← Джавами‘

Джавами‘ · id 148533

مقالات الطناحي صفحات في التراث والتراجم واللغة والأدب

محمود محمد الطناحي

Полный текст (690 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وإلى المدينة «أن أحص من قبلك من المخنثين» يريد إحصاء بأسمائهم. فلما وصل الكتاب إلى ابن حزم صحف كاتبه فقرأ «اخص» بالخاء المنقوطة من فوق. قال الراوي: فدعا ابن حزم بمن عرف من المخنثين - وكانوا ستة أو سبعة - فخاصهم، قال ابن جعدبة: فقلت لكاتب ابن حزم: زعموا أنه كتب إليه: أن أحصهم. لإقال: يا ابن أخي، عليها والله نقطة إن شئت أريتكها. وقال الأصمعي: عليها نقطة مثل سهيل - وهو النجم المعروف -. وروي أن أحد المخنثين قال لما اختلفوا في الحاء والخاء، لا أدري ما حاؤكم وخاؤكم، قد ذهبت خصانا بين الحاء والخاء. انظر لهذه القصة: تصحيفات المحدثين لأبي أحمد العسكري ١/ ٧٢، وشرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف، له أيضاً ص ٤٣، والتنبيه على حدوث التصحيف لحمزة بن الحسن الأصفهاني ص ١٠، وتصحيح وتحرير التحريف لصلاح الدين الصفدي ص ١٧، والحيوان للجاحظ ١/ ١٢١. ولا ينبغي التشكيك في هذه القصة، لأنها مروية بأسانيدها، ولأن هؤلاء الذين خصوا معروفون بأسمائهم، ويقال في ترجمة كل منهم: «وهو ممن خصي بالنقطة». انظر مع المراجع السابقة الأغاني لأبي الفرج ٤/ ٢٧٦ (طبعة دار الكتب المصرية). فهذه أشهر نقطة، صنعت ما صنعت قديماً. أما النقطة الثانية فكانت في أوائل الستينات من هذا القرن، حين كتب الدكتور لويس عوض في الأهرام، على امتداد شهري أكتوبر ونوفمبر ١٩٦٤ م، سلسلة مقالات حول أبي العلاء المعري ورسالة الغفران، وجعل عنوانها: «علىهامش الغفران شيء من التاريخ»، وفي بعض هذه المقالات أورد الدكتور لويس من شعر أبي العلاء قوله: صليت جمرة الهجير نهاراً ... ثم باتت تغص بالصلبان هكذا أثبت الدكتور قافية البيت «الصلبان» بباء منقوطة بنقطة واحدة، على أنها جمع «صليب»، وكتب تحت البيت «سقط الزند في وصف حلب»، وساق الكلام كله في بيان غلبة نصارى الروم على أهل الإسلام.

стр. 387

وصحة رواية البيت كما جاء في سقط الزند ١/ ٤٥١ - وبها تمام وزنه - "الصَِّلِّيان" بالصاد المكسورة بعدها لام مشددة، مكسورة أيضاً، ثم ياء مثناة من تحت، أي بنقطتين اثنتين. وأبو العلاء يذكر في هذا البيت الإِبل، ويصف ما لاقته نهاراً في البيداء من هجير وظمأ، وما رعت ليلاً من صلِّيان، وهو نبت له جذور ضخمة في الأرض، تجتثها الإِبل بأفواهها فتأكلها من شدة حبها لها، فإذا كانت رطبة أساغتها، وإذا كانت يابسة غصَّت بها، أي شرقت وقد فجرت هذه القضية بركان غضب عند شيخ العربية أبي فهر محمود محمد شاكر، وأدار عليها كتابه الفذ الدامغ (أباطيل وأسمار). فهذان مثالان على البلايا التي جرَّتها النقطة، زيادة أو نقصاً. وفي الرد الذي أرسلته وزارة التربية والتعليم ونشر في الأهرام ٨/ ٨/١٩٩٥ اعتذار عن الخطأ في "غيد" التي كتبت "عيد"، وتسويغ له بأنه راجع إلى ظاهرة "التصحيف والتحريف"، وهذا خلط شديد ومغالطة صريحة كما ورد في تعقيب الأستاذ سامح كريم. فهذا الذي جاء في سؤال البلاغة في امتحان الثانوية العامة، إنما يرجع إلى الغفلة وعدم المراجعة، وترك التثبت، ولا صلة له بقضية التصحيف والتحريف، لأن هذه القضية لها وجه آخر، وقد كتب فيها أهل العلم قديماً وحديثاً، ووضعت فيها مؤلفات كاملة، وأشهرها ما ذكرته في صدر هذه الكلمة في قصة خصاء المخنثين. وأخطر ما في هذه القضية أن بعض الذين يكتبون فيها الآن يردون "التصحيف" كله إلى طبيعة الحرف العربي الذي يتشابه مع عدم النقط، وهذا غير صحيح، لأننا نجد كلمات كثيرة منقوطة نقطاً واضحاً لا لبس فيه، ومع ذلك تقرأ على غير وجهها، وهذا هو مفتاح القضية، إن كثيراً مما يتصحَّف من الكلام إنما يأتي نتيجة للغفلة، أو الجهل بتاريخ أمتنا وعلومها، وتاريخ رجالها، وكل ما أبدعته وأنتجته، ومن قبل ذلك ومن بعده عدم إعطاء الكلام حقه من التأمل والأناة، يؤكد هذا قول

стр. 388

أبي أحمد العسكري - وهو خال أبي هلال صاحب كتاب الصناعتين، وكتاب ديوان المعاني - يقول أبو أحمد: "فالاحتراس من التصحيف لا يُدرك إلا بعلم غزير، ورواية كثيرة، وفهم كبير، وبمعرفة مقدمات الكلام، وما يصلح ان يأتي بعدها مما يشاكلها، وما يستحيل مضامته لها ومقارنته بها، ويمتنع من وقوعه بعدها، وتمييز هذا مستصعب عسر إلا على أهله الحاملين لثقله والمستعذبين لمرارته، وقد قالت الحكماء: العلم عزيز الجانب، لا يعطيك بعضه أو تعطيه كلك، وقالوا: لا يدرك العلم براحة الجسم"، شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف ص ١، ٢. هذا وقد عزَّف العلماء التصحيف والتحريف بتعريفات شتى، أعدلها وأقربها إلى الصواب ما قيل من أن التصحيف: هو تغيير في نقط الحروف أو حركاتها مع بقاء صورة الخط، مثل كلمة "العيب" التي يمكن أن تقرأ هكذا، وتقرأ أيضاً: الغيث - العنب - الغيب - العتب. فلو أهمل النقط في هذه الكلمة لأمكنك تحديد المراد عن طريق السياق والقرائن والفطنة، على الوجه الذي بينَّه أبو أحمد العسكري. وأما التحريف: فهو العدول بالشيء عن جهته، قال عزَّ مِن قائل: ﴿من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه﴾ [النساء: ٤٦]، وقال تقدست أسماؤه: ﴿وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون﴾ [البقرة: ٧٥]. والتحريف قد يكون بالزيادة في الكلام أو النقص منه، وقد يكون بتبديل بعض كلماته، وقد يكون بحمله على غير المراد منه، فهو بكل هذه التعريفات أعم من التصحيف، وبعض القدماء لا يفرق بين التصحيف والتحريف، يجعلهما مترادفين. راجع الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث لابن كثير. شرح الشيخ أحمد محمد شاكر ص ١٧٢. والمأخذ اللغوي لمصطلح "التصحيف" يرجع إلى الأخذ عن الصحف، دون التلقي من أفواه المشايخ، لأن علومنا في الأصل قائمة على التلقي والرواية والمشافهة.

стр. 389

وقد كتبت رسالة في "التصحيف والتحريف" حاولت فيها أن أجمع أسباباً لحدوث هذه الظاهرة، وقد انتهيت إلى عشرة أسباب، يدور معظمها حول الجهل بغريب اللغة ومعانيها ولغات القبائل ولهجاتها، وخداع السمع، وخفاء معنى الكلمة على الناسخ أو القارئ، فيعدل بها إلى كلمة مأنوسة مألوفة تتفق حروفها أو تتقارب مع الكلمة الغامضة، ثم الجهل بأنماط التعبير عند القدماء، والجهل بمصطلحات العلوم، وأسماء البلدان، ثم الإِلف والعادة، وضربت لذلك كله الأمثال، من الكتب المطبوعة، وأحاديث الناس ومحاضراتهم، مما لا يتسع المقام لذكره هنا. التصحيف .. وتغيير التنقيط: وتبقى قضية خطيرة جدّاً، أرجو من قارئي الكريم أن يمنحني شيئاً من وقته واهتمامه، وأنا أدعو له بالسلامة والعافية إن شاء الله: لقد جاء في رد وزارة التعليم الذي نشرته الأهرام يوم الثلاثاء ٨/ ٨/١٩٩٥ م في الاعتذار عن الخطأ الواقع في شعر أحمد شوقي، هذا الكلام: ما حدث من خطأ يعود كما يعرف أهل اللغة إلى ظاهرة شائعة في تراثنا العربي تسمَّى "التصحيف"، وكما يعرف الجميع أن المقصود بالتصحيف هو تغيير التنقيط من حيث الوجود والعدم، وهي ظاهرة تتكامل مع ظاهرة أخرى تسمَّى "التحريف" وتؤدي إلى اختلاف موضع التنقيط بين حروف الكلمة، ومن أشهر الأدلة على ذلك في تراثنا القراءة المشهورة للآية الكريمة في سورة الحجرات رقم ٦: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾، حيث تقرأ "فتثبَّتوا" كما قرئت "فتبيَّنوا" أما في الشعر العربي فهناك الآلاف من الأبيات التي رويت بروايات متعددة جميعها صحيح من حيث الوزن وإن اختلفت من حيث الكلمة والشكل والمعنى والدلالة، ويتضمن ذلك بديهيّاً ظاهرتا التصحيف والتحريف". وهذا كلام واه ضعيف، بل قل: إنه كلام لا وزن له، وأمسك القلم عن الاسترسال في وصفه، ولكني أحب أن أسأل: كيف يتأتى وصف ظاهرة "التصحيف"

стр. 390

بأنها شائعة في تراثنا العربي؟ وما هو هذا الشيوع، وما هي نسبته أمام التراث العربي المقطوع بصحته وسلامته؟ وما حقيقة هذه الآلاف من الأبيات التي رويت مصحَّفة؟ ألا يسقط هذا الكلام الثقة في تراثنا الشعري والنثري كله؟ ثم بأي وجه وبأي لسان نلقى أبناءنا وطلابنا في فصول المدارس ومدرَّجات الجامعات، بعد هذا التشكيك الذي نشر في أكبر صحفنا وأوسعها انتشاراً. ولنترك هذا كله، ولنقف عند أبشع شيء وأغلظه، وهو ذلك الكلام: "ومن أشهر الأدلة على ذلك في تراثنا القراءة المشهورة للآية الكريمة في سورة الحجرات رقم ٦: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ... ﴾، حيث تقرأ "فتثبتوا" كما قرئت "فتبيَّنوا"! ! ! لا يا قوم، توبوا إلى بارئكم، واتقوا ربكم واخشوا يوماً ترجعون فيه إلى الله. إن إيراد الكلام على هذا النحو وفي ذلك السياق والاستدلال يعطي بصريح اللفظ أن القراءتين "فتبيَّنوا" - "فتثبتوا" أثر من آثار التصحيف، ثم لنا أن نسأل: من الذي صحف في هذه الآية الكريمة؟ أو: من هو المصحِّف الأول الذي تبعه الناس منذ نزول القرآن الكريم إلى يوم الناس هذا؟ ثم ما هي القراءة الأصل وما هي القراءة المصحَّفة، فإن كل تصحيف له أصل عدل عنه؟ وثم وثم وثم ... يا أيها الناس، إن القراءة سنة وأثر ورواية وإتباع، وليست لغة يلعب بها الناس مهما بلغ مبلغهم من العلم. روى الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء، قال: " لو تهيأ لي أن أفرغ ما في صدري من العلم في صدرك لفعلت، لقد حفظت في علم القرآن أشياء لو كتبت ما قدر الأعمش على حملها، ولولا أنه ليس لي أن أقرأ إلا بما قرئ به لقرأت كذا وكذا، وذكر حروفاً"، معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار للحافظ الذهبي ١/ ١٠٢، ١٠٣. وأبو عمرو ابن العلاء هو أحد القراء السبعة، وكان إماماً في اللغة والنحو، ثم كان راوية لذي الرمَّة الشاعر المعروف الذي يقال إن شعره ثلث لغة العرب. وقول أبي عمرو: "ليس لي أن أقرأ إلا بما قرئ به"، يريد: أي بما جاءت به الرواية

стр. 391

المسندة إلى رسول الله ﷺ ﷺ ، فليست القراءة عن رأي واجتهاد، ليقرأ كل قارئ بما يرتاح إليه أو بما يمشي مع قواعده، وليس كل ما يجوز في العربية والنحو تجوز به القراءة، وقد شدد أهل العلم في ذلك، وكان أكثرهم تشديداً ونكيراً أبو إسحاق الزجاج ﵀، وكرَّره في أكثر من موضع في كتابه (معاني القرآن وإعرابه) فممَّا قاله في الجزء الثالث ص ٢٨٨: "والأجود إتباع القرَّاء ولزوم الرواية، فإن القراءة سنة، وكلما كثرت الرواية في الحرف وكثرت به القراءة فهو المتبع، وما جاز في العربية ولم يقرأ به قارئ فلا تقرأن به، فإن القراءة به بدعة، وكل ما قلَّت فيه الرواية وضعف عند أهل العربية فهو داخل في الشذوذ، ولا ينبغي أن تقرأ به"، وانظر أيضاً ص ٤٥ من الجزء الأول من كتاب الزجاج هذا، ففيه كلام عال نفيس عن إتباع السنة والرواية في قراءة القرآن الكريم. وقال القرطبي في تفسيره ٥/ ٤: "والقراءات التي قرأ بها أئمة القراء ثبتت عن النبيّ ﷺ تواتراً يعرفه أهل الصنعة، وإذا ثبت شيء عن النبيّ ﷺ ، فمن ردَّ ذلك فقد ردَّ على النبيّ ﷺ ، واستقبح ما قرأ به، وهذا مقام محذور، ولا يقلد فيه أئمة اللغة والنحو، فإن العربية تتلقى من النبيّ ﷺ ، ولا يشك أحد في فصاحته". فإذا ثبت هذا - وهو ثابت إن شاء الله - فإن كلتا القراءتين في آية سورة الحجرات مروية عن رسول الله ﷺ ، وهما في اصطلاح القراء قراءتان سبعيتان، بأيهما قرأ القارئ أصاب السنة وأحرز الأجر، وليست إحدى القراءتين مصحَّفة عن الأخرى، تعالى الله وتعالى كلامه عما يقولون علواً كبيراً. وقد قرأ "فتبيَّنوا" بالتاء الفوقية والباء الموحدة والياء التحتية والنون: ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر، وقرأ "فتثبتوا" بالتاء الفوقية والثاء المثلثة والباء الموحدة والتاء الفوقية: حمزة والكسائي، قال الإِمام الجليل أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: "والقول عندنا في ذلك أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في قَرَأَة المسلمين بمعنى واحد، وإن اختلفت بهما الألفاظ، لأن "المتثبت" متبيَّن، و "المتبين" متثبت، فبأي القراءتين قرأ القارئ فمصيب صواب القراءة في ذلك"

стр. 392

تفسير الطبري ٩/ ٨١، وراجع: السبعة في القراءات لابن مجاهد ص ٢٣٦، والحجة للقراء السبعة لأبي علي الفارسي ٣/ ١٧٣، وإعراب القراءات السبع وعللها لابن خالويه ١/ ١٣٦، والكشف عن وجوه القراءات السبع لمكي بن أبي طالب ١/ ٣٩٤، والنشر في القراءات العشر لابن الجزري ٢/ ٢٥١، والبحر المحيط لأبي حيان النحوي ٣/ ٣٢٨، والدر المصون في علوم الكتاب المكنون للسمين الحلبي ٤/ ٧٣. ويلاحظ أن علماء القراءات والاحتجاج يذكرون هاتين القراءتين عند الآية ٩٤ من سورة النساء وهي قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم فى سبيل الله فتبينوا﴾، وعند آية سورة الحجرات المذكورة يحيلون على موضع سورة النساء، وهذا هو منهجهم إذا تكررت القراءة، يذكرون اختلاف القراء في الموضع الأول، ثم يحيلون في الموضع الثاني إليه. أرأيت أيها القارئ الكريم - نفعك الله بما تقرأ، وعمر قلبك باليقين، وأزال عنك الشبهة، وجنَّبك الضلالة، وحرسك بالتوفيق - هذا هو القول الحق في القراءتين: "فتبيَّنوا- فتثبَّتوا" قراءتان صحيحتان مرويتان بالسند الصحيح إلى رسول الله ﷺ ، لا دخل للتصحيف أو التحريف فيهما، ولكل قراءة محمل ووجه من العربية، يذكرهما أهل الاحتجاج من علماء القراءات والعربية، لكن هؤلاء العلماء - وهذا مهم جداً - لا يحتجون للقراءة إلا بعد ثبوتها رواية، وقد ذكر مكي بن أبي طالب - وهو من علماء الفن - ضوابط القراءة المقبولة ، وحصرها في ثلاث: ١ - أن ينقلها الثقات عن النبيّ ﷺ . ٢ - أن يكون لها وجه صحيح شائع من العربية. ٣ - أن تكون موافقة لخط المصحف الإِمام، أي الرسم العثماني. راجع الإِبانة عن معاني القراءات ص ١٨، ونظم ذلك الإِمام ابن الجزري في مقدمة منظومته المسمَّاة: طيِّبة النشر في القراءات العشر، قال ﵀:

стр. 393

فكل ما وافق وَجْهَ نحو ... وكان للرسم احتمالاً يحوي وصحَّ إسناداً هو القرآن ... فهذه الثلاثة الأركان وبعد: فيا أيها الوزير الفاضل الهُمام الأستاذ الدكتور حسين كامل بهاء الدين، راعي التعليم في ديارنا المصرية: صبَّحك الله بكل خير إن قرأت هذا الكلام في الصباح، وختم يومك بكل خير إن قرأته في المساء، لقد أسعدتنا وأثلجت صدورنا حين أعلنت في صحيفة الأهرام أنك ستعاقب كل من اشترك في وضع أو مراجعة أو تقييم سؤال البلاغة الخاطئ، واليوم أسالك بل أطالبك - وأرجو أن تتقبل مني هذا التعبير برحابة صدرك المعروفة وسماحة وجهك المألوفة - نعم أطالبك أن توقع اشد العقاب وأقساه على من تجرأ على كتاب الله، وأقحم هذه الآية الكريمة: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ في الاعتذار عن خطأ لا يعتذر عنه ولا يتسامح فيه. نعم أطالبك يا معالي الوزير النبيل بتوقيع هذه العقوبة وإعلانها في صدر صحفنا الكبرى، لأن الأمر يتصل بكتاب ربنا ، وهو أعز ما نملك، ثم هو من قبل ومن بعد كتاب العربية الأكبر. وفَّقك الله وأنجح أعمالك كلها، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. * * *

стр. 394

السيرة الذاتية .. والصدق مع النفس [١] (١) كتب الأستاذ صلاح عيسى في عدد الهلال "مايو ١٩٩٥" كلمة، جعل عنوانها: "السيرة الذاتية، السؤال الذي لم يجب عنه أحد"، وقد عرض في هذه الكلمة لقلة كتب السيرة الذاتية في المكتبة العربية، ورد هذا إلى أننا "نحن العرب نعيش في ظل منظومة معلنة من القيم الخلقية الاجتماعية تتصف بالتزمت، ونتظاهر جميعاً باحترامها، مع أنها تتناقض عادة مع منظومة القيم الخلفية الفردية التي يؤمن بها كل منا، ويمارس حياته على أساسها، ومع ذلك فهو يحرص على أن يقدم نفسه للآخرين في الصورة التي تكفل رضاءهم عنه، بصرف النظر عن حقيقته، حتى أصبح ذلك قاعدة يقنِّنها المثل الشعبي الذي يقول: "كل ما يعجبك، والبس ما يعجب الناس"، ثم استطرد بعد ذلك إلى صور من النفاق الاجتماعي، قال عقبها: "وهذا هو الذي جعل الأدباء والساسة العرب يعزفون عن كتابة سيرهم الذاتية بنفس الصراحة والصدق اللذين كتب بهما جان جاك روسو اعترافاته". وهذا كلام يردده الناس كثيراً، ويعجبون به، ويرضون عن قائله، لكني قبل أن أستطرد إلى مناقشته وبسطه والزيادة فيه أحب أن أوضح أن المثل الشعبي "كل ما يعجبك، والبس ما يعجب الناس" ليس كما فهم الكاتب الفاضل مسوِّغاً "ولا تقل مبرراً" للنفاق الاجتماعي، وإرضاء الناس ليس غير، وإنما معناه عندي: أن يحرص

стр. 395

الإِنسان في ملبسه على رعاية الذوق العام، وعدم مصادمة العرف الاجتماعي، وإن لم يصح هذا الفهم والتفسير يكون الكلام ساقطاً لا محالة، لأن إنساناً مهما جهد واجتهد لا يستطيع أن يلبس لباساً يرضي كل الناس. مثل قديم: وقد ذكر هذا المثل أحمد باشا تيمور، في كتابه الأمثال العامية، صفحة ٤٠٤، وقال في تفسيره: "لأن ما تأكله تابع لشهوة نفسك، وأما ما تلبسه فالمراد به التزين للناس، فليكن على ما يعجبهم". وأرى أن أحمد تيمور قد قصَّر أيضاً في بيان حقيقة معنى هذا المثل، حين أغفل قضية رعاية الذوق العام، وعدم مصادمة العرف الاجتماعي، وهما المقصد والغاية من هذا المثل. فائدة: قد يظن بعض الناس أن هذا المثل الشعبي: " كل ما يعجبك، والبس ما يعجب الناس " مثل معاصر، أو قريب من المعاصرة، والحقيقة أنه كلام قديم عمره نحو "١٤٠٠ سنة" فهو من كلام أبي عمرو بن العلاء، إمام العربية، وأحد القراء السبعة، المتوفى ١٥٤ هـ، مع اختلاف في بعض العبارات، فقد روي أنه نظر إلى بعض أصحابه وعليه ثياب مُشَهَّرة، فقال: "يا بني، كل ما تشتهي والبس ما يشتهي الناس"، والثياب المُشَهَّرة: الفاضحة المفضوحة، وقد نظم هذا المثل بعض الشعراء القدامى، فقال: إن العيون رمتك من فجَآتها ... وعليك من شُهْرِ اللباس لباسُ أما الطعام فكُل لنفسك ما اشتهت ... والبَس ثيابك ما اشتهاه الناس انظر: المثل والشعر في لطائف الظرفاء، للثعالبي ص ٥٢، وبهجة المجالس لابن عبد البر ٢/ ٥٨، والكشكول، لبهاء الدين العاملي ٢/ ٤٠٤. ثم لنعد إلى ما فتحه أمامنا الأستاذ صلاح عيسى، فأقول: إن حب النفس مركوز في الطباع، ثابت في أصل الخلقة، فطرة فطر الله الناس عليها، يستوي فيها العربي والعجمي. ولا بأس على الإِنسان أن يستر عيوب نفسه، ما دام ذلك الستر

стр. 396

لا يضر غيره بإبطال حق أو إحقاق باطل، وما أصدق كلمة الأستاذ إحسان عبد القدوس ﵀: "إني لا أكذب ولكن أتجمل"، فالتجمل مطلوب، أما الكذب فمرفوض، ومن أسوأ مظاهر الكذب: الكذب مع النفس، بأن يطوي الإِنسان نفسه على شيء، ويقابل الناس بشيء آخر، وهو داء معروف في كل الأزمان والعصور، لكنه زاد في أيامنا هذه، لأسباب ودواعٍ كثيرة، يعرفها الناس ولا يجهلونها. على أن بعض الناس قد يتظاهر بأنه يجري في طريق الإِنصاف وهضم النفس، فيزعم أنه يعرض على الناس شيئاً من عيوبه ومساوئه، ولكنه يترفق في ذلك ترفقاً واضحاً، بل إنه يخادع، فيقول: إن من أشد عيوبي الثقة الزائدة بالناس، أو إن من مساوئي التفريط في حقوقي، وبذل حبي لمن لا يستحقه من الناس، وهذه كلها ضروب وألوان من خداع النفس، لأنه كلام صدره ذكر العيوب والمساوئ، وعجُزه ضارب في مدح الذات بعروقه، فهو من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم، كما يقول سادتنا البلاغيون، ولعل كثيراً من السير الذاتية التي نقرأها في هذه الأيام من هذا الباب، فضلاً عما في بعضها من ثلب للآخرين وتجريحهم. على أننا لا ننتظر ممن يكتبون سيرتهم الذاتية أن يكشفوا لنا عن عيوبهم الفاضحة، ويطلعونا على عوراتهم ومساوئهم القادحة، لأن هذا يصادم موروثاتنا الدينية وأعرافنا الأخلاقية، ثم إنه من النبالة والمروءة أن تسكت أنت عن ذكر سوءاتك، ويسكت الناس عن ملاحقتك واستنطاقك بما تكره، وفي هذا وذاك نعود إلى موروث ديني: فمن الأول: ما أخرجه مسلم في صحيحه "باب النهي عن هتك الإِنسان ستر نفسه من كتاب الزهد والرقائق" من حديث أبي هريرة، يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل أمتي معافاة إلا المجاهرين، وإن من الإِجهار أن يعمل العبد بالليل عملاً، ثم يصبح قد ستره ربه، فيقول: يا فلان، قد عملت البارحة كذا وكذا، وقد

стр. 397

بات يستره ربه، فيبيت يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه" صحيح مسلم، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ص ٢٢٩١. ومن الثاني: ما أخرجه أحمد في مسنده، من حديث أبي برزة الأسلمي، قال: قال رسول الله ﷺ : "يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإِيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته"، مسند أحمد ٤/ ٤٢١، وأخرجه مرة أخرى من حديث ثوبان مولى رسول الله ﷺ ، بلفظ: "لا تؤذوا عباد الله ولا تعيِّروهم، ولا تطلبوا عوراتهم، فإنه من طلب عورة أخيه المسلم طلب الله عورته حتى يفضحه في بيته"، مسند أحمد ٦/ ٢٧٩. أما ما يطلبه الأستاذ صلاح عيسى، من أن يكتب العرب سيرهم الذاتية بنفس الصراحة والصدق اللذين كتب بهما "جان جاك روسو" اعترافاته، فهذا ليس عدلاً، وليس إنصافاً، مع ما فيه من إغفال للموروث الديني، فجان جاك روسو ومَنْ إليه من سائر القوم يرجع إلى بيئة مختلفة عن بيئتنا، وأعراف اجتماعية مباينة لأعرافنا، وموروث ديني يغاير موروثنا. وليس يخفى أن مصطلح "الاعترافات" عند القوم له دلالة خاصة ترتكز على أساس ديني، وتتطلب إجراءات ووسائط يعرفها الناس، أما في موروثنا الديني فالأمر في غاية اليسر والسهولة، فما عليك إلا أن تكاشف نفسك في لحظة صدق، وحدك منفرداً، تبسط أخطاءك وخطاياك أمام عينك، ناوياً البراءة منها، والخلاص من أثقالها، طالباً من ربك - ليس بينك وبينه حجاب - العون على تجاوزها، معاهداً له على عدم العودة إليها، فإذا صح منك العزم واستجبت للبراءة والتوبة في ظاهر أمرك وباطنه، خرجت من ذنوبك كلها كيوم ولدتك أمك، وليس للناس بعد ذلك حاجة في أن يعرفوا ما كان منك وما صرت إليه، فحسبهم منك الوجه الطيب والعمل الزاكي. ويبقى في كلام الأستاذ صلاح عيسى ما ينبغي الوقوف عنده، والاحتفال به، وهو "الصدق" فيما يكتبه الناس من سيرهم الذاتية.

стр. 398

والصدق فضيلة الفضائل، وعنوان الشرف والكمال، به يسمو الإِنسان أمام نفسه، وعليه يعظم في أعين الناس وإليه يعود صلاح المجتمع، وجاء في الأثر: "الصادق يعطى ثلاث خصال: المُلْحة والمحبة والمهابة"، والمُلْحة بضم الميم وسكون اللام: البركة، يقال: كان ربيعنا مملوحاً فيه: أي مخصباً مباركاً، النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير ٤/ ٣٥٤، روي شبيهه عن الزاهد الكبير يوسف بن أسباط قال: "للصادق ثلاث خصال: الحلاوة والملاحة والمهابة"، سير أعلام النبلاء، للذهبي ٩/ ١٧٠. وبعض الذين يكتبون سيرهم الذاتية يستطردون مع شهوة الحديث عن النفس إلى ذكر محاسن ومآثر لهم، في مواقف ووقائع، يضخِّمونها وينفخون فيها، غير مدركين أن هناك من الناس من شهد هذه المواقف، وعاش تلك الوقائع، وغير متنبِّهين إلى أنهم ربما نقضوا كلامهم ذلك في مكان آخر مما كتبوه في سيرهم الذاتية أو في غيرها، فكان واجباً عليهم أن يتذكروا هذا المثل الحكيم من أمثال العرب: "إن كنت كذوباً فكن ذَكوراً"، ويروى: "كن ذكوراً إذا كنت كذوباً" مجمع الأمثال للميداني ١/ ٧٤، ٢/ ١٧٣، وقد نظمه شاعر فقال: تكذب الكذبة جهلاً ... ثم تنساها قريبا كن ذكوراً للذي ... تَحْكي إذا كنت كذوبا جمهرة الأمثال، لأبي هلال العسكري ٢/ ٣٩٦. وأعلى مراتب الصدق: الصدق مع النفس، ومظاهر الصدق مع النفس كثيرة، وجماعها ألَّا يخالف الطاهر الباطن، وألا يصادم السر العلن. ويقرأ الناس في تراثنا، على اختلاف علومه وفنونه، كلاماً كثيراً، منظوماً ومنثوراً، عن الصدق وفضائله، في نصوص عالية موثقة، لكنها تظل نصوصاً مجردة، يصدقها من يصدقها، ويكذبها من يكذبها، وتبقى ممارسات الناس وحدها شاهداً ودليلاً على التزامهم أبواب الصدق، وتحريهم وجوهه ودروبه.

стр. 399

الجزئي دون الكلي ! وهذه الممارسات مطروحة في كتب التاريخ: تراجم وأحداثاً، وفي كتب الأدب والأخبار، بل في سائر ما كتبه العرب في علومهم المختلفة، ومن المؤسف أن هذه الممارسات التي تمتلئ بها كتبنا ومعارفنا لا يقف الناس الآن عندها كثيراً بحسن التأمل والنظر، بل إنها عند بعض الناس ألوان من النوادر والمسامرات التي تستخرج الضحك ليس غير، بل إن بعضهم قد يسرف في "التفلسف" فيرى أنها ممارسات مصنوعة، في أخبار يراد بها إضحاك الخلفاء والملوك، للحظوة عندهم وأخذ عطاياهم، وان هذه الممارسات والأخبار إن صدقت فهي لا تخرج عن اهتمام العقل العربي بالجزئي دون الكلي، وهو كلام قد مللنا من الرد عليه، وهو في جملته لا يدل إلا على عدم المعرفة بكتبنا وتاريخنا. ولو أردت أن أكتب لك أيها القارئ الكريم ما وقفت عليه من هذه الممارسات المطروحة في الأخبار، لاحتجت إلى مجلَّدات وأسفار، فحسبي أن أجتزئ هنا ببعضها، لكن لي عليك أيها القارئ العزيز شرط واحد: هو أن تعطي هذه الأخبار حظها من التأمل والتدبر، وأن تنتبه لذلك الخيط الذي يربط بينها، وسيُفضي بك هذا الخيط - إن شاء الله - إلى روح هذه الحضارة العربية القائمة على الصراحة والوضوح، وشرط آخر: ألا تظن أني أريد أن أسلِّيك أو أضحكك بهذه النوادر، وإن كنت أدعو لك أن يضحك الله سنك، ويبسط أساريرك. وبعض هذه الأخبار مما وعته صدور الرواة من عربية الجاهلية، وكثير منه من عربية الإِسلام. وإذا كانت مظاهر صدق النفس كثيرة، وصورها شتى، فإن أولاها بالعناية وأحقها بالتأمل: ما يتصل منها بالاعتراف بالخطأ والرجوع إلى الصواب، والإِنصاف في الحكم، ولو كان مما يجر إلى الانتقاص من النفس، وهو ما يسميه الناس الآن: الموضوعية ونقد الذات.

стр. 400

ومن أقدم ما عُرف من صور الإِنصاف في تاريخنا الأدبي، ما يسمى في تاريخ الشعر بالمنصفات، ويسميها الجاحظ "الأشعار المنصفة " البيان والتبيين ٤/ ٢٣. والأشعار المنصفة: "هي القصائد التي أنصف قائلوها أعداءهم فيها، وصدقوا عنهم وعن أنفسهم فيما اصطلَوْه من حَرِّ اللقاء، وفيما وصفوه من أحوالهم في إمحاض الإِخاء"، خزانة الأدب للبغدادي ٨/ ٣٢٧. فالشاعر المنتصر لا يغره انتصاره فينسيه ما رآه من عدوه من بسالة في الطعن والضرب والرمي، فهو يزهو بانتصاره، لكنه يعترف لعدوه بالثبات والجلد، وهذا هو خلق الفرسان، وقد جمع الأستاذ عبد المعين الملوحي ست قصائد من هذه الأشعار المنصفة، ثم ضم إليها بعض المقطوعات الشعرية في الإِنصاف، وقدم لذلك كله بشيء من الدراسة التحليلية لهذا اللون من الشعر العربي، وقد صدر هذا العمل عن وزارة الثقافة والسياحة والإِرشاد القومي بدمشق ١٩٦٧ م. أما الاعتراف بالخطأ والرجوع إلى الصواب ففي تاريخنا منه الكثير مكتوباً في أخبار، وممارساً في وقائع، واكتفي هنا بخبرين من تاريخ الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁: الأول من رسالته الشهيرة في القضاء التي بعث بها إلى أبي موسى الأشعري ﵁، وهو على قضاء البصرة، وفيها يقول: "لا يمنعنك قضاء قضيته اليوم، فراجعت فيه عقلك وهديت فيه لرشدك، أن ترجع إلى الحق، فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل"، الكامل للمبرد ١/ ٢٠. للمبرد فهذا خبر عن عمر، في الاعتراف بالخطأ والرجوع إلى الصواب، ثم تأتي ممارسة عمر نفسه تصديقاً له في ذلك الخبر الذي يرويه المفسرون في سياق تفسير الآية ٢٠ من سورة النساء، وأصحاب السنن في أبواب النكاح. ففد روي أن عمر خطب يوماً فقال: "لا تغالوا صداق النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله، كان أولاكم وأحقكم بها محمد ﷺ ، ما أصدق امرأة من نسائه ولا أُصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية، وإن الرجل ليُثقل صدُقة امرأته - أي مهرها -

стр. 401

حتى يكون لها عداوة في نفسه"، فقامت إليه امرأة فقالت: يا عمر، يعطينا الله وتحرمنا! أليس الله يقول: ﴿وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً، فقال عمر: أصابت امرأة وأخطأ عمر، وفي رواية: "فأطرق عمر، ثم قال: كل الناس أفقه منك يا عمر! "، وفي أخرى: "امرأة أصابت ورجل أخطأ، وترك الإِنكار" تفسير القرطبي ٥/ ٩٩، وسنن ابن ماجه (باب صداق النساء، من كتاب النكاح) ص ٦٠٧، والمصنف لعبد الرزاق بن همام الصنعاني (باب غلاء الصداق، من كتاب النكاح) ٦/ ١٧٥. وهذا باب آخر من أبواب صدق النفس، وهو الصبر على تلك الأجوبة المسكتة التي يواجه بها مشاهير الرجال، من أوساط الناس وضعفائهم، وفي تلك الأجوبة أحياناً ما يكون مثل لذع النار أو نهش الأفاعي، يصبر لها كبار النفوس، لأنها تردهم إلى الحق، وتعيدهم إلى الصواب، وبعض من ذلك يسميه الناس الآن: الديمقراطية، يكتب الناس عنها كثيراً، ويمارسونها قليلاً. ومن ذلك ما رواه الزمخشري، قال: حبس عمرو بن العاص عن جنده العطاء (أي الرواتب) فقام إليه رجل حِمْيري، فقال: أصلح الله الأمير، اتخذ جنداً من حجارة لا يأكلون ولا يشربون! قال عمرو: اسكت يا كلب، قال: إن كنت كذلك فأنت أمير الكلاب! فأطرق عمرو، وأخرج أرزاقهم (أي رواتبهم). ربيع الأبرار ١/ ٦٩٠. وحدث محمد بن حبيب، قال: أخبرني ابن الأعرابي، قال: شهد أعرابي عند معاوية بشهادة، فقال له: كذبت! فقال الأعرابي: الكاذب المتزمل في ثيابك! فقال معاوية وتبسم: هذا جزاء من عجل. الهفوات النادرة للصابي ص ٣٥٥، وربيع الأبرار ١/ ٦٦٥. وروي عن الفرزدق انه قال: ما استقبلني احد بمثل ما استقبلني به نبطي - والنبط: جيل من الناس كانوا ينزلون سواد العراق، ثم استعمل في أخلاط الناس وعوامهم - قال: أنت الفرزدق الذي يمدح الناس ويهجوهم ويأخذ أموالهم؟ قلت

стр. 402

نعم، قال: أنت في الكنيف من قدمك إلى أنفك، قلت: لم حاشيت العينين؟ قال: حتى ترى هوان نفسك، يقول الفرزدق: فبهت. ربيع الأبرار ١/ ٧١١. وروي عن الجاحظ قال: "ما خجلتني إلا امرأة، حملتني إلى صائغ، فقالت: مثل هذا، فبقيت مبهوتاً، فسألت الصائغ، فقال: هي امرأة استعملتني (أي طلبت مني أن أعمل) صورة شيطان، فقلت: لا أدري كيف أصوره، فأتت بك، فقالت: مثله" أي اصنع مثله. ربيع الأبرار ١/ ٨٥٣، ومعلوم أن الجاحظ كان دميماً قبيح الوجه. صحة العقل: وروي أن المحدث الجليل سفيان بن عيينة بكى يوماً، ففال له يحيى بن أكثم: ما يبكيك يا أبا محمد؟ قال: بعد مجالستي أصحاب أصحاب رسول الله ﷺ بليت بمجالستكم! فقال له يحيى - وكان حدثاً-: فمصيبة أصحاب أصحاب رسول الله ﷺ أعظم من مصيبتك! قال: يا غلام، أظن السلطان سيحتاج إليك، ربيع الأبرار ١/ ٦٦٩، ويريد سفيان أن يصف يحيى بصحة العقل حين أحسن الدفاع عن نفسه وعن أبناء جيله، ثم رد المذمة عليه، وأن مثله جدير بأن يتخذه السلطان عوناً وسنداً، وفي رواية أخرى أن يحيى بن أكثم حين سمع هذا الكلام من سفيان بن عيينة قال له: أتنصف يا أبا محمد؟ قال: إن شاء الله، قال له: والله لشقاء من جالس أصحاب رسول الله ﷺ بك أشد من شقائك بنا، فأطرق وتمثل بشعر أبي نواس: خل جنبيك لرام ... وامض عنه بسلام مت بداء الصمت خير ... لك من داء الكلام تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ١٤/ ١٩٣. وقد ألََّف غرس النعمة أبو الحسن محمد بن هلال الصابي المتوفى (٤٨٠ هـ) كتاباً سمَّاه "الهفوات النادرة" جمع فيه أخباراً عن سقطات الناس وأخطائهم التي أوقعتهم فيها الغفلة وسوء التقدير، وكان أول خبر يورده من ذلك ما وقع فيه هو

стр. 403

نفسه، يقول: "فأول ما أبدأ به ما خصَّني منه، وهو أنني كنت جالساً وإلى جانبي أبو سعد القادسي، أحد المتفيهقين المتشدقين، وجرى ذكر بعض ثقلاء الزمان المتعسفين، فقلت مسرعاً متبرعاً: إنه ليشبه ابن القادسي فيما يتعاطاه، مما يتجاوز فيه الصواب ويتخطاه. ثم استيقظت من رقدة زلتي، وانتبهت لهفوتي .. ثم ذكر بعد ذلك استدراكه على هذا الخطأ بتوجيه الفول بعيدا عن ابن القادسي. ولم أرَ في أدباء هذا الزمان من يكثر من الاعتراف بخطئه، والتنويه بمن دله على وجه الصواب، من شيخنا أبي فهر محمود محمد شاكر، وهو كثير عنده، ومنه ما ذكره في المستدرك بآخر كتاب إمتاع الأسماع بما للرسول من الأنباء والأموال والحفدة والمتاع، للمقريزي المتوفى (٨٤٥ هـ)، فقد صحح ما ورد في ص ٢١٦ من الجزء الأول، من قوله: "لم أجد ذكر أبي عامر الفاسق في حديث بعد خبره يوم أُحد، إلا خبر موته عند هرقل، وذلك عام حجة الوداع"، فقال في الاستدراك: "وهذا خطأ مني، فيه نسيان وعجلة، إذ ليس يخفى خبر أبي عامر الفاسق في أمر مسجد الضرار". فلم يكتف بنسبة الخطأ إلى نفسه حتى ضم إليه النسيان مقروناً بالعجلة، وهذا منهج شيخنا في كتاباته كلها، وفي تحقيقاته أيضاً، وإنما ذكرت هذا المثال بعينه، لأن كلام شيخنا هذا كان في سن الشباب، وهو زمن الخُيلاء والتيه، فقد صدر الجزء الأول من كتاب المقريزي سنة ١٩٤٠ م. نواصل في المقال القادم كلام الناس، وصدقهم في الإِبانة عن دخائل نفوسهم. * * *

стр. 404

السيرة الذاتية .. والصدق مع النفس [٢] (١) أثار الأديب صلاح عيسى سؤالا محدداً حول "السيرة الذاتية"، وهو السؤال الذي لم يُجب عليه أحد، وتحدثنا في العدد الماضي من الهلال عن مدى الصدق مع النفس من الذين يكتبون سيرهم الذاتية، وهل يذكرون العيوب والنقائص بجانب ذكرهم للمحاسن والمآثر، واستعرضنا ألوان السير الذاتية وصور الاعترافات ومدى صدقها من زيفها. وفي هذا المقال نتناول نماذج من كلام الناس وصدقهم في الإِبانة عن دخائل نفوسهم، ومدى حرصهم على الحديث عن جوانب الضعف والقوة في شخصياتهم. ونترك باب الأجوبة المسكتة، وباب الاعتراف بالخطأ والرجوع إلى الصواب، ودلالة ذلك كله على صدق النفس، وننظر ونتأمل في كلام الناس عن ذواتهم، وصدقهم في الإِبانة عن دخائل نفوسهم وما تنطوي عليه قلوبهم، غير هيَّابين ولا وجلين، ولو كان ذلك في ظاهره مما يصادم العقيدة، أو يخالف المذهب. روي أن عبد الله بن الزبير قطع ذِكر رسول الله ﷺ في خطبة الجمعة جُمعاً كثيرة، فاستعظم الناس ذلك، فقال: إني لا أرغب عن ذكره، ولكن له أُهَيْل سوء) تصغير أهل) إذا ذكرته اتْلَعوا أعناقهم (أي مدوها ورفعوها)، فأنا أحب أن أكبتهم"

стр. 405

شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٢٠/ ١٢٧، وروي انه قال: والله ما تركت ذلك علانية إلا وأنا أقوله سرّاً وأكثر منه. ومن هذا الباب أيضاً ما روي أن علويّاً قال لأبي العَيْناء: اتبغضني وقد أمرت بالصلاة عليَّ؟ تقول: صلََّى الله على محمد وآله. قال أبو العيناء: إني أقول: "الطيِّبين الأخيار" فتخرج أنت. ربيع الأبرار ١/ ٧١٧. وأبو العيناء هذا: اسمه محمد بن القاسم، كان أديباً فصيحاً، من ظرفاء الدنيا، ومن أسرع الناس جواباً، اشتهر بنوادره ولطائفه، وكان ذكيّاً جداً، حسن الشعر، مليح الكتابة والترسل، خبيث اللسان في سب الناس والتعريض بهم، نشأ بالبصرة وتوفي بها سنة ٢٨٣، كُفَّ بصره بعد بلوغه أربعين سنة، قال عنه الخليفة العباسي المتوكل. لولا أنه ضرير لنادمته، فبلغه ذلك فقال: إن أعفاني من رؤية الأهلة وقراءة نقوش الفصوص، فأنا أصلح للمنادمة، وَفَيَات الأعيان لابن خلكان ٤/ ٣٤٥، والأعلام للزركلي ٧/ ٢٢٦. وروي عن الجاحظ أنه قال: كان رجل من أهل السواد - والسواد: ناحية بالعراق افتتحها المسلمون في عهد عمر بن الخطاب، سميت بذلك لكثرة الزروع والنخيل والأشجار بها، والعرب تسمي الخضرة سواداً - كان هذا الرجل يتشيع، وكان ظريفاً، فقال ابن عم له: "بلغني انك تبغض عليّاً ﵇ (أي تدعو الناس إلى بغضه وكراهيته) والله لئن فعلت لتردن عليه الحوض ولا يسقيك! قال: والحوض في يده يوم القيامة؟ قال: نعم، فقال: وما لهذا الرجل الفاضل يقتل الناس في الدنيا بالسيف وفي الآخرة بالعطش؟ فقيل له: أتقول هذا مع تشيعك ودينك؟ قال: والله لا تركت النادرة ولو قتلتني في الدنيا، وادخلتني النار في الآخرة"، معجم الأدباء لياقوت الحموي ص ٢١٠٨ (طبعة الدكتور إحسان عباس، وهي طبعة عظيمة فاقت الطبعتين السابقتين: طبعة مرجليوث، وطبعة فريد رفاعي). ومن باب الصدق مع النفس أيضاً قول دعبل بن علي الخزاعي، الشاعر

стр. 406

المعروف المتوفى ٢٤٦ هـ: "ما كانت لأحد قط عندي منَّة إلا تمنيت موته" الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني ٢٠/ ١٣٧، ولا تستبشع هذا القول من ذلك الشاعر، فهو رجل صادق، يستثقل منن الناس عليه، ويراها قيوداً على لسانه وعقله، وكثير من الناس يستصحب هذا الشعور، دون أن يصرّح به، بل إن بعض الناس يأنف من السؤال ويطوي نفسه على الحرمان مخافة المنع والخذلان، تقول الصوفية الكبيرة أم علي امرأة أحمد بن خضرويه البلخي المتوفى ٢٤٠ هـ: "فَوْت الحاجة أيسر من الذل فيها"، كتاب ذكر النسوة المتعبدات الصوفيات لأبي عبد الرحمن السلمي ص ٧٧، وقال شاعر: لا تحسبن الموت موت البلى ... وإنما الموت سؤال الرجال كلاهما موت ولكنّ ذا ... أشد من ذاك على كل حال الحيوان للجاحظ ٣/ ١٣١، ودلائل الإِعجاز لعبد القاهر ص ٢٥٦. ويبقى أن تلاحظ أيها القارئ الكريم -رجوعاً إلى الخبر السابق - أن أبا الفرج الأصبهاني ودعبلاً الخزاعي كلاهما شيعي، ولم تمنع هذه الجامعة بينهما أبا الفرج من ذكر ذلك الخبر الذي قد يسيء إلى صاحبه على نحو ما. وهذا من باب الصدق أيضاً. الصراحة الكاشفة: وهذا أبو العباس المبرد المتوفى ٢٨٥ هـ وهو احد أئمة العربية، كان معروفاً بالبخل، وكان هو يطهر ذلك للناس ولا يكتمه، يقول الوزير القفطي: "وكان المبرد ممسكاً بخيلاً، يقول: لا وزنت شيئاً بالدرهم إلا ورجح الدرهم في نفسي، هذا مع السعة التي كان فيها"، إنباه الرواة على أنباه النحاة ٣/ ٢٤٩. وقصة المبرد هذه مع ما يشاكلها تعطيك دلالة أخرى؟ لأن الذي يتحدث عن نفسه بهذه الصراحة الكاشفة يصدق في كل ما يلقيه عليك بعد ذلك، لأن الشخصية لا تتجزأ، كما يقول الناس في هذه الأيام، ومن هنا تثق في كل ما كتبه أبو العباس

стр. 407

المبرد: في كتابه الكامل في الأدب والأخبار، وكتابه المقتضب في النحو، وكتابه في التعازي والمراثي. ومع تظاهر كثير من الناس بالزهد في المال وعدم الحرص عليه، نرى الإِمام الجليل سفيان بن سعيد الثوري المتوفى (١٦١ هـ) وهو إمام الحفاظ، وأمير المؤمنين في الحديث، يقول: "لأن أخلف عشرة آلاف درهم، يحاسبني الله عليها أحب إلي من أن أحتاج إلى الناس"، وروي أنه سئل مسألة وهو يشتري شيئاً، فقال: "دعني فإن قلبي عند درهمي"، وروي عنه أنه قال: "كان المال فيما مضى يكره، فأما اليوم فهو ترس المؤمن"، ونظر إليه رجل، وفي يده دنانير، فقال: يا أبا عبد الله، تمسك هذه الدنانير؟ قال: اسكت، فلولاها لتَمَنْدَلَ بنا الملوك. "كأنه يريد: اتخذونا مناديل يمسحون بها وجوههم وأيديهم"، سير أعلام النبلاء، للذهبي ٧/ ٢٤١، يقول سفيان الثوري هذا كله، وهو سيد العلماء العاملين في زمانه، وهو القائل أيضاً: "ما وضع رجل يده في قصعة رجل إلا ذل له". وهذا الأحنف بن قيس، العالم الكبير المتوفى (٧١ هـ) وهو أحد من يُضرب بحِلمه وسؤدده المثل يقول: "كذبت مرة واحدة، سألني عمر بن الخطاب عن ثوب: بكم أخذته؟ فأسقطت ثلثي الثمن"، سير أعلام النبلاء للذهبي ٤/ ٨٩. وكان للأحنف هذا ولد، يقال له: بحر، وبه كني، وكان مضعوفاً (أي قليل العقل خاملاً) فقيل له: لم لا تتأدب بأخلاق أبيك؟ فقال: الكسل"، وفيات الأعيان لابن خلكان ٢/ ٥٠٦. وهذا من باب الصدق مع النفس أيضاً. وهذا رجل يحب الشهرة وبعد الصيت، ولو ركب لهما الصعب، فيروى عن الحسن بن أحمد بن عبد الله بن البناء، المقرئ المحدث الحنبلي المتوفى (٤٧١ هـ) أنه قال: "هل ذكرني الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" في الثقات أو مع الكذابين؟ قيل: ما ذكرك أصلاً، فقال: ليته ذكرني ولو مع الكذابين"، سير أعلام النبلاء للذهبي ١٨/ ٣٨١، والإِعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ، لشمس الدين السخاوي ص ٣٣.

стр. 408

على أنه ينبغي التنبه الدائم للفرْق الدقيق بين صراحة هؤلاء الناس، وصدقهم في الإِبانة عن أنفسهم، وبين كشف العيوب القادحة، ونشر المساوئ الفاضحة، التي تدخل في باب العورات، وهو ما نهينا عن الحديث عنه، أو تتبعه واستقصائه، كما ذكرت في صدر هذه الكلمة، وضم إليه ذلك الحديث العظيم الذي أخرجه الإِمام مالك، وهو حديث من اعترف على نفسه بالزنا، وفي آخره يقول رسول الله ﷺ : "من أصاب من هذه القاذورات شيئاً فليستتر بستر الله، فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه الحد" الموطأ (باب ما جاء فيمن اعترف على نفسه بالزنا، من كتاب الحدود) ص ٨٢٥. ومن أحلى وأعذب صور الصدق مع النفس وإرسالها على سجيتها: قصة ذلك المحدث الجليل إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، أبو إسحاق القرشي الزهري العوفي المدني، المتوفى (١٨٣ هـ) كان حافظاً كبيراً، وإماماً ثقة حجة، يقول الحافظ الذهبي في ترجمته من سير أعلام النبلاء ٨/ ٢٧٢: "وكان ممن يترخص في الغناء على عادة أهل المدينة، وكأنه ليم في ذلك، فانزعج على المحدثين، وحلف أنه لا يحدث حتى يغني قبله"، أي قبل التحديث. وروى الخطيب البغدادي هذا الخبر، برواية أخرى، قال: "وسئل عن الغناء فأفتى بتحليله، وأتاه بعض أصحاب الحديث ليسمع منه أحاديث الزهري، فسمعه يتغنى، فقال: لقد كنت حريصاً على أن اسمع منك، فأما الآن فلا سمعت منك حديثاً أبداً، فقال: إذاً لا أفقد إلا شخصك، عليّ وعليّ - يقصد الحلف بالطلاق - إن حدثت ببغداد ما أقمت حديثاً حتى أغني قبله ... وذكر أن هذه القصة بلغت الرشيد، فاستدعاه، ودعا له بعود فغناه: يا أم طلحة إن البين قد أفدا ... قل الثواء لعن كان الرحيل غدا تاريخ بغداد ٦/ ٨٤، وهذا البيت لعمر بن أبي ربيعة، وروايته في ديوانه ص ٣٩١: "ألمم بزينب إن البين قد أفدا". ومعنى "أفد" دنا وقرب موعده.

стр. 409

فهذا محدث فنان. ومما يشاكل هذا الباب ما رواه الذهبي أيضاً، عن علي بن حرب الطائي المتوفى (٢٦٥ هـ) قال: سمعت أبي يقول: أحب أن تكون لي جارية في غُنج سفيان بن عيينة إذا حدث"، سير أعلام النبلاء ٨/ ٤٠٤ (والغنج في المرأة: حسنها وتدللها وترققها في الكلام). ومثل هذه الأخبار ينبغي أن تفهم على حقيقتها، وهي أن القوم الذين كانوا يروون حديث رسول الله ﷺ ، كانوا يروونه بانبساط نفس، وانشراح صدر (يعني في تعبيراتنا المصرية: يروونه بمزاج)، أما الورع الكاذب، والخشوع المصطنع فلا وجود له في عقيدتنا ولا في حضارتنا، واقرأ إن شئت كتاباً واحداً في آداب وأعراف التحديث بحديث رسول ﷺ وهو كتاب "أدب الإِملاء والاستملاء" لأبي سعد السمعاني المتوفى (٥٦٢ هـ) وتأمل على سبيل المثال ما يذكره عن وجوب نظافة المحدث وحسن ثيابه وتطيبه بالعطور حين يجلس لإِملاء الحديث، وما نقله عن علماء الحديث من التعوذ من الثقل والثقلاء. وهذه صورة من صور الصدق مع النفس، تسجلها كتب التاريخ والأدب، مع أن هذه الصور تجري في ذرائع الشر ومكروه الأخلاق، لأن هذه الكتب وثائق تسجل واقع البشر، فهي لا تنتقي من الأخبار ما يرضي الناس فحسب، وتحجب عنهم ما يسوؤهم، إن كتبنا في التاريخ وسائر المعارف شهود صدق وقضاة عدل. فهذا "دُوَيد بن زيد بن نَهد" معمر جاهلي قديم، وشعره من قديم الشعر العربي، تقول كتب التاريخ والأدب: إنه جمع أولاده عند موته، ثم قال لهم: "أوصيكم بالناس شرّاً، لا تقبلوا لهم معذرة، ولا تقيلوهم عثرة، أوصيكم بالناس شراً، طعناً وضرباً، وما احتجتم إليه فصونوه، وما استغنيتم عنه فأفسدوه على من سواكم، فإن غش الناس يدعو إلى سوء الظن، وسوء الظن يدعو إلى الاحتراس". راجع أيها القارئ العزيز كتاب المعمَّرين لأبي حاتم السجستاني ص ٢٦، وطبقات فحول الشعراء لابن سلام ص ٣١، وأمالي الشريف المرتضى ١/ ٢٣٦.

стр. 410

ومن وصايا الشر أيضاً التي سجلتها الكتب: ما وصَّى به أبو النجم العجلي الراجز الشهير المتوفى (١٣٠ هـ) بناته الثلاث، قال للأولى: أوصيتُ من برَّة قلباً حِرّا ... بالكلب خيراً والحماة شَرّا لا تسأمي ضرباً لها وجرّا ... حتى ترى حلو الحياة مرّا وإن كستك ذهبا ودُرّا ... والحيُُّ عمّيهم بشرِّ طُرّا وقال للثانية: سُبِّي الحماة وابهتي عليها ... وإن دنت فازدلفي إليها وأوجعي بالفهر ركبتيها ... ومرفقيها واضربي جنبيها يقال: بهته بهتاً: أخذته بغتة، ولعلماء اللغة في قول أبي النجم "ابهتي عليها" كلام كثير انظره في الصَّحاح للجوهري، والتنبيه والإِيضاح عما وقع في الصَّحاح لابن بري، والتكملة والذيل والصلة للصاغاني، وكلها معاجم لغوية. الفِهْر: بكسر وسكون الهاء: الحجر يملأ الكف. وقال للثالثة: أوصيك يا بنتي فإني ذاهبُ ... أوصيك أن تحمدك القرائب والجار والضيف الكريم الساغب ... لا يرجع المسكين وهو خائب ولا تني أظفارك السلاهب ... منهن في وجه الحماة كاتب والزوج إن الزوج بئس الصاحب والأظافر السلاهب: الطويلة. وروي أن هشام بن عبد الملك الخليفة الأموي سمع هذا الشعر من أبي النجم ثم قال له: ما هكذا أوصى يعقوب ولده! قال أبو النجم: ولا أنا كيعقوب، ولا بني كولده! راجع الكامل للمبرد ص ٩٩٨، والأغاني لأبي الفرج ١٠/ ١٥٦. هكذا وصى دويد بن زيد، وأبو النجم. وسبحان خالق الطباع، ومصرِّف القلوب. وما أصدق كتبنا ومؤرخينا في تسجيل الحياة بخيرها وشرها وحسنها وسيئها!

стр. 411

فيا أيها القارئ الكريم، أنار الله بصرك وبصيرتك، اقرأ وتدبر ولا تعجل فترمي هذا الكلام بالوضع والانتحال، ففد عرفنا في زماننا هذا من يوصي أولاده بسوء الظن، والاستيحاش من الناس، والإِمساك دونهم، والحرص على المال بتزيين البخل، فلا زلنا نسمع هذه الأمثال كل يوم: اللي معاه قرش يساوي قرش - اللي معاه قرش ابنه يزمّر - القرش الأبيض ينفع في النهار الأسود - وأنا ما لي يا عم هو أنا خلفته ونسيته - ويبقى ابني على كتفي وأدوّر عليه؟ - ويالله نفسي نفسي - ويا روح ما بعدك روح - واللي يعوزه البيت يحرم على الجامع - وخالتي وخالتك واتفرقت الخالات. بل سمعنا أشد من ذلك كله في تسويغ البخل والإِعراض عن نجدة الناس والبر بهم، والنظر إلى المصلحة الذاتية فقط، وهو قولهم: "عيش ندل تموت مستور"، فهي هي طبائع البشر في كل زمان ومكان، وإن اختلف التعبير عنها. أما وصية أبي النجم في التشديد على الحماة والإِغلاظ للزوج، فما زلنا نسمع من هذا وذاك الشيء الكثير، وأظن أنه لا يغيب عنك: "يا مأمنه للرجال يا مأمنه للمَيّه في الغربال"، ولا زلت أذكر ما كنت أسمعه من نساء حي الدرب الأحمر - وهو الحي الذي نشأت فيه -فتقول الأم لابنتها قبل انتقالها لبيت الزوجية: "خلي بالك من المَرَة القرشانة اللي اسمها أمه، إدِّيها على دماغها أول بأول كده، مَتِسْكُتِلْهَاشْ أحسن تركبك"، او تقول لها عن زوجها: "إوعي منُّه، ربنا يستر، والله أنا خايفه، دا باين عليه ابن أمُّه". أما التوصية بنتف ريش الزوج حتى لا يطير، فلم يعد لها مكان الآن، لأن الزوج أصبح لا ريش له بعد اشتراك الزوجة معه في الوظيفة، ومساهمتها في دخل البيت ومزاحمتها له في اتخاذ القرار، وربنا المستعان، وحسبنا الله ونعم الوكيل! ثم نعود إلى أخبار الصدق مع النفس: فمع حرص خلفاء المسلمين على أن يظهروا للناس وجه العفو والمسامحة، فإن بعضهم كان صادقاً مع نفسه كل الصدق حين أظهر الحزم والمخاشنة وسوء المعاملة، فقد روي أن عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب قال للخليفة العباسي المنصور - وكان

стр. 412

ابن أخيه - "لقد هجمت بالعقوبة حتى كأنك لم تسمع بالعفو! قال: لأن بني مروان - يعني الأمويين - لم تبل رممهم، وآل أبي طالب - يعني العلويين - لم تغمد سيوفهم، ونحن بين قوم قد رأونا أمس سوقة - أي من عامة الناس - واليوم خلفاء، فليس تتمهد هيبتنا في صدورهم إلا بنسيان العفو، واستعمال العقوبة"، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ٢٦٧، وهو كلام عال نفيس، فاقرأه مرة أخرى. أما حديث الشعر في الصدق مع النفس فهو كثير جدّاً، ومنه قول حارثة بن بدر الغُدَاني التابعي الجليل المتوفى (٦٤ هـ) وهو ما رواه أبو الفرج الأصبهاني، والشريف المرتضى، قالا: "اجتاز حارثة بن بدر الغداني بمجلس من مجالس قومه من بني تميم، ومعه كعب مولاه، فكلما اجتاز بقوم قاموا إليه وقالوا: مرحباً بسيدنا، فلما ولَّى قال له كعب: ما سمعت كلاماً قط أقرّ لعيني، ولا ألذ بسمعي من هذا الكلام الذي سمعته اليوم، فقال له حارثة: لكني لم أسمع كلاماً قط أكره لنفسي وأبغض إليّ مما سمعته! قال: ولم؟ قال: ويحك يا كعب، إنما سوَّدني قومي حين ذهب خيارهم وأماثلهم، فأحفظ عني هذا البيت: خلت الديار فسُدت غير مُسَوَّد ... ومن البلاء تفرُّدي بالسؤدد أرأيت موضوعية وصدقاً ونقداً للذات أبرع من هذا؟ وما أحرى كثيراً من أصحاب المناصب الآن أن يتمثلوا بهذا البيت لو رزقوا الصدق مع أنفسهم. وانظر الخبر في الأغاني - ملحق الجزء الثامن ص ٢٤٢، من طبعة دار الكتب المصرية، وأمالي الشريف المرتضى ١/ ٣٨٨، ثم انظر شرح الحماسة لأبي علي المرزوقي ص ٨٠٧، ففيه كلام عن التوجيه النحوي للبيت، إن كنت تحب النحو، وأود لك أن تحبه. وهذا البيت الحكيم الذي أنشده وتمثل به حارثة بن بدر، هو من قطعة أوردها أبو تمام في حماسته، ونسبها لرجل من خثعم، لم يذكر اسمه -راجع الموضع المذكور قريباً من شرح الحماسة للمرزوقي - ونسبه ياقوت الحموي، ضمن ستة أبيات، إلى عمرو بن النعمان البياضي، معجم البلدان ١/ ٧٠٣، في رسم "البقيع"

стр. 413

ونسبه الجاحظ إلى حارثة بن بدر، فجعله منشئه لا منشده، في الحيوان ٣/ ٨٠، والبيان والتبيين ٣/ ٢١٩، لكنه في ص ٣٣٦ من ذلك الجزء أنشده من غير نسبة. وقد كثر تمثل أهل العلم بهذا البيت، فيذكر ابن عبد ربه في العقد الفريد ٢/ ٢٩٠ عن الهيثم بن عدي قال: لما انفرد سفيان بن عيينة (١٩٨ هـ) ومات نظراؤه من العلماء تكاثر الناس عليه، فأنشأ يقول: خلت الديار ... البيت. وذكر ابن خلكان في وفيات الأعيان ٤/ ٢٢٠، في ترجمة "أبي بكر محمد بن أحمد الحسين الشاشي الففيه الشافعي (٥٠٧ هـ) أنه يوم جلس على كرسي التدريس بالمدرسة النظامية ببغداد - وكان قد سبقه إلى التدريس فيها فحول العلماء - وضع منديله على عينيه وبكى كثيراً، وأنشد: خلت الديار ... البيت، قال ابن خلكان: "وهذا إنصاف منه واعتراف لمن تقدمه بالفضل والرجحان عليه". وروي أن التابعي الجليل إبراهيم بن يزيد النخعي (٩٦ هـ) قال: لقد تكلمت، ولو وجدت بداً ما تكلمت، وإن زماناً تكلمت فيه لزمان سوء"، ثم أنشد البيت: خلت الديار ... عيون الأخبار لابن قتيبة ١/ ٢٦٨، والخبر رواه أبو نعيم الأصبهاني هكذا: "وإن زماناً أكون فيه فقيه الكوفة لزمان سوء"، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء ٤/ ٢٢٣. وللشعراء وأهل الأدب كلام كثير، في فضيلة كتم السر وصونه وعدم إذاعته، لكن بعض الناس يضيق صدره عن كتمان السر، ويحس انه يحمل هماً ثقيلاً على صدره، أو جبلاً ضخماً على ظهره، فهو يريد أن يتخلص من عبئه، فيدور به على الناس، لا يبالي أين يقع منهم، وليس بالضرورة أن يكون إفشاؤه السر لغاية من إفساد أو سعاية، ولكنها الثرثرة ليس غير، وإراحة النفس من هم مغالبة الكتمان ومرافعة الحفظ، وقد ترجم عن هذا شاعر، في لحظة صدق عالية، فيقول سحيم الفقعسي (لم أعرف تاريخه، وانظر من اسمه سحيم من الشعراء في خزانة الأدب للبغدادي ١/ ٢٦٦)، يقول سحيم هذا: ولا أكتم الأسرار لكن أُذيعها ... ولا أترك الأسرار تغلي على قلبي

стр. 414

وإنَّ قليل العقل من بات ليله ... تقلبه الأسرار جنباً إلى جنب وأنشد الأصمعي، قال: أنشدني أعرابي: ولا أكتم الأسرار لكن أبثها ... ولا أدع الأسرار تقتلني غمّا وإن سخيف الرأي من بات ليله ... حريباًَ بكتمان كأن به حمى وفي بثك الأسرار للقلب راحة ... وتكشف بالإِفشاء عن قلبك الهما وقال ثالث: وامنع جارتي من كل خير ... وأمشي بالنميمة بين صحبي انظر هذه الأشعار في الحيوان للجاحظ ٥/ ١٨٥، وعيون الأخبار لابن قتيبة ١/ ٤١، والكامل للمبرد ص ٨٨٤، وبهجة المجالس لابن عبد البر ١/ ٤٦٠. وذكر الجاحظ أن ضيق الصدر بكتمان السر من أخلاق الصبيان والنساء، ومن أخلاق الخَصِيّ أيضاً - والخصي: هو المقطوع الخصية - قال في الحيوان ١/ ١٣٥: "ويعرض للخصي سرعة الغضب والرضا، وذلك من أخلاق الصبيان والنساء، ويعرض له حب النميمة، وضيق الصدر بما أودع من السر، وذلك من أخلاق الصبيان والنساء". ومن رقيق شعر عزيز باشا أباظة قوله من قصيدته "همسة حائرة": يبيت يودع سمع الليل عاصفة ... ضاق النهار بها ستراً وكتمانا فأثبت للنهار أيضاً ضيقاً بكتمان السر، كالإِنسان سواء بسواء. وبعد: فهذه صور من الصدق مع النفس، سلوكاً وكلاماً منثوراً ومنظوماً، امتلأت بها كتبنا وآثارنا التي تعرض الحياة كلها بخيرها وشرها، وبياضها وسوادها، وتلك طبيعة الحضارات العظيمة. . وتحية إلى الأستاذ صلاح عيسى، الذي فتح لنا هذا الباب من القول. * * *

стр. 415

من حصاد الندوات: أولية الطباعة العربية في مصر (١) أقام مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث بدبي في أواخر أكتوبر الماضي ندوة عن "تاريخ الطباعة العربية حتى انتهاء القرن التاسع عشر"، وقد دارت محاور الندوة حول تاريخ الطباعة العربية في أوروبا وتركيا وبلاد الشام ومصر وشبه القارة الهندية والأمريكيتين والمغرب وبلاد فارس وشبه الجزيرة العربية، وروسيا وبلاد ما وراء النهر. وقد دعيت إلى هذه الندوة وقدمت بحثاً مطولاً عن تاريخ الطباعة في مصر، في ذلك القرن الماضي. ويبدأ حديث الطباعة في مصر بتلك المطبعة الصغيرة التي أحضرها نابليون معه أيام حملته على مصر سنة ١٧٩٨ م، ليبعث من خلالها برسائله إلى المصريين، ثم لينشر بها بعض الرسائل والنصائح الطبية، استمالة لقلوب المصريين، ثم رحل نابليون عن مصر، وترك مطبعته ليقيم على أنقاضها محمد علي باشا مطبعة سميت أول الأمر المطبعة الأهلية، ويقال: إن محمد علي أنشأ مطبعته إنشاء، ولم يقمها على أنقاض مطبعة نابليون، ومهما يكن من أمر فقد أنشأ محمد علي مطبعته هذه على ضفاف النيل ببولاق سنة ١٨٢١ م، ثم تبعتها بعض المطابع الملحقة بإدارات الجيش والمدارس العليا، وبعد ذلك جاءت المطابع الأهلية، فهذه ثلاث مراحل في بداية الطباعة العربية في مصر، ولكل مرحلة قصة وتاريخ.

стр. 416

مطبعة بولاق: تمثل هذه المطبعة الباب الواسع الذي دخل منه العرب إلى النهضة الحديثة، كما تمثل في الوقت نفسه البعث الحقيقي لتراث الآباء والأجداد، وإذا كانت بعض البلدان قد سبقت مصر في الطباعة العربية، فإن الوجه العربي للطباعة لم يظهر إلا في مطبعة بولاق بمصر، لقد كان إنشاء هذه المطبعة صيحة مدوية أيقظت الغافلين، ومركز ضوء هدى الحائرين، وقد تدافعت مطبوعاتها من الكتاب العربي كالسيل الهادر. وقد ذكر سركيس في مقدمة معجم المطبوعات أن مجموع ما طبعته مطبعة بولاق، منذ إنشائها سنة ١٨٢١ م وحتى سنة ١٨٧٨ م بلغ (٦٠٣٨٩٠) كتاباً ، أرأيتم إلى هذا العدد الذي يزيد على نصف المليون في نحو (٥٠) عاماً، وهي مدة يسيرة لا تعد شيئاً في تاريخ الأمم والشعوب، مع ملاحظة ضعف الوسائل الطباعية في تلكم الأيام .. وفي مجال تقييم أعمال مطبعة بولاق تبرز هذه الحقائق: أولاً: كان إنشاء محمد علي مطبعة بولاق متزامناً مع إرساله البعثات لتلقي العلم في أوروبا ، ولا يستطيع الدارس أن يغفل العلاقة بين هذه البعثات ونشاط مطبعة بولاق، فقد عاد الدارسون المصريون في أوروبا برغبة عارمة في الإِصلاح والنهوض، ولم يركنوا إلى الدعة وعجمة اللسان والاكتفاء بمدح الإفرنج، والطعن في أمتهم العربية والانتقاص من تاريخها وذم علومها ومعارفها، كما نرى ونسمع الآن. ثانياً: يلاحظ في السنوات الأولى من نشاط مطبعة بولاق غلبة للكتب المترجمة في الشؤون الطبية والزراعية والهندسية وتدبير المعاش . ثالثاً: إن الذين قاموا على نشر كتب التراث بتلك المطبعة كانوا يستهدفون غاية ضخمة، هي إبراز كنوز الفكر العربي والإِسلامي ، فعمدوا إلى نشر الأمهات

стр. 417

والأصول في كل علم، ولم يغلبوا جانباً على جانب، شان دور النشر التجارية التي تتحسس حاجة السوق وتلبي رغبات عاجلة لخدمة بعض الاتجاهات. فهم قد نظروا إلى التراث نظرة شمولية كلية، فنشرت مطبعة بولاق: منهاج السُّنَّة النبوية لشيخ الإِسلام ابن تيمية، ثم طبعت الفتوحات المكية لابن عربي، ويا بُعد ما بينهما، وطبعت من تراجم المشارقة وَفَيات الأعيان لابن خلكان، ومن تراجم المغاربة نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب للمقَّري، وطبعت تفسير الطبري والفخر الرازي وصحيح البخاري وشرحه لابن حجر وللقسطلاني، ثم طبعت ألف ليلة وليلة، طبعتين. رابعاً: تزامن نشاط مطبعة بولاق مع الدعوة إلى العامية التي تولى أمرها تفر من الأجانب الذين حلوا بمصر ، وقد جاهد هؤلاء في الترويج لدعوتهم الخبيثة جهاداً لاهثاً، وقد صانعهم وظاهرهم قوم أغبياء من أهل جلدتنا. ومما لا شك فيه أن طبعات بولاق من أصول التراث العربي في ذلك الوقت كانت خير وسيلة للوقوف في وجه تلك الأفكار، ثم إنها من وراء ذلك قد غذت عقول أرباب العلم وأهل الأدب، حين وضعت أمامهم زاداً شهيّاً من علوم الأوائل وآدابها، أعانهم على ما هم بسبيله من الإِبداع والإِحسان، فكانت البعث والتنوير الذي حمل لواءه رفاعة الطهطاوي ومحمود سامي البارودي، والشيخ حسين المرصفي، ومن سار في طريقهم. خامساً: أقدمت مطبعة بولاق في ذلك الزمان المبكر على طبع الموسوعات الضخمة ، مثل لسان العرب (٢٠) جزءاً، والأغاني (٢٠) أيضاً، وتفسير الطبري (٣٠) جزءاً. سادساً: حرصت مطبعة بولاق في كثير من منشوراتها على طبع كتاب أو أكثر بهامش الكتاب الأصلي . وهذه الظاهرة دالة بوضوح على أن القوم كانوا في سباق لنشر العلم والمعرفة.

стр. 418

سابعاً: لم تكن مطبوعات بولاق كلها على نفقة الدولة، ففد رأينا جهود الأفراد والجماعات وأموالهم وراء كثير من مطبوعات تلك المطبعة العتيقة ، وحديث هذا يطول جداً، ولكن حسبك أن تعلم أن طبعة "صحيح البخاري" العظيمة التي طبعتها بولاق سنة ١٣١٥ هـ- ١٨٩٧ م كانت على نفقة أحد التجار، وهو: محمد حسن عيد. المرحلة الثانية: مرحلة مطابع إدارات الجيش والمدارس الحكومية . وقد بدأت هذه المطابع نشاطها بعد قيام مطبعة بولاق بنحو عشرة أعوام، وقد دارت معظم مطبوعاتها حول الشؤون العسكرية والطبية والرياضية والجغرافية والهندسية، مع الإِلمام بشيء يسير من العلوم النظرية. ومن أشهر هذه المطابع: مطبعة ديوان الجهادية والمدفعية والحربية السلطانية والمدرسة الطبية بأبي زعبل، والمهندسخانة الخديوية ومدرسة الفنون والصنائع. المرحلة الثالثة: المطابع الأهلية وهي الصورة المكملة لمرحلة بولاق والماضية في طريقها. لقد سطع نور بولاق وتألق، ثم مد ظلاله على الأفراد والجماعات، فنشط هؤلاء وهؤلاء لطبع الكتاب العربي، مدفوعين بنفس الروح التي سرت في مطبعة بولاق، وحملت مطبوعاتها نفس السمات التي عرفت في مطبوعات بولاق. وقد انتشرت عشرات المطابع في قلب القاهرة، وبالأخص في تلك المنطقة المتصلة بالأزهر ودار الكتب المصرية، وهو أمر طبيعي أن تنشأ المطابع والمكتبات حول دور العلم والفكر، وإذا أنت وقفت في ذلك الزمان في ميدان باب الخلق، ونظرت عن يمينك وشمالك، ثم من قدامك ومن ورائك، ثم سرت في هذه الاتجاهات الأربعة رأيت أعداداً كثيرة من المطابع: في الأزبكية والفجالة وباب الشعرية وشارع محمد علي ودرب الجماميز (بور سعيد الآن) وشارع حسن الأكبر

стр. 419

وعابدين وشارع عبد العزيز ودرب سعادة والحسين والأزهر والموسكي والدّرّاسة والخرنفش والجمالية، ومن دور هذه الشوارع الكبيرة ومن خلالها انتشرت أيضاً عشرات المطابع. وهذه المناطق التي انتشرت فيها تلك المطابع الأهلية على ما وصفت لك لا تزيد على عشرة كيلومترات مربعة، فمن هذه المناطق المتجاورة المحدودة من قلب القاهرة: شوارع وحارات وأزقة، مع المنطقة الصغيرة التي تقع فيها مطبعة بولاق على ضفاف النيل؟ خرجت ثقافة العالم العربي والإِسلامي في القرن الماضي، فأي ضوء سطع، وأي نور أضاء؟ * * *

стр. 420

محمود محمد شاكر .. والتكريم المستحق (١) في مساء يوم الأربعاء الثامن والعشرين من شهر فبراير أقام اتحاد الناشرين المصريين والعرب حفلا ضخماً كرم فيه أوائل الناشرين، ثم جعل على رأس المكرمين علما من أعلام العربية وحارسا من حراسها الأوفياء في زماننا هو الأستاذ محمود محمد شاكر، وقد طلب إلي أن أقدم الأستاذ الجليل. فكانت هذه الكلمة: هذا شيخ العربية وحارسها: الإِمام أبو فهر محمود محمد شاكر ، نقف حوله في ليلة تكريمه، محفوفاً بالمهابة، ملففاً بالجلال، مصوناً في تلافيف القلوب، ويقف معنا ألوف الألوف من أعلام العرب وعلمائها، منذ أن نطق بالعربية ناطق وكتب بها كاتب إلى أن يأتي أمر ربك، وما كان ذلك إلا لأن كلام هذا الإِمام موصول بكلام الأوائل، منتزع منه، ودال عليه ومكمل له، وشيخنا - حرس الله مهجته - لا تخرم مشيته مشية واحد من علماء الصدر الأول. ولد شيخنا بمدينة الإِسكندرية يوم الاثنين العاشر من المحرم سنة ١٣٢٧ ه ـ - أول فبراير ١٩٠٩ م، ومنذ شب واستوى إلى يوم الناس هذا وهو يعيش حياة حافلة بالغرائب والعجائب. نعم لم يهدأ شيخنا يوماً واحداً خلال هذه الحياة المتطاولة، التي نرجو لها أن تمتد إن شاء الله، حياة صاخبة موَّارة شديدة الحركة. إن أقصى ما يعرفه كثير من الناس الآن - وبخاصة الشباب - عن أبي فهر أنه صاحب الخصومة مع الدكتور طه حسين حول قضية الشعر الجاهلي وحول المتنبِّي،

стр. 421

وصاحب الخصومة مع الدكتور لويس عوض حول أبي العلاء المعري والفتن الأخرى المنشورة في "أباطيل وأسمار"، ثم يعرفه المشتغلون بالدراسات الأدبية بقراءته الفذة وشرحه النفيس لطبقات فحول الشعراء لابن سلام، ودلائل الإِعجاز وأسرار البلاغة لعبد القاهر الجرجاني، ثم تحقيقه المعجب لتفسير الطبري وتهذيب الآثار، ويحمل بعضهم معرفته به في هذه العبارة الفضفاضة التي لا تدل على شيء "شيخ المحققين". والحقيقة أن الرجل وراء ذلك كله، وفوق ذلك كله، إنه تاريخ ضخم لرجل تنبه منذ طراءة الصبا وأوائل الشباب إلى هموم أمته وما يراد بها ويكاد لها، وقد فطن منذ عقل إلى أن الطريق الوحيد للتغيير هو العلم والمعرفة، فانصرف إليهما، ولم يشغل بغيرهما، ثم أخذ نفسه، بأسلوب صارم حازم، فقرأ القرآن صبياً، وأقبل على الشعر مبكراً، يحفظه لا كما يحفظه الناس: مقطوعات للإِنشاد والتسلي والمطارحة في المجالس، وإنما الشعر عنده باب العربية كلها، وقد قاده الشعر إلى كتب العربية كلها، فالمكتبة العربية كلها عند أبي فهر كتاب واحد، والعلوم عنده علم واحد، فهو يقرأ صحيح البخاري كما يقرأ الأغاني، ويقرأ كتاب سيبويه قراءته لمواقف عضد الدين الإِيجي، فهو بتعبيرنا المصري "خد البيعة على بعضها". وهكذا خالط أبو فهر العربية منذ أيامه الأولى ، وعرف مناهج الكتب والكتَّاب في مختلف فنون العربية، وخبر مصطلحات الأقدمين وأعرافهم اللغوية، وهذا فرق ما بينه وبين سواه، من الكتاب والنفاد، فأنت قد تجد ناقداً ذا ذوق وبصيرة، ولكن محصوله اللغوي على قدر الحاجة، وقد تصادفه جمع بين الذوق والبصيرة واللغة ولكن معارفه التاريخية لا تتجاوز الشائع العام الدائر على الألسنة، وقد تراه فاز من الثلاثة بأوفر الحظ والنصيب، ولكنك لن تجد عنده ما تجد عند أبي فهر من الأنس بالمكتبة العربية كلها في فنونها جميعها، ودوران هذه الفنون في فكره وقلبه. ولقد سارت حياة أبي فهر في طريقين استويا عنده استواء واضحاً عدلاً: الطريق الأول طريق العلم والمعرفة ، يعبّ منهما ولا يروى. والطريق الثاني التنبه الشديد لما يحاك لأمتنا العربية من كيد ومكر ،

стр. 422

وما يراد لثقافتها وعلومها من غياب واضمحلالى، وظل حياته كلها قائماً على حراسة العربية والذود عنها، يحب من أجلها ويخاصم من أجلها، وقد احتمل في حالتيه من العناء والمكابدة ما تنوء بحمله العصبة أولو القوة. وقد حارب أبو فهر في جهات كثيرة، وخاض معارك كثيرة: حارب الدعوة إلى العامية، وحارب الدعوة إلى كتابة اللغة العربية بحروف لاتينية، وحارب الدعوة إلى هلهلة اللغة العربية والعبث بها بحجة التطور اللغوي، وحارب الخرافات والبدع والشعوذة. وقد حارب في كل ذلك وحده غير متحيز إلى فئة، أو منتصر بجماعة، وهو صلب عنيد فاتك، ألقى الدنيا خلف ظهره ودبر أذنيه، فلم يعبأ بإقبالها أو إدبارها، واستوى عنده سوادها وبياضها. ولقد أقصي كثيراً عن محافل الأدب ومجالى الشهرة فلم يزده ذلك إلا إصراراً وثباتاً، ووقف وحده في ساحة الصدق شامخ الرأس مرفوع الهامة. * * *

стр. 423

النحو العربي .. والحِمى المستباح [١] (١) من أمثال العرب الشائعة قولهم: "ذكَّرتَني الطعن وكنتُ ناسيا"، ويضرب في الحديث يستذكر به حديث غيره، كما قال الزمخشري. وقال أبو هلال العسكري: يضرب مثلاً للشيء ينساه الإِنسان وهو محتاج إليه. وقد ذكرت ذلك حين قرأت في جريدة الأهرام ٢٦/ ٦/١٩٩٦ م مقالة للأستاذ الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، عنوانها: "حين يستوي الصمت والكلام" وقد أعاد في هذه المقالة كلاماً قديماً عن اللغة والنحو، كان قد كتبه في الأهرام أيضاً بتاريخ ٤/ ٣/١٩٩٢ و ٢٦/ ٨/١٩٩٢ م، وكنت قد رددت عليه في عددين من الهلال (نوفمبر - ديسمبر ١٩٩٢ م). راجع ما مضى ص ٢٠٦، ٢١٤). ويقول الأستاذ أحمد عبد المعطي حجازي في كلمته الأخيرة هذه: "وبعض الناس يظنون أن اللغة معناها النحو، ولهذا قد يستغربون هذه الضجة التي نثيرها؟ لأن القيامة في رأيهم لن تقوم إذا أخطأ أحدنا أو أخطأنا جميعاً، فجعلنا الفاعل منصوباً أو حتى مجروراً بدلاً من أن نجعله مرفوعاً كما يطالبنا النحاة به، والحقيقة أن هذا فهم بالغ السذاجة، فاللغة ليست النحو، والمبالغة في الاهتمام بالنحو ليست دائماً دليلاً على نهضة أدبية أو حاسة لغوية يقظة، بل ربما كانت بالعكس دليلاً على ضعف السليقة وانحطاط الملكة.

стр. 424

هكذا رأينا أن عصور الانحطاط التي شهدتها الآداب اليونانية في المرحلة الهلَِّينية أو السكندرية كانت مصحوبة بنشاط واسع لعلماء النحو والعروض، وكذلك في عصور الانحطاط التي شهدتها روما في القرن الرابع الميلادي، وكذلك في عصور الانحطاط التي شهدها الأدب العربي في العصر المملوكي، ففي ذلك العصر الذي تراجع فيه الشعر وتدهورت الكتابة ظهر ابن منظور وابن هشام". هكذا قال الأستاذ حجازي، وقد قرأت كلامه هذا أكثر من مرة، وأعطيته حظه من النظر والتأمل، ثم قلَّبته ظهراً لبطن، والتمست لكاتبه المعذرة، فما استقام على وجه، ولا كشف عن جديد مما يكتبه الأستاذ حجازي، وما يكتبه غيره الآن عن النحو، هذا العلم الذي هو مِلاك العربية وقِوامها، والذي يقول عنه أبو العباس ثعلب أحد أئمة العربية في القرن الثالث: "لا يصح الشعر ولا الغريب ولا القرآن إلا بالنحو، النحو ميزان هذا كله"، (مجالس ثعلب ص ٣١٠). وكان ينبغي على أبي العباس ثعلب أن يضيف: "ولا الفقه"، فقد قال أبو بكر الشنتريني من علماء القرن السادس: "ولقد رأيت جماعة من الفقهاء المتقدمين الذين لم يبلغوا درجة المجتهدين قد تكلموا في مسائل من الفقه فأخطأوا فيها، وليس ذلك لقصور افهماهم، ولا لقلَّة محفوظاتهم، ولكن لضعفهم في هذا العلم - يعني علم النحو - وعدم استقلالهم به"، تنبيه الألباب على فضائل الإِعراب ص ٦٣. كتاب سيبويه والقياس: ورُوي أن أبا عمر الجرمي - من نحاة القرن الثالث - قال: " أنا مذ ثلاثون سنة أفتي الناس في الفقه من كتاب سيبويه"، فحدَّث ابن شُقَير بهذا الحديث المبرد، على سبيل التعجب والإِنكار! فقال المبرد: "أنا سمعت الجرمي يقول هذا - وأومأ بيديه إلى أذنيه - وذلك أن أبا عمر الجرمي كان صاحب حديث، فلما علم كتاب سيبويه تفقه في الحديث، إذ كان كتاب سيبويه يُتعلَّم منه النظر والتفتيش"، (كتاب سيبويه ١/ ٥)، وروى ياقوت هذا الخبر برواية أخرى، "قال الجرمي: أنا منذ ثلاثين سنة أفتي الناس في الفقه من كتاب سيبويه، فقيل له: وكيف ذاك؟ قال: أنا رجل مكثر من

стр. 425

الحديث، وكتاب سيبويه يعلمني القياس، وأنا أقيس الحديث، وأفتي به"، (معجم الأدباء ص ١٤٤٣، طبعة د. إحسان عباس)، وهي أصح الطبعات. هذا وقد روى الزجاجي قصة تؤكد هذا الخبر، قال: " وكان أبو عمر الجرمي يوماً في مجلسه، وبحضرته جماعة من الفقهاء، فقال لهم: سلوني عما شئتم من الفقه، فإني أجيبكم على قياس النحو، فقالوا له: ما تقول في رجل سها في الصلاة، فسجد سجدتي السهو فسها؟ فقال: لا شيء عليه، قالوا له: من أين قلت ذلك؟ قال: أخذته من باب الترخيم، لأن المرخَّم لا يُرخَّم". ورويت هذه القصة أيضاً عن أبي زكريا الفراء، بإجابة أخرى شبيهة بالسابقة، وذلك قوله: "أخذته من كتاب التصغير؟ لأن الاسم إذا صُغِّر لا يُصغَّر مرة أخرى"، (مجالس العلماء للزجاجي ص ٢٥١، ٢٥٢). ومما ينبغي التنبه له أن بعض علماء الفقه كانوا يلجأون إلى بعض علماء النحو؟ ليضبطوا لهم بعض مسائلهم الفقهية، ومن ذلك ما ذكره السَّرخسي صاحب كتاب المبسوط، في أثناء شرحه لكتاب السير الكبير لمحمد بن الحسن الشيباني صاحب الإِمام أبي حنيفة، قال: "اعلم بأن أدق مسائل هذا الكتاب وألطفها في أبواب الأمان، فقد جمع بين دقائق علم النحو ودقائق أصول الفقه، وكان - أي محمد بن الحسن، يشاور فيها عليّ بن حمزة الكسائي رحمه الله تعالى، فإنه كان ابن خالته، وكان مقدماً في علم النحو"، شرح السير الكبير ١/ ٢٥٢. وفي مكتبتنا العربية كتاب حاشد، يدور حول ربط الففه بالنحو، هو كتاب: "الكوكب الدري في تخريج الفروع الفقهية على المسائل النحوية" لجمال الدين الإِسنوي، من علماء القرن الثامن. ولا أظنني بحاجة إلى الاحتشاد والاستشهاد على سلطان النحو على سائر علوم العربية، ودورانه في نسيج الثقافة العربية، فهذا شيء مسطور في الكتب، ومحفوظ في صدور الذين أُوتوا العلم، لكن لا بأس من الإِشارة إلى بعض الأمثلة التي تؤكد سلطان النحو على اللغة وعلى الفكر والفن معا، وهذه الأمثلة التي تأتيك أيها
следующие страницы →