← Джавами‘

Джавами‘ · id 148533

مقالات الطناحي صفحات في التراث والتراجم واللغة والأدب

محمود محمد الطناحي

Полный текст (690 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

أولى خطوات الشيخ مصطفى: ولقد ردني هذا الكتاب الممتع إلى أيام غالية عزيزة عشناها في القاهرة قبل أن يدهمها السيل وتغشاها النوائب، «إذ الناس ناس والزمان زمان». ولقد ذكر الأستاذ النجمي أن أولى خطوات الشيخ مصطفى في القاهرة كانت في حي المغربلين. نعم نزل الشيخ هذا الحي العريق وسكن بالمنزل رقم ١٨ بحارة العناني، بجوار قريبة له، وسكن أخوه الشيخ محمد بحارة قريبة تعرف بزقاق المسك، والمغربلين تتوسط الدرب الأحمر حيث العتاقة والتراث، والمساجد والمزارات: مسجد المؤيد والصالح طلائع بن رزيك، والسيَّدة فاطمة النبوية، والماردني، وإبراهيم باشا آغا، وأم السلطان شعبان، وعلى مقربة: الأزهر الشريف والحسين والجمالية وباب النصر وباب الفتوح، فإذا أنت أيسرت وجدت مساجد السيَّدة زينب والسيَّدة سُكينة، والسيَّدة نفيسة والإمام الشافعي والإمام الليثي، وكانت هذه المناطق المتجاورة هي قلب القاهرة الذي موج بالعلم والمعرفة والفن. نزل الشيخ مصطفى إسماعيل القاهرة في أوائل الأربعينات، وترك وراءه طائفة من مشاهير القرَّاء: الشيخ محمد السعودي، والشيخ محمد العُقلة (بضم العين وسكون القاف) بطنطا، والشيخ منصور بَدَّار بالمنوفية، وفي القاهرة كانت هناك طبقتان من القرَّاء: الطبقة الأولى: محمد رفعت، وعبد الفتاح الشعشاعي، محمد الصيفي (وهو والد المخرج السينمائي حسن الصيفي)، ومحمد سلامة، والطبقة الثانية: على حزين ومحمد عكاشة وزكي محمد شرف وأحمد سليمان السعدني ومدين منصور وعبد الرحمن الدوري ومحمود عبد الحكم وعبد العظيم زاهر وطه الفشني وأبو العينين شعيشع وعبد السميع بيومي ومحمد فريد السنديوني وكامل يوسف البهتيمي منصور الشامي الدمنهوري ومحمد قنديل وعبد الرحمن عبده وهاشم هيبة. وكان المشايخ في ذلك الزمان يعرفون للقرآن حرمته وجلاله، فيقرأون بأدب وخشوع ورعاية لأصل التلاوة، ثم كانوا يقنعون بالقليل. ولقد حدثني الشيخ

стр. 177

محمد رشاد عبد المطلب - أبو زوجته ﵀ حدثني أنه دعي هو والشيخان عبد العظيم زاهر وطه الفشني لافتتاح إذاعة العربية السعودية بجدة، وكان ذلك في مسم حج كان معهم من المذيعين الأستاذ عبد الحميد يونس، والأستاذ علي الراعي (الدكتور فيما بعد) وافتتح المشايخ الثلاثة الإذاعة السعودية، ثم سجلوا لها بعض التسجيلات لإذاعتها. فيما بعد قال الشيخ الدوري: ثم جاءنا الأستاذ عبد الحميد يونس أو الأستاذ الراعي وقال لنا إنَّ الإخوة السعوديين يتركون لكم تحديد الأجر المناسب لما قرأتموه، يقول الشيخ الدوري: فبكيت وقلت: كيف نأخذ أآجراً على قرآن قرأناه في البلد الذي نزل فيه القرآن؟ انتهى كلامه. وأقول: أين هذا من بعض قرَّاء هذا الزمان الذين لا يصعدون إلى دكة القراءة حتى يأتيهم إيصال الإيداع على رقم حسابهم بالبنك بالآلاف؟ وفي القاهرة أدرك الشيخ مصطفى إسماعيل طائفة من كبار المنشدين، أصحاب التواشيح الذين خلفوا الشيخين: إبراهيم الفَرَّان وإسماعيل، وعلى رأسهم الشيخ المتفنن علي محمود (صاحب الأذان الشهير) والشيخ درويش الحريري، والشيخ سيَّد موسى، ثم الشيخ محمود صُبْح، ذلك الرجل العجيب الذي كان يتحدى في أسطواناته أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، أن يأتيا بمثل ما يأتي به من الجواب وجواب الجواب، وكان يقطع إنشاده عقب كل «قفلة» ويتحداهما. نزل الشيخ مصطفى إسماعيل القاهرة وهي تموج بهذه الأصوات: قراءة وإنشاداً، أصوات عجيبة مبدعة، جعل الله لكل منها شِرْعةً ومنهاجاً، حتى جاء الشيخ مصطفى فزلزلهم زلزالًا، فكان مثل المتنبي الذي جاء فملأ الدنيا وشغل الناس، نعم جاء الشيخ بأفانين من النغم، وتصرفات في المقامات لا قبل لهم بها، وهو لم يتلق أصول النغم عن أحد، ولم يحاك أحداً من أصحاب الأصوات، وإنما هي الفطرة والموهبة، وفضل الله الذي يختص به من يشاء من عباده. ولقد قوبل الشيخ مصطفى

стр. 178

بهجوم كاسح من المشايخ القرَّاء وكان أشدهم عليه وأعنفهم به الشيخ محمد سلامة، وقد رفع عليه عصاه ذات ليلة زاعماً أنه يتلاعب بالقرآن. حسد الحاسدين: ولقد عَبَّرَ القرَّاء في وجه الشيخ مصطفى، ورموه بتهم كثيرة، حسداً من عند أنفسهم، وهم وإن كانوا يتلون كتاب الله فهم بشر من البشر. وقد روي بسند صحيح إلى ابن عباس ﵄ أنه قال: «استمعوا علم العلماء ولا تصدقوا بعضهم على بعض، فوالذي نفسي بيده لهم أشدُّ تغايراً من التُّيوس في زروبها»، وعن مالك بن دينار قال: «يؤخذ بقول العلماء والقرَّاء في كل شيء إلا قول بعضهم في بعض». ومن التهم التي وجهت إلى الشيخ مصطفى أنه يترخص ويتساهل في قواعد التلاوة ليستقيم له ما يريد من نغم وتطريب. وهذه فرية كبرى، فالذي يسمع الشيخ بإنصاف يرى أنه ملتزم غاية الالتزام، على ما ذكر أستاذنا النجمي ص ١٥، وأحب أن أضيف إلى ما ذكره أن أكبر علماء القراءات في عصرنا: الشيخ عبد الفتاح القاضي، وسيدي الشيخ عامر عثمان، كانا من أشد الناس إعجاباً بالشيخ مصطفى، وهما مأمونان في أحكامهما، ومن حراس كتاب الله، ولقد سألت مرة سيدي الشيخ عامر عما يقال عن تساهل الشيخ مصطفى، فقال: لا تصدقهم، إنه على الجادة، ثم أضاف: إن خامة صوت الشيخ مصطفى تشبه خامة صوت الشيخ يوسف المنيلاوي. ومما قالوه عنه: إنه لا يلتزم بالوقوف المنصوص عليها. وهذا غير صحيح، ونعم إنه كان يقف أحياناً على غير وقف لتصوير معنى، كما وقف على قوله تعالى: ﴿رأيته أكبرنه﴾ [يوسف: ٣١]، وليس موضع وقف، ولكنه حين وصل بعد ذلك تلا الجملة السابقة، فيكون وقفه هذا أشبه بالوقف لانقطاع النفس، وهو جائز، وأحب أن أشير هنا إلى أن الشيخ مصطفى كان أكثر تحرياً للوقوف من الشيخ محمد رفعت - وهو من هو - فالشيخ رفعت مثلًا يقف على قوله تعالى من سورة الكهف ﴿فانطلقا﴾ وليس موضع وقف، ويقف على قوله تعالى في سورة طه: ﴿ثم جئت على قدر﴾، ثم يستأنف ﴿يا موسى﴾ وليس موضع وقف.

стр. 179

ومما أخذوه عليه أيضاً أنه يكثر من اختلاف القراءات لإثارة مكامن الطرب، وليس هو وحده الذي كان يفعل هذا، فقد كان يفعله أيضاً الشيخ محمد رفعت، والشيخ محمد الصيفي. والجمع بين الروايات في القراءة الواحدة مكروه عند بعضهم، لكنه جائز عند بعض آخر، وبخاصة في مقام التعليم. على أن الحق يقتضيني هنا أن أشير إلى أن الشيخ مصطفى قرأ مرة آية على وجه من القراءات لم أجده في القراءات العشر المجمع على تواترها والقراءة بها، وذلك في قوله تعالى في سورة يوسف - في أحد تسجيلاتها - «وقال نُسوة» بضم النون، وهي في القراءة المتواترة بالكسر، ولم يقرأ بالضم إلا المفضل والأعمش والسُّلَمي وهي قراءة شاذة. تسجيلات نادرة: ومما اتهموه به أيضاً أنه يقرأ سوراً بعينها. وهذا غير صحيح، بل إن عكسه هو الصحيح فالشيخ يقرأ من سور القرآن كله، وليس كبعضهم الذي يؤثر السور التي تقصر آياتها، وتتماثل فواصلها. من خصائص صوت الشيخ مصطفى إسماعيل: درج كثير من القرَّاء على أن يخفضوا أصواتهم إلى ما يسمى بطبقة القرار حين يأتون إلى آية من آيات الإنذار أو جهنم أو الموت، فإذا جاءوا إلى آية بشارة ونحوها رفعوا أصواتهم إلى ما يعرف بطبقة الجواب، كما تسمعهم في آخر سورة الزمر، حيث يخفضون أصواتهم في قوله تعالى: ﴿وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا﴾ [الزمر: ٧١]، فإذا جاءوا إلى قوله تعالى: ﴿وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً﴾ [الزمر: ٧٣]، رفعوا أصواتهم عالياً. ولم يؤثر عن الصحابة والتابعين في ذلك شيء إلا ما روي عن التابعي الجليل إبراهيم النخعي أنه قال: «ينبغي للقارئ إذا قرأ نحو قوله تعالى: ﴿وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله﴾ [التوبة: ٣٠]، ونحو ذلك من الآيات أن يخفض بها صوته»، قال ابن الجزري: «وهذا من أحسن آداب القراءة»،

стр. 180

على أن الشيخ مصطفى يخالف قرَّاء زمانه في خفض الصوت عند آيات الإنذار وذكر الموت. واستمع إليه في تسجيل نادر لسورة آل عمران في قوله تعالى: ﴿كل نفسٍ ذائقة الموت﴾ [آل عمران: ١٨٥]، فهو يرفع صوته عالياً في ﴿ذائقة﴾ ثم يقف على ﴿الموت﴾ بنفس الطبقة العالية في صراخ مُزلزل كأنه صراخ ثكالى فقدن عزيزاً أو تذكرن غائباً وتكاد التاد المهموسة حين يصرخ بها تنقلب إلى حرف مجهور يكاد يخرق صماخ الأذن، ثم تأمل أيضاً وقفه على قوله تعالى في سورة يوسف: ﴿رأينه أكبرنه﴾ [يوسف: ٣١]، كيف وقف على الهاء في ﴿أكبرنه﴾ وقفاً مضيئاً ساطعاً يجسد لك انبهار النسوة ودهشتهن لجمال يوسف ﵇. ويبقى شيء، أرجو أن يأذن لي أستاذنا النجمي في مناقشته، وذلك ما ذكره في ص ٢٤: «أن المسلمين في العهد النبوي وعهد الخلفاء الراشدين كانوا يقرأون القرآن بحسب لغاتهم المتعددة، وأفصحها سبع لغات»، ثمَّ ذكر حديث: «إنَّ هذا القرآن نزل على سبعة أحرف» ولي على ذلك بعض الملاحظات: أولًا: إنَّ سياق الكلام على هذا النحو قد يوحي إلى بعض من لا معرفة لهم بعلوم القرآن أن المسلمين كانوا يقرأون بهذه اللغات السبع باختيارهم ومن عند أنفسهم تبعاً لما ألفوه من أعرافهم اللغوية، ومعلوم أن القراءة أثر واتباع، لا رأي واجتهاد، وأن جبريل ﵇ قد نزل بهذه اللغات كلها فأقرأها الرسول ﷺ أمته. ثانياً: أن صحَّة الرواية «أُنزِل على سبعة أحرف» بالبناء للمجهول، وليست «نزل». ثالثًا: أنَّ تفسير الأحرف السبعة الواردة في الحديث بأنها سبع لغات من لغات العرب، هو أحد التفسيرات، وهو مردود عليه. ويرى بعض المحققين أن أمثل ما جاء في بيان معنى الأحرف السبعة هو ما ذكره الحافظ ابن حجر العسقلاني، فقد قال في فتح الباري ٩/ ٢٣ (طبعة السلفية) «باب أنزل القرآن على سبعة أحرف: أي على

стр. 181

سبعة أوجه يجوز أن يقرأ بكل وجه منها، وليس المراد أن كل كلمة ولا جملة منه تقرأ على سبعة أوجه، بل المراد أن غاية ما انتهى إليه عدد القراءات في الكلمة الواحدة إلى سبعة». رابعًا: إنَّ كتاب أستاذنا هذا يقع في أيدي الخاصة والعامة، فكنت أحب أن يشير هنا إشارة سريعة في الحواشي إلى أن الأحرف السبعة الواردة في الحديث ليست هي القراءات السبعة التي اختارها ابن مجاهد في أوائل القرن الرابع، وهي القراءات المنسوبة إلى: نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي. وبعد ... فأرجو أن يأذن لنا الأستاذ النجمي في القول بأن هذا الكتاب لم يُشبع نهمتنا ولم يرو عُلَّتنا في الوقوف على عبقرية الشيخ مصطفى إسماعيل، ولهذا فسوف نعتبر هذا الكتاب عن الشيخ مصطفى الجزء الأول، وهو عن حياته كما جاء بحق في عنوانه «حياته في ظل القرآن»، ويأتي الجزء الثاني إن شاء الله تحليلًا ودرساً لصوت هذا القارئ العظيم. * * *

стр. 182

التصحيح اللغوي .. وضرورة التحرَّي (١) «من عَرف كلام العرب لم يكد يُلحَّن أحداً»، تذكرت كلمة الأصمعي هذه وأنا أقرأ صفحة «لغويات» في عدد الماضي من الهلال، فقد جاء في هذه الصفحة: «تُوفَّي فلان إلى رحمة الله فهو «مُتَوَفّىَ» بضم الميم وفتح التاء والواو وتشديد الفاء المفتوحة وتنوين الحرف الأخير. وهذا من بديهيات اللغة التي كانت معروفة عند الصحف المصرية والعربية، ولكن إحدى الصحف المصرية الكبرى كتبت في صحفتها الأولى منذ أسابيع كلمة «مُتوف» بكسر الفاء وتنوينها بدلًا من «متوفى» التي بيناها، فكأنما أحدث الرجل الوفاة بنفسه، ولم يتوفه الله تعالى! ». وهذا الكلام صواب، ولكنه ليس الصواب الذي لا صواب غيره، ولأهل العلم في ذلك كلام طريف يصحَّحون فيه الرجل الآخر لذلك الاستعمال الذي يأتي على ألسنة العامة هذه الأيام، وهو الاستعمال الذي خطأه الكاتب الفاضل، مع أنه ضارب في العربية بعروقه، فإنه يقال: «تَوَفَّى فلان فهو مُتَوَفَّ» بفتح التاء والواو الفاء في الفعل، وكسر الفاء في اسم الفاعل، ويكون المعنى على هذا الضبط أنه استوفى أجله، واستنفد أيامه في هذه الحياة الدنيا، وعلى ذلك جاءت القراءة المروبة عن علي بن أبي طالب، وعن المفضل عن عاصم: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً﴾ [البقرة: ٢٣٤] بفتح الياء في «يتوفون». قال ابن مجاهد: «ولا يُقرأ بها»، وقال ابن جني في المحتسب ١/ ١٢٥: «هذا الذي أنكره ابن مجاهد عندي مستقيم جائز،

стр. 183

وذلك أنه على حذف المفعول، أي: والذين يَتَوَفَّوْن أيامهم أو أعمارهم أو آجالهم، كما قال سبحانه: ﴿فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم﴾ [المائدة: ١١٧]، و ﴿الذين تتوفاهم الملائكة﴾ [النحل: ٢٨]، وحذف المفعول كثير في القرآن وفصيح الكلام، وذلك إذا كان هناك دليل عليه، قال الله تعالى: ﴿وأوتيت من كل شيء﴾ [النمل: ٢٣]- أي شيئًا -. انتهى كلام ابن جني. وقد رُوي أيضاً عن الأعمش أنه قرأ قوله تعالى: ﴿ومنكم من يتوفى﴾ [الحج: ٥] بفتح الياء، وحكاه أبو حاتم السجستاني، كما ذكر ابن خالويه في شواذ القراءات ص ٩٤، فهذا الذي يجري على ألسنة العامة ليس خطأً مخضاً، وإن لم يكن هو الأفصح، قال ابن هشام اللخمي: «وإذا كان في الكلمة لغتان وكانت إحداهما أفصح من الأخرى فكيف تُلَحَّن بها العامة وقد نطقت بها العرب، وإنما تُلَحَّن العامة بما لم يُتكلم به». على أن هذا التوجيه الذي يُسوغ استعمال «تَوَفَّى» مبنّياً للفاعل لا ينبغي أن يُقبل إلا من عارف به مُطيق لوجه الكناية فيه. قال الإمام السكاكي في مفتاح العلوم ص ٩٨: «فإن جوهر الكلام البليغ مثله مثل الدرة الثمينة، لا ترى درجتها تعلو ولا قيمتها تغلو ... ما لم يكن المستخرج لها بصيراً بشأنها، والراغب فيها خبيراً بمكانها، وثمن الكلام أن يوفى من أبلغ الإصغاء وأحسن الاستماع حقه، وأن يتلقى من القبول له والاهتزاز بأكمل ما استحقه، ولا يقع ذلك ما لم يكن السامع عالماً بجهات حسن الكلام، معتقداً بأن المتكلم تعمدها في تركيبه للكلام عن علم منه، فإن السامع إذا جهلها لم يُميز بينه وبين ما دونه، وربما أنكره، وكذلك إذا أساء بالمتكلم اعتقاده ربما نسبه في تركيبه ذلك إلى الخطأ، وأنزل كلامه منزلة ما يليق به من الدرجة النازلة، ومما يشهد لك بهذا ما يروى عن علي ﵁ أنه كان يشيع جنازة فقال له قائل: من المتوفي؟ بلفظ اسم الفاعل، سائلًا عن المتوفَّى، فلم يقل: فلان، بل قال: الله، رداً لكلامه عليه مخطئاً إياه، منبهاً له بذلك على أنه كان يجب أن يقول: من المتوفَّى، بلفظ اسم المفعول ... وما فعل ذلك كرم الله وجهه إلا لأنه

стр. 184

عرف من السائل أنه ما أورد لفظ «المتوفي» على الوجه الذي يكسوه جزالة في المعنى وفخامة في الإيراد، وهو وجه القراءة المنسوبة إليه ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً﴾، بلفظ بناء الفعل للفاعل، من إرادته معنى: والذين يستوفون مدد أعمارهم». قضية لغوية: وهذا الذي رأيته من تسويغ «توفى»، وإخراجه من دائرة الخطأ المحض يقودنا إلى قضية لغوية كبيرة شغلت اللغويين قديماً وحديثاً، وهي قضية التصويب اللغوي، وقد بدأ التصنيف فيها مواكباً لجمع اللغة وتدوينها، على نحو ما نرى عند الكسائي (١٨٩ هـ) في الكتاب المنسوب إليه «ما تلحن فيه العامة». وتحت هذا العنوان كتب كثير من علماء اللغة الأوائل، مثل الفراء (٢٠٧ هـ) وأبي عبيدة (٢١٠ هـ) والأصمعي (٢١٦ هـ) ومن في طبقتهم ومن جاء بعدهم، بل إن حركة التصحيح اللغوي هذه قد شارك فيها بعض علماء الترك في الدولة العثمانية الذين اتخذوا العربية قلماً ولساناً، فرأينا ابن كمال باشا (٩٤٠ هـ) يؤلف كتابه «التنبيه على غلط الجاهل والنبيه»، ثم جاء علي بن بالي القسطنطيني (٩٩٢ هـ) فصنف كتابه «خير الكلام عن أغلاط العوام». ومعلوم أن حركة التصحيح اللغوي قد تغيت غاية كبيرة، هي المحافظة على سلامة اللغة، في أصواتها ومفرداتها وتراكيبها وإعرابها ودلالة ألفاظها. ومعلوم أيضاً أن التنبه للخطأ اللغوي قديم، وأن محاصرته والتوقي منه مما جاءت به السنة والأثر، فقد رُوي: أن رجلًا لحن بحضرة رسول الله ﷺ ، فقال: «أرشدوا أخاكم»، وروي عنه ﵇ أنه قال: «أنا من قريش ونشأت في بني سعد، فأنَّى لي اللحن؟ ». وقال أبو بكر ﵁: «لأن أقرأ فأُسِقط أحب إليّ من أن أقرأ فألحن». وكتب كاتب لأبي موسى الأشعري إلى عمر بن الخطاب ﵄: «من أبو موسى» فكتب إليه عمر: «أما بعد فاضرب كاتبك سوطاً واحداً وأخَّر عطاءَه - أي راتبه - سنة».

стр. 185

ومن أصدق وأدق ما قيل في استنكار اللحن واستبشاعه ما رُوي عن عمر بن عبد العزيز ﵁: «إن الرجل ليُكلمني في الحاجة يستوجبها فيلحن فأرده عنها، وكأني أقضم حب الرمان الحامض، لبغضي استماع اللحن، ويكلمني آخر في الحاجة لا يستوجبها فيُعرب - أي يتكلم كلاماً صحيحاً - فأجيبه إليها، التذاذاً لما أسمع من كلامه». وروي عنه أيضاً أنه قال: «أكاد أضرس إذا سمعت اللحن». وقال عبد الملك بن مروان: «اللحن في الكلام أقبح من الجُدري في الوجه». وينتهي عصر الراشدين واللسان العربي لا يزال صحيحاً محروساً لم يتداخله الخلل ولم يتطرق إليه الزلل، وتأتي الدولة الأموية، ومن بعدها العباسية، وتكثر الفتوح ويدخل الناس في دين الله أفواجاً، فتختلط الألسنة، وتتداخل الأصوات واللهجات، ويستعمل العربي ما لا بد له منه في الحوار والخطاب اليومي، من أجنبي ودخيل، فيضاف إلى عامل «اللحن» القديم عامل آخر، هو هذا الدخيل، فينهض له علماء اللغة، فتكثر الجهود والتصانيف في حركة التنقية اللغوية. وفي عصرنا الحديث يطرأ عامل ثالث: هو الاستخفاف باللغة والنحو والصرف، وإشاعة أن الاشتغال بمثل هذه العلوم مضيعة للوقت والجهد الذي ينبغي أن يُصرف إلى الفكر وحده، ثم ظهرت بدعة «التفكير الموضوعي» الذي يرفض الاحتفال بهذه الشكليات من حركات الإعراب وأبنية الأسماء والأفعال، والرسم «الإملاء»، ثم يكون التخليط في هذه القواعد والضوابط سمة من سمات التحرر والانعتاق من ربقة التخلف وأكفان الموتى ورمائم القبور! ويفزع لهذه الغاشية طائفة من علماء اللغة والنحو المحدثين، فيتصدون لهذا الانحراف عن سَنَن العربية، فيما عُرف بالتأليف في الأخطاء الشائعة. ومن أبرز ما كتب فيها «لغة الجرائد» لإبراهيم اليازجي، التي نشرها مقالات في مجلة الضياء التي أنشأها بمصر سنة ١٨٩٨ م، و «حول الغلط والفصيح على ألسنة الكتاب» لأحمد أبي الخضر منسي، و «تذكرة الكاتب» لأسعد خليل داغر، و «أخطاؤنا في الصحف والدواوين» لصلاح الدين سعدي الزعبلاوي، و «الكتابة الصحيحة» لزهدي جار الله،

стр. 186

ثم كتب العلامة النحوي الشيخ محمد علي النجار عدة مقالات في مجلة الأزهر، باسم: «لغويات» نشرها بعد ذلك مجموعة بمعهد الدراسات العربية بجامعة الدول العربية. وكتب العالم العراقي الدكتور مصطفى جواد عدة مقالات أيضاً بمجلة عالم الغد البغدادية، بعنوان «قل ولا تقل» نشرها بعد ذلك في كتاب، إضافة إلى ما ذكره في كتابه: «مباحث لغوية في العراق». على أن هذه الجهود التي بُذلت في التنقية اللغوية وتصحيح اللسان العربي، قد تعرضت في القديم والحديث لحركة نقدية واسعة، تبعاً لمقياس الصواب اللغوي وعلى أي صورة يكون؟ وهل يقتصر القياس على المشهور الشَّائع دون القليل النادر كما يرى البصريون، أم يقاس على الشاهد الواحد والشاهدين، كما يقول الكوفيون؟ وهل نقف عند أفصح اللغات ونلغي ما سواها، أم نجعل الشاذ والفصيح واحداً؟ وقد كان بعض اللغويين يتشدد ويحكم بالخطأ على ما لم يكن فصيحاً وإن جاءت به لهجة من لهجات العرب ولو كانت ضعيفة، وكذلك يعد صحيحاً كل ما رواه لغوي ولو كان منفرداً بروايته. ولعل أعدل منهج في القبول والرد هو ما أثر عن أبي عمرو بن العلاء، وقال له أحدهم: «أخبرني عما وضعت مما سميته عربية، أيدخل فيها كلام العرب كله؟ فقال: لا، فقال: كيف تصنع فيما خالفك فيه العرب وهم حجة؟ قال: أعمل على الأكثر، وأسمي ما خالفني لغات». فهذا منهج يقوم على اعتبار الأكثر، وعدم إنكار الأقل، فهو يقبله ولكنه يضعه في دائرة اللغات. واللغات عندهم تعني ما نسميه نحن الآن: لهجات. ومن أشهر كتب نقد مؤلفات التصحيح اللغوي قديماً: ما صنفه ابن هشام اللخمي الإشبيلي (٥٧٧ هـ) فقد ألف كتابه: «المدخل إلى تقويم اللسان وتعليم البيان»، وعرض فيه بالنقد لكتابين تقدماه في لحن العامة، هما: «لحن العامة» لأبي بكر الزبيدي الإشبيلي (٣٧٩ هـ)، و «تثقيف اللسان وتلقيح الجنان» لابن مكي الصقلي (٥٠١ هـ). وقد ذكر ابن هاشم أن الزبيدي «تعسف على عامة زمانه في بعض الألفاظ، وأنحى عليهم بالإغلاظ، وخطأهم فيما استعمل فيه وجهان وللعرب فيه

стр. 187

لغتان»، وأنَّ ابن مكي الصقلي أنكر على العامة ما يحتمل التأويل أو يكون عليه من كلام العرب دليل». لغة الجرائد: وفي عصرنا الحديث أيضاً تعرض مؤلفو الأخطاء الشائعة إلى كثير من النقد والمراجعة، ومن ذلك ما كُتب من نقد حول «لغة الجرائد» لليازجي، وما أثير حول «قل ولا تقل» لمصطفى جواد. وقد دارت معظم هذه النقود والتعقبات حول معيار الحكم بالخطأ والصواب على هذا الاستعمال أو ذاك. ويكشف عن اختلاف معايير الحكم بالخطأ والصواب هذان المثالان: خطَّأ أبو بكر الزبيدي العامة في قولهم: امرأة سكرانة، وبيَّن أن الصواب: سكرى، ثم ذكر أن بني أسد كانوا يقولون: سكرانة. فرد عليه ابن هشام اللخمي: «فإذا قالها قوم من بني أسد فكيف تُلحن بها العامة، وإن كانت لغة ضعيفة، وهم قد نطقوا بها كما نطقت بعض قبائل العرب». ورُوي عن أبي عثمان المازني أنه قال: «دخلت بغداد فألقيت علي مسائل، فكنت أجيب فيها على مذهبي، ويخطئونني على مذهبهم» مغني اللبيب (مبحث إذا). على أن أعظم ما تعرض له الذين كتبوا في التصحيح اللغوي في القديم والحديث: هو التسرع وعدم الاستقصاء والتحري، والوقوف عند حدود القاعدة اللغوية والنحوية، دون التفات إلى المسموع والمأثور المتناثر في كتب العربية على اختلاف علومها وفنونها، فالمعاجم على تنوعها واتساع بعضها لم تُحص اللغة كلها، وآية ذلك ما تراه في فهارس أئمة تحقيق النصوص، من تلك الألفاظ والتراكيب التي جاءت في أشعار العرب وكلام أهل العلم من السابقين الأولين، مما لم يذكر في المعاجم اللغوية المتداولة، ومن ذلك ما ذكره شيخنا محمود محمد شاكر بآخر طبقات فحول الشعراء باسم «ألفاظ من اللغة أخلَّت بها المعاجم أو قصرت في بيانها». وما تراه في فهارس أستاذنا عبد السلام هارون ﵀، للبيان والتبيين، والأصمعيات والمفضليات ومقاييس اللغة.

стр. 188

وليس غريباً أن تغيب بعض الألفاظ والتراكيب عن معاجمنا اللغوية، فإن لغتنا العربية أوسع من أن تحيط بها المعاجم وحدها. وقد قال الإمام الشافعي: «لسان العرب أوسع الألسنة مذهباً وأكثرها ألفاظاً، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي». وعلى هذا فإن اللغة ينبغي أن تُلتَمس من كتب العربية كلها، لأنك واجد في كتب التفسير والحديث والفقه وأصوله وعلم الكلام والأدب والبلاغة والتاريخ والجغرافية وسائر فنون التراث، من اللغة ما لا تجد بعضه في كتبها المصنفة فيها المقصورة عليها، وذلك لأن العربية كتاب واحد. وإذ قد ثبت هذا - إن شاء الله - فإنه من الواجب على من يتصدى للتصحيح اللغوي أن يتحلى بالأناة والتوقف والصبر، وألا يهجم على التخطئة دون سند قوي وحجة غالبة. نماذج: وقد كنت عُنيت في مطالع الشباب بتلك الكتب المصنفة في اللحن والأخطاء الشائعة، وكنت أحفظ منها مسائل ذوات عدد، أُديرها على لساني في مجالس المذاكرة والمطارحة، مزهوَّا بما أحفظ، إذ كان عندي هو الصواب الذي لا صواب غيره. وحين أذن الله - وهو الذي بيده الخير كله - أن أتصل بما كتبه أهل العلم في كتب العربية، وبخاصة شروح الشعر وغريب القرآن والحديث، والأمالي والمجالس، وكتب التراجم والطبقات، ووقفت على تصرف أهل البيان في الأبنية والألفاظ والتراكيب، حين تم لي ذلك - على ضعفي وقلة حيلتي - أيقنت أن ليس الطريق هنالك، وأن التخطئة والتصويب لا يُصار إليهما إلا بعد عناء وجهد، لأن الأفق رحب، والمدى واسع، والشوط بعيد، وبخاصة أننا في زمن انقطعت دونه الرواية، وغاب الأشياخ، فأوصد بغيابهم باب ضخم من أبواب العلم، لأننا أبناء أمة

стр. 189

قام تراثها على الرواية والتلقي والمشافهة والتوقيف، والكتب وحدها لا تصنع عالماً. وقد قال أبو الفتح ابن جني فيما وقع له من كلام شيخه أبي علي الفارسي: «ولمثل هذه المواضع يُحتاج مع الكتب إلى الأستاذين» - شرح تصريف المازني ١/ ٢١٠ - ، وقال ابن قيم الجوزية: «ولمثل هذه الفوائد التي لا تكاد توجد في الكتب يُحتاج إلى مجالسة الشيوخ والعلماء» بدائع الفوائد ١/ ١٠١، وإذ قد وضح لي بعض الطريق جمعت طائفة من تلك الألفاظ والتراكيب التي خطَّأها الناس، ورأيت صوابها أو استعمالها عند بعض أهل العلم قديماً، وأكتفي من ذلك هنا ببعض النماذج التي تمهد لما أردته من ضرورة التحري والمراجعة أمام كل تخطئة أو تضعيف: ١ - يُخطئ بعضهم استعمال «النفس» في غير التوكيد، يريدون أنك تقول: «الشيء نفسه، ولا تقول: نفس الشيء». وقد وجدت استعمال هذا الذي يخطئونه في كتاب سيبويه ١/ ٢٦٦ - وحسبك به - وذلك قوله: «وتجري هذه الأشياء التي هي على ما يستخفون بمنزلة ما يحذفون من نفس الكلام»، وقوله أيضاً في ٢/ ٣٧٩ وذلك قولك: «نزلت بنفس الجبل، ونفس الجبل مقابلي». وقال الجاحظ في الحيوان ١/ ٧٦: «ولا بد للترجمان من أن يكون بيانه في نفس الترجمة في وزن علمه في نفس المعرفة». قال ابن جني في الخصائص ١/ ٣٤٨: «وإنما جاز ذلك في هذا الموضع لا لشيء رجع إلى نفس «أو» بل لقرينة انضمت من جهة المعنى إلى أو». وقال المرزوقي في شرح الحماسي ص ٨٩٢: «وأشار بقوله الأبد إلى نفس الدهر». بل إن هذا الاستعمال قد ورد عند من هو أقدم من هؤلاء جميعاً، وهو الخليل بن أحمد، شيخ العربية وشيخ سيبويه وذلك قوله في كتاب العين ٨/ ١١٧: «والترباء: نفس التراب». ٢ - يُخطئ بعض النحويين استعمال «قد لا يكون» لأن «قد» لا تدخل على النفي، والصواب أن يقال: «ربما لا يكون». وقد وجدته في كلام ابن جني، قال في الخصائص ١/ ٢٠: «كما أن القول قلا يتم معناه إلا بغيره»، وفي كلام للمرزوقي،

стр. 190

قال في شرح الحماسة ص ٥٧: «والاكتفاء به قد يقع وقد لا يقع». ثم وجدته كذلك عند المالقي في كتابه: رصف المباني في شرح حروف المعاني ص ٤٥٥، قال في (مبحث قد): «إن نفيت فقلت قد لا يقوم، توقعت العدم». ٣ - يرى بعضهم أن كلمة «مجاناً» مبتذلة وغير فصيحة وتوشك أن تكون عامية، وأنَّ الصواب أن يستعمل مكانها «بدون مقابل» ونحوه. وقد رأيتها عند ابن فارس، في مقاييس اللغة ٥/ ٢٩٩، قال: «والمجان: هو عطية الرجل شيئاً بلا ثمن». وقد استعملها ابن خلدن في مقدمته ص ٥٥٧، قال: «فليست اللغات وملكاتها مجاناً». ٤ - يستسقط بعضهم تركيب «عبارة عن كذا»، وقد رأيتُه في كلام ابن جني، قال في كتابه الخاطريات ص ٥٨: «ويؤكد ذلك أن لفظ الجبال قد وضع عبارة عما لا تُدركه المعاينة». وقد رأيت هذا التركيب كثيراً في كلام الفقهاء، وكُتُب التعريفات. ٥ - منع بعض النحويين دخول «أل» على «بعض» فلا يجوز أن تقول: أحبوا بعضهم البعض، وإنما تقول: أحب بعضهم بعضاً. وقد أدخل سيبويه «أل» على بعض، وذلك قوله في الكتاب ٤/ ٥١: «وربما قالوا في بعض الكلام: ذهبت بعض أصابعه، وإنما أنث البعض لأنه أضافه إلى مؤنث هو منه». وكذلك صنع ابن جني في الخصائص ١/ ٦٤، قال: «فلما كان الأمر كذلك واقتضت الصورة رفض البعض واستعمال البعض»، وكذلك استعملها ثلاث مرات في الخصائص ٣/ ٣٣٤. ومن قبل سيبويه وابن جني دخلت «أل» على «بعض» في الشعر الجاهلي، وذلك قول المرقش الأصغر، في إحدى رواياته، يصف فرسه: شهدتُ به عن غارة مُسبطرة ... يطاعن بعض القوم والبعض طُوَّحوا ٦ - وكذلك منع بعضهم دخول «أل» على «غير»، لكني وجدتها في ديان المعاني لأبي هلال العسكري ٢/ ٩٨، وكتاب الهوامل والشوامل، لأبي حيان

стр. 191

التوحيدي، ومسكويه ص ١١٧، ثم رأيتها قديماً في كلام لصاحب القاموس في موضع غاب عني الآن. ٧ - يخطئ بعضهم استعمال الفعل «ساهم» بمعنى «شارك» على أساس أنه لم يأت في المعاجم إلا: ساهم فلان القوم: أي دخل معهم في القرعة فقرعهم وغالبهم. لكنه قد جاء بمعنى «شارك» في شعر ينسب لزهير ولأبي الأسود الدؤلي، وهو قوله: أبا ثابت ساهمت في الحزم أهله ... فرأيك محمود وعهدُك دائم وعلى ذلك جاء في المعجم الوسيط، الذي أصدره مجمع اللغة العربية بالقاهرة. وهكذا نتبين صدق كلمة الأصمعي السابقة: «من عرف كلام العرب لم يكد يُلحن أحداً». لكن هذه الكلمة على صدقها لا ينبغي أن تُتخذ سبيلًا للفوضى اللغوية أو الحرية في استعمال ما نشاء، وارتكاب الضرورات والمحظورات اللغوية، بدعوى أن من الأوائل من ارتكب الضرورة واستعمل الشاذ، ثم بزعم أننا يجب أن نرفع العائق ونحطم الحواجز أمام الإبداع والمبدعين ... ولهذا وأشباهه حديث آخر. * * *

стр. 192

الكتب الصفراء .. والحضارة العربية (١) كتب الشاعر الأستاذ أحمد عبد المعطي حجازي، كلمة في جريدة الأهرام بتاريخ ٢٦/ ٨/١٩٩٢ م قدَّم فيها كتاب الأستاذ الكبير النبيل الدكتور مصطفى ناصف «صوت الشاعر القديم». وقد ذكر الأستاذ حجازي في صدر كلمته أنه مدين لثلاثة أساتذة بما يعرفه عن الشعر الجاهلي: أولهم مفتش لغة عربية رآه أيام الدراسة، وقد دخل عليهم الفصل، وكان أستاذ اللغة العربية يشرح شيئاً من شعر الأعشى الكبير ميمون بن قيس، فلم تَرُقْ طريقةُ المدرس في شرح شعر الأعشى ذلك المفتش، فأخذ الكلام من المدرس، واندفع في شرح بلغ من الأستاذ حجازي مبلغاً كبيراً من الرضى والارتياح، ثم غاب ذلك المفتش، ولم يره الأستاذ حجازي، ولم يسمع به بعد ذلك. ولا نعتقد أن مثل هذه اللحظة الخاطفة في حصة دراسية محدودة، أخذ فيها ذلك المفتش في شرح بيتين اثنين من شعر الأعشى على نحوٍ مطرب معجب، تضع هذا المفتش - حذْوَ القُذَّة بالقُذَّة - مع عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، والأستاذ الكبير الدكتور مصطفى ناصف، وتجعل الأستاذ حجازي مديناً لهؤلاء الثلاثة بما يعرفه عن الشعر الجاهلي! غاية ما يقال عن ذلك المفتش الحاذق اللبق أنه حبب إلى ذلك الفتى الصغير الشعر الجاهلي ومهَّد لأنغامه الشجية أن تنصب إلى سمعه وتتولَّج في قلبه.

стр. 193

على أني أظن ظناً أن الأستاذ حجازي قد غَبَن نفسه، وحجَّر عليها واسعاً حين حصر طريق معرفته بالشعر الجاهلي في هؤلاء الثلاثة؛ فإني ألمح في شعره وفي كتاباته الأخيرة رصيداً طيباً من القراءة المتعددة المصادر والموارد. والعميد الدكتور طه حسين - على جلالة قدره ونباوة محله - لم يكن وحده في ساحة الشعر الجاهلي، فقد سبقه سابقون، وعاصره معاصرون، ولحقه لاحقون، بذلوا لذلك الشعر الجاهلي من صفاء نفوسهم ونقاء أذواقهم، وذكاء ألسنتهم، ونصاعة أقلامهم، ما كشف هذا الشعر، ودل على أنه أنبل كلام العرب وأشرفه، وأنه مستودع أسرار العربي ومُستراحه، ومَجْلَى مواجعه وأشواقه. أما الأستاذ الكبير الدكتور مصطفى ناصف فما فتئ يصرّح بأن الشَّأو بعيد، والمدى أوسع مما يحيط به بَصَر، بل كثيراً ما يحدَّثني كفاحاً ومشافهة ليس بيني وبينه أحد، عن صعوبة طريق الشعر، ثم يقول لي بلهجته العذبة الودود: «يا مولانا، المسألة ما هش كده، احنا محناش واخدين بالنا، لازم نقرأ ونقرأ» ثم يثنى على فلان، ويحيل على فلان من السابقين الأولين. ومهما يكن من أمر فإن الذي يعنيني من مقالة الأستاذ حجازي هنا قوله عن الدكتور طه حسين: إنه يدين له «بهذا المنهج الذي أخرج به الشعر الجاهلي من سلطان النحاة والشراح وسدنة الكتب الصفراء». وهكذا يرسل الأستاذ حجازي الكلام إرسالًا، وكأن ذلك من الحقائق المؤكدة التي استقرت عند الناس، ولم يبق لأحد فيها مقال. وسأؤخر الحديث عن سلطان النحاة إلى حين «وأحبب إلينا أن تكون المقدَّما». وآخذ في الحديث عن «سدنة الكتب الصفراء»، ولنفرغ أولًا من «سَدَنة» هذه على طريقة «تحرير المصطلح قبل الأخذ في المناقشة». و«سدنة» من الكلمات التي يتساهل بعض الكتَّاب فيها، فيستعملونها في غير ما وُضِعت له، وهي جمع «سادن»، وهو خادم الكعبة خاصة، وخادم الأصنام في

стр. 194

الجاهلية، والفعل منه سَدَنَ يَسْدُن، من باب قَتَل يَقْتُل. قال ابن فارس في مقاييس اللغة: «السين والدال والنون أصلٌ واحد لشيء مخصوص. يقال: إن السدانة: الحِجابة، وسَدَنة البيت: حَجَبَتُه» انتهى كلامه. وقوله: «لشيء مخصوص» قَطَع به طريق المجاز، وأراد أن العرب لم تستعمله في غير هذا المعنى، وأن مثل ذلك لا يُنقل إلى غير معناه الخاص إلا بسماعٍ صحيح ممن يُوثق بعربيته. فبطل إذن - بحمد الله - استعمال «سَدَنة» هنا. ولم يبق إلا «الكتب الصفراء»، وهو وصفٌ عجيب، كنا نسمعه قديماً ونحن شبَبَبَةٌ صغار، فتفتن به افتناناً، كما كنا نفتتن بمثل «الشعر المهموس»، و «الدَّفْقة الشعورية»، و «تراسُل الحواس»، و «المنولوج الداخلي» فلما أفَقْنا من الغَشْية، وعرفنا الطريق، أدركنا أن ذلك كله مما لا غناء فيه، ولا طائل تحته، وأنه كما قال ابن قتيبة: «ترجمةٌ تروقُ بلا معنى، واسمٌ يَهُول بلا جِسم»، أو كما قال ابن الشَّجري: «تهاويلُ فارغةٌ من الحقيقة». وقد اختفى هذا الوصف «الكتب الصفراء» زماناً، ثم عاد مرة أخرى، وإذا كنا لا نحفل به إذا جاء في كلام من لا يؤبه له، ولا يُعاج به من صغار الكتَّاب، فإن الأمر يختلف إذا وردفي كلام شاعر كبير مثل الأستاذ أحمد عبد المعطي حجازي، له قراء ومحبون، وأستاذ جامعي مثل الأستاذ الدكتور عاطف العراقي، له تلاميذ ومريدون، ذلك في كلمة له قريبة في الأهرام أيضاً. وواضح أن ورود هذا الوصف في كلام الأستاذ حجازي والدكتور العراقي، ومن لَفَّ لَفَّهما، إنما هو في مقام الذم والسخرية، بحيث صار استعمال هذا الوصف مرادافًا للأدب الغث والفكر الهزيل المتخلّف. وإذا كنا لا نرضى لأنفسنا أن نتغلغل إلى المطوي في ضمائر الناس؛ لأن ذلك عند علام الغيوب، وإذا كان الأستاذ حجازي والدكتور العراقي، وكل من استعمل هذا الوصف، لم يقدموا لنا نماذج محددة من أسماء هذه الكتب الصفراء وما تشتمل عليه من ألوان الفكر وضروب الأدب، إذا كان ذلك كذلك، فإن من حقنا أن نقف

стр. 195

عند الدلالة المجردة لهذا الوصف، فنقول ببداهة العقل وبمطلق الدلالة: إن كل فكر جاء في كتب صفراء مرفوض ومطَّرَح؛ لأن الوصف إذا جاء بغير قيد أو استثناء دخل تحته كل أفراد جنسه. ومعنى هذا ببداهة العقل أيضاً، وبمطلق الدلالة أن ديوان الأستاذ حجازي «مدينة بلا قلب» إذا جاءنا في ورق أصفر اجتويناه ورفضناه، وبمفهوم المخالفة: إذا جاءنا هذا الديوان على ورق كوشيه فاخر، كان ذلك رافعاً لخَسِيسَتِه - إن كانت فيه خسيسَةٌ - لا قَدَّر الله ولا قَضى. ونحن نقولها بكل سلامة الصدر، وبكل خلوص النية لكل من عنده خبرٌ عن حقيقة هذا الوصف: نبئنا بتأويله. وبكل سلامة الصدر أيضاً وخلوص النية نسأل الأستاذ حجازي، نعم نسأله تعلُّماً لا تعنُّتاً: ما معنى قولك: إن الدكتور طه حسين أخرج الشعر الجاهلي من سدنة الكتب الصفراء؟ فمن هم هؤلاء السدنة - إن قبلنا هذا الاستعمال؟ ما هي أسماؤهم، ثم ما هي أزمانهم؟ ثم ما هذه الكتب الصفراء التي جاء فيها شرح الشعر الجاهلي محرَّفاً ومُزالًا عن جهته، حتى جاء عميد الأدب العربي فنفخ فيه من روحه حتى نهض قائماً على سُوقه؟ إن الشعر الجاهلي قد جاءنا موثقاً مضبوطاً في دواوين أصحابه التي صنعها علماء الصدر الأول، مثل ابن السكيت وابن حبيب وثعلب والسُكري، وفي الشروح الكبرى، مثل شرح المفضليات لأبي محمد الأنباري، وشرح القصائد السبع لابنه أبي بكر، شرح القصائد التسع لأبي جعفر النحاس، وجاءنا أيضاً في المجاميع والمختارات الأدبية التي صنفها فحول العلماء في الصدر الأول أيضاً كالمفضليات والأصمعيات والحماسيات والمختارات، وجاءنا أيضاً منثوراً ومفرَّقاً في كتب الأمالي والمجالس ودواوين الأدب ومعاجم اللغة، بل وفي كتب التاريخ والبلدانيات (الجغرافيا). وحين ظهرت المطبعة، وتصدى علماء البعث والإحياء لشرح الشعر الجاهلي قرأناه في مؤلفات جلة العلماء، من أمثال الشيخ حسين بن أحمد المرصفي، والشيخ

стр. 196

سيد بن علي المرصفي، والشيخ حمزة فتح الله، ثم جاءت طبقة تلاميذهم من قراء الشعر الجاهلي وشراحه، مثل الأستاذ محمود محمد شاكر، والدكتور طه حسين، والطبقة التي جاءت بعدهما مثل الدكتور نجيب محمد البَهْبِيتي، والدكتور عبد الله الطيب المجذوب ... وهلمَّ جرّاً إلى أساتذة الأدب ودارسيه بالجامعات وغير الجامعات. فأنت ترى أن الشعر الجاهلي في أصلاب كريمة، ووعته صدور حافظة، وحملته أيدٍ بارة، وأدَّته ألسن ذكية. وهؤلاء العلماء المحدثون الذين ذكرتهم إنما قرأوا الشعر الجاهلي وغير الجاهلي في الكتب الصفراء. فإذا تركنا حديث الشعر الجاهلي ونظرنا في تراثنا كله المطبوع في مطبعة بولاق والمطابع الأهلية الأخرى بمصر وسائر بلاد الدنيا، وجدنا كله - وبخاصة أواخر القرن الماضي والربع الأول من القرن الحالي - قد جاءنا في الورق الأصفر، فقد قرأنا تفاسير القرآن الكريم ودواوين السُّنَّة المطهَّرة في الورق الأصفر، وكذلك كتاب الأم للشافعي، وكتاب سيبويه، والأغاني لأبي الفرج الأصبهاني، وتاريخ الطبري وابن الأثير، ومقدمة ابن خلدون، والفتوحات المكية لابن عربي، ومنهاج السنة النبوية لابن تيمية، ووفيات الأعيان لابن خلكان، ونفح الطيب للمقري، وألف ليلة وليلة ... وسائر كتب الحضارة العربية والإسلامية. وكذلك الكتب المترجمة يومئذ إلى العربية في أنواع العلوم، كالطب والهندسة والفلك والرياضيات والعلوم الحربية. وكذلك كان الشأن في كثير من مطبوعات أوروبا من الكتاب العربي وغيره. يقول العلامة الدكتور عبد الله الطيب المجذوب، صاحب الكتاب العظيم «المرشد إلى فهم أشعار العرب» في محاضرة ألقاها بنادي ناصر الثقافي بالخرطوم: «وأشهد على نفسي أني عندما كنت أدرس في الخارج - يعني لندن - كنا ندرس بعض القطع المسرحية لشكسبير، فكان التلاميذ معنا يُسَمَّع بعضهم لبعض القطع عن ظهر قلب، حتى أمثال «يطارده القتلة» أو «يخرج بطارده سبع». كانت لهذه

стр. 197

المسرحيات القديمة شروح، قد تكون الأبيات أربعة أسطر في أعلى الصحيفة بخط كبير، وسائر الصحيفة بخط دقيق شرح لما فوق، ويقبل التلاميذ على ذلك ولا ينفرون، فإذا قدم لهم شيء يشبه ذلك بالعربية نفروا منه نفوراً شديداً. ومن عجب الأمر أن الكتب التي كنا ندرسها بالإنجليزية كان ورقها أصفر. والورق الأصفر لعله ألين على عين القارئ من الورق الناصع الأبيض» انتهى كلامه، ويؤكده أن مصابيح الإضاءة في شوارع وميادين الكبرى غلب عليها الآن اللون الأصفر. وقد شهدنا في الكتب الصفراء ظاهرة طباعية عجيبة، لم نشهدها في الكتب البيضاء، وهي ظاهرة طبع كتاب أو كتابين بهامش الكتاب الأصلي، أو بآخره إذا كان له صلة بالكتاب الأصلي. والأمثلة على ذلك كثيرة جداً، لا داعي للتطويل بذكرها، على أن أعجب ما في هذه الظاهرة أن نرى خمسة كتب مطبوعة في كتاب، وفي صفحة واحدة اجتمعت الكتب الخمسة، في الصلب والهامش، مفصولة بجداول، دون أن يختلط بعضها ببعض، أو يبغي بعضها على بعض. وذلك: كتاب شروح التلخيص في علوم البلاغة، ويشتمل على: ١ - شرح سعد الدين التفتازاني على تلخيص المفتاح للخطيب القزويني. ٢ - مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح لابن يعقوب المغربي. ٣ - عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح، لبهاء الدين السبكي. ٤ - الإيضاح للخطيب القزويني. ٥ - حاشية الدسوقي على شرح السعد. والثلاثة الأولى طبعت في صلب الكتاب، والاثنان الباقيان بهامشه. وكانت الطبعة الأولى للكتاب بمطبعة بولاق - على الورق الأصفر - سنة ١٣١٧ هـ، أي منذ نحو مائة عام، وكانت هذه الطبعة على نفقة مصطفى أفندي المكاوي، المحامي بمدينة الفيوم، والشيوخ فرج الله زكي الكردي، وكيل الشركة الخيرية لنشر الكتب العالمية الإسلامية، من طلبة العلم بالأزهر الشريف، وعبد الحميد أفندي الصمداني.

стр. 198

وقف أيها القارئ الكريم عند اسم «مصطفى أفندي المكاوي المحامي»، وانظر إلى همم الرجال واهتماماتهم في تلك الأيام! رجل من رجال القانون ينهض للمشاركة في نشر أصول من كتب البلاغة! وأدعُ لك أيها القارئ العزيز التدبر في هذا الذي كان، وما نحن عليه الآن! وظاهرة طبع الكتب بهامش كتب أخرى، ظاهرة عجيبة فريدة، وهي دالة بوضوح على أن القوم كانوا في سباق لنشر العلم وإذاعته. وما أعلم أن هذه الظاهرة عرفت في غير مطابع مصر واستانبول، في بداية الطباعة العربية على الأقل. هذا وقد ارتبط الورق الأصفر عند عارفي الكتب وجامعيها، بجودة التصحيح وكمال الإخراج - وتلك حقبة غالية من تاريخ الطباعة في مصر - فقلَّ أن تجد تصحيفاً أو تحريفاً، وجاءت النصوص كاملة موفورة، لا سقط فيها ولا خلل، وذلك لأن القائمين على تصحيح الكتب الصفراء في ذلك الزمان كانوا طبقة من فضلاء العلماء، وكانوا يقومون بعملهم هذا في أمانة تامة وحرصٍ شديد. ويذكر التاريخ من أسماء هؤلاء المصححين العلماء: نصر الهوريني، ومحمد بن عبد الرحمن، المعروف بقُطة العدوي، ومحمد الحسيني، وطه محمود، ومحمد عبد الرسول، ومحمد قاسم، ومحمد الزهري الغمراوي، وعبد الغني محمود. وكان كثير من أساتذتنا الذين يجمعون الكتب يركضون خلف الطبعة الصفراء، ويسمحون فيها بأغلى الثمن، فإذا جئت أحدهم بطبعة من الكتاب القديم على ورق أبيض، نفر منها نفوراً شديداً، فإذا زيَّنتها له بأن فيها أوائل فقرات، وعلامات ترقيم، لجَّ في إعراضه، وقال: «بِطِينُه ولا غسيل البرك». وإن تعجب فعجب: أن الورق الأصفر قد عاد إلى الطباعة مرة أخرى، وأمامي الآن طبعة جيدة جداً من «القاموس المحيط» للفيروزآبادي، على ورق أصفر. وتقع هذه الطبعة في (١٧٥٠) صفحة، وقد أصدرتها مؤسسة الرسالة ببيروت - الطبعة الثانية ١٤٠٧ هـ = ١٩٨٧ م. ثم طبعة محققة من كتاب «مفردات ألفاظ القرآن» للراغب الأصبهاني على ورق أبيض، ولكنه بياض خفيف يميل كل الميل إلى

стр. 199

الأصفر. وهذه الطبعة من منشورات دار القلم بدمشق، والدار الشامية ببيروت. الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ = ١٩٩٢ م. هذا ولن تزول حيرتي، ولن ينقضي عجبي من حديث «الكتب الصفراء» الحط (١) عليها، إلا إذا جاءني كاتب بكلام محدد مبين موثق، بأسماء هذه الكتب الصفراء، والفنون التي عالجتها والدلالة على مواضع الذم منها، وليس لي إلا شرط واحد: أن يرفق بي الكاتب، فلا يَهجم بي على دهاليز المنهجية والموضوعية والإشكالية، وحركة التاريخ، والحتمية الحضارية، وأن يأتيني الكلام واضحاً قاطعاً، لا ترى فيه عوجاً ولأا أمتاً؛ فإن كثيراً مما نقرأه ونسمعه في هذه الأيام مما ينطبق عليه قول ذلك الأعرابي وقد حضر مجلس الأخفش فسمع كلاماً لم يفهمه، فحار وعجب، فقال له الأخفش: ما تسمع يا أخا العرب؟ فقال: «أراكم تتكلمون بكلامنا في كلامنا بما ليس من كلامنا» ... نعم إن كثيراً مما نقرأه ونسمعه الآن مما يدبر الرأس ويجعل الأعلى أسفل والأسفل أعلى، وكأنك في مدينة ملاهٍ، أمام تلك الصناديق التي يجلس فيها الصغار: تعلو بهم ثم تهبط، ثم تعلو ثم تهبط، إلى أن يدركهم الدُّوار، أو يُنزل الله عليهم النعاس أمنة منه ... والملجأ الله. * * *

стр. 200

النحو .. والشعراء (١) عرضت في عدد الهلال الماضي لكلمة الشاعر الأستاذ أحمد عبد المعطي حجازي المنشورة بجريدة الأهرام ٢٦/ ٨/١٩٩٢ م، والتي قدم فيها كتاب الأستاذ الكبير الدكتور مصطفى ناصف «صوت الشاعر القديم». وقد وقفت عند قول الأستاذ حجازي إنه مدين لعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين «بهذا المنهج» الذي أخرج به الشعر الجاهلي من سلطان النحاة والشراح وسدنة الكتب الصفراء». ثم ناقشته في «سدنة الكتب الصفراء»، ولم يبق لي من كلامه إلا قوله: إن الدكتور طه حسين «قد أخرج بمنهجه الشعر الجاهلي من سلطان النحاة». وعوداً على بدء، فهذا أيضاً من الكلام الذي يُرسل إرسالًا، وكأنه من الحقائق المؤكدة التي استقرت عند الناس، ولم يبق لأحد فيها مقال. فأي «سلطان» يا سيدي الشاعر، وأي «نحاة»؟ لابد من تحديد هذا السلطان (الحائر) وبيان مداه الذي ينتهي إليه، وغايته التي يقف عندها. ولا بد أيضاً من تعيين هؤلاء «النحاة» بأسمائهم وأزمانهم، فإن هناك كثرة من النحاة الأوائل قد وقفوا مع الإبداع الشعري - كما يقال - ووجهوا تراكيب الشاعر التي خرجت في الظاهر عن سَنَن كلام العرب؛ فالتمسوا لها وجهاً، وطلبوا لها تأويلًا من لغات العرب التي تسمى الآن «لهجات».

стр. 201

والقضية أقدم من عميد الأدب العربي بأكثر من ألف عام. وإليك يُساق الحديث: قال أبو محمد بن الخشاب المتوفى سنة ٥٦٧ هـ: إن أبا حاتم السجستاني قال: ليس الفرزدق أهلاً لأن يستشهد بشعره على كتاب الله، لما فيه من التعجرف. وقال ابن خشاب أيضاً: لم يَجْرِ في سَنَن الفرزدق من تعجرفه في شعره، بالتقديم والتأخير المخل بمعانيه، والتقدير المشكل إلا المتنبي، ولذلك مال إليه أبو علي وابن جني، لأنه مما يوافق صناعتهما، ولا ينفع المتنبي شهادة أبي علي له بالشعر، لأن أبا عليًّ مُعْرِب لا نقَّاد، وإنما تنفعه شهادة العسكريين (يعني أبا أحمد صاحب المصون، وأبا هلال صاحب الصناعتين وديوان المعاني)، وأبي القاسم الآمدي، فإنهم أئمة يقتدى بهم في نقد الإعراب». في قلب الحركة الشعرية: أرأيت يا سيدي الشاعر! هذا أبو علي الفارسي شيخ النحاة في القرن الرابع وتلميذه العظيم ابن جني، كلاهما مع الإبداع الشعري، ولعلي أذكر شيئاً من تخريج أبي علي لشعر الفرزدق الذي عابه عليه النحاة. فذكر «النحاة» هكذا بصيغة التعميم غير صحيح. وأيضاً فإن وضع القضية على هذا الشكل يجعل النحاة - وبخاصة عند من لا يعرف تاريخ العلم والعلماء - بمعزل عن الشعر، بل في موقف المتربص به، الكاره له، البعيد عنه. وهذا غير صحيح أيضاً، فإن كثيراً من نحاة الصدر الأول لم يكونوا منظرين من بعد، بل كانوا في قلب الحركة الشعرية، وفي الصميم منها: فهذا أبو عمرو بن العلاء الإمام النحوي اللغوي، وأحد القرَّاء السبعة كان راوية لذي الرمة الذي يقال: إن شعره يمثل ثلث لغة العرب. وعناية أبي عمر بالشعر الجاهلي معروفة، وقد كان يعول مع السماء والرواية على الكتابة والتقييد. وكان يونس بن حبيب شيخ سيبويه شديد الاختصاص برؤبة بن العجاج. وكان نِفْطويه يحفظ نقائض جرير والفرزدق وشعر ذي الرمة. أما أبو العباس ثعلب - وهو مع الكسائي والفراء، زعماء مدرسة الكوفة النحوية - فإن له علقة شديدة بالشعر والشعراء: فقد صنع دواوين الأعشى وزهير

стр. 202

وابنه كعب وعروة بن حزام والنابغة الذبياني والجعدي والطرماح وطفيل الغنوي، وشرح لامية الشنفرى: أقيموا بني أمية صدور مطيكم ... فإني إلى قوم سواكم لأميل كما روى شعر ذي الرمة عن أبي نصر الباهلي صاحب الأصمعي، وعن هذه الرواية كانت نشرة الدكتور عبد القدوس أبو صالح العظيمة لديوان ذي الرمة بمجمع اللغة العربية بدمشق، وفضلًا عن ذلك كله فإن لثعلب في علم الشعر كتاباً شهيراً هو «قواعد الشعر»، وهو على وجازته مفيد في بداية هذا العلم. أما مسألة «سلطان النحاة على الشعر»، ووقوفهم في وجه الإبداع الشعري فهي من المسائل التي يتابع الناس بعضهم بعضاً فيها دون أن يعطوها حظها من النظر والتأمل. تقعيد القواعد: إنَّ النحو علم وصناعة، وقد قعَّد النحاة القواعد بناء على الجمهور الأعظم الذي انتهى إليهم من كلام العرب شعراً ونثراً، فهو نظام مستتب، مبني على الأكثر والشائع، ولذلك يقول ابن عصفور «إن أئمة النحويين كانوا يستدلون على ما يجوز في الكلام بما يوجد في النظام». والنحوي حريص على هذا النظام، متشبث به، فما خرج عنه رفضه أو ضعَّفه أو شذّذه، ولا يبالي النحوي أي نص كان هذا الذي خرج عن النظام، ولذلك يضعف النحوي - بناء على نظامه - بعض القراءات القرآنية الآتية من طريق التواتر. فقد تكلم النحاة على قراءة نافع وابن عامر وحمزة والكسائي: ﴿إن هذان لساحران﴾ بتشديد نون ﴿إن﴾ مع رفع ﴿هذان﴾ بعدها، وحقه النصب. وتكلَّموا على حذف الفاء في جواب «أما» من قوله ﷺ : «أما بعد، ما بال رجال يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله». وحقه: «فما بال ... »، وتكلَّموا على حديث: «صلّى رسول الله ﷺ قاعداً، وصلى وراءه رجال قياماً» لمجيء «قياماً» حالًا، وقبله نكرة «رجال»، وحق

стр. 203

صاحب الحال في النظام النحوي أن يكون معرفة، وتكلَّموا أيضًا على قول العرب: «مكروه أخاك لا بطل»، وحقه «أخوك». فالنحوي يعرض كل ما يرد عليه من كلام ونصوص على نظامه، فما وافقه قبله، وما خالفه رفضه، فلئن كانت عداوة بين النحاة والشعراء لهذه العلة، وجب أن تكون هذه العداوة أيضاً بين النحاة وكل من تكلَّم بكلام خالف فيه النظام واتبع هواه. علم التوجيه النحوي ودوره: ومع كل هذه الصرامة النحوية، فقد قام نحاة آخرون بتوجيه هذا الكلام الخارج عن النظام، ورده إليه من طريق موافقته لبعض لغات العرب - أي لهجاتهم - أو من طريق الحذف والتقدير، والحذف من خصائص العربية، وهو سمة من سمات فصاحتها وبلاغتها، ويجعله ابن جني من «باب شجاعة العربية»، وعلم التوجيه النحوي هذا علم ضخم جداً، وبخاصة توجيه القراءات السبع. ولما كان الشعر كلاماً من الكلام فقد عرضوه أيضاً على نظامهم، فقبلوا منه ورفضوا، لكنهم قد وقفوا منه موقفاً آخر غير موقفهم من النصوص النثرية - وهذا يدل على احتفالهم به، وإجلالهم له - فهم قد نظروا إليه من أول الأمر على أنه كلام ذو طبيعة خاصة ونسق متميز، وحيث كانت هذه حاله عومل معاملة مباينة لمعاملة منثور الكلام، فأجازوا فيه ما لا يجوز في النثر. وكان صنيع إمام النحاة سيبويه في ذلك دليلًا ومرشداً، فقد عقد باباً في أول الكتاب سمَّاه: «باب ما يحتمل الشعر» قال في أوله: «اعلم أنه يجوز في الشعر ما لا يجوز في غيره». ويقول ابن عصفور: «اعلم أن الشعر لما كان كلاماً موزوناً يخرجه الزيادة فيه والنقص منه عن صحة الوزن، ويحيله عن طريق الشعر، أجازت العرب فيه ما لا يجوز في الكلام، اضطروا إلى ذلك أو لم يضطروا إليه، لأنه موضع ألِفَت فيه الضرائر». وتأمل جيداً قوله: «اضطروا إلى ذلك أو لم يضطروا إليه»، فهو كلام صريح

стр. 204

في الاعتراف بأن للشعر لغة خاصة، وأن الضرورة الشعرية ليست كما يفهمها بعض الناس: أنها الذي لا يجد الشاعر عنها محيصاً. وهذا ما عليه المحققون من العلماء، فإن الشاعر الذي قال: تمرون الديار ولم تعوجوا ... كلامكمُ عليَّ إذن حرامُ كان يستطيع أن يقول: مررتم بالديار ولم تعوجوا فيسلم له الوزن مع رعاية النظام النحوي في تعدية الفعل «مر» بالباء، ولكنها لغة الشعر، فيا بُعد ما بين «تمرون» و «مررتم» في المذهب الشعري! ومع التسليم بهذه الضرائر الشعرية وتصنيف العلماء فيها: فإنك لو أحصيت ما خرج به الشعراء جميعاً في كل عصور الاستشهاد والاحتجاج، وما بعدها، عن النظام النحوي، لوجدته قطرة في بحر، وأن جمهور شعرهم جار على هذا النظام، وما كان ذلك كذلك إلا لأن ذلك النظام النحوي فطرة وسليقة عند العرب، ألم يقل الشاعر القديم: ولست بنحوي يلوك لسانَه ... ولكن سيلقيّ أقول فأعربُ الضيق بالنحو: أما ما تراه في كتب الأدب والتراجم من ضيق بعض الشعراء بالنحو والنحاة، وقولهم في ذلك الشعر الساخر المستهزئ فهو عندي من باب المعابثة والاستطالة بالذكاء، وكأنهم يريدون أن يقولوا: إن نحوكم أيها النحاة صنعة، ونحوَنا فِطْرة، وآية ذلك أن شعرهم الذي حمل سخريتهم من النحاة ليس فيه شيء خارج النظام، أو خارق لقواعده، وكأنها سخرية بالنحاة لا بالنحو. ولا يتسع المقام لذكر شيء من شعرهم الساخر هذا وتحليله، ولكني أشير إلى مقطوعة من تسعة أبيات، أوردها أبو حيان في الإمتاع والمؤانسة ٢/ ١٤٠، يقول الشاعر الساخر في أولها: ماذا لقيتُ من المستعربين ومن ... تأسيس نحوهمُ هذا الذي ابتدعوا

стр. 205

وفي هذه المقطوعة يقول: ما كل قولي معروف لكم فخذوا ... ما تعرفون وما لم تعرفوا فدعوا كم بين قوم قد احتالوا لمنطقهم ... وآخرين علي إعرابهم طُبِعُوا فهذان البيتان شاهدان على ما قلته من نحو الصنعة ونحو الفطرة. والشاعر بطبعه مختال تيّاه، وحُق له! وما أظن الذين تكلَّموا عن «سلطان النحاة» على الشعراء قد أخذوا كلامهم إلا من قصة الفرزدق مع عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي: فقد سمع الفرزدق يقول: وعَضُّ زمانٍ يا بن مروان لم يدع ... من المال إلا مسحتاً أو مُجَلَّفُ فقال له: بِمَ رفعتَ «أو مجلفُ»؟ فقال: «بما يسوءك وينوءك، علينا أن نقول وعليكم أن تتأولوا». وهذا البيت مما استفاضت به كتب العربية، وأطال النحاة فيه الكلام. قال البغدادي صاحب الخزانة: «وهذا البيت صعب الإعراب». وقال الزمخشري: «هذا بيت لا تزال الركب تصطك في تسوية إعرابه»، وقال ابن قتيبة: «رفع الفرزدق آخر البيت ضرورة، وأتعب أهل الإعراب في طلب الحيلة، فقالوا وأكثروا، ولم يأتوا فيه بشيء يُرْتَضى، ومن ذا يخفى عليه من أهل النظر أن كل ما أتوا به احتيال وتمويه». وقال أبو فهر محمود محمد شاكر: «وبيت الفرزدق مما اشتجرت عليه ألسنة النحاة، ولكنه بقي مرفوعاً حيث هو». ومن أقرب تخريجات النحاة وأولاها بالقبول ما ذكره الخليل بن أحمد، عبقري العربية قال: هو على المعنى، كأنه قال: لم يبق من المال إلا مسحت، لأن معنى لم يبق ولم يَدَع واحد. ومثل ذلك قال أبو علي الفارسي، واستشهد للحمل على المعنى بشواهد أخرى. وقد حكوا حكايات أخرى عن مخالفة الفرزدق لبعض قواعد النظام النحوي،

стр. 206

ومع هذا المأثور عن الفرزدق فقد بقي جمهور شعره على الجادة النحوية، وظل مدداً ثرياً للنحاة، ينتزعون منه شواهدهم في الدرس النحوي واللغوي بمستوياته الأربعة: المستوى النحوي (التراكيب)، والمستوى الصرفي (الأبنية)، والمستوى الصوتي، والمستوى الدلالي. الضرورة الشعرية لا تبرر الخروج عن السّنن العربية: على أنه مما ينبغي التنبه له والحذر منه أن الضرورة الشعرية - أو إن شئت لغة الشعر - لا تبيح للشاعر أن يخرج عن سَنَن العربية. قال أبو سعيد السيرافي، وهو يشرح كلام سيبويه، في الضرورة الشعرية: «وليس في شيء من ذلك رفع منصوب، ولا نصب مخفوض، ولا لفظ يكون المتكلم فيه لاحناً، ومتى وُجدَ هذا في شعر كان ساقطاً مطًّرحاً، ولم يدخل في ضرورة الشعر». والعميد الدكتور طه حسين، الذي قال عنه الأستاذ حجازي إنه أخرج الشعر الجاهلي من سلطان النحاة، يعيب على بعض الشعراء المحدَثين خروجهم على قواعد النحو، فيقول عن الشاعر إيليا أبي ماضي إنه اتخذ ضعفه في النحو مذهباً، وقد ردد هذا الرأي الناقد اللبناني صلاح لبكي، في كتابه «لبنان الشاعر» فرأى أن شعراء المهجر آنسوا ضعفهم في اللغة، ويأسَهم من إصلاحها، فلم يجدوا بداً من أن يتخذوا هذا الضعف مذهباً، وآية ذلك فصل للأستاذ ميخائيل نعيمة في «الغربال» عنوانه ضفادع الأدب. فليست لغة الشعر، أو الإبداع الشعري، مجازاً إلى الفوضى اللغوية، أو رخصة ليقول بعضهم: «قد فوق وقد تحت»، ولعل ذلك يذكرنا بمقالة أخرى للأستاذ حجازي، نشرها بجريدة الأهرام بتاريخ ٤/ ٣/١٩٩٢ م، بعنوان «حد الصواب وحد الخطأ»، وذكر فيها كلاماً عجيباً حول اللغة الاعتباطية، وأن القاعدة اللغوية ليست نموذجاً مثالياً لا يتغير ولا يتبدل، وأن اللغة إذا لم تكن تنزيلاً فكل شيء فيها مباح ... إلى كلام آخر كثير مما يقال فيه: «وآخر من شكله أزواج»، وهو

стр. 207

كلام منقوض من جهاته كلها، لكن الذي يعنيني منه هنا استشهاده على تجاوز القواعد النحوية بالقراءة المنسوبة للإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت، وذلك قوله تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾، برفع لفظ الجلالة ونصب ﴿العلماء﴾، وعندي في هذه القراءة كلام كثير لا يتسع له هذا الموضوع، لكني أوجزه فيما يلي: أولاً: هذه قراءة منكرة، لا شاذة، كما ذكر الأستاذ حجازي، وفرق كبير في علم القراءات بين القراءة المنكرة والقراءة الشاذة، فالقراءة المنكرة مرفوضة، أما القراءة الشاذة فإن لها حدوداً ومعالم، وليس وصف القراء بالشاذة غضباً منها أو تهمة لها، وإنما وصفت القراءة بالشذوذ لخروجها عن قراء القرَّاء العشرة المعتبرين. ولذلك يقول ابن جني في مقدمة كتاب المحتسب، عن هذا الشاذ: «إلا أنه مع خروجه عنها - أي عن القراءات العشر - نازع بالثقة إلى قرائه، محفوف بالرواية من أمامه وورائه، ولعله، أو كثيراً منه، مساو في الفصاحة للمجتمع عليه. ونعم وربما كان فيه ما تلطف صنعته، وتعنُف بغيره فصاحته ... ». القراءات الشاذة: وقراء القراءات الشاذة أربعة من كبار علماء العربية وهم: ابن محيصن، ويحيى اليزيدي، والحسن البصري، وسليمان الأعمش. وقد ألّفت كتب في ذكر قراءتهم وتوجيهها، وعندي من كتب توجيه القراءات الشاذة هذه ثلاثة كتب، أولها: المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها، لان جني المتوفى سنة ٣٩٢ هـ، ومختصر في شواذ القراءات لابن خالويه المتوفى سنة ٣٧٠ هـ. والقراءات الشاذة وتوجيهها من لغة العرب للشيخ عبد الفتاح القاضي، وهو عالم قراءات مصري كبير، توفي منذ عشر سنوات، سنة ١٤٠٣ هـ، ولا ذكر لهذه القراءة المنسوبة لأبي حنيفة وللخليفة عمر بن عبد العزيز في هذه الكتب الثلاثة، وكذلك لم أجد لها ذكراً في كتاب الدمياطي: إتحاف فضلاء البشر بالقراءات الأربعة عشر.

стр. 208

ثانياً: ذكر الآلوسي في كتابه روح المعاني ٢٢/ ١٩١: أن صاحب النشر - وهو ابن الجزري - طعن في هذه القراءة. وقال أبو حيان في البحر المحيط ٢٧/ ٣١٢ بعد أن ذكر نسبة هذه القراءة إلى عمر بن عبد العزيز وأبي حنيفة: «ولعل ذلك لا يصح عنهما، وقد رأينا كتباً في الشواذ ولم يذكروا هذه القراءة، وإنما ذكرها الزمخشري». قلتُ: نعم ذكرها الزمخشري في الكشاف ٣/ ٣٠٨، وعبارته: «فإن قلت: فما وجه قراءة من قرأ: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾، وهو عمر بن عبد العزيز ويحكى عن أبي حنيفة؟ قلتُ: الخشية في هذه القراءة استعارة. والمعنى: إنما يجلهم ويعظمهم، كما يجل المهيب المخشي من الرجال بين الناس من بين جميع عبادة». انتهى كلام الزمخشري. وتأمل قول: «ويحكى عن أبي حنيفة»، فهو أسلوب غير قاطع بنسبة هذه القراءة إلى الإمام الأعظم. وأيضاً فإنَّ انفراد الزمخشري بذكر هذه القراءة وتوجيهه لها على أسلوب الاستعارة يتفق مع منهجه الذي غلب عليه في تفسيره، وهو العناية بالمجاز والاستعارة وتنزيل الكلام عليهما، وواضح أن تفسير الآية الكريمة على نصب لفظ الجلالة ﴿الله﴾ ورفع ﴿العلماء﴾ إنما هو على الخشية الحقيقية، وتفسيرها على العكس، بالرفع والنصب إنما هو على المجاز، كما سبق. فليس معنى الآية واحداً في القراءتين، كما فهم الأستاذ حجازي! ثالثًا: لم يلتفت إلى هذه القراءة المنكرة أئمة المفسرين الثقات: من أمثال أبي جعفر الطبري، وأبي الفرج ابن الجوزي، وأبي الفداء ابن كثير، فلم يأت في تفاسيرهم شيء عنها البتة. رابعاً: هذه القراءة المنكرة المنسوبة لأبي حنيفة ليست أول حكاية عن مخالفته لقواعد اللغة والنحو، فقد رُوِي عنه غيرها، كما تراه في ترجمة الخطيب البغدادي له في تاريخ بغداد ١٣/ ٣٣٢، ويرى المحققون أن الحامل للخطيب على

стр. 209

ذلك هو عصبية المذهب، وهي آكلة القلب، ومغمضة العين، ومطلقة اللسان، لأن الخطيب كان شافعي المذهب، ولذلك عاب عليه ابن خلكان في وفيات الأعيان ٥/ ٤١٣ مَسْلَكه هذا في ترجمة أبي حنيفة، وقال إنه كان الأليق به تركه والإضراب عنه. ومن وراء ذلك كله: فإن الكلام في القراءات القرآنية طريق مخوف العواقب، ليس من باب الديانة فقط - وهي عزيزة علينا - ولكن من باب اللغة أيضاً وضروبها المتشبعة الشائكة. ولعل الشاعر الكبير الأستاذ أحمد عبد المعطي حجازي يريح نفسه من الحديث في قضايا اللغة والنحو، فإنها مجلبة للهم، تكد الذهن وتصدع الرأس، والسالك فيها لا يأمن العثرة بن العثرة، والزلة إثر الزلة، والسعيد من وفقه الله. رجاء صادق: ثم أختم برجاء صادق إلى الشاعر الأستاذ حجازي - وأنا أخاطبه بالشاعر قبل أي صفة - ألا يحرم قراءه ومحبيه من حديث الشعر والشعراء، وأن يخصص ذلك المكان المتاح له في «الأهرام» للشعر، فيمتعنا بشعره هو، أو يقدم لنا ما يختاره من شعر قديم أو محدث، بالتحليل والدرس والتذوق، فليس أقدر من الشاعر على شرح الشعر. وللشعر بهاء، وللنفس إليه نزوع، وللقلب به علقة. وقد قال الأول: الشعر نار بلا دخان ... وللقوافي رقى لطيفه كم من ثقيل المحل سام ... هوت به أحرف خفيفه وكان أبو علي الفارسي إمام النحاة في القرن الرابع، يقول وقد جرى ذكر الشعر بحضرته: «إني لأغبطكم على قول الشعر! فإن خاطري لا يوافقني على قوله، مع تحققي بالعلوم التي هي من موادَّه». ولم نر شاعراً اشتغل بقضايا اللغة والنحو والصرف، إلا أن يكون أبا العلاء، من مثل أبي العلاء؟ ولقد أسعدني زماني بمعرفة الشاعر العظيم محمود حسن

стр. 210

إسماعيل، وكان يؤثرني بكلام حلو عال عن الشعر، وكيف يُكتب، وعن إحساسه بالحرف العربي. وقد أكثر معي من الكلام حول معاني الشعر، وبخاصة عقب إصدار الشاعر العوضي الوكيل الجزء الثالث من «الديوان» - يعني ديوان العقاد والمازني - وعرَّض فيه تعريضاً شديداً بالشاعر محمود حسن إسماعيل، ويومها قلت له: لماذا لا تكتب يا أستاذ محمود هذا الكلام النفيس عن الشعر وحياتك معه وفهمك له؟ فقال: «إني شاعر» ولم يزد. رحم الله الشاعر العظيم محمود حسن إسماعيل، وأطال في عمر الشاعر الكبير أحمد عبد المعطي حجازي، وللنحو والنحاة كل الحب والإجلال. * * *

стр. 211

العامة .. وقراءة التراث (١) كتب الأستاذ الدكتور عبد العظيم أنيس، في العدد السابق من الهلال، مقالة عن العالم الرياضي الشاعر عمر بن إبراهيم الخيامي الفارسي النيسابوري، المعروف عند جمهرة الناس باسم: عمر الخيام، المتوفى سنة ٥١٥ هـ - ١١٢١ م. وكان الخيام عالماً بالرياضيات والفلك واللغة والفقه والتاريخ، وهو صاحب «الرباعيات» التي أذاعت اسمه وأكسبته الشهرة في الشرق والغرب. وقد افتتح الدكتور أنيس مقالته بكلمات جياد، قال فيها: لا بد أن يكون عمر الخيام هو الرياضي البارز الوحيد الذي اقترن اسمه في هذا العالم بالأندية الليلية والفنادق ومحال بيع الفطائر. ومن الغريب أنه لم ينشأ ناد واحد في العالم بالأندية الليلية والفنادق ومحال بيع الفطائر. ومن الغريب أنه لم ينشأ ناد واحد في العالم العربي لمناقشة إنجازاته الفذة في الرياضيات والفلك، ولا حتى ناد واحد في العالم العربي لمناقشة إنجازاته الفذة في الرياضيات والفلك، ولا حتى ناد واحد لمناقشة الرباعيات المنسوبة إليه والتي اشتهر بها في الغرب، وإنما ارتباط اسمه للأسف الشديد بأندية اللهو والمجون في الشرق والغرب على السواء. وقد أثارت هذه الكلمات أشجاناً قديمة حول بعض رموزنا التراثية العظيمة التي ارتبطت عند عامة الناس بمفاهيم خاطئة وتصورات غير صحيحة. ولا سبيل إلى ذكر كل ما تمتلئ به الجعبة من هذه الرموز التي خلط الناس في أمرها تخليطاً منكراً، فلنكتف بذكر مثالين يشتركان مع عمر الخيام، في هذا الارتباط الخاطئ بين اسميها وبين اللهو والمجون. وهما: الخليفة العباسي أبو جعفر

стр. 212

هارون بن محمد بن المنصور، المعروف بهارون الرشيد، المتوفى سنة ١٩٣ هـ، ومعاصره وجليسه الشاعر أبو نواس، الحسن بن هانئ بن عبد الأول بن صباح الحكمي بالولاء، المتوفى سنة ١٩٨ هـ. فأنت قلما تدخل فندقاً إلا وجدت فيه قاعة أفراح باسم هارون الرشيد أو أبي نواس، إلى ما تراه من أسماء الملاهي الليلية والمطاعم ومحلات الحلوى التي اختارت هذين الاسمين عنواناً وشعاراً، بحيث صار ذكر اسمهما جالباً للأفراح والليالي الملاح والمباهج والمسرات. أما ما وراء ذلك من التاريخ العريض لهذين العلمين، وأثرهما في الحضارة العربية الإسلامية؛ فهو مما لا معرفة لعامة الناس به، بل إن الأمر قد تعدى العامة إلى بعض الخاصة، وإن كنا لا نستطيع في هذا الزمان أن نجد فرقاً حاسماً بين العامة والخاصة، فقد اختلط المرعى بالهمل. واسأل من شئت من طلبة الجامعة، أو من المتخرجين فيها، عن هذين العلمين، ولن تخرج إلا بما يدور حول اللهو والمجون، وما يفضي إليهما وما ينتج عنهما. على أننا لا نستطيع - حقّاً وصدقاً - أن نحمل العامة وحدهم تبعة هذا الفهم الخاطئ لتاريخ الرجلين، فمن أين جاءهم هذا الفهم، وكيف تتابعوا عليه؟ إن الأمر متصل بقضية كبرى: هي قضية الجرأة على التاريخ، والاستخفاف بأيام الناس، ثم عدم إعطاء العقل حظه من الأناة والتتبع والتحري والصبر على تكاليف الحق والإنصاف، وقهر الهوى الجامح. ولا تقل إن الأمر في هارون الرشيد وأبي نواس متصل بالأدب الشعبي الذي يستنزل من الشخصيات بعض صفاتها المثيرة فيضخمها ويتخذ منها مادة للتسلية والترويح، كما نرى في «ألف ليلة وليلة» وما إليها. لا تقل هذا؛ لأن التخليط في أمر الرجلين قد امتد إلى تلك الدراسات التي يفترض أن تكون قائمة على البحث الجاد، والنظر الصحيح؛ لأنها تحمل أسماء وعنوانات توحي بالجد والصرامة العلمية.

стр. 213

هارون الرشيد وصور شائهة: ولن يتسع المقام هنا لذكر ما كان من هذا التخليط في كتابات الدارسين المحدثين، لكني أكتفي بذكر مثال واحد، من كتاب له عند الناس مكانة كبيرة، ذلكم هو كتاب «قصة الحضارة» لول ديورانت. يقول عن هارون الرشيد: «وتصور لنا القصص - وخاصة قصص ألف ليلة وليلة - هارون الرشيد، في صورة الملك المرح المثقف المستنير، العنيف في بعض الأوقات، الكريم الرحيم في أغلب الأحيان، المولع بالقصص الجميلة ولعاً يحمله على أن يسجلها ويحتفظ بها في ديوان محفوظات الدولة. وتبدو هذه الصفة كلها فيما كتبه عنه المؤرخون، إذا استثنيا منها مرحه، ولعل السبب في ذلك أن هذا المرح قد أغضب المؤرخين، فهم يصورونه أولًا وقبل كل شيء في صورة الرجل الورع المتمسك أشد التمسك بأوامر الدين، ويقولون إنه فرض أشد القيود على حرية غير المسلمين، وإنه كان يحج إلى مكة مرة كل عامين، وإنه كان يصلي في كل يوم مائة ركعة نافلة مع الصلوات المفروضة، ويقال: إنه كان يشرب الخمر، ولكن هذا لم يكن إلا سرّاً مع عدد قليل من خاصة أصدقائه. ويقال: إنه تزوج من سبع نساء ... »، قصة الحضارة، الجزء الثاني من المجلد الرابع ص ٩٠، ٩١ - ترجمة الأستاذ محمد بدران. مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر - الطبعة الثانية، القاهرة ١٩٦٤ م. فهذه صورة شائهة مهزوزة لهارون الرشيد، تتأرجح بين المدح والذم، وقد استخدم فيها المؤلف «منهج العكس» حيث يقدم صورة الرشيد كما جاءت في ألف ليلة وليلة، وهي صورة «الملك المرح»، ولكن هذا المرح أغضب المؤرخين - وهو يقصد المؤرَّخين العرب المسلمين، بلا شك - فصوروه في صورة الورع المتمسك بالدين. فهؤلاء المؤرخون في نظر «ديورانت» كاذبون مزيفون، ساءهم مرح الرشيد، فاخترعوا له صورة معكوسة، عكس الواقع. وفضلًا عن ذلك كله ففي كلام «ديورانت» خبط كثير، وجهل بتاريخ الأمة وشرعها. وتأمل قوله: «وتزوج من سبع نساء»، وقد علق على هذه العبارة مترجم

стр. 214

الكتاب ﵀، فقال في الحاشية: «لعل المؤلف يضيف الجواري إلى الأزواج؛ لأن الإسلام يحرم الزواج بأكثر من أربع»، وأقول: الصواب حذف «لعل» هذه. ومن دقيق الفطنة هنا ما لاحظه الدكتور عبد العظيم الديب، قال: «إن ديورانت غيرَّ عبارة المؤرَّخين، فهم يقولون: «كان الرشيد يحج عاماً ويغزو عاما»، فغيَّرها إلى «يحج كل عامين» وأسقط الغزو، وفي هذا ما فيه. (المنهج في كتابات الغربييَّن عن التاريخ الإسلامي للدكتور عبد العظيم الديب ص ١٠٨ - كتاب الأمة - قطر ١٤١ هـ - ١٩٩٠ م). ونعم كان الرشيد رجلاً لا ينسى نصيبه من الدنيا، مقبلًا عليها، آخذاً حظّه منها، قال الأصمعي: «كان الرشيد يحب السمر ويشتهي أحاديث الناس». لكن وراء ذلك دنيا حافلة بالغرائب والعجائب. قالوا: لم يكن أحد أحظى بالشعر منه، كما ذكر الجاحظ في الحيوان ٤/ ٣٨٣ - أي أكثر احتفالًا بالشعر، وقد اجتمع على مدحه من الشعراء ما لم يجتمع على أحد: أبو العتاهية، ومروان بن أبي حفصة، وسَلْم الخاسر، وابن مناذر، وأشجع السلمي، وكلثوم بن عمرو العتابي، ومنصور النمري، والعماني الراجز. وفوق هؤلاء جميعاً صديقه الأثير أبو نواس. ومن وراء الشعر والشعراء كانت عناية الرشيد بالفقه والحديث واللغة والأدب، وما ظنك بملك يجتمع عنده الشافعي، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن الشيباني، وسفيان بن عيينة، والفضيل بن عياض؟ وقد ألَّف له أبو يوسف «كتاب الخراج»، واقرأ مقدمة هذا الكتاب، وتأمل وصية أبو يوسف للرشيد، ففيها من الإخلاص في النصح، والصراحة في التوجيه ما لم يقدم عليه أبو يوسف إلا لأنه يعلم أنه سيجد من الرشيد صدراً واسعاً وأذناً واعية. وما ظنك أيضاً بملك يجتمع عنده سيبويه والكسائي، ويتناظران بحضرته في المسألة النحوية الشهيرة، المعروفة بالمسألة الزنبورية؟ وبحضرته أيضاً تناظر الكسائي مع المفضل الضبي والأصمعي، وأبي محمد اليزيدي، وأبي يوسف (وانظر مجالس العلماء للزجاجي).

стр. 215

وقال الذهبي في وصفه: «وكان شهماً شجاعاً حازماً جواداً ممدحاً، فيه دين وسنة، مع انهماكه على اللذات والقيان، وكان أبيض طويلًا، سميناً مليحاً، وقد وخطه الشيب. وكان يصلي في اليوم مائة ركعة إلى أن مات، ويتصدق كل يوم من صلب ماله بألف درهم، وكان يخضع للكبار ويتأدب معهم». العبر في خبر من عبر ١/ ٣١٢. وقال في سير أعلام النبلاء ٩/ ٢٩٠: «ومحاسنه كثيرة، وله أخبار شائعة في اللهو واللذات والغناء، والله يسمح له». فهذا الذهبي مؤرخ الإسلام يذكر كل جوانب هارون الرشيد، فلا ينشر الحسنات ويطوي السيئات، وهكذا جمهور مؤرخي العرب المسلمين، لا ما يذهب إليه ول ديورانت ومن لفَّ لفَّه. ويقول السيوطي عن الرشيد في تاريخ الخلفاء صفحة ٢٨٤: «وكان يحب العلم وأهله، ويعظم حرمات الإسلام، ويبغض المراء في الدين، والكلام في معارضة النص، وبلغه عن بشر المريسي القول بخلق القرآن، فقال: لئن ظفرت به لأضربن عنقه. وروي أن أبا معاوية الضرير حدثه بحديث: «احتج آدم وموسى» (انظر تمام الحديث في صحيح البخاري، كتاب الأنبياء ٤/ ١٩٢)، فقال رجل شريف من الحضور: فأين لقيه؟ فغضب الرشيد قال: النطع والسيف، زنديق يطعن في الحديث! فما زال أبو معاوية يسكنه ويقول بادرة منه يا أمير المؤمنين، حتى سكن. وقد سبق أنه كان يحج عاماً ويغزو عاماً، وكان يلبس قلنسوة مكتوباً عليها: غاز حاج، قال أبو المعالي الكلابي: فمن يطلبْ لقاءك أو يُرِدْه ... فبالحرمين أو أقصى الثغورِ وقد حكم الرشيد ثلاثاً وعشرين سنة، بلغت فيها الدولة الإسلامية شأواً عظيماً من الرقي والحضارة. يقول ابن دحية: «وفي أيامه كملت الخلافة بكرمه وعدله وتواضعه وزيارته العلماء في ديارهم». وقد غزا الروم في القسطنطينية فصالحته الملكة إيريني، وافتدت منه مملكتها
следующие страницы →