخدمت كتاب الله إقراء وتأليفاً، ورحل الناس إليهم من كل مكان لمشافهتهم والتلقي عنهم ومنهم. نعمة من الله: ثم نأتي إلى قرَّاء مصر بالمعنى الثاني، وهم الذين يقرأون فيسمعهم الناس فيطربون لقراءتهم ويخشعون. وهم طائفة من الناس أنعم الله عليهم بحسن الصوت وجمال الأداء. ويبدو أن لمصر في ذلك تاريخاً قديماً، تأخرنا كثيراً في كتابة تاريخ قرَّاء مصر، ومكتبتنا العربية خالية من هذا اللون من الكتابة إلا شيئاً يسيراً كتبه الأستاذ محمود السعدني (وهو سميع كبير) في أواخر الخمسينات سمَّاه: «ألحان من السماء»، ثم ما يكتبه أشتاتاً متفرقات في بعض المجلات. ثم كانت أقرأ بين الحين والحين كلاماً لأستاذنا كمال النجمي عن الشيخ محمد رفعت والشيخ مصطفى إسماعيل - عرضاً فيما يكتبه عن الغناء والأصوات، ثم كنت أحدث نفسي: لماذا لا يفرد الأستاذ النجمي كتاباً عن الشيخ مصطفى إسماعيل، يقرأه الناس على مكث، يظهر عظمة هذا الرجل ومكانه الضخم في عالم القراءة والنغم. حتى كان هذا الشهر الكريم وصدق الأستاذ ما أملناه وجاء كتابه هذا مجلى لحياة الشيخ مصطفى وتقلبه في العالمين. وزاد على هذا أن ألبس كتابه زاهية من الورق المصقول والزخارف المعجبة، بما يليق بجلال المقروء وجمال القارئ.

стр. 176

أولى خطوات الشيخ مصطفى: ولقد ردني هذا الكتاب الممتع إلى أيام غالية عزيزة عشناها في القاهرة قبل أن يدهمها السيل وتغشاها النوائب، «إذ الناس ناس والزمان زمان». ولقد ذكر الأستاذ النجمي أن أولى خطوات الشيخ مصطفى في القاهرة كانت في حي المغربلين. نعم نزل الشيخ هذا الحي العريق وسكن بالمنزل رقم ١٨ بحارة العناني، بجوار قريبة له، وسكن أخوه الشيخ محمد بحارة قريبة تعرف بزقاق المسك، والمغربلين تتوسط الدرب الأحمر حيث العتاقة والتراث، والمساجد والمزارات: مسجد المؤيد والصالح طلائع بن رزيك، والسيَّدة فاطمة النبوية، والماردني، وإبراهيم باشا آغا، وأم السلطان شعبان، وعلى مقربة: الأزهر الشريف والحسين والجمالية وباب النصر وباب الفتوح، فإذا أنت أيسرت وجدت مساجد السيَّدة زينب والسيَّدة سُكينة، والسيَّدة نفيسة والإمام الشافعي والإمام الليثي، وكانت هذه المناطق المتجاورة هي قلب القاهرة الذي موج بالعلم والمعرفة والفن. نزل الشيخ مصطفى إسماعيل القاهرة في أوائل الأربعينات، وترك وراءه طائفة من مشاهير القرَّاء: الشيخ محمد السعودي، والشيخ محمد العُقلة (بضم العين وسكون القاف) بطنطا، والشيخ منصور بَدَّار بالمنوفية، وفي القاهرة كانت هناك طبقتان من القرَّاء: الطبقة الأولى: محمد رفعت، وعبد الفتاح الشعشاعي، محمد الصيفي (وهو والد المخرج السينمائي حسن الصيفي)، ومحمد سلامة، والطبقة الثانية: على حزين ومحمد عكاشة وزكي محمد شرف وأحمد سليمان السعدني ومدين منصور وعبد الرحمن الدوري ومحمود عبد الحكم وعبد العظيم زاهر وطه الفشني وأبو العينين شعيشع وعبد السميع بيومي ومحمد فريد السنديوني وكامل يوسف البهتيمي منصور الشامي الدمنهوري ومحمد قنديل وعبد الرحمن عبده وهاشم هيبة. وكان المشايخ في ذلك الزمان يعرفون للقرآن حرمته وجلاله، فيقرأون بأدب وخشوع ورعاية لأصل التلاوة، ثم كانوا يقنعون بالقليل. ولقد حدثني الشيخ

стр. 177

محمد رشاد عبد المطلب - أبو زوجته ﵀ حدثني أنه دعي هو والشيخان عبد العظيم زاهر وطه الفشني لافتتاح إذاعة العربية السعودية بجدة، وكان ذلك في مسم حج كان معهم من المذيعين الأستاذ عبد الحميد يونس، والأستاذ علي الراعي (الدكتور فيما بعد) وافتتح المشايخ الثلاثة الإذاعة السعودية، ثم سجلوا لها بعض التسجيلات لإذاعتها. فيما بعد قال الشيخ الدوري: ثم جاءنا الأستاذ عبد الحميد يونس أو الأستاذ الراعي وقال لنا إنَّ الإخوة السعوديين يتركون لكم تحديد الأجر المناسب لما قرأتموه، يقول الشيخ الدوري: فبكيت وقلت: كيف نأخذ أآجراً على قرآن قرأناه في البلد الذي نزل فيه القرآن؟ انتهى كلامه. وأقول: أين هذا من بعض قرَّاء هذا الزمان الذين لا يصعدون إلى دكة القراءة حتى يأتيهم إيصال الإيداع على رقم حسابهم بالبنك بالآلاف؟ وفي القاهرة أدرك الشيخ مصطفى إسماعيل طائفة من كبار المنشدين، أصحاب التواشيح الذين خلفوا الشيخين: إبراهيم الفَرَّان وإسماعيل، وعلى رأسهم الشيخ المتفنن علي محمود (صاحب الأذان الشهير) والشيخ درويش الحريري، والشيخ سيَّد موسى، ثم الشيخ محمود صُبْح، ذلك الرجل العجيب الذي كان يتحدى في أسطواناته أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، أن يأتيا بمثل ما يأتي به من الجواب وجواب الجواب، وكان يقطع إنشاده عقب كل «قفلة» ويتحداهما. نزل الشيخ مصطفى إسماعيل القاهرة وهي تموج بهذه الأصوات: قراءة وإنشاداً، أصوات عجيبة مبدعة، جعل الله لكل منها شِرْعةً ومنهاجاً، حتى جاء الشيخ مصطفى فزلزلهم زلزالًا، فكان مثل المتنبي الذي جاء فملأ الدنيا وشغل الناس، نعم جاء الشيخ بأفانين من النغم، وتصرفات في المقامات لا قبل لهم بها، وهو لم يتلق أصول النغم عن أحد، ولم يحاك أحداً من أصحاب الأصوات، وإنما هي الفطرة والموهبة، وفضل الله الذي يختص به من يشاء من عباده. ولقد قوبل الشيخ مصطفى

стр. 178

بهجوم كاسح من المشايخ القرَّاء وكان أشدهم عليه وأعنفهم به الشيخ محمد سلامة، وقد رفع عليه عصاه ذات ليلة زاعماً أنه يتلاعب بالقرآن. حسد الحاسدين: ولقد عَبَّرَ القرَّاء في وجه الشيخ مصطفى، ورموه بتهم كثيرة، حسداً من عند أنفسهم، وهم وإن كانوا يتلون كتاب الله فهم بشر من البشر. وقد روي بسند صحيح إلى ابن عباس ﵄ أنه قال: «استمعوا علم العلماء ولا تصدقوا بعضهم على بعض، فوالذي نفسي بيده لهم أشدُّ تغايراً من التُّيوس في زروبها»، وعن مالك بن دينار قال: «يؤخذ بقول العلماء والقرَّاء في كل شيء إلا قول بعضهم في بعض». ومن التهم التي وجهت إلى الشيخ مصطفى أنه يترخص ويتساهل في قواعد التلاوة ليستقيم له ما يريد من نغم وتطريب. وهذه فرية كبرى، فالذي يسمع الشيخ بإنصاف يرى أنه ملتزم غاية الالتزام، على ما ذكر أستاذنا النجمي ص ١٥، وأحب أن أضيف إلى ما ذكره أن أكبر علماء القراءات في عصرنا: الشيخ عبد الفتاح القاضي، وسيدي الشيخ عامر عثمان، كانا من أشد الناس إعجاباً بالشيخ مصطفى، وهما مأمونان في أحكامهما، ومن حراس كتاب الله، ولقد سألت مرة سيدي الشيخ عامر عما يقال عن تساهل الشيخ مصطفى، فقال: لا تصدقهم، إنه على الجادة، ثم أضاف: إن خامة صوت الشيخ مصطفى تشبه خامة صوت الشيخ يوسف المنيلاوي. ومما قالوه عنه: إنه لا يلتزم بالوقوف المنصوص عليها. وهذا غير صحيح، ونعم إنه كان يقف أحياناً على غير وقف لتصوير معنى، كما وقف على قوله تعالى: ﴿رأيته أكبرنه﴾ [يوسف: ٣١]، وليس موضع وقف، ولكنه حين وصل بعد ذلك تلا الجملة السابقة، فيكون وقفه هذا أشبه بالوقف لانقطاع النفس، وهو جائز، وأحب أن أشير هنا إلى أن الشيخ مصطفى كان أكثر تحرياً للوقوف من الشيخ محمد رفعت - وهو من هو - فالشيخ رفعت مثلًا يقف على قوله تعالى من سورة الكهف ﴿فانطلقا﴾ وليس موضع وقف، ويقف على قوله تعالى في سورة طه: ﴿ثم جئت على قدر﴾، ثم يستأنف ﴿يا موسى﴾ وليس موضع وقف.

стр. 179

ومما أخذوه عليه أيضاً أنه يكثر من اختلاف القراءات لإثارة مكامن الطرب، وليس هو وحده الذي كان يفعل هذا، فقد كان يفعله أيضاً الشيخ محمد رفعت، والشيخ محمد الصيفي. والجمع بين الروايات في القراءة الواحدة مكروه عند بعضهم، لكنه جائز عند بعض آخر، وبخاصة في مقام التعليم. على أن الحق يقتضيني هنا أن أشير إلى أن الشيخ مصطفى قرأ مرة آية على وجه من القراءات لم أجده في القراءات العشر المجمع على تواترها والقراءة بها، وذلك في قوله تعالى في سورة يوسف - في أحد تسجيلاتها - «وقال نُسوة» بضم النون، وهي في القراءة المتواترة بالكسر، ولم يقرأ بالضم إلا المفضل والأعمش والسُّلَمي وهي قراءة شاذة. تسجيلات نادرة: ومما اتهموه به أيضاً أنه يقرأ سوراً بعينها. وهذا غير صحيح، بل إن عكسه هو الصحيح فالشيخ يقرأ من سور القرآن كله، وليس كبعضهم الذي يؤثر السور التي تقصر آياتها، وتتماثل فواصلها. من خصائص صوت الشيخ مصطفى إسماعيل: درج كثير من القرَّاء على أن يخفضوا أصواتهم إلى ما يسمى بطبقة القرار حين يأتون إلى آية من آيات الإنذار أو جهنم أو الموت، فإذا جاءوا إلى آية بشارة ونحوها رفعوا أصواتهم إلى ما يعرف بطبقة الجواب، كما تسمعهم في آخر سورة الزمر، حيث يخفضون أصواتهم في قوله تعالى: ﴿وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا﴾ [الزمر: ٧١]، فإذا جاءوا إلى قوله تعالى: ﴿وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً﴾ [الزمر: ٧٣]، رفعوا أصواتهم عالياً. ولم يؤثر عن الصحابة والتابعين في ذلك شيء إلا ما روي عن التابعي الجليل إبراهيم النخعي أنه قال: «ينبغي للقارئ إذا قرأ نحو قوله تعالى: ﴿وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله﴾ [التوبة: ٣٠]، ونحو ذلك من الآيات أن يخفض بها صوته»، قال ابن الجزري: «وهذا من أحسن آداب القراءة»،

стр. 180

على أن الشيخ مصطفى يخالف قرَّاء زمانه في خفض الصوت عند آيات الإنذار وذكر الموت. واستمع إليه في تسجيل نادر لسورة آل عمران في قوله تعالى: ﴿كل نفسٍ ذائقة الموت﴾ [آل عمران: ١٨٥]، فهو يرفع صوته عالياً في ﴿ذائقة﴾ ثم يقف على ﴿الموت﴾ بنفس الطبقة العالية في صراخ مُزلزل كأنه صراخ ثكالى فقدن عزيزاً أو تذكرن غائباً وتكاد التاد المهموسة حين يصرخ بها تنقلب إلى حرف مجهور يكاد يخرق صماخ الأذن، ثم تأمل أيضاً وقفه على قوله تعالى في سورة يوسف: ﴿رأينه أكبرنه﴾ [يوسف: ٣١]، كيف وقف على الهاء في ﴿أكبرنه﴾ وقفاً مضيئاً ساطعاً يجسد لك انبهار النسوة ودهشتهن لجمال يوسف ﵇. ويبقى شيء، أرجو أن يأذن لي أستاذنا النجمي في مناقشته، وذلك ما ذكره في ص ٢٤: «أن المسلمين في العهد النبوي وعهد الخلفاء الراشدين كانوا يقرأون القرآن بحسب لغاتهم المتعددة، وأفصحها سبع لغات»، ثمَّ ذكر حديث: «إنَّ هذا القرآن نزل على سبعة أحرف» ولي على ذلك بعض الملاحظات: أولًا: إنَّ سياق الكلام على هذا النحو قد يوحي إلى بعض من لا معرفة لهم بعلوم القرآن أن المسلمين كانوا يقرأون بهذه اللغات السبع باختيارهم ومن عند أنفسهم تبعاً لما ألفوه من أعرافهم اللغوية، ومعلوم أن القراءة أثر واتباع، لا رأي واجتهاد، وأن جبريل ﵇ قد نزل بهذه اللغات كلها فأقرأها الرسول ﷺ أمته. ثانياً: أن صحَّة الرواية «أُنزِل على سبعة أحرف» بالبناء للمجهول، وليست «نزل». ثالثًا: أنَّ تفسير الأحرف السبعة الواردة في الحديث بأنها سبع لغات من لغات العرب، هو أحد التفسيرات، وهو مردود عليه. ويرى بعض المحققين أن أمثل ما جاء في بيان معنى الأحرف السبعة هو ما ذكره الحافظ ابن حجر العسقلاني، فقد قال في فتح الباري ٩/ ٢٣ (طبعة السلفية) «باب أنزل القرآن على سبعة أحرف: أي على
следующие страницы →