← Джавами‘

Джавами‘ · id 148533

مقالات الطناحي صفحات في التراث والتراجم واللغة والأدب

محمود محمد الطناحي

Полный текст (690 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

العامة .. وقراءة التراث (١) كتب الأستاذ الدكتور عبد العظيم أنيس، في العدد السابق من الهلال، مقالة عن العالم الرياضي الشاعر عمر بن إبراهيم الخيامي الفارسي النيسابوري، المعروف عند جمهرة الناس باسم: عمر الخيام، المتوفى سنة ٥١٥ هـ - ١١٢١ م. وكان الخيام عالماً بالرياضيات والفلك واللغة والفقه والتاريخ، وهو صاحب «الرباعيات» التي أذاعت اسمه وأكسبته الشهرة في الشرق والغرب. وقد افتتح الدكتور أنيس مقالته بكلمات جياد، قال فيها: لا بد أن يكون عمر الخيام هو الرياضي البارز الوحيد الذي اقترن اسمه في هذا العالم بالأندية الليلية والفنادق ومحال بيع الفطائر. ومن الغريب أنه لم ينشأ ناد واحد في العالم بالأندية الليلية والفنادق ومحال بيع الفطائر. ومن الغريب أنه لم ينشأ ناد واحد في العالم العربي لمناقشة إنجازاته الفذة في الرياضيات والفلك، ولا حتى ناد واحد في العالم العربي لمناقشة إنجازاته الفذة في الرياضيات والفلك، ولا حتى ناد واحد لمناقشة الرباعيات المنسوبة إليه والتي اشتهر بها في الغرب، وإنما ارتباط اسمه للأسف الشديد بأندية اللهو والمجون في الشرق والغرب على السواء. وقد أثارت هذه الكلمات أشجاناً قديمة حول بعض رموزنا التراثية العظيمة التي ارتبطت عند عامة الناس بمفاهيم خاطئة وتصورات غير صحيحة. ولا سبيل إلى ذكر كل ما تمتلئ به الجعبة من هذه الرموز التي خلط الناس في أمرها تخليطاً منكراً، فلنكتف بذكر مثالين يشتركان مع عمر الخيام، في هذا الارتباط الخاطئ بين اسميها وبين اللهو والمجون. وهما: الخليفة العباسي أبو جعفر

стр. 212

هارون بن محمد بن المنصور، المعروف بهارون الرشيد، المتوفى سنة ١٩٣ هـ، ومعاصره وجليسه الشاعر أبو نواس، الحسن بن هانئ بن عبد الأول بن صباح الحكمي بالولاء، المتوفى سنة ١٩٨ هـ. فأنت قلما تدخل فندقاً إلا وجدت فيه قاعة أفراح باسم هارون الرشيد أو أبي نواس، إلى ما تراه من أسماء الملاهي الليلية والمطاعم ومحلات الحلوى التي اختارت هذين الاسمين عنواناً وشعاراً، بحيث صار ذكر اسمهما جالباً للأفراح والليالي الملاح والمباهج والمسرات. أما ما وراء ذلك من التاريخ العريض لهذين العلمين، وأثرهما في الحضارة العربية الإسلامية؛ فهو مما لا معرفة لعامة الناس به، بل إن الأمر قد تعدى العامة إلى بعض الخاصة، وإن كنا لا نستطيع في هذا الزمان أن نجد فرقاً حاسماً بين العامة والخاصة، فقد اختلط المرعى بالهمل. واسأل من شئت من طلبة الجامعة، أو من المتخرجين فيها، عن هذين العلمين، ولن تخرج إلا بما يدور حول اللهو والمجون، وما يفضي إليهما وما ينتج عنهما. على أننا لا نستطيع - حقّاً وصدقاً - أن نحمل العامة وحدهم تبعة هذا الفهم الخاطئ لتاريخ الرجلين، فمن أين جاءهم هذا الفهم، وكيف تتابعوا عليه؟ إن الأمر متصل بقضية كبرى: هي قضية الجرأة على التاريخ، والاستخفاف بأيام الناس، ثم عدم إعطاء العقل حظه من الأناة والتتبع والتحري والصبر على تكاليف الحق والإنصاف، وقهر الهوى الجامح. ولا تقل إن الأمر في هارون الرشيد وأبي نواس متصل بالأدب الشعبي الذي يستنزل من الشخصيات بعض صفاتها المثيرة فيضخمها ويتخذ منها مادة للتسلية والترويح، كما نرى في «ألف ليلة وليلة» وما إليها. لا تقل هذا؛ لأن التخليط في أمر الرجلين قد امتد إلى تلك الدراسات التي يفترض أن تكون قائمة على البحث الجاد، والنظر الصحيح؛ لأنها تحمل أسماء وعنوانات توحي بالجد والصرامة العلمية.

стр. 213

هارون الرشيد وصور شائهة: ولن يتسع المقام هنا لذكر ما كان من هذا التخليط في كتابات الدارسين المحدثين، لكني أكتفي بذكر مثال واحد، من كتاب له عند الناس مكانة كبيرة، ذلكم هو كتاب «قصة الحضارة» لول ديورانت. يقول عن هارون الرشيد: «وتصور لنا القصص - وخاصة قصص ألف ليلة وليلة - هارون الرشيد، في صورة الملك المرح المثقف المستنير، العنيف في بعض الأوقات، الكريم الرحيم في أغلب الأحيان، المولع بالقصص الجميلة ولعاً يحمله على أن يسجلها ويحتفظ بها في ديوان محفوظات الدولة. وتبدو هذه الصفة كلها فيما كتبه عنه المؤرخون، إذا استثنيا منها مرحه، ولعل السبب في ذلك أن هذا المرح قد أغضب المؤرخين، فهم يصورونه أولًا وقبل كل شيء في صورة الرجل الورع المتمسك أشد التمسك بأوامر الدين، ويقولون إنه فرض أشد القيود على حرية غير المسلمين، وإنه كان يحج إلى مكة مرة كل عامين، وإنه كان يصلي في كل يوم مائة ركعة نافلة مع الصلوات المفروضة، ويقال: إنه كان يشرب الخمر، ولكن هذا لم يكن إلا سرّاً مع عدد قليل من خاصة أصدقائه. ويقال: إنه تزوج من سبع نساء ... »، قصة الحضارة، الجزء الثاني من المجلد الرابع ص ٩٠، ٩١ - ترجمة الأستاذ محمد بدران. مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر - الطبعة الثانية، القاهرة ١٩٦٤ م. فهذه صورة شائهة مهزوزة لهارون الرشيد، تتأرجح بين المدح والذم، وقد استخدم فيها المؤلف «منهج العكس» حيث يقدم صورة الرشيد كما جاءت في ألف ليلة وليلة، وهي صورة «الملك المرح»، ولكن هذا المرح أغضب المؤرخين - وهو يقصد المؤرَّخين العرب المسلمين، بلا شك - فصوروه في صورة الورع المتمسك بالدين. فهؤلاء المؤرخون في نظر «ديورانت» كاذبون مزيفون، ساءهم مرح الرشيد، فاخترعوا له صورة معكوسة، عكس الواقع. وفضلًا عن ذلك كله ففي كلام «ديورانت» خبط كثير، وجهل بتاريخ الأمة وشرعها. وتأمل قوله: «وتزوج من سبع نساء»، وقد علق على هذه العبارة مترجم

стр. 214

الكتاب ﵀، فقال في الحاشية: «لعل المؤلف يضيف الجواري إلى الأزواج؛ لأن الإسلام يحرم الزواج بأكثر من أربع»، وأقول: الصواب حذف «لعل» هذه. ومن دقيق الفطنة هنا ما لاحظه الدكتور عبد العظيم الديب، قال: «إن ديورانت غيرَّ عبارة المؤرَّخين، فهم يقولون: «كان الرشيد يحج عاماً ويغزو عاما»، فغيَّرها إلى «يحج كل عامين» وأسقط الغزو، وفي هذا ما فيه. (المنهج في كتابات الغربييَّن عن التاريخ الإسلامي للدكتور عبد العظيم الديب ص ١٠٨ - كتاب الأمة - قطر ١٤١ هـ - ١٩٩٠ م). ونعم كان الرشيد رجلاً لا ينسى نصيبه من الدنيا، مقبلًا عليها، آخذاً حظّه منها، قال الأصمعي: «كان الرشيد يحب السمر ويشتهي أحاديث الناس». لكن وراء ذلك دنيا حافلة بالغرائب والعجائب. قالوا: لم يكن أحد أحظى بالشعر منه، كما ذكر الجاحظ في الحيوان ٤/ ٣٨٣ - أي أكثر احتفالًا بالشعر، وقد اجتمع على مدحه من الشعراء ما لم يجتمع على أحد: أبو العتاهية، ومروان بن أبي حفصة، وسَلْم الخاسر، وابن مناذر، وأشجع السلمي، وكلثوم بن عمرو العتابي، ومنصور النمري، والعماني الراجز. وفوق هؤلاء جميعاً صديقه الأثير أبو نواس. ومن وراء الشعر والشعراء كانت عناية الرشيد بالفقه والحديث واللغة والأدب، وما ظنك بملك يجتمع عنده الشافعي، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن الشيباني، وسفيان بن عيينة، والفضيل بن عياض؟ وقد ألَّف له أبو يوسف «كتاب الخراج»، واقرأ مقدمة هذا الكتاب، وتأمل وصية أبو يوسف للرشيد، ففيها من الإخلاص في النصح، والصراحة في التوجيه ما لم يقدم عليه أبو يوسف إلا لأنه يعلم أنه سيجد من الرشيد صدراً واسعاً وأذناً واعية. وما ظنك أيضاً بملك يجتمع عنده سيبويه والكسائي، ويتناظران بحضرته في المسألة النحوية الشهيرة، المعروفة بالمسألة الزنبورية؟ وبحضرته أيضاً تناظر الكسائي مع المفضل الضبي والأصمعي، وأبي محمد اليزيدي، وأبي يوسف (وانظر مجالس العلماء للزجاجي).

стр. 215

وقال الذهبي في وصفه: «وكان شهماً شجاعاً حازماً جواداً ممدحاً، فيه دين وسنة، مع انهماكه على اللذات والقيان، وكان أبيض طويلًا، سميناً مليحاً، وقد وخطه الشيب. وكان يصلي في اليوم مائة ركعة إلى أن مات، ويتصدق كل يوم من صلب ماله بألف درهم، وكان يخضع للكبار ويتأدب معهم». العبر في خبر من عبر ١/ ٣١٢. وقال في سير أعلام النبلاء ٩/ ٢٩٠: «ومحاسنه كثيرة، وله أخبار شائعة في اللهو واللذات والغناء، والله يسمح له». فهذا الذهبي مؤرخ الإسلام يذكر كل جوانب هارون الرشيد، فلا ينشر الحسنات ويطوي السيئات، وهكذا جمهور مؤرخي العرب المسلمين، لا ما يذهب إليه ول ديورانت ومن لفَّ لفَّه. ويقول السيوطي عن الرشيد في تاريخ الخلفاء صفحة ٢٨٤: «وكان يحب العلم وأهله، ويعظم حرمات الإسلام، ويبغض المراء في الدين، والكلام في معارضة النص، وبلغه عن بشر المريسي القول بخلق القرآن، فقال: لئن ظفرت به لأضربن عنقه. وروي أن أبا معاوية الضرير حدثه بحديث: «احتج آدم وموسى» (انظر تمام الحديث في صحيح البخاري، كتاب الأنبياء ٤/ ١٩٢)، فقال رجل شريف من الحضور: فأين لقيه؟ فغضب الرشيد قال: النطع والسيف، زنديق يطعن في الحديث! فما زال أبو معاوية يسكنه ويقول بادرة منه يا أمير المؤمنين، حتى سكن. وقد سبق أنه كان يحج عاماً ويغزو عاماً، وكان يلبس قلنسوة مكتوباً عليها: غاز حاج، قال أبو المعالي الكلابي: فمن يطلبْ لقاءك أو يُرِدْه ... فبالحرمين أو أقصى الثغورِ وقد حكم الرشيد ثلاثاً وعشرين سنة، بلغت فيها الدولة الإسلامية شأواً عظيماً من الرقي والحضارة. يقول ابن دحية: «وفي أيامه كملت الخلافة بكرمه وعدله وتواضعه وزيارته العلماء في ديارهم». وقد غزا الروم في القسطنطينية فصالحته الملكة إيريني، وافتدت منه مملكتها

стр. 216

بسبعين ألف دينار، تبعث بها إلى خزانة الخليفة في كل عام. ووثق علاقة الدولة ببعض ملوك الفرنجة، فكانت له صلات ومودة مع ملك فرنسا كارلوس الكبير الملقب بشارلمان، وكانا يتهاديان التحف، على ما هو معروف. وبعد ... فهل نطمع أن نرى اسم هارون الرشيد يتلألأ ويتضوَّأ على صدر جامعة عربية، أو يتزين به مركز بحث علمي، بدلاً من قاعة هارون الرشيد، وحلواني هارون الرشيد؟ . أبو نواس ... صفحة مضيئة: أما رفيقة أبو نواس فهو شاعر العربية في المائة الثانية بعد بشار بن برد، وهو يمثل صفحة مضيئة في كتاب الشعر العربي، جاء فملأ الأسماع وبهر الأنظار، واستوى في الإعجاب بشعره الجادون والهازلون؛ لأنه دار بين الجد والهزل. وقد خلط الناس في أمره قديماً وحديثاً. لكن المحنة في زماننا أن كثيراً من شباب هذه الأيام ممن نلقاهم أو نقعد منهم مقعد الدرس في الجامعة، لا يعرفون عنه إلا هذا الجانب الهازل الماجن، لأن بعض الدارسين يستهويهم هذا الجانب الماجن من حياة أبي نواس، فيطيلون الوقوف عنده، ويغدون ويروحون فرحين بما آتاهم علم التحليل النفسي. والإغراق في معطيات هذا العلم يحجب كثيراً من الحقائق، ويصد عن أبواب كثيرة من العلم، وقد يدخل الدارس في مضايق يعسر عليه التخلص منها إلا بخداع من القول وضروب من الاحتيال. وشبابنا معذور أيضاً لأن ما يأتيه عن أبي نواس إنما يأتي كثير منه من تصورات العامة حول شخصية أبي نواس، وما تنسجه حوله من أخبار وحكايات يمتزج فيها الحق بالباطل، ويداخل الخير فيها الشر. ولست بحاجة إلى التذكير بما يسمونه «المعالجة الدرامية» في أفلامنا ومسلسلاتنا، وما يحدث في هذه المعالجة من اضطراب وتشويه للأحداث وتاريخ الرجال، ليسلم لهم ما يريدون من الإثارة والإمتاع.

стр. 217

وليس من غايتي هنا الحديث عن شاعرية أبي نواس، فهذا مما يعرفه الناس، ويلتمس من مظانه. لكن الذي يعنيني هنا هو الكشف عن الوجه الآخر لهذا الشاعر العظيم، وأنَّ وراء هذه الشاعرية الجادة أو الماجنة عالماً كبيراً، هو من معالم هذه الأمة ومن رموزها العظيمة. وحسبك بشاعر يقف على بابه، ويخوض لججه، أئمة كبار، كابن السكيت، وابن جني، وأبي بكر الصولي، وحمزة الأصفهاني، ومهلهل بن يموت بن المزرع، وأبي هفان المهزمي! قرأ أبو نواس القرآن الكريم على يعقوب بن إسحاق الحضرمي، أحد القراء العشرة، ولما حذق القراءة عليه رمى إليه يعقوب بخاتمه، وقال: اذهب فأنت أقرأ أهل البصرة. وكتب الحديث عن أئمته: عبد الواحد بن زياد، ويحيى القطان، وأزهر السمان. ثم أخذ اللغة والغريب عن أبي زيد الأنصاري شيخ سيبويه، ونظر في كتاب سيبويه، وأخذ عن خلف الأحمر معاني الشعر، وعن أبي عبيدة معمر بن المثنى أخبار العرب وأيام الناس. وحفظ وحصل كثيراً، حتى روي عنه أنه قال: ما ظنكم برجل لم يقل الشعر حتى روى دواوين ستين امرأة من العرب، فما ظنكم بالرجال؟ وروي عنه أيضاً أنه قال: أحفظ سبعمائة أرجوزة، وهي عزيزة في أيدي الناس، سوى المشهورة عندهم. والجاحظ يصفه بالعالم الراوية، الحيوان ٢/ ٢٧. وحكى ابن المعتز في طبقات الشعراء ص ٢٠١، قال: «كان أبو نواس عالماً فقيهاً، عارفاً بالأحكام والفتيا، بصيراً بالاختلاف (أي اختلاف الفقهاء في الأحكام) صاحب حفظ ونظر ومعرفة بطرق الحديث، يعرف ناسخ القرآن ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه. وقد تأدب بالبصرة، وهي يومئذ أكثر بلاد الله علماً وفقهاً وأدباً، وكان أحفظ لأشعار القدماء والمخضرمين وأوائل الإسلاميين والمحدثين». وقال ابن منظور في مختار الأغاني ٣/ ١٧: «كان أبو نواس متكلماً جدلاً، راوية فحلاً، رقيق الطبع، ثابت الفهم في الكلام اللطيف». وبعد ... فهذه كلمات قلائل عن هارون الرشيد وأبي نواس سقتها على

стр. 218

سبيل الوجازة والاختصار، وهي كلمات يعرفها أهل العلم من أساتذتنا وزملائنا، ولكني أردت بها شباب هذا الجيل الذي غُيَّب عن تاريخه وتراثه بأسباب كثيرة من المسخ والتشويه والتضليل، وأردت بها أيضاً التنبيه إلى خطورة إخضاع رموزنا التراثية وقضايانا الفكرية لتوجيه العامة وسلطانها الغالب. ومما ينبغي التنبه له أيضاً أن هذه العاميات قد مدت سلطانها الآن إلى تفسير القرآن الكريم والحديث الشريف والشعر وسائر كلام العرب، ولست أعني بالعاميات: الألفاظ والأبنية والتراكيب، ولكني أعني عاميات الفكر والتصور، وما أريد أن أشق عليك أيها القارئ الكريم بذكر الشواهد والمثل، فهو أمر متعالم مشهور، لكني أذكر لك ما أره الآن أمامي كتاب (الأدب العربي) المقرر على تلاميذ الصف الأول الثانوي. طبعة وزارة التربية والتعليم سنة ١٩٩٢ م / ١٩٩٣ م، وقد كتب على غلافه: «الكتاب الفائز في مسابقة الوزارة سنة ١٩٩٠ م». وفي أول الكتاب قصيدتان لعنترة بن شداد العبسي، صدرتا بهذه العبارة «نماذج من الشعر الجاهلي»، ومطلع القصيدة الأولى: سكتُّ فغرّ أعدائي السكوتُ ... وظنُّوني لأهلي قد نسيتُ ومطلع الثانية: يا طائر البان قد هَيَّجت أحزاني ... وزدتني طرباً يا طائر البان وهذا شعر بارد خفيف سخيف، يبعد أن يكون من نمط الشعر الجاهلي، ويستحيل من كل الوجوه أن يكون من مذهب عنترة الشعري. وفي القصيدة الأولى نقرأ هذا البيت: خلقت من الحديد أشدَّ قلباً ... وقد بَلِيَ الحديد وما بليتُ وعجز البيت من العامية بمكان. وكنت في طفولتي بحي الدرب الأحمر أسمع بعض فتوات المغربلين يقولون: «الحديد بلي واحنا لم بلينا» (وهذا من المواضع القليلة التي يستعمل فيها العامة الفعل مبنيّاً للمجهول» على أن الحديد أكثر ما يوصف بالصدأ، لا بالبلى.

стр. 219

أما التكرير في مطلع القصيدة الثانية فهو إلى التفاهة والسخافة ما هو! وقد ذكر الأساتذة المؤلفون في حواشي الكتاب أن القصيدتين من ديوان عنترة بن شداد. نعم يا سادة، هما في الديوان، ولكن أي ديوان؟ لقد طبع ديوان عنترة عدة طبعات، أولاها - فيما أعلم - طبعة بيروت سنة ١٨٦٤ م، بعنون «منية النفس في أشعار عنترة عبس»، وقام على هذه الطبعة اسكندر آغا ابكاريوس، ثم تناسلت من هذه الطبعة بعد ذلك طبعات كثيرة، في بيروت ومصر، وكان آخرها بمصر بالمكتبة التجارية، بتحقيق وشرح عبد المنعم عبد الرؤوف شلبي، وتقديم إبراهيم الإبياري، وتشترك هذه الطبعات كلها، في أنها جمعت شعر عنترة كله، سواء ما كان منه صحيح النسبة إليه، أم ما جاء من طريق السيرة الشعبية لعنترة وهي التي يختلط فيها الغث بالسمين، والعالي بالنازل. ثم يأتينا ديوان عنترة في دراسة علمية محققة على ست نسخ مخطوطة. من عمل الأستاذ محمد سعيد مولوي، وهو طالب علم سوري، حصل بهذا العمل المحقق الجيد على درجة الماجستير من كلية الآداب بجامعة القاهرة، بإشراف الدكتور شوقي ضيف، ومناقشة الدكتور عبد الحميد يونس، والدكتور يوسف خليف. وقد طبع هذا الديوان بالمكتب الإسلامي لصاحبه الأستاذ العلامة زهير الشاويش، دمشق ١٣٩٠ هـ - ١٩٧٠ م، وقد نشر الأستاذ المحقق ديوان عنترة بشرح أبي الحجاج يوسف بن سليمان المعروف بالأعلم الشنتمرى، مع زيادات الوزير أبي بكر عاصم بن أيوب البطليوسي، وغيره من قدامى العلماء، ثم خلصه مما علق به من أخبار ومرويات السيرة الشعبية، فصار بهذا الديوان الذي لا ديوان لعنترة غيره. وتقرأ هذا الديوان الموثق المحقق من أوله إلى آخره، فلا تجد فيه أثراً لهاتين القصيدتين المقررتين على تلاميذ السنة الأولى الثانوية، وقد يكون من هؤلاء شاعر أو أديب ... وهكذا نقدم لأبنائنا في مراحل تعليمهم علماً غير موثق ولا مضبوط، ثم نصفهم بعد ذلك بالجهل والتسرع، وما هم إلا غرس الغارس، وبناء الباني:

стр. 220

ولو أن قومي أنطقتني رماحهم ... نطقت ولكن الرماح أجرَّتِ (يقال: أجْررت الفصيل: إذا شَقْقت لسانه لئلا يرضع). وروى الجاحظ في الحيوان ٥/ ١٨٠: «قيل لرجل: أبوك ذاك الذي مات جوعاً؟ قال: فوجد شيئًا فلم يأكله؟ ». والشكر بعد ذلك كل الشكر للأستاذ الدكتور عبد العظيم أنيس، فهو الذي استخرج هذا الكلام من مجثمه، أحسن الله إليه، وأطال في عمره. لكن لي إليه رجاء: أن يعتمد التاريخ الهجري في ذكر الأحداث والأعلام العربية؛ لأن مراجعنا التاريخية كلها (التاريخ العام والطبقات والحوليات) ثم أصول علمنا كلها منزلة على ذلك التاريخ الذي لا تاريخ لنا غيره. وكنا على عهد قريب نلتزم بذكر التاريخ الهجري وبعده الميلادي: على سبورة الفصل، وفي رأس الجريدة، وعلى غلاف الكتاب المطبوع، وفي الشهادات الرسمية، وبراءة الأوسمة. بل إننا كنا نلتزم بذكر التاريخ الهجري فقط، وإذا دخلت جامعة القاهرة، ووقفت أمام المبنى الرئيسي، قرأت هذه العبارة: «وضع الحجر الأساسي للجامعة في حفل من وجوه الدولة وأعلام الأمة في يوم الثلاثاء لخمس عشرة خلت من شعبان سنة ست وأربعين وثلاثمائة وألف للهجرة». * * *

стр. 221

إقراء القرآن بمصر (١) (وفيه ترجمة الشيخ عامر عثمان) في عدد يوليو ١٩٩٢ م من «الهلال» كتبت كلمة عن «الشيخ مصطفى إسماعيل وقراء مصر»، جعلتها تحية وصلة لكتاب أستاذنا الكبير الناقد الشاعر كمال النجمي، عن الشيخ مصطفى إسماعيل ﵀. والحديث عن قراءة القرآن وإقرائه بمصر، لا بد فيه من التفرقة بين «القارئ» و «المقرئ»، ومعروف أن لمصر في الفريقين تاريخاً عريضاً وأياماً زاهية. فالقارئ: هو الذي يقرأ لنفسه وقد يسمعه غيره. والمقرئ: هو الذي يُقرئ غيره، تعليماً وتوجيهاً، وتقول اللغة: «رجل قارئ، من قوم قراء وقَرَأه - بوزن فَعَلَة - وقارئين، وأقرأ غيره يُقرئه إقراءً، ومنه قيل: فلان المقرئ». وبهذه التفرقة بين الفعل اللازم والفعل المتعدي يحسن أن نقول عن الذي يقرأ بصوت حسن في المناسبات وفي الإذاعة، كالشيخ مصطفى إسماعيل ومن إليه، قارئ، ونقول عن الذي يحفَّظ الصغار في الكتاتيب وجماعات تحفيظ القرآن: مقرئ. على أنه قد يجتمع الفريقان في جمع التكسير، فيقال: «القُرَّاء» لمن يقرأ ولمن يُقرئ، وعلى هذا سمَّى الحافظ الذهبي كتابه: «معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار»، وابن الجزري كتابه: «غاية النهاية في اختصار طبقات القراء».

стр. 222

على أن «للمقرئ» في تاريخنا التراثي معنى أوسع وأشمل من مجرد تحفيظ القرآن للصغار ومن فوقهم. فالمقرئ: هو ذلك العالم الذي يعرف القراءات القرآنية: رواية ودراية، بحيث يكون قادراً على جَمْع الطرق والروايات، ومعرفة وجوه الخلاف بين القراء، والاحتجاج للقراءات وتوجيهها من لغة العرب، ويكون أيضاً متقناً لطرق الأداء - وهو ما يُعرف الآن بعلم التجويد - ووقوف القرآن: الكافي منها والتام والحسن، ثم يتلقى الناس عنه ذلك كله مشافهة وسماعاً. وقد نبغ في كل زمان ومكان من قاموا بهذا الأمر على خير وجه، فضلاً من الله وحياطة لكتابه وحفظاً له، ولم يكن لمصر على سواها من الدول العربية والإسلامية فضل وزيادة، فهو رزق الله المقسَّم على خلقه شرقاً وغرباً، ليتم وعده ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (٩)﴾ [الحجر: ٩]، ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر﴾ [القمر: ١٧]، لكن الأمر كاد يخلص لمصر في القرنين الأخيرين، فتربع قراؤها على عرش الإقراء والقراءة: رواية ودراية وجمال صوت، وصارت الرحلة إليهم من الشرق ومن الغرب، ويرجع ذلك إلى أسباب كثيرة ذكرتها في مقالتي عن «الشيخ مصطفى إسماعيل». ويذكر التاريخ أسماء عظيمة لمعت في سماء مصر في القرنين الأخيرين، وخدمت كتاب الله إقراءً وتأليفاً. ومنهم الشيخ محمد أحمد المتولي المتوفى سنة ١٣١٣ هـ = ١٨٩٥ م، والشيخ محمد مكي نصر المتوفى بعد سنة ١٣٠٨ هـ، وهو صاحب أعظم كتاب في طرق الأداء وصفات الحروف ومخارجها «نهاية القول المفيد في علم التجويد»، والشيخ علي محمد الضبَّاع المتوفى سنة ١٣٨٠ هـ = ١٩٦١ م. ومن المعاصرين: الشيخ المقرئ العالم عبد الفتاح عبد الغني القاضي المتوفى سنة ١٤٠٣ هـ = ١٩٨٢ م، والشيخ إبراهيم علي شحاتة المقيم الآن بسمَنُّود، والشيخ أحمد عبد العزيز أحمد محمد الزيات، الأستاذ بكلية القرآن بالمدينة النبوية الآن، ويقال: إن الشيخ الزيات هو أعلى القراء الآن إسناداً (وعلو الإسناد معناه قلة

стр. 223

الوسائط بين القارئ الآن، وبين القارئ الأول، وهو المصطفى ﷺ بما نزل به جبريل ﵇، عن رب العزة والجلال). الشيخ عامر عثمان: ويقف سيدي وشيخي الشيخ عامر السيد عثمان بين هؤلاء الكوكبة من القراء المعاصرين في مكان ضخم بارز، فهو أكثرهم إقراء للناس، واتصالًا بهم، وتأثيراً فيهم. وقد عرفته منذ عشرين عاماً قبل وفاته حين بدأ العمل في تحقيق كتاب «لطائف الإشارات في علم القراءات» لشهاب الدين القسطلَّاني، شارح البخاري، المتوفى سنة ٩٢٣ هـ، بالاشتراك مع الدكتور عبد الصبور شاهين. وكان الشيخ يتردد على دار الكتب المصرية ومعهد المخطوطات - وكنت يومئذ أعمل به - فشدَّني إليه، ورغَّبني فيه، ودعاني إلى حلقته العامرة الممتدة على أيام الأسبوع كله، فوقفت منه على علم غزير جم، وتمثلت فيه وبه هذه الأوصاف الضافية التي تأتي في كتب التراجم والطبقات، ويظنها من لا علم عنده بتاريخ الأمة، وأحوال الرجال، من المبالغات والتهاويل التي يغص بها تاريخنا ... زعموا! نعم رأيت في هذا الشيخ الجليل كثيراً مما كنت أقرأه في طبقات القراء والمحدثين والفقهاء والأدباء: من سعة الرواية، وكثرة الحفظ، وجمع الطرق، ودقة الضبط، وتحرير الرواية، وحسن الإتقان. ولد شيخنا الشيخ عامر، ﵀، بقرية «ملامس» مركز منيا القمح، محافظة الشرقية، في ١٦ مايو سنة ١٩٠٠ م. وحفظ القرآن الكريم بمكتب الشيخ عطية سلامة، وأئمة ولم يتجاوز التاسعة من عمره، ثم أرسله والده إلى المسجد الأحمدي بطنطا، وتلقى القرآن بقراءة الإمام نافع المدني، من فم عالم القراءات الشيخ السعودي. وقد أُوتي الشيخ عامر في صباه حظاً من حسن الصوت أهَّله لأن يكون قارئاً مرموقاً بمحافظة الشرقية، يقرأ في الليالي والمناسبات، وهو طريق جالب

стр. 224

للرزق الواسع والشهرة المستفيضة، ولكنه عزف عن ذلك وولى وجهه شطر القاهرة، حيث الأزهر الشريف، وأئمة القراءة والإقراء. وفي القاهرة أخذ في القراءة والتلقي والمشافهة والعرض والسماع، فتلقى القراءات العشر الصغرى من طريق الشاطبية والدرة، على الشيخ محمد غنيم، وهو على الشيخ حسن الجريسي الكبير، وهو على العلامة المقرئ أحمد الدري التهامي، وسنده إلى رسول الله ﷺ ، معروف. ثم تلقى القراءات العشر الكبرى على الشيخ علي عبد الرحمن سبيع، من أول القرآن إلى قوله تعالى في سورة هود (وقال اركبوا فيها)، ثم إن الشيخ عليّاً أرسل خلف الشيخ عامر يقول له: سوف نبدأ بعد ثلاثة أيام، فقال له الشيخ عامر: كيف سنبدأ بعد ثلاثة أيام يا سيدي ونحن قد وصلنا إلى قوله تعالى: (وقال اركبوا فيها)؟ فقال له الشيخ علي: «بعدين ح تعرف»، ثم توفي الشيخ بعد ثلاثة أيام من هذا الكلام. وكان شيخنا الشيخ عامر إذا ذكر هذه القصة اغرورقت عيناه بالدموع، ويقول: «فكان معنى كلام الشيخ علي أن أيام الآخرة بالنسبة له ستبدأ بعد ثلاثة أيام». وتوفي الشيخ علي سبيعة سنة ١٩٢٧ م. ثم إن الشيخ عامر شرع في ختمة جديدة على تلميذ الشيخ علي سبيع، وهو الشيخ همام قطب، فقرأ عليه ختمة كاملة بالقراءات العشر الكبرى، من طريق الطيَّبة بالتحرير والإتقان، وقرأ الشيخ همام على الشيخ علي سبيع المذكور، وهو على الشيخ حسن الجريسي الكبير، وهو على الشيخ محمد المتولي، وهو على الشيخ أحمد الدري التهامي، وسنده معروف. حلقة للإقراء بالأزهر: وهكذا عرف شيخنا الطريق ولزمه. وبعد أن رسخت قدمه في هذا العلم، رواية ودراية، اتخذ لنفسه حلقة بالجامع الأزهر سنة ١٩٣٥ م للإقراء والتدريس، وكان في أثناء ذلك مكباً على مخطوطات القراءات بالمكتبة الأزهرية ودار الكتب

стр. 225

المصرية، يقرأ وينسخ، فظهر نبوغه ولفت إليه الأنظار، فاتصل به الشيخ علي محمد الضبَّاع، شيخ المقارئ المصرية يومئذ، واستعان في تحقيقات القراءات العشر الكبرى. وكان ﵀ حجة في رسم المصحف الشريف، وقد شارك في تصحيح ومراجعة كثير من المصاحف التي طبعت بمطابع الحلبي والشمرلي، والمطبعة الملكية في عهد الملك فؤاد والملك فاروق رحمهما الله. وحين أنشئ معهد القراءات تابعاً لكلية اللغة العربية بالأزهر الشريف، سنة ١٩٤٣ م كان الشيخ على رأس مشايخه وأساتذته، فتخرَّجت على يديه هذه الأجيال الكريمة من خدمة كتاب الله والعارفين بعلومه وقراءاته بمصر وخارج مصر. ولما أنشأت مصر - غير مسبوقة - إذاعة القرآن الكريم سنة ١٩٦٣ م، وقدمت من خلالها (المصحف المرتل) أشرف الشيخ على التسجيلات الأولى من هذا المشروع العظيم، وكانت بأصوات المشايخ: محمود خليل الحصري، ومصطفى إسماعيل، ومحمد صديق المنشاوي، وعبد الباسط عبد الصمد، ومحمود علي البنا ﵏ أجمعين. وعلى ذكر الإذاعة فقد كان شيخنا عضواً بارزاً في لجنة اختيار القراء، وكان سيفاً بتاراً، حازماً صارماً في غربلة الأصوات وإجادتها، ولم يكن يقبل الميوعة أو تجاوز الأصول في القراءة والأداء، وطالما اشتكى منه القراء، ورموه بالتعسف والتشدد، وضغطوا عليه بوسائل شتى، ولكنه لم يلن ولم يضعف، وكذلك كان يفعل في لجنة اختيار القراء الذين ترسلهم وزارة الأوقاف المصرية إلى البلدان العربية والإسلامية في شهر رمضان. وقد حُورِب كثيراً في لجنة اختيار القراء بالإذاعة المصرية، وطُلب إقصاؤه أكثر من مرة، وكان الذي يقف وراءه مدافعاً ومنافحاً: الشَّاعر الفحل محمود حسن إسماعيل، إذ كان مستشاراً ثقافيّاً بالإذاعة المصرية، رحمهما الله تعالى.

стр. 226

مؤلفات الشيخ: شُغل الشيخ ﵀ بالإقراء أيامه كلها، فلم يجد وقتاً متسعاً للتصنيف، ولكن الله سبحانه يسَّر له أن يترك بعض الآثار العلمية في فن القراءات، حتى تكون باعثاً لمن يطالعها أن يدعو له بالمغفرة والرضوان. فمما يحضرني الآن هذه التصانيف الآتية، ولست أدَّعي فيها الحصر: ١ - فتح القدير شرح تنقيح التحرير (في تحرير أوجه القراءات العشر من طريق الطيَّبة). ٢ - شرح على منظومة العلامة الشيخ إبراهيم علي شحاتة السمنُّودي، أبقاه الله، في تحرير طرق ابن كثير وشعبة. فرغ منه يوم الجمعة ٢٥ من صفر سنة ١٣٨٢ هـ. ٣ - تنقيح فتح الكريم في تحرير أوجه القرآن العظيم، بالاشتراك مع الشيخ إبراهيم علي شحاته والشيخ أحمد عبد العزيز الزيات. وهو نظم منقح من منظومة فتح الكريم في تحرير أوجه القرآن العظيم، للعلامة شيخ القراء في وقته الشيخ محمد بن أحمد المتولي، المذكور قبل. ٤ - كيف يُتلى القرآن، وهي رسالة موجزة محررة في تجويد القرآن: سمَّاها: إملاء ما منَّ به الرحمن على عبده عامر بن السيد عثمان في أحكام تلاوة القرآن. وقد أملاها على أحد تلاميذه الذين يحضرون مقارئه، وهو الطيب الجراح الدكتور حسنى حجازي، ﵀. وقد صدرت الطبعة الثانية من هذه الرسالة سنة ١٣٩٠ هـ = ١٩٧٠ م. ٥ - تحقيق الجزء الأول من كتاب «لطائف الإشارات» الذي ذكرته من قبل. صدر عن المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة عام ١٣٩٢، ولعل المجلس ينشط في طبع بقيته. ٦ - أعان الأستاذ الدكتور شوقي ضيف في تحقيق كتاب «السبعة» لابن

стр. 227

مجاهد، الذي نشرته دار المعارف بمصر أول مرة سنة ١٣٩٢ هـ = ١٩٧٢ م. وذلك بمراجعة كتابة آياته الكريمة على هجاء المصاحف المصرية المضبوطة، على ما يوافق رواية حفص عن عاصم، والمطابقة لما رواه علماء الرسم عن هجاء المصاحف التي بعث بها عثمان ﵁ إلى الأمصار الإسلامية. ٧ - وكانت آخر أعمال الشيخ مشاركته في لجنة طبع مصحف الملك فهد بن عبد العزيز، الذي صدر بالمدينة النبوية عام ١٤٠٥ هـ. فهذا ما يحضرني الآن مما تركه الشيخ من علم مسطور مكتوب. أما أبقى أثر للشيخ وأخلده وأرجحه في موازينه إن شاء الله تعالى، فهو تلك المقارئ التي جلس فيها جلوساً عاماً للناس، وقد شغلت هذه المقارئ أيامه كلها، وأشهر هذه المقارئ مقرأة الإمام الشافعي يوم الجمعة، وقد أسندت إليه مشيختها عام ١٩٤٧ م وكان عدد الذين يحضرونها من القراء الرسميين أو المعتمدين من وزارة الأوقاف المصرية محدوداً جداً بجانب مختلف طوائف الناس التي كانت تحضر تلك المقرأة وغيرها من المقارئ، فكنت ترى الطبيب والمهندس والضابط والمحامي والموظف والتاجر والحرفي، والفتى الصغير، والشاب اليافع، والشيخ الفاني، مختلف الأعمار والمهن، يتحلقون حول الشيخ؛ يقرأون ويصحح، عيونهم مشدودة إلى شفتيه، وهو يروَّضهم على النطق الصحيح، يصبر على الضعيف حتى يقوى، ويرفُق بالمتعثر حتى يستقيم، لا يسأم ولا يمل، ولا زلت أذكره ﵀ وهو يروَّض بعض إخواننا على ترقيق اللام من قوله تعالى: ﴿رب إنهن أضللن﴾ [إبراهيم: ٣٦]، وكان عسراً على هذا الأخ أن يرقق اللام بعد الضاد، فكان شيخنا يقرأ أمامه (أضللن) على مقطعين هكذا: (أضْ) (لَلْن) ويكرر المقطعين منفردين ثم يقرأهما معاً حتى يخلص له الترقيق المراد. وكذلك لا زلت أذكره وهو يروَّضنا على الخروج من التفخيم إلى الترقيق وبالعكس، في قوله تعالى: ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، فأنت هنا تفخم الراء وإن كان قبلها كسر؛ لأنه كسر عارض للتخلص من التقاء الساكنين، ثم ترقق التاء وتعود إلى تفخيم الضاد، وهكذا كنت تقضي العجب وأنت

стр. 228

تنظر إلى حركة فكيه وشفتيه وجريان لسانه في إعطاء كل حرف حقه ومستحقه: من الهمس والجهر والغنة والإظهار والإخفاء والإقلاب والفك والإدغام، وغير ذلك من دقائق الصوتيات، مما لا تستطيع معامل الأصوات أن تنقله بدقة إلى الطالب لأن هذا العلم - علم الأداء - قائم على التلقي والمشافهة. ولو كان لي من الأمر شيء لأتيت بشيخ من علماء القراءات في كل قسم من أقسام اللغة العربية بجامعتنا ليعمل على تدريب الطلبة على الأداء الصحيح والنطق السليم، بجانب معامل الأصوات الحديثة. وهؤلاء المشايخ (الغلابة) لن يأخذوا من الأجر أكثر مما تستهلكه هذه المعاملة من طاقة وكهرباء، بل إني أذهب إلى أبعد من هذا في التمني: وهو أن يعين شيخ من هؤلاء القراء مشرفاً خارجيّاً مع المشرف الأكاديمي لكل رسالة علمية (ماجستير أو دكتوراه) تتصل بعلم القراءات من قريب أو بعيد. ومن تفتن شيخنا في مجال الأداء الصوتي: أنه كان يأخذنا إلى تفرقة دقيقة لطيفة، في الوقف على الراء من قوله تعالى: ﴿فكيف كان عذابي ونذر (١٦)﴾ [القمر: ١٦]، وقوله : ﴿كذبت ثمود بالنذر (٢٣)﴾ [القمر: ٢٣]، فالراء في الآية الأولى يستحسن أن يوقف عليها بترقيق لطيف يشعر بالياء المحذوفة؛ لأن أصلها (ونُذُري) بإثبات ياء الإضافة، وقرأ بها ورش بن سعيد المصري، عن نافع المدني. ومن القراء المعاصرين الذين سمعتهم يراعون ذلك الترقيق اللطيف المشايخ: محمود خليل الحصري، ومحمود حسين منصور، ومحمد صديق المنشاوي. أما الراء في الآية الثانية فيوقف عليها بالتفخيم الخالص؛ لأنها جمع نذير. وأما «النبَّر» في مصطلح علم اللغة الحديث - وهو النظام المقطعي في قراءة الكلمة، فقد كان الشيخ ﵀ آية فيه، وقد سألته عنه يوماً، فقال لي: «إن القراء لم يذكروا هذا المصطلح، ولكنه بهذه الصفة يمكن أن يُسمَّى «التخليص» أي تخليص مقطع من مقطع». وها أنا ذا أضع هذا المصطلح أمام علماء اللغة الحدثين ليروا فيه رأيهم، ولعلهم يحلونه «النبر». وقد سمعت لهذا «التلخيص» من

стр. 229

الشيخ أمثلة كثيرة جداً، أذكر منها قوله تعالى: ﴿فسقى لهما ثم تولى إلى الظل﴾ [القصص: ٢٤]، وقوله تعالى: ﴿فقست قلوبهم﴾ [الحديد: ١٦]، وقوله : ﴿وساء لهم يوم القيامة حملًا (١٠١)﴾ [طه: ١٠١]، فأنت لو ضغطت على الفاء في الآية الأولى صارت من الفسق لا من السقي، وإن لم تضغط على الفاء في الآية الثانية صارت من الفقس لا من القسوة. أما في الآية الثالثة فلا بد أن تخلص (ساء) من (لهم) حتى يكون من السوء لا من المساءلة، لو خطفتها خطفة واحدة. هكذا كان يعلمنا الشيخ، إلى أمثلة كثيرة لا أحصيها عدداً. لكني أذكر أن أحدهم قرأ مرة أمام الشيخ: ﴿فلهم أجر غير ممنون (٦)﴾ [التين: ٦]، وخطف (فلهم) خطفة واحدة ضاغطاً على الفاء، بحيث صارت الكلمة كأنها فعل ماض مسند إلى ضمير الجماعة، مثل: ضربهم، فقال له الشيخ: (مفلهمش) يريد ﵀ أن يقول إنه ليس فعلًا واقعاً عليهم، وأن هذه البنية من مقطعين (ف) (لهم). وكان الشيخ صاحب دعابة، فكان إذا قرأ أحدهم على غير الجادة يقول له مستفهماً مستنكراً: إنت جوّدت القرآن في ألمانيا؟ وقرأ بعضهم أمامه برواية خلف عن حمزة، ولم يكن متقناً للرواية، فقال له: «قُوم يا شيخ، دانا كنت باحْسِبَك خَلَف الحبايب»، وقرأ آخر أمامه وتحنن في صوته تحنناً ظاهراً في تكسر، فقال له الشيخ: «مافيش فايدة» يريد أنه يقلد صت «فايدة كامل»، فقد كان في صوته تلك السمات التي عرفت بها هذه المغنية قبل أن تشتغل بالسياسة. وكان للشيخ حسن دقيق جداً في تقييم الأصوات والحكم عليها، وقد لا يعرف كثير من الناس أن الشيخ ﵀، درس علم الموسيقى بمعهد فؤاد الأول للموسيقى العربية أل إنشائه. وكما كانت معرفة الشيخ بمخارج الحروف وصفاتها عظيمة، كانت عنايته بالوقوف: تامها وحسنها وكافيها، عالية جداً، وكان يأخذ على بعض كبار القراء تهاونهم في تعهد الوقوف ومراعاتها، وكان يصارحهم بذلك فيغضبون. وكان شيخنا ﵀ يتشدد في الوقوف على رؤوس الآي: لأنها سنة، ولو

стр. 230

تعلقت الآية بما بعدها. فإذا كانت الآية التالية مقول قول في الآية الأولى، وكان البدء بمقول القول هذا مما يوهم أن يكون إقراراً من القارئ وليس من المحكي عنه، وقف على رأس الآية الأولى اتباعاً للسنة، ثم يستأنف الآية الثانية تالياً الفعل السابق في الآية الأولى. مثال ذلك قوله تعالى في سورة الصافات: ﴿ألا إنهم من إفكهم ليقولون (١٥١) ولد الله وإنهم لكاذبون (١٥٢)﴾ [الصافات: ١٥١، ١٥٢]، يتلوها هكذا: ألا إنهم من إفكهم ليقولون. ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون. وما أكثر ما علَّمنا هذا الإمام الكبير! ومع حرص الشيخ على كمال الأداء وحسن التجويد، فقد كان يعيب على بعض القراء المبالغة في ذلك، ويراه لوناً من التنطع والشقشقة. وللفائدة هنا فإني أذكر بأن مؤرخ الإسلام الحافظ الذهبي المتوفى سنة ٤٧٨ هـ، قد أخذ على قراء زمانه مبالغتهم في التجويد والتقعر في إخراج الحروف، وذلك في رسالة له لطيفة مطبوعة، سمَّاها «بيان زعل العلم»، وهي رسالة نافعة، عرض فيها الذهبي لأخطاء أهل العلم. نور القرآن: وقد أضاء شيخنا القاهرة كلها بنور القرآن، فلم تكن مقرأة الإمام الشافعي هي المكان الوحيد الذي يجلس فيه للإقراء، فقد كان يبدأ يومه عقب صلاة الفجر بالإقراء بمسجد السيدة زينب، حيث يسكن الشيخ قريباً من المسجد الزينبي، وهناك مقارئ أخرى يحضرها الشيخ منها مقرأة بمسجد النقشبندي بجوار مستشفى أحمد ماهر بالقرب من باب الخلق، وكان موعدها يوم السبت، ومقرأة الجمعية التعاونية للبترول بشارع قصر العيني، يومي الاثنين والثلاثاء، ومقرأة يوم الأربعاء بمسجد بمنزل الحناوي بجاردن سيتي. وقد تفرع من هذه المقارئ مقارئ أخرى، منها مقرأة الدكتور صادق بمنطقة الحلمية، بالقرب من القلعة. وهذا الدكتور صادق طبيب أطفال، وقد تلقى عن الشيخ القراءات السبع. وفي صوت هذا القارئ الطبيب صفاء وخشوع يأخذان بمجامع القلوب.

стр. 231

ومقرأة بمسجد يوسف الصديق بميدان الحجاز بمصر الجديدة، يقوم عليها القارئ الطبيب الدكتور عوض الأستاذ بكلية طب الأزهر، ومقرأة بمسجد مصطفى محمود بالمهندسين، يقوم عليها الحاج حسين، وهو صاحب معرض ملابس، وقد لازم الشيخ كثيراً بزاوية النقشبندي. وتلامذة الشيخ كثيرون، أذكر منهم الأديب الأستاذ عبد العزيز العناني، وهو مؤرخ للموسيقى العربية، لا تجد له في بابه نظيراً، ألبسه الله ثوب الصحة والعافية. ومن الوزراء الذين قرأوا على الشيخ ولازموه ونوروا به مجالسهم: السادة عبد المحسن أبو النور، وتوفيق عبد الفتاح، وعبد الرحمن الشاذلي، وإبراهيم سالم. ويأتي على رأس هؤلاء جميعاً الرجل التقي النقي - ولا نزكي على الله أحداً - الدكتور إبراهيم بدران. وكان من أبر الناس بشيخنا، وقد حمله وأعد له مكاناً رحباً بالمستشفى الذي يملكه بالمهندسين، وأقام عليه من يخدمه ويتولى أمره، وخصص له سيارة تحمله إلى حيث يشاء، وذلك بعد وفاة زوجته، رحمهما الله جميعاً. وقد أفاد من علم الشيخ نساء كثيرات، منهن السيدة سميحة أيوب، وإذا تأملت أداءها في النصوص المسرحية الفصيحة رأيت أمارات ذلك. ومنهن السيدة مفيدة عبد الرحمن، المحامية الشهيرة. ولهذه السيدة الفاضلة بالقرآن وخدمته نسب وثيق، فأبوها هو: عبد الرحمن محمد، صاحب المطبعة الكائنة بحي الصنادقية بالأزهر الشريف. وقد تخصصت هذه المطبعة في طبع المصحف الشريف منذ زمن بعيد. تلاميذ الشيخ في كل مكان: على أن لشيخنا الشيخ عامر أثراً آخر مباركاً، غير التصنيف والإقراء: هو هذا العون الظاهر الذي قدَّمه لهذا النفر من الجامعيين الذين اتخذوا من علم القراءات ميداناً لدراساتهم الصوتية والتاريخية، يحضرني منهم الأساتذة: عبد الفتاح إسماعيل شلبي، وأحمد علم الدين الجندي، وعبد الصبور شاهين، إلى كثير من المعيدين والمبتدئين الذين كانوا يختلفون إليه لتجلية غامض، أو كشف مبهم من هذا العلم الذي هو علم العربية بحق.

стр. 232

وعلى الجملة فتلاميذ الشيخ والمنتفعون بعلمه لا يحصون، داخل مصر وخارجها، وكنت أرى كثيراً من أبناء الدول العربية والإسلامية، بل من المستشرقين، يأتون إليه، ويجلسون في حلقته، ويا ليتني أحصيتهم عدداً، وقيدت أسماءهم وأسماء بلدانهم وأعمارهم، إحياء لسنن قديمة في تراثنا التاريخي، من ذكر الواردين على البلاد، والمرتحلين إلى الشيوخ. وفي سنواته الأخيرة اختار شيخنا المدينة النبوية، على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى السلام - مستقراً ومقاماً، حيث دعي إلى هناك لمراجعة مصحف الملك فهد، وللتدريس بكلية القرآن بالجامعة الإسلامية. وفي مساء يوم الخميس، وقبيل فجر يوم الجمعة الخامس من شوال سنة ١٤٠٨ هـ الموافق للعشرين من مايو سنة ١٩٨٨ م، اختار الله إلى جواره عبده وخادم كتابه: عامر السيد عثمان، وصلي عليه بالمسجد النبوي الشريف عقب صلاة الجمعة، ودُفن بالبقيع، مرحوماً مرضياً عنه إن شاء الله. اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعفُ عنه، واجعل كل ما قدَّمه من خدمة كتابك في موازينه يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً. وهيئ لهذه الأمة من يخلف هؤلاء الرجال العظام، ويقوم مقامهم، حياطة لدينك، وحفظاً لكتابك. إنك على ما تشاء قدير. * * *

стр. 233

قصيدة نادرة في المديح النبوي (١) جاء محمد بن عبد الله ﷺ على فترة من الرسل، فانتهت به الرسالات، وخُتمت به النبوات، وقد بعث إلى الناس كافة؛ ليخرجهم من الظلمات إلى النور، ويهديهم إلى صراط ربه المستقيم. وقد قضى ﷺ ثلاثاً وعشرين سنة، بين مبعثه ووفاته يدعو الناس إلى التوحيد، ويبلغهم قرآن ربه الذي يشتمل على صلاح أمورهم في دنياهم وآخرتهم. وكانت سنَّته الشريفة، أفعالًا وأقوالًا وتقريراً هي المصدر الثاني للتشريع، وهي الحكمة في قوله تعالى: ﴿ويعلمكم الكتاب والحكمة﴾ [البقرة: ١٥١]، وقوله: ﴿واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به﴾ [البقرة: ٢٣١]، وقوله: ﴿وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم﴾ [النساء: ١١٣]. ثم كانت سيرته العطرة مجلى قوله تعالى: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم (٤)﴾ [القلم: ٤]. وتصديق قول عائشة ﵂: «كان خلقه القرآن»، والله أعلم حيث يجعل رسالته، فقد اصطفاه من بين خلقه اصطفاء وقرأ بعض القرّاء: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ [التوبة: ١٢٨]، بفتح الفاء على معنى: من خياركم، من قولهم: هذا أنفس المتاع، أي أجوده وخيار - ثم هداه إلى الطيب من القول، والمرضي من السلوك، وعصمه من كل شبهة، وارتفع به عن كل نقيصة وبرأه من كل

стр. 234

عيب، وحفَّه بالضياء، وغشّاه بالنور، فكان الإعجاء به والثناء عليه مما تقتضيه الفِطر السوية والطباع النقية إذ كان ﷺ صورة للكمال الإنساني. هذا وقد كان الشعر أسبق من النثر في مديحه ﷺ والثناء عليه، فلئن كان النثر قد مدَّ أسبابه في الحديث عنه ﵇، فيما عُرف بكتب السيرة النبوية والشمائل والخصائص، فإن ذلك لم يكن إلا بعد وفاته ﵇، بل وانقضاء عصر الراشدين، وذلك في نهاية القرن الأول، وأوائل القرن الثاني. أما الشعر فقد صحبه صلى الله عليه سلم منذ صدع بأمر ربه، ولقي من إعراض كفار قريش وأذاهم ما لقي، ولعل عمه أبا طالب هو أول من فتح هذا الباب العظيم: باب المدائح النبوية، وإن كانوا قد طعنوا في كثير مما قال فإنهم قد سلَّموا له بقصيدته اللامية الطويلة. يقول محمَّد بن سلام الجمحي: «وكان أبو طالب شاعراً جيد الكلام، أبرع ما قال [قصيدته] التي مدح فيها النبي ﷺ : وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ربيع اليتامى عصمةٌ للأرامل وقد زيد فيها وطولت، ورأيت في كتاب يوسف بن سعد صاحبنا منذ أكثر من مائة سنة: وقد علمت أن قد زاد الناس فيها ولا أدري أين منتهاها. وسألني الأصمعي عنها، فقلت: صحيحة جيدة! قال: أتدري أين منتهاها؟ قلت: لا». طبقات فحول الشعراء ص ٢٤٤. ومن أقدم ما قيل في مديحه ﵇ أيضاً قصيدة الأعشى الكبير ميمون بن قيس، التي مطلعها: ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ... وعادك ما عاد السليم المسهدا وفيها يقول: نبي يرى ما لا ترون وذكره ... أغار لعمري في البلاد وأنجدا

стр. 235

له صدقات ما تغب ونائل ... وليس عطاء اليوم مانعه غدا وللنقاد ومؤرخي الشعر في هذه القصيدة مقال. ثم كان شعراء الصحابة المشاهير: حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، وقد اختلط مديحهم له ﵇ بالحديث عن الدين الجديد ومناوأة المشركين، ولم يكن هؤلاء الثلاثة وحدهم على الساحة، فقد ذكر الحافظ ابن سيد الناس اليعمري المتوفى ٧٣٢ هـ نحواً من مائة وتسعين صحابيّاً وصحابية عطروا ألسنتهم بمدحه ﷺ ، وجمع ذلك في كتابه سمَّاه (منح المدح) وهو مطبوع متداول. وينقضي عصر الصحابة، ويداول الله الأيام بين الناس، فتذهب أيام وتأتي أيام، وتثل عروش تقوم عروش، ويتقلب الناس بين قديم وجديد وطارف وتليد، ولا زال ذكره الشريف يؤنس الغريب، ويطب الجريح، ويرد الضال ويهدي الحائر، فلم ينقطع هذا المدد النبوي الكريم على ألسنة الشعراء وقالة القصيد: شعراً منغوماً، قد تتفاوت قيمة الفنية والتصويرية، لكنه في جميع أشكاله وضروبه يسري فيه هذا النفس المحمدي العظيم، طب القلوب ودواؤها، وعافية الأبدان وشفاؤها، ونور الأبصار وضياؤها. وقد نهد إلى جمع شعر المدائح النبوية في مختلف العصور: الأديب العالم الجامع يوسف بن إسماعيل بن يوسف النبهاني الفلسطيني المولد، المتخرج في الأزهر الشريف، رئيس محكمة الحقوق في بيروت، المتوفى سنة (١٣٥٠ هـ = ١٩٣٢ م)، وقد سمَّى عمله هذا (المجموعة النبهانية في المدائح النبوية) وهو عمل ضخم اشتمل على (٢٥٠٦٦) بيتاً، وطبع في أربعة مجلدات كبار. ومن أنفس ما قرأت في هذا الفن: ما أخرجه الأستاذ العالم الدكتور محمود على مكي، بعنوان (المدائح النبوية) وقد صدر عام ١٩٩١ م عن الشركة المصرية العالمية للنشر - لونجمان. وجهات الحسن في هذا الكتاب كثيرة، فهو على وجازته

стр. 236

قد عرض لتاريخ المدائح النبوية في فصول أربعة: الفصل الأول الرسول في شعر معاصريه، وهو ما يعرف بشعر الصحابة، الذي جمعه من قبل الحافظ ابن سيد الناس، على ما ذكرت. والفصل الثاني: المدائح النبوية في شعر الشيعة. والفصل الثالث: المولد النبوي والمولديات. ثم جاء الفصل الرابع عن المدائح النبوية في العصر الحديث. قصيدة العباس بن عبد المطلب: والعباس عم رسول الله ﷺ ، وقصيدته هذه خالصة في مديحه ﵇، وهي بذلك تباين ما قاله الشعراء الصحابة، إذ كان هؤلاء قد خلطوا مديحهم له ﵇ بالدعوة إلى الدين الجديد، والرد على المشركين والافتخار عليهم بوقائعهم معهم وانتصاراتهم عليهم، كما ذكرت من قبل. وقد سكت الدكتور محمود علي مكي عن هذه القصيدة، فلم يوردها مع ما أورد من شعراء الصحابة - مع يقيني بأنه لا يخفى عليه مكانها - وكذلك يغفلها كثير ممن يكتبون عن شعر المدائح النبوية، فلم تحظ بما حظيت به قصائد حسان وكعب وابن رواحة: مع أنها قصيدة مروية مذكورة الإسناد، مع فخامتها الشعرية وشدة شبهها بالشعر الجاهلي، بل قل إنها صورة من الشعر الجاهلي في جلاله وبهائه. وإليك أيها القارئ الكريم نص القصيدة، متبوعة بتوثيقها وشرحها وتحليلها: حدث أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة، عن أبيه، عن يزيد بن عمرو الغنوي، عن زكريا بن يحيى الكوفي، قال: حدثنا عم أبي، زحر بن حصن، عن جده حميد بن منهب، قال: سمعت جدي خريم بن أوس بن حارثة، يقول: هاجرت إلى رسول الله ﷺ إلى المدينة منصرفه من تبوك، فسمعت العباس بن عبد المطلب يقول: يا رسول الله إني أريد أن أمتدحك، فقال: «قل لا يفضض الله فاك». فقال العباس: من قبلها طبت في الظلال وفي ... مستودع حيث يخصف الورق

стр. 237

ثم هبطت البلاد لا بشر ... أنت ولا مضغة ولا علق بل نطفة تركب السفين وقد ... ألجم نسراً وأهله الغرق تنقل من صالب إلى رحم ... إذا مضى عالم بدا طبق حتى احتوى بيتك المهيمن من ... خندف علياء تحتها النطق وأنت لما لدت أشرق الـ ... أرض وضاءت بنورك الأفق فنحن في ذلك الضياء وفي النـ ... ـنور وسبل الرشاد نخترق غريب الحديث لابن قتيبة ١/ ٣٥٩. فهذه أقدم رواية لقصيدة العباس بن عبد المطلب، إذ كان ابن قتيبة قد توفي سنة (٢٧٦). وتلي هذه الرواية زمناً رواية أبي القاسم الزجاجي المتوفى (٣٤٠)، قال: حدثنا إبراهيم الصائغ، قال: حدثني عبد الله بن مسلم بن قتيبة ... ثم بقية السند السابق. اشتقاق أسماء الله الحسنى للزجاجي ص ٢٣٠. وثالث الروايات: رواية الحافظ أبي الحسن الدارقطني المتوفى (٣٨٥)، قال: حدثنا عبدان بن أحمد وأحمد بن عمرو البزار، وحدثنا محمد بن موسى بن حماد البربري، قالوا: حدثنا أبو السكين زكريا بن يحيى ... ثم بقية سند ابن قتيبة، المعجم الكبير ٤/ ٢٥٢. ورابعها: رواية أبي عبد الله الحاكم النيسابوري المتوفى (٤٠٥) قال في كتابه المستدرك على الصحيحين ٣/ ٣٢٦، ٣٢٧، حدَّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدَّثنا أبو البختري عبد الله بن شاكر، حدَّثنا زكريا بن يحيى ... إلى آخر السند، وقال الحاكم: «هذا حديث تفرد به رواته الأعراب، عن آبائهم، وأمثالهم من الرواة لا يضعون». وجاء في رواية الذهبي عن الحاكم، في سير أعلام النبلاء ٢/ ١٠٢: «ومثلهم لا يضعفون»، والتعقيب في كلتا الروايتين ذو دلالة، فهو يريد أن يؤكد الثقة بالحديث، إذ كان رواته من الأعراب، يعني الذين يجرون في أحاديثهم ورواياتهم

стр. 238

على الصدق، فطرة وسليقة، وليسوا من المحدثين أصحاب الصنعة الذين تدور أحوالهم بين الجرح والتعديل. ونأتي إلى آخر رواية من روايات الحفاظ، وهو رواية الحافظ أبي بكر الخطيب البغدادي المتوفى (٤٦٣) فقد رواه في كتابه الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة ص ٤٤٩ - عن أبي طالب يحيى بن علي بن الطيب العجلي الدسكري، عن أبي أحمد محمد بن أحمد بن الغطريف بن القاسم العبدي، عن يحيى بن محمد بن صاعد، عن زكريا بن يحيى ... إلى آخر السند. ثم تدور القصيدة بعد ذلك غير مسندة في كتب العربية، فتراها في: تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص ٨٨، والزاهر في معاني كلمات الناس لابن الأنباري ١/ ٢٧٥، والاستيعاب لابن عبد البر ص ٤٤٧، والفائق في غريب الحديث للزمخشري ٣/ ١٢٣، وشروح سقط الزند لأبي العلاء ص ٣٥٣، وشرح أدب الكاتب للجواليقي ص ٣٠٨، وأمالي ابن الشجري ٣/ ١١٤، والشفا في التعريف بحقوق المصطفى للقاضي عياض ص ٢١٨، والوفا بأحوال المصطفى لابن الجوزي ١/ ٣٥، وعارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي لابن العربي ١٣/ ٩٦، ومنال الطالب في شرح طوال الغرائب لمجد الدين بن الأثير ص ٤٤٠، وأسد الغابة في معرفة الصحابة لعز الدين بن الأثير ٢/ ١٢٩، والجوهرة في نسب النبي وأصحابه العشرة للبري ٢/ ١٢، والحماسة البصرية ١/ ٦١٠، وتفسير القرطبي ١٣/ ١٤٦، ومنح المدح لابن سيد الناس ص ١٩٢، وزاد المعاد في هدي خير العباد لابن قيم الجوزية ٣/ ٥٥١، والسيرة النبوية لابن كثير ٤/ ٥١، ومجمع الزوائد ومنبع الفوائد لنور الدين الهيثمي ٨/ ٢١٧، والخصائص الكبرى للسيوطي ١/ ٩٧، وسبل الهدي والرشاد في سيرة خير العباد للصالحي الشامي ١/ ٩٠، والمجموعة النبهانية في المدائح النبوية ١/ ٥٦. ثم يأتي من هذه القصيدة البيت والبيتان في معاجم اللغة، ودواوين الأدب، شواهد على غريب اللغة ووجوه المعاني، منزلاً ذلك على ترتيب المواد والمقاصد.

стр. 239

ويبقى أن أشير إلى أن أبياتاً أربعة من هذه القصيدة نُسبت إلى حسان بن ثابت - انظر ديوانه ص ٤٩٨ - ولا تصح هذه النسبة، وقد ردها الحافظ السيوطي في كتابه اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة ١/ ٢٦٤، ٢٦٥. بحر القصيدة: جاءت هذه القصيدة على البحر المنسرح، وتفعيلاته: مستفعلن مفعولات مستعلن ... مستفعلن مفعولات مستعلن مع ما تطيقه هذه التفعيلات من زحافات وعلل. ويرى بعض الدارسين المحدثين أن النظم على هذا البحر قليل، لأن فيه عنتاً ومشقة، وقد قل النظم عليه، وكاد يهجر لاختلاف موسيقاه عن جنس الموسيقى الشائعة الأوزان، ويرى بعضهم أن إيقاع هذا البحر خافت يكاد يكون كلاماً منثوراً، بل إن بعضهم تنبأ بأنه سينقرض من الشعر في مستقبل الأيام! . وهذه كلام من لا يرتاح إلى هذا الوزن، وينفر منه بطبعه، فيجعل من ذوقه الخاص حكماً عاماً، ثم هو كلام يرسل إرسالًا، دون مراجعة أو إحصاء، فإن النظم على هذا البحر شائع في الشعر الجاهلي، وفيما بعده إلى يوم الناس هذا، وإن لصديقنا الشاعر عبد اللطيف عبد الحليم (أبو همام) أنساً بهذا البحر وولعاً، وقد أنشأ ديواناً، أداره كله على هذا البحر، وسمَّاه: (من مقام المنسرح)، ثم لا يزال يتعاهده في شعره بين الحين والحين. ثم ذكر العلامة عبد الله الطيب المجذوب كلاماً عالياً هذا البحر المنسرح في كتابه الفذ: المرشد إلى فهم أشعار العرب ١/ ١٧٥ - ١٩١، وذكر أن هذا البحر في الجاهلية قد شاع في فنَّي الرثاء المراد به النوح، والنقائض، وأنشد قدراً صالحاً من الشواهد، ثم ذكر أن الخريمي الشاعر أنشأ قصيدة من هذا البحر، من مائة وخمسة وثلاثين بيتاً يصف فيها الفتنة ببغداد أيام الأمين والمأمون. وأنشد في كتابه بين النير والنور ص ١٦٩، هذا البيت:

стр. 240

وسَرَّت النفس أمسِ ذات الفرا ... شات التي ريمُ جيدها صَنَمُ ثم قال: «هذا بحر المنسرح فاعرفه: بحرٌ طروب إلى جارية وحشية عروب». وأقول: حسبنا أن نذكر من هذا البحر رائعة المتنبي التي أولها - وهو مما قاله في صباه: أهلًا بدارٍ سباك أغيدها ... أبعد ما بان عنك خردها شرح القصيدة وتحليلها: تبدأ القصيدة في روايتها المسندة، وفي سائر الكتب بهذا البيت: من قبلها طبت في الظلال وفي ... مستودع حيث يخصف الورق ولا ينبغي أن يظن أن هناك نقصاً؛ فإن الرواية مجمعة على هذا الاستفتاح، وهو استفتاح غريب حقاً، وهو دال على حالة شعورية عجيبة، فكأن الشاعر طوى أشياء كثيرة في صدره، قفز منها إلى مقصوده الأعظم وشاغله الأقوى، أو كأنه لا يحفل بما تعارف عليه الشعراء في عصره من استفتاح القصائد، فكأنه لا يحب أن يرد طريقاً مسلوكاً. ولو وقع مثل هذا البدء في شعر شاعر من القوم في زماننا هذا لكان لنقادهم فيه ضجيج واحتفال ... وقوله: «من قبلها» أي من قبل الخليقة، أضمر لغير مذكور، والعرب تفعل ذلك توسعاً واختصاراً وثقة بفهم السامع، وقد جاء منه في القرآن والشعر ما لا يحصى كثرة، كقوله تعالى: ﴿كل من عليها فان (٢٦)﴾ [الرحمن: ٢٦]، وقوله: ﴿ما ترك على ظهرها من دابة﴾ [فاطر: ٤٥]، أضمر «الأرض» في الآيتين، وقوله: ﴿فلولا إذا بلغت الحلقوم (٨٣)﴾ [الواقعة: ٨٣]، وقوله: ﴿كلا إذا بلغت التراقي (٢٦)﴾ [القيامة: ٢٦]، أضمر «النفس والروح» في الآيتين، ومن ذلك إضمار «الخمر» في قول ابن المعتز: وندمان دعوت فهب نحوي ... وسلسلها كما انخرط العقيق

стр. 241

وقوله: «طبت في الظلال» أي في ظلال الجنة، حين كان في صلب آدم لما كان في الجنة، وهو قوله: «في مستودع»، أي في صلب آدم قبل أن يهبط إلى الأرض، ومنه قوله تعالى: ﴿فمستقر ومستودع﴾ [الأنعام: ٩٨]، أي مستقر في الأرحام، ومستودع في الأصلاب. وقوله: «حيث يخصف الورق» يعني حيث خصف آدم وحواء عليهما الورق حيث بدت لهما سواءتهما. والخصف: ضم الشيء إلى الشيء وإلصاقه به، ومنه قولهم: خصفت النعل، أي رقعتها. ثم هبطت البلاد لا بشر ... أنت ولا مضغة ولا علق يعني هبوطه وهو نطفة في صلب آدم، لم يصر علقاً ولا مضغة. بل نطفة تركب السفين وقد ... ألجم نسراً وأهله الغرق يعني في صلب نوح، كما جاء في التنزيل: ﴿وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون (٤١)﴾ [يس: ٤١]، والسفين: جمع سفينة، واستعمل الجمع في موضع الواحد، كقولهم: شابت مفارقه، وإنما هو مفرق واحد. وأراد بنسر: الصنم الذي كان قوم نوح يعبدونه. وإلجام الغرق: كناية عن وصول الماء إلى أفواههم التي هي موضع اللجام. تنقل من صالب إلى رحم ... إذا مضى عالم يدا طبق الصالب: الصلب، وهو الظهر، قال تعالى: ﴿يخرج من بين الصلب والترائب (٧)﴾ [الطارق: ٧]، والعالم: بفتح اللام: قيل هو كل موجود سوى الله تعالى، وقيل: هم كل ذي روح، وقيل: هم الإنس والجن. والمراد به ها هنا: الإنس خاصة؛ لأن الذكر لهم. والطبق ها هنا: القرن من الناس؛ لأنهم كالطبق للأرض، يطبقون الأرض ثم ينقرصون، ويأتي طبق آخر. والمراد أنه ﷺ تنقل في أصلاب كريمة، وتناسخته أرحام مطهرة، فأدته زاكي الحسب، نقي الأصول، وعن ابن عباس

стр. 242

في قوله تعالى: ﴿وتقلبك في الساجدين (٢١٩)﴾ [الشعراء: ٢١٩]، قال: «من نبي إلى نبي حتى أخرجك نبيّاً». حتى احتوى بيتك المهيمن من ... خندف علياء تحتها النطق المراد بالبيت ها هنا: الشرف والنسب. والمهيمن: الشاهد، وهو صفة هذا الشرف: أي حتى احتوى شرفك الشاهد على فضلك أفضل مكان وأعلاه وأرفعه من مجد خندف وسامي شرفها. وخندف: لقب ليلى، وهي امرأة إلياس بن مضر، وهو من أجداد النبي ﷺ . والنطق: جمع نطاق، وهو في الأصل: تشدّ به المرأة وسطها فوق الثياب، ومنه أسماء ذات النطاقين بنت أبي بكر ﵄. وضرب هذا مثلًا في ارتفاعه وتوسطه في عشريته وعزه، فجعله في علياء، وجعلهم تحته نطاقاً له. وأنت لما ولدت أشرقت الـ ... أرض وضاءت بنورك الأفق هكذا يبدأ الشاعر بيته بالضمير المنفصل «أنت»، ومجيء مثل هذا الضمير في مثل ذلك الموضع لا يأتي إلا في فحولة شعر وجسارة شاعر، فإذا عدم تلك الفحولة وفقد هذه الجسارة عاد غثاً بارداً، وانظره في قول عدي بن زيد العبادي، في إحدى غرره الأربع، كما يقول ابن سلام: أرواح مودع أم بكور ... أنت فانظر لأي حال تصير وقد أدار النحويون على «أنت» في بيت عدي كلاماً كثيراً، فابسط لهم العذر، ولا تظن بهم إلا خيراً؛ لأنهم أصحاب صنعة ونظام، وقد أربكهم هذا الشاعر إرباكاً عظيماً، بذلك الضمير في هذا الموضع. والشاعر الفحل مختال تياه، يتلعب بالكلام كما يشاء! وعلى أن استعمال هذا الضمير «أنت» في الشعر كثيراً ما يدل على التحنن والأنس والود بين المخاطب والمخاطب، وقد استعمله العباس في قصيدته هذه ثلاث مرات.

стр. 243

وأشرقت الأرض: إذا أضاءت وأنارت. ويقال: شرقت الشمس: إذا طلعت، وأشرقت: إذا أضاءت. ويقال: ضاء المكان وأضاء، وضاءت النار وأضاءت، لغتان فاشيتان. قال الراجز: قرب قلوصيك فقد ضاء القمر والأفق: واحد الآفاق، وهي أطراف السماء ونواحيها التي مع الأرض. والأفق مذكر، بدليل قوله تعالى: ﴿ولقد رآه بالأفق المبين (٢٣)﴾ [التكوير: ٢٣]. وقال: «ضاءت بنورك الأفق» فأنث فعله حملًا على المعنى؛ لأنه أراد بالأفق الناحية، وقيل: إنه استعمل الواحد في موضع الجمع، كقوله تعالى: ﴿ثم يخرجكم طفلاً﴾ [غافر: ٦٧] أي أطفالًا، وقوله: ﴿والملائكة بعد ذلك ظهير (٤)﴾ [التحريم: ٤]، أي ظهراء، وكقول الشاعر: كلوا في نصف بطنكم تصحوا ... فإن زمانكم زمن خميص أي بطونكم. فنحن في ذلك الضياء وفي النـ ... ـنور وسبل الرشاد نخترق السبل: الطرق، جمع سبيل، واختراقها: السير فيها. ويبقى بيت من القصيدة جاء من زيادات بعض الكتب، وقد جاء بعد البيت الرابع، وبعضهم يجعله آخر القصيدة. وقد روي هذا البيت بروايات ثلاث: الرواية الأولى: وردت نار الخليل مكتتماً ... تجول فيها وليس تحترق والرواية الثانية: وردت نار الخليل مكتتماً ... في صلبه أنت؛ كيف يحترق والرواية الثالثة: يا برد نار الخليل يا سبباً ... لعصمة النار وهي تحترق

стр. 244

وأضعف الروايات الرواية الثالثة، أما الأخريان فهما من أزكى الكلام وأشرفه، وأعلاهما عندي الرواية الثانية؛ لأن فيها صريح الدلالة على أنه ﷺ كان سبباً لنجاة أبي الأنبياء إبراهيم الخليل ﵇؛ ولأن الشطر الثاني فسر «مكتتماً» في الأول، فضلًا عما في البيت من إحكام الصنعة الشعرية وتوهجها، وتأمل مرة أخرى «أنت» كيف جاءت في البيت كالمنارة، مضيئة عالية، ومجيئها بعد الجار والمجرور وقبل الاستفهام يحمل القارئ والسامع على أن يقف عندها هنيهة، يندي لسانه ويرهف سمعه تشريفاً وإجلالًا للممدوح ﷺ . وبعد: فهذه قصيدة العباس بن عبد المطلب، عم المصطفى ﷺ ، في مديحه وتعظيمه، أرجو أن أكون قد وفقت في تحقيقها وجلائها، ولفت الأنظار إليها. وبأبي أنت وأمي يا رسول الله! . * * *

стр. 245

مع بداية العام الدراسي الجديد: من يقرأ هذه الكتب (١)؟ ! قرأت شيئاً من الجاحظ في صدر الشباب، ثم أخذت أعاوده المرة بعد المرة لتوثيق نقل أو تخريج شاهد، فيما أعالج من تحقيق النصوص ونشرها. وفي السنوات الأخيرة رأيت أن أقرأه على مكث، وأن أعطيه حظه من النظر والتأمل، بل قل: لأعطي نفسي حظها من الإمتاع والمؤانسة، فخصصت له وقتاً من إجازة الصيف بالإسكندرية، أقرأ وأستخرج وأقيد؛ لنفسي ولطلبتي حين أستقبل معهم العام الدراسي الجديد، فإني وإن كنت أدرس علم النحو، فإني أرى أن الأدب لازم للنحوي إقراء وتدريساً حتى يجد لكلامه سبيلاً ومذهباً، ولتوجيهه مقنعاً وبلاغاً. وهذا الجاحظ يحكي عن ابن عتاب قوله: «يكون الرجل نحوياً عروضياً، وقساماً فرضياً، وحسن الكتاب جيد الحساب، حافظاً للقرآن، راوية للشعر، وهو يرضى أن يعلم أولادنا بستين درهماً، ولو أن رجلاً كان حسن البيان، حسن التخريج للمعاني ليس عنده غير ذلك، لم يرض بألف درهم؛ لأن النحوي الذي ليس عنده إمتاع، كالنجار الذي يدعى ليعلق باباً وهو أحذق الناس، ثم يفرغ من تعليقه ذلك الباب فيقال له: انصرف، وصاحب الإمتاع يراد في الحالات كلها». البيان والتبيين ١/ ٤٠٣. وقيل للشافعي: كيف شهوتك للأدب؟ قال: أسمع بالحرف منه مما لم

стр. 246

أسمعه، فتود أعضائي أن لها أسماعاً تتنعم به مثل ما تنعمت الأذنان. مناقب الشافعي للبيهقي ٢/ ١٤٣. وكتب الجاحظ - كما يقول المسعودي - «تجلو صدأ الأذهان، وتكشف واضح البرهان؛ لأنه نظمها أحسن نظم، ورصفها أحسن رصف، وكساها من كلامه أجزل لفظ، وكان إذا تخوف ملل القارئ وسآمة السامع خرج من جد إلى هزل، ومن حكمة بليغة إلى نادرة ظريفة». مروج الذهب ٤/ ١٩٥. ولا يخدعنك هذا الكلام - حسن النظم وحسن الرصف وجزالة اللفظ - فتذهب مع الذاهبين إلى أن كتب الجاحظ على شاكلته إنما هي كتب تسلية وسمر وإزجاء فراغ؛ لأنها تمثل الاهتمام بالجزئي دون الكلي؛ ولأن العقلية العربية غير قادرة على التركيب ... وهو كلام ساقط مرذول، ورده ودفعه في غير هذا المكان. لكني أعجل فأقول: إن زعماء (التنوير) ورموزه الذين يكثر الحديث عنهم هذه الأيام قد تكوَّنوا على هذه الكتب وتغذوا بهذا الزاد، ودع عنك طه حسين والعقاد فإن صلتهما بأصول الكتب العربية معروفة، وتأمل ما ذكره عميد المسرح العربي توفيق الحكيم في كتابه «عصفور من الشرق» من أنه كان يصطحب معه عند زيارته لباريس كتاب «العقد الفريد» لابن عبد ربه، رفيق سفر، وزاد مغترب. وذكر إبراهيم عبد القادر المازني - وكان من أبرع الناس في الترجمة عن الإنجليزية - ذكر لخير الدين الزركلي أنه حفظ في صباه «الكامل» للمبرد غيباً. يقول الزركلي: «وكان ذلك سر الغنى في لغته» الأعلام ١/ ٦٨، وأبو فهر محمود محمد شاكر قرأ «لسان العرب» كله وهو تلميذ بالثانوي، وكذلك قرأ في الوقت نفسه كتاب «الأغاني» في طبعة الساسي، وهي طبعة غير مشكولة ولا محققة. وقراءة الجاحظ فوق أنها تمتع الوجدان، تحرك العقل، وتفتح أبواباً من النظر، وتستثير دفائن من الفكر. والكاتب العظيم - فوق إمتاعه - يستخرج من قارئه أشياء حبيسة، هي من صميم الموضوع الذي يعالجه الكاتب، وهي أشياء تظل كامنة مطوية، وكأن صاحبها مع إحساسه الضخم بها لا يستطيع كشفها والإبانة عنها، حتى

стр. 247

يجيء الكاتب القادر المبين، فإذا بهذه الأشياء الحبيسة تنطلق من عقالها، وإذا بالأفكار والخواطر تأتيه من كل مكان، وتنثال عليه انثيالًا، وتزدحم أمامه ازدحاماً، وكأنها قوافي سويد بن كراع التي وصفها: أبيت بأبواب القوافي كأنما ... أصادي بها سرباً من الوحش نزعا فيقيد منها الشارد، ويستدني منها البعيد، فيكون فرح القارئ بما قرأ معادلًا لسروره بما استخرج. الجاحظ والعربية: وقراءة الجاحظ إذا أخذت بحقها قادت إلى المكتبة العربية كلها، بفنونها وعلومها المختلفة، إذ كان الجاحظ كثير الإلمام بالعلوم العربية، لا يكاد يشذ عنه منها شيء وبخاصة في «رسائله» التي لم تؤت ما تستحقه من الدرس؛ لأن الناس شغلوا عنها بكتبه الأخرى: البيان والحيوان والبخلاء والعثمانية. على أن أهم ما تستثيره عندي قراءة الجاحظ الآن هو: ما حظ شباب هذا الجيل من كتب الجاحظ ومن إليه؟ لقد قال ابن خلدون قولته الشهيرة: «وسمعنا من شيوخنا في مجالس التعليم أن أصول هذا الفن - علم الأدب - وأركانه أربعة دواوين: وهي أدب الكاتب لابن قتيبة، وكتاب الكامل للمبرد، وكتاب البيان والتبيين للجاحظ، وكتاب النوادر لأبي علي القالي، وما سوى هذه الأربعة فتبع لها وفروع عنها». ونعم، لقد أحسن كل الإحسان من عد هذه الكتب الأربعة أصول علم الأدب، فإن كتاب ابن قتيبة يدور حول اللغة، في تسمية الأشياء وخلق الإنسان والحيوان، وأصول الهجاء وضوابط الأبنية، وتقويم اللسان ولحن العامة. وكتاب المبرد كتاب لغة ونحو وأخبار - وبخاصة أخبار الخوارج - وكتاب الجاحظ دائر حول البيان والبلاغة والخطابة، مع الاسترسال إلى المعارف الأخرى، وكتاب القالي المعروف بالأمالي والنوادر، كتاب لغة وغريب وشعر، فمن حصّل هذه الكتب، ثم أطال الوقوف عندها والنظر فيها فاز بأوفر الحظ والنصيب.

стр. 248

وهذه الكتب كانت متاحة لنا في صدر شبابنا: في دار الكتب المصرية بباب الخلق، وفي مكتباتها الفرعية داخل القاهرة، وفي عواصم الأقاليم، ثم كانت تغص بها مكتبات الكليات الجامعية، بل في كثير من مكتبات المدارس الثانوية، ثم كانت تلك الكتب قريبة إلى عقولنا وقلوبنا بذكر أساتذتنا لها، ونقلهم عنها، وحثهم لنا عليها وإغرائهم بها، ومطالبتهم إيانا باستظهارها، غذ كانوا يرون أنها أوعية العلم ولا أوعية غيرها، وكذلك كانت مألوفة لنا بإحالة الأدباء والكتاب عليها في المجلات والدوريات الثقافية. والآن: جفت الينابيع، وصوح النبت، فدار الكتب أصبحت كبئر معطلة ومكتبات الكليات الجامعية تطايرت محتوياتها إلى بيوت بعض الأساتذة: غنيمة باردة، وعارية غير مستردة، أما تعامل الأساتذة والكتاب مع هذه الكتب فأنت تعرفه! وأسأل طلبتي في السنة النهائية (الليسانس) عن هذه الكتب فلا أظفر إلا بصبابة قول، لا تكاد تتجاوز اسم الكتاب، مع تخليط كثير في بعض أسماء الكتب وأسماء أصحابها ... ولا تلوموهم ولوموا أنفسكم. ثم أعود إلى مكتبتي وأطيل النظر إلى قسم الأدب منها، وأكرر سؤالًا أعرف ألا جواب له: من يقرأ هذه الكتب، كبارها وأوساطها وصغارها؟ بدءاً بالمفضليات والأصمعيات، وانتهاء بالكشكول والمخلاة للعاملي، وقروناً بين ذلك كثيراً: دواوين الشعر ومختارات الأدب والحماسات والأمالي والمجالس، وكتب المعاني وكتب الأمثال: تجارب أمم، وعقول أقوام استودعها بطون الكتب، وأدتها إلينا أجيال وفية من الرواة والحفظة والنساخ والمحققين، حفظوها وصانوها كما يصون كرام الأبناء ودائع الآباء. وقل مثل هذا في سائر علومنا: تفسير القرآن وعلومه، ودواوين السنة، وكتب الفقه وأصوله، وعلم الكلام والتصوف والتاريخ والأنساب والبلدانيات (الجغرافيا) والمعارف العامة، واللغة والنحو والبلاغة. فمن يقرأ هذه الكتب الآن فضلًا عن اقتنائها؟

стр. 249

ولا تقل طلبة الدراسات العليا؛ لأن باب الدراسات العليا باب ضيق جداً؛ ولأن الأصل أن تعرض هذه الكتب - الشيء منها بعد الشيء - على طلبة الجامعة، على امتداد السنوات الأربع، بل في المراحل التعليمية السابقة على الجامعة، ليأنسوا إليها ويألفوها ويعايشوها، فإذا قدر لأحدهم أن يمضي في دراسة عليا كان مستصحباً لأصول العلم وأساسه، وإذا انقطع بأحدهم الطريق كانت هذه المعرفة عوناً له وسنداً فيما يعالج من أمور التعليم والثقافة، وأعرف نفراً من زملائنا المعلمين الذين لم يستكملوا دراساتهم العليا يفوقون كثيراً من حملة الدكتوراه الآن، ولكنها حظوظ الناس: متى ما ير الناس الغنى وجاره ... فقير يقولوا عاجز وجليد وليس الغنى والفقر من حيلة الفتى ... ولكن أحاظٍ قسمت وجدود رموز التنوير: وإنما كان زملاؤنا المعلمون على هذه الصفة لأنهم يأوون إلى ركن شديد من المعرفة التي أتاحتها لهم دراستهم الجامعية الجادة الصارمة في ذلك الزمان الرخي قبل أن يدهمنا السيل وتغشانا النوائب بذلك التنقص والاحتقار الدائم لتاريخنا وعلومنا، وإنك لا تجد أمة تستهين بتاريخها وعلومها ومعارفها كالذي تجده من بعض أفراد أمتنا الآن، وقد كان الهجوم على علومنا ومعارفنا يسمع من بعض من ينتسبون إلى الأدب، من أحلاس المقاهي وسمَّار الليالي، ثم صار الآن يسمع مجلجلًا في قاعات الدرس الجامعي: هجوماً كاسحاً أكولًا على الشعر العربي والنحو العربي والبلاغة العربية - «بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه» - ويقول هؤلاء لتلاميذهم: إن الكتب القديمة حفائر وأكفان موتى، وقد غاب عن هؤلاء أمران: أولهما: أن رموز (التنوير) وأعلامهم الذين يتحدثون عنهم الآن قد خرجوا من عباءة هذا القديم، كما ذكرت من قبل. وثانيهما: أن هذه الكتب لو لم يكن فيها إلا أنها تعلم الجد وتقود إلى الصرامة لكان في ذلك ما يغري باقتنائها وطلب العلم منها.

стр. 250

يقول مصطفى صادق الرافعي: «ومما ترده على قارئها تلك الكتب في تربيته للعربية أنها تمكن فيه للصبر والمعاناة والتحقيق والتورك في البحث والتدقيق في التصفح، وهي الصفات التي فقدها أدباء هذا الزمن فأصبحوا لا يثبتون ولا يحققون، وطال عليهم أن ينظروا في العربية، وثقل عليهم أن يستبطنوا كتبها، ولو قد تربوا في تلك الأسفار وبذلك الأسلوب العربي لتمت الملاءمة بين اللغة في قوتها وجزالتها، وبين ما عسى أن ينكره منها ذوقهم في ضعفه وعاميته، وكانوا أحق بها وأهلها. وذاك بعينه هو السر في أن من لا يقرأون تلك الكتب أول نشأتهم لا تراهم يكتبون إلا بأسلوب منحط، ولا يجيئون إلا بكلام سقيم غث، ولا يرون في الأدب العربي إلا آراء ملتوية، ثم هم لا يستطيعون أن يقيموا على درس كتاب عربي فيساهلون أنفسهم، ويحكمون على اللغة والأدب بما يشعرون به في حالتهم تلك، ويتورطون في أقوال مضحكة، وينسون أنه لا يجوز القطع على الشيء من ناحية الشعور، ما دام الشعور يختلف في الناس باختلاف أسبابه وعوارضه، ولا من ناحية يجوز أن يكون الخطأ فيها، وهم أبدًا في إحدى الناحيتين أو في كلتيهما». مقدمة شرح أدب الكاتب للجواليقي ص ٣. فهذه إحدى الطوام: الطعن في كتبنا واجتواؤها والإزراء بها. وثانية أشد وأعجب - وكل الأمور عجب -: يأتيني أحد طلبتي فيعرض علي شيئاً من شعره فأقول له: يا بني، ليس هذا شعراً، هذا عجن وتخليط، فيحاجني بنماذج كثيرة تعج بها جرائدنا ومجلاتنا، مصحوبة هذه النماذج أحياناً بتحليل وثناء لبعض كبار أدبائنا وأساتذتنا وزملائنا الجامعيين، يرفعون بكلام حل خسيسة كلام هزيل: في زخرف القول تزيين لباطله ... والحق قد يعتريه سوء تعبير تقول: هذا مجاج النحل تمدحه ... وإن تعب قلت: ذا قيء الزنابير مدحاً وذماً وما جاوزت وصفهما ... حسن البيان يري الظلماء كالنور ونعم ... لقد جاوز الأمر حده، وأصبح واجباً على كل ذي عقل أن يقف أمام هذا السخف، إن هذا الذي ينشر على أنه شعر إنما هو امتهان للعقل؛ من حيث كان
следующие страницы →