← Джавами‘

Джавами‘ · id 148533

مقالات الطناحي صفحات في التراث والتراجم واللغة والأدب

محمود محمد الطناحي

Полный текст (690 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

المعاجم اللغوية .. والهجوم الذي لا ينتهي (١) كتب أستاذنا الكبير الدكتور شكري محمد عياد، في عدد «المصور»، ١٧ من مارس الماضي كلمة جعل عنوانها «عاشق العربية» حيا فيها شيخنا أبا فهر محمود محمد شاكر، وإذا اجتمع للكلمة شرف الكاتب وشرف المكتوب إليه كانت ذخيرة تحفظ وتصان، وأيضاً فإن الكاتب الجاد يفتح أمام قارئه أبواباً من النظر، ويستخرج منه ألواناً من الفكر كانت دفينة لولا إثارة هذا الكاتب الجاد. وهكذا عودنا ذلك الأستاذ الجليل: يمتعنا بما يكتب، ثم يمد لنا من حبال الفكر والبيان، ويصلنا بأسبابه، فنمضي معه موافقين أو مخالفين، والكاتب العظيم لا يحفل كثيراً بموافقة أو مخالفة، فحسبه أنه يحرك الساكن، ويجري الراكد، ويهز المألوف، بل إن المخالفة قد تعجبه أحياناً، لأنها ترده إلى الرأي الأول، فيستدرك فائته ويكمل نقصه، فيزداد جلاء ووضوحاً، وقد يقتنع بالرأي المخالف إذا عرف صدقه، ولمعت أمامه أنواره، وثبتت لديه صحته، فيرجع عما قال راضياً سعيداً، على ما قال عمر بن الخطاب في كتابه إلى أبي موسى الأشعري في القضاء: «لا يمنعنك قضاء قضيته اليوم، فراجعت فيه عقلك، وهديت فيه لرشدك، أن ترجع إلى الحق، فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل»، الكامل للمبرد ١/ ٢٠. وكان مما قاله الأستاذ الكبير في كلمته عن أبي فهر، وإعجابه بجهوده وجهاده

стр. 352

في قراءة الشعر الجاهلي وفهمه والإبانة عنه: «وليس بوسع أحد أن ينكر المصاعب التي تكتنف قراءة الشعر الجاهلي، وأولها - لا شك - صعوبة اللغة، فلا بد لنا أن نستصحب الشروح التي قام بها اللغويون القدماء، وربما غصنا في المعاجم القديمة - وهي على ما نعرف من سوء الترتيب - إن أعوزتنا الشروح». هكذا قال أستاذنا، وكنت أحب للعبارة أن تكون «عسر الترتيب» وليس «سوء الترتيب»، وليس يخفى فرق ما بين الكلمتين، على أن «عسر المعاجم» هذا لم يعرف إلا في زماننا هذا، لأسباب كثيرة يأتيك حديث عن بعضها إن شاء الله. ومهما يكن من أمر، فإن هذا العبارة من أستاذنا الفاضل تحمل على أحسن محاملها، على ما قال عمر بن الخطاب أيضاً: «ضع أمر أخيط على أحسنه حتى يأتيك ما يغلبك عليه» طوق الحمامة ص ٢٦٤، نحن لم نعرف من أستاذنا إلا حبه للعربية وإجلاله لموروثها، ورأيه هذا في المعاجم العربية لا يطعن فيها جملة، ولا ينقصها قدرها بمرة، وإنما هو رأي من الرأي، يعرضه صاحبه فيناقش فيه فيقبل منه أو يرد عليه، وليس هو أول من نقد المعاجم العربية، ولن يكون آخره، فما برح أهل العلم منذ مطالع العصر الحديث ينقدون تلك المعاجم، ويكشفون عن جهات النقص فيها، وما يظهر من الاضطراب في ترتيب موادها، مع اختلاف مناهج ذلك النقد وغاياته. يقول الدكتور عدنان الخطيب: «وإذا كان الكلام على عيوب المعجمات العربية يكاد يكون معاداً أو مكروراً، وإذا كان المهتمون بالمعجم العربي اليوم على شبه اتفاق حول كثير من تلك العيوب، إلا أن العلماء الذين تصدوا لنقد المعاجم القديمة، اختلفوا في أسلوب الكشف عن عيوبها، فكان لكل منهم أسلوبه ونهجه، لهذا كانت عيوب المعاجم عند اللغويين غيرها عند النحاة أو علماء الصرف أو الاشتقاق، وكذلك العيوب التي يراها علماء اللغات غير العيوب التي يراها علماء آخرون يهتمون بنواح تاريخية أو جغرافية أو طبية أو نباتية، أو غير ذلك من النواحي التي اشتملت عليها معاجمنا القديمة، ومن هنا نجد أن نقد الشدياق غير نقد الأب

стр. 353

الكرملي، ونقد أحمد أمين غير نقد الأمير الشهابي ... »، المعجم العربي بين الماضي والحاضر ص ٦٣، وينظر أيضاً المعجم العربي - نشأته وتطوره - للدكتور حسين نصار ٢/ ٧٤٧، والمعجم العربي - بحوث في المادة والمنهج والتطبيق - للدكتور رياض زكي قاسم ص ٢٥٩. نقد المعاجم العربية: ولعل أول من نقب هذا النقب، وفتح ذلك الباب في نقد المعجم العربي، في عصرنا الحديث: هو: «أحمد فارس الشدياق» صاحب مطبعة الجوائب الشهيرة باستانبول، في كتابه المعروف «الجاسوس على القاموس»، وقد وضعه لاستدراك ما فات الفيروزآبادي من «قاموسه المحيط» ورد ما وهم فيه من الألفاظ إلى أصولها، وقد طبع باستانبول سنة ١٢٩٩ هـ، وتوفي الشدياق سنة ١٣٠٤ هـ = ١٨٨٧ م، ثم تتابعت النقود في ذلك الطريق، وإن اختلفت فيما بينها شرعة ومنهاجاً، على ما تراه مفصلاً في المراجع الثلاثة المذكورة. ولا ينبغي أن ننسى جهود العلماء القدامى في نقد المعاجم العربية، مثل نقد ابن بري المتوفى (٥٨٢) لصحاح الجوهري، واسم كتابه: «التنبيه والإيضاح عما وقع في الصحاح»، ويعرف أيضاً بحواشي ابن بري على الصحاح، وكذلك نقد صلاح الدين الصفدي المتوفى (٧٦٤) لللصحاح أيضاً، الذي سماه: «نفوذ السهم فيما وقع فيه الجوهري من الوهم». ثم ما نثره الفيروزآبادي المتوفى (٨١٧) من نقد للصحاح، من خلال «القاموس المحيط»، لكن نقود هؤلاء اللغويين القدامى لم تمس أصول المعجم العربي وقواعده الأساسية، كما نرى في نقود المحدثين، وإنما هو نقد يدور حول التصحيف والتحريف ونسبة الشواهد، وذكر بعض الأبنية في غير أصولها، وإهمال بعض الأصول اللغوية. وليس من غرضي هنا أن أناقش كل ما وجه للمعجم العربي من نقد، فليس هذا في وسعي ولا في طاقتي، وليس هذا مكانه، وإنما أحب أن أقف عند وجه واحد من وجوه ذلك النقد. وهو ما يقال عن «سوء ترتيب المعجم العربي» أو «تشويش

стр. 354

مادته»، وهو كلام يتردد بين الكبار والمبتدئين، ولا يكاد يخلو منه نقد من نقود المعجم العربي. وفي رأيي أن الحامل على هذا الوجه من النقد أمران: الأول: المقارنة أو الموازنة الدائمة بين معاجمنا العربية وبين المعاجم الأوروبية، مثل «معجم أكسفورد» و «معجم لاروس». والأمر الثاني: النظر في المعاجم الكبرى فقط، مثل «لسان العرب» لابن منظور المتوفى (٧١١)، و «تاج العروس من جواهر القاموس» للمرتضي الزبيدي المتوفى (١٢٠٥)، وهذا في رأيي هو أصل القضية وجوهرها، فالذين يصفون المعجما لعربي بسوء الترتيب وتشويش المادة لا يفتأون يقارنون بين سهولة المعجم الأوروبي والوصول إلى المعاني فيه بيسر، وبين صعوبة المعجم العربي والتخبط في أبنيته وتراكيبه، وهي مقارنة ظالمة، بل هي غير صحيحة، للفرق الضخم بين العربية وبين غيرها من اللغات، فلغتنا لغة اشتقاقية، ومفرداتها بالغة الكثرة، وما زلنا نجد صدق كلمة الإمام الشافعي عن هذه اللغة في قوله: «ولسان العرب أوسع الألسنة مذهباً، وأكثرها ألفاظاً، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي»، الرسالة ص ٤٢. وما أظن الناظر في معجم أووربي لمعرفة معنى كلمة أو تركيب يحتاج إلى العدة والأدوات التي يحتاج إليها الناظر في معجم عربي، فهناك مراحل معينة لا بد أن يمر بها الباحث في المعجم العربي ليجد بغيته في ذلك المعجم، وهي تقوم على معرفة الأصل الاشتقاقي للكلمة المراد البحث عن معناها. ومعرفة الأصل الاشتقاقي هذا ترتكز على أسس أربعة: (أ) حذف الزائد. (ب) رد المحذوف. (ج) تصحيح المعتل. (د) فك المدغم. وتحت كل فقرة من ذلك كلام كثير، هو علم الأبنية المعروف بعلم الصرف،

стр. 355

وبخاصة أبواب المجرد والمزيد، والإعلال والإبدال، وقد يعرف المرء هذه الأبواب الصرفية، ثم يصعب عليه التهدي إلى موضع الكلمة من المعجم، لعدم المراس والدربة، كما يجد بعضهم صعوبة في موضع «تترى» و «ترقوة» من المعجم، وكذلك موضع ميناء، بل إن بعض الكلمات تأتي في موضعين من المعجم، كما ترى في «البازي» الصقر، يأتي في (بوز) وفي (بزي)، وكذلك كلمة «الصدد» التي تأتي في قولك «بصدد كذا» أو «في ذلك الصدد» تأتي في مادة (صدد)، وفي مادة (صدى)، وقالوا في قوله تعالى: ﴿فأنت له تصدى (٦)﴾ [عبس: ٦]، إن أصلها «تتصدد»، فلما كثرت الدالات قلبت إحداهن ياء، كما قيل إن قوله تعالى: ﴿وقد خاب من دساها (١٠)﴾ [الشمس: ١٠]، أصلها «دسسها» بثلاث سينات، فقلبت إحداهن ياء، تنطق ألفاً، ولذلك يأتي شرح هذه الكلمة في موضعين من المعجم، الأول (دسس)، والثاني (دسى)، ولهذا نظائر أخرى في الأبنية، ومنها: قصيت أظفاري، والأصل: قصصت. أغزر المعاجم اللغوية: فهذا ما كان من الأمر الأول، أمر المقارنة بين المعجم العربي والمعجم الأوروبي. أما الأمر الثاني، وهو النظر في المعاجم الكبرى فقط، دون المعاجم الأوساط والصغار: فما أظن الذين حكموا على المعجم العربي بسوء الترتيب وتشويش المادة، قد انتهوا إلى هذا الحكم إلا بعد طول معاناة مع أكبر معجمين، وهما «لسان العرب» لابن منظور، و «تاج العروس» للمرتضى الزبيدي، وهذا الثاني هو أغزر المعاجم اللغوية مادة وأكثرها شمولاً، فقد بلغت جذوره اللغوية (١١٩٧٨) جذراً، على حين بلغت جذور لسان العرب (٩٢٧٣) جذراً - انظر دراسة إحصائية لجذور معجم تاج العروس، للدكتور عبد الصبور شاهين، والدكتور حلمي موسى، نقلًا عن حاشية كتاب الاستدراك على المعاجم العربية للدكتور محمد حسن جبل ص ٧. ومما لا شك فيه أن البحث في هذين المعجمين متعب، ولا سيما لمن لم

стр. 356

يألف التعامل معهما وكثرة النظر فيهما، ولا تنتظر من طالب مبتدئ، أو من شخص محدود الثقافة، يريد معنى كلمة أو تركيب أن يرضى عن كتاب لغة موسوعي كهذين المعجمين، يمتد فيهما الكلام ويطول. إن الحكم الصحيح على هذين المعجمين ينبغي أن يتم في إطار معرفة حال ابن منظور والمرتضى الزبيدي، ثم معرفة حال معجميهما المذكورين، فالرجلان ليسا من واضعي اللغة ولا من رواتها، لتأخر زمانهما كما تعلم، وتآليفهما الأخرى تدور حول شروح الكتب واختصاراتها. أما المعجمان اللذان صنفا هما: لسان العرب وتاج العروس فهما تجميع موسوعي ضخم للمعاجم السابقة عليهما بمناهجها المختلفة وتباينها: اتساعاً وضيقاً، وقلة وكثرة. ولقد صرح ابن منظور في مقدمة «اللسان» بأنه جمعه من أصول معجمية خمسة، هي بحسب ذكره لها: تهذيب اللغة للأزهري (٣٧٠ هـ)، والمحكم لابن سيده (٤٥٨ هـ)، والصحاح للجوهري (حدود ٤٠٠ هـ)، والحواشي عليه لابن بري (٥٨٢ هـ) وتسمى هذه الحواشي: التنبيه والإيضاح عما وقع في الصحاح. والنهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير (٦٠٦ هـ). وتمثل هذه المعاجم الخمسة ثلاث مدارس في التأليف المعجمي: المدرسة الأولى مدرسة ترتيب المواد اللغوية وفق مخارج الحروف، وهي مدرسة الخليل بن أحمد، ويمثلها من هذه المعاجم: التهذيب للأزهري والمحكم لابن سيده، والمدرسة الثانية: التي ترتب المواد على الجذور اللغوية (أصل الاشتقاق) واعتبار الحرف الأخير منها باباً بيني عليه المعجم، والحرف الأول فصلًا، مع مراعاة الترتيب الألفبائي فيما بين حرفي الباب والفصل، وهذا النظام إلى حرفها الأخير قبل كل شيء، ويمثل هذه المدرسة الصحاح وحواشيه. والمدرسة الثالثة - وهي المدرسة المألوفة لنا - التي ترتب المواد وفق الأول والثاني والثالث - ويمثلها النهاية لابن الأثير. وقد ارتضى ابن منظور من مناهج هذه المدارس منهج المدرسة الثانية، مدرسة

стр. 357

«الصحاح» ورتب كتابه «اللسان» على أساسها، وأخضع المدرستين الأخريين لها، ويصرح ابن منظور في مقدمته بأن عمله في معجمه لم يخرج عن حدود ما في مراجعه الخمسة، وإن كان قد استطرد إلى ذكر فوائد من قراءاته وسماعاته، ثم تعقب في أحيان قليلة بعض ما وجده في مراجعه الخمسة المذكورة، كما أشرت إلى ذلك في مقالتي عن «لسان العرب» في الهلال (مارس ١٩٩٢ م) [راجعها ص ١٧٧]. فقد ظهر إذن أن المادة المعجمية في «لسان العرب» مجموعة من مراجع خمسة، تخضع لمناهج ثلاثة مختلفة كل الاختلاف، وهذا هو سر ما يبدو من التشويش وعسر الترتيب عنده. فالتكرير وارد لا محالة في كتاب موسوعي صرح مؤلفه بأنه لم يخرج عن مراجعه الخمسة، فهو لم يبح لنفسه أن يغير شيئاً من المادة التي أمامه، غاية ما في الأمر أنه أخضعها لمنهج واحد في الترتيب، وترك كل شيء في الكتب على حاله، إلا أن يتدخل في أحيان قليلة جداً بنقد أو ترجيح، ولذلك قد تجد لديه شرحاً لشيء من غريب الحديث والأثر مختلفاً عن شرح آخر للحديث نفسه في المادة نفسها، لاختلاف مرجعه في ذلك، فقد ينقل في المرة الأولى عن «تهذيب اللغة» للأزهري، وفي الثانية عن «النهاية» لابن الأثير، بل قد تجد شاهداً شعرياً غير منسوب لقائل في موضع من المادة، وبعد قليل تجد الشاهد في نفسه منسوباً، وما ذلك إلا لاختلاف مرجعه في الحالين، وقل مثل هذا في اختلاف الشروح، والحظر اللغوي أحياناً والإباحة أحياناً أخرى، ولذلك يوصي كبار المحققين في الإحالة على ما في اللسان أن تقول: «جاء في اللسان كذا وكذا»، ولا تقول: «قال صاحب اللسان، أو قال اللسان». فهذا هو «لسان العرب» كتاب موسوعي، جمع مادة لغوية ضخمة من خمسة كتب كبار مختلفة المناهج، أخضعها لمنهج واحد، وهو جهد شاق يحسب في موازين الرجل، ولم يكن عدلاً أن ننتظر من مؤلفه أن يصطفي من هذه المعاجم الخمسة معجماً يصنعه على هوانا ووفق مشيئتنا، وعلى حسب مواصفات العصر الحديث - عصر الحاسبات الآلية والكمبيوتر - يجلس الواحد منا متكئاً على أريكته

стр. 358

فيجد بغيته من أقرب طريق، ويعثر على ضالته بأقل جهد: الأفعال الثلاثية وحدها، وما زاد على الثلاثة وحده، والأفعال اللازمة وحدها والمتعدية بعدها، ولا بأس أن يميز بين المتعدي بنفسه، والمتعدي بالحرف، بل المتعدي لواحد ولاثنين وثلاثة، والجموع يأتي القياسي منها وحده، والسماعي وحده، وأبنية المصادر وحدها وأسماء المصادر وحدها، والمشتقات وحدها. وهذا كله منطق «اللقطة» تصيبها في عرض الطريق، أو «الغنيمة الباردة» تحوزها بغير حولٍ منك ولا قوة. نحن والفهارس: لقد صنع ابن منظور معجمه «اللسان» في أوائل القرن الثامن، ونحن نحاكمه بمنطق القرن الخامس عشر، وقد صنعه لقوم يقرأون الكتب من أولها إلى آخرها، ونحن نلزمه أن يكون قد نظر إلى أبعد من ع صره، بل نريده أن يكون قد نظر إلنيا على وجه الخصوص، ونحن الآن لا نتعامل مع الكتب إلا عن طريق الفهارس، ولأخذ حاجتنا فقط، وقل أن تجد منا من قرأ كتاباً كاملًا، للمعرفة وحدها، لا للمرجعية فحسب. وما قيل عن ابن منظور و «اللسان» يقال عن المرتضى الزبيدي و «التاج»، فقد جمعه الزبيدي من مراجع كثيرة، منها اللسان، وجمهرة ابن دريد، ومقاييس اللغة لابن فارس، وأساس البلاغة للزمخشري، ثم كتب الصاغاني، وأخضعها جميعاً للمنهج الذي ارتضاه صاحب اللسان. على أن ابن منظور والمرتضى الزبيدي لو كانا قد أرادا ترتيب المادة اللغوية على ما يريدها الناس الآن، لما استقام الأمر لهما ولا لغيرهما، فهناك أبنية لا تأتي إلا مقرونة بغيرها، كأبنية المصادر التي تأتي عقب الأفعال، وكالجموع التي تأتي مقترنة بالمفرد، ثم هناك الأبنية المرتبطة بالنصوص، والتي لو عزلت عن سياقها في شاهدها وسلكت مع نظائرها لفقدت روح دلالتها، وعندي من هذا وذاك أمثلة كثيرة، لا يتسع المقام هنا لذكرها. وإن تفتيت المادة اللغوية على ما يريده الناس الآن يصادم روح اللغة ونظامها، ولذلك تعجبني كلمة الدكتور رياض زكي قاسم، في كتابه الذي ذكرته

стр. 359

من قبل، قال حين تحدث عن عيوب المعجم العربي: «فهذه العيوب تنقسم إلى ثلاث مجموعات: منها ما يمكن تهذيبه، ومنها ما يمكن تطويره وتحديثه، ومنها عصي يرتبط بمسألة تدوين اللغة، وهو ما لا يمكن تهذيبه أو تحديثه»، المعجم العربي ص ٢٦٠. فهذا الذي يرتبط بمسألة تدوين اللغة هو روح اللغة ونظامها الذي لا ينبغي أن يمس بحال، ومن ثم لا ينبغي أن يوصف بعسر ترتيب أو سوء ترتيب، وليس أمام الباحث الآن إلا مد حبال الصبر والاستمساك بعرى الأناة، والتدرج في مراقي الإلف والعادة، لتنفتح له مغاليق هذه المعجمات الكبار، وأعرف أناساً من أهل العلم ثم من شداته والمبتدئين فيه، يقرأون اللسان والتاج في يسر وسهولة، ويقعون على حاجتهم منه في غير مؤونة ولا كلفة. وليس يخفى الفرق بين شخصين، يطلب أحدهما معنى كلمة أو تركيب، ويريد الثاني تحرير قضية لغوية، تتصل بالأبنية أو الدلالة، فالأول يكفيه معجم صغير، مثل مختار الصحاح أو المعجم الوجيز أو الوسيط اللذين أصدرهما مجمع اللغة العربية بالقاهرة، وفيهما جهد كبير، أما الثاني فلا بد له من أن يركب الصعب، ويأخذ نفسه بالجلادة والصبر، إن معرفة اللغة والوقوف على شيء من أسرارها لا يكفي فيها اللسان أو التاج، بل لا بد فيها من الرجوع إلى ما لا يحصى من كتب اللغة الصغار والأوساط، وكتب الألفاظ، ومعاجم المعاني وشروح الشعر، وشروح غريب القرآن وغريب الحديث، وكتب الأمالي والماجلس، بل كتب التاريخ والبلدان والمعارف العامة. ويبقى التنبيه على عدة أمور: أولًا: ثبت - إن شاء الله - أن لسان العرب وتاج العروس هما أوسع المعاجم اللغوية وأغزرها مادة، وأنهما قائمان على أساس التجميع من المعاجم السابقة ليس غير فهما بهذا الوصف داخلان في حيز الموسوعات، والتعامل مع الموسوعات له أدوات، منها الصبر وبذل الجهد، والنفس الطويل، والخبرة السابقة بكتب العربية في

стр. 360

فنونها المختلفة، فالعسر الذي يجده الباحث في هذين المعجمين الكبيرين لا ينبغي أن يعمم على سائر المعاجم العربية. ثانياً: ابن منظور من علماء القرن الثامن والزبيدي من علماء القرن الثاني عشر، وقد سبقتهما جهود كثيرة في التأليف المعجمي، وهذه التآليف خضعت لمناهج مختلفة في المادة والترتيب، وكلها قائمة على اليسر والسهولة، مثل الصحاح ومختاره، وأساس البلاغة للزمخشري، والمصباح المنير للفيومي. ثالثًا: هناك طائفة من المعاجم اللغوية قائمة على فكرة الأبنية، فالمنهجية تحكمها، والغاية فيها واضحة، مثل إصلاح المنطق لابن السكيت (٢٤٤ هـ) وديوان الأدب لأبي إبراهيم الفارابي (٣٥٠ هـ) وهو غير الفارابي الفيلسوف، ومثل كتب الأفعال لابن القوطية (٣٦٧ هـ)، وللسرقسطي (بعد ٤٠٠ هـ) وابن القطاع (٥١٥ هـ) إلى جانب معاجم الأضداد والمشترك اللفظي، ومعاجم المعاني، والأجناس اللغوية، وأعلاها المخص لابن سيده (٤٥٨ هـ)، ثم معاجم الموضوعات الخاصة، مثل معاجم غريب القرآن وغريب الحديث، وما كتب في خلق الإنسان والبهائم والحشرات والإبل والخيل والنبات، والمطر واللبن، وما كتب في نوادر الأبنية. رابعاً: مما ينبغي أن يضم إلى المعجم اللغوي تلك المؤلفات التي عنيت بشرح ألفاظ ومصطلحات العلوم، وهذه المؤلفات تقسم إلى قسمين: (أ) مؤلفات عامة، تجمع المصطلحات المستخدمة في كافة العلوم الإسلامية - بما فيها علوم اللغة العربية - أو في أكثر هذه العلوم دون تمييز. (ب) مؤلفات خاصة، يفرد كل منها لمصطلحات علم واحد، أو مجموعة قليلة من علوم متقاربة. ومن أشهر مؤلفات القسم الأول: مفاتيح العلوم للخوارزمي (٣٨٧ هـ)، والتعريفات للسيد الشريف الجرجاني (٨١٦ هـ). والكليات لأبي البقاء الكفوي

стр. 361

(١٠٩٤ هـ) - وهذا الكتاب من أعظم الكتب وأنفعها، وإني أنصح به كل طالب علم - وكشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي، أتم تأليفه سنة (١١٥٨ هـ). وأبجد العلوم لصديق القنوجي (١٣٠٧ هـ). أما مؤلفات القسم الثاني فشيء كثير، لا يتسع له هذا المقام، انظره في مقدمة الدكتور حسن محمود الشافعي لكتاب: المبين في شرح ألفاظ الحكماء والمتكلمين، لسيف الدين الآمدي (٦٣١ هـ)، ثم انظر كتابي: الموجز في مراجع التراجم والبلدان والمصنفات وتعريفات العلوم. فهذا هو بناء المعجم العربي، بناء ضخم متماسك، واضح المعالم، قريب المورد، ميسور الاجتناء، ما لم تطبق عليه نظام المعجم الأوروبي، وتنتظر منه أن يعطيك ما يعطيكه ذلك المعجم. وبعد: فإن من الخير والعدل أن نتوقف عن الطعن في معاجمنا اللغوية، ونمسك عن سوء الترتيب وتشويش المادة، نتجاوز هذا كله، ثم ننظر في أمر هذه المعاجم: نستدرك فائتها، ونكمل نقصها، ونبرز فوائدها، ونيسر سبيلها، وفي ذلك الطريق، أطرح هذه المقترحات: أولاً: جمع اللغة التي جاءت في كتب العربية الأخرى غير المعاجم، وذلك ما تراه في أشعار العرب التي شرحها أئمة الأدب واللغة، من أمثال الأصمعي وتلميذه أبي نصر الباهلي، وأبي عمرو الشيباني، وأبي العباس الأحول، وابن السكيت وثعلب والسكري، وقد قام هؤلاء مادة لغوية غزيرة من خلال شروحهم لما جمعوه من شعر، هذا إلى اهتمام علماء كل فن وعلم باللغة، يقدمونها بين يدي علومهم، كالذي تراه مثلًا في شراح أبي علي الفارسي لمفردات اللغة في كتابه: الشعر أو شرح الأبيات المشكلة الإعراب، وكذلك ما صنعه ابن الشجري في كتابه: الأمالي النحوية. وبعذ هذه الشروح اللغوية لم يرد في المعاجم اللغوية المتداولة، وقد تنبه إلى ذلك ونبه عليه مشايخنا فيما نشروه من كتب الأوائل، ومن ذلك ما ذكره شيخنا أبو فهر بآخر طبقات فحول الشعراء باسم «ألفاظ من اللغة أخلت بها المعاجم أو قصرت في بيانها»، وما ذكره أستاذنا عبد السلام هارون ﵀، من إحصاء

стр. 362

لهذه الألفاظ والكلمات التي لم ترد في المعاجم بآخر: البيان والتبيين، ومقاييس اللغة، والأصمعيات والمفضليات ومجالس ثعلب. ومن تجاربي الشخصية في التماس الشروح اللغوية من دواوين الشعراء: أني كنت أبحث يوماً عن توثيق كلام في اللغة لأبي العباس أحمد بن يحيى المعروف بثعلب (٢٩١ هـ)، فنظرت في المطبوع من كتبه اللغوية، المجالس، والفصيح، فلم أجد فيها كلامه الذي نقله عنه الأئمة، ثم نظرت في شرحه على ديوان زهير بن أبي سلمى، فوجدت بغيتي فيه، وما دلني على ذلك إلا فهرس اللغة الذي صنفه محققو الديوان من مشيخة دار الكتب المصرية. ثانياً: استخراج المواد اللغوية المذكورة في المعاجم في غير أبوابها، كأن تجد مثلًا كلاماً على مادة (قلب) في أثناء مادة (بدأ) ومثل هذ كثير، فإننا نجد ألفاظاً وتراكيب قد ذكرت في غير موادها؛ لدواعي الاستطراد والمناسبة، ولا سيما في لسان العرب وتاج العروس، لاتساع مادتهما وكثرة نقولهما، كما عرفت من قبل. ومن أنفع ما قرأت من ذلك ما صنعه الدكتور محمد حسن جبل، في كتابه الذي سماه: «الاستدراك على المعجم العربية في ضوء مئتين من المستدركات الجديدة على لسان العرب وتاج العروس». وقد نشره منذ تسع سنوات، ولعله يمضي في هذا الطريق إلى نهايته، هو ومن يختار من تلاميذه، ثم رأيت في نشرة دار العلم للملايين ببيروت لكتاب «الجمهرة» لابن دريد (٣٢١ هـ) رأيت في هذه النشرة فهرساً نافعاً جداً في هذا المقترح، سموه: فهرس الجذور غير الواردة في أبوبها. ومثل هذين المستدركين على المعاجم العربية - جمع اللغة التي جاءت في غير المعاجم، واستخراج المواد والجذور المذكورة في غير أبوابها من المعاجم - يمكن أن يقوم بها معيدو أقسام اللغة العربية بالكليات الجامعية، مع شيء من التحليل والدراسة، ويحصلوا بها على الماجستير والدكتوراه، بدلاً من تلك الموضوعات المكرورة المتشابهة التي يدخل فيها اللاحق على السابق.

стр. 363

ثالثًا: إعادة نشر معاجمنا العربية التي طبعت منذ زمن بعيد، بالاستفادة من التقدم الطباعي الحديث، باستخدام الألوان، والتوسع في علامات الترقيم وأوائل السطور والفقرات، وإبراز أوائل المواد وآخرها. ومن أعظم التجارب وأنفعها التي ينبغي الاستفادة منها في هذا السبيل: ما قام به الناشر السوري النابة «رياض دعبول» صاحب مؤسسة الرسالة، في تلك الطبعة العظيمة من «القاموس المحيط» للفيروزآبادي (٨١٧ هـ)، وقد جاءت هذه الطبعة العالية في مجلد واحد (١٧٥٠) صفحة، فاختصر المجلدات الأربع التي كان يطبع عليها القاموس قديماً، وقد اتبعت مؤسسة الرسالة هذه الخطوات - في إخراج تلك الطبعة الرائعة من القاموس، التي ظهرت الطبعة الثانية منها سنة ١٤٠٧ هـ = ١٩٨٧ م -: ١ - تحلية النص وتنسيقه بإدخال علامات الترقيم. ٢ - وضع كل مادة جديدة من أول السطر، وتمييز ألفاظ المادة بالحرف الأحمر. ٣ - إثبات الحواشي أسفل الصفحة مع أرقام في المتن تشير إليها وتدل عليها. ٤ - إثبات إشارة خط هكذا - (باللون الأحمر) للدلالة على أن الكلمة كررت في ذاك الموضع لإيراد معنى آخر لها، فهذا الخط هو بديل عن إعادة كتابة الكلمة. ٥ - تخريج الآيات القرآنية وقراءاتها، وتبيين الشاذ من القراءات. ٦ - جعلت الآيات القرآنية بين قوسين مزركشين، والأحاديث الشريفة والأمثال بين قوسين صغيرين. ٧ - أثبت في أعلى كل صفحة أول وآخر مادة فيها، تسهيلًا للعثور على المادة. وعلى نحو من هذا الإخراج الميسر طبع من «تاج العروس» ثمانية وعشرون

стр. 364

جزءاً، وبقي منه اثنا عشر جزءاً، والمأمول من وزارة الإعلام بالكويت التعجيل بإخراج هذه الأجزاء الباقية من الكتاب الذي ظهر الجزء الأول منه عام ١٩٦٥ م. رابعاً: إعادة نشر «لسان العرب» أشهر المعجمات العربية، وقد طبع أول مرة بمطبعة بولاق سنة ١٣٠٠ هـ، فقد مضى على طبعه (١١٥) سنة، وقد آن الأوان لكي نظهره في طبعة تليق به، وتيسر سبيل الانتفاع به، باستخدام التطور الطباعي الحديث كما ذكرت، ثم تخليصه من شوائب التصحيف والتحريف التي مني بها، وذلك بجمع كل ما كتبه أهل العلم في ذلك، ومنهم العلامة المغفور له أحمد تيمور باشا، وقد نشر جزءين صغيرين في تصحيح اللسان، أحدهما في مطبعة الجمالية سنة ١٣٣٤ هـ، والآخر في المطبعة السلفية سنة ١٣٤٣ هـ، وكذلك صنع أستاذنا عبد السلام هارون، برد الله مضجعه، في كتابه الذي سماه: «تحقيقات وتنبيهات في معجم لسان العرب»، وطبعه سنة ١٣٩٩ هـ = ١٩٧٩ م، وقد استدرك غيرهما شيئاً من ذلك على اللسان، فيجمع ذلك كله، وينزل على منازله من المواد اللغوية، مع مراجعة الكتاب على مراجعة الخمسة التي ذكرتها من قبل، وقد طبعت كلها. فهذه المقترحات وغيرها مما يخدم لغتنا، ويسير سبيل الانتفاع بمعاجمها، أما ما يقال في تغيير ترتيب المعاجم العربية، وإعمال يد الإصلاح فيها، بالحذف والتقديم والتأخير، فكلام لا يصدر إلا عمن لا يحترم لغته، ولا يعرف تاريخه، وربنا المستعان. * * *

стр. 365

الكتاب .. والتواصل العلمي (١) تلقيت في بريدي مجموعة مختارة من مطبوعات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو)، وقد زان هذه المجموعة رسالة رقيقة من المدير العام للمنظمة الدكتور عبد العزيز بن عثمان التويجري، ولم أشرف بمعرفة هذا الرجل من قبل، وما دله علي إلا تلك المقالات التي أنشرها بالهلال، كما ذكر في رسالته الطيبة الزكية، التي فاضت بالثناء المستطاب علي والرضا الكامل عما أكتب، وهذه نعمة أحمد عليها، وأشكر من أسداها، ثم أنشده قول أبي نخيلة السعدي: شكرتك إن الشكر حبل من التقى ... وما كل من أوليته نعمة يقضي ونوهت من ذكري وما كان خاملًا ... ولكن بعض الذكر أنبه من بعض وكان الأولى بي الإمساك عن ذكر هذا البيت الثاني، لولا حلاوة هذا الشعر، وقوة الآصرة بين البيتين، وإن أردت الكلمة كلها فاطلبها في أمالي أبي علي القالي ١/ ٣٠، وانظر ما استخرجه منها الشيخ عبد القاهر الجرجاني في دلائل الإعجاز ٤٨٤، ثم اقرأ أخبار أبي نخيلة في الأغاني ٢٠/ ٣٩٠ (تنبيه: العرب تطلق الكلمة على القصيدة، وهو شائع مستفيض في كتبهم). ثم أما بعد: فلنقف قليلًا عند هذه الرسالة التي شرفني بها المدير العام للمنظمة الإسلامية، وهي رسالة غريبة في زماننا هذا ذي التعاجيب، فهذا مدير مؤسسة علمية مقرها الرباط عاصمة المغرب الأقصى، يتابع ما يكتبه كاتب في مجلة الهلال

стр. 366

بالقاهرة، ويرى في هذا الذي يكتب ما يوجب تحية كاتبه وإهداءه شيئاً من مطبوعات المنظمة، وما أظن هذا المدير القارئ المتابع قد آثرني وحدي من بين الكاتبين بهذا الفضل، فلا شك أنه يقرأ لي ولغيري في الهلال، وفي سائر المجلات الثقافية، ليكون في ذلك عون له على أداء رسالته وإنجاح عمل المنظمة التي يتولى إدارتها، ولولا ما جاء في رسالته من ثناء بالغ على كتاباتي، لوضعت رسالته كلها هنا؛ ليرى القارئ الكريم كيف يكون مدير المؤسسة الثقافية، على ما قال أبو زياد الأعرابي: ولم يك أكثر الفتيان مالًا ... ولكن كان أرحبهم ذراعاً فقد أتى على مؤسساتنا الثقافية حين من الدهر كانت مناصبها العليا توزع على أساس من التوازنات السياسية، وإرضاء جميع الأطراف، ولا ينبئك مثل خبير، فقد عملت بالمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم خمس عشرة سنة، ورأيت أنماطاً غريبة من أصحاب هذه المناصب العليا، وبعضهم لا صلة له بالثقافة، لا من قريب ولا من بعيد، حتى إنه كتب ذات يوم: «لقد حضرت فوجت الباب مغلق» هكذا كتب «وجت» وهو يريد «وجدت» وكأنه يكتبها كتابة صوتية، يكتب كما ينطق، وما رأيت هذا المدير إلا وأنشدت قول البحتري: الآن أيقنت أن الرزق أقسام ... لما تقلد أمر البرد حجام «البرد: جمع البريد، والحجام: هو الذي يتولى الحجامة، وهي المعالجة بفصد الدم، أو امتصاصه بالمحجمة، وكان معروفاً ومستعملًا إلى عهد قريب»، وهذا كما ترى أحد مصائبنا الكبرى: أن يوسد الأمر إلى غير أهله، ولو تتبعت مراكزنا العلمية ومنظماتنا الثقافية لوجدت فيها من هذه النماذج الكثير، على ما قالت العرب في أمثالها: «وفي كل واد بنو سعد». ومهما يكن من أمر، فهذه المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة التي يديرها ذلك المدير المثقف المتابع، أنشئت في ٣ مايو ١٩٨٢ م، واتخذت الرباط عاصمة المملكة المغربية مقراً لها، والمغرب الأقصى، حرسه الله، ثغر من ثغور

стр. 367

العربية والإسلام، وما زالت طائفة من أهله قائمة على حراسة موروثها من علوم الإسلام: حفاظاً على مخطوطاتها، وتحقيقاً لنفائسها، هذا إلى فضلهم القديم في شرح آثار المشارقة والعناية بها، فاتخاذ الرباط مقراً لهذه المنظمة الإسلامية، عمل صالح، إن شاء الله، على ما قال الزاهد الكبير يوسف بن أسباط ﵁: «وإنما يطيب الموضع بأهله». كما كان من العمل الصالح أيضاً اتخاذ منظمة المؤتمر الإسلامي مدينة استانبول مقراً لمركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية. ولاستانبول في تاريخ الإسلام أيام بيض وصفحات مضيئة، ذكرت شيئاً منها في الهلال (ديسمبر ١٩٩٤) في كلمة عنوانها «تركيا والمخطوطات العربية» (راجع ص ٣١٢ من هذا الكتاب). التعريف بالتراث الإسلامي: وتعلن هذه المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافية عن غاياتها وأهدافها التي تحرص على صيانة التراث الإسلامي ورعايته والتعريف به، كما تعمل على دعم الثقافة الإسلامية الأصيلة وحماية استقلال الفكر الإسلامي من عوامل الغزو الثقافي والمسخ والتشويه، ولتحقيق هذه الغايات تقوم المنظمة بعقد الندوات التي تتناول موضوعات بعينها، أو شخصيات بخصوصها، ثم تقوم بطبع حصيلة هذه الندوات في كتب يقرؤها الناس على مكث، وبجانب هذه المطبوعات الخاصة تقوم المنظمة بتحقيق ونشر ما تراه صالحاً ومفيداً من عيون المخطوطات العربية. ومن هذا وذاك وصل إليّ من مطبوعات المنظمة: ١ - الإمام الطبري في ذكرى مرور أحد عشر قرناً على وفاته (فقيهاً ومؤرخاً ومفسراً) جزءان. ٢ - الإمام الشافعي، الاحتفاء بمرور اثني عشر قرناً على وفاته. ٣ - أحمد بابا التمبكتي، بمناسبة مرور أربعة قرون ونصف على ولادته. ٤ -

стр. 368

الأحكام الصغرى، لأبي بكر ابن العربي المتوفى سنة ٥٤٣ هـ، وهو مختصر كتابه أحكام القرآن الذي نشر بمطبعة عيسى البابي الحلبيب بالقاهرة سنة ١٣٧٦ هـ = ١٩٥٧ م بتحقيق الأستاذ علي محمد البجاوي، ﵀. ٥ - التقسيم والتبيين في حكم أموال المستغرقين - من الظلمة والغاصبين - لأبي زكريا الشبلي، من علماء القرن الثامن الهجري. وهذا الكتاب خاص بوجوه الأموال الحرام، وطرق الكسب غير المشروع - كما يقال في أيامنا - من التعدي على الأموال، والغصب والإكراه، والربا والرشوة، والشركات الفاسدة، وكذلك ظلم أصحاب الوظائف العامة وغيرهم من أصحاب القوة والنفوذ والسلطان، مما يدخل في أحكام القانون المدني الإسلامي، أو أحكام القانون الدولي الإسلامي. ٦ - المهذب في الكحل المجرب، لعلي ابن أبي الحزم القرشي المعروف بابن النفيس، المتوفى سنة ٦٨٧ هـ (والقرشي هنا تضبط وتقرأ بفتح القاف وسكون الراء نسبة إلى «قرش» اسم بلد فيما وراء النهر - نهر جيحون، المسمى نهر أموداريا، بوسط آسيا)، وبعض الناس ينطقه «القرشي» بضم القاف وفتح الراء، بظنه نسبة إلى «قريش» وهو ما أسميه أخطاء الإلف والعادة. ٧ - الكافي في الكحل، لخليفة بن أبي المحاسن الحلبي، من علماء القرن السابع الهجري، وقد ذكر محققا الكتاب أن من أهل ما يميز هذا الكتاب: (أ) أنه أول كتاب يضم رسماً توضيحياً لتشريح الدماغ، وعلاقة العينين به، والطريق الذي يسلكه البصر بين العينين والدماغ. (ب) أنه أول كتاب يضع رسوماً للأدوات الجراحية المستعملة في جداول أنيقة. (ج) أنه أول كتاب يضع جداول منظمة أنيقة لأمراض الأجفان والعينين وآلية الإبصار. (د) ... أنه أول كتاب يفرد فصلاً خاصاً عن المكاييل والأوزان والمقاييس

стр. 369

المستعملة في الطب آنذاك، وتعتبر هذه المقادير التي ذكرها أوفى من تلك المقادير التي ذكرها ابن سينا في آخر كتابه «القانون». (هـ) أنه أول كتاب يفرد فصلًا خاصاً عن الفصد، ويعتبر ما ذكره المؤلف عن الفصد، أوفى مما كتبه عنه ابن سينا في الجزء الأول من كتابه «القانون». وهذا الكتاب والذي سبقه، من تراث العرب العلمي، وهو من الفنون التي لا يقبل عليها الناشرون كثيراً؛ لأن جمهورها قليل، فلا تحقق لهم عائداً مادياً مجزياً أو غير مجزٍ، فلم يبق إلا هذه المنظمات الكبرى، والهيئات العلمية التي قامت في السنوات الأخيرى في أكثر دول الخليج، تابعة للجامعات هناك، أو مستقلة عنها، وقد أحسنت هذه المنظمات والهيئات في نشر طائفة كبرى من عيون التراث العربي، في مختلف العلوم والفنون، وبعض هذا التراث المنشور ذو أجزاء كبيرة، مما لا يقبل عليه الناشرون أيضاً. وقد ضمت مكتبتي معظم هذه المطبوعات؛ لعلاقات خاصة بيني وبين القائمين على تلك المنظمات والهيئات، أو لأخذ رأيي أحياناً فيما ينشر. وأذكر من هذه الهيئات: مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي بجامعة أم القرى بمكة المكرمة، وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، والمجلس العلمي - إحياء التراث الإسلامي بالمدينة النبوية. وبدولة الكويت: وزارة الإعلام، ووزارة الأوقاف، وقسم التراث العربي بالمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، ومؤسسة الكويت للتقدم العلمي. ومركز جمعة الماجد للثقافة والتراث بدبي، وهو مركز نشط جداً، والقائمون عليه يعملون وفق خطة محكمة، ومنهج رشيد، وحماسة بالغة. وإذا كانت هذه المطبوعات العظيمة لتلك المؤسسات والهيئات تتاح لي ولغيري - وهم قلة - ممن لهم صلات مشاركة وتوجيه أو صداقة مع هذه المؤسسات، فما هو حظ القارئ العربي وغير العربي من هذه المطبوعات؟

стр. 370

إن الكتاب المطبوع هو أساس التواصل العلمي، والأصل فيه أن يكون متاحاً لكل قارئ، إما بالشراء وإما بالإهداء وإما بالإيداع في دور الكتب العامة. أما الشراء فليس متاحاً لكل الناس؛ لأمرين: الأمر الأول أن بعض هذه الهيئات لا تطرح مطبوعاتها للبيع، والأمر الثاني أن بعض هذه المطبوعات ذات أجزاء كبيرة، قد يصل بعضها إلى عشرة أجزاء، فلو عرض للبيع لشق ثمنه على كثير من أهل العلم. وأما الإهداء فدائرته محدودة جداً، على أن في هذا الإهداء بعض الآفات، وهو أنه يوجه أحياناً لمن لا يعرف قدره، أو لا يدرك وجه النفع منه، وأعرف بعض من يهدى إليهم كانوا يتركونه في الفندق؛ استثقالاً لحمله، أو فراراً من مؤونة الوزن الزائد وتكاليفه في شركات الطيران. أهمية إيداع المطبوعات: فلم يبق إلا الوجه الثالث، وهو إيداع المطبوعات في المكتبات العامة، وهذه المكتبات العامة ينبغي أن ينظر إليها على أنها: إما أن تكون مكتبات الدولة القومية، مثل دار الكتب المصرية، والخزانة العامة بالرباط، وإما أن تكون مكتبات الجامعات (مكتبة الجامعة نفسها، ومكتبات كلياتها ومعاهدها العليا). فواجب على المنظمات والهيئات العلمية التي تعنى بطبع الكتاب العربي، أن تتيحه لهذه المكتبات العامة، واجباً حتمياً ونصيباً مفروضاً، لا مسامحة فيه، ولا معذرة عنه. وكنت زمان عملي بمعهد المخطوطات التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم أرى قوائم ثابتة بالمعهد للجامعات والمراكز العلمية، نهدي إلى هذه وتلك جميع مطبوعات المعهد، دون انتظار لطلب أو استهداء. وعلى الجانب الآخر ينبغي أن يكون بمكتبات الجامعات والكليات متابعة دائمة يقظة لجهات النشر والطبع شرقاً وغرباً، مما يعرف في علم الكتاب بقسم التزويد، وهذا في رأيي جانب أساسي من عمل مدير المكتبة الجامعية أو أمينها: أن

стр. 371

يتابع ما ينشر، ويستهدي جهات النشر، فليس عمله فقط هو استقبال الكتب وتصنيفها وتوزيعها على الأرفف، وفق نظام «ديوي» أو تنظيم القراءة أو الإعارة بالمكتبة. ومما يقترح هنا أن تقوم بكل كلية لجنة دائمة، يختارها عميد الكلية بترشيح من رؤساء الأقسام، وتكون مهمة هذه اللجنة معاونة مدير مكتبة الكلية في متابعة ما ينشر، واستهداء المراكز والهيئات العلمية، وأقترح أيضاً أن يكون جمهور هذه اللجنة من المعيدين والمدرسين المساعدين؛ لأن هؤلاء وهؤلاء أقرب إلى الكتاب، وأكثر حاجة له. ومن وراء الإهداء والاستهداء تبقى قضية بالغة الأهمية، وهي غياب مطبوعات هذه المنظمات والهيئات العلمية عن وسائل الإعلام ففي كل صحيفة ومجلة من صحفنا ومجلاتنا صفحات للأدب والثقافة، ترى فيها أبواباً ثابتة عن «الإصدارات الجديدة»، لكنك لا تطالع من هذه الإصدارات إلا المجموعة القصصية لفلان، والديوان الشعري لفلان، وكأن دنيا العلم والمعرفة قد خلت إلا من هذه القصص وتلك الأشعار، على ما في بعض هذه وتلك من برد وغثاثة. ويبدو أن هذه الإصدارات إنما يسعى بها أصحابها إلى صفحات الجرائد والمجلات، لتصنع لهم شهرة لا تقدم في طريق العلم أو الفن شيئاً. ولو كانت الأمور تجري على وجهها الصحيح لكان المشرفون على هذه الصفحات الأدبية هم الذين يسعون بأنفسهم إلى جهات النشر، ويتابعون نشاط المطابع في كل مكان وفي كل علم. وأذكر هنا بما كان يصنعه الشاعر المحقق حسن كامل الصيرفي ﵀، في مجلة الكتاب العربي، التي كانت تصدرها الدار المصرية للتأليف والترجمة في منتصف الستينات، فقد كان - وهو مدير تحرير هذه المجلة - يحرر باباً عنوانه: (أخبار الكتاب العربي في العالم)، وكان يبذل فيه جهداً طيباً في ملاحقة أخبار الكتاب شرقاً وغرباً.

стр. 372

ولو كانت الأمور تجري على وجهها الصحيح أيضاً لكان مندوبو الصحف في عواصم العالم هم الذين يزودون صحفهم بالنشاط الفكري والطباعي في البلدان التي يقيمون بها، فما ينبغي أن يكون عمل مندوب الجريدة في الخارج هو متابعة أخرى السياسة، ليس غير. وبذلك كله يكون الكتاب هو الرافد الصحيح للتواصل العلمي بين الأفراد والجماعات. ولم يبق إلا تقديم أصدق التحية إلى الأستاذ الدكتور عبد العزيز بن عثمان التويجري، المدير العام - المثقف المتابع - للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، الذي فتح لنا هذه الأبواب من القول. * * *

стр. 373

المتنبي .. وعلم المخطوطات (١) يبدو أن أبا الطيب سيظل يملأ الدنيا ويشغل الناس، فما يكاد الأدباء يفرغون من قضية من قضاياه حتى تظهر لهم قضية أخرى. وكان من سوالف الأقضية أني دعيت من قبل جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض حاضرة المملكة العربية السعودية، للقيام بعمل هو من أحب الأعمال إلى نفسي وأعلقها بقلبي، وهو النظر فيما جمعته عمادة شؤون المكتبات بالجامعة، من نوادر المخطوطات ونفائسها، واستصفاء طائفة من تلك النوادر والنفائس، وتقديمها لأهل العلم؛ شاهداً ودليلاً على أنه لا يزال في الزوايا خبايا. والندرة أو النفاسة في علم المخطوطات ترجع إلى عدة أمور، منها: (أ) أن يكون المخطوط بخط المؤلف، وهي الغاية التي ليس وراءها غاية. (ب) أن يكون المؤلف قد أملى المخطوط على أحد تلاميذه فكتبه، وأثبت هو عليه خطه بصحة القراءة عليه، أو سماعه، أو إجازته. (ت) أن يمتلك المخطوط أحد العلماء المشهورين، ويثبت عليه خطه بالقراءة أو التملك. (د) أن يكون المخطوط وحيداً لا توجد منه إلا هذه النسخة. (هـ) أن يكون المخطوط قديم النسخ. وهذا هو المعيار العام في تقديم المخطوط، وهو القدم والقرب من المؤلف.

стр. 374

على أن هناك أسباباً أخرى للندرة والنفاسة، ولا يمكن حصرها والإحاطة بها هنا، وإنما يظهر منها الشيء بعد الشيء، ومعرفة ذلك موكولة إلى ثقافة المفهرس، ومعرفته بتاريخ الكتاب وحال المطبوع منها، وعن أي أصول خطية حقق الكتاب، ولا يتأتى هذا إلا بعد دربة وكثرة تفتيش، ومجالسة ومشافهة أهل العلم، وقد أدركت طائفة منهم كانت أحوال المخطوط والمطبوع من تراثنا عندهم على طرف الثمام. وقد يطبع الكتاب ويشيع، وتكثر إفادة الدارسين منه وإحالتهم عليه، ثم تظهر منه مخطوطة تشتمل على زيادات ليست في ذلك المطبوع منه، والأمثلة من ذلك كثيرة، أكتفي منها بمثال واحد: هو شرح ديوان المتنبي للواحدي، والواحدي هو: أبو الحسن على بن أحمد بن محمد المتوفى بنيسابور سنة ٤٦٨ هـ، وهو عالم بالتفسير والأدب، ومن أشهر تصانيفه: أسباب نزول القرآن الكريم، وتفاسيره: البسيط والوسيط الوجيز. ويعد شرحه لديوان المتنبي من أقدم شروحه وأحسنها، وقد تنبه له المستشرقون منذ زمن بعيد، فنشره المستشرق الألماني فريدرك ديترصي بمدينة برلين سنة ١٢٧٦ هـ - ١٨٦٠ م، أي منذ ١٣٥ عاماً، وما زالت هذه هي الطبعة الوحيدة التي بأيدي الناس. مخطوطة نفيسة: وقد رأيت من هذا الشرح مخطوطة نفيسة في أثناء عملي بعمادة شؤون المخططات بجامعة الإمام محمد بن سعود التي أشرت إليها. وهذه المخطوطة منسوخة سنة ٦٨٠ هـ بخط نسخي جيد مضبوط، وكتبت أبيات المتنبي بخط الثلث الكبير. وفضلاً عن قدم هذه المخطوطة وجودة خطها فقد اشتملت على خاتمة لم تأت في طبعة برلين المذكورة، وهذا نصها، يقول الواحدي: «هذا آخر ما اشتمل عليه ديوانه الذي رتبه بنفسه، وهو خمسة آلاف وأربعمائة

стр. 375

وأربع وتسعون قافية. وكان الفراغ من هذا التفسير والشرح اليوم السادس عشر من شهر ربيع الآخر، سنة اثنتين وستين وأربعمائة. وإنما دعاني إلى تصنيف هذا الكتاب مع خمول الأدب وانقراض زمانه، اجتماع أهل العصر قاطبة على هذا الديوان، وشغفهم بحفظه وروايته، والوقوف على معانيه، وانقطاعهم عن جميع أشعار العرب، جاهليها وإسلاميها، إلى هذا الشعر، واقتصارهم عليه في تمثلهم ومحاضراتهم وخطبهم ومقاماتهم، وحتى كأن الأشعار كلها فقدت، وليس ذلك إلا لتراجع الهمم وخلو الزمان عن الأدب، وتقاصر الرغبات، وقلة العلم بجوهر الكلام ومعرفة جيدة من رديئه، ومطبوعه من متكلفه. ومع ولوع الناس بهذا الديوان لا ترى أحداً يرجع في معرفته إلى محصول، أو يفي ببيان عن مودعاته وغوامض معانيه ومشكلاته، وإنما المفزع فيه إلى فسر [أي تفسير] أبي الفتح ابن جني، وهو في ذلك كقول من قال: أصبحت ترجو الغوث من قلبي ... والمستغاث إليه في شغل وأنه اقتصر في كتبه على تفسير الألفاظ، واشتغل بإيراد الشواهد الكثيرة والنحو والغريب، حتى اشتمل كتابه على عظم نوادر أبي زيد، وجميع أبيات سيبويه وأكثر مسائله، وزهاء عشرين ألفاً من الأبيات العريبة، وحشاه بحكايات باردة، وأخبار من العرب غريبة نادرة، لا يحتاج في فسر هذا الديوان إلى شيء منها. والله تعالى ذكره يتغمدنا وإياه بسعة رحمته، وجميل عفوه، إنه الغفور». فهذه الخاتمة التي انفردت بها تلك المخطوطة أفادتنا عدة فوائد: (أ) تاريخ فراغ الواحدي من شرحه، وأن ذلك كان قبل وفاته بست سنوات، فيكون قد ألفه وهو في تمام نضجه العلمي. (ب) ذكره لدواعي تأليفه. (ج) ... ما يفهمه الناقد البصير من خبئ هذا الكلام، وكشفه عن رأي الواحدي

стр. 376

في شعر المتنبي جملة، وكأنه يريد أن يقول: إن أبا الطيب لا يستحق كل هذه الضجة، وإنه لا ينبغي أن يحجب بشعره شعر الأوائل. (د) نقده لشرح ابن جني لشعر المتنبي، وكأنه يريد أن يقول: إن إخضاع الشعر لقضايا النحو واللغة، على نحو ما يصنع ابن جني ومن على شاكلته، لا يكشف عن جوهر الشعر، ولا يستشرف آماده الرحبة الواسعة. وهذه الفائدة التي جاءت بها مخطوطة شرح ديوان المتنبي، وأخلت بها مطبوعته، تقودنا إلى أهمية البحث الدائم عن المخطوطات العربية، وعدم الإخلاد إلى الراحة، والتعويل على ما بين أيدينا من المطبوعات. حاجتنا إلى المخطوطات: ويأتي السؤال المهم: هل نحن في حاجة إلى مخطوطات جديدة، تكشف عن تراثنا وتجلوه بعد هذا القدر الهائل من المطبوعات، منذ ظهور المطعبة في القرن الخامس عشر الميلادي؟ وأقول: نعم، نحن في حاجة لا تنقطع إلى المخطوطات، وحاجتنا هذه لغايتين: الغاية الأولى: البحث عن تلك المخطوطات التي تترود في كتب التراجم والببليوغرافيا، لعلمائنا، ويكثر النقل عنها والإحالة عليها في كتب اللاحقين، ولا نرى لها وجوداً في فهارس المكتبات، مطبوعة أو مخطوطة، والذي يغرينا بدوام البحث وعدم اليأس: تلك المخطوطات التي تظهر بين الحين والحين وكنا نعدها من المفقودات، وحديث ذلك معلوم عند أهل الاختصاص، ولي في ذلك تجارب أيام عملي بمعهد المخطوطات لا يعلم الناس عنها شيئاً، وذلك من خلال رحلات معهد المخطوطات إلى البلدان التي تكثر فيها المخطوطات مثل تركيا والمغرب واليمن وإسبانيا.

стр. 377

والغاية الثانية: أن بعض مطبوعاتنا نشرت عن أصول مجهولة، وقد كان هذا في مراحل الطبع الأولى، قبل أن يستقر علم تحقيق المخطوطات، وقد يسأل سائل: كيف كانت هذه الأصول المخطوطة مجهولة؟ والجواب: أن ناشري الكتب في تلك المراحل الأولى من الطباعة لم يكونوا يعنون بذكر وصف المخطوط الذي ينشرون عنه، بل إن بعضهم كان يتخلص من المخطوط نفسه بعد الفراغ من طبعه، فإن العمال أحيانًا كانوا يجمعون من المخطوط نفسه، ولقد رأيت مرة عند بعض باعة الكتب القديمة أوراقاً من كتاب مخطوط نفسه، ولقد رأيت مرة عند بعض باعة الكتب القديمة أوراقاً من كتاب مخطوط، ورأيت آثار يد وأحبار على هذه الأوراق في غير مكان منها، فتعجبت من ذلك، ولكن عجبي زال حين أخبرني ذلك الوراق أن هذه آثار يد الجميع - يعني عامل المطبعة - الذي كان يجمع من المخطوطة مباشرة. وأيضاً: فإن بعض أصول علمنا - على شهرتها - طبعت عن أصول ناقصة، ومن ذلك معجم الشعراء للمرزباني، وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي ومعجم الأدباء لياقوت الحموي. ومن وراء ما ذكرته من نقص المطبوعات وجهالة أصلها، فإن هناك أمراً في غاية الأهمية، وهو أن بعض كتبنا المطبوعة قد ظهرت لها مخطوطات نفيسة توجب إعادة تحقيقها ونشرها، والأمثلة من ذلك بالغة الكثرة، أكتفي منها ببعض ما رأيته بعيني في رحلاتي وأسفاري، ومن ذلك: الكتاب لسيبويه، والصحاح للجوهري، والعمدة لابن رشيق، فهذه الكتب الثلاثة مطبوعة أكثر من طبعة، لكني رأيت منها نسخاً مخطوطة عالية جداً: فمن كتاب سيبويه رأيت أقدم مخطوطة منه، ترجع إلى القرن الرابع، بمكتبة الجامع الكبير بصنعاء، وانتقال بعض المخطوطات من اليمن إلى الإمبروزيانا له قصة معروفة عند أهل الشأن والاختصاص. والصحاح للجوهري أصل من أصول المعاجم العربية، وعلم الصرف بوجه خاص، وقد رزق حظوة في كثرة مخطوطات ونفاستها ما لم أره لكتاب آخر، ومن ذلك ما رأيته في مكتبات تركيا والمغرب واليمن والسعودية. ونسخة الصحاح

стр. 378

المطبوع زاخرة بالأخطاء والتصحيفات، فيجب إعادة طبعه على هذه المخطوطات النفيسة منه. والعمدة لابن رشيق رأيت منه بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض مخطوطة تشتمل على الجزء الثاني - وهو آخر الكتاب - بقلم نسخي نفيس عتيق، لا يخرج عن القرن السادس، وكانت هذه المخطوطة في ملك الأديب المصري الشيخ علي الليثي، ثم خرجت من القاهرة واستقرت بالرياض، وكلها بلاد الله، المهم ألا تضيع المخطوطات، ودعك من حديث سرقة المخطوطات وبيعها فهو حديث خرافة. ماذا عن علم المخطوطات ؟ وهذا الذي ذكرته لك أيها القارئ الكريم هو جزء من علم ضخم هو «علم المخطوطات»، وهذا العلم ذو شعب كثيرة، وقد بدأ الاهتمام به حين استقر علم «تحقيق النصوص ونشرها»، فإن النصوص حين تحقق إنما تعتمد على أصول مخطوطة، موثقة ثم استقل الحديث عنه علماً قائماً بذاته، يتناول قضايا كثيرة: تبدأ بتاريخ التدوين بعد انحسار عصر الراوية، وأدوات الكتابة من أقلام وأحبار، وما يكتب عليه من عسب النخل، وعظام الإبل، واللخاف: وهي الحجارة البيض العريضة الرقيقة، والجلود والرق - بفتح الراء - وهو الجلد الرقيق الذي يؤخذ من بطن الغزلان، وتاريخ ظهور الورق وصناعته، وأماكن وجوده، وأنواعه من الصيني والسمرقندي والمصري والبغدادي والمملوكي، ثم ما يتبع ذلك كله من الإملاء والنسخ ومنازل النساخ وطبقاتهم، ثم معرفة منازل النسخ للكتاب الواحد، وتقديم نسخة على أخرى، وفق المعاييري التي ذكرتها في مقدمة هذه الكلمة، ومعرفة الخط العربي بنوعيه: المشرقي والمغربي، وتطوره وسمات كل عصر في نوع الخط الذي يشيع فيه، وتوظيف ذلك كله في تقريب زمن كتابة المخطوط عندنا يفقد المخطوط تاريخ كتابته، ومعرفة أمراض المخطوطات، من الرطوبة والأرضة، وهي تلك الحشرة الآكلة التي تسمى في بلادنا المصرية: السوس أو العثة - وبنطقها العوام

стр. 379

بكسر العين بعدها تاء مثناة من فوق، كما يقلبون الثاء تاء في بعض الكلمات، مثل قولهم: تعلب بدل ثعلب، والتوب مكان الثوب - وطرق الوقاية من مثل هذه الآفات، واصطناع الوسائل التي تحفظ المخطوطات من البلى، مثل فن الترميم. ومن ميادين هذا العلم معرفة البلدان التي تكثر فيها المخطوطات، أصالة أو انتقالاً، وحديث المكتبات العامة والخاصة، وما فهرس منها وما لم يفهرس. مسار التأليف العربي: وقد تنازع معرفة هذا العلم والاهتمام به طائفتان من الناس، الطائفة الأولى: هم العلماء المحققون الذين شغلوا بتحقيق المخطوطات ونشرها، والطائفة الثانية: هم نفر من الناس اشتغلوا بهذا العلم جمعاً وفهرسة ليس غير، كما يعنى جامع الآثار بتحصيلها وتهيئتها للدارسين ليس غير، ومن الناس من حاز الفضيلتين وجمع بين الاهتمامين: تحقيق المخطوطات وجمعها وفهرستها، وهذا الصنف من الناس قليل، ولا شك أن من يشتغل بعلم المخطوطات من العلماء المحققين يكون أقدر من غيره على تقييم ما يقع بين يديه من مخطوطات؛ لأنه يعرف مسار التأليف العربي وتطوره خلال العصور، كما أنه يدرك العلائق بين الكتب شرحاً أو اختصاراً أو نقداً أو تذييلاً، فضلًا عن معرفته بالموجود والمفقود من تراثنا، وتاريخ العلماء وتراجمهم وتقلبهم في العالمين، وقد أدركت نفراً من هذه الطائفة كانوا يعرفون أسماء الكتب ومداخلاتها، وأسماء العلماء وكناهم وألقابهم وأنسابهم، وتاريخ وفياتهم ومبلغ أعمارهم، كما يعرف الناس آباءهم، إلى جانب تلك الحصيلة اللغوية التي تعين على قراءة العسر المعمى من المخطوطات، والخطوة الأولى في الحكم على المخطوط وتقييمه هو قراءته قراءة صحيحة مبرأة من التصحيف، سليمة من التحريف. وقد كتبت في علم المخطوطات دراسات كثيرة تناولت قضاياه كلها، وذلك في المجلات المتخصصة، مثل مجلة معهد المخطوطات بالقاهرة، التي صدر العدد الأول منها سنة ١٣٧٥ هـ - ١٩٥٥ م وما زالت تصدر بحمد الله، برغم ما تعرض له

стр. 380

المعهد من هزات وتقلبات، ومجلات مجامع اللغة في القاهرة ودمشق وبغداد والأردن، ومجلة المورد العراقية، والمجلات العلمية في المغرب العربي، ومجلات الاستشراق، ثم صدرت فهارس كثيرة للمخطوطات في الشرق والغرب، ترصد المخطوطات وتصنفها وتعرف بها، إلى جانب العملين الكبيرين في هذا الميدان، وهما: تاريخ الأدب العربي للمستشرق الألماني كارل بروكلمان، وتاريخ التراث العربي للعالم التركي مولداً ونشأة، الألماني جنسية وإقامة، الدكتور محمد فؤاد سزجين. وقد ارتبط هذا العلم بأسماء كبيرة، أحبت المخطوطات حباً شديداً، وسعت لها سعيها، فصرت لها الجهود، وبذلت في تحصيلها الأموال، تسخيراً من الله لحفظ ذلك التراث وحياطته وصيانته، ويبرز هنا عالمان جليلان، أحدهما في المشرق العربي، والثاني في المغرب العربي: فأما الذي في المشرق: فهو العلامة أحمد تيمور باشا، وهو فرد زمانه وواحد عصره، نشأ في بيت عز ونعيم، ثم صرف همته إلى العلم والأدب، وجمع مكتبة قيمة حوت كثيراً من نوادر المخطوطات ونفائسها، صمت بعد وفاته إلى دار الكتب المصرية، وعرفت باسم: المكتبة التيمورية، وقل أن تجد مخطوطة من مخطوطات مكتبته إلا وفي أولها فهرس واف لما تضمه هذه المخطوطة بخطه الدقيق الواضح. وأما الذي في المغرب: فهو العلامة محمد عبد الحي بن عبد الكبير، المعروف بعبد الحي الكتاني، صاحب «التراتيب الإدارية» و «فهرس الفهارس والأثبات» وهو في شيوخه ومروياته عنهم، سافر وارتحل، وحصل كثيراً من المخطوطات، جمع بعضها في الخزانة العامة (دار الكتب) بالرباط، باسم: المكتبة الكتانية. ومن وراء هذين العلمين تأتي أسماء كثيرة أيضاً في هذا العلم، مثل: محمد محمود بن التلاميذ التركزي الشنقيطي، وشيخ العروبة أحمد زكي باشا، وهو أول من

стр. 381

استخدم كلمة «تحقيق» في صدر الكتب المنشورة، وهو أيضاً ناشر كتاب «أنساب الخيل» وكتاب «الأصنام» كلاهما لابن الكلبي، وقد جمع مكتبة مخطوطات قيمة عرفت في دار الكتب المصرية بالمكتبة الزكية، ومحب الدين الخطيب العالم الناشر، وهو صاحب المكتبة السلفية، والناشر العظيم ذو الأثر الكبير محمد أمين الخانجي، والعالم التونسي الكبير حسن حسني عبد الوهاب، والفقيه التطواني بمدينة سلا بالمغرب، وأحمد عبيد بدمشق. وقد أدركت من تلاميذ هذا الجبل العظيم وورثته اسمين كبيرين: فؤاد سيد عمارة، ومحمد رشاد عبد المطلب. أما فؤاد سيد، فقد كان أمين المخطوطات بدار الكتب المصرية، وكان هذا الرجل آية في معرفة المخطوطات وقراءتها، وميز صحيحها من زائفها، وعتيقها من محدثها، مع اطلاع واسع وحافظة قوية. وأما محمد رشاد عبد المطلب فقد عمل بمعهد المخطوطات بالقاهرة منذ إنشائه سنة ١٩٤٦ م إلى حين وفاته سنة ١٩٧٥ م، وقد خرج في بعثات المعهد لتصوير المخطوطات، من القدس والهند وتركيا والمغرب والسعودية، وكان أعجوبة زمانه في معرفة المخطوطات ومظان وجودها، وكان يتحدث عنها حديث العاشق المدله بحبها، كما كان له معرفة واسعة بالكتاب المطبوع، زماناً ومكاناً، وفرق ما بين الطبعات. وقد لهذين الرجلين فضل ظاهر على جمهرة الدارسين والباحثين، وأشهد - وقد جلست إليهما زماناً وتعلمت منهما الكثير - أنهما دلا أعداداً كبيرة من طلبة الدراسات العليا على مصادر وموارد في أبحاثهم لم يكونوا بالغيها إلا بشق الأنفس، بل لعلهم لم يكونوا يقفون عليها لولا عنهما ومساعدتهما. علماء المخطوطات: ثم عرفت من علماء المخطوطات غير هذين الكثير، من أمثال صلاح الدين المنجد، وهو سوري تولى إدارة معهد المخطوطات بالقاهرة سنوات، كانت من

стр. 382

أزهى سنوات ذلك المعهد، وكان من أنشط وألمع من تولوا إدارة المعهد، وهو الذي حرك المعهد في أنشطته المختلفة، من تصوير ونشر وفهرسة، وكان أول رئيس تحرير لمجلة المعهد. ومن المغرب عرفت أسماء كبيرة في علم المخطوطات، مثل محمد العابد الفاسي أمين المخطوطات بمكتبة القرويين بفاس، وكان جبل علم، مات وفي صدره الكثير، ومحمد إبراهيم الكتاني أمين المخطوطات بالخزانة العامة بالرباط، وله دراسات كثيرة حول علم المخطوطات، وله أيضاً اكتشافات جيدة في نسبة المخطوطات المجهولة إلى أصحابها، أذكر منها هنا اكتشافه لنسبة مخطوطة الجزء الثاني من كتاب «تذكرة النحاة» لأبي حيان الأندلسي، وعبد السلام بن سودة صاحب كتاب «دليل مؤرخ المغرب الأقصى»، والعلامة التقي التقي بقية السلف الصالح الشيخ محمد المنوني، زين المغرب الأقصى، ونور الرباط وبهجتها، جلست إليه ورويت عنه، وهو إلى جانب اشتغاله بعلم المخطوطات باحث عظيم، وله تحقيقات وتصانيف جياد - وبخاصة في تاريخ المغرب ومظاهر نهضته، ويبذل علمه في سخاء وأريحية لكل من يقصده أو يكاتبه، أطال الله في النعمة بقاءة. وعرفت أيضاً من علماء المخطوطات: إبراهيم شبوح بتونس، ومحمد بن شريفة بالمغرب، ومن المملكة العربية السعودية علامة الجزيرة الشيخ حمد الجاسر، وعبد الرحمن بن سليمان العثيمين، ومن اليمن القاضي إسماعيل الأكوع، وأخاه القاضي محمد الأكوع، وعبد الله الحبشي، وهو باحث جيد، ومن العراق أسامة القنشبندي، وقاسم السامرائي، وله اهتمام خاص بتاريخ الورق وصناعته، ومن الكويت عبد الله يوسف الغنيم، وله اهتمام خاص بمخطوطات الجغرافيا العربية، ومن تركيا رمضان ششن. وإنما استكثرت من ذكر هذه الأسماء - وقد عرفتها من خلال اشتغالي بهذا العلم سنوات ذات عدد - لأدلل على أن عالم المخطوطات في عالمنا العربي يرتبط

стр. 383

بأسماء بأعيانها، ومعظم هذه الأسماء إنما ارتبطت بهذا العلم لاهتمامات خاصة، ومن مخاطر الاهتمام الخاصة أنها تتوقف بتوقف أصحابها، بدواعي التوقف التي لا يمكن حصرها، ومعنى هذا أننا بحاجة إلى تأصيل هذا العلم، ولا سبيل إلى ذلك إلا الجامعات العربية، بأقسام المكتبات بها، أو بمراكزها العلمية، وأعلم أن أقسام المكتبات ببعض كليات الآداب تعنى بتدريس هذا العلم، ولكن بمناهج مخففة، وبالجوانب النظرية فقط، ثم بالاقتصار على أساتذة قسم المكتبات فقط، دون الاستعانة بخبراء هذا العلم الذين هم خارج الإطار الجامعي: أقول قولي هذا وأنا أعلم أن لبعض أساتذة أقسام المكتبات بالجامعات علماً بالمخطوطات ولكنهم قليلون، ولابد من الإفادة من هذه الخبرات التي ليست من أعضاء هيئة التدريس. كما أني أعلم أيضاً حديث هذه الحلقات التي تقام بين الحين والآخر لدراسة شئون المخطوطات وقد كثرت هذه الحلقات في السنوات الأخيرة كثرة ظاهرة، ولكن التنسيق بينها مفقود، كما أن الجهود اللاحقة فيها لا تستفيد من الجهود السابقة، فكل في فلك يسبحون. وأعقتد أن الحلقة المفقودة في مثل هذه الجهود أنها لا تتجه إلى تكوين جيل من الشباب يؤسس على المعرفة الصحيحة ليمضي في هذا الطريق على بصيرة، أما أن تلقى بحوث ومحاضرات بخاطب العلماء فيها بعضهم بعضاً، فهذا ما لا غناء فيه ولا طائل تحته. ومن جهات النقص في مثل هذه الحلقات أن الدول التي تدعى غليها والمؤسسات التي تشترك فيها ترسل في الغالب موظفين بدور الكتب وبالإدارات الثقافية بها، والموظف يحرص على أن يقدم تقريراً، لا أن يحصل علماً. إن علماء المخطوطات يتناقصون يوماً إثر يوم، بالموت الذي لا يرد، وبالصوارف التي لا تدفع. وقد مات كثير من علماء المخطوطات وفي صدورهم الشيء الكثير، فبعضهم ضن واحتجن، وبعضهم تراخى وغره طول الأمل. ولهذا

стр. 384

فإني أدعو كل من أنعم الله عليه بشيء من هذا العلم أن ينشره ويذيعه، فإن الموت لا موعد له، وعلمه عند علام الغيوب. ثم إنه من أوجب الواجبات على جامعتنا العربية أن تعتني بهذا العلم، وتجعل له من ميزانيتها نصيباً مفروضاً، وأن تستثمر من بقي من خبراء هذا العلم، لتتخرج عليهم أجيال جديدة، تمضي في الطريق وتكمل المسيرة، فلا ينقطع مدد هذا العلم الذي هو الأساس لاكتشاف المغيب من تراثنا، وتأكيد الثقة بما سلم لنا منه، من عوادي الناس والأيام. * * * تم القسم الأول من مقالات العلامة الدكتور محمود محمد الطناحي ويتبعه القسم الثاني وفيه: تتمة مقالاته رحمه الله تعالى

стр. 385

- (القسم الثاني: تتمة مقالاته رحمه الله تعالى) - هذه النقطة .. وقضية التصحيف والتحريف (١) كتب الأستاذ سامح كريم بصفحة الأهرام الأدبي ١/ ٨/١٩٩٥ كلمة أشار فيها إلى ذلك الخطأ الذي جاء في امتحان اللغة العربية (سؤال البلاغة) للثانوية العامة هذا العام، حيث جاء بيت أحمد شوقي: ولم أخل من وجد عليك ورقة ... إذا حل عيد أو ترحل عيد بالعين المهملة في الكلمتين، والصواب «غيد» بالغين المعجمة. وفي ظني وتقريري أن الذي أوقع في هذا الخطأ هو مجيء الفعل «حل» خالياً من تاء التأنيث، فظن واضع السؤال أن الكلمة لو كانت «غيد» بالغين المعجمة، للحقت التاء الفعل، فكان يكون «حلت»، لأن «الغيد» جمع «غيداء» وهي المرأة المتثنية من اللين، ومن ذلك: الغادة، وهي الفتاة الناعمة، ولو قال الشاعر «حلت» لاختل الوزن. وقد نسي واضع السؤال أو مراجعه أن الفاعل إذا كان مجازي التأنيث، جاز ترك تأنيث فعله. ومهما يكن من أمر، فهذه النقطة التي سقطت من فوق الغين لها تاريخ في تراثنا الأدبي قديماً وحديثاً. روي أن سليمان بن عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي كان غيوراً، فقيل له: إن المخبثين قد أفسدوا النساء النساء بالمدينة، فكتب إلى أبي بكر بن عمرو بن حزم

стр. 386

وإلى المدينة «أن أحص من قبلك من المخنثين» يريد إحصاء بأسمائهم. فلما وصل الكتاب إلى ابن حزم صحف كاتبه فقرأ «اخص» بالخاء المنقوطة من فوق. قال الراوي: فدعا ابن حزم بمن عرف من المخنثين - وكانوا ستة أو سبعة - فخاصهم، قال ابن جعدبة: فقلت لكاتب ابن حزم: زعموا أنه كتب إليه: أن أحصهم. لإقال: يا ابن أخي، عليها والله نقطة إن شئت أريتكها. وقال الأصمعي: عليها نقطة مثل سهيل - وهو النجم المعروف -. وروي أن أحد المخنثين قال لما اختلفوا في الحاء والخاء، لا أدري ما حاؤكم وخاؤكم، قد ذهبت خصانا بين الحاء والخاء. انظر لهذه القصة: تصحيفات المحدثين لأبي أحمد العسكري ١/ ٧٢، وشرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف، له أيضاً ص ٤٣، والتنبيه على حدوث التصحيف لحمزة بن الحسن الأصفهاني ص ١٠، وتصحيح وتحرير التحريف لصلاح الدين الصفدي ص ١٧، والحيوان للجاحظ ١/ ١٢١. ولا ينبغي التشكيك في هذه القصة، لأنها مروية بأسانيدها، ولأن هؤلاء الذين خصوا معروفون بأسمائهم، ويقال في ترجمة كل منهم: «وهو ممن خصي بالنقطة». انظر مع المراجع السابقة الأغاني لأبي الفرج ٤/ ٢٧٦ (طبعة دار الكتب المصرية). فهذه أشهر نقطة، صنعت ما صنعت قديماً. أما النقطة الثانية فكانت في أوائل الستينات من هذا القرن، حين كتب الدكتور لويس عوض في الأهرام، على امتداد شهري أكتوبر ونوفمبر ١٩٦٤ م، سلسلة مقالات حول أبي العلاء المعري ورسالة الغفران، وجعل عنوانها: «علىهامش الغفران شيء من التاريخ»، وفي بعض هذه المقالات أورد الدكتور لويس من شعر أبي العلاء قوله: صليت جمرة الهجير نهاراً ... ثم باتت تغص بالصلبان هكذا أثبت الدكتور قافية البيت «الصلبان» بباء منقوطة بنقطة واحدة، على أنها جمع «صليب»، وكتب تحت البيت «سقط الزند في وصف حلب»، وساق الكلام كله في بيان غلبة نصارى الروم على أهل الإسلام.

стр. 387

وصحة رواية البيت كما جاء في سقط الزند ١/ ٤٥١ - وبها تمام وزنه - "الصَِّلِّيان" بالصاد المكسورة بعدها لام مشددة، مكسورة أيضاً، ثم ياء مثناة من تحت، أي بنقطتين اثنتين. وأبو العلاء يذكر في هذا البيت الإِبل، ويصف ما لاقته نهاراً في البيداء من هجير وظمأ، وما رعت ليلاً من صلِّيان، وهو نبت له جذور ضخمة في الأرض، تجتثها الإِبل بأفواهها فتأكلها من شدة حبها لها، فإذا كانت رطبة أساغتها، وإذا كانت يابسة غصَّت بها، أي شرقت وقد فجرت هذه القضية بركان غضب عند شيخ العربية أبي فهر محمود محمد شاكر، وأدار عليها كتابه الفذ الدامغ (أباطيل وأسمار). فهذان مثالان على البلايا التي جرَّتها النقطة، زيادة أو نقصاً. وفي الرد الذي أرسلته وزارة التربية والتعليم ونشر في الأهرام ٨/ ٨/١٩٩٥ اعتذار عن الخطأ في "غيد" التي كتبت "عيد"، وتسويغ له بأنه راجع إلى ظاهرة "التصحيف والتحريف"، وهذا خلط شديد ومغالطة صريحة كما ورد في تعقيب الأستاذ سامح كريم. فهذا الذي جاء في سؤال البلاغة في امتحان الثانوية العامة، إنما يرجع إلى الغفلة وعدم المراجعة، وترك التثبت، ولا صلة له بقضية التصحيف والتحريف، لأن هذه القضية لها وجه آخر، وقد كتب فيها أهل العلم قديماً وحديثاً، ووضعت فيها مؤلفات كاملة، وأشهرها ما ذكرته في صدر هذه الكلمة في قصة خصاء المخنثين. وأخطر ما في هذه القضية أن بعض الذين يكتبون فيها الآن يردون "التصحيف" كله إلى طبيعة الحرف العربي الذي يتشابه مع عدم النقط، وهذا غير صحيح، لأننا نجد كلمات كثيرة منقوطة نقطاً واضحاً لا لبس فيه، ومع ذلك تقرأ على غير وجهها، وهذا هو مفتاح القضية، إن كثيراً مما يتصحَّف من الكلام إنما يأتي نتيجة للغفلة، أو الجهل بتاريخ أمتنا وعلومها، وتاريخ رجالها، وكل ما أبدعته وأنتجته، ومن قبل ذلك ومن بعده عدم إعطاء الكلام حقه من التأمل والأناة، يؤكد هذا قول

стр. 388

أبي أحمد العسكري - وهو خال أبي هلال صاحب كتاب الصناعتين، وكتاب ديوان المعاني - يقول أبو أحمد: "فالاحتراس من التصحيف لا يُدرك إلا بعلم غزير، ورواية كثيرة، وفهم كبير، وبمعرفة مقدمات الكلام، وما يصلح ان يأتي بعدها مما يشاكلها، وما يستحيل مضامته لها ومقارنته بها، ويمتنع من وقوعه بعدها، وتمييز هذا مستصعب عسر إلا على أهله الحاملين لثقله والمستعذبين لمرارته، وقد قالت الحكماء: العلم عزيز الجانب، لا يعطيك بعضه أو تعطيه كلك، وقالوا: لا يدرك العلم براحة الجسم"، شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف ص ١، ٢. هذا وقد عزَّف العلماء التصحيف والتحريف بتعريفات شتى، أعدلها وأقربها إلى الصواب ما قيل من أن التصحيف: هو تغيير في نقط الحروف أو حركاتها مع بقاء صورة الخط، مثل كلمة "العيب" التي يمكن أن تقرأ هكذا، وتقرأ أيضاً: الغيث - العنب - الغيب - العتب. فلو أهمل النقط في هذه الكلمة لأمكنك تحديد المراد عن طريق السياق والقرائن والفطنة، على الوجه الذي بينَّه أبو أحمد العسكري. وأما التحريف: فهو العدول بالشيء عن جهته، قال عزَّ مِن قائل: ﴿من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه﴾ [النساء: ٤٦]، وقال تقدست أسماؤه: ﴿وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون﴾ [البقرة: ٧٥]. والتحريف قد يكون بالزيادة في الكلام أو النقص منه، وقد يكون بتبديل بعض كلماته، وقد يكون بحمله على غير المراد منه، فهو بكل هذه التعريفات أعم من التصحيف، وبعض القدماء لا يفرق بين التصحيف والتحريف، يجعلهما مترادفين. راجع الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث لابن كثير. شرح الشيخ أحمد محمد شاكر ص ١٧٢. والمأخذ اللغوي لمصطلح "التصحيف" يرجع إلى الأخذ عن الصحف، دون التلقي من أفواه المشايخ، لأن علومنا في الأصل قائمة على التلقي والرواية والمشافهة.

стр. 389

وقد كتبت رسالة في "التصحيف والتحريف" حاولت فيها أن أجمع أسباباً لحدوث هذه الظاهرة، وقد انتهيت إلى عشرة أسباب، يدور معظمها حول الجهل بغريب اللغة ومعانيها ولغات القبائل ولهجاتها، وخداع السمع، وخفاء معنى الكلمة على الناسخ أو القارئ، فيعدل بها إلى كلمة مأنوسة مألوفة تتفق حروفها أو تتقارب مع الكلمة الغامضة، ثم الجهل بأنماط التعبير عند القدماء، والجهل بمصطلحات العلوم، وأسماء البلدان، ثم الإِلف والعادة، وضربت لذلك كله الأمثال، من الكتب المطبوعة، وأحاديث الناس ومحاضراتهم، مما لا يتسع المقام لذكره هنا. التصحيف .. وتغيير التنقيط: وتبقى قضية خطيرة جدّاً، أرجو من قارئي الكريم أن يمنحني شيئاً من وقته واهتمامه، وأنا أدعو له بالسلامة والعافية إن شاء الله: لقد جاء في رد وزارة التعليم الذي نشرته الأهرام يوم الثلاثاء ٨/ ٨/١٩٩٥ م في الاعتذار عن الخطأ الواقع في شعر أحمد شوقي، هذا الكلام: ما حدث من خطأ يعود كما يعرف أهل اللغة إلى ظاهرة شائعة في تراثنا العربي تسمَّى "التصحيف"، وكما يعرف الجميع أن المقصود بالتصحيف هو تغيير التنقيط من حيث الوجود والعدم، وهي ظاهرة تتكامل مع ظاهرة أخرى تسمَّى "التحريف" وتؤدي إلى اختلاف موضع التنقيط بين حروف الكلمة، ومن أشهر الأدلة على ذلك في تراثنا القراءة المشهورة للآية الكريمة في سورة الحجرات رقم ٦: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾، حيث تقرأ "فتثبَّتوا" كما قرئت "فتبيَّنوا" أما في الشعر العربي فهناك الآلاف من الأبيات التي رويت بروايات متعددة جميعها صحيح من حيث الوزن وإن اختلفت من حيث الكلمة والشكل والمعنى والدلالة، ويتضمن ذلك بديهيّاً ظاهرتا التصحيف والتحريف". وهذا كلام واه ضعيف، بل قل: إنه كلام لا وزن له، وأمسك القلم عن الاسترسال في وصفه، ولكني أحب أن أسأل: كيف يتأتى وصف ظاهرة "التصحيف"

стр. 390

بأنها شائعة في تراثنا العربي؟ وما هو هذا الشيوع، وما هي نسبته أمام التراث العربي المقطوع بصحته وسلامته؟ وما حقيقة هذه الآلاف من الأبيات التي رويت مصحَّفة؟ ألا يسقط هذا الكلام الثقة في تراثنا الشعري والنثري كله؟ ثم بأي وجه وبأي لسان نلقى أبناءنا وطلابنا في فصول المدارس ومدرَّجات الجامعات، بعد هذا التشكيك الذي نشر في أكبر صحفنا وأوسعها انتشاراً. ولنترك هذا كله، ولنقف عند أبشع شيء وأغلظه، وهو ذلك الكلام: "ومن أشهر الأدلة على ذلك في تراثنا القراءة المشهورة للآية الكريمة في سورة الحجرات رقم ٦: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ... ﴾، حيث تقرأ "فتثبتوا" كما قرئت "فتبيَّنوا"! ! ! لا يا قوم، توبوا إلى بارئكم، واتقوا ربكم واخشوا يوماً ترجعون فيه إلى الله. إن إيراد الكلام على هذا النحو وفي ذلك السياق والاستدلال يعطي بصريح اللفظ أن القراءتين "فتبيَّنوا" - "فتثبتوا" أثر من آثار التصحيف، ثم لنا أن نسأل: من الذي صحف في هذه الآية الكريمة؟ أو: من هو المصحِّف الأول الذي تبعه الناس منذ نزول القرآن الكريم إلى يوم الناس هذا؟ ثم ما هي القراءة الأصل وما هي القراءة المصحَّفة، فإن كل تصحيف له أصل عدل عنه؟ وثم وثم وثم ... يا أيها الناس، إن القراءة سنة وأثر ورواية وإتباع، وليست لغة يلعب بها الناس مهما بلغ مبلغهم من العلم. روى الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء، قال: " لو تهيأ لي أن أفرغ ما في صدري من العلم في صدرك لفعلت، لقد حفظت في علم القرآن أشياء لو كتبت ما قدر الأعمش على حملها، ولولا أنه ليس لي أن أقرأ إلا بما قرئ به لقرأت كذا وكذا، وذكر حروفاً"، معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار للحافظ الذهبي ١/ ١٠٢، ١٠٣. وأبو عمرو ابن العلاء هو أحد القراء السبعة، وكان إماماً في اللغة والنحو، ثم كان راوية لذي الرمَّة الشاعر المعروف الذي يقال إن شعره ثلث لغة العرب. وقول أبي عمرو: "ليس لي أن أقرأ إلا بما قرئ به"، يريد: أي بما جاءت به الرواية
следующие страницы →