العربية. ويزعم المستشرق الألماني كرنكو أن «عبيد بن شرية شخصية وهمية اخترعها ابن النديم، وكتب بذلك إلى خير الدين الزركلي، وقد نفت نبيهة عبود الشكوك التي ثارت حول أخباره - انظر تحقيق ذلك في: الأعلام للزركلي ٤/ ٣٤١، وتاريخ التراث العربي لمحمد فؤاد سنركين: المجلد الأول. الجزء الثاني. التدوين التاريخي ص ٣٢، ومصادر الشعر الجاهلي لناصر الدين الأسد ص ٢٤٠، والأمثال العربية القديمة للمستشرق الألماني زلهايم ص ٥١.
ولا يزاحم التاريخ في أولية التصنيف في علومنا إلا ما ذكر به من ذلك التأليف النحوي الذي قام به أبو الأسود الدؤلي بتكليف من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، حين فشا اللحن بين الناس وخيف على القرآن الكريم، وذلك في الخبر الذي ذكره الوزير القفطي المتوفى سنة ٦٢٤ هـ، قال: «ورأيت بمصر في زمن الطلب بأيدي الوراقين - أي باعة الكتب أو النساخ - جزءاً فيه أبواب من النحو، يجمعون على أنها مقدمة علي بن أبي طالب التي أخذها عنه أبو الأسود الدؤلي». إنباه الرواة على أنباه النحاة ١/ ٤٠.
نصف الكتب العربية:
ومهما يكن من أمر فإن علم التاريخ عند المسلمين من العلوم الضخمة، ويوشك هذا العلم أن يكون نصف المكتبة العربية. وانظر تصديق ذلك في: علم قوائد الكتب (البيليوجرافيا العربية) مثل الفهرست لابن النديم، ومفتاح السعادة لطاش كبري زاده، وكشف الظنون للحاج خليفة، وذيله المسمى: إيضاح المكنون لإسماعيل باشا البغدادي، ثم انظر من المصنفات الحديثة في هذا العالم - علم قوائم الكتب -: «اكتفاء القنوع بما هو مطبوع» لإدوارد فنديك، و «معجم المطبوعات العربية والمعربة» ليوسف إليان سركيس، و «تاريخ الأدب العربي» للمستشرق الألماني كارل بروكلمان، و «تاريخ التراث العربي» للدكتور محمد فؤاد سنركين، ثم انظر في فهارس المكتبات العامة الكبرى الموزعة على الفنون، بل ادخل مكتبة من المكتبات الخاصة التي يعنى أصحابها بجمع الكتب، وسترى في ذلك كله غلبة ظاهرة لعلم التاريخ.
стр. 282
وتفسير هذا أن علم التاريخ عند المسلمين ليس هو فقط تلك الكتب الحولية، مثل تواريخ الطبري وابن الأثير وابن كثير، أو كتب الأحداث العامة، مثل مروج الذهب، والتنبيه والإشراف للمسعودي، وإنما يدخل فيه، بل يمثل الجانب الأكبر منه «فن التراجم والطبقات» وهو بحر خضم.
وينبغي أن يكون واضحاً أن «فن التراجم» عند المؤرخين المسلمين لا يعنى فقط بذكر أحوال المترجم من حيث مولده ووفاته، وشيوخه وتلاميذه، وعلمه وتآليفه، بل إنه غالباً - وبخاصة في الموسوعات - أو عاصرها، أو كان منها، أو كانت منه بسبب، بل إن بعض مصنفي كتب التراجم يعرض للحوادث والأحداث بدواعي الاستطرادليس غير، والاستطراد سمة من سمات التأليف عند كثير من علمائنا ومؤرخينا.
وعلى سبيل المثال فإن كتاباً موسوعياً مثل «طبقات الشافعية الكبرى» لتاج الدين السبكي، يضعه مصنفو العلوم في فن التراجم والطبقات، إذ كان مؤلفه قد أقامه على تراجم الفقهاء الشافعية منذ إمامهم محمد بن إدريس الشافعي في أوائل القرن الثالث، إلى منتصف القرن الثامن، ولكن النظر الصحيح يضعه في المكتبة العربية كلها، إذ كان مؤلفه قد أداره على علوم كثيرة، فهو لا يكاد ينتهي من ترجمة الرجل على رسمها المعروف حتى يخلص إلى مسائل من علم الرجل وفقهه، تفضي به إلى استطرادات ومداخلات كثيرة تكاد تأتي على جمهور علوم العربية، ثم كان لأحداث التاريخ عنده النصيب الأوفى، فأنت تجد عنده أحاديث ضافية عن حادثة الصليبيين، وكائنة التتار، وقصة جنكيزخان وحفيده هولاكو، (انظر مثلًا الطبقات: ١/ ٣٢٨ - ٣٤٣، ٧/ ٣٤٤ - ٣٦٩، ٨/ ٢٦٨ - ٢٧٧).
وقل مثل هذا في كثير من موسوعات كتب التراجم، مثل وفيات الأعيان لابن خلكان، وسير أعلام النبلاء للذهبي، ونفح الطيب للمقري.
مناهج كتب التراجم:
ولقد تفنن المؤرخون المسلمون في كتب التراجم تفنناً عجيباً، وأخذت
стр. 283
تصانيفهم في هذا الفن طرائق شتى: فبعد كتاباتهم الأولى في السيرة النبوية والشمائل والمغازي، جاءت تصانيفهم موزعة مفرقة على تراجم الصحابة والتابعين، والقراء والمفسرين، والمحدثين والرواة، وفقهاء المذاهب الأربعة، والأصوليين، والشيعة والمعتزلة، والزهاد والصوفية، والوعاظ والقصاص والمذكرين، والأدباء والشعراء، واللغويين والنحاة، والأطباء الحكماء والفلاسفة، والقضاة، والخلفاء والوزراء، والمؤرخين والنسابين، ثم تراجم النساء، ولكل طائفة من هذه الطوائف كتب تراجم خاصة بهم.
ثم يأتيك هذا الفن أيضاً في التراجم على البلدان، مثل أخبار مكة والمدينة والقدس ومصر واليمن وبغداد والموصل والشام، وجرجان وأصبهان، وإربل وواسط، والمغرب والأندلس، والكتب في هذين القطرين فيض زاخر.
وكذلك في التراجم على القرون: كالدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، لابن حجر العسقلاني، والضوء اللامع لأهل القرن التاسع، لشمس الدين السخاوي، وما جاء بعد ذلك إلى القرن الرابع عشر (انظر هذه السلسلة من التراجم على القرون في كتابي: «الموجز في مراجع التراجم والبلدان» ص ٧٤، وانظر كتب التاريخ بمناهجها المختلفة في: «الوافي بالوفيات» للصفدي ١/ ٤٧).
ثم تأتي التراجم العامة - وهي كتب التاريخ عند بعض الناس ممن يظنون أنها كتب التاريخ فقك، ولا كتب للتاريخ غيرها - وهذه التراجم العامة على قسمين:
(أ) التراجم المرتبة على السنين، وذلك في كتب التاريخ المعروفة بالحوليات، كتاريخ الأمم والملوك للطبري، والكامل لعز الدين بن الأثير، والمختصر في أخبار البشر لأبي الفداء الملك المؤيد صاحب حماة، والعبر في خبر من عبر (بالعين المهملة وليس بالغين المعجمة) للذهبي، والسلوك للمقريزي، والنجوم الزاهدة لابن تغري بردي، وشذرات الذهب لابن العماد الحنبلي.
(ب) التراجم المرتبة على الأسماء، ومن أبرزها وأشهرها: وفيات الأعيان
стр. 284
لابن خلكان، وفوات الوفيات لابن شاكر الكتبي، والوافي بالوفيات للصفدي، وسير أعلام النبلاء للذهبي.
ثم تأتيك التراجم أيضاً في كتب أنساب العرب، مثل جمهرة النسب لابن الكلبي، ومختلف القبائل ومؤتلفها لابن حبيب، والاشتقاق لابن دريد، وجمهرة أنساب العرب لابن حزم، والإيناس بعلم الأنساب للوزير المغربي، وعجالة المبتدي وفضالة المنتهي في النسب لأبي بكر الخازمي.
وفي كتب الأنساب بوجه عام: إلى قبيلة، أو بلد، أو صناعة، أو مذهب، أو شيخ. ومن هذه الكتب: الأنساب، لأبي سعد السمعاني - والتراجم في هذا الكتاب غنية جداً -، واللباب في تهذيب الأنساب، لعز الدين بن الأثير، ولب اللباب في تحرير الأنساب، للسيوطي.
وفي كتب ضبط الأعلام والكنى والألقاب والأنساب، مثل: المبهج في تفسير أسماء شعراء الحماسة، لابن جني، والإكمال في رفع الارتياب عن المختلف والمؤتلف من الأسماء والكنى والأنساب، للأمير ابن ماكولا، وتكملة الإكمال، لابن نقطة البغدادي الحنبلي، والمشتبه في الأسماء والأنساب والكنى والألقاب، للذهبي، وتوضيح المشتبه، للحافظ ابن ناصر الدين، وتبصير المنتبه بتحرير المشتبه، لان حجر العسقلاني.
وفي كتب البلدان (الجغرافيا العربية) مثل: «معجم ما استعجم» للبكري، و «معجم البلدان» لياقوت الحموي، و «الروض المعطار في خبر الأقطار» للحميري.
وتأتيك التراجم أيضاً في علم قوائم الكتب (الببليوجرافيا العربية) التي حدثتك عنها قريباً.
ومن هذا الفن فرع مهم جداً، وهو ما يعرف بالمعاجم والفهارس والمشيخات والأثبات والبرامج: وهو لون من التأليف يجمع بين الشيوخ والكتب، فقد جرى كثير من العلماء على أن يصنع لنفسه معجماً أو فهرساً أو مشيخة أو ثبتاً أو برنامجاً، يذكر فيه شيوخه الذين أخذ عنهم العلم، والكتب التي سمعها منهم، مسندةً إلى مؤلفيها.
стр. 285
ومن فوائد هذا اللون من التأليف أنك ترى من حياة الشيوخ في تلك الكتب وخاصة أمرهم، ودقائق سلوكياتهم ما لا تراه في كتب التراجم العامة والخاصة، وما ظنك بتلميذ يكتب عن شيخه؟ والكتب في هذا اللون كثيرة، ومن أشهرها كتاب «فهرسة ما رواه عن شيوخه أبو بكر محمد بن خير الإشبيلي»، وأحب أن أسجل هنا أن عناية العلماء المغاربة بهذا الفن أظهر وأبين من عناية العلماء المشارقة. وقد كتب في ذلك كلاماً جيداً الدكتور عبد العزيز الأهواني يرحمه الله، في العدد الثاني من مجلة معهد المخطوطات بالقاهرة.
ثم تأتي التراجم أيضاً في ذلك اللون من التأليف الذي يديره المصنفون حول علم واحد أو اثنين أو ثلاثة، ثم يستطردون من ذلك إلى تراجم أخرى بالتبعية أو المناسبة، كما ترى في: مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه أبي يوسف ومحمد ابن الحسن الشيباني، للذهبي، ومناقب الشافعي، للبيهقي، ومناقب الإمام أحمد، لابن الجوزي، والانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء: مالك والشافعي وأبي حنيفة، لان عبد البر، وتبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري، لابن عساكر، وسيرة عمر بن عبد العزيز، لابن عبد الحكم، وسيرة عمر أيضاً، لابن الجوزي، والمصباح المضيء في خلافه المستضيء لابن الجوزي - وسأعيد حديثاً عنه مرة أخرى - ومحاسن المساعي في مناقب الإمام أبي عمرو الأوزاعي، لأحد رجال القرن التاسع، كما ذكر محققه وناشره الأمير شكيب أرسلان.
وتأتيك التراجم أيضاً فيما يسمى بكتب الحضارة الإسلامية، مثل المعارف لابن قتيبة، والمحبر والمنمق، كلاهما لابن حبيب، ومروج الذهب والتنبيه والإشراف، كلاهما للمسعودي، والأوائل، لأبي هلال العسكري، ولطائف المعارف، لأبي منصور الثعالبي.
وتأتي التراجم أيضاً في تلك الكتب التي يظن أنها من كتب المسامرات والمفاكهات والطرائف، مثل: أخبار الأذكياء، وعقلاء المجانين، وأخبار الحمقى والمغفلين، وأخبار الظراف والمتماجنين، وكل أولئك لأبي الفرج ابن الجوزي،
стр. 286
ومحاضرات الأدباء، للراغب الأصبهاني، والمستطرف من كل فن مستظرف للإبشيهي، والفلاكة والمفلوكين للدلجي، والكشكول والمخلاة، كلاهما للعاملي.
وهناك باب عظيم أيضاً من باب التراجم: هو ما يعرف بالسؤالات، وذلك أن يسأل عالم عالماً عن جملة من الرجال، مثل سؤالات أبي عبيد الآجري: أبا داود السجستاني، وسؤالات عثمان بن سعيد الدارمي: يحيى بن معين، وسؤالات أبي عبد الرحمن السلمي صاحب طبقات الصوفية: الدارقطني، وسؤالات الحافظ السلفي: خميساً الحوزي عن جماعة من أهل واسط.
وواضح أن هذه «السؤالات» تدور حول علم الرجال - وهو علم الجرح والتعديل - لكنها مع ذلك اشتملت على تراجم لغير المحدثين، ثم تضمنت فوائد جليلة في التاريخ وغيره، كما ترى مثلًا في «سؤالات الحافظ السلفي» المذكورة (طبعة مجمع اللغة العربية بدمشق).
كتاب واحد:
ومن وراء ذلك كله: فإن التراجم تأتيك في غير مظانها - وهو في تراثنا باب طويل جداً - حسبي أن أشير إلى شيء منه هنا، رغبة في إفادة طالب العلم المبتدئ الذي قد تقع هذه المقالة في يده، أما أهل العلم وخاصته فهم أقدر مني على ذلك وأبصر، ثم إني أريد أيضاً أن أؤكد على أن المكتبة العربية كتاب واحد، وأن العلوم يحتاج بعضها إلى بعض، وأنه لا يغني كتاب عن كتاب.
معلوم أن تراجم الصحابة تلتمس من مصادرها: الطبقات الكبرى، لابن سعد، والاستيعاب، لابن عبد البر، وأسد الغابة، لعز الدين بن الأثير، والإصابة، لابن حجر. ولكنك إذا أردت ترجمة صحابي على نحو كامل مستوعب، فلا بد لك من النظر في كتب أخرى، منها دواوين السنة: صحاحها ومسانيدها، فقد أفرد أصحاب السنن في دواوينهم كتباً وأبواباً تسمى: المناقب أو الفضائل، ويسميها الحاكم النيسابوري في المستدرك: معرفة الصحابة. ولا غنى لك أيضاً عن النظر في كتاب
стр. 287
«هدي الساري مقدمة فتح الباري» لابن حجر، فقد أفرد فيه ابن حجر مكاناً ضخماً لتراجم الصحابة والتابعين، لا تقل إنه سيكرر في كتابه هذا ما ذكره في كتبه الأخرى مثل الإصابة أو تهذيب التهذيب، ولا تقل هذا، لأن في كل كتاب من الفوائد ما ليس في الآخر (وانظر على سبيل المثال ترجمة: عكرمة مولى ابن عباس في «تهذيب التهذيب» ٧/ ٢٦٣، وفي «هدي الساري» ص ٤٢٥، وتأمل الفرق بين مساق الترجمة في الكتابين).
ومن باب التماس التراجم من غير مظانها: ما تراه من تراجم اللغويين والنحاة الأوائل في مقدمة معجم «تهذيب اللغة» للأزهري، وفي كتاب «المزهر» في علوم اللغة للسيوطي، ثم ما نثره العلامة عبد القادر بن عمر البغدادي في موسوعاته: خزانة الأدب، وشرح أبيات مغني اللبيب، وحاشيته على شرح قصيدة «بانت سعاد» لابن هشام، وشرحه على شواهد شرح التحفة الوردية. وباب التراجم عند البغدادي باب واسع جداً لأن مكتبته كانت ضخمة جداً.
وقل مثل هذا في كتاب المرتضى الزبيدي الضخم «تاج العروس» شرح القاموس، ففي هذا الكتاب أنساب وتراجم كثيرة جداً، وبخاصة ما يتصل بالمتأخرين.
وعلى ذكر اللغويين والنحاة، فإن أوسع ترجمة وأشملها لواضع النحو أبي الأسود الدؤلي، تراها في كتاب «الأغاني» لأبي الفرج الأصبهاني، وما أبعد كتاب الأغاني عن طبقات اللغويين والنحاة! وقد جاءت ترجمة أبي الأسود في الأغاني طويلة جداً استغرقت ٣٨ صفحة من القطع الكبير - انظر: «الأغاني» ١٢/ ٢٩٧ - ٣٣٤ (طبعة دار الكتب المصرية).
والعلة في ذلك واضحة، وهي جامعة «التشيع» التي تجمع بين أبي الأسود وأبي الفرج. على أنه مما ينبغي التنبه له أن صلاح الدين الصفدي قد اعتبر «كتاب الأغاني» من مصادر كتب التاريخ، ووضعه في قائمة «التواريخ الجامعة» كتاريخ الطبري وما إليه (انظر: الوافي بالوفيات ١/ ٥٠).
стр. 288
وكلك تجد أجود ترجمة وأحسن كلام عن أبي سعيد السيرافي النحوي الكبير في «كتاب الإمتاع والمؤانسة» لأبي حيان التوحيدي، وكان هذا شديد الإعظام لأبي سعيد، والتوقير له (انظر: الإمتاع والمؤانسة ١/ ١٠٨).
وتنتثر التراجم أيضاً في معارف القوم وعلومهم: ففي موسوعات التفسير والحديث والفقه وأصوله وعلم الكلام، وكتب اللغة والأدب وشروح الشعر - بصورة خاصة - وسائر فروع العلم استطرادات مهمة في تراجم الرجال.
وأريد أن أذكر بما قلته في صدر هذه الكلمة، من أن علم التاريخ الإسلامي بمعنى الحوادث والأحداث قد اختلط بعلم التراجم والطبقات، كما أن هذا العلم اختلط أيضاً بكتب التاريخ القائمة أساساً على الحوادث والأحداث؛ دخل كل منهما في نسيج الآخر والتحم به، بل إن علومنا كلها يجذب بعضها بعضاً، على نحو ما قال سفيان بن عيينة: «كلام العرب بعضه يأخذ برقاب بعض».
إن علم التاريخ عند المسلمين ليس كعلم التاريخ عند الأمم الأخرى؛ أحداثاً وتقلبات أيام ودول فقط، إن كتب التاريخ عندنا هي مجلى حضارتنا وثقافتنا العربية والإسلامية كلها.
إن علماء الحديث يخرجون الأحاديث من «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي، وأهل الأدب يجمعون أشعار الشعراء من «تاريخ دمشق» لابن عساكر، وكذلك يجمعون الشعر من كتب الجغرافيا العربية: معجم ما استعجم للبكري، ومعجم البلدان لياقوت الحموي، والروض المعطار في خبر الأقطار للحميري، كما جمعوا منها التراجم من قبل.
بل إن اللغة والشعر يجمعان من كتب النبات وكتب الهيئة، كالذي تراه في كتاب النبات لأبي حنيفة الدينوري، وكتاب الأزمنة والأمكنة للمرزوقي، والحديث في هذا ونحوه مما يطول جداً.
* * *
стр. 289
الهجرة وكتابة التاريخ الإسلامي (١) [٢]
[كتابة التاريخ الإسلامي من الموضوعات المهمة التي حرص «الهلال» على إلقاء الضوء عليها، وقد تناولنا في الجزء الأول أبرز ما في هذا المجال، ويواصل د. الطناحي في الجزء الثاني كيفية إعادة كتابة التاريخ الإسلامي حيث يقول: ]
وهذا الذي ذكرته في الجزء الأول من هذا المقال والذي نشرته الهلال في الشهر الماضي على سبيل الوجازة والاختصار - وقد فاتني منه الكثير - يدلك، إن شاء الله، على اتساع دائرة علم التاريخ عند المسلمين: أحداثاً وتراجم، ولعله يزهدك في تلك الدعوة التي تثار بين الحين والآخر: وهي دعوة «إعادة كتابة التاريخ الإسلامي» على ما يرى بعضهم من نبذ الكتاب القديم، بعد استخلاص مجمله، وتخليصه من الشوائب التي فيه، ثم تقديمه بلغة العصر، وذلك كله مركب صعب وطريق مخوف، وهو مما يخبط الناس فيه خبطاً شديداً، وليس هنا موضوع الرد على هذه القضية، لكن لا بأس من التذكير ببعض الأمور:
أولاً: إذا ثبت عندك اتساع دائرة التاريخ الإسلامي، فإن من يحاول إعادة كتابة ذلك التاريخ لا بد أن يكون على معرفة بمراجع التاريخ الإسلامي بفرعيه: الأحداث والتراجم، ثم ما يتناثر منه في تضاعيف الفنون الأخرى، كما حدثتك.
ثانياً: اللغة هي الباب الأول في ثقافة أية أمة من الأمم، فواجب على من
стр. 290
يتصدى لإعادة كتابة التاريخ الإسلامي أن يكون متضلعاً - أو على الأقل عارفاً - من اللغة: مألوفها وغريبها، ونحوها وصرفها، ليس على سبيل الإتقان والإحاطة، فهذا غير وارد وغير ممكن، ولكن على سبيل المعرفة التي تعصم من الأخطاء الشنيعة البلقاء.
يقول الحافظ أبو الحجاج المزي في مقدمة كتابه «تهذيب الكمال في أسماء الرجال» ص ١٥٦: «وينبغي للناظر في كتابنا هذا أن يكون قد حصل طرفاً صالحاً من علم العربية، نحوها ولغتها وتصريفها، ومن علم الأصول والفروع، ومن علم الحديث والتواريخ وأيام الناس». فهذا شأن الناظر في الكتاب، فما بالك بمن يحاول إعادة كتابته أو اختصاره؟
وكذلك يجب التنبه للأعراف اللغوية لكل عصر من العصور، وتظهر المحنة في هذا الأمر واضحة جلية عند من يتصدون للتاريخ المملوكي، وهو زاخر بالأعراف اللغوية والمصطلحات غير المألوفة إلا لمن جمع مراجع ذلك العصر: لغة وأدباً وتاريخاً.
ثالثاً: إن من يعيد كتابة تاريخ من تواريخ السابقين، أو يحاول اختصار كتاب في علم من العلوم، أو تهذيبه، لابد أن يكون في علم صاحب الكتاب الأصلي، أو على درجة مقاربة له؛ لأن المعيد أو المختصر أو المهذب حينئذ يكون سميعاً بصيراً، يعرف ماذا يأخذ وماذا يدع، ولذلك قبل أهل العلم «مختصر صحيح مسلم» للحافظ المنذري، و «مختصر تفسير الطبري» لأبي يحيى محمد بن صمادح التجيبي، وتهذيب أنساب السمعاني؛ المسمَّى «اللباب» لعز الدين بن الأثير، و «مختصر الأغاني» للأصفهاني، و «مختصر تاريخ دمشق» لابن عساكر، وكلا المختصرين لابن منظور صاحب «لسان العرب».
وفي عصرنا الحديث قبلنا «تهذيب الأغاني» للشيخ محمد الخضري، و «عمدة التفاسير» لمحدث العصر الشيخ أحمد محمد شاكر، الذي اختصر فيه بعض أجزاء من «تفسير ابن كثير»، و «تهذيب سيرة ابن هشام»، و «تهذيب الحيوان» للجاحظ، كلاهما لأستاذنا عبد السلام محمد هارون.
стр. 291
رابعاً: إن الخدمة الحقيقية لتاريخنا إنما تكون بجمع مخطوطاته التي لم تنشر، ثم تحقيقها وتحقيق ما نشر من قبل غير محقق، وفق الأصول العلمية الصحيحة، ثم فهرسته الفهرسة العلمية الفنية، التي تضم النظير إلى النظير، وتقرن الشبيه إلى الشبيه، وستكون هذه الفهارس الفنية الكاشفة عدة وعوناً للدراسات والبحوث التي لا تقوم إلا على النص الموثق المحرر.
أما ما يقال عن غربلة التاريخ الإسلامي وتصفيته من الأخطاء والأوهام، وتخليصه من محاباة الحكام والملوك، وتنقيته من مظاهر الإسراف والمبالغات، ثم. ما يقال لك من أن ماضينا غارق في الظلمات، وأن تاريخ الدول يكتب في غير أوانه، كتاريخ الدولة الأموية الذي كتب في أيام الدولة العباسية: فكل أولئك من الكلام الذي يرسل إرسالًا؛ لتملأ به مجالس السمر، ويتخذ سبيلاً لادعاء العلم.
الهجوم على التاريخ والمؤرخين:
لقد تعرض التاريخ الإسلامي والمؤرخون المسلمون لكثير من الحيف والعدوان، وكان أعجب ما قيل: «إن التاريخ صنع للحكام والملوك، ولم يرصد نبض الشعوب وأشواقها»، وبمثل هذه الألفاظ البراقة الخادعة يستميلون الشباب ويوقعونهم في قرار مظلم من الافتنان الكاذب والشك الموبق.
إن هذه القضية ينبغي أن تناقش على وجهها الصحيح، ويبدو أن كثيراً من كتابنا المعارضين قد خلطوا بين كتب التاريخ العام - أحداثاً وتراجم - وبين كتب المناقب. فكتب التاريخ العام إنما ترصد الحوادث والأحداث بصورة عامة وشاملة، ويدخل في نسيجها أخبار الخلفاء والملوك لا محالة، ويظهر لك هذا المنهج بوضوح في كتب التاريخ المرتبة على السنين «الحوليات»، وكذلك في كتب التراجم العامة، وتأمل مثلًا كتاب «سير أعلام النبلاء» للذهبي، و «الوافي بالوفيات» للصفدي، و «وفيات الأعيان» لابن خلكان، وسترى أن تراجم الخلفاء والوزراء إنما تأتي في ترتيبها الألف بائي ليس غير، بل إن بعض تراجم هؤلاء الخلفاء والوزراء تأتي أحيانًا خافتة وموجزة إذا قيست بترجمة عالم معاصر لهم، كالإمام أحمد بن حنبل مثلًا،
стр. 292
الذي تملأ ترجمته صفحات كثيرة، فضلًا عما يتعرض له بعض هؤلاء الخلفاء أو الوزراء من نقد شديد، وإحصاء دقيق لأخطائهم وزلاتهم، ولست هنا بسبيل التمثيل لهذا أو ذاك.
أما كتب المناقب فهي كتب خاصة تدور حول شخصية واحدة، خليفة أو وزيراً، ولا بأس في ذلك ولا نكران؛ فإن من حق أي كاتب أن ينحاز إلى شخصية حاكمة ومؤثرة، ويفرد لها كتاباً يأتي على تاريخها وأعمالها، وهذا ما نشاهده إلى يوم الناس، نحن نقبله ولا نرفضه، ثم إن ما كتب في تراجم الأفراد خاصة ومناقبهم لم ينفرد به الحكام والخلفاء فقط، فقد ذكرت لك من قبل: مناقب أبي حنيفة، ومناقب الشافعي، ومناقب أحمد، وسيرة عمر بن عمر العزيز.
ويبدو أيضاً أن بعض من خاضوا في قضية «صنع التاريخ للحكام والملوك» قد خدعوا بتلك العنوانات التي تحمل أسماء الملوك والوزراء، مثلك تاب الصاحبي في فقه اللغة لابن فارس، نسبة إلى الصاحب ابن عباد، الوزير الشهير، والإيضاح العضدي في النحو، لأبي علي الفارسي، نسبة إلى عضد الدولة بن بويه حاكم فارس والموصل وبلاد الجزيرة، واللامع العزيزي - وهو شرح ديوان المتنبي - لأبي العلاء المعري، نسبة لعزيز الدولة فاتك بن عبد الله الرومي، الذي كان من رجال الحاكم بأمر الله الفاطمي، والمستظهري - وهو فضائح الباطنية - لأبي حامد الغزالي، نسبة إلى الخليفة العباسي المستظهر بالله، أحمد بن عبد الله.
فليس للصاحب بن عباد، ولا لعضد الدولة، ولا لعزيز الدولة، ولا للمستظهر بالله، ذكر في تلك الكتب إلا ما يكون من إشارة في المقدمات، فيها إشادة بهؤلاء الكبار أصحاب السلطة؛ لأن لهم عوناً ظاهراً للمؤلف ومساندة، كما نقول الآن: إن الكتاب الفلاني طبع بدعم من جامعة كذا، أو هيئة كذا، وتأمل الكتب التي تصدر تحت عنوان «سلسلة جب التذكارية» ونحوها، لأن هذه الجامعات والهيئات مؤَّلت الكتاب وأنفقت على طبعه، وهات لي الآن أميراً أو تاجراً ثرياً يعنني على طبع كتاب من كتبي، وأنا زعيم، أن أسمي كتابي باسمه الشريف، بل أجعل اسمه يتقدم
стр. 293
اسمي، ثم أكيل له المديح والثناء منظوماً ومنثوراً. على أن هؤلاء الملوك والوزراء الذين جاءت أسماؤهم عنوانات للكتب كانت لهم مشاركة واهتمام باللغة والأدب وفروع العلم عموماً، ويكفي أن تعلم أن مؤرخ الإسلام الحافظ الذهبي حين ترجم لعضد الدولة البويهي وصفه بالنحوي.
ولعل من أشد العنوانات خداعاً: ذلك الكتاب الذي ألفه ابن الجوزي وسماه: «المصباح المضيء في خلافة المستضيء»، فهذا الكتاب وإن كان في ظاهره أنه في مناقب الخليفة العباسي المستضيء، فإنه ليس خالصاً له، وإنما استطرد ابن الجوزي فيه إلى تراجم كثيرة للصحابة وللخلفاء العباسيين، مع عناية ظاهرة بالوعظ والتذكير، يقدمها ابن الجوزي للسلطان أو للحاكم، لكي يستضيء بها في معالجة الأحوال السياسية والاجتماعية، كما ذكرت محققة الكتاب وناشرته العراقية الدكتورة ناجية عبد الله إبراهيم.
وكذلك كتاب: «الدر الفاخر فيل سيرة الملك ناصر» لابن أبيك الدواداري من مؤرخي المماليك في القرن الثامن الهجري، فهذا ابن أيبك وإن كان منحازاً للسلطان محمد الناصر بن قلاوون؛ لأنه كان يعمل في بلاطه، فإن كتابه هذا يعد وثيقة مهمة في تاريخ مصر والشام في ذلك الوقت، وهو بمثابة يوميات لهذين القطرين الكبيرين وجهادهما مع فلول الفرنجة من التتار.
فليس صحيحاً إذن ما سمعته - في برنامج تلفزيوني - من الدكتورة الأدبية الفصيحة نغمات أحد فؤاد من قولها: «إن التاريخ يخطئ حين يقول: هرم خوفو، وخوفو لم يبن هرمه، وإنما بناه المهندس المصري».
إن التاريخ لم يخطئ يا سيدتي الدكتورة، ولكن هذا هو المعروف والمألوف في نسبة الأعمال الكبيرة، تنسب إلى عصورها، وإلى رموز هذه العصور، وهم الملوك والحكام، إن علماء البلاغة يمثلون لمجاز الحذف بقولهم: «بنى الأمير القصر»، ثم يقولون: وإنما بناه عماله. ألم نقل «مصحف الملك فؤاد» لهذه الطبعة المحررة العالية من القرآن الكريم، وهي أصح طبعة للكتاب العزيز بشهادة مشايخ
стр. 294
الإقرار بمصر وغير مصر، من حيث الالتزام بالرسم العثماني، والضبط، وعلامات الوقف. وقد كتبه بخطه الشيخ محمد علي خلف الحسيني، ثم شاركه شرف ضبطه وتصحيحه: حفني ناصف ونصر العادلي ومصطفى عناني وأحمد الإسكندري. وطبع هذا المصحف الكريم بالمطبعة الأميرية عام ١٣٣٧ هـ في عهد الملك فؤاد، فنسب إليه.
وتبقى قضية «تخليص التاريخ الإسلامي من الأخطاء والمبالغات»، وهي أيضاً من القضايا التي يعالجها الناس بكثير من الخفة والسهولة والمتابعة.
ومما لا شك فيه أن لبعض مؤرخينا الأولين أوهاماً وأخطاء، في رصد الأحداث وتسجيلها وتحليلها، وهذه الأوهام والأخطاء مما ينبغي التنبه لها والتنبيه عليها. على أنه ينبغي أن يكون واضحاً أن علومنا كلها ومعارفنا كلها منقودة من داخلها، ومدلول على الخطأ والوهم فيها منذ اللحظة الأولى لتدوين العلوم والمعارف، فالنقد عندنا سار مع التأليف خطوة خطوة، وهذا المنهج المعروف عند علماء الحديث، من القبول والرد، والتعديل والتجريح، قد امتد أثره إلى سائر العلوم الأخرى، وإن باب النقد في تراثنا وعلومنا باب واسع جداً، وضخم جداً، وينبغي أن يكون واضحاً أيضاً أن هذه الأمة لم تغفل عن تراثها هذه الآماد الطوال حتى يجيء فلاسفة هذا الزمان لينقدوا ويجرحوا ويخطئوا، ونعم، ليس لأحد - بعد الأنبياء - عصمة، فانقد ما تشاء، وحلل ما تشاء، واستنتج ما تشاء، ولكن بعد أن تجمع للأمر عدته، وتأخذ له أخذه، من القراءة المستوعبة المتأنية، والنظر الصحيح، وترك المتابعة إلا بعد ثبوت الدليل، على ما قالت العرب في كلامها الحكيم: «ثبت نسباً واطلب ميراثاً»، وعلى ما قال أبو الفتح ابن جني: «فكل من فرق له عن علة صحيحة وطريق نهجة كان خليل نفسه وأبا عمرو فكره ... إلا أننا مع هذا الذي رأيناه وسوغنا مرتكبه لا نسمح له بالإقدام على مخالفة الجماعة التي قال طال بحثها وتقدم نظرها ... إلا بعد أن يناهضه إتقاناً، ويثابته عرفاناً، ولا يخلد إلى سانح خاطره، ولا إلى نزوة من نزوات تفكره» الخصائص ١/ ١٩٠.
стр. 295
ويريد ابن جني أن يقول: إن من اهتدى إلى وجه من النقد صحيح، أشبه الخليل بن أحمد، وأبا عمرو بن العلاء، ولا ينبغي لأحد أن يخالف السابقين في آرائهم لشهوة الخلاف فقط، وأنه ليس من حقه أن يخالفهم إلا إذا وصل إلى مرتبتهم أو فاقها: علماً وبحثاً ونظراً، على ألا يسرع إلى الرأي بمجرد الخاطرة السانحة، والنزوة الفكرية الطارئة.
فهذا هو كلام أهل العلم، أما التخييل بالمنهج والتفكير العملي، للهجوم على تخطئة الأقدمين بالحق وبالباطل، فليس من العلم في شيء، ولا من العقل في شيء، وليس من الأدب أيضاً مع تاريخ الأمة أن يقول كاتب كبير معاصر، عن الإمام المفسر المحدث المؤرخ أبي جعفر محمد بن جرير الطبري: «المؤرخ الأبله».
ولو سألت هذا الكاتب الكبير عن ترجمة الطبري: حياة وعلماً وتصنيفاً، ووفاة، لمن ظفرت بشيء، بل لو سألته عن عدد طبعات كتابه «تاريخ الأمم والملوك»، والفرق بين هذه الطبعات لما أجابك بشيء. ويقرأ الناس هذا ويسكتون؛ لهوان الماضي عليهم، وخفة الموروث في موازينهم، وقل: سبحان ربي!
لو تعرض أحد لبعض كتابنا ومفكرينا المعاصرين، لاهتزت الأرض بمن عليها، ولسمعت دوياً هائلاً وجلبة صاخبة حول رموزنا العظيمة التي لا ينبغي أن تنال، وأعلام التنوير التي لا يصح أن تطال، أما الهجوم على الأوائل، والسخرية منهم، والتطاول عليهم، فلا نكرة فيه ولا غضب منه؛ لأن «حمزة لا بواكي له»:
أتغضب أن أذنا قتيبة حزتا ... جهاراً ولم تغضب لقتل ابن خازم
والموعد لله.
* * *
стр. 296
الجامعة المصرية إلى أين؟
الكتاب الجامعي والطريق الصحيح (١)
ذات يوم ضمنا مجلس علمي لقسم اللغة العربية بإحدى الكليات، وطرح رئيس المجلس قضية محالة على القسم من عميد الكلية، توصي بأخذ رأي الطالب في تقييم عمل الأستاذ وترقيته. ولم يكد رئيس القسم ينتهي من قراءة هذه التوصية حتى هبت ريح عاصفة كادت تدمر كل شيء، ومادت بنا الأرض، وعلا ضجيج، واختلطت أصوات، وجحظت عيون، وانطلقت ألسن تدفع الضيم وترد الحيف عن الأستاذ الجامعي، وتريد أن ترفعه إلى مكان علي لا ينال ولا يطال، وكأنه ذلك النبي المرسل المصطفى المختار من عباد الله، المؤيد بالوحي، الذي لا ينطق عن الهوى، المعصوم من الخطأ، المبرأ من الهوى، أو كأنه تلك الصخرة التي شبه بها سفيح بن رياح الفرزدق، في قوله:
إن الفرزدق صخرة ملمومة ... طالت فليس تنالها الأوعالا
(وانتصاب الأوعال بطالت: أي طالت هذه الصخرة المشبه بها الفرزدق الأوعال. وإنما قال هذا؛ لأن مأوى الوعل أعالي الجبال. والوعل: هو التيس الجبلي)، وسمعنا في هذه الجلسة كلاماً ضخماً فخماً عن كرامة العلم وهيبة الجامعة. أما ذلك الطالب المسكين فقد جاءه الذم من كل مكان، ونال حظه موفوراً من التنقص والمعابة، وسوء الرأي وضعف التدبير.
стр. 297
وتركت القوم حتى سكنت فورتهم، وهدأت ثائرتهم، ثم قلت لهم: على رسلكم يا قوم اربعوا على أنفسكم، ولا تغضبوا ولا تفزعوا، وتعالوا إلى كلمة سوءا: أليس الطالب هو أساس العمل الجامعي كله؟ أليس هو قطب الرحى وعمود الصورة؟ فلماذا نحقر شأنه وإنما نحن أساتذة به؟ ونحن حين نعلمه ونخرجه إنما نتعلم العلم معه مرة أخرى، ولولاه لصدئت عقولنا وتقصفت أقلامنا، والطالب النابه - ولا زال موجوداً بجامعتنا ومعاهدنا والحمد لله - يستخرج من أساتذه علماً خبيئاً حين يدارسه ويفاتشه، وقد يفتح عليه أبواباً من النظر والعلم كانت موصدة دونه لولا مذاكر ذلك الطالب ومدارسته.
وفي موروثنا الثقافي كان التلميذ النابه يسمى صاحباً لشيخه: فأبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني صاحبا أبي حنيفة، والربيع بن سليمان صاحب الشافعي، وهو ناسخ كتابه العظيم «الرسالة»، وكان الشافعي يقول له: «أنت راوية كتبني»، وابن جني صاحب أبي علي الفارسي، بل قد تتوثق العلاقة وتشتد الآصرة فيصير التلميذ غلاماً لشيخه، كما ترى في أبي عمر الزاهد غلام ثعلب، فالتلاميذ أصحاب لشيوخهم، وتأمل عبارة الشافعي في الليث بن سعد ﵄: «الليث أقفه من مالك إلا أن صحابه لم يقوموا به».
فينبغي أن ينظر إلى الطالب على أنه صاحب ومشارك؛ لأن العالم لا يكون عالماً إلا بمتعلم، وينبغي أيضاً أن نحتشد لهذا الطالب احتشاداً، وأن نحبر له الكلام تحبيراً؛ تأليفاً ومحاضرات، وقد أدركنا جيلاً من الأساتذة والأشياخ - في مراحل تعليمنا كلها - كانوا يلقوننا بكثير من الجد والإسماح، ومنهم من كان يدور بعينيه علينا واحداً واحداً، في أثناء المحاضرة، يعطي كلا منا حظه من العناية والنظر، وكأنه يلتمس أمارات الرضا عما يقول، ومواقع القبول لما يلقي، بل إن منهم من كان يصرح فيقول: إيه رأيكم يا ولاد؟ كلام حلو؟ عليه نور؟ وكان أستاذنا عباس حسن ﵀ إذا خاطب أحدنا في المحاضرة قال: «يا حضرة الأستاذ»، مع أنه كان صاحب كبر وبأوٍ، مع كثير من زملائه، كما كنا نرى - ولا تحتجن علينا بقلة عدد
стр. 298
الطلبة آنذاك، وكثرتهم الآن، فلو ظفر طلاب الصفوف الأولى في المدرجات الآن بهذه العناية لكفى.
الرأي الجمعي:
على أن قضية أخذ رأي الطالب في تقييم عمل الأستاذ وترقيته لا ينبغي أن تؤخذ على ظاهرها هذا السهل الساذج، فنحن لا نتوجه إلى الطلبة واحداً واحداً، نسألهم رأيهم في أستاذهم، على طريقة قوائم الاستبيان المعروفة، فذلك أمر مرفوض ومطرح، ولكن المسألة أبعد من هذا، ولعل أقرب صورة لتحقيق هذه الغاية هي الرأي الجمعي للطلاب، فحين نرى إجماعاً أو شبه إجماع من الطلبة على حضور محاضرات ذلك الأستاذ فهذه شهادة له، وحين نلمس حرص الطالب على كتاب أستاذه وحفاوته به واحترامه له، فذلك إقرار بعلم ذلك الأستاذ - ودعك من مسألة الاستلطاف أو الارتياح الشخصي بتأثير خفة ظل الأستاذ أو تودده إلى ظلبته بحلو الكلام ومعسوله، أو سخاوته في درجات الامتحان، على قاعدة: «إنما يمدح السوق من ربح»، فهذه أمور إن دامت أسبوعاً فلن تدوم شهراً، وإن تجاوزت الشهر فلن تبلغ العام.
ودعك أيضاً من الوشايات والإشاعات والسعايات لرفع خسيس أو وضع عال، فهذه كلها أمور مكشوفة مفضوحة، ولا يصح إلا الصحيح. وحين نرى إعراضاً من الطالب عن محاضرات أستاذ، واستخفافه بما يكتب، وزهده فيما يقول، فذلك إيذان بضعف ذلك الأستاذ.
والعجيب أن ذلك كله - مدحاً وذمّاً، وإقبالاً وإعراضاً - لا يخفى على عمداء الكليات ورؤساء الأقسام بها، بل لا يخفى على الزملاء أنفسهم، ولكنها المداراة والمصانعة. وفي آخر الأمر فإن الطالب النابه هو شاهد الصدق على علم الأستاذ وإخلاصه؛ لأنه يبدي رأيه في أستاذه وهو سليم الصدر، منزه عن الغرض، بريء من الشبهة، ولا يجد الهوى إلى نفسه سبيلاً، فينبغي أن يصار إلى رأي ذلك الطالب:
стр. 299
شهادة تزكية إلى جانب تقرير اللجان العلمية التي يقول عنها بعض الناس ما يقولون، وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون.
وهذا الذي قرأته أيها القارئ الكريم إنما هو مقدمة ومدخل لأمرٍ جلل وشأن عظيم، وهو الكتاب الجامعي: منهجاً وإخراجاً. إن الكتاب الجامعي هو حامل العلم إلى الطالب، وهو الصورة الماثلة الثابتة للأستاذ أمام الطالب، فإما أن يحرص على هذه الصورة، يستصحبها معه ويتمثلها في مستقبل أيامه، وإما أن يستهين بها، ويتخلص منها ساعة فراغه من حاجته إليها.
إن الأصل في الكتاب الجامعي أنه يقدم علماً قائماً على منهج، وهذا المنهج وضعه بعناية أساتذة كبار منذ اليوم الأول لقيام الجامعات والمعاهد العليا، وفي داخل هذا المنهج مفردات ومقررات تغطي على مدار سنوات الطلب أصول كل علم، وهذه المفردات والمقررات وضعها هؤلاء الكبار أيضاً. وقد طرأت على هذ المناهج بعض التغييرات والإضافات نتيجة لتقدم بعض فروع العلم، باستحداث مواد لم تكن موجودة، أو تطوير بعض ما هو قائم، لكن هذه التغييرات أو الإضافات لم تمس أصول ذلك المنهج القائم على تزويد الطالب بأصول العلم وجوهر المعرفة، ويظل الأستاذ الجامعي مهما علا شأنه وارتفع قدره مشدوداً إلى هذا المنهج، ملتزماً بمفرداته ومقرراته، دائراً في مراجعه ومصادره، فإذا حاد عنه رد إليه رداً جميلًا أو غير جميل، من رئيس قسمه أو عميد كليته.
هكذا كانت الأمور، وهكذا مضت، وفي ذلك الطريق تخرجت أجيال من الجامعيين مؤسسة على العلم الصحيح. ويداول الله الأيام بين الناس، فتحدث أمور تفضي إلى أمور، ويترخص الناس فيما لا يترخص فيه، وتقل المرجعية في العلم، ويتصرف بعض المعلمين من عند أنفسهم استبداداً واستقلالاً، فتضيع المعالم، ويختلط المرعي بالهمل، وتتداخل النوايا والمقاصد «وبعض السجايا ينتسبن إلى بعض» على ما قال ابن الرومي.
وكان ما كان مما لست أذكره، وإذا نحن بين يوم وليلة أمام بعض الكتب
стр. 300
الجامعية لبعض الأساتذة الذين أباحوا لأنفسهم أن يبتعدوا قليلاً أو كثيراً عما كان مستقرًا وثابتاً في أصول المنهج ومفرداته التي درجت عليها الأجيال، بل إن بعض مفردات هذه المناهج قد اختفت فعلًا لتحل محلها بحوث الأساتذة التي حصلوا بها على شهاداتهم العليا (الماجستير والدكتوراه)، ثم ما قدموه من بحوث للترقيات العلمية، وبعض ذلك يقدم بعنوناته الأصلية، وبعضه يغير ويوضع تحت مسميات جديدة، ويقدم كل ذلك للطالب ويطلب منه تحصيله وفهمه وأداء الامتحان فيه.
لقد أصبح محتوى المقرر الدراسي خاضعاً لمشيئة المدرس ومزاجه، وفضلًا عن وعورة هذا المسك وجهد المشقة فيه، فإن الطالب لن يعود منه بشيء ذي بال، في هذه المرحلة من العمر، ولن يفيده في معرفة أصول العلم وقواعده، وخذ مثلًا على النحو، وهو علم التراكيب الذي لا غنى عنه لطالب العربية في أي فرع من فروعها، هذا العلم يقوم على التعريفات والقواعد والشواهد - وقد قيل بحق: النحو شاهد ومثل - فكل جهد يبذل فيه في السنوات الجامعية الأربع ينبغي أن يدور حول هذه الأركان الثلاثة، لا يتجاوزها ولا يتعداها إلى غيرها من النظر في أصول النحو، من قياس وسماع وعلة، بل يؤجل ذلك كله إلى ما بعد المرحلة الجامعية الأولى لمن أراد أن يتم الطريق، ولكن الأمر قد جرى على غير هذا - وبخاصة في العقدين الأخيرين - وليت الأمر قد وقف عند هذا الحد، فإن بعض زملائنا يفتح على الطلبة أبواباً من النظر في فلسفة النحو تضرهم ولا تنفعهم؛ لأنها تورثهم الشك والحيرة.
جاءني يوماً أحد الطلبة يسألني: يا دكتور، ما الفرق بين الموقع الإعرابي والحالة الإعرابية؟ فقلت له: من أنبأك هذا؟ قال: الدكتور الفلاني في الكتاب الفلاني، فقلت له: يا بني، هذا الدكتور رجل من أهل العلم، وكلامه هذا للكبار من أهل العلم، أما أنت فلا زلت في أول الطريق، وقد جئت إلى هذه الكلية تدرس فيما تدرس علم النحو، لكي تقرأ قراءة صحيحة وتكتب كتابة صحيحة، فاشتغل بذلك ودع ما سواه.
ومن أخطر الأمور أيضاً ما يقوم به بعض زملائنا من نقد للفكر اللغوي
стр. 301
والنحوي أمام هؤلاء الشباب، ويحدثنا بعض الطلبة أن أستاذاً يخصص نصف المحاضرة لعرض القاعدة النحوية، ثم يصرف النصف الآخر لنقدها ونقضها، وبعضهم يبدأ حديثه عن المعاجم العربية بذكر عيوب المعجم العربي، من تكرار المادة وتشويشها وتضارب النقول فيها، ثم يأتي حديثه عن مناهج هذه المعاجم ومدارسها وطريقة التعامل معها، خافتاً ضعيفاً في آخر الكلام.
الحاجة الملحة للمعلم:
لقد تحول كثير من الأساتذة الآن إلى منظرين وفلاسفة، وبعضهم يستخدم مضطلحات وتراكيب لامعة براقة، تأسر الطالب أسراً، وتجعله دائم التطلع إليها والتشبث بها، يريد أن يحاكيها، وقد يصده ذلك عن التماس العلم الحقيقي.
إن الطالب في حاجة إلى مرب ومعلم، لا إلى منظر وفيلسوف، فكل ما يلقى على الطلبة في هذه المرحلة الجامعية الأولى، وكل ما يكتب لهم ينبغي أن يقوم على أساس ثابت من أصول العلم وحقائقه، وما فوق ذلك من نقد وتحليل وتتبع ينبغي أن يؤجل إلى مرحلة الدراسات العليا، كما قلت، فمناهج تدريس النحو والصرف واللغة والبلاغة والأدب يجب أن تدور في فلك القاعدة والشاهد، ولا بأس من الإلمام بشيء من النقد التحليل، يشرف ولا يتوغل، ويحوم ولا يواقع؛ لأنه لا يصح بحال أن نكشف لصغار الطلبة في هذه المرحلة الجامعية الأولى، عن أبواب النقد هذه، وأن ندلهم عليها، فإن مداركهم تقصر عن إدراك تلك المرامي البعيدة، فضلاً عما يحدثه ذلك في نفوسهم من زلزلة وبلبلة قد تزهدهم في العلم كله.
وقد نبه أهل العلم إلى ذلك من قديم، فقد ذكر أبو داد في رسالته إلى أهل مكة «أنه ضرر على العامة أن يكشف لهم كل ما كان من هذا الباب فيما مضى من عيوب الحديث؛ لأن علم العامة يقصر عن مثل هذا»، قال الجاحظ ابن رجب الحنبيل: «وهذا كما قال أبو داود؛ فإن العامة تقصر أفهامهم عن مثل ذلك، وربما ساء ظنهم بالحديث جملة إذا سمعوا ذلك» شرح علل الترمذي ص ٥٤٣، وروى أبو سعد السمعاني بسنده إلى عبد الله بن مسعود ﵁، قال: «إن الرجل
стр. 302
ليحدث بالحديث فيسمعه من لا يبلغ عقله فهم ذلك الحديث فيكون عليهم فتنة» أدب الإملاء والاستملاء ص ٥٩، ٦٠، وروى ابن عبد البر عن هشام عن عروة بن الزبير بن العوام، قال: «قال لي أبي: ما حدثت أحداً بشيء من العلم قط لم يبلغه علمه إلا كان ضلالاً عليه» جامع بيان العلم وفضله ١/ ١٣٤.
وقال بدر الدين بن جماعة، فيما يجب على المعلم نحو طلبته: «وكذلك لا يلقي إليه ما لم يتأهل له؛ لأن ذلك يبدد ذهنه ويفرق فهمه، فإن سأله الطالب شيئاً من ذلك لم يجبه، ويعرفه أن ذلك يضره ولا ينفعه، وأن منعه إياه منه لشفقة عليه وعطف به، لا بخلاً عليه، ثم يرغبه عند ذلك في الاجتهاد والتحصيل، ليتأهل لذلك وغيره، وقد روي في تفسير «الرباني» أنه الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره».
وقال أيضاً: «ولا يشير على الطالب بتعليم ما لا يحتمله فهمه أو سنه، ولا بكتاب يقصر ذهنه عن فهمه» تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم ص ٥١ - ٥٢ و ٥٥، وذكر جلال الدين السيوطي من أدب الرواية والتعليم، قال: «ومن آدابهما الإخلاص، وأن يقصد بذلك نشر العلم وإحياءه، والصدق في الرواية، والتحري والنصح في التعليم، والاقتصار على القدر الذي تحمله طاقة المتعلم». المزهر ٢/ ٣٣٠.
على أن بعض الأساتذة قد هدي إلى صراط مستقيم، فوضع بين يدي طلبته ذلك الكتاب الجامعي القائم على الكشف عن أصول العلم، وعرض القاعدة مؤيدة بالنصوص والشواهد؛ دون إغراق في النقد والتحليل، لكنه كان من المؤسف والمحزن حقاً أن ينظر إلى مثل ذلك العمل على أنه كتاب مدرسي، وصار هذا الوصف «الكتاب المدرسي» علامة على الخفة والسهولة، وصار مجلبة للتنقص وطريقاً إلى المعابة، بل بلغت الجرأة مداها أن يصف بعضهم ما كتبه أحد أعلامنا الكبار - متعه الله بالصحة والعافية - في تاريخ الأدب العربي في عصوره المختلفة، بأنه عمل مدرسي، غايته الجمع والتبويب، وأنه خال من التحليل والموازنة والنقد.
ومعنى هذا أنه إذا جاءك أحدهم بعمل قائم على الثرثرة بتلك المصطلحات
стр. 303
الخادعة: التحليل - الموازنة - النقد، ثم قمش علماً من هنا وسلخ علماً من هناك، واختار عنواناً أخاذاً براقاً. أقول: معنى هذا أن ذلك العمل يفوق أعمال هذا الأستاذ الكبير، الذي قدم أعمالًا ضخمة في تاريخ الأدب العربي وعصوره، أفنى فيها عمره، وأطاب بها ذكره.
إن مصطلح «التحليل» وما أثير حوله من صخب وطنطنة قد عطل علماً كثيراً، ودفع إلى كثير من التهويل والتضخيم، وغمط فضلًا كثيراً، ولقد ذكرني هذا الحديث بكتابين عظيمين، التقيت بهما في أوائل الستينات، إذ كنت طالباً بكلية دار العلوم، أولهما كتاب «أسس النقد الأدبي عند العرب» للدكتور أحمد أحمد بدوي ﵀، وثانيهما: كتاب «البيان العربي» للدكتور بدوي أحمد طبانة، أطال الله في عمره.
وهذان الكتابان مشحونان بالتعريفات والنصوص، لأعلام النقد والبلاغة كالجاحظ، وابن قتيبة، وأبي هلال العسكري، والآمدي، والقاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني، والشيخ عبد القاهر الجرجاني، وابن سنان الخفاجي، وابن طباطبا العلوي، وضياء الدين بن الأثير، وأذكر أننا كنا شديدي الضيق بهذين الكتابين، وكنا نشكو منهما كل الشكوى، ولعل مما أغرانا بالضيق والشكوى من هذا اللون من التأليف: ظهور جيل جديد من صغار النقاد، بدأوا يثرثرون من خلال المقاهي الأدبية التي كانت في تلك الأيام، مثل مقهى الإنديانا بميدان الدقي، ومقهى ريش بشارع طلعت حرب، وكنا صغاراً قليلي الخبرة، ولم يتح لنا أن نعيش أيام «رسالة الزيات» و «ثقافة أحمد أمين»، فكان يسهل خداعنا بمثل هاتيك المصطلحات: الوحدة الموضوعية، والمعاناة والتجربة الشعورية، وتراسل الحواس، والمونولوج الداخلي، والدفقة الشعورية، والتعبير بالصورة، والألفاظ الموحية، الشعر المهموس، وكانت هذه الكلمات الضخمة تهزنا هزاً، فإذا رحنا نلتمسها في كلام الجاحظ وابن قتيبة والآمدي لم نجدها، فيتشد ضيقنا بكتابي الدكتورين الفاضلين، ونذم زماننا، ونلعن حظوظنا، ونود لو ضرب بيننا وبين أمثال هذه الكتب بسور ليس له باب.
стр. 304
ولقد بلغت السفاهة ببعضنا أن ذهب إلى ناقد ناشئ في تلك الأيام وحرضه على كتاب الدكتور أحمد بدوي، ثم استكتبه مقالة طائشة بجريدة الجمهورية، تطاول فيه تطاولاً فارغاً على الكتاب، فكانت كما قالت العرب في أمثالها: «أوسعتهم سباً وأودوا بالإبل»، وهو مثل يضرب لمن يكن عنده إلا الكلام. والآن وبعد مضي هذا الزمان أستغفر الله مما كان مني من طيش وزلل في حق ذلك الكتاب، فقد كنت أيضاً من الساخرين العابثين، وإنما هي غفلة الصبا وغرارة الشباب، ولا أملك الآن إلا أن أنشد قول الشاعر:
رب يوم بكيب منه مراراً ... ثم لما مضى بكيت عليه
وقول الآخر:
فليت أن زماناً مر دام لنا ... وليت أن زماناً دام لم يدم
وقول الثالث:
عتبت على سلمٍ فلما فقدته ... وجربت أقواماً بكيت على سلم
رجعت إليه بعد تجريب غيره ... فكان كبرء بعد طول من السقم
وأعتقد أن كتاب الدكتور أحمد بدوي قد خرجت منه رسائل جامعية كثيرة، وكذلك كتاب الدكتور بدوي طبانة، فكانا أيضاً كما قالت العرب في أمثالها: «أكلاً وذماً».
ومرة أخرى: لا بد من إعادة النظر في هذا المصطلح «الكتاب المدرسي» وإعادة التوقير له والهيبة. إن متون النحو الأولى مثل الموجز لابن السراج، والإيضاح لأبي علي الفارسي، واللمع لابن جني، وإعراب ثلاثين سورة لابن خالويه، والفصول الخمسون لابن معطي، والآجرومية، وقطر الندى لابن هشام، كلها تآليف صغيرة عملت للمبتدئين في دراسة النحو، فهي كتب مدرسية، ولكنها علامات بارزة في طريق العلم، ونازعة بالثقة في أصحابها واحترامهم وإنزالهم المنزلة العالية. ولم يقتعد ابن جني هذه الذروة الضخمة بكتابه الفذ «الخصائص»
стр. 305
وحده، بل كان إلى جانبه كتبه الصغار المدرسية، مثل «اللمع» الذي ذكرته، والكتاب «الملوكي في التصريف».
ومن جناية هذا الوصف «الكتاب المدرسي» أن ذلك الكتاب القائم على أصول العلم وحدها دون إغراق في التحليل والتفلسف يرفض من أبحاث الترقيات ويستبعد من الجوائز الأدبية؛ لأنه كتاب مدرسي عمل للطلبة ليس غير، وهذا خلف من القول، وخطأ في الحكم. والكتاب المدرسي عمل من الأعمال العلمية: جيده جيد، ورديئه رديء، فلا يصح أن يستبعد جيده من أبحاث الترقيات، بل إني أتوق إلى اليوم الذي أرى فيه ترقية علمية يقصد بها الطالب قصداً، فإن بعض أبحاث الترقيات تدور غالباً في فلك بعيد عن الطالب، بل إن منها لما يشقق فيخرج منه كلام مفصل تفصيلاً على أعضاء لجان الترقيات، من حيث السير في طريقهم، والاستكثار من الرجوع إلى مؤلفاتهم بحق وبغير حق.
إن هذه النظرة المستخفة إلى الكتاب المدرسي قد دفعت كثيراً من الأساتذة المجيدين إلى شيء من الملل، فلم يعطوا الكتاب الجامعي حظه من الإجادة والإتقان، وكأن هذا الذي يقدم للطالب حسوة الطائر أو قبسة العجلان، لا تروي غليلاً ولا تضيء ظلاماً، ولا تنضج طعاماً، فجاء الكتاب الجامعي الآن - أو قل الكثير منه - في صورة مهلهلة: طباعة سيئة وورق رديء، فضلاً عن المادة العلمية الخفيفة، وتنظر إلى هذه الكتب الجامعية والمذاكرات على أبواب لجان الامتحانات وقد ألقاها الطلبة إلقاء على الأرض بعد أن نظروا فيها النظرة الأخيرة، فتراها وقد تحولت إلى شيء مكور مستدير كالذي يتقاذفه الأطفال بأرجلهم شبيهاً بالكرة التي يسمونها «الكرة الشراب». وابك ما شاء الله لك أن تبكي على هذا العلم الملقى على الأرض، على ما قال الشاعر:
ويفت المسك في التر ... ب فيوطا ويداس
إن أزمتنا الحقيقة أن الملل يسيطر على حياتنا الجامعية كلها، وإن أضعف جوانب الأستاذ الجامعي الآن هو ما يظهر للطالب في أثناء المحاضرة ومن خلال
стр. 306
الكتاب الجامعي، أما الجوانب المضيئة لذلك الأستاذ فهي مدخرة ومصونة ليوم تشخص فيه الأبصار، وهو يوم المؤتمرات والندوات والحلقات.
إن الجامعة ينبغي أن تتدخل - ممثلة في عمداء الكليات وروؤساء الأقسام، بالنظر في المادة التي يضمها الكتاب الجامعي، وفي الصورة التي يخرج بها ذلك الكتاب، وفي هذا الطريق ينبغي أن يكون لرؤساء الأقسام الهيمنة الكاملة على ما يقدم للطلبة، وليس فقط النظر في تلك الأعمال الإدارية النمطية المعروفة، ولا يعتصمن أحد بكرامة الأستاذ الجامعي، وهيبة الأستاذ الجامعي، فهذه الكرامة وتلك الهيبة تثبتان للأستاذ ما لزم الجادة واستوى على الطريق، فإذا زاغ أو مال سقطت الكرامة وضاعت الهيبة، على ما قال القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني:
ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظموه في النفوس لعظما
إن الهيبة التي تمنحها الجامعة للأستاذ ليست حقاً إلهيا لا ينازع صاحبه فيه ولا يغلب عليه، إن الهيبة الجامعية تبقى ما بقيت دواعيها، فإذا سقطت الدواعي تبعتها الهيبة، على ما قال ابن زريق في عينيته الشهيرة:
أعطيت ملكاً فلم تحسن سياسته ... وكل من لا يسوس الملك يخلعه
والسعيد من عصمه الله.
وعوداً على بدء أقول: إن الطالب هو أساس العمل الجامعي كله، فهو قطب الرحى وعمود الصورة، فيجب أن نحتشد له؛ تأليفاً ومحاضرات، وأن يكون هو المقصد والغاية، ثم يكون حظ الأستاذ من التقدير والترقية والاحترام قائماً على ما يقدمه للطالب ورفعة شأنه.
* * *
стр. 307
تركيا .. والمخطوطات العربية (١)
زرت تركيا مرتين: الأولى في شتاء عام ١٩٧١ م، والثانية في صيف هذا العام، ويا بعد ما بين اليومين في حياة الكاتب، وفي عالم المخطوطات:
ففي المرة الأولى كنت عضواً صغيراً في بعثة معهد المخطوطات التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم غداة إنشائها، وكان هذا المعهد من قبل تابعاً للأمانة العامة لجامعة الدول العربية منذ قيامها سنة ١٩٤٥ م.
وفي هذه المرة الثانية كنت مدعواً من قبل مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، التي يرعاها ويدعمها معالي الشيخ أحمد زكي يماني، وزير البترول والثروة المعدنية السابق بالمملكة العربية السعودية، وذلك لإلقاء محاضرات عملية في الدورة التدريبية الثانية على تصنيف وفهرسة المخطوطات الإسلامية.
وقد دعي إلى حضور هذه الدورة نفر من الشباب المشتغلين بالمكتبات والاستشراق، من تركيا وألبانيا وبلغاريا وزغرب والبوسنة والهرسك، وكاشغر (الصين الشعبية)، وبعض جمهوريات آسيا الوسطى: أذربيجان وأوزبكستان، وقازقستان وطاجكستان، وشارك في إلقاء المحاضرات طائفة من العلماء المشتغلين بعلم المخطوطات، كان منهم من مصر: الدكتور عبد الستار الحلوجي، والأستاذ نصر الله مبشر الطرازي.
وكذلك اختلف حال المخطوطات اليوم عن حالها بالأمس اختلافاً كبيراً،
стр. 308
وبخاصة في ديارنا المصرية، ففي ذلك الزمان كانت المخطوطات في مصر مصونة متاحة، وكان القائمون عليها والمتصرفون فيها أولى علم وبصر، يعرفون أسماء المخطوطات في كل علم وفن، كما يعرف الناس آباءهم، وكانت لديهم القدرة على قراءة العسر المعمى من المخطوطات، وتمييز الصحيح من الزائف، والعتيق من المحدث، إلى معارف أخرى تتصل بهذا العلم، كالمخطوط النادر، ومقاييس هذه الندرة: من خطوط المؤلفين أنفسهم، وحظوظ بعد الكتب من كثرة مخطوطاتها أو قلتها، ومعرفة مظان المخطوطات وأماكن وجودها. وقد ذهب هذا كله، إلا بقية خافتة الصوت ضعيفة الأثر.
ويشتد بي العجب - وقد قضيت مع هذا العلم خمسة وثلاثين عاماً: ناسخاً ومفهرساً ومحققاً ودارساً - حين أقرأ لبعض الناس الآن كلاماً أخاذاً براقاً عالي النبرة عن المخطوطات وسرقتها والغيرة عليها، مع يقيني الذي لا يداخله الشك أنهم لم يعانوا هذا العلم ولم يعرفوا شيئاً عن أسراره وخباياه، فضلاً عن أنهم لم يجالسوا شيوخه وأعلامه، وأساس العلم التلقي والمشافهة، فهي حماسة كاذبة، وولاء مدخول:
وكل يدعي وصلاً بليلى ... وليلى لا تقر لهم بذاكا
وهذا الحديث مما يطول جداً فلنتركه إلى حين، ولنعد إلى تركيا هذا الجزء العزيز من العالم الإسلامي، حديث المخطوطات فيها، وهو حديث غريب عجيب.
وقيل أن نتكلم على فضل الأتراك العثمانيين على هذا التراث الإسلامي، بجمعه وحفظه وصيانته، لا بد من التذكير بفضلهم في نشر الإسلام بأوروبا، لأن هذا من ذاك، ومعلوم أن كلمة «تركي» كانت في وقت من الأوقات مرادفة لكلمة «مسلم» في أذهان الأوروبيين الغربيين، وكان زحف الأتراك العثمانيين على بلاد البلقان وتوغلهم فيها، ثم اتجاههم إلى قلب أوروبا، ودخول محمد الفاتح القسطنينية وفتحا سنة ٧٥٧ هـ = ١٤٥٣ م، كان ذلك كله بمثابة الضربة الثانية للمسلمين في
стр. 309
أوروبا، وكانت الأولى يوم أن عبر المسلمون بقيادة طارق بن زياد بوغاز جبل طارق سنة ٩٢ هـ - ٧١٠ م.
يقول الدكتور عبد العزيز الشناوي في كتابه القيم «الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترى عليها» ص ٤٣: «وقد نظرت أوروبا إلى الفتوح العثمانية على أنها فتوح إسلامية، وكان الأتراك العثمانيون - في تقدير أوروبا - هم الرمز الحي المجسد للإسلام، واختلط الأمر على الأوروبيين في ذلك الوقت، فكانوا يطلقون على المسلم لفظ تركي». وانظر بقية كلامه، فإنه عال نفيس، ثم انظر الدوي الهائل الذي أحدثه فتح السلطان محمد الفاتح للقسطنطينية في كتاب شيخنا أبي فهر محمود محمد شاكر «رسالة في الطريق إلى ثقافتنا»، واقرأ أيضاً ما كتبه المستشرق الروسي كراتشكوفسكي في كتابه «تاريخ الأدب الجغرافي العربي» ص ٤٥١، عن أثر فتح السلطان سليم العثماني لمصر سنة ٩٢٣ هـ، وأن استانبول أخذت منذ ذلك الحين تجتذب إليها بشكل مطرد أنظار العرب الذين أخذت أوطانهم تدور في فلك الدولة العثمانية بطريق مباشر أو غير مباشر، وفي ذلك الوقت بالتحديد بحث البابا ليون العاشر الإيطالي مع فرنسوا الأول ملك فرنسا، في عام ١٥١٥ م، مشروع حملة صليبية ضد الترك العثمانيين لوقف زحفهم وتوغلهم.
ثم اقرأ أيضاً ما قاله المؤرخ ابن العماد الحنبلي، في كتابه شذرات الذهب ٨/ ١٤٣، في ترجمة السلطان سليم العثماني هذا، يقول: «هو من بيت رفع الله على قواعد فسطاط السلطنة الإسلامية، ومن قوم أبرز الله تعالى لهم ما ادخره من الاستيلاء على المدائن الإيمانية، رفعوا عماد الإسلام وأعلوا مناره، وتواصوا باتباع السنة المطهرة، وعرفوا للشرع مقداره» - ويلاحظ أن ابن العماد قائل هذا الكلام توفي سنة ١٠٨٩ هـ، فهو قريب العهد بأحداث زمان دخول السلطان سليم مصر، وأنه ولد بدمشق وأقام بالقاهرة مدة طويلة، ومات بمكة، فلم يكن عثمانياً يميل بهواه إلى أبناء جلدته، ولم يدخل بلاد الروم - استانبول وما حولها - حتى يكون له فيها حظ من جاه، أو نصيب من نفع، يحملانه على الثناء والمدح - فاقرأ هذا كله وتدبره،
стр. 310
ودع عنك ما يقال عن الغزو العثماني لمصر أو الاحتلال العثماني لمصر، فهذا كله من حديث السياسة، وللسياسة دروب ومضايق، يضيع فيها الحق، ويضل معها الحكيم، وهذه كلها من آفات المتابعة وعدم التحري، على ما قال الجاحظ: «وإنما يؤتى الناس من ترك التثبت وقلة المحاسبة».
ولقد قال الناس وأكثروا عن أخذ السلطان سليم للصناع والمهرة من مصر، وسلب المخطوطات، ولقد - والله - رأيت هذه المخطوطات بعيني بالمكتبة السليمية الوطنية في «أدرنة» بشمال تركيا، حيث مات ودفن السلطان سليم، فرأيتها محفوظة مصونة، لم تمس بسوء.
نشاط علمي وثقافي:
ومهما يكن من أمر فقد واكب نشاط سلاطين آل عثمان في الجهاد والفتوح، نشاط آخر في العلم والكتب، وآية ذلك أن كل سلطان أو صدر أعظم كان يحرص على أن يبني بجوار المسجد مدرسة ومكتبة تابعتين له وملحقتين به، ولما كان الناس على دين ملوكهم، فقد اقتدى بالسلاطين في ذلك الوزراء ومشايخ الإسلام، وعلى ذلك، فمجموعات المخطوطات في تركيا تنسب إلى ثلاث طوائف: السلاطين، مثل مكتبة السلطان سليم الأول - وهي المكتبة السليمية بأدرنه التي حدثتك عنها - ومكتبات السلطان محمد الفاتح والسلطان بايزيد، والسلطان أحمد الثالث، والمكتبة السليمانية نسبة إلى السلطان سليمان القانوني - أو المشرع - وكلها باستانبول.
والطائفة الثانية: الوزراء، مثل راغب باشا، وشهيد علي باشا، وكوبريلي باشا. والمكتبات الثلاث باستانبول، وكوبريلي باشا هذا، هو الوزير الفاضل أحمد بن محمد، وهو من كبار الرجال في الدولة العثمانية، يقول عنه المحبي في خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر ١/ ٣٥٣: «ولم يكن في الوزراء من يحفط أمر الدين وقانون الشريعة مثله، صعباً شديداً في أمور الشرع، سهلاً في أمور الدنيا، وكان حاذقاً مدبراً للملك، قائماً بضبطه، وملك من نفائس الكتب وعجائب الذخائر ما لا يدخل تحت الحصر، ولا يضبط بالإحصاء».
стр. 311
قلت: وممن اتصل به من العلماء: العلامة عبد القادر بن عمر البغدادي، صاحب «خزانة الأدب» فأكرمه وحظي عنده بمكانة رفيعة، وقد أهدى له البغدادي مؤلفه «حاشية على شرح بانت سعاد».
والطائفة الثالثة: مشايخ الإسلام، مثل: أسعد أفندي، وعاشر أفندي، وولي الدين أفندي، وعاطف أفندي، وفيض الله أفندي، وعلي أميري أفندي، ووهبي أفندي، وشيخ مراد أفندي - ومكتبته غير مكتبة مراد ملا - وكل هذه المكتبات باستانبول. وإسماعيل صائب أفندي ومكتبته بأنقرة.
ومع هذه الطوائف الثلاث ظهرت طائفة النساء اللائي عنين بجمع المخطوطات، فأنشأن لها مكتبات نسبت إليهن، مثل مكتبة طرخان، وصالحة خاتون، وأسما خان، وجلنوش، وبرتونيال، وكثير من المكتبات التي تسمى «والدة باشا» ثم تضاف إلى ابنها السلطان.
حفظ العلم:
ولعل هذا التنافس في جمع المخطوطات وإنشاء المكتبات بهذا الحشد الكبير في استانبول كان مبعثه رغبة سلاطين آل عثمان والوزراء ومشايخ الإسلام والوجهاء، أن يكون لاستانبول تلك المكانة التي كانت لدمشق عاصمة الأمويين، وبغداد عاصمة العباسيين، ومصر عاصمة الفاطميين والأيوبيين والمماليك.
هكذا يقول بعض الدارسين والمحللين، أما أنا فإني أرى أن هذا كله من تسخير الله بعض عباده لحفظ العلم وبقاء الكتب، ولعل كثيراً من الذين جمعوا المخطوطات وأنشأوا لها الخزائن والمكتبات لم يخطر ببالهم عاصمة كذا وعاصمة كذا، وهل نظن أن امرأة تركية من الفضليات اللائي جمعن المخطوطات وأنشأن المكتبات كانت تفكر في مثل هذا الذي يذكره المحللون؟ إنها عناية الله وتسخير الله، وكل ميسر لما خلق له، ألست ترى بعض الكتاب الآن يكتبون في موضوعات غاية في الخصوصية، ويعكفون على تحقيقات وبحوث، لا تحقق شهرة، ولا تجلب مالاً، ولكنه التسخير الإلهي، ولله في خلقه شؤون.
стр. 312
على أن اللافت للنظر حقاً أن المخطوطات العربية ليست توجد في استانبول وحدها - العاصمة القديمة لتركيا - كما هو الشأن في المخطوطات التي تقتنيها الدول، أن تكون في عواصمها فقط، فإنك واجد مخطوطات كثيرة في غير استانبول، من أنحاء تركيا كلها شرقاً وغرباً وشمالًا وجنوباً، وقد أورد الأستاذ أحمد آتش في مقالة له بمجلة معهد المخطوطات العربية (المجلد الرابع - الجزء الأول) بعنوان: «المخطوطات العربية في مكتبات الأناضول» أورد إحصائية عن المكتبات الكائنة خارج استانبول، قال بعد أن أشار إلى المؤسسات العلمية في أنحاء تركيا: «ولما اضطرت الدولة العثمانية بعد القرن السابع عشر الميلادي إلى مدافعة قسم كبير من العالم الإسلامي ضد عدوان أوروبا، طرأ على هذه المؤسسات العلمية نوع من الإهمال، ومع ذلك فإنه قد بذل بعد منتصف القرن الماضي على عهد السلطان عبد الحميد (١٨٧٦ - ١٩٠٩) مجهود عظيم لإحياء هذه المؤسسات العلمية، وحسب إحصاء سنة (١٣١١ - ١٣١٢) المطبوع في استانبول من قبل وزارة المعارف، في سنة ١٣١٨، فقد ثبت أنه كان موجوداً في المملكة العثمانية ما عدا استانبول ٢٧٢ مكتبة، تحتوي على ٧٧٣، ٧٦ نسخة مخطوطة»، ثم ذكر أسماء هذه المكتبات ومكانها من بلدان تركيا، وعدد المخطوطات بها. ثم ذكر أنه يوجد الآن في الأناضول وضواحيها ٥٩ مكتبة، أوردها بأسمائها وبلدانها وعدد المخطوطات بها.
وقد زرت أنا من هذه المدن ورأيت مخطوطاتها: أدرنه - بورسة - إسكي شهر - كوتاهية - أماسية - قيسارية - سمسون - قونية، وهي بلد الصوفي الكبير جلال الدين الرومي، صاحب «المثنوي» وبها قبره، وبها أيضاً قبر صدر الدين القونوي الفقيه الشافعي الصوفي.
وعلى ذلك فقل أن تجد مدينة من بلاد تركيا المتراحبة الواسعة ليس بها مكتبة مخطوطات، وهذا فرق ما بين تركيا وبين سائر الدول التي تضم مخطوطات في عواصمها فقط، أو مدنها الشهيرة، كما ذكرت من قبل. وتستطيع أن تقول باطمئنان
стр. 313
إن تركيا تعد أول دولة، من حيث تجميع المخطوطات وعددها، ولئن كان كثير من المشتغلين بعلم المخطوطات يقدرون عدد المخطوطات في مكتبات العالم بنحو ثلاثة ملايين مخطوط، فإني أرجح أن ما تضمه تركيا يبلغ نحو ثلث هذا العدد.
ومن بين مدن تركيا على امتدادها واتساعها تنفرد مدينة استانبول بثلثي التراث المخطوط في تركيا، فهي بحق مدينة المآذن والمخطوطات، وقد حدثتك من قبل عن مكتباتها المنسوبة إلى السلاطين والوزراء ومشايخ الإسلام، وهناك مكتبات أخرى غير هذه المكتبات المنسوبة، مثل طوبقبوسراي، ونور عثمانية، ومراد ملا، والبلدية، وجامعة استانبول وملت كتبخانه، وسليم أغا بأسكودار، في البر الأسيوي من استانبول، ويوصل إليها بالباخرة من أمينون في قلب استانبول، أمام مسجديني جامع، إلى مكتبات أخرى ضمت إلى المكتبة السليمانية، وتعد هذه المكتبة أضخم مكتبات استانبول، وقد أمر بإنشائها السلطان سليمان القانوني - أو المشرع - ابن السلطان سليم الأول فاتح مصر، وقد قام بتصميمها وبنائها «معمار سنان» وهو ذلك المعماري الشهير الذي بنى عشرات المساجد والتكايا والحمامات، وقد انتهى من بناء المكتبة سنة ٩٦٤ هـ - ١٥٥٧ م، وتقع هذه المكتبة العريقة بالقرب من مسجد السليمانية، وتتوسط المكتبة حديقة صغيرة مزدانة بالورد والزنابق، وتظللها شجرة صنوبر ضخمة تغطي الحديقة كلها بأغصانها المتناسقة.
وفي جانب من المكتبة - وفي القسم الثاني منها - كتبت لوحة تقول: «أنشأ هذه المكتبة المعمار سنان بين ١٥٤٩ - ١٥٥٧ ميلادي، بأمر السلطان سليمان القانوني ابن السلطان سليم الأول. يوجد اليوم في مكتبتنا ١٠١ خزانة كتب. أما المخطوطات الموجودة في مكتبتنا فهي ٦٣٩٤٧ مجلداً، والمطبوع ٣٨٥٠٠ مجلداً فقط، منها المخطوطات التركية ١١٤٥١ مجلداً - المخطوطات العربية ٤٨٨٥٤ مجلداً - المخطوطات الفارسية ٣٦٤١ مجلداً. وبلغ مجموع عدد المخطوطات الموجودة في المكتبة أكثر من ١٠٠.٠٠٠ كتاب ورسالة».
وتضم المكتبة أقسام التصوير والفهرسة، وتعقيم المخطوطات وترميمها
стр. 314
وتجليدها، ثم تسجيلها على الكمبيوتر. ويشيع في هذه المكتبة جو من السكينة والجلال لم أحسهما في مكتبة من مكتبات المخطوطات شرقاً وغرباً.
أما الخدمة المكتبية في هذه المكتبة فشيء معجب حقاً، تطلب المخطوط فتأتيك به الموظفة تحمله بين يديها في حنو وحدب وإشفاق، وكأنه وليد طال انتظاره، على ما قال ساعدة بن جؤية الهذلي:
أتاها على هون وقد شاب رأسها ... وحين تصدى للهوان عشيرها
ثم تظل عيناها معلقة بك وبه، فإذا رأت منك جفاء مع المخطوط، كاتكاء بيدك عليه، أو بل إصبعك لتقليب صفحة من صفحاته، أو اتخاذه سناداً لما تكتب ردتك عن ذلك رداً جميلًا، ولهذا ترى كثيراً من المخطوطات محتفظة بروائها وحمالها، وكأنها خرجت من يد النساخ للتو واللحظة.
وتوشك هذه المكتبة السليمانية أن تكون المكتبة المركزية العامة للمخطوطات، فإن وزارة الثقافة التركية تعمل على نقل المخطوطات إليها من الأقاليم البعيدة لتكون قريبة من الباحثين.
وإذا كانت تركيا تملك أكبر قدر من المخطوطات في العالم، فإنها كذلك تحتلفظ بأكبر قدر من النفائس والنوادر، وللنفاسة والندرة في عالم المخطوطات معايير كثيرة، من أبرزها وأظهرها قدم المخطوط، ونجد في مخطوطات تركيا كتباً ذوات عدد يرجع تاريخ نسخها إلى القرون المتقدمة: كالثالث والرابع والخامس والسادس، فضلاً عن المخطوطات التي كتبت بأقلام مؤلفيها أو تلاميذهم، والمخطوطات الفريدة التي لا تُعرف لها نسخ أخرى في مكتبات العالم، كل ذلك وأشباهه مما تغص به مكتبات تركيا، فمن نماذج القدم والعتاقة هذه المخطوطات:
المأثور عن أبي العميثل الأعرابي، في اللغة، المتوفى سنة ٢٤٠، نسخ سنة ٢٨٠، بخط نسخ مشكول بالحركات شكلاً جيداً، وهذا يفيد في معرفة تاريخ الشكل بالحركات، كيف كان في ذلك الزمان المتقدم. والنسخة بمكتبة ولي الدين باستانبول - دستور ثابت بن قرة المتوفى سنة ٢٨٨ - وهو كتاب في آلات الساعات - نسخ
стр. 315
سنة ٣٧٠، مكتبة كوبريلي باستانبول - رسالة مدح الكتب والحث على جمعها للجاحظ المتوفى سنة ٢٥٥، بخط علي ابن البواب الخطاط الشهير، سنة ٤١٣، متحق الأوقاف باستانبول - تحديد نهايات الأماكن لتصحيح مسافات المساكن، للبيروني المتوفى سنة ٤٤٠، نسخ سنة ٤١٦، (أي في حياة المؤلف) مكتبة الفاتح باستانبول - شرح كتاب أرسطوطاليس اللفارابي المتوفى سنة ٣٣٩، نسخ سنة ٥٣٨ - مكتبة أحمد الثالث باستانبول.
وليست النفائس والنوادر في مكتبات استانبول وحدها، بل هي في سائر المكتبات التركية، ومما رأيته بعيني من تلك النفائس: نسخة من «جامع معمر بن راشد» المتوفى سنة ١٥٣، وكتابه هذا في الحديث، وهو أقدم من «موطأ مالك» كما يقول ابن سمرة في طبقات فقهاء اليمن ص ٦٦، والنسخة بخط مغربي على رق غزال سنة ٣٦٤، وقد رأيتها في مجموعة إسماعيل صائب أفندي بمكتبة كلية الآداب بجامعة أنقرة، ومجموعة إسماعيل صائب هذه تحتوي على كثير من النفائس، لأن جامعها هذا كان يعمل مديراً لمكتبة بايزيد باستانبول، وقد جمع هذه المكتبة لنفسه خاصة لتحمل اسمه، وقد ظلت هذه المجموعة حبيسة الصناديق نحو عشرين عاماً، ولهذا لم تتضمنها موسوعة «تاريخ الأدب العربي» للمستشرق الألماني كارل بروكلمان، ومن نفائسها أيضاً كتاب «حلية الفقهاء» لابن فارس المتوفى سنة ٣٩٥، نسخ سنة ٥٨٩، وترجع نفاسة هذه النسخة - مع قدم نسخها - إلى أنها النسخة الوحيدة في العالم إلى الآن. وعنها كانت نشرة الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي وزير الدعوة والشؤون الإسلامي بالمملكة العربية السعودية.
ومن النفائس التي رأيتها بمكتبة قونية: نسخة من «المقصور والممدود» لابن ولاد المتوفى سنة ٣٣٢، ونسخة من «المذكر والمؤنث» لأبي حاتم السجستاني المتوفى سنة ٢٥٥، وكلتا النسختين من خطوط القرن الرابع. ثم رأيت في قونية أيضاً نسخة من «غريب القرآن» قتيبة المتوفى سنة ٢٧٦، من خطوط القرن السادس، ولم ير أستاذنا السيد أحمد صقر ﵀، هذه النسخة عند نشره للكتاب سنة
стр. 316
١٧٧٨ هـ = ١٩٥٨، وإنما كان تعوليه على نسخة وحيدة كانت صورتها في مكتبة المحدث الجليل الشيخ أحمد محمد شاكر.
ومما رأيت من النفائس مجموعة شعرية كتبت بخط نسخي جيد من خطوط القرن السابع تقديراً، تشتمل على أشعار بشر بن أبي خازم، وتميم بن أبي بن مقبل، والطرماح بن حكيم. وهذه المجموعة الشعرية محفوظة في مدينة صغيرة تسمى «جوروم» تقع في هضاب الأناضول في الوسط، إلى الشمال الشرقي من أنقرة العاصمة، وعن هذه المجموعة نشر الدكتورة عزة حسن دواوين الشعراء الثلاثة بدمشق.
أما نسخ المصاحف القرآنية، والمخطوطات الخزائنية - وهي التي جودت وزينت لخزائن السلاطين والملوك، والمخطوطات المزوقة، فشيء بالغ الكثرة.
وهكذا امتلأت خزائن تركيا بالمخطوطات العربية التي تنافس في جمعها السلاطين والوزراء ومشايخ الإسلام، ووجهاء الناس حتى النساء، جمعوها من البلاد التي طالها حكمهم ثم حفظوها وصانوها، كما يصون كرام الأبناء ودائع الآباء، وهذا الحفظ وتلك الصيانة قامت بهما تركيا العثمانية (الخلافة) وتركيا العلمانية (الجمهورية) سواء بسواء.
وليس فضل الأتراك العثمانيين على اللسان العربي، وعلى الفكر العربي محصوراً فقط في هذا القدر الكبير من المخطوطات العربية التي جمعوها وحفظوها، بل قد جاءنا منهم خير كثير: جاءنا منهم أعظم وأجمع ما كتب في علم أحوال الكتب، أو قوائك الكتب (الببليوغراقيا العربية)، وهو كتاب كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، لمصطفى بن عبد الله، كاتب جلبي، المعروف بالحاج خليفة، أو: حاجي خليفة، المولود باستانبول سنة ١٠١٧ هـ، = ١٦٠٩ م، والمتوفى بها سنة ١٠٦٧ هـ = ١٦٥٧ م، وهذا الكتاب «من أوسع ما بأيدي الباحثين اليوم من الكتب المؤلفة في استقصاء ذكر المؤلفات في الإسلام، وأنفعها في بيان أحوال الكتب، كما يقول بلديه العلامة الشيخ محمد زااهد الكوثري، وكيل المشيخة الإسلامية في دار الخلافة العثمانية، والمتوفى بمصر سنة ١٣٧١ هـ - في كتابه مقالات الكوثري ص ٤٧٨.
стр. 317
ولهذا الكتاب - كشف الظنون - قيمة كبرى في رصد حركة التأليف العربي، وتتبع مساره منذ بداية التدوين حتى القرن الحادي عشر الهجري. ومادته العلمية غزيرة جداً، فقد ذكر نحو (٢٠٠) علم وفن، ونحو (١٥٠٠٠) عنوان كتاب، ونحو (٩٥٠٠) مؤلف.
وجاءنا من تركيا العثمانية أيضاً «الخط العربي»، هذا الفن الجميل الذي يعد معلماً بارزاً من معالم الإبداع الفني عند المسلمين، وخاصية حضارية ينفردون بها عن سائر الشعوب.
وإذا كان تاريخنا يذكر أسماء عظيمة كان لها أثر واضح في تزيين الخط العربي والإبداع فيه، مثل ابن مقلة الوزير الشاعر البغدادي (٣٢٨ هـ)، وابن البواب البغدادي (٤٢٣ هـ) وقد هذب طريقة ابن مقلة، وكساها رونقاً وبهاء، ويقال: إنه كتب القرآن بيده ٦٤ مرة، ومن حسن حظنا أن يبقى من خطه أثر، وهو «شعر سلامة بن جندل» في مخطوطة كتبها بقلمه الجميل سنة ٤٠٨، وهي محفوظة بمكتبة بغداد كشك باستانبول. وكذلك بقي من خطه رسالة «مدح الكتب والحث على جمعها» للجاحظ، وقد ذكرتها من قبل. وياقوت المستعصمي الرومي (٦٨٩ هـ) وآثار هذا الخطاط كثيرة، في تركيا وفي غيرها، وبخاصة المصاحف الشريفة. وفي مكتبة السليمانية وحدها نسختان من المصحف الشريف بخطه.
أقول: إذا كان تاريخنا قد سجل هذه الأسماء التي أبدعت وجودت في الخط العربي، فإن الخطاطين الأتراك العثمانيين قد ارتقوا بهذا الفن إلى أعلى درجاته، وتألقت أقلامهم وأبدعت تشكيلات هي الغاية والمنتهى، وسيظل تاريخ الخط العربي يردد أسماء الخطاطين الأتراك العثمانيين، مثل الحافظ عثمان، وأسعد اليساري، وقاضي العسكر مصطفى عزت، والحاج حسن رضا، وحقي، وسامي، وخلوصي، وعثمان أوزجاي، ومحمد أوزجاي، وقنوي، وحمد الله المعروف بابن الشيخ، وأحمد كامل المعروف برئيس الخطاطين، ثم العلم الكبير: حامد الآمدي. وقل أن تجد واحداً من هؤلاء لم يكتب المصحف الشريف، فكان كلام ربنا عز وجل
стр. 318
مجلى فن هؤلاء الخطاطين الذين أجادوا في كتابته غاية الإجادة، ما بين كتابته كاملاً، أو كتابة بعض آياته، حتى قيل بحق: «إن القرآن الكريم نزل بمكة، وقرئ في مصر، وكتب في استانبول».
وهذا الإبداع في فن الخط العربي ليس في المسطور بين دفتي كتاب فقط، فأنت تراه أيضاً يزين جدران وقباب المساجد كلها صغارها وكبارها، بأقلام الخط الستة المعروفة، وإن كان أكثر ما رأيته في المساجد: الثلث والفارسي، ومن المألوف في أكثر المساجد أن تجد مكتوباً: الله ﷻ محمد ﷺ الصحابة الأربعة الراشدين، ثم الحسن والحسين، وأحياناً الصحابة الستة الذين تتم بهم العشرة المبشرون بالجنة.
ومن أنفس وأبدع المجموعات الخطية ما رأيته في مسجد السليمانية باستانبول، والمسجد الكبير بمدينة بورسة، وهو المسمى «أولو جامع»، فالخطوط في هذين المسجدين من وراء الوصف، فهي من الأشياء التي تحيط بها المعرفة ولا تدركها الصفة. ولست أدري كيف كتب ذلك الخطاط التركي العظيم تلك القافات الثلث في مدخل جامع بورسة، فقد كتب بها سورة العلق: «قافات كبيرة جداً على شكل دائرة ثم وصل بينها ببقية الآيات بالحرف الصغير، وكذلك صنع بالسينات التي تنتهي بها سورة الناس».
لفظ الجلالة:
على أن أبدع وأجمل ما رأيته في كتابه لفظ الجلالة «الله» و «محمد» ﷺ ، ما رأيه في صدر كنيسة آيا صوفيا التي حولها السلطان محمد الفاتح إلى مسجد، وقد تحول هاذ المسجد الآن إلى متحف، وقد راعني ما رأيت: قباب عالية تملؤها خطوط تخطف البصر بجمالها، وعلى جانبي الكنيسة آثار إسلامية، مستحدثة على هذا البناء الكنسي العتيق، وفي مكان الهيكل وبعيداً عنه شيئاً ما أقيم المحراب، وعلى يمينه نهض منبر فخم، ومن وراء المحراب بقيت صورة السيدة مريم ﵍ في صدر الهيكل. ومما يلفت النظر في هذه الكنيسة أن الآثار المسيحية لم تمح فبقيت كما هي، ثم استحدثت أبنية إسلامية كبعض الإيوانات ومصلى النساء.
стр. 319
ومما ينبغي التنبه له والتنبيه عليه أن عناية الأتراك بالخط العربي وتحسينه لا زالت باقية إلى الآن في تركيا (الجمهورية)، ومن الخطاطين الأتراك المعاصرين: داود بكتاش، وإيدين أركون، وعثمان أونال، وأفضل الدين فيلج، وعلي طوى، وتحسين قورت، وآي تكين أرسلان، ثم يتقدم هؤلاء كبيرهم الأستاذ حسن جلبي خطاط الجمهورية. فما برح النهر يجري متدفقاً زخاراً.
ورغم أن لمصر تاريخاً في فن الخط العربي، فإن أثر الخطاطين الأتراك كان واضحاً على هذا الفن في مصر، وحين أنشاأ الملك فؤاد مدرسة تحسين الخطوط الملكية عام ١٩٢٠ م - ومقرها كان ولا يزال بمدرسة خليل آغا الثانوية بشارع الجيش - قام بالتدريس فيها الخطاطون المصريون المعروفون آنذاك: الشيخ علي بدوي، والشيخ محمود رضوان، ومحمد إبراهيم، ونجيب هواويني، وهو سوري عاش ومات في القاهرة، ثم استقدم الملك فؤاد خطاطاً تركياً كبيراً من استانبول هو «الشيخ محمد عبد العزيز الرفاعي» الذي يوقع أحياناً على خطوطه باسم «عزيز»، وهو من تلاميذ الخطاط الحاج أحمد العارف الفلبوي، والخطاط حسن حسني القرين آبادي، كما ذكر هو في بعض لوحاته.
وقد أثر الشيخ عبد العزيز تأثيراً كبيراً في تلاميذه الذين درسوا على يديه وارتقى به فن الخط في مصر ارتقاءً عظيماً، وظهر أثره واضحاً في سيد إبراهيم، وبخاصة في خط الثلث، وفي محمد حسني، وبخاصة في الخط الفارسي.
وقد جمعت روائع الشيخ عبد العزيز الرفاعي في كتالوج فخم جداً، وفيه ترجمة لحياته وأسفاره، وطبع هذا الكتالوج في استانبول سنة ١٩٨٨ م، وفيه صورة رسالة بخط الشيخ عبد العزيز الرفاعي إلى شيخ الأزهر، وهي وثيقة مفيدة، في تاريخ نزوله بمصر ومحل إقامته.
وهذه صورة الوثيقة: «حضرة صاحب الفضيلة شيخ الجامع الأزهر الشريف. أعرض لفضيلتكم أني دعيت من الآستانة العلية لكتابة المصحف الشريف لحضرة مولانا صاحب الجلالة الملك فؤاد الأول، وقد كتبت نموذجاً لطلبة المدارس
стр. 320
والأزهر، وها هو مرفق طيه للاطلاع عليه حتى إذا حاز القبول يكرم باعتماد تقريره بالأزهر، وإني مستعد لتقديم الكمية اللازمة، وفي الختام تفضلوا بقبول فائق الاحترام - في ٢٣ أكتوبر سنة ١٩٢٣ الشيخ محمد عبد العزيز الرفاعي الخطاط المقيم بتكية المولوية بشارع السيوفية نمرة ٣١ قسم الخليفة».
توفي الشيخ عبد العزيز ودفن في استانبول يوم ١٦ من أغسطس سنة ١٩٣٤ م وقبره قريب من مسجد الفاتح، وهو أكبر خطاط في هذا الجيل، وترى نماذج من خطه في عنوانات بعض الكتب التي طبعتها دار الكتب المصرية: الأغاني للأصفهاني، وذيل الأمالي والنوادر لأبي علي القالي، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ونهاية الأرب للنويري. ورأيت في الستينات بعض لوحات بخطه في قاعة المعارضة بدار الكتب المصرية، لا أعرف مصيرها الآن.
وإلى جانب هذا الكتالوج الخاص بالشيخ عبد العزيز الرفاعي، رأينا عملًا رائعاً آخر أصدره مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية، التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وهو كتاب «فن الخط» وهو ثمرة جهود طويلة قام بها فريق من الباحثين تحت إشراف الدكتور أكمل الدين إحسان أوغلي مدير عام المركز، ويضم الكتاب مقدمة تاريخية حول نشأة الكتابة العربية وأعلام الخطاطين القدامى، إلى أن يصل إلى الخطاطين العثمانيين، ويحتوي الكتاب على ١٩٢ لوحة وصورة بالألوان.
ويقوم هذا المركز بجهود عظيمة في مجال التاريخ والفنون الإسلامية، ومن صور نشاطه إقامة مسابقات دولية لفن الخط العربي توجه منها الدعوة لخطاطي العالم كله. ومن إصداراته الجيدة «فهرس مخطوطات مكتبة كوبريلي» في ثلاثة مجلدات ضخام - استانبول ١٤٠٦ هـ، = ١٩٨٦ م، وفهرس مخطوطات الطب الإسلامي باللغات العربية والتركية والفارسية في مكتبات تركيا، ١٤٠٤ هـ = ١٩٨٤ م، ويدير هذا المركز ويوجه نشاطه شاب مثقف، يتوقد ذكاء، ويتوهج حماسة، هو الأستاذ الدكتور «أكمل الدين إحسان أوغلي» وهو تركي، ولكنه مصري المولد والنشأة والتعليم، تخرج في كلية العلوم، وعين معيداً بجامعة الأزهر في أول