← Джавами‘

Джавами‘ · id 148533

مقالات الطناحي صفحات في التراث والتراجم واللغة والأدب

محمود محمد الطناحي

Полный текст (690 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

أسمعه، فتود أعضائي أن لها أسماعاً تتنعم به مثل ما تنعمت الأذنان. مناقب الشافعي للبيهقي ٢/ ١٤٣. وكتب الجاحظ - كما يقول المسعودي - «تجلو صدأ الأذهان، وتكشف واضح البرهان؛ لأنه نظمها أحسن نظم، ورصفها أحسن رصف، وكساها من كلامه أجزل لفظ، وكان إذا تخوف ملل القارئ وسآمة السامع خرج من جد إلى هزل، ومن حكمة بليغة إلى نادرة ظريفة». مروج الذهب ٤/ ١٩٥. ولا يخدعنك هذا الكلام - حسن النظم وحسن الرصف وجزالة اللفظ - فتذهب مع الذاهبين إلى أن كتب الجاحظ على شاكلته إنما هي كتب تسلية وسمر وإزجاء فراغ؛ لأنها تمثل الاهتمام بالجزئي دون الكلي؛ ولأن العقلية العربية غير قادرة على التركيب ... وهو كلام ساقط مرذول، ورده ودفعه في غير هذا المكان. لكني أعجل فأقول: إن زعماء (التنوير) ورموزه الذين يكثر الحديث عنهم هذه الأيام قد تكوَّنوا على هذه الكتب وتغذوا بهذا الزاد، ودع عنك طه حسين والعقاد فإن صلتهما بأصول الكتب العربية معروفة، وتأمل ما ذكره عميد المسرح العربي توفيق الحكيم في كتابه «عصفور من الشرق» من أنه كان يصطحب معه عند زيارته لباريس كتاب «العقد الفريد» لابن عبد ربه، رفيق سفر، وزاد مغترب. وذكر إبراهيم عبد القادر المازني - وكان من أبرع الناس في الترجمة عن الإنجليزية - ذكر لخير الدين الزركلي أنه حفظ في صباه «الكامل» للمبرد غيباً. يقول الزركلي: «وكان ذلك سر الغنى في لغته» الأعلام ١/ ٦٨، وأبو فهر محمود محمد شاكر قرأ «لسان العرب» كله وهو تلميذ بالثانوي، وكذلك قرأ في الوقت نفسه كتاب «الأغاني» في طبعة الساسي، وهي طبعة غير مشكولة ولا محققة. وقراءة الجاحظ فوق أنها تمتع الوجدان، تحرك العقل، وتفتح أبواباً من النظر، وتستثير دفائن من الفكر. والكاتب العظيم - فوق إمتاعه - يستخرج من قارئه أشياء حبيسة، هي من صميم الموضوع الذي يعالجه الكاتب، وهي أشياء تظل كامنة مطوية، وكأن صاحبها مع إحساسه الضخم بها لا يستطيع كشفها والإبانة عنها، حتى

стр. 247

يجيء الكاتب القادر المبين، فإذا بهذه الأشياء الحبيسة تنطلق من عقالها، وإذا بالأفكار والخواطر تأتيه من كل مكان، وتنثال عليه انثيالًا، وتزدحم أمامه ازدحاماً، وكأنها قوافي سويد بن كراع التي وصفها: أبيت بأبواب القوافي كأنما ... أصادي بها سرباً من الوحش نزعا فيقيد منها الشارد، ويستدني منها البعيد، فيكون فرح القارئ بما قرأ معادلًا لسروره بما استخرج. الجاحظ والعربية: وقراءة الجاحظ إذا أخذت بحقها قادت إلى المكتبة العربية كلها، بفنونها وعلومها المختلفة، إذ كان الجاحظ كثير الإلمام بالعلوم العربية، لا يكاد يشذ عنه منها شيء وبخاصة في «رسائله» التي لم تؤت ما تستحقه من الدرس؛ لأن الناس شغلوا عنها بكتبه الأخرى: البيان والحيوان والبخلاء والعثمانية. على أن أهم ما تستثيره عندي قراءة الجاحظ الآن هو: ما حظ شباب هذا الجيل من كتب الجاحظ ومن إليه؟ لقد قال ابن خلدون قولته الشهيرة: «وسمعنا من شيوخنا في مجالس التعليم أن أصول هذا الفن - علم الأدب - وأركانه أربعة دواوين: وهي أدب الكاتب لابن قتيبة، وكتاب الكامل للمبرد، وكتاب البيان والتبيين للجاحظ، وكتاب النوادر لأبي علي القالي، وما سوى هذه الأربعة فتبع لها وفروع عنها». ونعم، لقد أحسن كل الإحسان من عد هذه الكتب الأربعة أصول علم الأدب، فإن كتاب ابن قتيبة يدور حول اللغة، في تسمية الأشياء وخلق الإنسان والحيوان، وأصول الهجاء وضوابط الأبنية، وتقويم اللسان ولحن العامة. وكتاب المبرد كتاب لغة ونحو وأخبار - وبخاصة أخبار الخوارج - وكتاب الجاحظ دائر حول البيان والبلاغة والخطابة، مع الاسترسال إلى المعارف الأخرى، وكتاب القالي المعروف بالأمالي والنوادر، كتاب لغة وغريب وشعر، فمن حصّل هذه الكتب، ثم أطال الوقوف عندها والنظر فيها فاز بأوفر الحظ والنصيب.

стр. 248

وهذه الكتب كانت متاحة لنا في صدر شبابنا: في دار الكتب المصرية بباب الخلق، وفي مكتباتها الفرعية داخل القاهرة، وفي عواصم الأقاليم، ثم كانت تغص بها مكتبات الكليات الجامعية، بل في كثير من مكتبات المدارس الثانوية، ثم كانت تلك الكتب قريبة إلى عقولنا وقلوبنا بذكر أساتذتنا لها، ونقلهم عنها، وحثهم لنا عليها وإغرائهم بها، ومطالبتهم إيانا باستظهارها، غذ كانوا يرون أنها أوعية العلم ولا أوعية غيرها، وكذلك كانت مألوفة لنا بإحالة الأدباء والكتاب عليها في المجلات والدوريات الثقافية. والآن: جفت الينابيع، وصوح النبت، فدار الكتب أصبحت كبئر معطلة ومكتبات الكليات الجامعية تطايرت محتوياتها إلى بيوت بعض الأساتذة: غنيمة باردة، وعارية غير مستردة، أما تعامل الأساتذة والكتاب مع هذه الكتب فأنت تعرفه! وأسأل طلبتي في السنة النهائية (الليسانس) عن هذه الكتب فلا أظفر إلا بصبابة قول، لا تكاد تتجاوز اسم الكتاب، مع تخليط كثير في بعض أسماء الكتب وأسماء أصحابها ... ولا تلوموهم ولوموا أنفسكم. ثم أعود إلى مكتبتي وأطيل النظر إلى قسم الأدب منها، وأكرر سؤالًا أعرف ألا جواب له: من يقرأ هذه الكتب، كبارها وأوساطها وصغارها؟ بدءاً بالمفضليات والأصمعيات، وانتهاء بالكشكول والمخلاة للعاملي، وقروناً بين ذلك كثيراً: دواوين الشعر ومختارات الأدب والحماسات والأمالي والمجالس، وكتب المعاني وكتب الأمثال: تجارب أمم، وعقول أقوام استودعها بطون الكتب، وأدتها إلينا أجيال وفية من الرواة والحفظة والنساخ والمحققين، حفظوها وصانوها كما يصون كرام الأبناء ودائع الآباء. وقل مثل هذا في سائر علومنا: تفسير القرآن وعلومه، ودواوين السنة، وكتب الفقه وأصوله، وعلم الكلام والتصوف والتاريخ والأنساب والبلدانيات (الجغرافيا) والمعارف العامة، واللغة والنحو والبلاغة. فمن يقرأ هذه الكتب الآن فضلًا عن اقتنائها؟

стр. 249

ولا تقل طلبة الدراسات العليا؛ لأن باب الدراسات العليا باب ضيق جداً؛ ولأن الأصل أن تعرض هذه الكتب - الشيء منها بعد الشيء - على طلبة الجامعة، على امتداد السنوات الأربع، بل في المراحل التعليمية السابقة على الجامعة، ليأنسوا إليها ويألفوها ويعايشوها، فإذا قدر لأحدهم أن يمضي في دراسة عليا كان مستصحباً لأصول العلم وأساسه، وإذا انقطع بأحدهم الطريق كانت هذه المعرفة عوناً له وسنداً فيما يعالج من أمور التعليم والثقافة، وأعرف نفراً من زملائنا المعلمين الذين لم يستكملوا دراساتهم العليا يفوقون كثيراً من حملة الدكتوراه الآن، ولكنها حظوظ الناس: متى ما ير الناس الغنى وجاره ... فقير يقولوا عاجز وجليد وليس الغنى والفقر من حيلة الفتى ... ولكن أحاظٍ قسمت وجدود رموز التنوير: وإنما كان زملاؤنا المعلمون على هذه الصفة لأنهم يأوون إلى ركن شديد من المعرفة التي أتاحتها لهم دراستهم الجامعية الجادة الصارمة في ذلك الزمان الرخي قبل أن يدهمنا السيل وتغشانا النوائب بذلك التنقص والاحتقار الدائم لتاريخنا وعلومنا، وإنك لا تجد أمة تستهين بتاريخها وعلومها ومعارفها كالذي تجده من بعض أفراد أمتنا الآن، وقد كان الهجوم على علومنا ومعارفنا يسمع من بعض من ينتسبون إلى الأدب، من أحلاس المقاهي وسمَّار الليالي، ثم صار الآن يسمع مجلجلًا في قاعات الدرس الجامعي: هجوماً كاسحاً أكولًا على الشعر العربي والنحو العربي والبلاغة العربية - «بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه» - ويقول هؤلاء لتلاميذهم: إن الكتب القديمة حفائر وأكفان موتى، وقد غاب عن هؤلاء أمران: أولهما: أن رموز (التنوير) وأعلامهم الذين يتحدثون عنهم الآن قد خرجوا من عباءة هذا القديم، كما ذكرت من قبل. وثانيهما: أن هذه الكتب لو لم يكن فيها إلا أنها تعلم الجد وتقود إلى الصرامة لكان في ذلك ما يغري باقتنائها وطلب العلم منها.

стр. 250

يقول مصطفى صادق الرافعي: «ومما ترده على قارئها تلك الكتب في تربيته للعربية أنها تمكن فيه للصبر والمعاناة والتحقيق والتورك في البحث والتدقيق في التصفح، وهي الصفات التي فقدها أدباء هذا الزمن فأصبحوا لا يثبتون ولا يحققون، وطال عليهم أن ينظروا في العربية، وثقل عليهم أن يستبطنوا كتبها، ولو قد تربوا في تلك الأسفار وبذلك الأسلوب العربي لتمت الملاءمة بين اللغة في قوتها وجزالتها، وبين ما عسى أن ينكره منها ذوقهم في ضعفه وعاميته، وكانوا أحق بها وأهلها. وذاك بعينه هو السر في أن من لا يقرأون تلك الكتب أول نشأتهم لا تراهم يكتبون إلا بأسلوب منحط، ولا يجيئون إلا بكلام سقيم غث، ولا يرون في الأدب العربي إلا آراء ملتوية، ثم هم لا يستطيعون أن يقيموا على درس كتاب عربي فيساهلون أنفسهم، ويحكمون على اللغة والأدب بما يشعرون به في حالتهم تلك، ويتورطون في أقوال مضحكة، وينسون أنه لا يجوز القطع على الشيء من ناحية الشعور، ما دام الشعور يختلف في الناس باختلاف أسبابه وعوارضه، ولا من ناحية يجوز أن يكون الخطأ فيها، وهم أبدًا في إحدى الناحيتين أو في كلتيهما». مقدمة شرح أدب الكاتب للجواليقي ص ٣. فهذه إحدى الطوام: الطعن في كتبنا واجتواؤها والإزراء بها. وثانية أشد وأعجب - وكل الأمور عجب -: يأتيني أحد طلبتي فيعرض علي شيئاً من شعره فأقول له: يا بني، ليس هذا شعراً، هذا عجن وتخليط، فيحاجني بنماذج كثيرة تعج بها جرائدنا ومجلاتنا، مصحوبة هذه النماذج أحياناً بتحليل وثناء لبعض كبار أدبائنا وأساتذتنا وزملائنا الجامعيين، يرفعون بكلام حل خسيسة كلام هزيل: في زخرف القول تزيين لباطله ... والحق قد يعتريه سوء تعبير تقول: هذا مجاج النحل تمدحه ... وإن تعب قلت: ذا قيء الزنابير مدحاً وذماً وما جاوزت وصفهما ... حسن البيان يري الظلماء كالنور ونعم ... لقد جاوز الأمر حده، وأصبح واجباً على كل ذي عقل أن يقف أمام هذا السخف، إن هذا الذي ينشر على أنه شعر إنما هو امتهان للعقل؛ من حيث كان

стр. 251

استخفافاً باللغة وهزءاً بنظامها وأعرافها. لقد قرأت ذات يوم في جريدة كبرى كلاماً لشاعر يقول فيه: «نرفو أعراف الديكة فوق شرائح السمك البلطي» هكذا قال، وأنا أقول: لماذا سمك البلطي بالذات؟ ألأنه عريض؟ إن «سمك موسى» أعرض منه! كلام ليس من كلامنا: وفي العدد السادس من «أخبار الأدب» الجديدة، وفي الصفحة الثامنة والعشرين ترى هذا العنوان: الفتوحات: شعر ... وفي أحد مقاطعه يقول تحت عنوان: الخليل بن أحمد: «حملت الدلاء على كتفي، وكنت أبص على جسد كالنديف، ولكنها كانت الأرض باردة، تتخللنا وتحيط أصابعنا باليقين، وتتركنا، قلت: أمشي وراء المظنات، أطرح ما حسبت أنه رعوي، ومنسدل، مثل مهر جميل على جسد الصحراء، وأدعك أطراف جسمي ببعض الغيوم، وأنفضها، فاكتشفت بأن الدم العب يحتجب الروح في جسد رقائق طينية ... أن جسراً من الريح، يعلو على الأرض كي نتغطى به كالمرايا، وحين نفر إلى الله، نشهد أنفسنا، رائعين، ومجتلبين إلى الكون نحصر فيه الفساد، نبوبه في سجلات أعراضنا، ثم نردمه خلف بحر قديم تداركنا، فاعلن فاعلن». ما هذا يا قوم؟ إني والله أسأل تعلماً لا تعنتاً عن معنى هذا الكلام! إن هذا الكلام وأمثاله مما يطلق عليه شعر، إنما هو كما قال ذلك الأعرابي وقد حضر مجلس الأخفش فسمع كلاماً لم يفهمه، فحار وعجب، فقال له الأخفش: ما تسمع يا أخا العرب؟ فقال: «أراكم تتكلمون بكلامنا في كلامنا بما ليس في كلامنا»، أو كما قال القاضي الفقيه ابن دقيق العيد، عن الصوفي الشهير ابن سبعين: «جلست معه من ضحوة إلى قريب الظهر وهو يسرد كلاماً تعقل مفرداته ولا تفهم مركباته». ثم إن السلامة اللغوية مطلوبة في كل عمل أدبي، بل هي مطلوبة بداهة في كل كلام يجري بين العقلاء، فما معنى «أبص» في هذا الكلام؟ لم يرد هذا الفعل في كلام العرب بمعنى النظر، وإنما يقال: بص الجرو - وهو ولد الكلب - أي فتح عينيه، وفتح العينين غير النظر. فهي إذن عامية معرفة. قال المرتضى الزبيدي في تاج

стр. 252

العروس: «والبصاصة: العين في بعض اللغات، صفة غالبة، قيل: لأنها تبص، أي تبرق، ومنه قول العامة: هو يبص لي». وما موضع هذه الهاء في قوله: «ولكنها كانت الأرض باردةو»؟ فهل هي ضمير الشأن والقصة؟ إن كان يريدها كذلك فما أبردها في هذا المكان! ثم ما قيمة «فاعلن فاعلن» ها هنا؟ ألأنه قد ذكر قبلها كلمة «بحر» وكلمة «تداركنا» فيريد أن يعلمنا أن تفعيلات بحر المتدارك؟ فاعلن فاعلن؟ فها نحن قد علمنا وانبسطنا: مستفعلن فاعلن، ولا داعي لكل هذا الكلام الطويل: فعولن مفاعلين! ويعلم الله، أننا لا نصدر عن عصيبة للقديم، فالشعر هو الشعر، ليس فيه قديم ولا جديد، وإنما مداره على الإمتاع واللذة، وما أصدق قول أحمد شوقي من قصيدته في أمين الريحاني: والشعر في حيث النفوس تلذه ... لا في الجديد ولا القديم العادي وإننا نطرب لمحمود حسن إسماعيل طربنا لامرئ القيس وذي الرمة، بل إننا نطرب لشعر فؤاد حداد طرباً لا مزيد عليه، وتأخذ النشوة منا مأخذها حين نسمع أشعار صلاح جاهين في «الليلة الكبيرة». فكيف يسكت أساتذتنا الكبار وزملاؤنا الجامعيون على هذا العبث المسمى شعراً؟ بل كيف يزينونه؟ ويحسنونه، ولقد شفى وأبرأ سقمها تعليق للأستاذ الشاعر الناقد كمال النجمي (الهلال - سبتمبر ١٩٩٠ م) على ما كتبه الدكتور شكري عياد حول كتاب «المستحيل والقيمة» للأستاذ بدر الديب، يقول الأستاذ النجمي: «والعجب الأكبر من أديب ناقد ثاقب البصيرة نافذ الفهم - الدكتور شكري عياد - يشغل وقته بالكتابة المطولة عن شعر وهمي يزعمه لأنفسهم ناثرون أمثال الأستاذ الديب، وهو كاتب فاضل كنا نرجو له الستر، أعترف أنني لم أفهم لا كلام بدر الديب ولا كلام شكري عياد، ففيم يتحدث هذان الفاضلان؟ وهلا نزلا إلينا لنفهم عنهما أو نحاول أن نفهم؟ ».

стр. 253

لقد كتبت وكتب غيري عن المستوى المتدني للغة العربية على ألسنة المتكلمين وأقلام الكاتبين: من شباب هذا الجيل، لكننا نعالج هذه القضية بكثير من التخوف والتردد والمصانعة والحذر من إغضاب الناس، والتحسب لردود الفعل التي قد تعطل مصالح العباد، وتقصي القريب وتقرب البعيد: وفي النفس أشياء وفيك فطانة ... سكوتي بيان عندها وخطاب والقضية لا بد أن توضع في حاق موضعها إن كنا صادقين: أولاً: إعادة النظر في مناهج تدريس العربية بدءاً من الابتدائي وانتهاء بالجامعة، بحيث تكون مناهج ترد التلاميذ إلى تاريخهم، وربطهم بعلم الآباء والأجداد - ولا أقول تراثهم؛ فإن هذه الكلمة قد أصبحت بغيضة عندي جداً، لما توحي به هذه الأيام عند بعض الناس من الماضي السحيق والفولكلور والمتحفيات - ولعلي أفرد لذلك مقالة، إن شاء الله. لقد كنا في طفولتنا وصدر شبابنا نحفظ الشعر الجاهلي ومتون العلوم في الصباح، ونلعب الكرة الشراب عند العصر، فجرت اللغة في عروقنا واختلطت بلحمنا وعظمنا، وما أمر «مجموعة النظم والنثر» لعبد الله باشا فكري، و «المنتخب من أدب العرب» للسكندري وأصحابه، ببعيد، وهكذا الشأن عند سائر الأمم، فتلاميذ المدارس الإنجليزية يقرأون «شكسبير» ويعرفونه جيداً، وتلاميذ المدارس الألمانية يقرأون «جوته» ويعرفونه جيداً، مع الاحترام الزائد والتوقير الشديد. ثانياً: تنقية الجو الأدبي خارج المدرسة والجامعة من الأوشاب والأخلاط. فالمدرسة والجامعة لا يعملان بمعزل عن الحياة العامة، لقد كان طلاب ذلك الزمان السعيد يقرأون أصول العلم في معاهدهم، ثم يقرأون مرة أخرى على صفحات الرسالة والثقافة والمقتطف والهلال. ألم ينشر طه حسين «حديث الأربعاء» منجماً في «البلاغ»؟ ألم ينشر أبو فهر محمود محمد شاكر كتابه العظيم عن المتنبي عدداً خاصاً من «المقتطف»؟

стр. 254

وما يستقيم أن تبني المدرسة والجامعة، وتهدم المقاهي والأتيليهات والمجلات، على ما قال الأول: فكيف بناء خلفه ألف هادم ... وألف وألف ثم ألف وأعظم وأنتم يا أساتذنا الفضلاء - وأنتم من بقية حملة الحجة - ويا زملاءنا من أساتذة الجامعة الأعزاء - وأنتم من بقية جيل الحفظة - لا تتعاملوا مع هذا الذي ينشر ويذاع باسم الشعر، فإنه غريب المنبت مُر المذاق، وليس بأرض قومكم فالفظوه وعافوه، ثم قفوا للأدعياء وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد حفاظاً على تاريخكم واحتراماً للغتكم، وقياماً بحق هذه الأجيال عليكم، أن يردوا الماء الذي وردتم، ويطعموا الطعام الذي طعمتم. ثالثاً: إن هذه الأمة العربية محفوظة، ولن تخلو الأرض من قائم لله بحجة، ولا زال فينا أهل علم وأهل صدق، ولكنهم قلوا عدداً فأفسحوا لهم الطريق، ولا يصدنكم عنهم جهالة أمرهم، فإن النفيس غريب حيثما كان، كما قال أبو الطيب، ومكنوا لهم أن يظهروا بعلمهم، ولا تضيقوا عليهم فتصيبوهم بالإحباط، والإحباط قديم، قال أبو بكر ابن العربي المتوفى سنة (٥٤٣ هـ): «ارتباط آي القرآن بعضها ببعض حتى تكون كالكلمة الواحدة، متسقة المعاني، منتظمة المباني، علم عظيم، لم يتعرض له إلا عالم واحد، عمل فيه سورة البقرة، ثم فتح الله لنا فيه، فلما لم نجد له حملة، ورأينا الخلق بأوصاف البطلة ختمنا عليه، وجعلناه بيننا وبين الله، ورددناه إليه». البرهان في علوم القرآن للزركشي ١/ ٣٦. ووقع مثل هذا لجلال الدين السيوطي (٩١١ هـ) قال: «ولما شرعت في إملاء الحديث سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة، وجددته بعد انقطاعه عشرين سنة، من سنة مات الحافظ أبو الفضل ابن حجر، أردت أن أجدد إملاء اللغة وأحييه بعد دثوره، فأمليت مجلساً واحداً، فلم أجد له حملة ولا من يرغب فيه فتركته». المزهر في علوم اللغة ٢/ ٣١٤.

стр. 255

وتبقى كلمة: لقد قلت إن هذه الأمة العربية محفوظة. واللهم نعم، فإن من آيات ذلك أني أصادف من طلبتي بين الحين والحين نماذج جيدة، تحب العربية وتحرص عليها وتتزود منها، بل إن منهم من يفتح علي أبواباً من الفهم حين يجاذبني الكلام، وأنا أقول لطلبتي دائماً: إنني جئت أتعلم العلم معكم مرة أخرى، فالعلم رحم بين أهله، والشيخ يستفيد من تلميذه، كما يستفيد التلميذ من شيخه، وكذلك أجد من زملائي المعيدين والمدرسين المساعدين مصابيح علم تتلألأ وتتوهج وسط هذا الظلام الموحش، لكن هؤلاء وهؤلاء في حاجة إلى معلم وموقف، لأن الأصل في علومنا الرواية والمشافهة والتوقيف، ونحن في زمن انقطعت دونه الرواية، وانصرف فيه الأشياخ، وترك طالب العلم وحده يضرب في أرض يهماء، لا ماء فيها، ولا علم بها. وأنا أقول لهؤلاء المعيدين دائماً: إنكم في جيلكم أحسن منا في جيلنا؛ لأننا أدركنا الزمن الرخي، وأنتم جئتم في الزمان النكد، فنحن وأنتم كما قال أبو الطيب: أتى الزمان بنوه في شبيبته ... فسرهم وأتيناه على الهرم وربك يفعل ما يشاء. * * *

стр. 256

من إعجاز القرآن في أعجمي القرآن (١) من علوم القرآن التي اعتنى بها الأئمة، وأفردوها بالتصنيف علم «إعجاز القرآن»، وقد بدأ الكلام في هذا العلم: شذرات ونتفاً في كتب التفسير، كشفاً لمواطن الكمال والجلال في كلام ربنا عرَّ وجلّ. وقد دخل المفسرون إلى الإعجاز من طريق تلك الآيات التي أمر بها المولى تباركت أسماؤه رسوله الأمين ﷺ أن يطلب من مشركي قريش الإتيان بمثل ما أُنزل عليه، تدرجاً وتنزلًا، وذلك قوله تعالى: ﴿أم يقولون أفتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات﴾ [هود: ١٣]، وقوله تعالى: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله﴾ [البقرة: ٢٣]، ثم قضى عليهم بالعجز وأيأسهم أن يأتوا بشيء من ذلك، فقال عز من قائل: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا (٨٨)﴾ ﴿الإسراء: ٨٨]. ومعلوم أن مشركي قريش الذين سمعوا كلام الله يتلى على لسان رسوله الأمين كانوا أرباب فصاحة وبيان، وكانوا يعرفون مواقع الكلام وحلاوة البيان، ولذلك أدهشم القرآن حين سمعوه، ودله عقولهم بعظمة بيانه وروعة معانيه، ودقة نظمه واتساقه، وحين لم يجدوا في الطعن إليه سبيلًا لم يسعهم إلا أن يقولوا: إنه شعر، وإنه سحر، وإنه أساطير الأولين اكتتبها محمد ﷺ فهي تملى عليه بكرة وأصيلًا. وهذا كله إقرار بعظمة ما سمعوا، وإذعان لأنه كلام مباين لكلام البشر، لكن ما انغمسوا فيه من العناد والمكابرة صدهم عن الاعتراف بأنه وحي يوحى، نزل به الروح

стр. 257

الأمين على قلب المصطفى المختار ليخرج الناس به من ظلمات الوثنية والشرك إلى نور الإيمان وصفاء التوحيد. ثم كان أن هدى الله بهذا القرآن العظيم أقواماً، فأقبلوا على تلاوته، وتدبر أغراضه ومراميه، وتمثلوا أوامره، وانتهوا عن نواهيه. وكان هو كتابهم الذي يعتصمون به ويلجأون إليه فيما دق وجل من أمورهم. وبقيت طائفة - ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة - لم تهتد ولم تذعن، وظل عداؤها للقرآن قائماً، فأخذت تنقر وتنقب، التماساً للمعابة في هذا الكتاب المحكم، باتباع متشابه، وتحريف كلم عن مواضعه، وتخيل فساد نظم أو لحن أسلوب، أو تناقص معنى، وقد أخذت هذه الطائفة تدب دبيباً في القرنين الأولين، تستخفي بآرائها مرة، وتصحر بها أخرى. لكنها في كلتا حالتيها لم تترك أثراً يذكر، إذ لم تكن لها شوكة، وكانت العقيدة على صفائها، لم تكدرها مقولات المتكلمين، ولا خلافات المتأولين، ثم كان اللسان العربي لا يزال صحيحاً محروساً لم يتداخله الخلل، ولم يتطرق إليه الزلل. لكن الصغير يكبر ويشب، والزرع الضعيف يستحصد ويقوى، وتأتي أيام كالحات، تنجم فيها الفتن بدواع كثيرة: منها اختلاط اللسان العربي بغيره من الألسنة، وانتشار الكتب المترجمة بغثها وسمينها، وتغلغل أهل المذاهب والنحل الأخرى في صلب العقيدة الإسلامية، وإغرائها بالجدل وعلم الكلام، وأصحر أهل العداء القديم بآرائهم، وإذا الذي كان بالأمس همساً ونجوى يصبح اليوم وله دوي وصليل، فأخذت المجالس وحلقات الدرس تموج بتلك الآراء وتضطرب، وإذا بالذي كان مشافهة ومسامرة يسطر ويكتب وتتعاوره الأيدي. ولم يكد المسلمون يدخلون في النصف الثاني من القرن الثالث حتى انكشف كل خبيء وظهر كل مكنون، واستعلن العداء للقرآن وللعربية ملفقاً في ثياب الخلاف الفلسفي والكلامي، ثم ما جر إليه كل ذلك من القول بفتنة خلق القرآن وأشباه لها من الكوائن والطامات.

стр. 258

لكن الله الذي تكفل بحفظ كتابه وفق طائفة من عبادة ذاذةً منافحين، قاموا لهذه المطاعن والشبهات، وألقوا بحججهم وبراهينهم فإذا هي تلقف ما يأفكون. ولعل أول حامل لهذا اللواء هو الإمام الجليل أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، خطيب أهل السنة، المولود سنة ٢١٣، والمتوفى سنة ٢٧٦، فقد انتدب لهذه الشكوك والمطاعن التي تثار حول القرآن، فجمعها ثم سدد إليها سهامه وأعمل فيها معاوله، فاقتلعها من جذورها، وكان مجلى ذلك كتابه العظيم «تأويل مشكل القرآن» إلى ما نثره في كتبه الأخرى، مثل «تأويل مختلف الحديث». ثم ظهرت مسألة «إعجاز القرآن» مبحثاً قائماً بذاته، يقصد إليه قصداً. وكانت تلك المسألة «من أبرز المسائل التي تعاورها العلماء بالبحث أثناء تفسيرهم للقرآن، وردهم على منكري النبوة، وخوضهم في علم الكلام، كعلي بن ربن كاتب المتوكل في كتاب «الدين والدولة»، وكأبي جعفر الطبري في تفسيره «جامع البيان عن وجوه تأويل آي القرآن»، وكأبي الحسن الأشعري في «مقالات الإسلاميين»، وأبي عثمان الجاحظ في كتابه: «الحجة في تثبيت النبوة». وكان علماء الاعتزال أكثر المثيرين للكلام في إعجاز القرآن، فقد ذهب النظام - من بينهم - إلى أن القرآن نفسه غير معجز، وإنما كان إعجازه بالصرفة، وقال: «إن الله ما أنزل القرآن ليكون حجة على النبوة، بل هو كسائر الكتب المنزلة لبيان الأحكام من الحلول والحرام، والعرب إنما لم يعارضوه، لأن الله تعالى صرفهم عن ذلك، وسلب علومهم به». وذهب هشام الفوطي، وعباد بن سليمان إلى أن القرآن لم يجعل علماً للنبي، وهو عرض من الأعراض، الأعراض لا يدل شيء منها على الله ولا على نبوة النبي. وكان ذلك وغيره من أقوال أئمتهما منبعاً غزيراً للقول في إعجاز القرآن. وقد انبرى كثير منهم للرد على من أنكر إعجازه جملة، كأبي الحسين الخياط وأبي علي الجبائي، اللذين نقضا على «ابن الراوندي» كتابه: «الدامع» الذي طعن فيه على نظم القرآن وما يحتويه من المعاني، وقال: إن فيه سفهاً وكذباً. وكذلك رد كثير منهم

стр. 259

على من خالف عن قول جماعتهم، بأن تأليف القرآن ونظمه معجز، وأنه علم لرسول الله ﷺ ، كالجاحظ الذي رد على النظام رأيه في الصرفة في كتاب: «نظم القرآن». ثم أفرد علم «إعجاز القرآن» بالتصنيف، ومن أشهر ما صُنف فيه مما هو مطبوع ومتداول. ١ - النكت في إعجاز القرآن، لأبي الحسن علي بن عيسى الرّماني المتوفى سنة ٣٨٦. ٢ - بيان إعجاز القرآن، لأبي سليمان حمد بن محمد الخطابي البستي المتوفى سنة ٣٨٨. ٣ - إعجاز القرآن، لأبي بكر محمد بن الطيب الباقلاني المتوفى سنة ٤٠٣. ٤ - الرسالة الشافية، للشيخ أبي بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني المتوفى سنة ٤٧١، وهو صاحب «دلائل الإعجاز» و «أسرار البلاغة». ويعد كتاب أبي بكر الباقلاني من أوعب ما أُلف في هذا العلم. قال ابن العربي: «ولم يصنف مثله». «هذا الكتاب»: ويأتي كتابنا هذه في «علم إعجاز القرآن» نمطاً وحده، فقد أداره مؤلفه - محمود رؤوف أبو سعدة - على وجه من إعجاز القرآن جديد، لم يسبقه إليه سابق، ولم يفطن إليه باحث، وكأن كعب بن زهير، ﵁، لم يكن مصيباً حين قال: ما أرانا نقول إلا معاراً ... أو معاداً من قولنا مكروراً إلا أن يكون أراد الشعر وحده! فقد يفتح الله على الأواخر بما لم يفتح به على الأوائل، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وهذا أيضاً وجه من وجوه إعجاز القرآن، وأنت ترى هذا من نفسك، فقد

стр. 260

تتلوا الآية أو السورة في صلاتك، أو في مغداك ومراحك، وعند أخذ مضجعك، وتمر عليها مراً، ثم تتلوها نفسها في ساعة أخرى من ساعاتك، وفي حالة مباينة من حالاتك، أو تسمعها من قارئ غيرك، فإذا هي تهزك هزاً، وإذا هي تملأ كل ما حولك بهجة وضياء، ثم تفجر أمامك ينابيع من الحكمة والهدى لم يكن لك بهما عهد، وتعجب، كيف غيب عنك كل هذا الخير فيما سلف لك من أيام! وكل الكلام يمل إلا كلام ربنا ، وصدق رسول الله ﷺ في وصفه - وهو المنزل عليه: «ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه». وهذا الوجه من الإعجاز القرآني الذي قام له المؤلف ونهض به، وجه قاطع بات، لا تصح فيه لجاجة، ولا تسوغ معه مخالفة، لأنه قائم على قواعد اللغة، ومستند إلى أحكام التاريخ، وليس للهوى فيه حظ أو نصيب. وعنوان الكتاب كما ترى (من إعجاز القرآن في أعجمي القرآن) - العلم الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن - وهو عنوان دال على موضوعه صراحة، متجه إليه مباشرة، ومنهج الوضوح دائر في هذا الكتاب كله، فالمؤلف يمضي إلى قضاياه ويعالجها دون ثرثرة أو تلكؤ أو فضول. يقرر المؤلف أن القرآن يفسر في ثنايا الآيات المعنى الدقيق لكل اسم أعجمي علم ورد في القرآن، أياً كانت اللغة المشتق منها هذا الاسم الأعجمي العلم، وإن كانت لغة منقرضة يجهلها الخلق أجمعون عصر نزوله. وأسلوب القرآن في ذلك - كما يقول المؤلف - «المجانسة على الاسم العلم بما يفسر معناه أبين تفسير»، ومثال ذلك ما ذكره في تفسير اسم «زكريا» ﵇: يقول ربنا : ﴿ذكر رحمت ربك عبده زكريا (٢)﴾ [مريم: ٢]، وقول المؤلف: زكريا في اللسان العبراني معناه حرفياً «ذاكر الله»، ثم يدعوك المؤلف إلى أن تتأمل المجانسة بين قوله تعالى: ﴿ذكر رحمت ربك عبده زكريا (٢)﴾ وبين «ذاكر الله»، كأنه يقول - وهو أعلم بما يريد - ذكر الله ذاكر الله، أو: ذكر الله فذكره الله، أو: ذكر الله فذكرته رحمة الله.

стр. 261

وقد يأتي تفسير العلم العجمي في القرآن بذكر المرادف العربي لمعناه بغير العربي: ومن ذلك أن معنى «جبريل» في العبرية: الشديد القوي، وجاء التعبير عنه في القرآن بذلك، قال تعالى: ﴿علمه شديد القوى (٥) ذو مرةٍ فاستوى (٦)﴾ [النجم: ٥، ٦]. والمرة بكسر الميم وتشديد الراء: بمعنى القوة أيضاً. وكذلك قوله تعالى عن جبريل ﵇: ﴿إنه لقول رسول كريم (١٩) ذي قوة عند ذي العرش مكين (٢٠)﴾ [التكوير: ١٩، ٢٠]. ومثل ذلك ما انتهى إليه المؤلف في أمر «نوح» ﵇، فقد رده بعض مفسري القرآن إلى «النواح» فقالوا: هو من ناح ينوح، وجاء المؤلف فطبق عليه منهجه فرده - اعتماداً على قواعد اللغة العبرية - إلى معنى التلبث والإقامة، ثم فسره بالسياق القرآني الكاشف، في قوله تعالى: ﴿ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فلبث فيهم ألف سنةٍ إلا خمسين عاماً﴾ [العنكبوت: ١٤]، وقوله : ﴿واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامى وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت﴾ [يونس: ٧١]، وقوله تباركت أسماؤه: ﴿وجعلنا ذريته هم الباقين (٧٧)﴾ [الصافات: ٧٧]. وثالثة: يذكر المؤلف أن «إسماعيل» ينطق في العبرية «يشمعيل» ومعناه: سمع الله، أو سميع الله، ثم التمس هذا المعنى في سياق القرآن الكريم، فوجده في قوله على لسان إبراهيم ﵇: ﴿الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء (٣٩)﴾ [إبراهيم: ٣٩]، وفي قوله على لسان الخليل أيضاً وابنه إسماعيل ﵉: ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم (١٢٧)﴾ [البقرة: ١٢٧]. وهكذا يمضي المؤلف بهذا المنهج في تفسير أسماء الأعلام الأعجمية وما يشبهها من أسماء الأجناس والمواضع، وقد أحصى في ذلك واحداً وستين علماً أعجمياً أو مختلفاً في عجمته في القرآن، فسرها من القرآن نفسه، تعالى منزله. ثم ذكر أن القرآن لا يفعل هذا فقط، ولكنه يصحح أيضاً لعلماء العبرية وعلماء التوراة، وقت نزوله وإلى يوم الناس هذا، تفسيراتهم اللغوية لمعنى هذا العلم العبراني

стр. 262

أو ذاك، من مثل أسماء بني إسرائيل الواردة في القرآن وغيرها من أسماء المواقع، مثل «مدين» فيخطئ أصحاب اللغة ويصيب القرآن. فهذا هو عمود صورة الكتاب، كما أقامه مؤلفه، وكما أراد له أن يكون، ولكنه من وراء ذلك ومن قدامه قد استطرد إلى قضايا كثيرة، عقيدية ولغوية وتاريخية. ومن أنفس ما في هذا الكتاب - وكله نفيس إن شاء الله - ما ذكره المؤلف حول تاريخ كتابة التوراة والإنجيل، وأن نص التوراة مستنسخ من الذاكرة بعد نحو ثمانية قرون من وفاة موسى ﵇، وكذلك الأناجيل الأربعة المتداولة لم يخطها عيسى ﵇ بيده، ولم يملها على حوارييه، وبهذا تكون سلسلة السند في التوراة والإنجيل منقطعة، وليس كذلك القرآن. ومما يتصل بالتوراة: ما سجله المؤلف من قصورها وتقصيرها في ذكر الأنبياء الذين هم من قبل إبراهيم ﵇، فتكون بذلك «توراة بني إسرائيل» ليس غير. وقد أفضى ذلك بالمؤلف إلى أن طعن كثيراً في «سفر التكوين» الذي بين أيدينا الآن، وكذلك شنع على كاتب التوراة وكشف تدليسه وكذبه في أكثر من موضع، بل إنه نبه على تناقضه مع نحو اللغة العبرية ومعجمها. أما بنوة عيسى لآدم ﵉، وعبوديته لله فقد عالجها المؤلف في غير مكان من الكتاب. والكتاب في تسعة فصول، خصص المؤلف الفصول الثلاثة الأولى منها لما يمكن أن نسميه تسمية علماء القراءات: الأصول، والفصول الستة الباقية جعلها لما يسمى عندهم الفرش، وهو تنزيل الكلام على أسماء الأعلام: علما علماً، كما ينزل الكلام في اختلاف القراء على سور القرآن: سورة سورة. أما الأصول، فقد أدار المؤلف عليها كلاماً عالياً شريفاً، حول أصناف الملاحدة ومناقشتهم، ثم تكلم عن خصائص اللسان العربي وعبقرية العربية وقدمها، وأجه التقابل والتغاير بينها وبين العبرية، ليجيب بعد ذلك: لماذا كانت العربية هي أم الساميات جميعاً؟

стр. 263

وأشار إلى لغات العالم المعروفة وقت نزول القرآن، ثم أورد كلاماً عزيزاً عن القرآن، وأورد اجتهادات في لغة آدم ﵇، التي تكلم بها على الأرض مهبطه من الجنة. وتحدث عن استعارة معاني الأفعال، وحدود الأخذ والاستعارة من اللغات الأخرى. ولهذا المؤلف اجتهادات جيدة في الاشتقاق، وتأصيل عربية بعض ما يظنه الناس أعجمياً، مثل «جهنم» وتخطئة بعض اللغويين العرب في أصل «إبليس» واشتقاقه. وهناك أمر لا يزال المؤلف يعتاده ويلم به كثيراً، وهو الرد على المستشرقين ومن إليهم من متحذلقة الأساتيذ في هذا القرن، الذين أدركتهم عجمة العلم واللسان ... أو كما قال. وقد رد على المستشرقين في طعنهم على القرآن، وأنه وحي من الله يوحى على خاتم الأنبياء ﷺ . ولعل أغنى بحث فيما وقع لي من أصول هذا الكتاب: هو الكلام على اسم أبي إبراهيم ﵇، وهو «آزر» في القرآن، و «تارح» في التوراة، وقد تختلف مع المؤلف في بعض ما انتهى إليه من الربط بين «آزر» و «تارح» ولكنك تكبر فيه صدق الجهد وقوة الحجة. وهكذا تتوالى القضايا في هذا الكتاب النفيس. على أني أحب أن أسجل ها هنا أن كلام هذا الكاتب - وأنا لا أعرفه - لا تستطيع أن تفرق فيه بين أصل وحاشية، بل إن كثيراً من حواشيه ينبغي أن تنقل إلى صلب الكتاب أو متنه، وتأمل مثلًا حاشيته في الفصل الأول عند حديثه عن صور المغايرة بين العربية والعبرية، في توجيهه لتسميته ﷺ «محمداً» ومظهر الحمد فيه، وما تلا ذلك من حديثه عن «الموابية» والمقارنة أو الموازنة بين «ساذج» و «سادة»، و «كيسر» المعرب إلى «قيصر»، والاسم الإسباني «رذريجو» المعرب إلى «لذريق» ... وغير ذلك من العلم المنثور في حواشي الكتاب.

стр. 264

ومع غزارة هذه المعارف التي يقدمها لنا الكاتب، ونفاستها، فهو لا يدل بها على قارئه، ولا يسوقها في موكب تتقدمه الخيالة، ويحف به راكبو الدراجات، وتكتنفه دقات الطبول، كما يفعل كثير من الكتاب الآن، وإنما يأتيك كلامه سهلاً رهواً، يتهادى في إهاب الكرامة والتواضع والإسماح، وعليه من العلم بهاؤه، ومن الجد أماراته، بأسلوب عذب مصفى، أسلوب كاتب يحترم عقل قارئه، ويريد إمتاعه لا التعالي عليه. يقول في الفصل الثاني - الأعجمي المعنوي والأعجمي العلم - في مناقشة المفسرين الذين اعتمدوا في تفسير أسماء أنبياء بني إسرائيل على المعجم العربي وحده، يقول: «وأنا أيها القارئ العزيز - إن كنت لا تعرف عبرية التوراة أو يونانية الأناجيل -، بما في هذه وتلك من أعلام آرامية بل ومصرية أحياناً - لا أريد أن يفوتك شيء من حلاوة بحث أريد أن أحبره لك تحبيراً: أريد منك أن تشترط علي توثيق ما أحدثك به، فلا أكيل لك القول جزافاً آمناً ألا تكشف زيفي، لأنك لا تعلم شيئاً من أمر تلك اللغات التي ذكرت لك، ليس هذا من العلم في شيء، وإنما هو من التدليس». إن في هذا الكتاب علماً كثيراً، وإن فيه خيراً كثيراً، وإن عليه نوراً كثيراً، وما أظن ذلك كله قد كان إلا لأن مؤلف قد تغيا به غايات نبيلة: هي خدمة كتاب الله، بالكشف عن نواحي إعجاز جديدة فيه، والأمور بمقاصدها، يقول تاج الدين السبكي: «ولقد حصل أبو زرعة على أمر عظيم ببركة حفظه للحديث، وهكذا رأينا من لزم باباً من الخير فتح عليه غالباً منه». ويقول عبد اللطيف البغدادي: «اعلم أن للدين عبقة وعرفاً ينادي على صاحبه، ونوراً وضيئاً يشرف عليه ويدل عليه». ويقول أبو الحسن العامري: «إن الدين كريم الصحبة، يعز من لجأ إليه، ويستر عيوب من اتصل به، مع ما يُذخر له في عاقبته من الغبطة الأبدية».

стр. 265

قلت: وقد رأينا كثيراً ممن تطاولوا على الدين وهزأوا به وسخروا منه في مجالسهم، أو في أعمالهم الأدبية - شعراً أو نثراً - قد انتهى أمرهم إلى خسار وبوار، بل إن منهم من رأى فقره بين عينينه، ورأى عافيته تتفلت من بين يديه، مع ما تراه من ظلام في وجوههم ... ﴿ومن يهن الله فما له من مكرم﴾ [الحج: ١٨]. وتبقى بعد ذلك كلمة: - لقد قلت من قبل إن أسلوب هذا الكاتب عذب مصطفى، واللهم نعم! لكن شاب هذا الصفاء، وعكر هذه العذوبة بعض أوشاب مما يخالط الأساليب الشريفة، تتسلل إليها لواذاً، وكأنها العدوى المهلكة، تتخلل ذرات الهواء، لا تحس بها إلا وقد داهمتك في خلايا بدنك - عافاك الله - فلا تستطيع لها دفعاً ولا مرداً. ومن ذلك ما جاء في كلام المؤلف الفاضل من هذا التركيب «موسيقى القرآن» وهو تركيب رخو لين، لا يليق بجلال القرآن وبهائه، ولا تقل: لا بأس علينا من تقارض مصطلحات العلوم، لأن فيه إثراء للغة، لا تقل هذا ولا تغتر به، لأنه مدخل لبلاء عظيم، ولو فتحنا هذا الباب لفسد علينا كل شيء، فإن للكلام حدوداً ومعالم ينتهي إليها، أنسيت أن منا من قال: إن القرآن رسم لوحة صفتها كيت وكيت؟ فجعل المولى فناناً تشكيلياً يحمل فرشاة يغمسها في ألوان، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً. لقد غيروا «النظم القرآني واتساقه» فجعلوه «موسيقى القرآن»، ثم غيروا «العروض» فجعلوه «موسيقى الشعر»، ثم غيروا «علم الصرف» فسموه «علم الصوتيات»، وثم وثم وثم، وبالله نستدفع البلايا! . * * *

стр. 266

الشيخ الشعراوي .. واللغة (١) الشيخ محمد متولي الشعراوي ظاهرة غريبة عجيبة في زماننا ، وإن كان له أشباه ونظائر فيما سلف لنا من أيام، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. وقد عرف جمهور الناس هذا الشيخ الجليل في أوائل السبعينات الميلادية، وكان صاحب الفضل في التعريف به وتقديمه للناس الأستاذ الفاضل النابه: أحمد فراج، وذلك من خلال برنامجه التلفزيوني المعروف يومئذ: «نور على نور»، وللتاريخ نقول: إن الذي قدم الشيخ الشعراوي للأستاذ أحمد فراج هم طائفة من أدباء السعودية ووجهائها ، عرفوا للشيخ قدره وأنزلوه منزلًا كريماً أيام تدريسه بكلية الشريعة بمكة المكرمة، وللشيخ هناك أصداء عالية الرنين. وقد بهر الشيخ الشعراوي آنذاك أسماع الناس وأبصارهم بثلاث حلقات تلفزيونية حول: الإسراء والمعراج، والقضاء والقدر، وحديث هند بن أبي هالة في صفة خلق رسول الله ﷺ . ويومها أدرك الناس - كل الناس - أنهم أمام صوت جديد يدعو إلى الله على بصيرة، بأسلوب مباين لكل ما ألفه الناس من أساليب الدعوة والتوجيه، وأنماط الوعظ والإرشاد، وإنما كان ذلك لأن الشيخ سلك في وعظه درباً غير مطروق، وورد ماء مهجوراً، وانتجع كلأ غير مرعي. تكررت لقاءات الشيخ بالناس في البرنامج التلفزيوني المذكور، على فترات

стр. 267

متباعدة حول بعض القضايا التي يسأل عنها الشيخ فيجيب، إلى أن استقر أمره على هذا اللقاء الأسبوعي: تفسير القرآن العظيم. وفي هذا اللقاء، ويوماً إثر يوم اتضح منهج الشيخ، وتحددت ملامحه. ويهمني في هذا المقام الكشف عن هذا المنهج، وإقامة حدوده ومعالمه، وتلمس أسبابه وبواعثه؛ فإن الشيخ يمثل عندي أنموذجاً ينبغي أن نجلوه للناس، بعد أن ندل على جذوره وأصوله، وإن في ذلك كله بعثاً لتاريخ عزيز غاب عنا، أو أريد له أن يغيب. وإذا كان لكل عالم أو مفكر مفتاح، فإن مفتاح شخصية هذا الشيخ هو «اللغة»، واللغة هي الباب الأول في ثقافات الأمم، وإهمالها أو التفريط فيها، أو السخرية منها هدم لتاريخ الأمم، ومحو لها من الوجود. العناية باللغة: وعناية الشيخ باللغة تتجلى في مستوياتها الأربعة: أصواتاً وصرفاً ونحواً ودلالة. وفي طريق هذه المستويات الأربعة صال الشيخ وجال، ومما يحسب في موازينه، ويسجل له: هذه الجسارة والجرأة في معالجة تلك القضايا وجمهوره الأعظم من عامة الناس، ولكن الشيخ يرى أن هذا ضروري لتفسير كلام الله والكشف عن مراده. وقد استطاع الشيخ على هذا المدى الطويل أن يأخذ العامة وأوساط الناس إلى قضايا التذوق والبلاغة واللغة والأدب، وخاض بهم لجج هذه العلوم، واستكثر من شواهد الشعر والأمثال وكلام الفصحاء، وأحب أن أسجل ها هنا أن عوام الناس يستجيبون لذلك ويستمتعون به، وإن كانوا لا يستطيعون التعبير عنه، فيجب أن نحسن الظن بهم، فإن لبعضهم ذوقاً قد يجفو عنه بعض الخاصة، ومن غريب ما كنت ألاحظ في أحيائنا الشعبية أن خطيب الجمعة كان إذا اندفع في الكلام الخفيف العامي على المنبر ضاق به الناس وخرجوا ساخطين يقولون: «إيه الهيافه دي؟ يا عم سيبك منه دا بيتكلم زينا»!

стр. 268

إن الشيخ الشعراوي قد نجح فيما عجز عنه غيره، فإننا على كثرة ما كتبنا عن الإعجاز القرآني وعبقرية اللغة العربية لم نستطع أن ننزل بهذه القضايا إلى عامة الناس، وظلت هذه القضايا دائرة بيننا، يدخل اللاحق على السابق، وكأننا نحدث بعضنا بعضاً. وبدءة ذي بدء، فإن الشيخ يصرح بضرورة استقبال القرآن بملكة اللغة، ليخرج المستشرقين وأمثالهم، من أعاجم العرب الذين كتبوا في الدراسات القرآنية وهم بمعزل عن فقه اللغة، ثم يقول: إن هؤلاء أخذوا اللغة صناعة، ولم يأخذوها ملكة. وما من آية من كلام ربنا يعرض لها الشيخ بتفسير وبيان إلا وأفاض في قضايا اللغة، بادئاً بتأصيل الكلمة صرفاً واشتقاقاً، على المنهج الذي أصله ابن فارس في «مقاييس اللغة»، وابن جني في «الخصائص» بالقدر الذي تطيقه العامة وتدركه الخاصة، وقد نجح في ذلك نجاحاً ظاهراً. على سبيل المثال فحين عرض لتفسير قول الله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ [الإسراء: ٦٣]، ذكر أن القفو اتباع شيء لشيء، وقال: إن من ذلك «القفا» هذا المعروف، لأنه يقفو الوجه، أي يتبعه، وقافية البيت في الشعر؛ لأنها تقفو سائر الكلام أي تتبعه. ويقف الشيخ كثيراً عند معاني الحروف وأثرها في الدلالة، ووضع بعضها مكان بعض، كقوله تعالى: ﴿أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة﴾ [التوبة: ٣٨]، فإن معنى «من» ها هنا معنى «بدل»، وقوله تعالى: ﴿بأن ربك أوحى لها (٥)﴾ [الزلزلة: ٥]، فتعدى الفعل هنا باللام، مع أنه جاء معدى بإلى في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وأوحى ربك إلى النحل﴾ [النحل: ٦٨]، وقوله: ﴿وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه﴾ [القصص: ٧]، وقوله تعالى: ﴿وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم﴾ [الرعد: ٦]، ولم يقل «مع ظلمهم». و «علم معاني الحروف» علم ضخم من علوم اللغة، والمؤلفات فيه كثيرة، والعناية به واجبة، والشيخ دائم الحديث فيه. وللشيخ احتفال زائد بالفروق اللغوية، في الأبنية: كعالم وعليم، وشاكر وشكور، وهو الفرق بين اسم الفاعل، وأمثلة المبالغة المأخوذة منه، وكعدل وعادل

стр. 269

وهدي وهادٍ، وهو الفرق بين الوصف بالمصدر والوصف باسم الفاعل. ثم الفروق فيما يبدو مترادفاً من اللغة، كالفرق بين الشك والريب، والحزن والبث، والرجاء والتمني، والحسد والغبطة، وهو باب معروف من أبواب اللغة، وممن ألف فيه أبو هلال العسكري. ويفرق الشيخ كذلك في جموع التكسير بين العباد والعبيد. وإذا كنت لا أستطيع أن ألم ها هنا بكل ما قيدته من قضايا اللغة التي يعنى بها الشيخ ويدير الكلام حولها، فإني لا أستطيع أن أغفل جانباً مهماً جداً من جوانب اللغة، يتعهده الشيخ دائماً ويحرص عليه، وهو «غريب اللغة»، وهو مصطلح يراد به الكلمات الغامضة القليلة الاستهلاك في كلام الناس، وتأتي غالباً في الكلام العالي الفصيح. وليست الغرابة في اللغة كالغرابة في البلاغة، لأن هذه يراد بها الكلام الحوشي المستكره، أصواتاً ودلالة. أما الغرابة في اللغة فتقال في مقابل الوضوح، وشاهد هذا ما ذكره الخليل بن أحمد في مقدمة كتابه العين، قال: «بدأنا في مؤلفنا هذا بالعين، وهو أقصى الحروف، ونضم إليه ما بعده حتى نستوعب كلام العرب الواضح والغريب» كتاب العين ١/ ٦٠ (طبعة العراق). وقد دارت على هذا العلم مؤلفات كثيرة، وبخاصة: ما يسمى غريب القرآن وغريب الحديث. وهذا العلم - علم الغريب - مما أهمله الناس في زماننا هذا إهمالاً يوشك أن يكون تاماً، فقد هجره الناس هجراً طويلاً، بل إن بعضهم إذا صادف شيئاً منه في نص قديم، غيره إلى مرادف له مما يسهل على الناس، كالذي رأيت يوماً عند أحدهم من تغيير «وكان عمر بن الخطاب رجلاً طوالًا» بضم الطاء، أي بالغ الطول، غيره إلى: «رجلًا طويلًا جداً». وأشد من هذا أن بعضهم أنكر استعمال كلمة «لغوب» لعدم جريانها على ألسنة الناس هذه الأيام، مع مجيئها في القرآن العزيز! قال تعالى: ﴿وما مسنا من لغوب (٣٨)﴾ [ق: ٣٨]. وهكذا ينكر كثير من الكتاب الآن ألفاظاً وتراكيب كثيرة ضاربة في الفصاحة

стр. 270

بعروقها. ولست تجد هذه الألفاظ والتراكيب في النصوص الأدبية فقط، من شعر ونثر، بل إنك واجدها في علم الأنساب والتاريخ والجغرافيا، وكتب الفلك والطب والفلاحة والزراعة، وسائر ما كتب الأوائل. وينادي بعضهم الآن بهجر هذه اللغة القديمة وتبني لغة واقعية كالتي تقرأ في الصحافة ووسائل الإعلام، حتى لا يشعر التلميذ بفجوة بين الذي يقرأه في النصوص القديمة، وبين ما يسمعه في واقع الحياة من تلك اللغة التي تلبي احتياجاته. وحجة هؤلاء أن لكل عصر لغته وأعرافه، وهي حجة داحضة [تنبيه: حجة داحضة هذه من التعبيرات القرآنية، فلا بأس علي في استعمالها إن شاء الله]، ومردود عليها من أكثر من وجه. لكني أسأل: إذا نحن ربينا أبناءنا على هذا المنهج المقترح، وسلخ التلميذ من عمره ما سلخ في المراحل: الابتدائية والإعدادية والثانوية، ثم دخل كلية جامعية تعنى باللغة والأدب، مثل دار العلوم أو الآداب، فماذا هو صانع مع مناهج هذه الكليات، التي تدور حول قضايا اللغة قديماً وحديثاً؟ نعم ماذا يصنع ذلك التلميذ مع مناهج هذه الكليات، وقد دخلها مفرغاً خالي الوفاض؟ إلا إذا غيرنا مناهج اللغة أيضاً في هذه الكليات حتى نضيق الثغرة بين اللغة العربية كما تقدمها النصوص وبين اللغة العربية في واقع الحياة - كما جاء في أخبار الأدب - العدد التاسع ١٢ سبتمبر ١٩٩٣ م ص ٢٦. إن اللغة جانباً تاريخياً يجب الحرص عليه ومعرفته، ثم إن اللغة ممتدة مع أصحابها لا تموت ولا تفنى، وليست اللغة للتفاهم وقضاء المصالح فقط، وإلا لكان القدر اللازم لنا منها محدوداً جداً، ولكان الذي يعرف خمسمائة كلمة إنجليزية تلبي احتياجاته في متاجر لندن وشوارعها عالماً باللغة الإنجليزية. ولقد كان غريب اللغة الذي هو الفصيح الرفيع مألوفاً للناس إلى عهد قريب، في خطبة الجمعة، وفي الكتاب المدرسي والكتاب الجامعي، ثم على ألسنة المحاضرين وأقلام الكاتبين، ثم هجره الناس هجراً غير جميل، ثم جاء الشيخ

стр. 271

الشعراوي فردنا إليه رداً جميلاً، وكان أول عهد الناس معه حين عرض لحديث هند بن أبي هالة في وصف خلق رسول الله ﷺ . وفي هذا الحديث غريب كثير كشفه الشيخ غاية الكشف، وأبان عنه غاية الإبانة. وبعض ما يعرفه الشيخ من غريب الكلام مما يدق ويغمض على كثير من الناس، بل إن بعض المثقفين يصحفه لخفاء معناه عنده: سمعت الشيخ ذات يوم في حلقة من حلقات يوم الجمعة ينشد قول الشاعر الأموي عروة بن أذينة: لقد علمت وما الإشراف من خلقي ... أن الذي هو رزقي سوف يأتيني أسعى له فيعنيني تطلبه ... ولو قعدت أتاني لا يعنيني هكذا أنشد الشيخ «وما الإشراف» بالشين المعجمة، وهو صواب إنشاده، ومعناه: إني لا أستشرف ولا أتطلع إلى ما فاتني من أمور الدنيا ومكاسبها ولا تتبعها نفسي. وبعضهم لا يعرف هذا المعنى الغريب فينشده: «وما الإسراف» بالسين المهملة مصحفاً ومزالًا عن جهته، وكأن الذي زين له ذلك وجود الكلمة في سياق الرزق. وقد امتدت عناية الشيخ أيضاً إلى النحو، وهو علم التراكيب، وشأنه خطير، يقول أبو العباس ثلعب: «لا يصح الشعر ولا الغريب إلا بالنحو، النحو ميزان هذا كله»، والشيخ لا يكاد يخلي حلقة من حلقاته من شيء من دقائق هذا العلم الجليل. ففي قوله تعالى: ﴿وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا﴾ [التوبة: ٤٠]، حيث جاءت «كلمة» الأولى بالنصب، و «كلمة» الثانية بالرفع، يقول: لماذا لم تعطف الثانية على الأولى فتكون منصوبة مثلها؟ ثم يجيب: لأن كلمة الله أصلًا عالية ثبوتاً ولزوماً، فهي لا تجعل. وهكذا يربط الشيخ بين الإعراب والمعنى في هذه الآية الكريمة، وفي غيرها من الآيات. ومن وراء اللغة وقضاياها يتقدم الشيخ إلى الناس بثقافة العالم الأزهري المتمكن من علوم العربية كلها، لأن العربية عند أهل العلم كتاب واحد، فيلم الشيخ

стр. 272

كثيرًا بقضايا البلاغة من معان وبيان وبديع، فحين فسر قوله تعالى: ﴿ومكروا ومكر الله﴾ [آل عمران: ٥٤]، ذكر أن هذا من باب المشاكلة. واستشهد بقوله : ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ [الشورى: ٤٠]، ويقول أبي الرقعمق: قالوا اقترح شيئاً نجد لك طبخه ... قلت اطبخوا لي جبة وقميصاً ومن جرأة الشيخ، بل قل: إنه من وفائه لعلومنا وتاريخنا، وأيضاً من بره بالعامة والارتقاء بأذواقهم وتوسيع مداركهم: ذكره لبعض مصطلحات العلوم الدقيقة، كأصول الدين أو علم الكلام، كالفرق بين صفات الذات وصفات الأفعال، وصفات الربوبية وصفات الألوهية، وكأصول الفقه، من مثل قولهم: لمح الأصل - لا يعتد بالعارض - دلالة الاقتضاء واللزوم ... وهكذا كان حال علمائنا وواعظينا في كل الأزمان، كانوا يرون أن للعامة حقاً ونصيباً مفروضاً في هذه المعارف، إن لم يكن من طريق العلم والإحاطة، فمن باب الأنس بها والارتياح إليها. وتذكر كتب التراجم والرجال أن حلقات الدرس والإملاء كانت تجمع أشتاتاً من الناس، من العلماء وممن دونهم، بل إن الآباء كانوا يحضرون أطفالهم مجالس الإملاء ويثبتون أسماءهم في طبقات السماع، بل كانت حلقات الدرس بالجامع الأزهر إلى عهد ليس ببعيد تجمع عوام الناس يجلسون إلى كبار العلماء، كتفاً إلى كتف مع طلبة العلم من أهل الاختصاص. الشيخ وعلوم القرآن: علوم القرآن: مصطلح يراد به الأبحاث المتعلقة بالكتاب العزيز، من حيث معرفة أسباب النزول، وعلم القراءات والرسم، والمكي والمدني، والناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، والغريب والإعراب إلى غير ذلك. وهذه القضايا مبثوثة في كتب التفسير، على منازلها ومناسبتها في سور القرآن الكريم، لكن العلماء أفردوها بتآليف خاصة، من أشهرها البرهان في علوم القرآن اللزركشي، والإتقان في علوم القرآن للسيوطي. ويطوف الشيخ كثيرًا بهذه العلوم.

стр. 273

أما أبرز علوم من علوم القرآن يقف عنده الشيخ ويطيل الوقوف، ولا يزال يعتاده يوماً بعد يوم فهو «علم الأشباه والنظائر» أو «علم الوجوه والنظائر»، وهو علم يتناول دوران الكلمة أو التركيب في القرآن على أوجه مختلفة، من حيث اختلاف المعنى الدلالي للكلمة، أو اختلاف التركيب بالتقديم والتأخير. وقد أفرد هذا العلم بالتأليف كثير من العلماء، منهم مقاتل بن سليمان، والدامغاني، وابن الجوزي، ومن أمثلته ما يذكره الشيخ حول قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم﴾ [الأنعام: ١٥١]، وقوله: ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم﴾ [الإسراء: ٣١]، وقوله تعالى: ﴿وما أهل به لغير الله﴾ [البقرة: ١٧٣]، وقوله: ﴿وما أهل لغير الله به﴾ [المائدة: ٣]. ومن القضايا القرآنية التي يحتشد لها الشيخ احتشاداً: قضية دفع التعارض والتناقض بين آي الذكر الحكيم، كقوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، مع قوله: ﴿ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم﴾ [النحل: ٢٥]، وكقوله تعالى: ﴿ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك﴾ [النساء: ٧٩]، بإزاء قوله: ﴿قل كل من عند الله﴾ [النساء: ٧٨]. أما أسرار النظم القرآني، وإيثار أسلوب على أسلوب، فهو مما يفيض فيه الشيخ كثيراً، وهو يرجع فيه إلى محصول وافر ومحفوظ واسع من ثقافته الأزهرية الغنية، لا إلى ما يقوله بعض مستمعي الشيخ ومريديه من أنه يلهم به إلهاماً، ويحدث به تحديثاً، وكأنه غير مسبوق أو مشارك، ونحن لا ننكر أن الله يفتح على بعض عباده فتحاً، فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، لكننا نقرر أن كثيراً مما يذكره الشيخ معروف ومذكور ومسطور في الكتب، وفضل الشيخ أنه يذكره إذ نسيه الناس، ويرعاه إذ أهمله الناس، فهو يحيي ما درس، وينفخ فيما خمد. ولعل القارئ الكريم يسمح لي بالتذكير بصورة مما سبق به علماؤنا مما يذكره الشيخ، وذلك ما ذكره الإمام محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي

стр. 274

المتوفى سنة ٦٦٠ هـ - وهو صاحب مختار الصحاح - قال في كتابه أنموذج جليل في بيان أسئلة وأجوبة من غرائب آي التنزيل، في تجيه الآية ٣٢ من سورة الإسراء: «فإن قيل: كيف قال تعالى: ﴿ولا تقربوا الزنى﴾ [الإسراء: ٣٢]، ولم يقل: ولا تزنوا؟ قلنا: لو قال: ولا تزنوا، كما نهياً عن الزنا لا عن مقدماته، كاللمس والمعانقة والقبلة ونحو ذلك، ولما قال: ﴿ولا تقربوا﴾ كان نهياً عنه وعن مقدماته؛ لأن فعل المقدمات قربان للزنا». الشيخ وإنشاد الشعر: الشيخ الشعراوي شاعر طويل النفس، شجي النغم، وإن كان هو لا يذكر هذا، لكن زملاءه وعارفيه يذكرونه، ويروون أنه أنشد قصيدة طويلة أمام الدكتور طه حسين ﵀ يوم أن قدم إلى جدة في الخمسينات الميلادية في اجتماع الإدارة الثقافية بجامعة الدول العربية، ويذكرون أن الدكتور طه حسين طرب كثيراً لهذه القصيدة. والشيخ - كما هو معروف - متخرج في كلية اللغة العربية من كليات الأزهر الشريف، وكانت مناهج الدراسة فيها في ذلك الزمان مما يغذي الملكات وينمي المواهب، مع تلك الصفوة من العلماء المدرسين المشايخ إبراهيم حمروش ومحمد علي النجار ومحمد الطنطاوي ومن إليهم. والشعر يخف على لسان الشاعر اللغوي فيحفظه ويرويه. ومحفوظ الشيخ من الشعر عال وغزير جداً، ويأتي في مقدمة محفوظة: ذلك الشعر المعروف بشعر الشواهد، كشواهد اللغة والنحو والبلاغة والعروض، وشعر الشواهد هذا ينثال على لسان الشيخ انثيالًا، فما ذكر معنى لغوياً، أو توجيهاً نحوياً، أو تفسيراً بلاغياً إلا واستشهد له بالبيت والبيتين. وإلى جانب شعر الشواهد هذه يتدفق الشيخ بعيون الشعر العربي من كل العصور، من الجاهلي إلى أحمد شوقي ومحمد إقبال، وله بشعر شوقي عناية خاصة، وكأنه يستظهره استظهاراً، ولا يقف إنشاد الشيخ عند الشعراء المكثرين

стр. 275

المشاهير فقط، بل يشمل أيضاً الشعراء المقلين المغمورين، وقد سبق استشهاده بشعر عروة بن أذينة، أما ذلك الشعر الذي يعرف بشعر المذاكرة والمجالسة، وهو ما يتمثل به في المواقف وأحوال الناس وتقلبات الزمان، فعند الشيخ منه الكثير من مختلف العصور، وأذكر أن الشيخ في بعض دروسه ولقاءاته وقف عند ما يلقاه الناس من العداوات وبغي بعضهم على بعض، وعلى عادة الشيخ في استخراج الحسن من السيئ، واستنباط الخير من الشر، قال: إن عداوة الناس قد تأتي بالخير ... واندفع في كلام طويل، وهنا قفز إلى ذهني بيتان في صميم ذلك الكلام لأبي حيان النحوي، وإذا بالشيخ ينشدهما، وذلك قول أبي حيان: عداتي لهم فضل علي ومنة ... فلا أذهب الرحمن عني الأعاديا هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها ... وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا فقلت: سبحان الله! أي قراءة قرأ هذا الشيخ؟ وحفظ الشعر واستدعاؤه ضروري في تفسير كلام الله . يقول الإمام مجد الدين ابن أبي الفرج الروذراوري المتوفى سنة ٦٦٧ هـ: «ومن ظن أن القرآن يفهم كما ينبغي من غير تحقيق كلام العرب وتتبع أشعارهم وتدبرها كما يجب فهو مخطئ. كان ابن عباس ﵁ حبر هذه الأمة ومفتيها ومفسر القرآن، وقد قال تلميذه عكرمة: إنه كان إذا سئل عن مشكل في القرآن يفسره ويستدل عليه بيت من شعر العرب، ثم يقول: «الشعر ديوان العرب». وانظر: العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده لابن رشيق ١/ ٣٠. وبعد: فهذا شيخ جليل جاء على حين فترة من العلماء الحفاظ الضابطين، وهو يمثل صورة زاهية للعالم الأزهري المؤسس على علوم العربية وقوانينها، من حفظ المتون، وإتقان التعريفات، والصبر على المطولات، والنظر في الحواشي والتعليقات والتقريرات، فإذا ثبت هذا - وهو ثابت إن شاء الله - فلم ينصف الشيخ من يقول عنه: إنه ملهم لا غير، وإن ما يقوله إنما هو من باب العلم اللدني، فهذه

стр. 276

(دروشة) في تقييم الرجال والحكم عليهم، وإنما الصواب أن يقال: إنه رجل مثقف مؤسس، واسع الاطلاع، غزير الرواية، سريع اللمح، ذكي اللسان. وكذلك لم ينصف الشيخ من يقول عنه: إنه وهب حسن العرض، والقدرة على توصيل المعلومات، مع خفة ظل واضحة. فهذا من الدس الخفي، فإذا كانت البضاعة مزجاة فماذا يجدي حسن عرضها؟ كما قيل في أمثالنا العامية: «إيش تعمل الماشطة في الوش العكر؟ »، وللناس في اصنطاع وسائل الذم والتنقص دبيب وخداع، وهو ما قاله سادتنا البلاغيون: تأكيد الذم بما يشبه المدح. وإن تعجب فعجب أن بعض مثقفينا وأدبائنا يعرض عن الاستماع إلى الشيخ، لاجتماع العامة عليه، وانبهارهم به، وهذا خلف من الرأي وفساد في الحكم، فما ينبغي أن يكون إقبال العامة على الشيخ وإعجابهم به صارفاً للخاصة عن الأخذ عنه والإفادة منه، والحكمة ضالة المؤمن يأخذها أنى وجدها، وقد كانت العامة تصرخ ويغشى عليها في مجلس وعظ الإمام أبي الفرج ابن الجوزي المتوفى سنة ٥٩٧ هـ ولم يصرف هذا الخاصة عن الإفادة منه والأخذ عنه، بل إن كتبه وتصانيفه تعد من الأصول في الفكر العربي الإسلامي، مثل زاد المسير، وتلقيح فهوم أهل الأثر، وتلبيس إبليس، والمنتظم وغيرها. يقول الرحالة ابن جبير، واصفاً مجلساً من مجالس ابن الجوزي، وقد حضره: «ثم إنه بعد أن فرغ من خطبته برقائق من الوعظ، وآيات بينات من الذكر، طارت لها القلوب اشتياقاً، وذابت بها الأنفس احترافاً، إلى أن علا الضجيج، وتردد بشهقاته النشيج، وأعلن التائبون بالصياح، وتساقطوا عليه تساقط الفراش على المصباح، كل يلقى ناصيته بيده فيجزها، ويمسح على رأسه داعياً له، ومنهم من يغشى عليه فيرفع في الأذرع إليه، فشاهدنا هولًا يملًا النفوس إنابة وندامة، وبذكرها هول يوم القيامة ... » رحلة ابن جبير ص ١٩٧، ١٩٨. أرأيت أيها القارئ الكريم؟ هذا شبيه ونظير للشيخ الشعراوي منذ ما يزيد على ثمانمائة عام، فلا تعجبن إذا رأيت مستمعي الشيخ على شاشة التلفزيون، وهم بين

стр. 277

فاغر فمه دهشة، وبين ماد بصره عجباً، مخلوطاً ذلك كله بصيحات التكبير والتهليل، وما أكثر الأشباه والنظائر! ولم يبق إلا أن أدعو للشيخ بطول العمر وتمام السلامة والعافية، ثم أهمس في أذنه - ولم يقدر لي أن أراه أو أجالسه - ببعض الملاحظات: أولًا: أرجو من الشيخ الجليل أن يترفق في رد آراء العلماء السابقين حين يرى رأياً يخالف رأيهم، ومن ذلك إنكاره عليهم أن في القرآن حروفاً زائدة، مثل «ما» في قوله تباركت أسماؤه: ﴿فبما رحمةٍ من الله لنت لهم﴾ [سورة آل عمران: ١٥٩]، فالزيادة ها هنا زيادة نحوية، والحرف الزائد عند النحاة هو الذي يكون دخوله وخروجه سواء، أو هو الذي لا يخل حذفه بالمعنى، وقد جاء منه أمثلة من القرآن العزيز، منها قوله تعالى: ﴿فبما نقضهم ميثاقهم﴾ [النساء: ١٥٥]، وجاء كذلك في كلام العرب، ومنه قولهم: غضبت من غير ما جرم، فتسمية ذلك زيادة لا غبار عليه، بل إن إمام المفسرين أبا جعفر الطبري يسمي ذلك أحياناً «لغواً»، فهل يعتقد مؤمن أن في القرآن لغواً، ولكنها الصناعة النحوية، فيجب أن ينص الشيخ على أن هذا من اجتهاداته الخاصة، حتى لا يتجرأ الناس على أهل العلم. ثانياً: نعترف أن للشيخ معرفة جيدة بالسيرة النبوية وأحوال الرجال وتراجمهم وضبط أسمائهم وكناهم وألقابهم، ولكنه يند عنه أحياناً أشياء لعدم المراجعة، ومن ذلك أنه نطق مرة اسم «حبان بن العرقة» أحد المشركين الذين قاتلوا المسلمين في غزواتهم، نطقه «العرفة» بفتح الراء بعدها فاء، والصواب «العرقة» بفتح العين وكسر الراء بعدها قاف. وكذلك ذكر وصية بعضهم لابنه حين أراد الزواج: «لا تتخذها حنانة ولا أنانة ولا منانة ولا عشبة الدار ولا كية القفا»، نطقها الشيخ: «كبة» بضم الكاف بعدها باء موحدة، والصواب: «كية» بفتح الكاف بعدها ياء منقوطة باثنتين من تحتها. قال ابن

стр. 278

سيدة: «وأما كية القفا: فهي التي يأتي زوجها أو ابنها القوم، فإذا ما انصرف من عندهم قال رجل من خبثاء القوم لأصحابه: قد والله كان بيني وبين زوجة هذا المولي أو أمه أمر. فتلك كية القفا، من أجل أنه يقال في ظهر زوجها أو ابنها القبيح، حين يولي» المخصص ٤/ ٢٣، ٢٤. ثالثاً: الشيخ حفظه الله مسموع متبوع، فنرجوه أن يتحرى صفات الحروف ومخارجها وبخاصة الحروف الثلاثة: الثاء والذال والظاء في القرآن الكريم. وهذه الملاحظة وغيرها مما لا يكاد يسلم منها بشر، إنما هي في حق الشيخ الجليل: تعويذة من عين الكمال، فإن الكمال لله وحده والمعصوم من عصمه الله. * * *

стр. 279

الهجرة وكتابة التاريخ الإسلامي (١) [ ١] مكث رسول الله ﷺ بمكة بعد البعثة ثلاث عشرة سنة، ثم أمره ربه بالهجرة إلى المدينة. وروى الشيخان في صحيحيهما أنه ﷺ قال: «رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة يثرب»، - وهلي، بفتح الواو والهاء: أي وهمي واعتقادي -. وروى الشيخان أيضاً، ومالك في الموطأ أن رسول الله ﷺ قال: «أمرت بقرية تأكل القرى، يقولون: يثرب، وهي المدينة، تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد». وقوله: «أمرت بقرية»، أي أمرني ربي بالهجرة إليها. وقوله «تأكل القرى»، أي تغلبها، وكنى بالأكل عن الغلبة، و «تنفي الناس»، أي الخبيث الرديء منهم. وقد اتخذ رسول الله ﷺ وأصحابه المدينة مستقراً ومقاماً، وبدأ عهد جديد في الدعوة، سمي العهد المدني، أكمل الله فيه للمسلمين دينهم، وأتم عليهم نعمته، ورضي لهم الإسلام ديناً. وقد بدأ تاريخ الإسلام والمسلمين يعد ويحسب بالسنة الأولى من الهجرة. ويقال إن أول من كتب التاريخ من الهجرة، عمر بن الخطاب ﵁ في شهر ربيع الأول سنة ست عشرة. وكان سبب ذلك أن أبا موسى الأشعري

стр. 280

عامل عمر على البصرة كتب إليه: إنه يأتينا من قبل أمير المؤمنين كتب، لا ندري على أيها نعمل، قد قرأنا صكاً منه محله شعبان، فما ندري أي الشعبانين: الماضي أم الآتي؟ فعمم عمر ﵁ على كتب التاريخ - أي كتابته - وأراد أن يجعله أول شهر رمضان، فرأى أن الأشهر الحرم تقع حينئذ في سنتين، فجعله في المحرم، وهو آخر الأشهر الحرم، فصيره أولاً لتجتمع الأشهر الحرم في سنة واحدة. ذكر ذلك أبو هلال العسكري في كتابه الأوائل ١/ ٢٢٧. وروى الطبري في تاريخ ٢/ ٣٨٨ - طبعة دار المعارف - أن عمر حين جاءه كتاب أبي موسى الأشعري جمع الناس للمشورة، فقال بعضهم: أراخ لمبعث رسول الله ﷺ ، وقال بعضهم: أرخ لمهاجر رسول الله ﷺ ، فقال عمر: لا بل نؤرخ لمهاجر رسول الله ﷺ ، فإن مهاجره فرق بين الحق والباطل. وهكذا كانت بداية حضارتنا وثقافتنا فوق هذه الأرض، على الوجه الذي تبين عنه آثارنا المكتوبة التي لا يدخل عليها الشك من أي باب تدخل منه الشكوك، لا على وجوه الاجتهاد والتخمين والحدس والاستنتاج التي تقوم أحياناً على استنطاق نقوش ورموز على جدران معابد وهياكل، قد تتأثر بعوامل التعرية وتقلبات الحرارة والرطوبة، فتصدق مرة وتكذب أخرى، مع تقدير كل الجهود العظيمة التي قام بها علماء الآثار واللغة في هذا الباب. وحين أخذ العلماء المسلمون في تدوين العلوم وتسجيل المعارف، كان علم التاريخ من أول ما كتبوا وصنفوا، وكانت الريادة في ذلك لعبيد بن شرية الجعفي، ذلك المعمر الذي أدرك الإسلام فأسلم، وقدم على معاوية وألف له تأليفاً حول أخبار اليمن وأشعارها وأنسابها وقد طبع باسم «كتاب الملوك وأخبار الماضين» بحيدر آباد بالهند سنة ١٣٤٧ هـ، مع كتاب «التيجان في ملوك حمير» لوهب بن منبه المتوفى نحو سنة ١١٤ هـ، ويعد كتابه هذا أيضاً من أوائل ما صنف في علم التاريخ عند المسلمين. وقد توفي عبيد بن شرية نحو سنة ٦٧ هـ، ويعد أيضاً أول من كتب في الأمثال

стр. 281

العربية. ويزعم المستشرق الألماني كرنكو أن «عبيد بن شرية شخصية وهمية اخترعها ابن النديم، وكتب بذلك إلى خير الدين الزركلي، وقد نفت نبيهة عبود الشكوك التي ثارت حول أخباره - انظر تحقيق ذلك في: الأعلام للزركلي ٤/ ٣٤١، وتاريخ التراث العربي لمحمد فؤاد سنركين: المجلد الأول. الجزء الثاني. التدوين التاريخي ص ٣٢، ومصادر الشعر الجاهلي لناصر الدين الأسد ص ٢٤٠، والأمثال العربية القديمة للمستشرق الألماني زلهايم ص ٥١. ولا يزاحم التاريخ في أولية التصنيف في علومنا إلا ما ذكر به من ذلك التأليف النحوي الذي قام به أبو الأسود الدؤلي بتكليف من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، حين فشا اللحن بين الناس وخيف على القرآن الكريم، وذلك في الخبر الذي ذكره الوزير القفطي المتوفى سنة ٦٢٤ هـ، قال: «ورأيت بمصر في زمن الطلب بأيدي الوراقين - أي باعة الكتب أو النساخ - جزءاً فيه أبواب من النحو، يجمعون على أنها مقدمة علي بن أبي طالب التي أخذها عنه أبو الأسود الدؤلي». إنباه الرواة على أنباه النحاة ١/ ٤٠. نصف الكتب العربية: ومهما يكن من أمر فإن علم التاريخ عند المسلمين من العلوم الضخمة، ويوشك هذا العلم أن يكون نصف المكتبة العربية. وانظر تصديق ذلك في: علم قوائد الكتب (البيليوجرافيا العربية) مثل الفهرست لابن النديم، ومفتاح السعادة لطاش كبري زاده، وكشف الظنون للحاج خليفة، وذيله المسمى: إيضاح المكنون لإسماعيل باشا البغدادي، ثم انظر من المصنفات الحديثة في هذا العالم - علم قوائم الكتب -: «اكتفاء القنوع بما هو مطبوع» لإدوارد فنديك، و «معجم المطبوعات العربية والمعربة» ليوسف إليان سركيس، و «تاريخ الأدب العربي» للمستشرق الألماني كارل بروكلمان، و «تاريخ التراث العربي» للدكتور محمد فؤاد سنركين، ثم انظر في فهارس المكتبات العامة الكبرى الموزعة على الفنون، بل ادخل مكتبة من المكتبات الخاصة التي يعنى أصحابها بجمع الكتب، وسترى في ذلك كله غلبة ظاهرة لعلم التاريخ.

стр. 282

وتفسير هذا أن علم التاريخ عند المسلمين ليس هو فقط تلك الكتب الحولية، مثل تواريخ الطبري وابن الأثير وابن كثير، أو كتب الأحداث العامة، مثل مروج الذهب، والتنبيه والإشراف للمسعودي، وإنما يدخل فيه، بل يمثل الجانب الأكبر منه «فن التراجم والطبقات» وهو بحر خضم. وينبغي أن يكون واضحاً أن «فن التراجم» عند المؤرخين المسلمين لا يعنى فقط بذكر أحوال المترجم من حيث مولده ووفاته، وشيوخه وتلاميذه، وعلمه وتآليفه، بل إنه غالباً - وبخاصة في الموسوعات - أو عاصرها، أو كان منها، أو كانت منه بسبب، بل إن بعض مصنفي كتب التراجم يعرض للحوادث والأحداث بدواعي الاستطرادليس غير، والاستطراد سمة من سمات التأليف عند كثير من علمائنا ومؤرخينا. وعلى سبيل المثال فإن كتاباً موسوعياً مثل «طبقات الشافعية الكبرى» لتاج الدين السبكي، يضعه مصنفو العلوم في فن التراجم والطبقات، إذ كان مؤلفه قد أقامه على تراجم الفقهاء الشافعية منذ إمامهم محمد بن إدريس الشافعي في أوائل القرن الثالث، إلى منتصف القرن الثامن، ولكن النظر الصحيح يضعه في المكتبة العربية كلها، إذ كان مؤلفه قد أداره على علوم كثيرة، فهو لا يكاد ينتهي من ترجمة الرجل على رسمها المعروف حتى يخلص إلى مسائل من علم الرجل وفقهه، تفضي به إلى استطرادات ومداخلات كثيرة تكاد تأتي على جمهور علوم العربية، ثم كان لأحداث التاريخ عنده النصيب الأوفى، فأنت تجد عنده أحاديث ضافية عن حادثة الصليبيين، وكائنة التتار، وقصة جنكيزخان وحفيده هولاكو، (انظر مثلًا الطبقات: ١/ ٣٢٨ - ٣٤٣، ٧/ ٣٤٤ - ٣٦٩، ٨/ ٢٦٨ - ٢٧٧). وقل مثل هذا في كثير من موسوعات كتب التراجم، مثل وفيات الأعيان لابن خلكان، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ونفح الطيب للمقري. مناهج كتب التراجم: ولقد تفنن المؤرخون المسلمون في كتب التراجم تفنناً عجيباً، وأخذت

стр. 283

تصانيفهم في هذا الفن طرائق شتى: فبعد كتاباتهم الأولى في السيرة النبوية والشمائل والمغازي، جاءت تصانيفهم موزعة مفرقة على تراجم الصحابة والتابعين، والقراء والمفسرين، والمحدثين والرواة، وفقهاء المذاهب الأربعة، والأصوليين، والشيعة والمعتزلة، والزهاد والصوفية، والوعاظ والقصاص والمذكرين، والأدباء والشعراء، واللغويين والنحاة، والأطباء الحكماء والفلاسفة، والقضاة، والخلفاء والوزراء، والمؤرخين والنسابين، ثم تراجم النساء، ولكل طائفة من هذه الطوائف كتب تراجم خاصة بهم. ثم يأتيك هذا الفن أيضاً في التراجم على البلدان، مثل أخبار مكة والمدينة والقدس ومصر واليمن وبغداد والموصل والشام، وجرجان وأصبهان، وإربل وواسط، والمغرب والأندلس، والكتب في هذين القطرين فيض زاخر. وكذلك في التراجم على القرون: كالدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، لابن حجر العسقلاني، والضوء اللامع لأهل القرن التاسع، لشمس الدين السخاوي، وما جاء بعد ذلك إلى القرن الرابع عشر (انظر هذه السلسلة من التراجم على القرون في كتابي: «الموجز في مراجع التراجم والبلدان» ص ٧٤، وانظر كتب التاريخ بمناهجها المختلفة في: «الوافي بالوفيات» للصفدي ١/ ٤٧). ثم تأتي التراجم العامة - وهي كتب التاريخ عند بعض الناس ممن يظنون أنها كتب التاريخ فقك، ولا كتب للتاريخ غيرها - وهذه التراجم العامة على قسمين: (أ) التراجم المرتبة على السنين، وذلك في كتب التاريخ المعروفة بالحوليات، كتاريخ الأمم والملوك للطبري، والكامل لعز الدين بن الأثير، والمختصر في أخبار البشر لأبي الفداء الملك المؤيد صاحب حماة، والعبر في خبر من عبر (بالعين المهملة وليس بالغين المعجمة) للذهبي، والسلوك للمقريزي، والنجوم الزاهدة لابن تغري بردي، وشذرات الذهب لابن العماد الحنبلي. (ب) التراجم المرتبة على الأسماء، ومن أبرزها وأشهرها: وفيات الأعيان

стр. 284

لابن خلكان، وفوات الوفيات لابن شاكر الكتبي، والوافي بالوفيات للصفدي، وسير أعلام النبلاء للذهبي. ثم تأتيك التراجم أيضاً في كتب أنساب العرب، مثل جمهرة النسب لابن الكلبي، ومختلف القبائل ومؤتلفها لابن حبيب، والاشتقاق لابن دريد، وجمهرة أنساب العرب لابن حزم، والإيناس بعلم الأنساب للوزير المغربي، وعجالة المبتدي وفضالة المنتهي في النسب لأبي بكر الخازمي. وفي كتب الأنساب بوجه عام: إلى قبيلة، أو بلد، أو صناعة، أو مذهب، أو شيخ. ومن هذه الكتب: الأنساب، لأبي سعد السمعاني - والتراجم في هذا الكتاب غنية جداً -، واللباب في تهذيب الأنساب، لعز الدين بن الأثير، ولب اللباب في تحرير الأنساب، للسيوطي. وفي كتب ضبط الأعلام والكنى والألقاب والأنساب، مثل: المبهج في تفسير أسماء شعراء الحماسة، لابن جني، والإكمال في رفع الارتياب عن المختلف والمؤتلف من الأسماء والكنى والأنساب، للأمير ابن ماكولا، وتكملة الإكمال، لابن نقطة البغدادي الحنبلي، والمشتبه في الأسماء والأنساب والكنى والألقاب، للذهبي، وتوضيح المشتبه، للحافظ ابن ناصر الدين، وتبصير المنتبه بتحرير المشتبه، لان حجر العسقلاني. وفي كتب البلدان (الجغرافيا العربية) مثل: «معجم ما استعجم» للبكري، و «معجم البلدان» لياقوت الحموي، و «الروض المعطار في خبر الأقطار» للحميري. وتأتيك التراجم أيضاً في علم قوائم الكتب (الببليوجرافيا العربية) التي حدثتك عنها قريباً. ومن هذا الفن فرع مهم جداً، وهو ما يعرف بالمعاجم والفهارس والمشيخات والأثبات والبرامج: وهو لون من التأليف يجمع بين الشيوخ والكتب، فقد جرى كثير من العلماء على أن يصنع لنفسه معجماً أو فهرساً أو مشيخة أو ثبتاً أو برنامجاً، يذكر فيه شيوخه الذين أخذ عنهم العلم، والكتب التي سمعها منهم، مسندةً إلى مؤلفيها.

стр. 285

ومن فوائد هذا اللون من التأليف أنك ترى من حياة الشيوخ في تلك الكتب وخاصة أمرهم، ودقائق سلوكياتهم ما لا تراه في كتب التراجم العامة والخاصة، وما ظنك بتلميذ يكتب عن شيخه؟ والكتب في هذا اللون كثيرة، ومن أشهرها كتاب «فهرسة ما رواه عن شيوخه أبو بكر محمد بن خير الإشبيلي»، وأحب أن أسجل هنا أن عناية العلماء المغاربة بهذا الفن أظهر وأبين من عناية العلماء المشارقة. وقد كتب في ذلك كلاماً جيداً الدكتور عبد العزيز الأهواني يرحمه الله، في العدد الثاني من مجلة معهد المخطوطات بالقاهرة. ثم تأتي التراجم أيضاً في ذلك اللون من التأليف الذي يديره المصنفون حول علم واحد أو اثنين أو ثلاثة، ثم يستطردون من ذلك إلى تراجم أخرى بالتبعية أو المناسبة، كما ترى في: مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه أبي يوسف ومحمد ابن الحسن الشيباني، للذهبي، ومناقب الشافعي، للبيهقي، ومناقب الإمام أحمد، لابن الجوزي، والانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء: مالك والشافعي وأبي حنيفة، لان عبد البر، وتبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري، لابن عساكر، وسيرة عمر بن عبد العزيز، لابن عبد الحكم، وسيرة عمر أيضاً، لابن الجوزي، والمصباح المضيء في خلافه المستضيء لابن الجوزي - وسأعيد حديثاً عنه مرة أخرى - ومحاسن المساعي في مناقب الإمام أبي عمرو الأوزاعي، لأحد رجال القرن التاسع، كما ذكر محققه وناشره الأمير شكيب أرسلان. وتأتيك التراجم أيضاً فيما يسمى بكتب الحضارة الإسلامية، مثل المعارف لابن قتيبة، والمحبر والمنمق، كلاهما لابن حبيب، ومروج الذهب والتنبيه والإشراف، كلاهما للمسعودي، والأوائل، لأبي هلال العسكري، ولطائف المعارف، لأبي منصور الثعالبي. وتأتي التراجم أيضاً في تلك الكتب التي يظن أنها من كتب المسامرات والمفاكهات والطرائف، مثل: أخبار الأذكياء، وعقلاء المجانين، وأخبار الحمقى والمغفلين، وأخبار الظراف والمتماجنين، وكل أولئك لأبي الفرج ابن الجوزي،
следующие страницы →