وصاحب الخصومة مع الدكتور لويس عوض حول أبي العلاء المعري والفتن الأخرى المنشورة في "أباطيل وأسمار"، ثم يعرفه المشتغلون بالدراسات الأدبية بقراءته الفذة وشرحه النفيس لطبقات فحول الشعراء لابن سلام، ودلائل الإِعجاز وأسرار البلاغة لعبد القاهر الجرجاني، ثم تحقيقه المعجب لتفسير الطبري وتهذيب الآثار، ويحمل بعضهم معرفته به في هذه العبارة الفضفاضة التي لا تدل على شيء "شيخ المحققين".
والحقيقة أن الرجل وراء ذلك كله، وفوق ذلك كله، إنه تاريخ ضخم لرجل تنبه منذ طراءة الصبا وأوائل الشباب إلى هموم أمته وما يراد بها ويكاد لها، وقد فطن منذ عقل إلى أن الطريق الوحيد للتغيير هو العلم والمعرفة، فانصرف إليهما، ولم يشغل بغيرهما، ثم أخذ نفسه، بأسلوب صارم حازم، فقرأ القرآن صبياً، وأقبل على الشعر مبكراً، يحفظه لا كما يحفظه الناس: مقطوعات للإِنشاد والتسلي والمطارحة في المجالس، وإنما الشعر عنده باب العربية كلها، وقد قاده الشعر إلى كتب العربية كلها، فالمكتبة العربية كلها عند أبي فهر كتاب واحد، والعلوم عنده علم واحد، فهو يقرأ صحيح البخاري كما يقرأ الأغاني، ويقرأ كتاب سيبويه قراءته لمواقف عضد الدين الإِيجي، فهو بتعبيرنا المصري "خد البيعة على بعضها".
وهكذا خالط أبو فهر العربية منذ أيامه الأولى ، وعرف مناهج الكتب والكتَّاب في مختلف فنون العربية، وخبر مصطلحات الأقدمين وأعرافهم اللغوية، وهذا فرق ما بينه وبين سواه، من الكتاب والنفاد، فأنت قد تجد ناقداً ذا ذوق وبصيرة، ولكن محصوله اللغوي على قدر الحاجة، وقد تصادفه جمع بين الذوق والبصيرة واللغة ولكن معارفه التاريخية لا تتجاوز الشائع العام الدائر على الألسنة، وقد تراه فاز من الثلاثة بأوفر الحظ والنصيب، ولكنك لن تجد عنده ما تجد عند أبي فهر من الأنس بالمكتبة العربية كلها في فنونها جميعها، ودوران هذه الفنون في فكره وقلبه.
ولقد سارت حياة أبي فهر في طريقين استويا عنده استواء واضحاً عدلاً:
الطريق الأول طريق العلم والمعرفة ، يعبّ منهما ولا يروى.
والطريق الثاني التنبه الشديد لما يحاك لأمتنا العربية من كيد ومكر ،
стр. 422
وما يراد لثقافتها وعلومها من غياب واضمحلالى، وظل حياته كلها قائماً على حراسة العربية والذود عنها، يحب من أجلها ويخاصم من أجلها، وقد احتمل في حالتيه من العناء والمكابدة ما تنوء بحمله العصبة أولو القوة.
وقد حارب أبو فهر في جهات كثيرة، وخاض معارك كثيرة: حارب الدعوة إلى العامية، وحارب الدعوة إلى كتابة اللغة العربية بحروف لاتينية، وحارب الدعوة إلى هلهلة اللغة العربية والعبث بها بحجة التطور اللغوي، وحارب الخرافات والبدع والشعوذة. وقد حارب في كل ذلك وحده غير متحيز إلى فئة، أو منتصر بجماعة، وهو صلب عنيد فاتك، ألقى الدنيا خلف ظهره ودبر أذنيه، فلم يعبأ بإقبالها أو إدبارها، واستوى عنده سوادها وبياضها. ولقد أقصي كثيراً عن محافل الأدب ومجالى الشهرة فلم يزده ذلك إلا إصراراً وثباتاً، ووقف وحده في ساحة الصدق شامخ الرأس مرفوع الهامة.
* * *
стр. 423
النحو العربي .. والحِمى المستباح [١] (١)
من أمثال العرب الشائعة قولهم: "ذكَّرتَني الطعن وكنتُ ناسيا"، ويضرب في الحديث يستذكر به حديث غيره، كما قال الزمخشري.
وقال أبو هلال العسكري: يضرب مثلاً للشيء ينساه الإِنسان وهو محتاج إليه.
وقد ذكرت ذلك حين قرأت في جريدة الأهرام ٢٦/ ٦/١٩٩٦ م مقالة للأستاذ الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، عنوانها: "حين يستوي الصمت والكلام" وقد أعاد في هذه المقالة كلاماً قديماً عن اللغة والنحو، كان قد كتبه في الأهرام أيضاً بتاريخ ٤/ ٣/١٩٩٢ و ٢٦/ ٨/١٩٩٢ م، وكنت قد رددت عليه في عددين من الهلال (نوفمبر - ديسمبر ١٩٩٢ م). راجع ما مضى ص ٢٠٦، ٢١٤).
ويقول الأستاذ أحمد عبد المعطي حجازي في كلمته الأخيرة هذه: "وبعض الناس يظنون أن اللغة معناها النحو، ولهذا قد يستغربون هذه الضجة التي نثيرها؟ لأن القيامة في رأيهم لن تقوم إذا أخطأ أحدنا أو أخطأنا جميعاً، فجعلنا الفاعل منصوباً أو حتى مجروراً بدلاً من أن نجعله مرفوعاً كما يطالبنا النحاة به، والحقيقة أن هذا فهم بالغ السذاجة، فاللغة ليست النحو، والمبالغة في الاهتمام بالنحو ليست دائماً دليلاً على نهضة أدبية أو حاسة لغوية يقظة، بل ربما كانت بالعكس دليلاً على ضعف السليقة وانحطاط الملكة.
стр. 424
هكذا رأينا أن عصور الانحطاط التي شهدتها الآداب اليونانية في المرحلة الهلَِّينية أو السكندرية كانت مصحوبة بنشاط واسع لعلماء النحو والعروض، وكذلك في عصور الانحطاط التي شهدتها روما في القرن الرابع الميلادي، وكذلك في عصور الانحطاط التي شهدها الأدب العربي في العصر المملوكي، ففي ذلك العصر الذي تراجع فيه الشعر وتدهورت الكتابة ظهر ابن منظور وابن هشام".
هكذا قال الأستاذ حجازي، وقد قرأت كلامه هذا أكثر من مرة، وأعطيته حظه من النظر والتأمل، ثم قلَّبته ظهراً لبطن، والتمست لكاتبه المعذرة، فما استقام على وجه، ولا كشف عن جديد مما يكتبه الأستاذ حجازي، وما يكتبه غيره الآن عن النحو، هذا العلم الذي هو مِلاك العربية وقِوامها، والذي يقول عنه أبو العباس ثعلب أحد أئمة العربية في القرن الثالث: "لا يصح الشعر ولا الغريب ولا القرآن إلا بالنحو، النحو ميزان هذا كله"، (مجالس ثعلب ص ٣١٠).
وكان ينبغي على أبي العباس ثعلب أن يضيف: "ولا الفقه"، فقد قال أبو بكر الشنتريني من علماء القرن السادس: "ولقد رأيت جماعة من الفقهاء المتقدمين الذين لم يبلغوا درجة المجتهدين قد تكلموا في مسائل من الفقه فأخطأوا فيها، وليس ذلك لقصور افهماهم، ولا لقلَّة محفوظاتهم، ولكن لضعفهم في هذا العلم - يعني علم النحو - وعدم استقلالهم به"، تنبيه الألباب على فضائل الإِعراب ص ٦٣.
كتاب سيبويه والقياس:
ورُوي أن أبا عمر الجرمي - من نحاة القرن الثالث - قال: " أنا مذ ثلاثون سنة أفتي الناس في الفقه من كتاب سيبويه"، فحدَّث ابن شُقَير بهذا الحديث المبرد، على سبيل التعجب والإِنكار! فقال المبرد: "أنا سمعت الجرمي يقول هذا - وأومأ بيديه إلى أذنيه - وذلك أن أبا عمر الجرمي كان صاحب حديث، فلما علم كتاب سيبويه تفقه في الحديث، إذ كان كتاب سيبويه يُتعلَّم منه النظر والتفتيش"، (كتاب سيبويه ١/ ٥)، وروى ياقوت هذا الخبر برواية أخرى، "قال الجرمي: أنا منذ ثلاثين سنة أفتي الناس في الفقه من كتاب سيبويه، فقيل له: وكيف ذاك؟ قال: أنا رجل مكثر من
стр. 425
الحديث، وكتاب سيبويه يعلمني القياس، وأنا أقيس الحديث، وأفتي به"، (معجم الأدباء ص ١٤٤٣، طبعة د. إحسان عباس)، وهي أصح الطبعات.
هذا وقد روى الزجاجي قصة تؤكد هذا الخبر، قال: " وكان أبو عمر الجرمي يوماً في مجلسه، وبحضرته جماعة من الفقهاء، فقال لهم: سلوني عما شئتم من الفقه، فإني أجيبكم على قياس النحو، فقالوا له: ما تقول في رجل سها في الصلاة، فسجد سجدتي السهو فسها؟ فقال: لا شيء عليه، قالوا له: من أين قلت ذلك؟ قال: أخذته من باب الترخيم، لأن المرخَّم لا يُرخَّم".
ورويت هذه القصة أيضاً عن أبي زكريا الفراء، بإجابة أخرى شبيهة بالسابقة، وذلك قوله: "أخذته من كتاب التصغير؟ لأن الاسم إذا صُغِّر لا يُصغَّر مرة أخرى"، (مجالس العلماء للزجاجي ص ٢٥١، ٢٥٢).
ومما ينبغي التنبه له أن بعض علماء الفقه كانوا يلجأون إلى بعض علماء النحو؟ ليضبطوا لهم بعض مسائلهم الفقهية، ومن ذلك ما ذكره السَّرخسي صاحب كتاب المبسوط، في أثناء شرحه لكتاب السير الكبير لمحمد بن الحسن الشيباني صاحب الإِمام أبي حنيفة، قال: "اعلم بأن أدق مسائل هذا الكتاب وألطفها في أبواب الأمان، فقد جمع بين دقائق علم النحو ودقائق أصول الفقه، وكان - أي محمد بن الحسن، يشاور فيها عليّ بن حمزة الكسائي رحمه الله تعالى، فإنه كان ابن خالته، وكان مقدماً في علم النحو"، شرح السير الكبير ١/ ٢٥٢.
وفي مكتبتنا العربية كتاب حاشد، يدور حول ربط الففه بالنحو، هو كتاب: "الكوكب الدري في تخريج الفروع الفقهية على المسائل النحوية" لجمال الدين الإِسنوي، من علماء القرن الثامن.
ولا أظنني بحاجة إلى الاحتشاد والاستشهاد على سلطان النحو على سائر علوم العربية، ودورانه في نسيج الثقافة العربية، فهذا شيء مسطور في الكتب، ومحفوظ في صدور الذين أُوتوا العلم، لكن لا بأس من الإِشارة إلى بعض الأمثلة التي تؤكد سلطان النحو على اللغة وعلى الفكر والفن معا، وهذه الأمثلة التي تأتيك أيها
стр. 426
القارئ الكريم مما لا يتنبه له كثير من الناس؟ لأنها مطروحة في أخبار لا يقف الناس عندها كميراً: حكى المسعودي قال: "وذكر عمرو بن بحر الجاحظ في كتابه في تفضيل صنعة الكلام - وهي الرسالة المعروفة بالهاشمية - أن الخليل بن أحمد من أجل إحسانه في النحو والعروض وضع كتاباً في الإِيقاع وتراكيب الأصوات"، مروج الذهب ٤/ ٣٢٤.
أرأيت أيها القارئ العزيز، كيف قاد الإِحسان في النحو والعروض إلى الموسيقى؟ ولعل هذا خير تفسير لما قاله الأستاذ الكبير الدكتور مصطفى ناصف، فيما نقله الدكتور محمد حماسة عبد اللطيف في كتابه الجيد: النحو والدلالة، مدخل لدراسة المعنى النحوي الدلالي. يقول الدكتور مصطفى ناصف: "فالنحو ليس موضوعاً يحفل به المشتغلون بالمثل اللغوية، والذين يرون إقامة الحدود بين الصواب والخطأ، أو يرون الصواب رأياً واحداً، النحو مشغلة الفنانين والشعراء، والشعراء أو الفنانون هم الذين يهتمون بالنحو، أو هم الذين يبدعون بالنحو، فالنحو إبداع".
نعم النحو إبداع، ولا يعرف هذا إلا من قرأ القرآن الكريم قراءة تبصر وإحسان، ثم أطال النظر في كلام العرب: نثرها وشعرها، وصبر نفسه على قراءة الكتب والسَّير في دروبها، وحمل تكاليف العلم وأعبائه.
ونعم إن في النحو مناطق فن وإبداع، فإذا أنت تركت نحو الصنعة المتمثل في التعريفات والإِخراج بالمحترزات والحدود والقوالب والنظام والاطّراد، وما تقتضيه القسمة العقلية التي تفترض أشياء لا وجود لها؟ لاستواء الصنعة النحوية ليس غير، وسائر هذه الأمور التي جعلت أبا سعيد السيرافي يقول: "النحو منطق ولكنه مسلوخ من العربية، والمنطق نحو ولكنه مفهوم باللغة"، الإِمتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي ١/ ١١٥).
أقول: إذا أنت تركت هذا كله، وجئت إلى نحو التراكيب وبناء الجملة العربية وجدت ذلك النحو العربي الشامخ القائم على رعاية المعاني والدلالات، التي
стр. 427
خرجت بالنحو من دائرة القوالب والنظام والاطراد، إلى العلاقات بين أجزاء الكلام، وتلك المنادح الواسعة، من التقديم والتأخير، والحذف والتقدير، والإِضمار والفصل، والاتساع والحمل، والتضمين والجوار، والاستغناء ورعاية الظاهر واعتبار المحل، ومعاني الحروف والأدوات ووقوع بعضها موقع بعض، وتبادل وظائف الأبنية، ثم لغة الشعر التي يسمونها الضرائر.
مقتضى المعنى وحق الإِعراب:
وحين انفسحت هذه الآفاق أمام النحاة الأوائل فطنوا إلى ما قد يكون من تعارض بين مقتضى المعنى وحق الإِعراب، الذي هو أبرز شيء في الصنعة النحوية، فحاولوا الإِبقاء على الصنعة والنظام، مع إعطاء المعاني والدلالات حقها، وكان أبو الفتح ابن جني أسبق النحاة إلى هذا التوفيق، وقد عالجه في غير موضع من كتبه، وفي مقدمتها كتابه الفذ "الخصائص"، فعقد في ص ٢٧٩ من الجزء الأول منه بابا ًسمَّاه: (باب في الفرق بين تقدير الإِعراب وتفسير المعنى) قال فيه: "ألا ترى إلى فرق ما بين تقدير الإِعراب وتفسير المعنى، فإذا مر بك شيء من هذا عن أصحابنا، فأحفظ نفسك منه ولا تسترسل إليه، فإن أمكنك أن يكون تقدير الإِعراب على سمت تفسير المعنى، فهو ما لا غاية وراءه، وإن كان تقدير الإِعراب مخالفاً لتفسير المعنى، تقبلت تفسير المعنى على ما هو عليه، وصححت طريق تقدير الإِعراب، حتى لا يشذ شيء منها عليك، وإياك أن تسترسل فتفسد ما تؤثر إصلاحه".
وقال في (باب تجاذب المعاني والإِعراب) الخصائص ٣/ ٢٥٥: "هذا موضع كان أبو علي - الفارسي ﵀، يعتاده ويلم كثيراً به، ويبعث على المراجعة له، وإلطاف النظر فيه، وذلك أنك تجد في كثير من المنثور والمنظوم، الإِعراب والمعنى متجاذبين، هذا يدعوك إلى أمر، وهذا يمنعك منه، فمتى اعتورا كلاماً أمسكت بعروة المعنى، وارتحت لتصحيح الإِعراب".
ثم كانت القفزة الثانية في ربط معاني الكلام ودلالته بالنحو على يد الشيخ عبد القاهر الجرجاني في كتابه العظيم "دلائل الإِعجاز"، وكانت نظريته المعروفة في
стр. 428
النظم هي مجلى ذلك الربط، وبتأمل هذه النظرية نستطيع أن ندرك أن المنهج العقلي المحكم الذي سار عليه عبد القاهر "هو الذي قاده إلى اعتماد النحو التقعيدي (نحو الصنعة) أساساً لإِدراك القيمة الحقيقية للصياغة، وما يمكن أن يتيحه هذا النحو من إمكانات تركيبية تقترب من الإِنسان ومقاصده الواعية"، كما قال الدكتور محمد عبد المطلب في كتابه قضايا الحداثة عند عبد القاهر الجرجاني ص ٢٨٦.
ومما ينبغي التنبه له أن عبد القاهر الجرجاني هذا مع شهرته الواسعة في البلاغة بكتابيه دلائل الإِعجاز وأسرار البلاغة، يُعرف عند الأقدمين بعبد القاهر النحوي.
فهذا النحو القائم على رعاية التراكيب والدلالات في الكلام العربي الملفوظ والمكتوب هو النحو الذي ينبغي معرفته وتأمله والاستكثار منه؛ لأنه بهذا المفهوم مِلاك العربية وقِوامها، بل إنه كان يعبر عنه أحياناً في القديم بالعربية، حكى ابن جني عن أبي العباس ثعلب، قال: "وكان يعقوب - يعني ابن السكيت - وضيئاً عظيم الخَلْق، وكان ذكياً حافظاً عالماً بالشعر واللغة، صالح المعرفة بالعربية، وكان ابن قادم وغيره من أصحابنا يحتاجون إليه في الشعر واللغة، ويحتاج هو إليهم في العربية"، (الخاطريات ص ١٩٨)، وكذلك عبر ابن خلدون عن النحو بعلم العربية. (انظر: مقدمة ابن خلدون ص ٥٣٢).
وجهان للفعل الواحد:
ومن الشواهد على سلطان النحو على اللغة ما ذكره أبو حيان التوحيدي قال: "سمعت في مجلس أبي سعيد - يعني السيرافي - شيخا من أهل الأدب يقول: ومن الأفعال ما له وجهان، كشيء ينصرف على معنيين: مثل: أصاب عبدُ الله مالاً، وأصاب عبدَ الله مالٌ، إذا أصابه مال من قسمة، ووافق زيد حديثَنا، إذا صادفهم يتحدثون، ووافق زيداً حديثُنا، إذا سره وأعجبه، وأحرز زيدٌ سيفَه، إذا صانه في غمده، وأحرز زيداً سيفُه، إذا خلّصه من القتل وشبهه. ولو قلت: أحرز امرؤ أجلَه لم يجز؟ لأن الرجل لا يحرز أجله، ولكن أجله يُحرزه، إلا أن تذهب إلى قولك: أحرزت أجلي بالعمل الصالح.
стр. 429
ثم يقول أبو حيان: انظر - فديتك - إلى أثر النحو في هذا القدر اليسير، وتعجب عنده من أبي حنيفة الصوفي حين قال لك: إن الله أمرنا بالطاعة والإِيمان، وإنه لم يأمرنا بالنحو، وإلا فهاب أنه يدل على أنه أمرنا بأن نتعلم "ضرب عبد الله زيدا"، وقد رأيت روغانه عن تحصيل الحجة في معرفة ذلك: ألا يعلم أن الكلام كالجسم والنحو كالحلية وأن التمييز بين الجسم والجسم إنما يقع بالحلى القائمة والأعراض الحالّة فيه، وأن حاجته إلى حركة الكلمة بأخذه وجوه الإِعراب حتى يتميز الخطأ والصواب، كحاجته إلى نفس الخطاب، وليس على كلامه قياس، ولا في ركاكة بني جنسه التباس، وإنما غرَّه من هو أنقص منه فطرة، وأخس نظراً وفكرة، أتراه يصل إلى تخليص اللفظ المبني على معنى دون اللفظ المبنى على معنى آخر، إلا بحفظ الأسماء وتصريفها؟ أو تراه يقف على تحصيل المعنى المدفون في هذا اللفظ دون المعنى المدفون في هذا اللفظ إلَّا بتمييز وجوه حركات اللقط؟ "، (البصائر والذخائر ١/ ١٧٩ - ١٨٠).
وفي هذا النص - فوق ما أوردته له - إشارة إلى ضيق بعض الناس بالنحو من قديم، وهذا مما يرجع إلى ضعف الهمم وقصور الخطى ليس غير، على نحو ما قال ربنا : ﴿وإذ لم يهتدوا فسيقولون هذا إفك قديم﴾ [الأحقاف: ١١]، فما ينبغي أن يتخذ مثل ذلك حجة على اطراح النحو أو إهماله.
على أن مثل "أبي حنيفة الصوفي" هذا لا ينبغي أن يهتم برأيه في النحو واستصعابه له، وذلك لجهالة شأنه وخفوت ذكره، أما أن يأتي شاعر ضخم مثل الفرزدق فيسخر من قواعد النحو، فيما أجاب به عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي، في القصة المشهورة، وقوله: "علينا أن نقول وعليكم أن تتأولوا"، أو أن يؤثر عن الفيلسوف الشهير "ابن الراوندي - على زندقته وإلحاده - طعن في النحو ونقض على النحويين، فهذا الذي ينبغي الوقوف عنده والاحتفال به، وقد قلت رأيي في قصة الفرزدق تلك، في الهلال (ديسمبر ١٩٩٢ م)، وانتهيت يومئذ إلى أن قول الفرزدق وقول سواه من الشعراء الذين أظهروا سخطهم على النحو وقواعده إنما هو
стр. 430
من باب المعابثة والاستطالة بالذكاء، وكأنهم يريدون أن يقولوا: إن نحوكم أيها النحاة صنعة، ونحونا فطرة، وآية ذلك أن شعرهم الذي حمل سخريتهم من النحاة ليس فيه شيء خارج عن النظام النحوي، أو خارق لقواعده، وكأنها سخرية بالنحاة لا بالنحو.
ومع هذا المأثور عن الفرزدق من استخفافه بالنحاة وخروجه أحياناً قليلة عن النظام النحوي، فقد بقي جمهور شعره على الجادة النحوية، وظل مدداً ثريّاً للنحاة، ينتزعون منه شواهدهم في الدرس النحوي واللغوي والصرفي والصوتي.
وأما "ابن الراوندي" أحمد بن يحيى بن إسحاق (٢٩٨ هـ) الفيلسوف المعروف، والزنديق المجاهر بالإِلحاد، فقد عرف عنه الطعن على النحويين، وذلك ما ذكره أبو حيان التوحيدي قال: "وأما قوله - يعني أبا حنيفة الصوفي -: فقد نقض على النحويين ابن الراوندي نحوهم، فإنه ذاهب بهذا القول عن وجه الرشد؟ لأن ابن الراوندي لا يلحن ولا يخطئ، لأنه متكلم بارع، وجهبذ ناقد، وبحاث جَدِل، ونظار صبور، ولكنه استطال باقتداره على علل النحويين، ورآها مفروضة بالتقريب، وموضوعة على التمثيل؟ لأنها تابعة للغة جيل من الأجيال، ومقترنة بلسان أمة من الأمم، فلم يكن للعقل فيها مجال إلا بمقدار الطاقة في إيضاح الأمثال وتصحيح الأقوال"، (البصائر والذخائر ١/ ١٨١).
وهذا النص مهم جدا، وهو شاهد صريح على ما قلته أنا منذ أربع سنوات بمجلة الهلال، من أن الذين يهاجمون النحو قديماً لا يلحنون ولا يخطئون، وإنما هو الضيق بنحو الصنعة ليس غير، و "علل النحويين" التي ذكرها أبو حيان، إنما هي من أبرز نحو الصنعة، ومن التوافق العجيب أن هذا النص الشاهد لما قلته قد جاء فيه لفظ "الاستطالة" أيضاً، وقد استعملته أنا وصفاً لموقف الفرزدق من النحاة، واستعمله أبو حيان وصفاً لموقف ابن الراوندي من النحاة أيضاً.
وضح إذن أن النحو نحوان: نحو الصنعة، ونحو التراكيب، فالأول هو النظام
стр. 431
والقواعد والتعريفات والقوالب، وما صحب ذلك كله من العلة والعامل، ولبعض خلق الله الحق في أن يضيقوا بالنحو على هذا الوصف؟ لأن فيه أحياناً ما يكد الذهن ويصدع الرأس، مع ما في بعض النحويين قديماً وحديثاً من ثقل وغثاثة، ولكنه على كل حال علم ينبغي أن يعرف ويحاط به.
والنحو الثاني: نحو التراكيب، وهو الذي اتكأ على النظام وانطلق منه إلى إدراك العلائق بين أجزاء الكلام، وتلك المنادح الواسعة التي ذكرتها من قبل، وهذا تستطيع أن تدركه من أول كتاب سيبويه إلى النحو الوافي لعباس حسن، على تفاوت بين النحاة في ذلك، وتستطيع أن تدركه أيضاً في كتب أعاريب القرآن وتوجيه القراءات السبع والعشر والشواذ، وشروح الحديث النبوي وفي شروح الشعر وكتب الأمثال وعلوم البلاغة. والنحو بهذا الوصف لا يصح أن يُطعن فيه أو يُنتقص منه، لأن الطاعن فيه منتقص للعربية كلها، ذاهب عنها جميعها.
ومن أعجب العجب أننا لا ننتبه لمناطق العظمة في تراثنا إلا إذا نبَّهنا إليها غيرنا من الطارئين على ثقافتنا وفكرنا، وهم طائفة من المستشرقين الجادين الذين عملوا بإخلاص وتفان في الكشف عن كنوزها وإبرازها، فحين التفتوا إلى ابن جني وعبقريته الفذة التفتنا نحن أيضا إليه، ويوم أن خرج اللغوي الأمريكي المعاصر "تشومسكي" بنظريته في النحو التحويلي التوليدي، وما قاله عن "البنية العميقة" و "البنية السطحية" فرح كثير من المشتغلين بالدراسات النحوية عندنا، وقالوا: إن ذلك يتشابه مع كثير مما قدمه النحويون العرب القدماء في معالجتهم لتفسير الجمل في العربية، وجهد بعضهم في المقارنة بين جهود عبد القاهر الجرجاني وجهود تشومسكي في هذا السبيل، ويرد الدكتور محمد حماسة عبد اللطيف ذلك فيقول: "ومهما تكن أسباب هذا التشابه أو التقارب في أسس المعالجة فإنه ينبغي ألا نعد ذلك من جانبنا شهادة للنحو العربي، بل قد أبالغ فأقول وبغير تواضع كاذب أو إدعاء خادع إن العكس هو الصحيح، أي أن هذا التقارب أو التشابه قد يعد شهادة لنظرية تشومسكي"، (من الأنماط التحويلية في النحو العربي ص ٦).
стр. 432
اللغة ليست هي النحو:
وإذ قد فرغت من التفرقة بين نحو الصنعة الذي هو النظام، ونحو التراكيب الذي هو التراكيب والعلاقات بين أجزاء الكلام، أعود إلى ما كتبه الأستاذ الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، وأول ما يلقانا من كلامه - حفظه الله - قوله: "وبعض الناس يظنون أن اللغة معناها النحو، ولهذا قد يستغربون هذه الضجة التي نثيرها؟ لأن القيامة في رأيهم لن تقوم إذا اخطأ أحدنا أو أخطأنا جميعاً، فجعلنا الفاعل منصوباً أو حتى مجروراً، بدلاً من أن نجعله مرفوعاً، كما يطالبنا النحاة".
وأقول: إما أن اللغة ليست هي النحو، فهذا صحيح، وقد قاله أهل العلم من قديم، ومن أقرب ما قاله القدماء قول أمير المؤمنين يحيى بن حمزة العلوي اليمني (٧٤٥ هـ)، قال في كتابه الطراز ٣/ ٤٤٢: "إن المقاييس النحوية تابعة للأمور اللغوية، فيجب تنزيلها على ما كان واقعاً في اللغة، فإذا ما ورد ما يخالف الأقيسة النحوية من جهة الفصحاء، وجب تأويله، ويُطلب له وجه في مقاييس النحو، ولا يجوز رده لأجل مخالفته للنحو".
ومع استقلال اللغة عن النحو وتبعيته لها، فإن له سلطاناً بضوابطه الإِعرابية على دلالات اللغة، وقد مر بك كلام ذلك الأديب، الذي حكاه أبو حيان.
أما قول الأستاذ حجازي عن بعضهم: "إن القيامة لن تقوم إذا جعلنا الفاعل منصوباً أو حتى مجروراً، بدلاً من أن نجعله مرفوعاً كما يطالبنا النحاة"، فالأمر في العلامة الإِعرابية ليس بهذه السهولة وذلك اليسر، والذين يقولون هذا إنما يستشهدون بجملة مثل "جاء محمد" ويقولون: إن الفاعل معروف، سواء سكَّنَا الدال او رفعناها أو نصبناها أو جررناها، وهو كلام ركيك، لأن جملة كهذه لا تكاد توجد، لا في الفصحى ولا في العامية، فالذي يستعملها فصيحة لا بد أن يضم الدال، ولا يُسَكَنها إلا إذا وقف على الدال، أما في العامية - وبخاصة العامية المصرية - فلا يكاد الناس يستعملون في هذا الموضع إلا الجملة الاسمية "محمد جه" وعلى لهجة أهل دمياط وما حولها "إجَهْ " وفيها قلب مكاني، مثل جذب وجبذ، وأرانب وأنارب ومسرح ومرسح.
стр. 433
والعلامة الإِعرابية هي قضية القضايا في النحو العربي بقسميه: نحو الصنعة ونحو التراكيب، وقد أكثر الدارسون القدامى والمحدثون من الكلام عنها، وعن العامل الذي جلبها، وهل هو عامل لفظي أو معنوي، مما لا يتسع المقام هنا لبسطه وشرحه، ومن أجمع ما كتب فيها كتاب: "العلامة الإِعرابية في الجملة بين القديم والحديث"، للدكتور محمد حماسة عبد اللطيف.
وهذه العلامة هي إحدى القرائن النحوية، ومهما اختلف الدارسون في وضع هذه العلامة مع القرائن الأخرى، سبقاً أو توسطاً أو تأخراً، فلن يستطيع الدارس المستند إلى قراءة واسعة في كتب النحو وفي غير كتب النحو، أن يغفل أثر هذه العلامة، وأنها أحياناً تكون حاسمة في تحديد المعاني والدلالات، لا يشركها معها غيرها، ولا يقوم شيء مقامها، وأمثلة ذلك مما يطول به الكلام جداً، وأظن أنه لا يخفى على القارئ اختلاف الدلالة في قوله تعالى: ﴿أن الله برئ من المشركين ورسوله﴾ [التوبة: ٣]، برفع اللام وجرها من (رسوله) وكذلك اختلاف تقدير عدد النسوة في قولنا: "جاء سبعة رجال ونسوة" بين جر "نسوة" ورفعها، فإذا قلنا و "نسوة " بالجر، كان عددهن سبعاً، لأن "نسوة" حينئذ تكون معطوفة على "رجال" وهم سبعة، وإذا قلنا "نسوة" بالرفع، كانت على الابتداء، والخبر محذوف، وتقدير الكلام "ونسوةٌ لا يعلم عددهن".
سأترك هذا وأشباهه لأذكر مثالين اثنين على الإِعراب وأثره في توجيه المعنى، وعلى المعنى وأثره في توجيه الإِعراب، وإنما ذكرت هذين المثالين لأن الناس لا تلتفت إليهما ولا تقف عندهما.
الفرق بين الرفع والنصب:
المثال الأول، ذكره ابن هشام في المغني ٢/ ٥٢٨: "قال الشَلوْبين (٦٥٤ هـ): حُكي لي أن نحويّاً من كبار طلبة الجُزُولي سُئل عن إعراب (كلالة) من قوله تعالى: ﴿وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة﴾ [النساء: ١٢]، فقال: أخبروني ما
стр. 434
الكلالة؟ فقالوا: الورثة إذا لم يكن فيهم أب فما علا، ولا ابن فما سفل. فقال: فهي إذن تمييز". قال ابن هشام: "وتوجيه قوله أن يكون الأصل: وإن كان رجل يرثه كلالة، ثم حُذف الفاعل وبُني الفعل للمفعول، فارتفع الضمير واستتر، ثم جيء بكلالة تمييزا"، ثم عقب ابن هشام برأيه في المسألة.
أما المثال الثاني: فهو ما ذكره معربو القرآن الكريم في الفرق بين الرفع والنصب في جواب "ماذا" من قوله تعالى: ﴿وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين﴾ [النحل: ٢٤]، وقوله تعالى: ﴿وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا﴾ [النحل: ٣٠]، وواضح هنا أن سياق الآيتين واحد، في (قيل) المبني للمجهول، ثم في صورة السؤال (ماذا أنزل ربكم)، ومع ذلك فقد جاء الجواب في الآية الأولى برفع (أساطير)، وفي الثانية بنصب (خيراً).
وتوجيه الرفع في (أساطير) أنه خبر لمبتدأ محذوف، تقديره "هو"، أما توجيه النصب في (خيراً) فهو أنه مفعول به لفعل محذوف، تقديره "أنزل".
قال المعربون: وإنما قُدر في الأول "هو" ولم يُقدر "أنزل"، لأن الآية إخبار عن الكافرين، والكافر جاحدٌ لإِنزال القرآن، وإنما هو عنده كذب وأساطير، كما حكى القرآن عنهم في قوله تعالى: ﴿وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهى تملى عليه بكرة وأصيلا﴾ [الفرقان: ٥]، وقدَّر في الثاني "أنزل" لائه من جواب المؤمنين بأن القرآن منزل من عند الله.
قال الزمخشري عقب تلاوة الآيتين: "فإن قلت: لِمَ نصب هذا ورفع الأول؟ قلت: فصلاً بين جواب المُقِرّ وجواب الجاحد، يعني أن هؤلاء لما سُئلوا لم يتلعثموا، وأطبقوا الجواب على السؤال بيناً مكشوفاً مفعولاً للإِنزال فقالوا خيراً: أي أنزل خيراً، وأولئك عدلوا بالجواب عن السؤال، فقالوا: هو أساطير الأولين، وليس من الإِنزال في شيء"، (الكشاف ٢/ ٤٠٧).
فهذا أثر العلامة الإِعرابية في تحديد الدلالة والفصل بين المعاني، وسوف تقوم
стр. 435
القيامة فعلاً في هذا ونحوه لو رفعنا ما حقه النصب، أو نصبنا ما حقه الرفع. وترى لذلك نظائر كثيرة في الشعر، وفي غيره من مأثور كلام العرب.
ثم يقول الأستاذ الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي: "والمبالغة في الاهتمام بالنحو ليست دائماً دليلاً على نهضة أدبية أو حاسة لغوية يقظة، بل ربما كانت بالعكس دليلاً على ضعف السليقة وانحطاط الملكة، هكذا رأينا أن عصور الانحطاط التي شهدتها الآداب اليونانية في المرحلة الهللينية أو السكندرية كانت مصحوبة بنشاط واسع لعلماء النحو والعروض، وكذلك في عصور الانحطاط التي شهدتها روما في القرن الرابع الميلادي ... "، ويجيء بعد ذلك كلام نستبقيه إلى حين.
ضعف الحجة:
وهذا كلام غريب حقّاً، وبدءة ذي بدء، فليس صحيحاً ولا عدلاً أن نضع نحو أولئك القوم وعروضهم بإزاء نحونا وعروضنا، فالجهة منفكة كما يقول أهل المنطق. فإن الأمر على نحو ما قال أبو عمرو بن العلاء: "ما لسان حِمْير وأقاصي اليمن اليوم بلساننا ولا عربيتهم بعربيتنا".
على أن الزج بهذه الكلمات: الآداب اليونانية، والمرحلة الهللينية والسكندرية، وروما في القرن الرابع ... كل ذلك وأشباهه مما يلقيه الكاتب إلى القارئ أو السامع -وبخاصة المبتدئ- فيهزه هزاً، ثم يدهشه ويرعش عقله ويخيفه (ويخضه) فتضعف حجته في الرد عليه أو دفعه لو وجد إليهما سبيلاً، على ما جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما: "ونصرت بالرعب مسيرة شهر".
ثم نعود إلى كلام الأستاذ حجازي الذي يقول إن المبالغة في الاهتمام بالنحو ليست دائماً دليلاً على نهضة أدبية ... إلى آخر ما قال وانتهى إليه من أن الاهتمام بالنحو دليل على ضعف السليقة وانحطاط الملكة.
وليس بيننا وبين الأستاذ حجازي إلا التاريخ نلوذ به ونحتكم إليه: تاريخ نشأة
стр. 436
النحو وتاريخ الاهتمام به، ولنترك ونحن بسبيل ذلك القرن الأول وما قيل عن وضع النحو على يد أبي الأسود الدؤلي بإشارة من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ففي تلك الحقبة بعض غموض لا يُفضي إلى الاطمئنان إلى رأي، ولنقفز إلى القرن الثاني، حيث نلقى الخليل بن أحمد، عبقري العربية، وتلميذه سيبويه الذي ترك لنا كتاباً مكتملاً محكماً لا سبيل إلى الطعن فيه أو الغض منه. وتوفي سيبويه على الأرجح سنة (١٨٠ هـ) فكان هذا القرن الثاني هو بداية التصنيف النحوي الذي مهد لما بعده، فجرى الناس في أثره، ولنأخذ القرنين التاليين: الثالث والرابع وننظر في حال النحو في هذه القرون الثلاثة معاً: تأليفاً ومدارسة واهتماماً، وإنما اخترت تلك القرون الثلاثة لأنها تمثل البداية والتدرج والنضج، وسوف ننظر بعد ذلك في حال اللغة والأدب في تلك القرون الثلاثة أيضاً، لنرى أثر الاهتمام بالنحو فيها علواً أو انحطاطاً وفق رؤية الأستاذ حجازي.
على أنه مما ينبغي التذكير له انه كان هناك اهتمام بالنحو في القرنين الأول والثاني قبل ظهور كتاب سيبويه، ولكنه كان اهتماماً بالنحو، لا من حيث هو علم ذ وقوانين وضوابط، ولكن من حيث الاستعانة به في محاصرة اللحن الذي بدا يطغى ويفشو نتيجة اختلاط اللسان العربي بغيره من ألسنة الأمم الوافدة على المجتمع العربي، ونستطيع أن نقول: إن النحو في تلك الفترة المبكرة كان نحو السليقة والفطرة العربية المتوارثة، وهي تلك السليقة التي عبر عنها الشاعر بقوله:
ولستُ بنحوي يلوك لسانَه ... ولكن سليقيٌّ أقول فأُعربُ
وأخبار التصدي للحن ومحاصرته في ذلك الزمان المبكر كثيرة، من أبرزها خبران يتصلان بلحنين وقعا من شخصيتين كبيرتين، لم يمنع مركزهما الاجتماعي من تنبيههما على ما وقعا فيه من خطأ:
الخبر الأول: ما وقع من الحجاج بن يوسف الثقفي "وقد سأل يحيى بن يعمر: أتسمعني ألحن؟ قال: حرفاً، قال: أين؟ قال: في القرآن، قال: ذلك أشنع له! فما هو؟ قال: تقول: ﴿قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وأزواجكم وعشيرتكم
стр. 437
وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله﴾ [التوبة: ٢٤]- قرأها برفع (أحبُّ) وحقها النصب لأنها خبر كان - قال الحجاج: لا جَرَم، لا تسمع لي لحناً أبداً، فألحقه بخراسان"، (طبقات فحول الشعراء لابن سلام ص ١٣)، كأن الحجاج غَضِبَ فنفاه.
والخبر الثاني: عن الأخفش، قال: كان أمير البصرة يقرأ: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي) [الأحزاب: ٥٦]، برفع (ملائكتُه) فمضيت إليه ناصحاً له، فزبرني وتوعدني، وقال: تُلَحِّنون أمراءَكم.
وفي رواية أن اللاحن كان محمد بن سليمان الهاشمي أمير البصرة أيضاً، وأنه رضي عن الأخفش لتنبيهه إياه، وأجازه. (إنباه الرواة للقِفطي ٢/ ٤١).
وقد قلت إن القرون (الثاني والثالث والرابع) تمثل بداية التأليف في النحو وتدرجه ونضجه، ففي القرن الثاني ظهر كتاب سيبويه الرائد، وفي القرن الثالث جاء أبو بكر بن السراج بكتابه الأصول، الذي قيل فيه: "كان النحو مجنوناً حتى عقَله ابن السراج بأصوله". وفي القرن الرابع جاء العَلَم الضخم أبو علي الفارسي، إمام الصناعة النحوية، وتلميذه العبقري أبو الفتح ابن جني، وفي وسط هؤلاء الأعلام ظهر نحاة كثيرون، في البصرة والكوفة وبغداد والشام ومصر والأندلس.
وفي تلك القرون الثلاثة ظهر النحو ظهوراً بيناً على ساحة الفكر العربي، وأخذ الاهتمام به أشكالاً كثيرة: تآليف في النحو خالصة، وأعاريب للقرآن الكريم، وكتباً في توجيه قراءاته والاحتجاج لها، مثل: معاني القرآن للفراء (٢٠٧ هـ) - والمعاني في ذلك الوقت يراد بها الإِعراب - ومجاز القرآن لأبي عبيدة (٢١٠ هـ) ومعاني القرآن للأخفش (٢١٥ هـ) ومعاني القرآن للزجاج (٣١١ هـ) وإعراب القرآن للنحاس (٢٣٨ هـ) والحجة للقراء السبعة لأبي علي الفارسي (٣٧٧ هـ) والمحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات لابن جني (٢٩٣ هـ).
ثم تجلى الاهتمام بالنحو أيضاً في شروح الشعر الجاهلي والإِسلامي، وقد
стр. 438
عُنِيت هذه الشروح عناية فائقة بالنحو، مثل شروح الأصمعي، وأبي نصر الباهلي وابن السّكّيت وأبي العباس ثعلب، وأبي العباس الأحول، وأبي بكر بن الأنباري، وأبي سعيد السكري.
مظاهر الاهتمام بالنحو:
ومن وراء ذلك كله كان هناك مظهر رابع للاهتمام بالنحو، وهو تلك المجالس التي كانت تعقد بين عالمين أو أكثر من علماء النحو واللغة، وقد عُرفت بالمجالس النحوية، ومن أشهرها مجلس سيبويه مع الكسائي، حول المسألة الزنبورية: "كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور، فإذا هو هي، أو فإذا هو إياها"، وقد حضرها هارون الرشيد.
وقد جمع هذه المجالس - التي بلغت ١٥٦ مجلساً - أبو القاسم الزجاجي، في تأليف مستقل، باسم: مجالس العلماء، نشرها شيخنا عبد السلام هارون، برَّد الله مضجعه.
أرأيت اهتماماً بالنحو أكثر من هذا؟
البقية في المقال القادم.
* * *
стр. 439
النحو العربي .. والحِمى المستباح [٢] (١)
الاهتمام بالنحو كان متزامناً مع النهضة العامة التي كانت آخذة في النمو والاتساع ، في علوم العرب وفنونها في ذلك الزمان، لكن التركيز هنا يكون على النهضة اللغوية والنهضة الأدبية اللتين يرى الأستاذ حجازي أنهما لا يجتمعان مع الاهتمام بالنحو:
فالعلماء الرواة يغدون ويروحون لمشافهة الأعراب في البوادي، وكذلك رواة الشعر وجامعوه في نشاط دائب، واللغة تدوَّن في تلك الرسائل الصغار القائمة على الأجناس، مثل كتب خَلْق الإِنسان والبهائم والحشرات والخيل والإِبل والنخل والنبات والمطر والسحاب واللبن، والمذكر والمؤنث، ثم تظهر المعاجم في ذلك الوقت المبكر، مثل العين للخليل بن أحمد أو الليث بن المظفر، وكتاب الجيم لأبي عمرو الشيباني.
ثم يتجه التأليف اللغوي وجهة أخرى، فينهض العلماء إلى تنقية اللغة، فيما عُرف بلحن العامة، وقد جاء ذلك صريحاً فيما صنفه الكسائي من "لحن العامة" أو ما جاء ضمناً كالذي صنعه ابن السكيت في "إصلاح
стр. 440
المنطق "، وما صنعه ابن قتيبة في "أدب الكاتب".
أما النهضة الأدبية المواكبة لذلك الاهتمام النحوي في القرون الثلاثة المذكورة، فلست أعرف سبيلاً للتدليل عليها، ولا أحسب أن الأستاذ حجازي يخفى عليه مكان هذه الكتب واجتماع النحو واللغة والأدب فيها: البيان والتبيين للجاحظ، وعيون الأخبار لابن قتيبة، والكامل للمبرد، وأمالي أبي علي القالي، ويبرز كتاب الكامل من بين هذه الكتب، بعنايته الفائقة بالنحو.
أما الشعر والشعراء فلا يخفى تألفهما في تلك القرون الثلاثة التي اهتم فيها أهل العلم بالنحو، وهاتان قائمتان بأبرز النحاة وابرز الشعراء الذين تعاصروا في ذلك الزمان، أسوقهما تذكرة للمبتدئين، أما أهل العلم فهم أقدر مني على معرفة ذلك:
النحاة: سيبويه (١٨٠ هـ)، الكسائي (١٨٩ هـ)، الفراء (٢٠٧ هـ)، المبرد (٢٨٦ هـ)، ثعلب (٢٩١)، الزجاج (٣١١ هـ)، ابن السراج (٣١٦ هـ)، السيرافي (٣٦٨ هـ)، أبو علي الفارسي (٣٧٧ هـ)، ابن خالويه (٣٧٠ هـ)، ابن جني (٣٩٢ هـ).
الشعراء: بشار بن برد (١٦٧ هـ)، أبو نواس (١٩٨ هـ)، مسلم بن الوليد المعروف بصريع الغواني (٢٠٨ هـ)، أبو العتاهية (٢١١ هـ)، أبو تمام (٢٣١ هـ)، ابن الرومي (٢٨٣ هـ)، البحتري (٢٨٤ هـ)، ابن المعتز (٢٩٦ هـ)، المتنبى (٣٥٤ هـ)، أبو فراس الحمداني (٣٥٧ هـ)، الشريف الرضي (٤٠٦ هـ).
ومن المعروف أنه كانت هناك خصوصية بين بعض هؤلاء النحاة وبعض هؤلاء الشعراء، أذكر منها ما كان بين أبي العباس المبرد والشاعرين البحتري وابن الرومي، فالبحتري يدعو المبرد إلى حضور مجلسه على النهر، في قصيدة يقول فيها:
ودوام المُدام يُدْنيك ممَّن ... كأن تهوى وإن جفاك الحبيبُ
فائتنا يا محمد بن يزيد ... في استتار كي لا يراك الرقيبُ
стр. 441
ثم يمدحه بشعر آخر، يقول فيه:
ما نال ما نال الأمير محمد ... إلا بيمن محمد بن يزيد
ديوان البحتري ص ١٣٢، ٧٧٤ (تحقيق حسن كامل الصيرفي).
وابن الرومي يمدح المبرد أيضاً في قصيدة طويلة، بلغت عدة أبياتها (٩٨) بيتاً، يقول في أولها:
طرقت أسماء والركبُ هُجودُ ... والمطايا جُنْجُ الأوزارِ قُودُ
ديوان ابن الرومي ص ٧٥١ (تحقيق د. حسين نصار).
ثم أذكر أيضاً الخصوصية التي كانت بين ابن خالويه وأبي فراس الحمداني، وقد شرح ابن خالويه ديوانه الذي نشره الدكتور سامي الدهان.
ومن أشهر الصلات بين نحوي وشاعر ما كان بين أبي الفتح ابن جني وأبي الطيب المتنبي، فقد اجتمعا معاً في بلاط سيف الدولة بن حمدان بحلب، وفي مجلس عضد الدولة بن بويه بشيراز، وكانا يتبادلان الإِعجاب، ويتقارضان الثناء، وكان المتنبي يقول عن ابن جني: "هذا رجل لا يعرف قدره كثير من الناس"، وكان إذا سئل عن شيء من دقائق النحو والتصريف في شعره يقول: "سلوا صاحبنا أبا الفتح"، ثم كان إذا سئل عن معنى قاله، أو توجيه إعراب حصل فيه إغراب دل عليه، وقال: "عليكم بالشيخ الأعور ابن جني فسلوه، فانه يقول ما أردت وما لم أرد".
الاستشهاد بالشعر:
وأما ابن جني فقد كان يُجلُّ المتنبي، وهو أول من شرح ديوانه، وقد شرحه شرحين: أحدهما كبير يسمَّى: "الفسر" أي التفسير، وقد طبع جزء منه بتحقيق الدكتور صفاء خلوصي، والشرح الآخر صغير يسمَّى: "الفتح الوهبي على مشكلات المتنبي"، وقد طبع في جزء واحد بتحقيق الدكتور محسن غياض.
ومن وراء ذلك فقد كان ابن جني يثني على أبي الطيب ويستشهد بشعره، متجاوزاً بذلك ما حدده متشدِّدو النحاة من الوقوف بالاستشهاد عند الشاعر
стр. 442
إبراهيم بن هَرْمة (١٧٦ هـ) ومما قاله ابن جني في ذلك عندما استشهد بشعر المتنبي: "ولا تستنكر ذكر هذا الرجل -وإن كان مولَّداً- في أثناء ما نحن عليه من هذا الموضع وغموضه ولطف متسربه، فان المعاني يتناهبها المولَّدون كما يتناهبها المتقدمون "الخصائص ١/ ٢٤ ومن أقواله فيه أيضاً: "وحدثني المتنبي شاعرنا، وما عرفته إلا صادقاً"، الخصائص ١/ ٢٣٩، "وذاكرت المتنبي شاعرنا نحواً من هذا"، الخصائص ٢/ ٤٠٣، وكان يفاوضه في أمور من النحو والصرف، منها قوله: "ودار بيني وبين المتنبي في قوله "وقلنا للسيوف هَلُمُّنا" كلامٌ فيه طول" سر صناعة الإِعراب ص ٧٢٢.
وحين مات المتنبي رثاه ابن جني بقصيدة أولها:
غاض القريض وأودت نضرة الأدب ... وصوَّحت بعد ريّ دوحة الكتب
فهل تصدق بعد ذلك ما يقال عن عداوة ومُدابرة بين النحاة والشعراء؟
ثم هل بقي بعد ذلك موضع لقول الأستاذ الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي: "والمبالغة في الاهتمام بالنحو ليست دائماً دليلاً على نهضة أدبية أو حاسة لغوية يقظة، بل ربما كانت بالعكس دليلاً على ضعف السليقة وانحطاط الملكة"، هل بقي موضع لهذا الكلام؟ إلا أن يكون الأستاذ حجازي يريد نحواً آخر، وأدباً آخر غير اللذين يعرفهما الناس في تراثنا العربي.
كلام فظيع جداً:
ثم نأتي إلى أخطر شيء في كلام الأستاذ الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، وهو قوله في سياق الحديث عن عصور الانحطاط التي يسود فيها الاهتمام بالنحو والعروض، يقول: "وكذلك في عصور الانحطاط التي شهدها الأدب العربي في العصر المملوكي، ففي ذلك العصر الذي تراجع فيه الشعر وتدهورت الكتابة ظهر ابن منظور وابن هشام". انتهى كلام الأستاذ حجازي بنصه وفصِّه، وهو كلام فظيع جداً، مفزع جداً، وهو فظيع جداً، ومفزع جداً؟ لأنه دال بصريح اللفظ على أن ابن منظور
стр. 443
وابن هشام آيتان من آيات الضعف، ومظهران من مظاهر الانحطاط.
وأنا أسأل الشاعر الكبير، وأقول له: من أنبأك هذا؟ ثم ما هي جريرة ابن منظور وابن هشام عندك حتى تهوي بهما إلى مكان سحيق من التخلف والانحطاط؟ أهو شيء استنبطته أنت بقراءاتك، وقامت لك شواهده، ولمعت أمامك أدلته، فنبئنا بتأويله؟ أم هو كلام سقط إليك مما نقرأه من البلايا التي تصب علينا هذه الأيام، تريد أن تغتال تاريخنا اغتيالاً، تحت شعار: تنوير العقل العربي؟ فدُلَّنا على مصدر هذا الكلام، واخرج من العُهدة فيه.
وابن منظور هنا: هو جمال الدين أبو الفضل محمد بن مكرم بن علي الأنصاري الإِفريقي المصري، ينتهي نسبه إلى الصحابي الجليل رُوَيْفع بن ثابت، والإِفريقي في نسبه معناها التونسي، فقد كانت إفريقية في ذلك الزمان يراد بها تونس الآن.
ولد ابن منظور يقيناً بالقاهرة سنة ٦٣٠ هـ، ونشأ بها وتعلم وصنّف، وتوفي بها أيضاً سنة ٧١١ هـ، وخلاصة أمره أنه كان مشتغلاً بالأدب نظماً ونثراً، مع معرفة بالنحو واللغة والتاريخ، وتولى وظيفة كاتب الإِنشاء بالدولة، وكان كثير النسخ ذا خط حسن.
وقد عُرف ابن منظور باختصاره للكتب، فاختصر كتاب الأغاني، وهذبه ورتبه على الحروف، وقد طبع هذا المختصر في ثماني مجلدات.
ومن الكتب التي اختصرها ابن منظور أيضاً: الحيوان للجاحظ، وزهر الآداب للحُصري، ويتيمة الدهر للثعالبي، والذخيرة لابن بسام، ونشوار المحاضرة للتنوخي، وتاريخ بغداد للخطيب، والذيل عليه لابن النجار، وصفة الصفوة لابن الجوزي، ومفردات ابن البَيطار، وسرور النفس بمدارك الحواس الخمس للتيفاشي، نشره الدكتور إحسان عباس، وتاريخ مدينة دمشق لابن عساكر، ويقوم على تحقيقه الآن الدكتور رضوان السيد الأستاذ بالجامعة اللبنانية.
стр. 444
وقد تغيَّا ابن منظور من تأليف معجمه هذا غايات، أبَنْت عنها في مقالة لي بالهلال (مارس ١٩٩٢ م)، لكني أستأذن قارئي الكريم في أن أعيد ذكر غاية واحدة من تلك الغايات - لاتصالها بموضوعنا الآن - وهي غاية قومية وطنية، باعثها الغَيرة على العربية والعصبية لها، بعد أن أطرح بعض الناس الحديث بالعربية وهجروها إلى اللغة الأعجمية، وهي التركية في ذلك الزمان.
اختلاف الألسنة:
يقول ابن منظور في مقدمة اللسان: "وذلك لما رأيته قد غلب في هذا الأوان من اختلاف الألسنة والألوان، حتى لقد أصبح اللحن في الكلام يعد لحناً مردوداً، وصار النطق بالعربية من المعايب معدوداً، وتنافس الناس في تصانيف الترجمانات في اللغة الأعجمية، وتفاصحوا في غير اللغة العربية، فجمعت هذا الكتاب في زمن أهله بغير لغته يفتخرون، وصنعته كما صنع نوح الفُلك وقومه منه يسخرون".
فهذا حديث ابن منظور، سقته على سبيل الوجازة والاختصار. .
أما حديث ابن هشام فمُجمل القول فيه أنه: جمال الدين أبو محمد عبد الله بن يوسف بن أحمد ... ابن هشام الأنصاري المصري، ولد بالقاهرة سنة (٧٠٨ هـ) وتوفي بها سنة (٧٦١ هـ)، حصّل علوم العربية، واشتغل بالتدريس والإِقراء، وصنف تصانيف كثيرة، جمهورها في علم النحو، وقد بلغت تآليفه فيه نحو (٣٠) مصنفاً، ما بين رسالة صغيرة، إلى كتاب كبير، ومن أشهرها: الإِعراب عن قواعد الإِعراب، وقطر الندى وبل الصدى، وشذور الذهب، وأوضح المسالك، وشرح ألفية ابن مالك، المسمَى أوضح المسالك. ويأتي على رأس مصنفاته النحوية كلها: كتابه الماتع: "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب"، وهو الذي يقول عنه ابن خلدون: "ووصل إلينا بالمغرب لهذه العصور ديوان من مصر منسوب إلى جمال الدين بن هشام من علمائها، استوفى فيه أحكام الإِعراب مجملة ومفصلة، وتكلم على الحروف والمفردات والجمل، وحذف ما في الصناعة من المتكرر في أكثر أبوابها، وسمَاه بالمغني في الإِعراب".
стр. 445
وكان ابن خلدون قد وصف أمر ابن هشام على الجملة، فقال وهو يتحدَّث عن صعوبة تحصيل علم من العلوم من جميع جهاته، والإِحاطة به كله، ومثَّل لذلك بعلم العربية، وهو علم النحو، فقال في سياق حديث طويل: "كيف يُطالَب به المتعلم وينقضي عمره دونه، ولا يطمع أحد في الغاية منه إلا في القليل النادر، مثل ما وصل إلينا بالمغرب لهذا العهد من تأليف رجل من أهل صناعة العربية، من أهل مصر، يعرف بابن هشام، ظهر في كلامه فيها انه استولى على غاية من ملكة تلك الصناعة، لم تحصل إلا لسيبويه وابن جني وأهل طبقتهما لعظم ملكته وما أحاط به من أصول ذلك الفن وتفاريعه وحس تصرفه فيه، ودل على أن الفضل ليس منحصراً في المتقدمين"، المقدمة ص ٥٣٢.
(تحقيق):
شاعت عن ابن خلدون في حق ابن هشام كلمة تناقلها مترجموه، وهي قوله: "ما زلنا ونحن بالمغرب نسمع أنه ظهر بمصر عالم بالعربية، يقال له ابن هشام، انحى من سيبويه "، ولم أجد هذه الكلمة بسياقها هذا وحروفها في مقدمة ابن خلدون، وإن كان الكلام الذي نقلته من المقدمة يؤول إليها ويدلُّ عليها. وقد تتبعت الكلمة فوجدت أن الذي ذكرها بهذا النسق والسياق: هو ابن حجر العسقلاني، في ترجمة ابن هشام من الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ٢/ ٤١٦، ويلاحظ أن ابن حجر صدَّر هذه الكلمة بقوله: "قال لنا ابن خلدون " فهو سماع إذن، وقد ذكر شمس الدين السخاوي في الضوء اللامع لأهل القرن التاسع ٤/ ١٤٨، أن ابن حجر اجتمع بابن خلدون مراراً، وسمع من فوائده.
تعمق مذهب النحاة:
ويقول أستاذنا الدكتور شوفي ضيف عن ابن هشام: "وقد تحوَّل يتعمَّقُ مذاهب النحاة، وتمثلها تمثلاً غريباً نادراً، وهي مبثوثة في مصنفاته مع مناقشتها وبيان الضعيف منها والسديد، مع إثارته ما لا يحصى من الخواطر والآراء في كل ما يناقشه وكل ما يعرضه"، ويقول أيضاً عن مصنَّفاته: "وهو يمتاز فيها جميعاً بوضوح عبارته،
стр. 446
مع الأداء الدقيق إلى أبعد حدود الدقة، مسهباً مطنباً، أو موجزاً مجملاً"، المدارس النحوية ص ٣٤٦، ٣٤٧.
فهذا ابن هشام يراه الأستاذ أحمد عبد المعطي حجازي مظهراً من مظاهر الضعف والانحطاط، ويراه ابن خلدون وشوفي ضيف: محيي صناعة النحو في تلك العصور الوسطى بعدما كادت تؤذن بالذهاب، وأنه قرين سيبويه وابن جني، وأنه قد تعمق مذاهب النحاة وتمثلها ثم أحسن عرضها ومناقشتها ... وهذا على نحو ما قال ربنا : ﴿إنهم يرونه بعيداً * ونراه قريبا) [المعا رج: ٦، ٧].
وهذا ابن منظور يراه الأستاذ حجازي مظهراً من مظاهر الانحطاط والضعف أيضاً، ويراه أهل العلم بالعربية صاحب أول معجم عربي كبير، جمع جذور اللغة العربية بمناهج المعاجم المختلفة "لسان العرب" تذكره ولا تصفه، لأنه أحد معالم حضارتنا العربية.
على أن للقضية وجهاً آخر، هو ما ذكره الأستاذ حجازي ويذكره غيره من الدارسين الجامعيين وغير الجامعيين، من وَسْم العصر المملوكي بالانحطاط والتخلف لضعف الأدب والشعر فيه. ورد هذا الكلام ونقضه في غير هذا المكان، لكني أشير هنا إلى أنه لولا ما صنعه ابن منظور وابن هشام ومن إليهما من لغويي ونحاة وعلماء القرن الثامن (وهو العصر المملوكي) من هذه الأعمال الموسوعية لضاع علم كثير، ولضعفت ذاكرة الأمة العربية ثم تلاشت، وهو (الدور) العظيم الذي اضطلعت به مصر والشام في ذلك الوقت غداة سقوط بغداد، وإيذان شمس الأندلس بالغروب، فكانت القاهرة ودمشق ملاذاً وملجأً لعلماء بغداد والأندلس، فواصلوا المسيرة التي بدأوها في بلدانهم قبل أن تغشاها النوائب، وشاركوا قرناءهم من علماء مصر والشام في تلك الأعمال التجميعية الضخمة، كابن منظور وابن هشام وصلاح الدين الصفدي، وشمس الدين الذهبي، وشيخ الإِسلام ابن تيمية، وأبي الحجاج المزي، وأبي حيان الأندلسي، وابن سيد الناس اليعمري، وشهاب الدين النويري، صاحب "نهاية الأرب في فنون الأدب" الذي يقول فيه المستشرق فازيليف: "إن نهاية
стр. 447
الأرب على الرغم من تأخر عصره يحوي أخباراً خطيرة عن صقلية، نقلها عن مؤرخين قدماء لم تصل إلينا كتبهم، مثل ابن الرقيق وابن رشيق وابن شداد وغيرهم".
فما ينبغي أن تكون بعض مظاهر الضعف في الشعر والكتابة الأدبية في العصر المملوكي، صارفة الأنظار عن مظاهر الحضارة العربية في ذلك العصر، فلنكف إذن عن ثَلْب هذا العصر وتجريحه. ومرة أخرى: لولا ابن منظور وابن هشام وأشباههما من الحَفَظة لضاع الإِرث والورثة، ولم يجد الأستاذ حجازي عربية يقيم بها لسانه، وينسج بها شعره.
وليعلم الشاعر الكبير أن مكانته العالية التي اقتعدها في دنيا الشعر في زماننا هذا ليست مؤهلة له لأن يذهب هذه المذاهب في دنيا اللغة والنحو، فاللغة بحر لا ساحل له، والنحو صعب وطويل سُلَّمه، ولست آمن إذا ظل الشاعر الكبير ماضياً في هذا الطريق: طريق الجرأة على اللغة والنحو، لست آمن أن يقوم له أحد المعيدين الصغار الذين تخصصوا في هذين العلمين، فيقعد له كل مرصد، ويأتيه من كل مكان، حتى ينفض كلامه عُروة عُروة، "وأول راض سنة من يسيرها" كما يقول خالد بن زهير الهذلي.
هجوم وازدراء:
على أن هذا الذي ذكره الأستاذ أحمد عبد المعطي حجازي عن النحو العربي إنما هو نفخٌ في نار خامدة، شبَت في العقود الأخيرة من هذا القرن ثم طَفِئَت، ثم شبت ثم طفئت ... وهكذا، على نحو ما قال ربنا سبحانه: ﴿كلما خبت زدناهم سعيرا﴾ [الإِسراء: ٩٧].
وإذا كانت ثقافة هذه الأمة العربية كلها قد تعرضت للتنقص والتجريح، كقولهم في تفسير القرآن إن به إسرائيليات، وقولهم في الحديث إن به وضعاً وضعفاً، وإن في الشعر انتحالاً، وفي الأدب ذاتية، وفي البلاغة تكلفاً وزخارف وأصباغاً ... إلى آخر هذا الكلام المعاد المموج، فإن النحو العربي قد ذهب بالهجوم كله وبالازدراء كله.
стр. 448
على أن أغرب ما في الأمر انه قد صار (مَلْطَشَة) يتكلم فيه من يعرف ومن لا يعرف، فإن بعض الذين يكتبون عن النحو الآن لا صلة لهم به، لا من قريب ولا من بعيد، وإنما هي نُقُول ومتابعات ينقلها لاحق عن سابق، ثم ينسبها إلى نفسه ويتنفَّخ بها على خلق الله، وهذا هو الزور بعينه، على ما جاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما: "المتشبّع بما لم يُعْطَ كلابس ثوبي زور"، وهكذا تسير الأمور، وكأن الأمر في الكتابة عن النحو قد صار (على المشاع).
ومن ذلك ما كتبه الأستاذ بدر نشأت في الأهرام ٥/ ٧/١٩٩٦ م بعنوان: "بين فصحى نعرفها وعامية نجهلها"، وفي هذه الكلمة ترديد لأقوال السابقين، مع تخليط كثير، وجرأة عجيبة، من مثل قوله: "إن القراءة الصحيحة السليمة تفتقد السرعة والمباشرة، فالقراءة بالتنوين تطيل الوقت، وتضاعف جهود النطق، وهي أمور ما عادت تتفق وإيقاع العصر وتتعارض مع النزوع البشري المطرد إلى الاقتصاد في الجهد والوقت، فاللغة كائن حي، لا بد لها من أن تلاحق إيقاع الحياة وتتكيف معه".
وأنا لا أفهم معنى القراءة بالتنوين هذه؟ هل التراكيب النحوية كلها تجري في نطقها على التنوين؟ فما بال الأسماء التي لا يجتمع معها التنوين، مثل الأسماء المعرّفة بأل، والأسماء المعربة المضافة، والأسماء المبنية، والأسماء الممنوعة من الصرف، والمثنى والمجموع؟ ثم ما بال الأسماء الموقوف عليها؟
ويقول الأستاذ بدر نشأت أيضاً: "ويجب أن يعلم النحويون عندنا أن علم النحو العربي يحتاج في كثير منه إلى صياغة جديدة، فقد قام على رؤية معيارية، وعمد إلى الافتراض، واستنباط القواعد التي تضبط الجانب الكتابي، وأهمل الجانب الصوتي الذي هو موطن اللغة الأصلي، وهو ما أدى إلى ما نشكو منه اليوم من تعقيد في اللغة العربية".
وهذا كلام مكرور ومُعاد، أعرف منابته ومغارسه، كما قالت العرب في
стр. 449
أمثالها: "شِنْشِنَةٌ أعرِفها من أخْزَم "، ولا تغرنك هذه العبارات: "إيقاع العصر، واللغة كائن حي، وصياغة النحو صياغة جديدة ... "، أفبعد أربعة عشر قرناً من جهود الرجال الكبار تطلب للنحو صياغة جديدة؟ (صياغة إيه يا راجل؟ وحِّد الله وصل على اللي حيشفع فيك! ).
ولا بأس علينا إن شاء الله من الإِلمام بشيء من العامية، فإنها تحلو في هذا الموضع، ولا تقوم الفصحى مقامها، وأيضاً فإن ذلك من باب المناسبة أو المشاكلة، كما يقول علماء البلاغة؟ لأن الأستاذ بدر نشأت قصاص بارع، ومكانه في الأدب معروف، وما زلت أذكر مجموعته القصصية الجيدة التي نشرها في الخمسينات "مساء الخير يا جدعان"، وقد مزج فيها بين الفصحى والعامية مزجاً رائعاً، مع تطويعه العامية المصرية لبعض المحسنات البديعية، كالجناس والتورية، على نحو ما كان يفعل الشاعر العظيم فؤاد حداد، ﵀، لكن أن يسلُك الأستاذ بدر نشأت تلك الدروب الضيقة في النحو والصرف واللغة، فهذا ما لا يجمل به، ولا يحسن منه.
أقول قولي هذا، وأنا أعلم يقيناً أننا جميعاً أصحاب هذه اللغة، لنا أن نتحاور حولها، وأن نبدي الرأي فيها، لكن الأمر مشروط بتقدم الأهلية وامتلاك الأدوات، كما قالت العرب في أمثالها: "ثَبَّت نَسَباً واطلُبْ ميراثاً".
ويبدو لي أن مجال الحديث مع من يهاجمون النحو العربي ينبغي أن يأخذ منحى آخر، ففي نيتي إن شاء الله أن اسأل من يكتب عن النحو الآن جملة من الأسئلة، فمثلاً أقول له: ماذا تعرف عن نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة؟ ماذا قرأت من كتب النحو الأولى؟ وماذا في مكتبتك الخاصة منها؟ ثم اسأله عن طائفة من المصطلحات النحوية التي تدور في كتب القوم، وبعد ذلك أضع أمامه بعض أبيات من الشعر وقطعة من النثر، وأطلب إليه أن يقرأ هذا وذاك قراءة صحيحة أو مقاربة، فإن جاءت الإِجابة على ذلك كله وَفق المراد، قلت: أجل ونعمى عين، هات ما عندك، ومددت حبال الحديث بيني وبينه، وإن تعثر وكبا
стр. 450
قلت: حسبك فقد سقطت مؤونة الكلام بيني وبينك، فأنت غريب المحل، ناء عن الديار.
ثم أزيدك عجباً أيها القارئ الكريم - ومن يعش ير عجباً، كما قالت العرب - أن النحو العربي الآن يهاجم أيضاً من بعض الإِسلاميين الذين يصرخون ليل نهار، دفاعاً عن الإِسلام وخوفاً عليه، ولكن كيف يهاجم هؤلاء النحو؟ سمعت كبيراً منهم في محفل عام يقول: "إن المسلمين الأوائل شُغلوا بإعراب القرآن عن تطبيقه"، وقد غَفَل هذا الغبي - نستغفر الله من فاحش القول - عن أن كثيراً من كلام ربنا لا يُفهم ولا يطبق إلا إذا عُرف وجهه النحوي الصحيح، والأمثلة من ذلك كثيرة لا أريد أن أطيل بذكرها، وقد ذكرت شيئاً منها في صدر كلمتي.
وما بقي إلا الإِشارة إلى أن النفخ في نار الهجوم على النحو العربي في هذه الأيام، إنما خرج من كير الزميل العزيز الدكتور أحمد درويش، الذي كتب خمس مقالات بجريدة الأهرام أيضاً، اختار لها عنواناً جذاباً هو "أنقذوا اللغة من أيدي النحاة"، وفي هذا العنوان من الإِثارة وفتح الشهية ما ترى.
وأخطر ما في كلام الزميل العزيز أنه استطال فيه بذكائه، واحتشد له بتلك المصطلحات والتراكيب التي تخطف بصر القارئ وتهزه هزاً وتخيفه و (تَخُضُّه) على ما وصفت من كلام الأستاذ أحمد عبد المعطي حجازي من قبل. وهو نمط من الكلام إن أعجب بعض الناس فإنه عند كثير منهم خفيف هين، كما قال الشاعر: "وخمرُ أبي الرَّوْقاءِ ليست تُسْكِر".
وليس من همي هنا أن أنقض كلام الزميل العزيز أو أرده، فلذلك موضع آخر، لكني أريد أن أذكره فقط بأن هذا النحو القديم الذي سخر منه ومن أعلامه، ثم دعا إلى إنقاذ اللغة منه ومنهم: هو الذي أنطق لسانه وفجَّر بيانه؟ فإن الزميل العزيز ممن ينتمون إلى جيل الحفظة: حفظة المتون، فقد التقى وهو في طراءة الصبا ثم في ميعة الشباب بالتحفة السنية شارحة الآجرومية، وتنقيح الأزهرية وقطر الندى وشذور
стр. 451
الذهب وابن عقيل وأوضح المسالك، ولو أن زميلنا العزيز تعلم النحو بعيداً عن هذه الكتب، ووفق منهجه الذي يقترحه اليوم لما استقام له بيان، ولا نهضت له حجة.
وهذا الإِعلال والإِبدال الذي يهزأ به زميلنا العزيز: هو الذي أعانه على معرفة المعجم العربي، بمعرفة الزوائد والأصول في الأبنية العربية، ولولا هذا الإِعلال والإِبدال ما عرف أن "تراث" من "ورث" وأن ميناء من "وَنَى"، وأن "تترى" من "وتر" ... وهلم جرّا. فهذا موضع المثل "أكلاً وذماً".
وما ينبغي أن يكون في تسويغ الزميل العزيز لكلامه أنه يغار على النحو العربي، وأنه يريد له أن ينهض من كبوته، ويقوم من عثرته، لا ينبغي أن يقول هذا؟ لأنه نَقَب نقباً وأباح حمى، فاتكأ بعض الناس على ما قاله في مقالاته الخمس، واندفع يميناً وشمالاً، يحارب بسيفه وينزع عن قوسه، فالزميل العزيز شريك في هذه الحملة الشرسة على النحو العربي، شاء أم أبى، على ما قال الشاعر:
فإلاَّ يكونوا قاتليه فإنه ... سواء علينا مُمْسِكاهُ وضارِبُه
ولو لم يكن إلا الوفاء لهذه السنوات التسع التي قضاها الأستاذ الدكتور أحمد درويش بالأزهر الشريف، فملأت شرايينه بدم العربية، وكست عظمه لحم الفصحى، لكان في ذلك ما يزعه عن الهجوم على النحو العربي، الذي هو ملاك العربية وسلطانها.
إن الأيام الأولى عزيزة علينا، نحرص عليها، ونذود عنها، ونفخر بها، أليس كذلك يا دكتور؟
ولشد ما يعجبني ويؤنسني كلام الأستاذ الشاعر محمد إبراهيم أبو سنة، الذي ما يفتأ يذكر فضل الأزهر عليه، وعلى لسانه، فيقول: "كانت دراستي في الأزهر قد أمدتني بفيض من الأبيات المتناثرة في كتب النحو والبلاغة، وأصبح الشعر هم الليل والنهار"، تجربتي مع الإِبداع (الهلال يونيه ١١٩٤ م)، وأشار إلى مثل هذا أيضاً في الأهرام ٢٥/ ٦/١٩٩٦ م.
стр. 452
وبعد ...
فقد كتب الأستاذ الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي كلامه هذا الذي أدرت عليه مقالتي، بجريدة الأهرام، يوم ٢٦/ ٦/١٩٩٦ م، وتأخر ردي عليه إلى هذا الوقت، لأني كنت أريد أن أمهد له العذر، لعله يستدرك ما فرط منه، أو يفسر ما أشكل على الناس من كلامه، ولم يفعل الأستاذ حجازي شيئاً من ذلك، ولكنه على العكس حشد في صفحته في الأسابيع التي أعقبت مقالته، طائفة من كتابات القراء: رِضا عما كتب، وحفاوة بما قال! ولله الأمر من قبل ومن بعد.
* * *
стр. 453
هل أدلّكم على تجارة ؟ (١)
مؤسسة الفرقان للتراث الإِسلامي بلندن - وراعيها معالي الشيخ أحمد زكي يماني - ومركز جمعة الماجد للثقافة والتراث بدبي، وجائزة الملك فيصل العالمية، وجائزة محمد حسن فقي الشعرية، وجائزة سلطان بن علي العويس بالشارقة، ومؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإِبداع الشعري بالكويت، وجائزة الشيخ عبد الله مبارك الصباح للآداب والفنون بالكويت: نجوم تلألأت في سماء الثقافة العربية، فبددت ظلمة غشيت أمتنا العربية، أطبقت عليها زمناً، وصيحات دوت في سمع الدنيا، فحركت جسداً خامداً ظنوا أنه ميت وما هو بميت، ولو قدر لهذه الجهود الطيبة الراشدة أن تنمو وتطرد، وألا تقف في أوائل الطريق أو منتصفه لكان الحال غير الحال.
ولما كانت هذه الشموس قد طلعت في أفق الجزيرة العربية ودول الخليج العربي، فقد يسرع إلى الخاطر أن هذا البذل وذلك السخاء مرتبطان بتلك الثروة البترولية التي أفاءها الله على القوم في العقود الخمسة الأخيرة، وهذا سبب معين بلا شك، ولكن ليس هو كل الأسباب، فإن الله جلت قدرته وعظمت حكمته حين يسَّر لتراث العربية من نذروا أنفسهم لتصنيفه وجمعه وتسجيله، في جهاد دائب لم تشهده أمة من الأمم، ولم تعرفه ثقافة من الثقافات، قد تمم الفضل وأكمل النعمة بأن هيأ لذلك التراث أيضاً من عملوا على نشره وإذاعته، وتكريم أهله، والأخذ بأيديهم، لا يضنون بجهد أو مال، فقد وقف كثير من أهل اليسار والسعة وراء أهل العلم،
стр. 454
وجعلوا من أموالهم نصيباً مفروضاً لطبع الكتب وتعميم النفع بها.
ومنذ منتصف القرن التاسع عشر الميلادي بدأ نهر الخير يتدفق على يد هؤلاء الأثرياء الأبرار الذين سعوا في طبع أصول الكتب العربية، ولن يتسع المقام هنا لذكر أولئك الأثرياء، فلنكتف بأبرزهم، وأولهم: العلامة أبو الطيب صديق بن حسن بن علي بن لطف الله الحسيني القِنَّوْجي البخاري، وهو أحد رجال النهضة الإِسلامية المجددين، وصاحب المؤلفات الشهيرة: الدين الخالص، وأبجد العلوم، والتاج المكلل من جواهر مآثر الطراز الآخر والأول، وكان هذا الرجل مع اشتغاله بالعلم والتصنيف ميسوراً صاحب ثروة، ففد تزوج بملكة بهوبال، فعظم شأنه وكثرت ثروته، وقد كان من فضل الله على هذا الرجل أن وفقه لأن يطبع على نفقته أعلى كتاب في شروح الحديث، وهو "فتح الباري بشرح صحيح البخاري" للحافظ ابن حجر العسقلاني المصري الشافعي.
ومن هذه الطائفة النبيلة: أحمد بك أحمد الحسيني الشافعي المحامي، المولود بالقاهرة سنة ١٢٧١ هـ= ١٨٥٤ م، اشتغل بالمحاماة ونبغ فيها، ثم انقطع للتأليف، فكانت له رسائل معظمها في الفقه الشافعي. وقد أنفق هذا السري النبيل الكثير على طبع كتاب "الأم" للإِمام محمد بن إدريس الشافعي، وقد سمعت من مشايخي من أهل العلم، وعلماء المخطوطات أن السيد أحمد الحسيني هذا، باع "عزبة" من أملاكه للإِنفاق على طبع كتاب "الأم".
ومن وراء هذين الاسمين الكبيرين نرى أسماء كثيرة مضت في ذلك الطريق العظيم.
ولم يقف الأفراد وحدهم لطبع الكتب على نفقتهم، فقد رأينا في ذلك الزمان قيام جماعات من أهل العلم ومحبيه لنشر الكتب الموسوعية، نذكر منها جمعية المعارف بمصر، التي أسسها محمد عارف باشا عام ١٨٦٨ م، وقد وصل أعضاء هذه الجمعية إلى "٦٦١" عضواً، وشركة طبع الكتب العربية سنة ١٨٩٨ م. بل إن جماعة من أهل الخير في مكة المكرمة قد نشطوا للإِنفاق على طبع كتاب خزانة الأدب
стр. 455
لعبد القادر البغدادي، وهو أكبر وأهم كتاب في شرح شواهد العربية. وقد تم طبع هذا الكتاب بمطبعة بولاق سنة ١٢٩٩ هـ= ١٨٨٢ م، وجاء في أربعة أجزاء ضخام، وطبع بهامشه كتاب شرح الشواهد الكبرى لبدر الدين العيني.
وهذه أسماء أهل مكة الذين ساهموا في طبع هذا الكتاب الجليل، كما ذكرها مصحح الكتاب الشيخ محمد قاسم، قال: "هذا وكان حسن طبعه وزهر ثمر طلعه على ذمة عصابة أجلة نبلاء، لهم في نشر العلوم والمعارف اليد البيضاء، فاستحقوا بذلك الثناء الجميل. وهاك مقادير حصصهم على هذا التفصيل: فقيراط ونصف لتاج المفتين حضرة الفاضل الشيخ عبد الرحمن سراج، مفتي بلد الله الأمين، وثلاثة قراريط لحضرة العلامة الشيخ عبد الرحمن الشيبي عمدة الأماثل، وقيراط ونصف للسامي الماجد حضرة الشيخ أحمد المشاط عين الأماجد، وثلاثة قراريط لذي القدر السني حضرة الحاج عبد الواحد الميمني، وثلاثة قراريط لذي المورد الهني حضرة الحاج حسين بن عبد الله الميمني، وستة قراريط لذي المشرب الأدبي حضرة الفاضل الشيخ عبد الله ابن الشيخ محمد الباز الكتبي، وستة قراريط للمستعين بربه الغني حضرة الحاج أبي طالب الميمني".
وهنا تنبيهان: الأول: أن مصحح الكتاب لم يذكر أن هؤلاء الأعلام من أهل مكة المكرمة، ولكني عرفتهم من خلال إقامتي بالبلد الحرام، ورأيت أسماءهم تتردد في سلسلة أبنائهم وأحفادهم وعائلاتهم.
والثاني: أن هؤلاء الرجال المكيين الذين أنفقوا على طبع الكتاب سنة ١٢٩٩ هـ= ١٨٨٢ م، لم ينفقوا عليه من عائد البترول، فلم يكن البترول قد عرف يومئذ بتلك البلاد، فالأمر راجع إلى عزائم الرجال لا إلى كثرة الأموال.
وهكذا اجتمع على طبع التراث العربي بمصر، في أواخر القرن التاسع عشر، الهندي والمصري والحجازي والحضرمي، وغيرهم ممن لم يبلغنا خبره، وهو تجمع عربي إسلامي شامخ، قبل أن تكون للعرب جامعة، وقبل أن يوجد للإسلام منظمة.
стр. 456
نهر العطاء:
وعوداً على بدء، فإن هؤلاء الأثرياء النبلاء من أهل الجزيرة العربية والخليج الذين بدأت بهم حديثي، موصولون بنهر العطاء الذي شقه أهل الخير والفضل من أمتنا العربية والإِسلامية، وهم ينفقون بسخاء لا حدود له، سواء في جمع المخطوطات وفهرستها والتعريف بها، أو في طبع الكتب وإذاعتها، أو في رصد الجوائز للعلماء والأدباء، وقد عرفت ذلك عن قرب، حيث شاركت في نشاط بعض هذه المؤسسات، فقد دعيت إلى التدريب على فهرسة المخطوط الإِسلامي في ثلاث دورات أقامتها مؤسسة الفرقان للتراث الإِسلامي "أحمد زكي يماني" بالقاهرة واستانبول ولندن، ثم شاركت في ندوة عن تاريخ الطباعة العربية في القرن التاسع عشر، أقامها مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث بدبي، وفي هذه وتلك رأيت أهدافاً نبيلة وخططاً محكمة راشدة، ورجالاً مخلصين أمناء، وإذا أتيح للعمل شرف المقصد ونبل الغاية وخلوص النية ونزاهة النصح، بلغ من النجاح مبلغه، وانتهى من التوفيق إلى مداه.
فهاأنذا أيها السادة الأثرياء أدلكم على تجارة رابحة، وأفتح أمامكم باباً واسعاً من أبواب الخير، وأسأل الله أن تنشرح له صدوركم، وتهش له قلوبكم.
وذلك أني امرؤ شُغلت بالكتاب العربي، مخطوطاً ومطبوعاً، على امتداد سبعة وثلاثين عاماً، وكان اهتمامي بالكتاب العربي المخطوط من طريق اشتغالي بنسخ المخطوطات في صدر شبابي، ثم عملي بمعهد المخطوطات التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، فسافرت كثيراً لانتقاء المخطوطات وفهرستها. ثم كان احتفالي بالكتاب العربي المطبوع عن طريق اشتغالي بتحقيق الكتب، ومن أهم عدة المحقق معرفة المطبوعات وتمييز ما بين الطبعات حتى يقوم توثيق النقول وتخريج الشواهد على أساس صحيح.
ثم إني نظرت وأطلت النظر، فرأيت أننا، على مستوى الأمة العربية والإسلامية قد عنينا كثيراً بأمر المخطوطات، فأقمنا لها معهداً تابعاً لجامعة الدول العربية، عام
стр. 457
١٩٤٦ م، كان رائداً في هذا المجال، فدل الناس على أماكن المخطوطات، وفتح أمامهم قضاياها ومشكلاتها، فتعددت بعد ذلك مراكز تجميع المخطوطات وصورها، في الجامعات العربية، أو في مراكز البحوث التابعة لها، ثم عقدنا للمخطوطات أكثر من مؤتمر، وأصدرنا أكثر من توصية، وهذا كله عمل صالح وجيد ومطلوب، وينبغي ألا نتوقف فيه عند حد، فلا يزال في الزوايا خبايا. لكننا في الوقت نفسه أهملنا شأن المطبوعات، إلا ما كان من بعض الرسائل الجامعية المحدودة التي تظهر هنا وهناك، وبعض الندوات التي أقيمت حول الطباعة العربية، ولعل أهمها وأبرزها تلك الندوة التي أقيمت في أكتوبر الماضي بمركز جمعة الماجد للثقافة والتراث بدبي، لكن هذه الجهود كلها تدور حول تاريخ الطباعة العربية، والذي أدعو إليه اليوم شيء آخر، وهو باختصار شديد "تجميع الكتاب العربي المطبوع".
تفاصيل المشروع:
لقد بدأت الطباعة العربية بمدينة فانو Fano بإيطاليا، في أوائل القرن السادس عشر، ثم تعددت المطابع العربية بعد ذلك في أوروبا وبلدان الشرق، وفي مقدمتها الأستانة "استانبول" ثم كانت الوثبة الكبرى للطباعة العربية بمطبعة بولاق بمصر، التي بدأت نشاطها نحو سنة ١٨٢٠ م.
وإذا كان من أقدم المطبوعات العربية كتاب "الكافية" في النحو لابن الحاجب، الذي طبع في روما بإيطاليا سنة ١٥٩٢ م، و "القانون" في الطب لابن سينا الذي طبع في روما أيضاً سنة ١٥٩٣ م، فإن هذه أربعمائة سنة في تاريخ الطباعة العربية، أخرجت المطابع خلالها ألوف الألوف من الكتب العربية الكبار والأوساط والصغار، في مختلف العلوم والفنون والآداب.
وهذه الكتب المطبوعة أودعت مكتبات عامة ومكتبات خاصة، فالذي أودع منها في المكتبات العامة سجل ودوِّن في فهارس، أما الذي أودع في المكتبات الخاصة فهو في غالب أمره محفوظ مرعي ما دام صاحب المكتبة حياً يرزق، فإذا ما جاء أمر الله ولم يكن له ولد من أهل العلم، تفرقت هذه الكتب بدداً.
стр. 458
ومما ينبغي التنبيه إليه أن بعض هذه المكتبات الخاصة تحتوي على بعض المطبوعات النادرة التي ربما لا توجد في المكتبات العامة، وتعليل ذلك سهل، فإن صاحب المكتبة الخاصة يحرص على اقتناء النوادر والنفائس، وهو يجمع الكتب على عينه، ويتعهدها بالحفظ والرعاية، وأيضاً فإن قانون الإِيداع الذي كان يلزم الناشرين وأصحاب المطابع بإيداع نسخ من المطبوعات في دور الكتب الوطنية، لم يكن معروفاً في تلك الأيام، وعلى هذا فكثيراً ما بحثنا عن كتاب مطبوع قديماً في دار الكتب المصرية فلم نجده فيها، على كثرة مخزونها ومحفوظها، ثم وجدناه في مكتبة شيخنا محمود محمد شاكر أو السيد أحمد صفر أو حسن كامل الصيرفي، ومن إليهم من محبي الكتب وجامعيها، وقل مثل هذا في سائر الأقطار العربية والإِسلامية.
على أن هذه الكتب التي تقادم عهد طباعتها قد صارت الآن في حكم المخطوطات، في ندرتها وصعوبة الحصول عليها، ثم في قلة العارفين بها، وهذه مسألة في غاية الأهمية، فإن للمطبوعات علماء، كما أن للمخطوطات علماء، ويتجلى علم علماء المطبوعات في معرفة أماكن طبع الكتاب، وعدد طبعاته، وفرق ما بين هذه الطبعات، وقد أدركت جيلاً عظيماً من علماء المطبوعات هؤلاء، منهم محمد رشاد عبد المطلب في مصر، وأحمد عبيد بدمشق، والفقيه التطواني بمدينة سلا من المغرب، والحاج مظفر أوزاق باستانبول، وقد انتقلوا جميعاً إلى رحمة الله، ويخشى أن يوصد هذا الباب بموت هؤلاء العلماء، على ما جاء في الحديث الصحيح: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، فإذا لم يُبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهَّالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلَّوا وأضلَّوا".
وقد بدأت آثار غياب هذا العلم تظهر، فأنت تقرأ الآن مثلاً رسالة جامعية في مصر، تتناول قضية من قضايا تاريخ الأندلس أو المغرب، فترى فجوات كثيرة ونقصاً ظاهراً لغياب بعض المراجع الأندلسية والمغربية عن ذلك الطالب الذي يعد رسالته في مصر، وأنَّى لمثل هذا الطالب أن يحصل على مرجع من مطبوعات تونس، أو مطبوعات فاس الحجرية القديمة؟
стр. 459
والذي يقال عن غياب بعض المراجع الأندلسية والمغربية المطبوعة في فاس أو تونس، قديماً، يقال أيضاً عن مطبوعات كثيرة في مختلف العلوم والفنون طبعت في مصر في أوائل الطباعة العربية بمطبعة بولاق، أو بالمطابع الأهلية التي انتشرت بالعشرات وبما فوق العشرات، في قلب القاهرة المعزية حول الأزهر والحسين، وكثير من طلبة العلم الآن لا يعلمون شيئاً عن هذه المطبوعات، ولذلك تأتي بعض دراساتهم وأبحاثهم وبها جهات من النقص كثيرة.
ولو أنك جئت الآن إلى معيد بإحدى الكليات الأدبية، وسألته مثلاً عن هذه الكتب الثلاثة: الفتح - أو الفيح - القسي في الفتح القدسي، والفلاكة والمفلوكون، والمكاثرة عند المذاكرة، لمن هي؟ ومتى طبعت وأين؟ لما عرف أن الأول للعماد الأصفهاني، وانه طبع بمطبعة الموسوعات بمصر سنة ١٣٢١ هـ= ١٩٠٣ م، وأن الثاني لشهاب الدين الدلجي، وأنه طبع بمطبعة الشعب بمصر سنة ١٣٢٢ هـ= ١٩٠٤ م، وأن الثالث لجعفر بن محمد الطيالسي، وأنه من مطبوعات معهد الشرقيات بجامعة استانبول سنة ١٩٥٦ م ... وهذا باب واسع جداً.
وإذا تركنا حديث الكتب العربية المطبوعة قديماً وغيابها عن طلبة العلم، وجئنا إلى الكتاب العربي المطبوع حديثاً، فإنا نجد هذه الظاهرة أيضاً: ظاهرة غياب الكتب عن طلبة العلم ودارسيه. لقد تعددت جهات طبع الكتاب العربي الآن، ولم يعد الأمر مقصوراً على الناشرين من التجار وأصحاب المطابع، فقد دخل إلى الميدان كثير من الهيئات والمراكز العلمية التابعة للجامعات العربية أو المستقلة عنها، يمولها نفر من أهل الخير الذين ذكرت بعضاً منهم في صدر حديثي، وكثير من مطبوعات هذه الهيئات والمراكز لا يعرض للبيع، وإنما يقصر على الإِهداء، وهذا الإِهداء دائرته محدودة جداً، وفيه بعض الآفات، وهو أنه يقدم أحياناً لمن لا يعرف قدره، أو لا يدرك وجه النفع منه، وأعرف بعضاً ممن تهدى إليهم الكتب كانوا يتركونها في الفندق استثقالاً لحملها، أو فراراً من مؤونة وزنها في شركات الطيران، وقد كتبت كثيراً في هذا الأمر، فلم يبق إلا الإِيداع في دور الكتب العامة في البلدان
стр. 460
العربية، وهناك قانون ملزم بذلك الإِيداع، لكني احسب أن هذا القانون إنما يلزم الناشرين فقط من التجار وأصحاب المطابع.
غياب الكتاب العربي:
فأنت ترى أيها القارئ الكريم أن الكتاب العربي المطبوع قد غاب مرتين: المرة الأولى لتقادم عهد طباعته حتى صار كالكتاب المخطوط، والمرة الثانية لبعده عن أيدي الدارسين بمحدودية توزيعه وإذاعته.
ولقد أدى غياب الكتب الآن إلى غياب المرجعية في قضايا الفكر والأدب، وصار كثير من الناس الآن، وبخاصة المبتدئون من الدارسين يكتبون من رؤوسهم، وما تسرع إليه خواطرهم، وقديماً قال الجاحظ: "وإنما يؤتى الناس من ترك التثبت وقلة المحاسبة". وقال الشيخ عبد القاهر الجرجاني: "وتلك جريرة ترك النظر وأخذ الشيء من غير معدنه"، ولا يخفى أن من ترك التثبت وأخذ الشيء من غير معدنه غياب الكتب والتعويل على الرأي وحده.
إذن نحن مطالبون بأمرين: الأمر الأول: إنعاش ذاكرة الأمة العربية، وإنقاذ تاريخها من قرارة النسيان وبئر الضياع، باسترجاع مطبوعاتها العربية على امتداد الأربعمائة سنة التي أشرت إليها.
والأمر الثاني: رصد ومتابعة وجمع ما يطبع من الكتب العربية في كل بلدان العالم أولاً بأول، وبتحقيق هذين الأمرين نكون قد عملنا على تجميع الكتاب العربي المطبوع، وهو مقترحي الأساسي، وهدفي من هذه الكلمة كلها.
مكتبة العرب:
ولكن كيف يتم ذلك؟ وما السبيل إلى تحقيقه؟ والجواب وبالله التوفيق، دون تطويل أو ثرثرة، إنشاء مكتبة كبرى، تسمَّى "مكتبة العرب" ينشئها هؤلاء السادة الأثرياء النبلاء، مجتمعين أو متفرقين، ويختارون لها مكاناً كبيراً في بلد عربي يتوسط البلدان العربية، ويسهل على أبناء الأمة العربية النزول به والإِقامة فيه،