١٧٧٨ هـ = ١٩٥٨، وإنما كان تعوليه على نسخة وحيدة كانت صورتها في مكتبة المحدث الجليل الشيخ أحمد محمد شاكر.
ومما رأيت من النفائس مجموعة شعرية كتبت بخط نسخي جيد من خطوط القرن السابع تقديراً، تشتمل على أشعار بشر بن أبي خازم، وتميم بن أبي بن مقبل، والطرماح بن حكيم. وهذه المجموعة الشعرية محفوظة في مدينة صغيرة تسمى «جوروم» تقع في هضاب الأناضول في الوسط، إلى الشمال الشرقي من أنقرة العاصمة، وعن هذه المجموعة نشر الدكتورة عزة حسن دواوين الشعراء الثلاثة بدمشق.
أما نسخ المصاحف القرآنية، والمخطوطات الخزائنية - وهي التي جودت وزينت لخزائن السلاطين والملوك، والمخطوطات المزوقة، فشيء بالغ الكثرة.
وهكذا امتلأت خزائن تركيا بالمخطوطات العربية التي تنافس في جمعها السلاطين والوزراء ومشايخ الإسلام، ووجهاء الناس حتى النساء، جمعوها من البلاد التي طالها حكمهم ثم حفظوها وصانوها، كما يصون كرام الأبناء ودائع الآباء، وهذا الحفظ وتلك الصيانة قامت بهما تركيا العثمانية (الخلافة) وتركيا العلمانية (الجمهورية) سواء بسواء.
وليس فضل الأتراك العثمانيين على اللسان العربي، وعلى الفكر العربي محصوراً فقط في هذا القدر الكبير من المخطوطات العربية التي جمعوها وحفظوها، بل قد جاءنا منهم خير كثير: جاءنا منهم أعظم وأجمع ما كتب في علم أحوال الكتب، أو قوائك الكتب (الببليوغراقيا العربية)، وهو كتاب كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، لمصطفى بن عبد الله، كاتب جلبي، المعروف بالحاج خليفة، أو: حاجي خليفة، المولود باستانبول سنة ١٠١٧ هـ، = ١٦٠٩ م، والمتوفى بها سنة ١٠٦٧ هـ = ١٦٥٧ م، وهذا الكتاب «من أوسع ما بأيدي الباحثين اليوم من الكتب المؤلفة في استقصاء ذكر المؤلفات في الإسلام، وأنفعها في بيان أحوال الكتب، كما يقول بلديه العلامة الشيخ محمد زااهد الكوثري، وكيل المشيخة الإسلامية في دار الخلافة العثمانية، والمتوفى بمصر سنة ١٣٧١ هـ - في كتابه مقالات الكوثري ص ٤٧٨.
стр. 317
ولهذا الكتاب - كشف الظنون - قيمة كبرى في رصد حركة التأليف العربي، وتتبع مساره منذ بداية التدوين حتى القرن الحادي عشر الهجري. ومادته العلمية غزيرة جداً، فقد ذكر نحو (٢٠٠) علم وفن، ونحو (١٥٠٠٠) عنوان كتاب، ونحو (٩٥٠٠) مؤلف.
وجاءنا من تركيا العثمانية أيضاً «الخط العربي»، هذا الفن الجميل الذي يعد معلماً بارزاً من معالم الإبداع الفني عند المسلمين، وخاصية حضارية ينفردون بها عن سائر الشعوب.
وإذا كان تاريخنا يذكر أسماء عظيمة كان لها أثر واضح في تزيين الخط العربي والإبداع فيه، مثل ابن مقلة الوزير الشاعر البغدادي (٣٢٨ هـ)، وابن البواب البغدادي (٤٢٣ هـ) وقد هذب طريقة ابن مقلة، وكساها رونقاً وبهاء، ويقال: إنه كتب القرآن بيده ٦٤ مرة، ومن حسن حظنا أن يبقى من خطه أثر، وهو «شعر سلامة بن جندل» في مخطوطة كتبها بقلمه الجميل سنة ٤٠٨، وهي محفوظة بمكتبة بغداد كشك باستانبول. وكذلك بقي من خطه رسالة «مدح الكتب والحث على جمعها» للجاحظ، وقد ذكرتها من قبل. وياقوت المستعصمي الرومي (٦٨٩ هـ) وآثار هذا الخطاط كثيرة، في تركيا وفي غيرها، وبخاصة المصاحف الشريفة. وفي مكتبة السليمانية وحدها نسختان من المصحف الشريف بخطه.
أقول: إذا كان تاريخنا قد سجل هذه الأسماء التي أبدعت وجودت في الخط العربي، فإن الخطاطين الأتراك العثمانيين قد ارتقوا بهذا الفن إلى أعلى درجاته، وتألقت أقلامهم وأبدعت تشكيلات هي الغاية والمنتهى، وسيظل تاريخ الخط العربي يردد أسماء الخطاطين الأتراك العثمانيين، مثل الحافظ عثمان، وأسعد اليساري، وقاضي العسكر مصطفى عزت، والحاج حسن رضا، وحقي، وسامي، وخلوصي، وعثمان أوزجاي، ومحمد أوزجاي، وقنوي، وحمد الله المعروف بابن الشيخ، وأحمد كامل المعروف برئيس الخطاطين، ثم العلم الكبير: حامد الآمدي. وقل أن تجد واحداً من هؤلاء لم يكتب المصحف الشريف، فكان كلام ربنا عز وجل
стр. 318
مجلى فن هؤلاء الخطاطين الذين أجادوا في كتابته غاية الإجادة، ما بين كتابته كاملاً، أو كتابة بعض آياته، حتى قيل بحق: «إن القرآن الكريم نزل بمكة، وقرئ في مصر، وكتب في استانبول».
وهذا الإبداع في فن الخط العربي ليس في المسطور بين دفتي كتاب فقط، فأنت تراه أيضاً يزين جدران وقباب المساجد كلها صغارها وكبارها، بأقلام الخط الستة المعروفة، وإن كان أكثر ما رأيته في المساجد: الثلث والفارسي، ومن المألوف في أكثر المساجد أن تجد مكتوباً: الله ﷻ محمد ﷺ الصحابة الأربعة الراشدين، ثم الحسن والحسين، وأحياناً الصحابة الستة الذين تتم بهم العشرة المبشرون بالجنة.
ومن أنفس وأبدع المجموعات الخطية ما رأيته في مسجد السليمانية باستانبول، والمسجد الكبير بمدينة بورسة، وهو المسمى «أولو جامع»، فالخطوط في هذين المسجدين من وراء الوصف، فهي من الأشياء التي تحيط بها المعرفة ولا تدركها الصفة. ولست أدري كيف كتب ذلك الخطاط التركي العظيم تلك القافات الثلث في مدخل جامع بورسة، فقد كتب بها سورة العلق: «قافات كبيرة جداً على شكل دائرة ثم وصل بينها ببقية الآيات بالحرف الصغير، وكذلك صنع بالسينات التي تنتهي بها سورة الناس».
لفظ الجلالة:
على أن أبدع وأجمل ما رأيته في كتابه لفظ الجلالة «الله» و «محمد» ﷺ ، ما رأيه في صدر كنيسة آيا صوفيا التي حولها السلطان محمد الفاتح إلى مسجد، وقد تحول هاذ المسجد الآن إلى متحف، وقد راعني ما رأيت: قباب عالية تملؤها خطوط تخطف البصر بجمالها، وعلى جانبي الكنيسة آثار إسلامية، مستحدثة على هذا البناء الكنسي العتيق، وفي مكان الهيكل وبعيداً عنه شيئاً ما أقيم المحراب، وعلى يمينه نهض منبر فخم، ومن وراء المحراب بقيت صورة السيدة مريم ﵍ في صدر الهيكل. ومما يلفت النظر في هذه الكنيسة أن الآثار المسيحية لم تمح فبقيت كما هي، ثم استحدثت أبنية إسلامية كبعض الإيوانات ومصلى النساء.
стр. 319
ومما ينبغي التنبه له والتنبيه عليه أن عناية الأتراك بالخط العربي وتحسينه لا زالت باقية إلى الآن في تركيا (الجمهورية)، ومن الخطاطين الأتراك المعاصرين: داود بكتاش، وإيدين أركون، وعثمان أونال، وأفضل الدين فيلج، وعلي طوى، وتحسين قورت، وآي تكين أرسلان، ثم يتقدم هؤلاء كبيرهم الأستاذ حسن جلبي خطاط الجمهورية. فما برح النهر يجري متدفقاً زخاراً.
ورغم أن لمصر تاريخاً في فن الخط العربي، فإن أثر الخطاطين الأتراك كان واضحاً على هذا الفن في مصر، وحين أنشاأ الملك فؤاد مدرسة تحسين الخطوط الملكية عام ١٩٢٠ م - ومقرها كان ولا يزال بمدرسة خليل آغا الثانوية بشارع الجيش - قام بالتدريس فيها الخطاطون المصريون المعروفون آنذاك: الشيخ علي بدوي، والشيخ محمود رضوان، ومحمد إبراهيم، ونجيب هواويني، وهو سوري عاش ومات في القاهرة، ثم استقدم الملك فؤاد خطاطاً تركياً كبيراً من استانبول هو «الشيخ محمد عبد العزيز الرفاعي» الذي يوقع أحياناً على خطوطه باسم «عزيز»، وهو من تلاميذ الخطاط الحاج أحمد العارف الفلبوي، والخطاط حسن حسني القرين آبادي، كما ذكر هو في بعض لوحاته.
وقد أثر الشيخ عبد العزيز تأثيراً كبيراً في تلاميذه الذين درسوا على يديه وارتقى به فن الخط في مصر ارتقاءً عظيماً، وظهر أثره واضحاً في سيد إبراهيم، وبخاصة في خط الثلث، وفي محمد حسني، وبخاصة في الخط الفارسي.
وقد جمعت روائع الشيخ عبد العزيز الرفاعي في كتالوج فخم جداً، وفيه ترجمة لحياته وأسفاره، وطبع هذا الكتالوج في استانبول سنة ١٩٨٨ م، وفيه صورة رسالة بخط الشيخ عبد العزيز الرفاعي إلى شيخ الأزهر، وهي وثيقة مفيدة، في تاريخ نزوله بمصر ومحل إقامته.
وهذه صورة الوثيقة: «حضرة صاحب الفضيلة شيخ الجامع الأزهر الشريف. أعرض لفضيلتكم أني دعيت من الآستانة العلية لكتابة المصحف الشريف لحضرة مولانا صاحب الجلالة الملك فؤاد الأول، وقد كتبت نموذجاً لطلبة المدارس
стр. 320
والأزهر، وها هو مرفق طيه للاطلاع عليه حتى إذا حاز القبول يكرم باعتماد تقريره بالأزهر، وإني مستعد لتقديم الكمية اللازمة، وفي الختام تفضلوا بقبول فائق الاحترام - في ٢٣ أكتوبر سنة ١٩٢٣ الشيخ محمد عبد العزيز الرفاعي الخطاط المقيم بتكية المولوية بشارع السيوفية نمرة ٣١ قسم الخليفة».
توفي الشيخ عبد العزيز ودفن في استانبول يوم ١٦ من أغسطس سنة ١٩٣٤ م وقبره قريب من مسجد الفاتح، وهو أكبر خطاط في هذا الجيل، وترى نماذج من خطه في عنوانات بعض الكتب التي طبعتها دار الكتب المصرية: الأغاني للأصفهاني، وذيل الأمالي والنوادر لأبي علي القالي، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ونهاية الأرب للنويري. ورأيت في الستينات بعض لوحات بخطه في قاعة المعارضة بدار الكتب المصرية، لا أعرف مصيرها الآن.
وإلى جانب هذا الكتالوج الخاص بالشيخ عبد العزيز الرفاعي، رأينا عملًا رائعاً آخر أصدره مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية، التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وهو كتاب «فن الخط» وهو ثمرة جهود طويلة قام بها فريق من الباحثين تحت إشراف الدكتور أكمل الدين إحسان أوغلي مدير عام المركز، ويضم الكتاب مقدمة تاريخية حول نشأة الكتابة العربية وأعلام الخطاطين القدامى، إلى أن يصل إلى الخطاطين العثمانيين، ويحتوي الكتاب على ١٩٢ لوحة وصورة بالألوان.
ويقوم هذا المركز بجهود عظيمة في مجال التاريخ والفنون الإسلامية، ومن صور نشاطه إقامة مسابقات دولية لفن الخط العربي توجه منها الدعوة لخطاطي العالم كله. ومن إصداراته الجيدة «فهرس مخطوطات مكتبة كوبريلي» في ثلاثة مجلدات ضخام - استانبول ١٤٠٦ هـ، = ١٩٨٦ م، وفهرس مخطوطات الطب الإسلامي باللغات العربية والتركية والفارسية في مكتبات تركيا، ١٤٠٤ هـ = ١٩٨٤ م، ويدير هذا المركز ويوجه نشاطه شاب مثقف، يتوقد ذكاء، ويتوهج حماسة، هو الأستاذ الدكتور «أكمل الدين إحسان أوغلي» وهو تركي، ولكنه مصري المولد والنشأة والتعليم، تخرج في كلية العلوم، وعين معيداً بجامعة الأزهر في أول
стр. 321
سني التطوير، ثم أكمل تعليمه العالي في لندن، وعاد إلى موطنه تركيا.
ووالده الشيخ «إحسان» من علماء الأتراك الذين نزلوا مصر، واتخذوها داراً ومقاماً، وكان رئيس قسم الفهارس الشرقية بدار الكتب المصرية إلى أوائل الستينات. رأيته شيخاً مهيب الطلعة، حسن السمت، صالح الوجه.
ولا يبقى إلا أن نلتفت التفاتة جادة إلى تجربة الأتراك في حفظ المخطوطات وصيانتها، وأن ننقلها إلى ديارنا، فالحكمة ضالة المؤمن يأخذها أنى وجدها. كذلك ينبغي أن نستفيد من جهودهم في فن الخط العربي، جمعاً لروائعه ونشراً لها، وإني أدعو ورثة الخطاطين المصريين الكبار، من أمثال سيد إبراهيم ومحمد حسني ومحمد إبراهيم ويوسف أحمد، والخطاطين الأحياء أمثال محمد عبد القادر وحسين أمين، ومن إليهما، أدعو هؤلاء جميعاً إلى جمع ما لديهم من خطوط، ونشرها بين دفتي كتاب يحفظها، أثراً يبقى ونموذجاً يحتذى، بل إننا لو جمعنا فقط عنوانات الكتب التي خطها سيد إبراهيم ومحمد حسني لأظهرنا كنزاً من الفن العالي، ولأحيينا تاريخاً عزيزاً كاد يضيع بتأثير الكمبيوتر وتشكيلاته المستحدثة التي لا تقوم على قواعد، ولا تستند إلى أصول، كما ذكر الأستاذ حامد العويضي في مقالته الجيدة «جماليات الخط العربي أمام مخاطر الكمبيوتر» - عدد أكتوبر الماضي من الهلال.
والحق أن هذا الذي نراه من الكمبيوتر الآن من تخليط واضطراب إنما سبقه ومهد له، وأغرى به ما قام به بعض الرسامين وخريجي الفنون الجميلة منذ زمن، من اللعب بقواعد الخط العربي وتجاوزها، في هذه الخطوط الصاعدة والهابطة، والمنتصبة والمضطجعة، وقد قالوا وقتها: إنه الخط الحر، على مثال الشعر الحر، وكلها فتن ومصائب يأخذ بعضها برقاب بعض، ولا نتنبه لها في بدايتها ونتركها حتى تعظم ويتطاير شررها، على ما قال الحارث بن وعلة الذهلي:
والقول تحقره وقد ينمي ... وبالله نستدفع البلايا
* * *
стр. 322
في كم يتلى القرآن ؟ (١)
القرآن كلام الله، تنزيل من حكيم حميد، نزل به الروح الأمين جبريل ﵇ على قلب محمد ﷺ ليكون من المنذرين، وقد أمر ﵇ بتلاوته على أمته، وأمرت أمته بتلاوته وتدبر آياته والعمل بها، وقد أثنى ربنا على عباده التالين له، فقال تقدست أسماؤه: ﴿إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية يرجون تجارة لن تبور (٢٩) ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور (٣٠)﴾ [فاطر].
ويأتي رمضان كل عام مذكراً بهذا النور المبين، فقد نزل القرآن الكريم في ليلة مباركة منه. والمسلم وإن كان مأموراً بقراءة القرآن في كل وقت وحين، فإنه يجد لذة وأنساً حين يقرؤه في رمضان لا يجدهما في وقت آخر، ونعم إن القرآن يطيب به الفم ويزكو به العمل في كل آن، ولكن الله يجعل لبعض الأيام ولبعض المواضع خصوصية ليست لغيرهما، وقد روي عن محمد بن مسلمة، قال: قال رسول الله ﷺ : «إن لربكم في أيام دهركم نفحات فتعرضوا لها»، مجمع الزوائد اللهيثمي ١٠/ ٢٣١.
ولقد حفظت القرآن صغيراً، واشتغلت بعلومه كبيراً، وقرأته على فحول شيوخه واستمعته من كبار مقرئيه، ولا زلت مغموراً بنوره وضيائه، فهو معي في مغداي ومراحي، وفي حلي وترحالي، والحمد لله، ولكن حلاوته تعظم في فمي، ونغمه يعذب في سمعي حين أقرؤه في رمضان، وفي الحرمين الشريفين، وكم كان
стр. 323
قلبي يخشع وكياني يهتز، ودموعي تجري حين أقرأ - وأنا في الروضة الشريفة - تلك الآيات التي تخاطب الرسول ﷺ وتناديه، فأقرأ وأتمثل وأستحضر وأنا بقرب النور وفي كرم الجوار، فأي جلال وأي جمال!
وما دخلت المسجد النبوي مرة إلا وقرأت سورة النساء، لأستحضر تلك الصورة الغالية الخاشعة لرسول الله ﷺ وابن مسعود يقرأ عليه سورة النساء وذلك ما رواه البخاري عنه قال: قال لي النبي ﷺ : «اقرأ علي»، قلت: يا رسول الله، أأقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: «نعم»، فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيدٍ وجئنا بك على هؤلاء شهيدا (٤١)﴾ قال: «حسبك الآن». فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان. صحيح البخاري (باب قول المقرئ للقارئ حسبك من كتاب فضائل القرآن) ٦/ ٢٤١.
وهكذا تكون معرفة التفسير وأسباب النزول معينة على فهم القرآن وتدبره، فإذا انضم إلى ذلك معرفة غريبه ووجوه قراءاته ونحوه وإعرابه ومعانيه، كان ذلك أعون على معرفة أسراره والوقوف على دقائقه، ثم التلذذ بتلاوته، واستصغار لذائذ الدنيا كلها بجوار آية واحدة من آياته يتلوها المؤمن مستجمعاً لها فكره مخلياً لها قلبه، ولذلك يقول أحمد بن أبي الحوارى الصوفي المتوفى سنة ٢٣٠: «إني لأقرأ القرآن فأنظر في آية فيحار عقلي فيها، وأعجب من حفاظ القرآن كيف يهنيهم النوم ويسعهم أن يشتغلوا بشيء، من الدنيا وهم يتلون كلام الرحمن؟ أما لو فهموا ما يتلون وعرفوا حقه، وتلذذوا به، واستحلوا المناجاة به، لذهب عنهم النوم، فرحاً بما رزقوا ووقفوا». طبقات الصوفية للسلمي ص ١٠٢.
والقرآن مؤنس لتاليه، مزيل لوحشته، يقول الراغب الأصفهاني في مقدمة كتابه «حل متشابهات القرآن»: «فاتفقت خلوة سطوت على وحشتها بالقرآن، ولولا إنه لم يكن لي بها يدان .. وكانت هذه الخلوة خلوة عين لا خلوة قلب، واضطرار لا عن اختيار، بل لقهر وغلب». والظاهر أن المراد بهذه الخلوة السجن. مقدمة تحقيق كتاب المفردات في األفاظ القرآن ص ٢٩.
стр. 324
والمسلم حين يتلو القرآن ليس لساناً يضطرب في جوبة الحنك فقط، ولكنه لسان يتلو، وقلب يخشع، ونفس تموج، وعزم ينهج، ولعمر بن الخطاب ﵁ كلام نفيس، في أن المسلم مطالب بأن يجمع القرآن ويحفظه ويحيط به ويجعله إمامه في جوارحه كلها، وفي عمله كله، وذلك ما أخرجه ابن جرير الطبري عن الحسن «أن ناساً لقوا عبد الله بن عمرو بمصر، فقالوا: نرى أشياء من كتاب الله، أمر أن يعمل بها، لا يعمل بها، فأردنا أن نلقى أمير المؤمنين في ذلك. فقدم وقدموا معه، فلقيه عمر ﵁ فقال: متى قدمت؟ قال: منذ كذا وكذا، قال: أبإذن قدمت؟ قال: فلا أدري كيف رد عليه، فقال: يا أمير المؤمنين، إن ناساً لقوني بمصر فقالوا: إنا نرى أشياء من كتاب الله ﵎، أمر أن يعمل بها لا يعمل بها؛ فأحبوا أن يلقوك في ذلك. فقال: اجمعهم لي، قال: فجمعتهم له ... فأخذ أدناهم رجلاً، فقال: أنشدك بالله وبحق الإسلام عليك، أقرأت القرآن كله؟ قال: نعم، قال: فهل أحصيته في نفسك؟ قال: اللهم لا، - قال: ولو قال «نعم» لخصمه -، قال: فهل أحصيته في بصرك؟ هل أحصيته في لفظ؟ هل أحصيته في أثرك؟ قال: ثم تتبعهم حتى أتى على آخرهم، فقال: ثكلت عمر أمه! أتكلفونه أن يقيم الناس على كتاب الله؟ قد علم ربنا أن ستكون لنا سيئات. قال: وتلا: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلًا كريما (٣١)﴾ [النساء]- هل علم أهل المدينة - أو قال: هل علم أحد - بما قدمتم؟ قالوا: لا، قال: لو علموا لوعظت بكم) تفسير الطبري: ٨/ ٢٥٤، ٢٥٥.
قال شيخنا أبو فهر محمود محمد شاكر: «وقوله: «لوعظت بكم»، أي: لأنزلت بكم من العقوبة ما يكون عظة لغيركم من الناس، وذلك أنهم جاءوا في شكاة عاملهم على مصر، وتشددوا ولم ييسروا، وأرادوا أن يسير في الناس بما لا يطيقون هم في أنفسهم من الإحاطة بكل أعمال الإسلام، وما أمرهم الله به، وذلك من الفتن الكبيرة، ولم يريدوا ظاهر الإسلام وأحكامه، وإنما أرادوا بعض ما أدب الله به خلقه، وعمر أجل من أن يتهاون في أحكام الإسلام. إنما قلت هذا وشرحته مخافة أن يحتج
стр. 325
به محتج من ذوي السلطان والجبروت، في إباحة ترك أحكام الله غير معمول بها، كما هو أمر الطغاة والجبابرة من الحاكمين في زماننا هذا».
ولهذه الغايات كلها أمرنا بترتيل القرآن، في قوله مخاطباً وآمراً نبيه ﷺ والأمر لأمته معه - ﴿ورتل القرآن ترتيلا (٤)﴾ [المزمل: ٤]، قال القرطبي: «أي لا تعجل بقراءة القرآن، بل اقرأه في مهل وبيان، مع تدبر المعاني. والترتيل: التنضيد والتنسيق وحسن النظام، ومنه ثغر رتل ورتل، بكسر التاء وفتحها: أي حسن التنضيد». تفسير القرطبي ١٩/ ٣٧، وحكي عن أبي بكر بن ظاهر قال: «تدبر في لطائف خطابه، وطالب نفسك بالقيام بأحكامه، وقلبك بفهم معانيه، وسرك بالإقبال عليه».
وروي أن علقمة بن قيس قرأ على عبد الله بن مسعود، فكأنه عجل، فقال ابن مسعود: «فداك أبي وأمي، رتل فإنه زين للقرآن» المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز، لأبي شامة المقدسي ص ١٩٨.
لكن قوماً من أهل الصدق والإخلاص - في زماننا ومن قبل زماننا - حسنت نياتهم، وسلمت صدورهم، يرغبون في إحراز الأجر ومضاعفة الثواب، يشتدون في هذا الشهر المبارك، ويبالغون في ختم القرآن أكثر من مرة، ويتباهون في ذلك، فيقول أحدهم: ختمته عشرين مرة، ويقول آخر: بل ختمته ثلاثين، ثم يزيد بعضهم وينقص بعضهم، وما يدرون أنهم بذلك يبتعدون عن السنة المثأورة عن رسول الله ﷺ ، وعن صحابته الأكرمين.
فقد روى البخاري ومسلم، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال لي رسول الله ﷺ : «ألم أخبر أنك تصوم الدهر، وتقرأ القرآن كل ليلة؟ »، قلت: بلى يا نبي الله، ولم أرد بذلك إلا الخير، قال: «فصم صوم داود - وكان أعبد الناس -[كان يصوم يوماً ويفطر يوماً]، واقرأ القرأن في كل شهر»، قال: قلت يا نبي الله، إني أطيق أفضل من ذلك، قال: «فاقرأه في كل عشرين»، قال: قلت:
стр. 326
يا نبي الله، إني أطيق أفضل من ذلك، قال: «فاقرأه في كل عشر»، قال: قلت: يا نبي الله، إني أطيق أفضل من ذلك، قال: «فاقرأه في كل سبع، لا تزد على ذلك»، قال: فشددت، «فشدد علي»، وقال لي: «إنك لا تدري، لعلك يطول بك عمر». قال فصرت إلى الذي قال لي النبي ﷺ ، فلما كبرت وددت أني كنت قبلت رخصة نبي الله ﷺ . جامع الأصول في أحاديث الرسول، لمجد الدين بن الأثير ٢/ ٤٧١، ٤٧٢، وجمع للحديث طرقاً أخرى.
وروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال «لأن أقرأ سورة أرتلها أحب إلي من أن أقرأ القرآن كله»، وروي عنه أيضاً أنه قال: «لأن أقرأ القرآن في ثلاث أحب إلي من أن أقرأه في ليلة كما يقرأ هذرمة». والهذرمة: السرعة في الكلام والمشي، وقال: هذرم في كلام هذرمة: أي خلط، ويقال للتخليط: الهذرمة.
وثبت عن عبد الله بن مسعود ﵁: «أن رجلًا قال له: إني أقرأ المفصل في ركعة واحدة، فقال عبد الله بن مسعود: أهذا كهذ الشعر؟ إن أقواماً يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع»، أراد: أتهذ القرآن هذا فتسرع فيه كما تسرع في قراءة الشعر؟ والهذ: سرعة القطع. والمفصل من سور القرآن: من سورة الحجرات إلى سورة الناس، وقيل غير ذلك، وسمي مفصلًا لكثرة الفصول بين سوره، أو لقلة المنسوخ فيه، بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز للفيروزآبادي ٤/ ١٩٤.
وسئل مجاهد عن رجل قرأ البقرة وآل عمران، ورجل قرأ البقرة، قيامهما واحد، وركوهما واحد، وسجودهما واحد، وجلوسهما واحد، أيهم أفضل؟ فقال: الذي قرأ البقرة، ثم قرأ: ﴿وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا (١٠٦)﴾ [الإسراء: ١٠٦]، وانظر بيان ذلك كله في: المرشد الوجيز ص ١٩٧، والتبيان في آداب حملة القرآن للنووي ص ٧١.
وإذا كان كثير من الناس يشتدون ويجتهدون في ختم القرآن في رمضان أكثر من
стр. 327
مرة، فإن كثيراً منهم أيضاً كان على السنة، وعلى المنهج الراشد المقتصد. فقد روي أن أبا رجاء العطاردي - وكان إماماً كبيراً من المخضرمين - كان يختم بأصحابه في قيام رمضان القرآن كل عشرة أيام. حليلة الأولياء لأبي نعيم الأصبهاني ٢/ ٣٠٦، وصفة الصفوة لابن الجوزي ٣/ ٢٢١.
وقال القرطبي في كتاب التذكار في أفضل الأذكار ص ٦٧: «وذهب كثير من العلماء إلى منع الزيادة على سبع، أخذاً بظاهر المنع في قوله: «فاقرأه في سبع ولا تزد - يعني في حديث عبد الله بن عمرو السابق - واقتداء برسول الله ﷺ ، فلم يرو عنه أنه ختم القرآن كله في ليلة، ولا في أقل من السبع، وهو أعلم بالمصالح والأجر، وفضل الله يؤتيه من يشاء، فقد يعطي على القليل ما لا يعطي على الكثير».
وروي أن عبد الله بن مسعود كان يقرأ القرآن في غير رمضان من الجمعة إلى الجمعة، ويقرؤه في رمضان في ثلاث، وكذلك كان تميم والأعمش يختمان في كل سبع، وكان أبي يختمه في كل ثمان، وكان الأسود يختمه في ست، وكان علقمة يختمه في خمس، جمال القراء وكمال الإقراء لعلم الدين السخاوي ١/ ١٠٧.
وقد عقد أبو عمر الداني باباً في (كم يستحب ختم القرآن وما روي عن الصحابة والتابعين في ذلك)، في كتابه البيان في عد آي القرآن صفحة ٣٢١.
بل إن بعض الصحابة والتابعين كان يقف في قراءته عند سورة بعينها، يظل يرددها، أو آية بخصوصها، فلا يزال يكررها، طلباً للتدبر، وخشوعاً لجلال المعنى، وكان إمامهم في ذلك وقدوتهم رسول الله ﷺ .
فقد روي عن أبي ذر ﵁: «أن رسول الله ﷺ قام ليلة من الليالي يقرأ آية واحدة الليل كله حتى أصبح، بها يقوم، وبها يركع، وبها يسجد ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم (١١٨)﴾ [المائدة: ١١٨]، وعن تميم الداري أنه أتى المقام - في الكعبة الشريفة - ذات ليلة، فقام يصلي، فافتتح السورة
стр. 328
التي تذكر فيها الجاثية، لما أتى على هذه الآية: ﴿أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ما يحكمون (٢١)﴾ [الجاثية: ٢١]، لم يزل يرددها حتى أصبح، وعن ابن مسعود أنه لم يزل يردد: ﴿وقل رب زدني علما (١١٤)﴾ [طه]، حتى أصبح. وعن عامر بن عبد القيس أنه قرأ من سورة القرآن - غافر - فلما انتهى إلى قوله تعالى: ﴿وأنذرهم يوم الأزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين﴾ [غافر: ١٨] لم يزل يرددها حتى أصبح. وروي عن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ أنها افتتحت سورة الطور فلما انتهى إلى قوله تعالى: ﴿فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم (٢٧)﴾ [الطور] ذهبت إلى السوق في حاجة، ثم رجعت وهي تكررها، وهي في الصلاة أيضاً.
وعن سعيد بن جبير أنه ردد هذه الآية في الصلاة بضعاً وعشرين مرة: ﴿واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون (٢٨١)﴾ [البقرة]، وعنه أيضاً أنه استفتح بعد العشاء الآخرة بسورة: ﴿إذ السماء انفطرت (١)﴾، فلم يزل فيها حتى نادى منادي السحر. المرشد الوجيز ص ١٩٥ - ١٩٧.
فمدار الأمر في تلاوة القرآن على التدبر واستحضار المعاني، وتأمل الإشارات وتبين الدلالات، فمن أنس في نفسه قدرة وجلادة، مع تحقيق هذه الغايات وتعهد الواجبات الأخرى من الفرائض والنوافل، ومن سعى في أمور المعاش وإعمار الحياة، فليقرأ ما شاء الله له أن يقرأ، على ألا يزيد على السنة المأثورة.
وللحافظ الذهبي هنا كلام جيد، ينبغي ذكره، وتأمله، قال ﵁، تعقيباً على حديث عبد الله بن عمرو بن العاص السابق: «وصح أن رسول الله ﷺ نازله إلى ثلاث ليال، ونهاه أن يقرأ في أقل من ثلاث، وهذا كان في الذي نزل من القرآن، ثم بعد هذا القول نزل ما بقي من القرآن. فأقل مراتب النهي أن تكره تلاوة القرآن كله في أقل من ثلاث. فما فقه ولا تدبر من تلا في أقل من ذلك، ولو تلا ورتل في أسبوع، ولازم ذلك لكان عملًا فاضلًا، فالدين يسر، فوالله إن ترتيل سبع القرآن
стр. 329
في تهجد قيام الليل، مع المحافظة على النوافل الراتبة، والضحى، وتحية المسجد، مع الأذكار المأثورة الثابتة والقول عند النوم واليقظة، ودبر المكتوبة والسحر، مع النظر في العلم النافع، والاشتغال به مخلصاً لله، مع الأمر بالمعروف، وإرشاد الجاهل وتفهيمه، وزجر الفاسق، ونحو ذلك، مع أداء الفرائض في جماعة بخشوع وطمأنينة وانكسار وإيمان، مع أداء الواجب، واجتناب الكبائر، وكثرة الدعاء والاستغفار والصدقة وصلة الرحم، والتواضع، واجتناب الكبائر، وكثرة الدعاء والاستغفار والصدقة وصلة الرحم، والتواضع، والإخلاص في جميع ذلك: لشغل عظيم جسيم، ولمقام أصحاب اليمين وأولياء الله المتقين، فإن سائر ذلك مطلوب، فمتى تشاغل العابد بختمه في كل يوم، فقد خالف الحنيفية السمحة، ولم ينهض بأكثر ما ذكرناه، ولا تدبر ما يتلوه.
هذا السيد العابد الصاحب - يعني عبد الله بن عمرو بن العاص - كان يقول لما شاخ: ليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ ، وكذلك قال له ﵇ في الصوم، وما زال يناقصه حتى قال له: «صم يوماً وأفطر يوماً، صم صوم أخي داود ﵇»، وثبت أنه قال: «أفضل الصيام داود»، ونهى ﵇ عن صيام الدهر، وأمر ﵇ بنوم قسط من الليل، وقال: «الكني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني».
وكل من يزم نفسه - أي يمنع ويكبح - في تعبده وأورداه بالسنة النبوية يندم ويترهب ويسوء مزاجه، ويفوته خير كثير من متابعة سنة نبيه الرءوف الرحيم بالمؤمنين، الحريص على نفعهم، وما زال ﷺ معلماً للأمة أفضل الأعمال، وآمراً بهجر التبتل والرهبانية التي لم يبعث بها، فنهى عن سرد الصوم أي تواليه وتتابعه - ونهى عن الوصال - في الصوم - وعن قيام أكثر الليل إلا في العشر الأخير - يعني من رمضان - ونهى عن العزبة - عدم الزواج - للمستطيع ونهى عن ترك اللحم، إلى غير ذلك من الأمور والنواهي.
فالعابد بلا معرفة لكثير من ذلك معذور مأجور، والعابد العالم بالآثار المحمدية المتجاوز لها، مفضول مغرور، وأحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن
стр. 330
قال. ألهمنا الله وإياكم حسن المتابعة، وجنبنا الهوى والمخالفة». سير أعلام النبلاء ٣/ ٨٤ - ٨٦.
وذكر الذهبي أيضاً في ترجمة «أبي بكر شعبة بن عياش، أنه مكث نحواً من أربعين سنة يختم القرآن في كل يوم وليلة مرة، وعلق على ذلك فقال: «وهذه عبادة يخضع لها، ولكن متابعة السنة أولى، فقد صح أن النبي ﷺ نهى عبد الله بن عمرو أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث، وقال ﵇: «لم يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث». سير أعلام النبلاء ٨/ ٤٤٢.
وكذلك ذكر في ترجمة «وكيع بن الجراح» أنه كان يصوم الدهر، ويختم القرآن كل ليلة، وعقب على ذلك فقال: «هذه عبادة يخضع لها، ولكنها من مثل إمام من الأئمة الأثرية مفضولة، فقد صح نهيه ﵇ عن صوم الدهر، وصح أنه نهى أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث، والدين يسر، ومتابعة السنة أولى». سير أعلام النبلاء ٩/ ١٤٣.
ومن قبل الذهبي، ذكر خطيب السنة الإمام الجليل أبو محمد عبد الله بن مسلم ابن قتيبة، في كتابه تأويل مشكل القرآن ص ٢٣٣، قال: «ولم يفرض الله على عباده أن يحفظوا القرآن كله، ولا أن يختموه في التعلم، وإنما أنزله ليعملوا بمحكمه ويؤمنوا بمتشابهه، ويأتمرون بأمره، وينتهوا بزجره، ويحفظوا للصلاة مقدار الطاقة، ويقرءوا فيها الميسور. قال الحسن - البصري - نزل القرآن ليعمل به فاتخذ الناس تلاوته عملًا.
وكان أصحاب رسول الله ﷺ ورضي عنهم - وهم مصابيح الأرض وقادة الأنام ومنتهى العلم - إنما يقرأ الرجل منهم السورتين والثلاث والأربع، والبعض والشطر من القرآن، إلا نفراً منهم وفقهم الله لجمعه، وسهل عليهم حفظه، قال أنس بن مالك: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جد فينا، أي جل في عيوننا، وعظم في صدورنا».
стр. 331
وفي تفسير القرطبي ١/ ٤٠، عن ابن عمر قال: «كان الفاضل من أصحاب رسول الله ﷺ في صدر هذه الأمة لا يحفظ من القرآن إلا السورة أو نحوها، ورزقوا العمل بالقرآن، وإن آخر هذه الأمة يقرأون القرآن، منهم الصبي والأعمى، ولا يرزقون العمل به».
اللهم حبب إلينا القرآن، وأذقنا حلاوته، وارزقنا تلاوته وفقهه والعمل به آنار الليل وأطراف النهار - واجعله أنيساً لنا في هذا الزمان الذي ذهب فيه من يؤنس به ويستراح إليه، واجعله اللهم ربيع قلوبنا ونور صدورنا وجلاء - بكسر الجيم - حزننا، وذهاب - بفتح الذال - همنا، واجعلنا ممن يرعاه حق رعايته، ويقوم بقصده، ويوفي بشرطه، ولا يلتمس الهدي في غيره، ويرحم الله عبداً قال آمينا.
* * *
стр. 332
البيان .. والطريق المهجور (١) [ ١]
من أجل نعم الله على عباده: نعمة البيان، وقد امتن الله على عباده بهذه النعمة، فذكرها في أشرف سياق، فقال تقدست أسماؤه: ﴿الرحمن (١) علم القرآن (٢) خلق الإنسان (٣) علمه البيان (٤)﴾.
ولا ينبغي أن يكون المراد بالبيان هنا مجرد الكشف عما في النفس لقضاء الحاجات واتصال مصالح العباد، لأن الكشف عما في النفس يؤديه الكلام وهيئة الحال والإشارة والعلامة، وليس المراد أيضاً بالبيان مطلق الكلام، لأن هذا مما يستوي فيه الناس جميعاً، ولا يفضل بعضهم بعضاً فيه إلا بما يكون من سلامة مخارج الحروف، واستواء النطق، والبراءة من أسباب العي والحصر والحبسة.
لكن المراد بالبيان: الإحسان في تأدية المعاني، يقول أبو الحسن الرماني: «وليس يحسن أن يطلق اسم بيان على ما قبح من الكلام، لأن الله قد مدح البيان واعتد به في أياديه الجسام، قال: ﴿الرحمن (١) علم القرآن (٢) خلق الإنسان (٣) علمه البيان (٤)﴾، ولكن إذا قيد بما يدل على أنه يعني به إفهام المراد جاز»، النكت في إعجاز القرآن ص ٩٨.
وقد مدحوا البيان وعظموا شأنه، فقالوا: البيان بصر والعي عمى، كما أن العلم بصر والجهل عمى، والبيان من نتاج العلم، والعي من نتاج الجهل، وقال
стр. 333
يونس بن حبيب: «ليس لعيي مروءة، ولا لمنقوص البيان بهاء، ولو حك بيافوخه أعنان السماء»، راجع البيان والتبيين للجاحظ ١/ ٧٧، ثم انظر مقالة الشضيخ عبد القاهر الجرجاني في فضل البيان، في دلائل الإعجاز ص ٥.
ووجوه الإحسان في تأدية المعاني كثيرة، ومنادجها واسعة، ولا يكاد يظفر بها إلا من وهب لطافة الحسن وخفة الروح ورحابة النفس، والارتياح والطرب لمظاهر إبداع الله في هذا الكون، وما بثه في ملكوت السموات والأرض، وما أجراه على ألسنة خلقه، أما «أهل الكثافة» وهم الذين امتحنهم الله بثقل الظل وركود الهواء، فما أبعدهم عن البيان والإحسان:
وهلك الفتى ألا يراح إلى الندى ... وألا يرى شيئاً عجيباً فيعجبا
ثم إن هذه المواهب التي يمتن الله بها على من يشاء من عباده، لا بد لها لكي تؤتي ثمارها عند الأدباء وأرباب البيان، من طول دربة ومعالجة يأتيان بكثرة النظر في الأسالب العالية الشريفة، من بديع الشعر وكريم النثر، ثم معاشرة الأصفياء أصحاب الفطر السوية والطبائع النقية والفرار من مخالطة «أهل الكثافة»، فإن مجالسة الثقلاء حمى الروح كما قال بختيشوع بن جبريل للخليفة المأمون، لطائف الظرفاء لأبي منصور الثعالبي ص ٧٠.
ونحن أمة العرب أمة بيان وفصحاة، ولغتنا معينة على ذلك بما أودع فيها من خصائص شعرية في الحروف والأبنية والتراكيب، ثم هذه الثروة الهائلة من الأسماء والأفعال، والمترادف والمشترك والأضداء، ولغتنا معينة أيضاً على البيان والفصحاة بهذه القوانين الرحبة الواسعة من الحقيقة والمجاز، والسماحة في تبادل وظائف الأبنية، كالذي يقال من مجيء فعيل بمعنى فاعل وبمعنى مفعول وبمعنى مفعل، وتبادل وظائف الإفراد والتثنية والجمع ووقوع بعضها موقع بعض، والتساهل في التعبير عن الأزمنة، كالتعبير عن الماضي بالمستقبل، وبالمستقبل عن الماضي، إذا اقترن بالفعل ما يدل على زمانه، ووقوع بعض حروف الجر مكان بعض، وتذكير ما حقه التأنيث وتأنيث ما حقه التذكير، والحمل على المعنى، والحمل على اللفظ،
стр. 334
وحرية التعامل مع الضمائر، غيبة وحضوراً فيما يعرف بالالتفات، والتعويل على القرائن والسياق في تخليص الكلام من كثير من الفضول والزوائد، وهو باب الحذف الذي يجعله ابن جني من باب «شجاعة العربية» وهو تعبير عجيب، انظره في كتابه الفذ: الخصائص ٢/ ٣٦٠، إلى سائر قوانين اللغة وأعرافها، حتى علم النحو الذي يظن به العسر والتشدد، ولو تأملته حق التأمل لوجدت فيه كثيراً من الرخص والإباحة، على ما قاله الأصمعي: «من عرف كلام العرب لم يكد يلحن أحداً».
ولقد تضوأت هذه اللغة العربية الشريفة على ألسنة الشعراء والخطباء، شعراً شجي النغم، ونثراً حلو الوقع، فيما بقي لنا من أدب الجاهلية. ثم كان مجلي هذه اللغة العزيزة كلام ربنا ، بما نزل به جبريل الأمين على خاتم الأنبياء محمد بن عبد الله ﷺ ، في هذا البيان الذي لا يطاوله بيان، ثم لقى ربنا تباركت أسماؤه على لسان نبيه المصطفى بياناً عالياً آخر، هو ما نطق به ﷺ من جوامع الكلم: فصاحة صافية المورد، وبلاغة عذبة المشرع، ومنطقاً صائب الحجة.
وقد جرت لغتنا العربية بما حملته من أدب الجاهلية، وبيان الكتاب العزيز، والحديث الشريف، على أقلام الكتاب وألسنة المتكلمين وقصائد الشعراء: بياناً يأخذ منه الناس بما قدر لهم من رزق الله المقسم على خلقه، فتفاوتت حظوظهم في ذلك، فمنهم من أحسن، ومنهم من قارب، لكن البيان ظل هدفاً يسعى إليه، وغاية يشتد الناس في طلبها، ومعياراً يلجأ إليه النقاد في الحكم على الكلام وإعطاء الأدباء حقهم من التقديم والتأخير، ولعل أول من أصل هذا الفن هو أديب العربية الكبير أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، حين صنع كتابه الذي جعل عنوانه دالاً بصريح اللفظ على الغاية التي تغياها منه، وكان كتاب الجاحظ هذا مع كتاب معاصره والراوي عنه أبي محمد عبد الله بن مسلم المعروف بابن قتيبة «عيون الأخبار»، هما الأساس الأول في إرساء قواعد هذا الفن «البيان» بذكر الأدوات الموصلة إليه والمعينة عليه، من ذكر كلام العرب وخطبها وشعرها ومحاوراتها وأجوبتها المسكتة، وتوالت الكتب في هذا الطريق، ككتب الأمالي والمجالس والمختارات
стр. 335
والحماسات، مع عناية ظاهرة باللغة والغريب، تمثلت في أمالي أبي علي القالي ومجالس أبي العباس ثعلب.
ولم تكن كتب هذا اللون من التأليف قاصرة على الأدباء واللغويين فقط، بل دخل فيها الحفاظ والفقهاء أيضاً، كالذي رأيناه من كتاب «بهجة المجالس وأنس المجالس وشحذ الذهن والهاجس»، لفقيه الأندلس الحافظ المحدث أبي عمر بن عبد البر القرطبي، صاحب كتاب «التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد»، وصاحب «الاستيعاب في طبقات الأصحاب». وكتابه هذا «بهجة المجالس» من المجاميع الأدبية العظيمة، ويقول فيه ابن سعيد، بعدما ذكر مصنفاته في الفقه والحديث والتراجم: «مع أنه في الأدب فارس، وكفاك دليلًا على ذلك كتاب بهجة المجالس». المعرب في حلى المغرب ٢/ ٤٠٨، وهذا ابن عبد البر الفقيه المحدث هو الذي جمع ديوان أبي العتاهية، وعن نسخته كانت نشرة الدكتور شكري فيصل ﵀.
وهكذا كان الأدب مشرعاً يرده الناس جميعاً، وغبرت أجيال ونشأت أجيال، حتى جاء ابن خلدون في القرن التاسع ليخبرنا أن كتب الأدب هي: أدب الكاتب لابن قتيبة، والكامل للمبرد، والبيان والتبيين للجاحظ، والأمالي - أو النوادر - لأبي علي القالي، ويريد ابن خلدون أن يقول: إن هذه الأصول هي مكونات الأديب.
البارودي والمرصفي:
وطويب أيام ونشرت أيام، حتى كان العصر الحديث، وجاء رجال البعث والإحياء، هؤلاء الذين ردوا الناس إلى أصولهم الأدبية، وكشفوا عن تلك المناجم الغنية الضاربة في التاريخ بعروقها، فكان الشاعر محمود سامي البارودي و «مختاراته»، والشيخ حسين المرصفي و «الوسيلة الأدبية»، والشيخ سيد بن علي المرصفي و «رغبة الآمل من شرح كتاب الكامل»، وما قرأه على تلاميذه من «شرح حماسة أبي تمام»، وبعدهما كان الشيخ حمزة فتح الله وكتابه الجيد «المواهب الفتحية»، فكانت هذه الآثار كلها زاداً ومدداً للجيل التالي.
стр. 336
ولقد كان من حسن حظنا نحن أبناء هذا الجيل أننا فتحنا عيوننا وعقولنا في أوائل الخمسينات، ورأينا القاهرة قبل أن يدهمها السيل وتغشاها المحن والنوائب، وكان من صنع الله لنا أننا نعمنا بثمرات دار الكتب المصرية: قراءة في قاعة المطالعة الشهيرة بها، واستعارة باشتراك زهيد متاح لطلبة العلم. وأخذنا نتضلع بالقراءة لتلاميذ مدرسة البعث والإحياء المذكورة، وفيما يتصل بالبيان كان هناك اسمان كبيران: مصطفى صادق الرافعي، ومصطفى لطفي المنفلوطي، وقد شق علينا الرافعي في أول الأمر.
ووجدنا في المنفلوطي واحة خصبة عامرة بالندى والأزاهير، فأي جنة فتحها لنا هذا المنفلوطي في ذلك الزمان؟ وكم دموع أراقها، وكم قلوب خفقت على بيانه الحلو الآسر الذي انساب في «العبرات» و «الشاعر أوسيرانو دي برجراك» الضخم الذي لا ينسى أنه حبب إلينا القراءة جملة، فإن هذه الليالي التي قضيناها مع بيانه المعجب لم تضع سدى، لأنها وثقت صلاتنا بالأدب عامة وبالبيان خاصة.
ومن عجب أن المنفلوطي هو الذي ردنا إلى الرافعي، وعند هذا الرافعي وجدنا دنيا أخرى حافلة بالغرائب والعجائب، لكن صورة الرافعي لم تأخذ حجمها الحقيقي عندي إلا بعد أن اتصلت بتراث الآباء والأجداد فيما قرأت وفيما نسخت وفيما حققت، وأيضاً حين توثقت علاقتي بصاحبه ووارث أدبه وعلمه أبي فهر محمود محمد شاكر، فعرفت أن هذا من ذاك، وأنها ذرية بعضها من بعض، وإن كنت أرى أن بيان أبي فهر لا يشبهه بيان، وأن علمه لا يقرن به علم، على ما فصلت في كلمتي عن كتابه الماتع «المتنبي» في الجزء الأول من «موسوعة عصر التنوير» التي أصدرها الهلال، ولو كتب أبو فهر الآن - وهو في هذه السن العالية - لزلزل الدنيا، ولرأيت ثم نعيماً وعلماً كبيراً، فهل تستجيب يا أبا فهر؟ وهل أنت مخرج ما عندك من «حديث الأحرف السبعة» و «مداخل إعجاز القرآن» و «كتاب الشعر»، شرح الله لك صدرك، وأمتع أهل الأدب ببقائك.
стр. 337
ولئن كانت مدرسة البيان قد عرفت يومئذ في كتابات الرافعي والمنفلوطي والزيات ومحمد صادق عنبر، فإن سائر الأدباء والكتاب لم يكونوا بعيدين عنها، لأن حسن البيان وتجويد العبارة كانا لازمين لكل كاتب يريد لكتابته أن تقرأ، ولكل مفكر يريد لأفكاره أن تذيع، فلقد كان الأدب ولا يزال خير سبيل لإيصال المعرفة، وسرعة انصبابها إلى السمع وتولجها في القلب واستيلائها على النفس، والبليغ يضع لسانه حيث أراد، وإنك لتجد كثيراً من الدراسات قد جمعت فأوعت لكنها لم تبلغ مبلغها من النفع والفائدة لجفافها وعسرها، و «حسن البيان يري الظلماء كالنور» على ما قال الشاعر.
ولقد كنا في زمان الصبا نظن أن أسلوب «العقاد» معقد، حتى كبرنا واستطعنا أن نميز الخبيث من الطيب، فوقعنا عند «العقاد» على مناطق من البيان وحلاوة الأداء هي الغاية والمنتهى.
وكذلك سائر الكتاب والأعلام ممن لا يصنفون مع الأدباء كانوا أصحاب فصاحة وبيان، فمكرم عبيد السياسي الشهير والمحامي الجهير كان أديباً وصاحب بيان، ثم كان كثير الاستشهاد بالقرآن الكريم، وفتحي رضوان المحامي الضليع وأحد أقطاب الحزب الوطني كان كاتباً صاحب بيان، والدكتور أحمد عمار طبيب النساء الشهير كان لغوياً صاحب بيان، والدكتور محمد كامل حسين طبيب العظام الشهير كان أديباً صاحب بيان، وهو صاحب القصة الشهيرة في الخمسينات «قرية ظالمة»، والدكتور محمد الصياد الجغرافي الكبير كان شاعراً صاحب بيان، وسيد إبراهيم الخطاط العظيم كان شاعراً صاحب بيان، وهو أحد مؤسسي جماعة أبولو، والدكتور حسن حبشي عالم التاريخ شاعر وصاحب بيان، والدكتور محمد يوسف حسن الجيولوجي الكبير، وعميد كلية العلوم بجامع الأزهر سابقاً وعضو مجمع اللغة العربية الآن، أديب يحفظ شعر أبي العلاء حفظاً عالياً، وله في اللغة نظرات جياد نسعد بها في لجنة المعجم الكبير بالمجمع.
ومن وراء هؤلاء طوائف لا تحصى من الأدباء المجيدين الأغفال أصحاب
стр. 338
البيان، كنت تقرأ لهم في الصحيفة اليومية والمجلة الأسبوعية، ثم كنت تراهم في فصول المدارس الابتدائية والثانوية، يروضون صغار التلاميذ على البيان، ويجمعون لهم «عناصر موضوع الإنشاء» الذي صار الآن «التعبير» ولا تعبير هناك ولا عبارة، ثم كانوا يخوضون بهم لجج بحار الشعر والنثر فيما كان يعرف بالمحفوظات والمطالعة.
حسن البيان:
وقد ذهبت تلك الأيام بحلاوتها ونضارتها وصرنا إلى هذا الزمان الذي زهد الناس فيه في حسن البيان، وهجروا طريقه هجراً يوشك أن يكون تاماً، وأصبحت أساليب كثير من الكتاب، ومن ينتسبون إلى الأدب الآن تدور في فلك ألفاظ مستهلكة تشبه العملة المعدنية الممسوحة، أو العملة الورقية التي تهرأت أطرافها من كثرة ما تداولتها الأيدي، أو كالعملة الزائفة التي ليس لها رصيد في مصرف النفس، وإنما هي ألفاظ وتراكيب تسود بها الصحف، تروح وتجيء، تتجاوزها عينك على عجل، لا تقف عندها، لأنك لا تجد فيها إمتاعاً، ولا تحس معها أنساً، فلاً عما تجده في بعضها من ثقل وغثاثة، تكاد تطبق على القلب وتسد مجرى النفس - وما أمر «الزخم» منك ببعيد - إلى هذه البلية المستحدثة، وهي بلية الغموض الذي يندفع فيه كثير من الأدباء الآن، وليس هو الغموض الذي يحرك النفس لتستخرج بحسن التأمل خبيء الكلام وموطي المشاعر، ولكنه الغموض المظلم الذي يكد العقل، ويكون مجلية للغم والكآبة، غموض العجز والحيرة.
وهذه الألفاظ والتراكيب التي يستعملها بعض أدباء هذا الزمان، أشبه بتقاليع (الموضة) تظهر ثم تختفي، لا تعرف ثباتاً ولا استقراراً، فقد كان نسمع في الستينات - كما ذكرت ي مقال سابق بالهلال - الواحدة الموضوعية، والمعاناة، وعمق التجربة والخلق وتراسل الحواس، والمونولوج الداخلي، والدفقة الشعورية، والتعبير بالصورة، والألفاظ الموحية، والشعر المهموس. والآن نسمع: الإبداع وتكثيف التجربة، والزخم (والعياذ بالله) والطرح، والمنظومة والإشكالية والتناص والتماهي والتفجير والتفكيك .. وهذا وأشباهه إنما هو كما قال ابن قتيبة منذ
стр. 339
(١٢٤٠) سنة في مقدمة أدب الكاتب: «ترجمة تروق بلا معنى، واسم يهول بلا جسم، فإذا سمع الغمر - أي الجاهل - والحدث الغر قوله: الكون والفساد وسمع الكيان .. راعه ما سمع، فظن أن تحت هذه الألقاب كل فائدة وكل لطيفة، فإذا طالعها لم يحل منها بطائل»، أو كما قال أبو السعادات ابن الشجري: «تهاويل فارغة من حقيقة» الأمالي ١/ ٥٦، ولا يغرنك أيها القارئ المبتدئ اجتماع الكتاب على هذه الألفاظ، وكثرة استعمالهم لها، فإن الاستعمال ليس بدليل على الحسن، كما يقول ضياء الدين ابن الأثير في المثل السائر ١/ ٢٢١.
إن كثيراً مما يكتب الآن لا صلة له بالعربية إلا صورة الحروف والأبنية من الأسماء والأفعال، أما روح العربية وآمادها الرحبة الواسعة فلا تجدها في أسلوب مما تقرأ، ولا في كلام مما تسمع، إني أحس أحياناً أن هؤلاء الذين يكتبون أدباً عربياً لم يمروا بالقرآن ولا بالبيان النبوي، ولا بكلام العرب، فإن ثروتهم اللفظية محدودة جداً، وتصرفهم في وجوه الكلام قصير الخطو، منقطع النفس، ولذلك تأتي معانيهم هزيلة خفيفة. لأن ضيق الألفاظ يؤدي إلى ضيق المعاني، كما يقول عبد القاهر الجرجاني في دلائل الإعجاز.
ومن الكلام الحكيم للجاحظ في هذه البابة قوله: «والأصل في ذلك أن الزنادقة أصحاب ألفاظ في كتبهم، وأصحاب تهويل، لأنهم حين عدموا المعاني ولم يكن عندهم فيها طائل، مالوا إلى تكلف ما هو أخصر وأيسر وأوجز كثيراً» الحيوان ٣/ ٣٦٥.
وهؤلاء الذين يزعمون أنهم ورثة طه حسين لم يسيروا في طريق بيانه، ولم يحاكوا حلاوة أدائه، وكان له في ذلك مستراد ومذهب، فانتماؤهم لطه حسين إذن انتماء كاذب وولاء منقوص.
وأيضاً هؤلاء الذين يتحدثون عن التنوير ورموز التنوير، لم يمروا بأدب أعلام هذا التنوير، ولم يسلكوا طرائقهم في معرفة العربية ورعاية قوانينها في حسن الأداء وجمال العبارة.
стр. 340
إن الذين يشكون الآن من «الأغاني الهابطة» لا ينبغي أن ينسوا أن هذه القضية مرتبطة بألوان الأدب الأخرى، وأن البيان كله من باب واحد، فيوم أن كان عندنا أدباء بيان كبار، كالمنفلوطي والزيات، كان عندنا كتاب أغان كبار، مثل أحمد رامي وبيرم التونسي وعبد الفتاح مصطفى وحسين السيد، لأن كلام الناس ينزع بعضه إلى بعض، ويأخذ بعضه برقاب بعض، وقد أنشدتك أيها القارئ الكريم من قبل قول ابن الرومي:
«وبعض السجايا ينتسبن إلى بعض»
ولن تجد مع كثرة الغبار إلا قذى العيون.
والآن إذا أردت أيها القارئ العزيز أن تعرف سر هذا التردي في الكتابة، ومحافاة حسن البيان، والإعراض عن جمال العبارة، أعجزك أن ترده إلى سبب واحد أو سببين اثنين، وإنما هي أسباب كثيرة تداخلت وتشابكت، وسيأتيك حديثها - إن شاء الله - في المقال التالي.
* * *
стр. 341
البيان .. والطريق المهجور (١) [٢]
وقفت في المقال السابق عند أسباب التردي في الكتابة ومجافاة حسن البيان وجمال العبارة، وقلت إن ذلك يرجع إلى أسباب كثيرة، أرجأت الحديث عنها إلى هذا المقال.
وبدءة ذي بدء لا أحب لك أيها القارئ العزيز أن تقول كما يقولون: إنها طبيعة العصر، وسرعة إيقاع الحياة، لا يدعان للكاتب فرصة لأن يحسن ويزين ويتأنق، كما أني لا أرضى لك أيها الشاب المبتدئ أن تصدق ما يقولونه من أن لغتنا العربية هي لغة الخيل والليل والبيداء، وأن زمانها قد راح وولى، وأن هذا عصر الكمبيوتر، فافسحوا له الطريق، لا أحب هذا لقارئي ولا أرضاه له.
وذلك لأن حسن البيان قيمة جمالية، والقيم الجمالية باقية ثابتة، لا تتغير بتغير الأيام وتبدل الأحوال، والفطر السوية تطرب للكلمة الحلوة، كما تطرب لهديل الحمام وزقزقة العصافير، وحفيف الشجر في ليلة طيبة الهواء، والعطر الفواح ينعشك سواء ركبت جملاً أو طائرة، ولا زلنا مع تغير الأصوات وتحولات الموسيقى نستقبل رمضان بأغنية أحمد عبد القادر «وحوي يا وحوي» كما نستقبل العيد بشدو أم كلثوم «يا ليلة العيد أنستينا» و «حبيبي يسعد أوقاته» وإن كانت هذه قد قيلت في عيد جلوس «فاروق» ملك مصر.
стр. 342
ولا أظن أنه سيأتي يوم لا يطرب الناس فيه لصوت الشيخ مصطفى إسماعيل وأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، إن الأنغام متوارثة في الأنفس، والجمال مصون في تلافيف القلوب، والطرب مركوز في الطباع، فلا يخدعنك عن الحق غلبة الباطل، ولا يزهدنك في الطيب كثرة الخبيث.
ثم أعود بك أيها القارئ الكريم إلى أسباب محنتنا فيما نكتب وفيما نقول ، وقد جمعت لك أسباباً شتى، ولعلك جامع إليها أسباباً أخرى بصائب نظرك، وحسن تأتيك، وتهديك إلى ما لم أهتد إليه:
أولاً: ذهاب الكبار بالموت أو بالملل أو بالمصانعة: والموت لا مرد له ولا حيلة فيه، وبموت الكبار يضيع الصغار ويذهب العلم، أخرج البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا»، صحيح البخاري (باب كيف يقبض العلم، من كتاب العلم) ١/ ٣٦.
أما الملل فهو من كواذب الأخلاق، كما جاء عن عمرو بن العاص ﵁، على أن بعض كبار أدبائنا معذورون فيما دفعوا إليه من المل، لما يرونه من فساد لم ينشأوا عليه، ولما حاق بهم من أذى أضيروا منه.
وأما المصانعة فهي داء خبيث، لا معذرة له ولا مسامحة فيه، وبالمصانعة هذه خاض بعض كبارنا فيما يهزل به مدعو الأدب والحداثة، وكأن هؤلاء الكبار خشوا على أنفسهم آفة النسيان، وأرادوا أن يكونوا ظاهرين في الأرض، وكأنهم يقولون: لأن نكون في جلبة الأضواء خير من أن نكون في صمت الظلام، وهم يعلمون في دخيلة أنفسهم أن هذه الأضواء خادعة، وأن مدها منقطع، لأن مولدها ضعيف، ولا ينقضي عجبي من بعض هؤلاء الكبار، وهم من تلاميذ طه حسين وأمين الخولي وأحمد أمين ومصطفى السقا وإبراهيم أنيس، وبقية هذا الجيل العظيم، كيف يستكون على هذا العبث، بل كيف يتعاملون معه ويحضرونه
стр. 343
ويقدمونه، بل ويدافعون عنه، وهم يعلمون باليقين الذي لا يدخله شك أنه لا طائل تحته ولا غناء فيه.
ثانياً: قلة المحصول اللغوي عند الكتاب: والقلة تغري بالقلة، والفقر يقود إلى الفقر (وهذا كلام موزون وقع لي اتفاقاً من غير قصد كما ترى)، ولو تأملت ما يكتبه كثير من الأدباء الآن لوجدته يدور حول طائفة محدودة من أبنية الأسماء والأفعال والحروف، مع العجز عن تحريكها والتصرف فيها وفق قوانين العربية التي حدثتك عنها في المقال السابق، وإنما هي أبينة وأدوات ترص رصاً، بلا دم ولا روح، وكأنها الدمى، وكأن ذلك الأديب يكتب بلغة أجنبية ليس له بها أنس، ولا يشده إليها تاريخ وموروث.
وليس يخفى أن قلة المحصول اللغوي والعجز عن التصرف في الكلام إنما يرجعان إلى قلة القراءة وضعف الزاد، فالأديب لكي يكتب أدباً عالياً جميلًا لا بد أن يكون على صلة لا تنقطع بالقراءة، وأن يجعل من يومه نصيباً مفروضاً للمراجعة والاستزادة، فالإبداع - كما يقال في هذه الأيام - لا بد له من مدد، والمدد ليس له إلا طريق واحد، هو القراءة الرشيدة المستمرة، ثم التأمل.
وتقرأ في كتب التراجم والطبقات أن العالم الفلاني صنف الكتاب الفلاني بعد أن قرأ له كذا كتاباً، فالصالحي الشامي المتوفى سنة ٩٤٢، يذكر أنه ألف كتابه «سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد» من أكثر من ثلاثمائة كتاب، وروى عن إمام الحرمين الجويني المتوفى سنة ٤٧٨، أنه قال: «ما تكلمت في علم الكلام كلمة حتى حفظت من كلام القاضي أبي بكر وحده اثني عشر ألف ورقة»، طبقات الشافعية الكبرى لابن السكبي ٥/ ١٨٥، وأبو بكر في هذا النص هو محمد بن الطيب الباقلاني، من كبار المتكلمين الأشاعرة، وصاحب «إعجاز القرآن»، فهذا أثر القاضي أبي بكر وحده في محفوظ إمام الحرمين، فكيف يكون أثر العلماء الآخرين؟
стр. 344
لكن الملاحظ والمشاهد الآن أن الأدباء يتكلمون أكثر مما يقرأون، وأن ما تقرأه من مصطلحات في القصة والرواية والشعر والنقد، إنما هي مسموعات، تتردد في الندوات، يتلقفها بعض من بعض، ولا خير في ذلك كله، فقد قال ابن قيم الجوزية: «من لم تنفعه عينه لم تنفعه أذنه».
ثالثاً: تسويغ العجز باصطناع نظريات تمهد له وتسانده: وفي ذلك الطريق جاءت مغالطات شتى، وجاء خداع كثير، فقيل مثلًا: إن العناية بتحسين العبارة أصباغ وزخارف، وأنها تكون على حساب المعاني والأفكار، وأن التفكير والموضوعية يأبيان الزخارف والأصباغ، وأن غايتهما الحقائق ليس غير، وقد تبع ذلك التفرقة بين الأسلوب الأدبي والأسلوب العلمي، تفرقة تفضي في نهاية الأمر إلى التهوين من الأسلوب الأدبي، ووصف من يحسن البيان بأن كلامه «كلام إنشاء»، وقولهم في سياق المدح: إن فلاناً يكتب كما يتكلم.
وقيل أيضاً: لا ينبغي التعامل بالكلام المأثور، حتى لا يجد القارئ نفسه يتعامل في المنزل والشارع بلغة، وفي الكتاب بلغة الشعر الجاهلي، وأننا يجب أن نصطنع لغة تقرب الفجوة بين الشارع والكتاب، وهذا كلام غير صحيح - فضلاً عما فيه من لعب وخداع - لأن هذه الفجوة لا بد أن تكون قائمة وثابتة، ففي كل لغات الدنيا فرق بين لغة العامة ولغة الخاصة (وانظر مقالتي عن الشيخ الشعراوي واللغة - ص ٢٨٠، وتقديمي لكتاب الأستاذ محمود رؤوف أبو سعده: من إعجاز القرآن - ص ٢٧٠).
وقيل أيضاً: إن أحسن الأساليب هو ما لا يحتاج معه القارئ إلى مراجعه معجم، وهذا مما يفتتن به الشباب المبتدئون، والكلام مقلوب، والقضية معكوسة، فإننا إذا لم نراجع لبعض ما نكتب شيئاً من المعاجم فإننا نكون قد وقعنا في حمأة العامية والكلام السوقي، واستوى في ذلك عالمنا وجاهلنا. ولماذا كانت المعاجم، ولأي غاية وضعت؟
стр. 345
حسن البيان:
ولقد كان من أشنع الخطأ هنا وأغلظه: الخلط بين المحسنات اللفظية وتحسين العبارة، وبينهما فرق لا يخفى، فالمحسنات اللفظية هي أنماط تعبيرية محصورة في قواعد محددة بشواهد معينة، أما تحسين العبارة الذي هو البيان، فمجاله واسع رحب، وهو قائم على أسباب كثيرة، من الغنى اللغوي، واختيار الأبنية الشاعرة المتجانسة، من الأسماء والأفعال والأدوات، وإحكان بناء الجمل وحسن تنسيقها، وإشاعة الألفة بينها، وقدرة الكاتب في ذلك كله على أن ينشئ علاقة أنس بين قارئه وبين ما يكتب، إن الكاتب المبين يجعلنا نحب بعض الكلمات ونعشقها، ترى هذا في أسلوب الجاحظ وأبي حيان التوحيدي (إذا نسي مشاكله النفسية) ومصطفى صادق الرافعي، ومحمود محمد شاكر.
وحسن البيان لا يمنع من الإلمام بهذه المحسنات اللفظية إذا جرت على قلم الكاتب في حاق موضعها غير متكلفة ولا مستكرهة.
على أن هذه المحسنات اللفظية ليست سيئة السمعة، على نحو ما يلقيه بعض أساتذة البلاغة على طلبتهم، وأنها قائمة على التكلف والتنزيف، إن المحسنات اللفظية باب ضخم من أبواب الجمال في البيان العربي، وما يجيء منها متكلفاً يعاب ويذم، كما يعاب التكلف في كل شيء ويذم، وكيف تعاب المحسنات اللفظية جملة، وقد جاء منها في كلام ربنا وكلام نبيه ﷺ وكلام العرب وأشعارها، قدر صالح، ألم تقرأ قوله تعالى: ﴿وهم ينهون عنه وينأون عنه﴾ [الأنعام: ٢٦]، وقوله تباركت أسماؤه: ﴿وجئتك من سبإ بنبإ يقين (٢٢)﴾ [النمل: ٢٢]، ثم انظر «المجازات النبوية» للشريف الرضي، وشعر أبي تمام على وجه الخصوص.
إن كثيراً من شواهد التورية والجناس تحدث إمتاعاً للنفس لا مزيد عليه، فضلاً عما يستخرجه بعضها من أسباب الضحك والبهجة، وكثير من نكاتنا المصرية تجري على هذا الباب، ولولا الجد الذي نحن فيه لأمتعتك بشيء منها.
стр. 346
وكأن هذه السمعة السيئة للمحسنات اللفظية قد استقرت عند بعض الناس - وهذا هو البلاء العظيم - فقد سمعت أحد الأساتذة في محاضرة له، وقد جاء على لسانه شيء من هذه المحسنات فغمغم بعض الجالسين، فقطع المحاضر كلامه كالملسوع وقال: «لا والله، دي جت كده، غصب عني! » وكأنه يبرأ من عيب يخشى أن يلحق به عاره.
وأقرأ لبعض النقاد، وأسمع لبعضهم فيما يذاع من نداوتهم تنفيراً شديداً من هذا اللون الأدبي، وتحذيراً للشباب منه، فلا أملك إلا أن أتلو قول الله تعالى: ﴿الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخر﴾ [النساء: ٣٧]، و [الحديد: ٢٤].
رابعاً: اقترن بتسويغ العجز عن جمال البيان: السخرية منه والإزراء بقائله: على ما قال تعالى: ﴿وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفلك قديم (١١)﴾ [الأحقاف: ١١]، أو كما قال أبو علي الفارسي: «من عرف ألف، ومن جهل استوحش». الأشباه والنظائر النحوية للسيوطي ٣/ ٤٦٤.
ومن أعجب العجب أن أكثر من يسخرون من البيان الآن هم بعض أساتذة العربية الذين يدرسونها في الجامعات (نحواً وأدباً وبلاغة)، وأرجو من قارئي العزيز أن يأذن لي مرة واحدة - إن شاء الله - بذكر بعض التجارب الخاصة، واستعمال ضمير المتكلم.
بين الدعاية والسخرية:
لي صديقان أحدهما طبيب والآخر صيدلي، يحبان الأدب حباً جماً، ويحرصان على قراءة ما أكتب، ويطربان جداً لما أجتهد فيه من ضروب البيان وتحسين العبارة، وعلى الجانب الآخر يقرأ بعض زملائي من أساتذة العربية هذا الذي أكتب، فيداعبونني بمثل قولهم: إيه الكلام ده؟ إيه الأساليب دي؟ ألفاظك كلها كلاكيع! وأعلم يقيناً أنه لولا المحبة لاستحالت هذه الدعابة سخرية لاذعة وإزراء شديداً.
стр. 347
ودعيت منذ خمس سنوات إلى ندوة عن «مستقبل التعليم في مصر» أقامها مشكوراً مأجوراً نادي أعضاء هيئة التدريس بجامعة أسيوط، وقدمت بحثاً عنوانه: «استثمار التراث في تدريس النحو العربي»، قدمت له بمقدمة أدرتها على شيء من البيان فتح الله به علي فتحاً، وقد طرب له كثير من الحاضرين، وكان أكثرهم من الشباب المعيدين والمدرسين المساعدين بكليات الطب والهندسة والعلوم والتجارة، وأخذ هؤلاء الشباب يلاحقونني فيما بين الجلسات، يطلبون المشورة والدلالة على كتب العربية التي يقرأون فيها مثل هذا الكلام الذي جرى على لساني.
أما أساتذة العربية الذين حضروا الندوة - ومنهم كبار في السن والدرجة - فقد سخروا مني سخرية شديدة، أعلنوها ولم يكتموها، وكان بعضهم يناديني هكذا: تعال يابتاع التراث، قول يابتاع التراث، ازيك يابتاع التراث! (لكني أشهد في تلك الأيام أن الأستاذ الدكتور حامد عمار - وكنت قد اختلفت معه في هذه الندوة - قال لي ونحن في القطار من أسيوط إلى القاهرة بالحرف الواحد: يا أستاذ اثبت على ما أنت عليه، فإني سعيد أن أرى إنساناً يتحدث عن لغته وتراثه بهذه الحماسة)، وهذا إنصاف من الرجل، وهو شأن الكبار، أما الصغار فما أجرأهم على لغتهم وعلى تاريخهم، ومهما يكن من أمر فإنه من العار أن يذم الناس مذهبهم، ويهجنوا طريقهم، هل تعرف طبيباً يذم مهنة الطب؟ وهل تجد مهندساً يحتقر حرقة الهندسة؟ قد يشكوان إرهاقاً أو أعباءً، أما أن يكون ذم ومعابة فلا.
وقد انتقلت سخرية الأساتذة إلى تلاميذهم من معلمي العربية في مدارسنا الآن: سأل مدرس اللغة العربية التلاميذ في الثانوية العامة عن مرادف لعبارة «رغد العيش» فأجاب ابني «بلهنية» فضحك المدرس ضحكة عالية وسخر منه قائلًا: «إيه يا خويه؟ » وحمدت الله أن وقف المدرس العابث بالسخرية عند هذا الحد، فإن لهذا التركيب الذي نطق به ذلك المدرس تكملة سوقية يعرفها أهل السخرية، ولعله قالها وكتمها ابني عني!
стр. 348
أرأيت أيها القارئ العزيز؟ إنه أمر محير فعلاً، وهو يحتاج إلى محلل نفسي لا إلى كاتب مثلي.
خامساً: الكسل والإخلاد إلى الراحة: أعرف نفراً من زملائي الجامعيين، أعرف نشأتهم العربية الأصيلة، وأقرأ لبعضهم شعراً عذب النغم، فصيح الأداء، آسر النغمة، وأحاورهم فأقع منهم على كل لطيفة ودقيقة من الفطنة والقول الحسن ولكنهم إذا كتبوا قرأت كلاماً خفيفاً يخدعك عن حقيقة أمرهم وما عندهم من العلم والأدب، ولا تفسير لذلك عندي إلا الكسل وطلب الخفة، و «طلب الخفة» مطلب نحوي، ولكنه لا يحمد في الأدب والبيان.
ويبقى أن أقلو: إن إهمال البيان والتأنق في الكلام وتحسين العبارة قد أدى إلى هجر كثير من أبواب النحو، وقلة استعمال بعضها في كتابات الكاتبين الآن مثل البدل، وبخاصة بدل البعض ويدل الاشتمال، و «كان» التامة في مثل قوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ [البقرة: ٢٨٠]، و «كان» الزائدة في نحو: ما كان أغناك عن هذا، وقول قتيلة بنت النضر بن الحارث، تخاطب رسول الله ﷺ .
ما كان ضرك لو مننت وربما ... من الفتى وهو المغيظ المحنق
واسم الفاعل واسم المفعول العاملان في التركيب، والمصدر الميمي والمصدر المؤول، وبعض جموع التكسير الفصيحة، وزيادة الباء في خير «ليس» وفي خبر «ما» مع كثرة ذلك في القرآن وكلام الفصحاء، ولا يزال ذلك يجري على ألسنة الناس في الخطاب اليومي في السعودية والكويت، يقولون: ما أنا بمبطئ عليك، وما أنا بناسي كلامك.
ومما أهمل أيضاً المفعول المطلق المؤكد للفعل، فأنت لا تكاد تقرأ لكاتب يقول: كلمته كلاماً، من غير أن يضيف إليه وصفاً، فيقول كلاماً شديداً ونحوه، مع مجيء ذلك بكثرة في الفصيح، ومنه قوله تعالى: ﴿رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا (٦١)﴾ [النساء: ٦١]، ومن الغريب أن هذا المفعول المطلق مستعمل بكثرة
стр. 349
في عاميتها المصرية، تقول: أكلت أكل - شربت شرب - نمت نوم - الأهلي لعب لعب.
ومن ذلك باب تعدي الأفعال بنفسها أو بحرف الجر، مثل شكرته وشكرت له، ونصحته ونصحت له، فلا يكاد الكتاب يستعملون إلا الأول ... إلى أبواب نحوية أخرى كثيرة أهملت وعطلت.
على أن من أبواب النحو التي كادت تختفي الآن تماماً، باب التوكيد اللفظي، وهو إعادة الكلمة بلفظها - والاستغناء عنه بالتوكيد المعنوي، وهو التوكيد بالنفس أو بالعين أو بكل وجميع، مع أن التوكيد اللفظي أوسع مجالًا من التوكيد المعنوي، كما قال علم الدين اللورقي الأندلسي المتوفى سنة ٦١١، قال: «لأنه يدخل في المفردات الثلاث - يعني الاسم والفعل والحرف - وفي الجمل، ولا يتقيد بمظهر أو مضمر، معرفة أو نكرة، بل يجوز مطلقاً»، الأشباه والنظائر النحوية ٢/ ٢٢٩.
ولعل الذي زهد الناس في أيامنا في استعمال التوكيد اللفظي، هو ما تلقوه في دراسة النحو، من مثل: جاء جاء محمد، أو جاء محمد محمد، وهذه أمثلة تعليمية، وفي مثل هذا يقول سيبويه كثيراً: «وهو تمثيل ولا يتكلم به»، ويقول ابن جني: «التمثيل للصناعة ليس ببناء معتمد» الخصائص ٣/ ٩٧، ولو التمس معلمو النحو أمثلة التوكيد اللفظي من الكلام الفصيح لوجدوا منه أمثلة ذوات عدد تغري باستعماله واعتياده، من نحو قوله تعالى: ﴿كلا إذا دكت الأرض دكاً دكاً (٢١) وجاء ربك والملك صفاً صفاً (٢٢)﴾ [الفجر: ٢١، ٢٢]، ومن نحو قول عروة بن أذنية:
لقد علمت وما الإشراف من خلقي ... أن الذي هو رزقي سوف يأتيني
أسعى له فيعنيني تطلبه ... ولو قعدت أتاني لا يعنيني
وكل حظ امرئ دوني سيأخذه ... لا بد لا بد أن يحتازه دوني
ولعدم إلف الناس الآن لهذا التوكيد اللفظي يظن بعض من يقع إليه شيء منه أنه من باب التكرار الخاطئ.
стр. 350
كتبت مرة مقالًا بإحدى المجلات، وكنت قد كتبت فيه هذه العبارة: «والكلام هنا طويل طويل» وحين قرأته مطبوعاً وجدت «طويل» مرة واحدة، فأيقنت أن الأخ مصفف الحروف حذف الثانية لأنه ظنها تكراراً مني من باب السهو، وعذره في ذلك واضح، لأنه لم يتعود مثل هذا التوكيد اللفظي فيما يقدم له من كتابات، وعلى ذلك فإنني أنصح من يستعمل التوكيد اللفظي أن يستعمل اللفظ ثلاث مرات لا مرتين، فإن ذلك أبعد من مظنة التكرار وأنفى للبس.
وبعد: فإني أخشى أن تكون هذه الحقبة التي نعيشها هي أسوأ الحقب التي مرت بها العربية والبيان العربي. فإن اللغات تنتعش أو تذوي باحترام أهلها لها وممارستهم لها، وما أظن لغتنا العربية فيما يسمونه - خطأ وتسرعاً بعصور الانحطاط الأدبي - وهو العصر العثماني - لا أظنها في تلك الأيام إلا أحسن حالًا، وأجمل بياناً مما هي عليه الآن.
والرثاء كل الرثاء لشباب هذه الأيام الذين يخدعون عن تاريخهم وعن لغتهم فيما يقرأون وفيما يسمعون.
أما أنا وأنت ومن يجري معنا في حب العربية والبيان العربي، فليس لنا إلا الصبر نعتصم به ونفزع إليه، حتى يكشف الله الكربة، ويزيل الغمة، ويرد الغربة:
ما في الصحاب أخو وجدٍ نطارحه ... حديث نجد ولا صب نجاريه
* * *
стр. 351
المعاجم اللغوية .. والهجوم الذي لا ينتهي (١)
كتب أستاذنا الكبير الدكتور شكري محمد عياد، في عدد «المصور»، ١٧ من مارس الماضي كلمة جعل عنوانها «عاشق العربية» حيا فيها شيخنا أبا فهر محمود محمد شاكر، وإذا اجتمع للكلمة شرف الكاتب وشرف المكتوب إليه كانت ذخيرة تحفظ وتصان، وأيضاً فإن الكاتب الجاد يفتح أمام قارئه أبواباً من النظر، ويستخرج منه ألواناً من الفكر كانت دفينة لولا إثارة هذا الكاتب الجاد.
وهكذا عودنا ذلك الأستاذ الجليل: يمتعنا بما يكتب، ثم يمد لنا من حبال الفكر والبيان، ويصلنا بأسبابه، فنمضي معه موافقين أو مخالفين، والكاتب العظيم لا يحفل كثيراً بموافقة أو مخالفة، فحسبه أنه يحرك الساكن، ويجري الراكد، ويهز المألوف، بل إن المخالفة قد تعجبه أحياناً، لأنها ترده إلى الرأي الأول، فيستدرك فائته ويكمل نقصه، فيزداد جلاء ووضوحاً، وقد يقتنع بالرأي المخالف إذا عرف صدقه، ولمعت أمامه أنواره، وثبتت لديه صحته، فيرجع عما قال راضياً سعيداً، على ما قال عمر بن الخطاب في كتابه إلى أبي موسى الأشعري في القضاء: «لا يمنعنك قضاء قضيته اليوم، فراجعت فيه عقلك، وهديت فيه لرشدك، أن ترجع إلى الحق، فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل»، الكامل للمبرد ١/ ٢٠.
وكان مما قاله الأستاذ الكبير في كلمته عن أبي فهر، وإعجابه بجهوده وجهاده
стр. 352
في قراءة الشعر الجاهلي وفهمه والإبانة عنه: «وليس بوسع أحد أن ينكر المصاعب التي تكتنف قراءة الشعر الجاهلي، وأولها - لا شك - صعوبة اللغة، فلا بد لنا أن نستصحب الشروح التي قام بها اللغويون القدماء، وربما غصنا في المعاجم القديمة - وهي على ما نعرف من سوء الترتيب - إن أعوزتنا الشروح».
هكذا قال أستاذنا، وكنت أحب للعبارة أن تكون «عسر الترتيب» وليس «سوء الترتيب»، وليس يخفى فرق ما بين الكلمتين، على أن «عسر المعاجم» هذا لم يعرف إلا في زماننا هذا، لأسباب كثيرة يأتيك حديث عن بعضها إن شاء الله.
ومهما يكن من أمر، فإن هذا العبارة من أستاذنا الفاضل تحمل على أحسن محاملها، على ما قال عمر بن الخطاب أيضاً: «ضع أمر أخيط على أحسنه حتى يأتيك ما يغلبك عليه» طوق الحمامة ص ٢٦٤، نحن لم نعرف من أستاذنا إلا حبه للعربية وإجلاله لموروثها، ورأيه هذا في المعاجم العربية لا يطعن فيها جملة، ولا ينقصها قدرها بمرة، وإنما هو رأي من الرأي، يعرضه صاحبه فيناقش فيه فيقبل منه أو يرد عليه، وليس هو أول من نقد المعاجم العربية، ولن يكون آخره، فما برح أهل العلم منذ مطالع العصر الحديث ينقدون تلك المعاجم، ويكشفون عن جهات النقص فيها، وما يظهر من الاضطراب في ترتيب موادها، مع اختلاف مناهج ذلك النقد وغاياته.
يقول الدكتور عدنان الخطيب: «وإذا كان الكلام على عيوب المعجمات العربية يكاد يكون معاداً أو مكروراً، وإذا كان المهتمون بالمعجم العربي اليوم على شبه اتفاق حول كثير من تلك العيوب، إلا أن العلماء الذين تصدوا لنقد المعاجم القديمة، اختلفوا في أسلوب الكشف عن عيوبها، فكان لكل منهم أسلوبه ونهجه، لهذا كانت عيوب المعاجم عند اللغويين غيرها عند النحاة أو علماء الصرف أو الاشتقاق، وكذلك العيوب التي يراها علماء اللغات غير العيوب التي يراها علماء آخرون يهتمون بنواح تاريخية أو جغرافية أو طبية أو نباتية، أو غير ذلك من النواحي التي اشتملت عليها معاجمنا القديمة، ومن هنا نجد أن نقد الشدياق غير نقد الأب
стр. 353
الكرملي، ونقد أحمد أمين غير نقد الأمير الشهابي ... »، المعجم العربي بين الماضي والحاضر ص ٦٣، وينظر أيضاً المعجم العربي - نشأته وتطوره - للدكتور حسين نصار ٢/ ٧٤٧، والمعجم العربي - بحوث في المادة والمنهج والتطبيق - للدكتور رياض زكي قاسم ص ٢٥٩.
نقد المعاجم العربية:
ولعل أول من نقب هذا النقب، وفتح ذلك الباب في نقد المعجم العربي، في عصرنا الحديث: هو: «أحمد فارس الشدياق» صاحب مطبعة الجوائب الشهيرة باستانبول، في كتابه المعروف «الجاسوس على القاموس»، وقد وضعه لاستدراك ما فات الفيروزآبادي من «قاموسه المحيط» ورد ما وهم فيه من الألفاظ إلى أصولها، وقد طبع باستانبول سنة ١٢٩٩ هـ، وتوفي الشدياق سنة ١٣٠٤ هـ = ١٨٨٧ م، ثم تتابعت النقود في ذلك الطريق، وإن اختلفت فيما بينها شرعة ومنهاجاً، على ما تراه مفصلاً في المراجع الثلاثة المذكورة.
ولا ينبغي أن ننسى جهود العلماء القدامى في نقد المعاجم العربية، مثل نقد ابن بري المتوفى (٥٨٢) لصحاح الجوهري، واسم كتابه: «التنبيه والإيضاح عما وقع في الصحاح»، ويعرف أيضاً بحواشي ابن بري على الصحاح، وكذلك نقد صلاح الدين الصفدي المتوفى (٧٦٤) لللصحاح أيضاً، الذي سماه: «نفوذ السهم فيما وقع فيه الجوهري من الوهم». ثم ما نثره الفيروزآبادي المتوفى (٨١٧) من نقد للصحاح، من خلال «القاموس المحيط»، لكن نقود هؤلاء اللغويين القدامى لم تمس أصول المعجم العربي وقواعده الأساسية، كما نرى في نقود المحدثين، وإنما هو نقد يدور حول التصحيف والتحريف ونسبة الشواهد، وذكر بعض الأبنية في غير أصولها، وإهمال بعض الأصول اللغوية.
وليس من غرضي هنا أن أناقش كل ما وجه للمعجم العربي من نقد، فليس هذا في وسعي ولا في طاقتي، وليس هذا مكانه، وإنما أحب أن أقف عند وجه واحد من وجوه ذلك النقد. وهو ما يقال عن «سوء ترتيب المعجم العربي» أو «تشويش
стр. 354
مادته»، وهو كلام يتردد بين الكبار والمبتدئين، ولا يكاد يخلو منه نقد من نقود المعجم العربي.
وفي رأيي أن الحامل على هذا الوجه من النقد أمران: الأول: المقارنة أو الموازنة الدائمة بين معاجمنا العربية وبين المعاجم الأوروبية، مثل «معجم أكسفورد» و «معجم لاروس». والأمر الثاني: النظر في المعاجم الكبرى فقط، مثل «لسان العرب» لابن منظور المتوفى (٧١١)، و «تاج العروس من جواهر القاموس» للمرتضي الزبيدي المتوفى (١٢٠٥)، وهذا في رأيي هو أصل القضية وجوهرها، فالذين يصفون المعجما لعربي بسوء الترتيب وتشويش المادة لا يفتأون يقارنون بين سهولة المعجم الأوروبي والوصول إلى المعاني فيه بيسر، وبين صعوبة المعجم العربي والتخبط في أبنيته وتراكيبه، وهي مقارنة ظالمة، بل هي غير صحيحة، للفرق الضخم بين العربية وبين غيرها من اللغات، فلغتنا لغة اشتقاقية، ومفرداتها بالغة الكثرة، وما زلنا نجد صدق كلمة الإمام الشافعي عن هذه اللغة في قوله: «ولسان العرب أوسع الألسنة مذهباً، وأكثرها ألفاظاً، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي»، الرسالة ص ٤٢.
وما أظن الناظر في معجم أووربي لمعرفة معنى كلمة أو تركيب يحتاج إلى العدة والأدوات التي يحتاج إليها الناظر في معجم عربي، فهناك مراحل معينة لا بد أن يمر بها الباحث في المعجم العربي ليجد بغيته في ذلك المعجم، وهي تقوم على معرفة الأصل الاشتقاقي للكلمة المراد البحث عن معناها. ومعرفة الأصل الاشتقاقي هذا ترتكز على أسس أربعة:
(أ) حذف الزائد.
(ب) رد المحذوف.
(ج) تصحيح المعتل.
(د) فك المدغم.
وتحت كل فقرة من ذلك كلام كثير، هو علم الأبنية المعروف بعلم الصرف،
стр. 355
وبخاصة أبواب المجرد والمزيد، والإعلال والإبدال، وقد يعرف المرء هذه الأبواب الصرفية، ثم يصعب عليه التهدي إلى موضع الكلمة من المعجم، لعدم المراس والدربة، كما يجد بعضهم صعوبة في موضع «تترى» و «ترقوة» من المعجم، وكذلك موضع ميناء، بل إن بعض الكلمات تأتي في موضعين من المعجم، كما ترى في «البازي» الصقر، يأتي في (بوز) وفي (بزي)، وكذلك كلمة «الصدد» التي تأتي في قولك «بصدد كذا» أو «في ذلك الصدد» تأتي في مادة (صدد)، وفي مادة (صدى)، وقالوا في قوله تعالى: ﴿فأنت له تصدى (٦)﴾ [عبس: ٦]، إن أصلها «تتصدد»، فلما كثرت الدالات قلبت إحداهن ياء، كما قيل إن قوله تعالى: ﴿وقد خاب من دساها (١٠)﴾ [الشمس: ١٠]، أصلها «دسسها» بثلاث سينات، فقلبت إحداهن ياء، تنطق ألفاً، ولذلك يأتي شرح هذه الكلمة في موضعين من المعجم، الأول (دسس)، والثاني (دسى)، ولهذا نظائر أخرى في الأبنية، ومنها: قصيت أظفاري، والأصل: قصصت.
أغزر المعاجم اللغوية:
فهذا ما كان من الأمر الأول، أمر المقارنة بين المعجم العربي والمعجم الأوروبي. أما الأمر الثاني، وهو النظر في المعاجم الكبرى فقط، دون المعاجم الأوساط والصغار: فما أظن الذين حكموا على المعجم العربي بسوء الترتيب وتشويش المادة، قد انتهوا إلى هذا الحكم إلا بعد طول معاناة مع أكبر معجمين، وهما «لسان العرب» لابن منظور، و «تاج العروس» للمرتضى الزبيدي، وهذا الثاني هو أغزر المعاجم اللغوية مادة وأكثرها شمولاً، فقد بلغت جذوره اللغوية (١١٩٧٨) جذراً، على حين بلغت جذور لسان العرب (٩٢٧٣) جذراً - انظر دراسة إحصائية لجذور معجم تاج العروس، للدكتور عبد الصبور شاهين، والدكتور حلمي موسى، نقلًا عن حاشية كتاب الاستدراك على المعاجم العربية للدكتور محمد حسن جبل ص ٧.
ومما لا شك فيه أن البحث في هذين المعجمين متعب، ولا سيما لمن لم