← Джавами‘

Джавами‘ · id 148533

مقالات الطناحي صفحات في التراث والتراجم واللغة والأدب

محمود محمد الطناحي

Полный текст (690 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

نهر العطاء: وعوداً على بدء، فإن هؤلاء الأثرياء النبلاء من أهل الجزيرة العربية والخليج الذين بدأت بهم حديثي، موصولون بنهر العطاء الذي شقه أهل الخير والفضل من أمتنا العربية والإِسلامية، وهم ينفقون بسخاء لا حدود له، سواء في جمع المخطوطات وفهرستها والتعريف بها، أو في طبع الكتب وإذاعتها، أو في رصد الجوائز للعلماء والأدباء، وقد عرفت ذلك عن قرب، حيث شاركت في نشاط بعض هذه المؤسسات، فقد دعيت إلى التدريب على فهرسة المخطوط الإِسلامي في ثلاث دورات أقامتها مؤسسة الفرقان للتراث الإِسلامي "أحمد زكي يماني" بالقاهرة واستانبول ولندن، ثم شاركت في ندوة عن تاريخ الطباعة العربية في القرن التاسع عشر، أقامها مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث بدبي، وفي هذه وتلك رأيت أهدافاً نبيلة وخططاً محكمة راشدة، ورجالاً مخلصين أمناء، وإذا أتيح للعمل شرف المقصد ونبل الغاية وخلوص النية ونزاهة النصح، بلغ من النجاح مبلغه، وانتهى من التوفيق إلى مداه. فهاأنذا أيها السادة الأثرياء أدلكم على تجارة رابحة، وأفتح أمامكم باباً واسعاً من أبواب الخير، وأسأل الله أن تنشرح له صدوركم، وتهش له قلوبكم. وذلك أني امرؤ شُغلت بالكتاب العربي، مخطوطاً ومطبوعاً، على امتداد سبعة وثلاثين عاماً، وكان اهتمامي بالكتاب العربي المخطوط من طريق اشتغالي بنسخ المخطوطات في صدر شبابي، ثم عملي بمعهد المخطوطات التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، فسافرت كثيراً لانتقاء المخطوطات وفهرستها. ثم كان احتفالي بالكتاب العربي المطبوع عن طريق اشتغالي بتحقيق الكتب، ومن أهم عدة المحقق معرفة المطبوعات وتمييز ما بين الطبعات حتى يقوم توثيق النقول وتخريج الشواهد على أساس صحيح. ثم إني نظرت وأطلت النظر، فرأيت أننا، على مستوى الأمة العربية والإسلامية قد عنينا كثيراً بأمر المخطوطات، فأقمنا لها معهداً تابعاً لجامعة الدول العربية، عام

стр. 457

١٩٤٦ م، كان رائداً في هذا المجال، فدل الناس على أماكن المخطوطات، وفتح أمامهم قضاياها ومشكلاتها، فتعددت بعد ذلك مراكز تجميع المخطوطات وصورها، في الجامعات العربية، أو في مراكز البحوث التابعة لها، ثم عقدنا للمخطوطات أكثر من مؤتمر، وأصدرنا أكثر من توصية، وهذا كله عمل صالح وجيد ومطلوب، وينبغي ألا نتوقف فيه عند حد، فلا يزال في الزوايا خبايا. لكننا في الوقت نفسه أهملنا شأن المطبوعات، إلا ما كان من بعض الرسائل الجامعية المحدودة التي تظهر هنا وهناك، وبعض الندوات التي أقيمت حول الطباعة العربية، ولعل أهمها وأبرزها تلك الندوة التي أقيمت في أكتوبر الماضي بمركز جمعة الماجد للثقافة والتراث بدبي، لكن هذه الجهود كلها تدور حول تاريخ الطباعة العربية، والذي أدعو إليه اليوم شيء آخر، وهو باختصار شديد "تجميع الكتاب العربي المطبوع". تفاصيل المشروع: لقد بدأت الطباعة العربية بمدينة فانو Fano بإيطاليا، في أوائل القرن السادس عشر، ثم تعددت المطابع العربية بعد ذلك في أوروبا وبلدان الشرق، وفي مقدمتها الأستانة "استانبول" ثم كانت الوثبة الكبرى للطباعة العربية بمطبعة بولاق بمصر، التي بدأت نشاطها نحو سنة ١٨٢٠ م. وإذا كان من أقدم المطبوعات العربية كتاب "الكافية" في النحو لابن الحاجب، الذي طبع في روما بإيطاليا سنة ١٥٩٢ م، و "القانون" في الطب لابن سينا الذي طبع في روما أيضاً سنة ١٥٩٣ م، فإن هذه أربعمائة سنة في تاريخ الطباعة العربية، أخرجت المطابع خلالها ألوف الألوف من الكتب العربية الكبار والأوساط والصغار، في مختلف العلوم والفنون والآداب. وهذه الكتب المطبوعة أودعت مكتبات عامة ومكتبات خاصة، فالذي أودع منها في المكتبات العامة سجل ودوِّن في فهارس، أما الذي أودع في المكتبات الخاصة فهو في غالب أمره محفوظ مرعي ما دام صاحب المكتبة حياً يرزق، فإذا ما جاء أمر الله ولم يكن له ولد من أهل العلم، تفرقت هذه الكتب بدداً.

стр. 458

ومما ينبغي التنبيه إليه أن بعض هذه المكتبات الخاصة تحتوي على بعض المطبوعات النادرة التي ربما لا توجد في المكتبات العامة، وتعليل ذلك سهل، فإن صاحب المكتبة الخاصة يحرص على اقتناء النوادر والنفائس، وهو يجمع الكتب على عينه، ويتعهدها بالحفظ والرعاية، وأيضاً فإن قانون الإِيداع الذي كان يلزم الناشرين وأصحاب المطابع بإيداع نسخ من المطبوعات في دور الكتب الوطنية، لم يكن معروفاً في تلك الأيام، وعلى هذا فكثيراً ما بحثنا عن كتاب مطبوع قديماً في دار الكتب المصرية فلم نجده فيها، على كثرة مخزونها ومحفوظها، ثم وجدناه في مكتبة شيخنا محمود محمد شاكر أو السيد أحمد صفر أو حسن كامل الصيرفي، ومن إليهم من محبي الكتب وجامعيها، وقل مثل هذا في سائر الأقطار العربية والإِسلامية. على أن هذه الكتب التي تقادم عهد طباعتها قد صارت الآن في حكم المخطوطات، في ندرتها وصعوبة الحصول عليها، ثم في قلة العارفين بها، وهذه مسألة في غاية الأهمية، فإن للمطبوعات علماء، كما أن للمخطوطات علماء، ويتجلى علم علماء المطبوعات في معرفة أماكن طبع الكتاب، وعدد طبعاته، وفرق ما بين هذه الطبعات، وقد أدركت جيلاً عظيماً من علماء المطبوعات هؤلاء، منهم محمد رشاد عبد المطلب في مصر، وأحمد عبيد بدمشق، والفقيه التطواني بمدينة سلا من المغرب، والحاج مظفر أوزاق باستانبول، وقد انتقلوا جميعاً إلى رحمة الله، ويخشى أن يوصد هذا الباب بموت هؤلاء العلماء، على ما جاء في الحديث الصحيح: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، فإذا لم يُبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهَّالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلَّوا وأضلَّوا". وقد بدأت آثار غياب هذا العلم تظهر، فأنت تقرأ الآن مثلاً رسالة جامعية في مصر، تتناول قضية من قضايا تاريخ الأندلس أو المغرب، فترى فجوات كثيرة ونقصاً ظاهراً لغياب بعض المراجع الأندلسية والمغربية عن ذلك الطالب الذي يعد رسالته في مصر، وأنَّى لمثل هذا الطالب أن يحصل على مرجع من مطبوعات تونس، أو مطبوعات فاس الحجرية القديمة؟

стр. 459

والذي يقال عن غياب بعض المراجع الأندلسية والمغربية المطبوعة في فاس أو تونس، قديماً، يقال أيضاً عن مطبوعات كثيرة في مختلف العلوم والفنون طبعت في مصر في أوائل الطباعة العربية بمطبعة بولاق، أو بالمطابع الأهلية التي انتشرت بالعشرات وبما فوق العشرات، في قلب القاهرة المعزية حول الأزهر والحسين، وكثير من طلبة العلم الآن لا يعلمون شيئاً عن هذه المطبوعات، ولذلك تأتي بعض دراساتهم وأبحاثهم وبها جهات من النقص كثيرة. ولو أنك جئت الآن إلى معيد بإحدى الكليات الأدبية، وسألته مثلاً عن هذه الكتب الثلاثة: الفتح - أو الفيح - القسي في الفتح القدسي، والفلاكة والمفلوكون، والمكاثرة عند المذاكرة، لمن هي؟ ومتى طبعت وأين؟ لما عرف أن الأول للعماد الأصفهاني، وانه طبع بمطبعة الموسوعات بمصر سنة ١٣٢١ هـ= ١٩٠٣ م، وأن الثاني لشهاب الدين الدلجي، وأنه طبع بمطبعة الشعب بمصر سنة ١٣٢٢ هـ= ١٩٠٤ م، وأن الثالث لجعفر بن محمد الطيالسي، وأنه من مطبوعات معهد الشرقيات بجامعة استانبول سنة ١٩٥٦ م ... وهذا باب واسع جداً. وإذا تركنا حديث الكتب العربية المطبوعة قديماً وغيابها عن طلبة العلم، وجئنا إلى الكتاب العربي المطبوع حديثاً، فإنا نجد هذه الظاهرة أيضاً: ظاهرة غياب الكتب عن طلبة العلم ودارسيه. لقد تعددت جهات طبع الكتاب العربي الآن، ولم يعد الأمر مقصوراً على الناشرين من التجار وأصحاب المطابع، فقد دخل إلى الميدان كثير من الهيئات والمراكز العلمية التابعة للجامعات العربية أو المستقلة عنها، يمولها نفر من أهل الخير الذين ذكرت بعضاً منهم في صدر حديثي، وكثير من مطبوعات هذه الهيئات والمراكز لا يعرض للبيع، وإنما يقصر على الإِهداء، وهذا الإِهداء دائرته محدودة جداً، وفيه بعض الآفات، وهو أنه يقدم أحياناً لمن لا يعرف قدره، أو لا يدرك وجه النفع منه، وأعرف بعضاً ممن تهدى إليهم الكتب كانوا يتركونها في الفندق استثقالاً لحملها، أو فراراً من مؤونة وزنها في شركات الطيران، وقد كتبت كثيراً في هذا الأمر، فلم يبق إلا الإِيداع في دور الكتب العامة في البلدان

стр. 460

العربية، وهناك قانون ملزم بذلك الإِيداع، لكني احسب أن هذا القانون إنما يلزم الناشرين فقط من التجار وأصحاب المطابع. غياب الكتاب العربي: فأنت ترى أيها القارئ الكريم أن الكتاب العربي المطبوع قد غاب مرتين: المرة الأولى لتقادم عهد طباعته حتى صار كالكتاب المخطوط، والمرة الثانية لبعده عن أيدي الدارسين بمحدودية توزيعه وإذاعته. ولقد أدى غياب الكتب الآن إلى غياب المرجعية في قضايا الفكر والأدب، وصار كثير من الناس الآن، وبخاصة المبتدئون من الدارسين يكتبون من رؤوسهم، وما تسرع إليه خواطرهم، وقديماً قال الجاحظ: "وإنما يؤتى الناس من ترك التثبت وقلة المحاسبة". وقال الشيخ عبد القاهر الجرجاني: "وتلك جريرة ترك النظر وأخذ الشيء من غير معدنه"، ولا يخفى أن من ترك التثبت وأخذ الشيء من غير معدنه غياب الكتب والتعويل على الرأي وحده. إذن نحن مطالبون بأمرين: الأمر الأول: إنعاش ذاكرة الأمة العربية، وإنقاذ تاريخها من قرارة النسيان وبئر الضياع، باسترجاع مطبوعاتها العربية على امتداد الأربعمائة سنة التي أشرت إليها. والأمر الثاني: رصد ومتابعة وجمع ما يطبع من الكتب العربية في كل بلدان العالم أولاً بأول، وبتحقيق هذين الأمرين نكون قد عملنا على تجميع الكتاب العربي المطبوع، وهو مقترحي الأساسي، وهدفي من هذه الكلمة كلها. مكتبة العرب: ولكن كيف يتم ذلك؟ وما السبيل إلى تحقيقه؟ والجواب وبالله التوفيق، دون تطويل أو ثرثرة، إنشاء مكتبة كبرى، تسمَّى "مكتبة العرب" ينشئها هؤلاء السادة الأثرياء النبلاء، مجتمعين أو متفرقين، ويختارون لها مكاناً كبيراً في بلد عربي يتوسط البلدان العربية، ويسهل على أبناء الأمة العربية النزول به والإِقامة فيه،

стр. 461

ولا أحسب هذا البلد إلاَّ "القاهرة"، أقول قولي هذا وأنا آمن - إن شاء الله - من سوء الظن بعصبية البلد، فجمهور قراء "العربي" ممن يحسنون الفهم، ولا تسرع إليهم الظنون. وأعلم أن بعض أهل الخير من أبناء السعودية والخليج يقيمون الآن مساجد فخمة بالقاهرة، ولو كنت من أهل الفتيا لأفتيت بأن إقامة المكتبات الآن أولى من بناء المساجد، مع علمي بالأحاديث التي تحض على بناء المساجد وترغب في إقامتها. وسوف يكون إنشاء "مكتبة العرب" بالقاهرة مذكراً بتلك القلعة الشامخة "دار الكتب المصرية" التي تتوسط ميدان "باب الخلق" الشهير، والتي كانت ملتقى لرجال الفكر والأدب، يجدون فيها بغيتهم من الكتاب العربي المخطوط والمطبوع، ويذكر أساتذتنا الكبار من أبناء الأمة العربية الذين حصلوا على شهاداتهم العليا من جامعة القاهرة في الأربعينيات والخمسينيات فضل دار الكتب المصرية عليهم، وأثرها في تكوينهم الفكري ... وسقى الله تلك الأيام! وواضح مما قلته إن الغاية الأولى من إنشاء هذه المكتبة "مكتبة العرب" هي تحقيق فكرة تجميع الكتاب العربي المطبوع، ولكن لن تكون هذه هي الغاية الوحيدة من إنشاء هذه المكتبة، فسوف تكون هناك غايات أخرى عظيمة مما تتيحه المكتبات الحديثة المؤسسة علميّاً، والمستفيدة من مظاهر التقدم التكنولوجي المذهل الذي أتى به العلم الحديث في وسائل الاتصال والتكشيف واستدعاء المعلومات. ومن هذه الغايات العظيمة أيضاً تجميع صور المخطوطات العربية التي صورت على "الميكروفيلم" مما صوره معهد المخطوطات العربية الذي أنشئ تابعاً لجامعة الدول العربية عام ١٩٤٦ م، وكذلك صور المخطوطات التي صورتها الجامعات العربية والمراكز العلمية التابعة لها، ومراكز العلوم الأخرى غير التابعة للجامعات. ولن أطيل بذكر هذه المراكز، فهي معروفة مشهورة، بحيث تكون "مكتبة العرب" هذه في آخر الأمر هي المكتبة المركزية للأمة العربية كلها التي جمعت الكتاب العربي: مطبوعاً ومخطوطاً.

стр. 462

وإذا كانت منظمة اليونسكو تعمل الآن في مشروع "ذاكرة العالم "، فما أحرانا نحن العرب أن نعمل في مشروع "ذاكرة العالم العربي" الذي يكون مجلاه "مكتبة العرب" هذه. أما كيف تقوم هذه المكتبة، وما هي الأسس التي تركز عليها، وما هي القواعد الصحيحة التي تضمن لها البقاء والنمو والازدهار؟ فكل ذلك وأشباهه موكول إلى لجنة عليا تختار من كبار رجال الفكر والأدب في عالمنا العربي، تخطط لهذا الصرح العربي الكبير، على أن ننبذ من تفكيرنا الإِقليمية والفردية. وما أريد أن أمد في حبال الكلام عن هذه المكتبة وأهدافها، حتى لا يطول الحديث، والحديث إذا طال أمل وأضجر، وإذا جاء موضع الكلام تكلمنا، وأخرجنا ما عندنا من تصورات واقتراحات، لكني أريد أن أعجل وأقول: إن تكاليف إنشاء مثل هذه المكتبة لن تتجاوز ما ينفق على عشر ندوات تراثية لا تخرج إلى أبعد من التوصيات، وعشر جوائز سنية لا تتجاوز جيوب أصحابها. ولا عليكم أيها المفكرون والشعراء والمبدعون من أن تبطئ عليكم الجوائز سنتين أو ثلاثاً، حتى يتحقق هذا الأمل الكبير، والله يعوضكم خيراً، وسوف يكون يوم افتتاح هذه المكتبة العظيمة إن شاء الله، عيداً لأولنا وآخرنا. وبعد: فيا أيها السادة النبلاء، من أثرياء العرب الذين سخوا وجادوا، هذه تجارة رابحة، دللتكم عليها، وفتحت لكم أبوابها، وأقمت لكم سوقها، فامضوا على بركة الله وهداه، ونرجو أن يعود بكم وبفضل أموالكم تاريخنا العظيم، في إقامة دور الكتب وخزائنها التي حفظت لنا ما بقي من تراثنا، وأدته إلينا سالماً، واستنفذته من عوادي الناس والأيام، وسوف يكون في موازينكم إن شاء الله دعوة طالب علم أو معيد بإحدى الجامعات يتحرق شوقاً إلى مرجع قديم أو حديث لا تطوله يداه الكليلتان، يجده ميسوراً متاحاً في مكتبتكم "مكتبة العرب". أما انتم أيها السادة المستشارون الأمناء الذين عهد إليكم هؤلاء السادة الأثرياء بالإِشراف على أعمالهم النبيلة هذه: لقد حملتم أمراً عظيماً فاصطبرتم له، وقد أديتم

стр. 463

الأمانة بإحسان النصح، وإخلاص المشورة، وطهارة اليد، وأنا أدعوكم اليوم لأن تقرأوا هذا الكلام وتتدبروه، ثم تقدّموه للسادة الأثرياء النبلاء، قدِّموه لهم ليقرأوه بأنفسهم، ولا تلخصوه لهم، فهم أهل فضل وأدب وعقل قبل أن يكونوا أصحاب ثروة وجاه، وبينهم وبين أهل العلم نسب أقاموه مقام الوالد، على نحو ما قال أبو تمام، وانتم بعد ذلك شركاؤهم في إحراز الأجر وكمال المثوبة، فالدال على الخير كفاعله، كما جاء في الحديث الشريف. قال محدِّث الشام أبو الفدا العجلوني: والمشهور على الألسنة: "الدال على الخير كفاعله، وفاعله من أهل الجنة". والله من وراء القصد، وهو ولي التوفيق. * * *

стр. 464

محمود محمد شاكر .. ومنهجه في تحقيق التراث (١) تحقيق النصوص علم له قوانينه وأعرافه ومصطلحاته وأدواته، وله جانبان: جانب الصنعة وجانب العلم، فأما جانب الصنعة فهو ما يتصل بجمع النسخ المخطوطة للكتاب المراد تحقيقه، والموازنة بينها، واختيار النسخة الأم. ثم ما يكون بعد ذلك من توثيق عنوان المخطوط واسم المؤلف ونسبة المخطوط إليه، ونسخه والتعليق عليه، وتخريج شواهده وتوثيق نقوله، وصنع الفهارس الفنية اللازمة. فهذا كله جانب الصنعة الذي يستوي فيه الناس جميعاً، ولا يكاد يفضل أحد أحداً فيه، إلا بما يكون من الوفاء بهذه النقاط أو التقصير فيها. وأما جانب العلم في تحقيق النصوص فهو الغاية التي ليس وراءها غاية، وهو المطلب الكبير الذي ينبغي أن تصرف إليه الهمم، وتبذل فيه الجهود، ولاء لهذا التراث العريق، وكشفاً لمسيرتنا الفكرية خلال هذه الأزمان المتطاولة، وعدة المحقق في ذلك هي معرفة الكتب العربية في كل فن، وحسن التعامل معها والإِفادة منها؛ لأنه في كل خطوة يخطوها مطالب بتوثيق كل نقل وتحرير كل قضية، بل إن المحقق الجاد قد يبذل جهداً مضنياً لا يظهر في حاشية أو تعليق، وذلك حين يريد الاطمئنان إلى سلامة النص واتساقه.

стр. 465

وقد مرَّ تاريخ نشر التراث في ديارنا المصرية بأربع مراحل: المرحلة الأولى: مطبعة بولاق والمطابع الأهلية، ومرحلة الناشرين النابهين، ومرحلة دار الكتب المصرية، ومرحلة الأفذاذ من الرجال. وفي المرحلة الأولى نشرت النصوص التراثية خالية من دراسة الكتاب وترجمة مؤلفه، وذكر مخطوطاته وفهرسته، وإن كان النشر في هذه المرحلة قد اتسم بالدقة المتناهية والتحرير الكامل، إذ كان يقوم على التصحيح فئة من أهل العلم منهم الشيخ نصر الهوريني، والشيخ محمد قُطَّة العدوي. والمرحلة الثانية عنيت إلى حد ما بجمع النسخ المخطوطة للكتاب، وذكر ترجمة المؤلف وبعض الفهارس، وتعرف هذه المرحلة بتلك الأسماء: أمين الخانجي، ومحب الدين الخطيب، ومحمد منير الدمشقي، وحسام الدين القدسي، وكلهم من أهل الشام. والمرحلة الثالثة هي مرحلة دار الكتب المصرية، وفي هذه المرحلة أخذ نشر التراث يتجه إلى النضج والكمال من حيث جمع نسخ الكتاب المخطوطة من مكتبات العالم، وإضاءة النصوص ببعض التعليقات والشروح، وصنع الفهارس التحليلية، وما يسبق ذلك كله من التقديم للكتاب، وبيان مكانه في المكتبة العربية، وقد تأثر هذا المنهج إلى حد ما بمناهج المستشرقين الذين نشطوا في نشر تراثنا وإذاعته منذ القرن الثامن عشر؛ وقد وقف على رأس هذه المرحلة أحمد زكي باشا شيخ العروبة. أعلام في ميدان التحقيق: أما مرحلة الأفذاذ من الرجال فهي مرحلة أحمد محمد شاكر، ومحمود محمد شاكر، وعبد السلام هارون، والسيد أحمد صقر، وقد دخل هؤلاء الأعلام ميدان التحقيق والنشر، مزوَّدين بزاد قوي من علم الأوائل وتجاربهم، ومدفوعين بروح عربية إسلامية عارمة، استهدفت إذاعة النصوص الدالة على عظمة التراث الكاشفة عن نواحي الجلال والكمال فيه، ومن أعظم آثار هذه المرحلة تحقيق هذه الأصول:

стр. 466

الرسالة للشافعي، وطبقات فحول الشعراء لابن سلام، والبيان والتبيين والحيوان للجاحظ، وتأويل مشكل القرآن لابن قتيبة. وإن اتفق أعلام هذه المرحلة فيما ذكرت، فإن أبا فهر محمود محمد شاكر يقف وحده من بينهم، وينفصل عنهم بأمرين، الأول: أنه صاحب قضية صحبته وأرَّقته منذ النَّانأة - أي منذ صباه ونشأته الأولى - وهي قضية أمته العربية، وما يُراد لها من كيد في لغتها وشعرها وتراثها كله، وقد أبان عن هذه القضية في كل ما كتب، وبخاصة في كتابيه: أباطيل وأسمار، ورسالة في الطريق إلى ثقافتنا، ثم نثرها فيما دق وجل من كتاباته، وما برح يعتادها في مجالسه ومحاوراته، يهمس بها حيناً، ويصرخ بها أحياناً أخرى، لا تفرحه موافقة الموافق، ولا تحزنه مخالفة المخالف. ولقد حكمت هذه القضية الضخمة أعمال أبي فهر كلها، وهي التي وجهته إلى تحقيق التراث، فكان عمله في نشر النصوص جزءاً من جهاده في حراسة العربية والذود عنها، سواء فيما نشره هو، أم فيما حث الناس على نشره وأعانهم عليه. الأمر الثاني: أن أبا فهر دخل إلى ميدان تحقيق التراث بثقافة عالية وقراءة محيطة اعتقد جازماً أنها لم تتيسَّر لأحد من أبناء جيله، سواء من اشتغلوا بتحقيق التراث، أم من انصرفوا إلى التأليف والدرس. لقد القى هذا الرجل الدنيا كلها خلف ظهره ودَبْرَ أذنيه، واستوى عنده سوادها وبياضها، وخلا إلى الكتاب العربي في فنونه المختلفة، والمكتبة العربية عند أبي فهر كتاب واحد - فهو يقرا صحيح البخاري كما يقرأ الأغاني، ويقرأ كتاب سيبويه قراءته لمواقف عضد الدين الإِيجي، وقد قلت عنه مرة بالتعبير المصري: "إنه خد البيعة على بعضها"، وقد كشف هو نفسه عن ثقافته وأدواته، فقال بعد أن حكى محنته عقب ذلك الزلزال العنيف الذي رجه رجاً حين خرج المستشرق الإِنجليزي "مرجليوث" بمقالته عن نشأة الشعر العربي، وما أثاره من شك حول صحة الشعر الجاهلي، وما كان من متابعة الدكتور طه حسين لهذه المقالة، في كتابه: "في الشعر الجاهلي"، يقول في صدر رسالته في الطريق إلى ثقافتنا: "قد أفضى بي ... إلى

стр. 467

إعادة قراءة الشعر العربي كله أولاً، ثم قراءة ما يقع تحت يدي من هذا الإِرث العظيم الضخم المتنوع من تفسير وحديث وفقه، وأصول فقه وأصول دين (هو علم الكلام) وملل ونحل، إلى بحر زاخر من الأدب والنقد والبلاغة والنحو واللغة، حتى قرأت الفلسفة القديمة والحساب القديم والجغرافية القديمة، وكتب النجوم وصور الكواكب، والطب القديم ومفردات الأدوية، وحتى قرأت البيزرة والبيطرة والفراسة، بل كل ما استطعت أن أقف عليه بحمد الله سبحانه، قرأت ما تيسَّر لي منه، لا للتمكن من هذه العلوم المختلفة، بل لكي ألاحظ وأتبين وأزيح الثرى عن الخبيء والمدفون". فهذه هي ثقافة أبي فهر التي دخل بها ميدان تحقيق التراث، الذي اختار هو من عند نفسه نصوصه وأصوله، لم يملها أحد عليه، ولم يطلبها أحد منه، وكان من أبرز هذه النصوص: طبقات فحول الشعراء لابن سلام، وتفسير الطبري (١٦ جزءاً)، وتهذيب الآثار وتفصيل الثابت عن رسول الله ﷺ من الأخبار، للطبري (ستة أجزاء)، وجمهرة نسب قريش وأخبارها للزبير بن بكار (جزء منه)، ودلائل الإِعجاز، وأسرار البلاغة، كلاهما للشيخ عبد القاهر الجرجاني، إلى نصوص أخرى نشرها قديماً: فضل العطاء على العُسْر لأبي هلال العسكري، والمكافأة وحسن العقبى، لأحمد بن يوسف الكاتب المعروف بابن الداية، وإمتاع الأسماع بما للرسول من الأبناء والأموال والحفدة والمتاع، للمقريزي (جزء منه). ومما يستطرف ذكره هنا أن أول كتاب تراثي يضع فيه أبو فهر قلمه بالتحقيق هو كتاب أدب الكاتب لابن قتيبة، الذي أخرجه الشيخ محب الدين الخطيب عام ١٣٤٦ هـ= ١٩٢٧ م، أي منذ (٧٠) عاماً، وكان عمره إذ ذاك (١٨) عاماً، وقد شاركه تصحيح صفحات من الكتاب أستاذنا عبد السلام هارون، برّد الله مضجعه. وفي هذه الأصول التراثية التي أخرجها أبو فهر، يظهر علمه الغزير الواسع الذي لا يدانيه فيه أحد من أهل زماننا، لأنه علم موصول بكلام الأوائل، منتزع منه

стр. 468

ودال عليه ومكمِّل له، والشيخ - حرس الله مهجته - يسير في طريق الفحول، لا تَخْرِم مِشْيَتُهُ مِشْيَةَ واحد من الصدر الأول. وقبل أن أستطرد إلى ذكر أمثلة من منهج أبي فهر في تحقيق التراث؛ أحب أن أضع أمامك أيها القارئ الكريم مثالاً واحداً على دوران قضايا التراث في عقل هذا الرجل، وأنها شغله الشاغل وهمه الناصب. أصل في علم البلاغة: اخرج أبو فهر كتاب الشيخ عبد القاهر الجرجاني "دلائل الإِعجاز" عام ١٤٠٤ هـ- ١٩٨٤ م، وكانت طبعته الأولى عام ١٣٢١ هـ= ١٩٠٣ م، وقد أخرجها الشيخ محمد رشيد رضا. وهذا الكتاب يعد أصلاً في علم البلاغة وإعجاز القرآن، وكان مما عالجه الشيخ عبد القاهر فيه الرد على من يقولون: "إن الفصاحة لا تظهر في أفراد الكلمات، ولكن تظهر بالضم على طريقة مخصوصة"، وقد عرَّض الشيخ عبد القاهر بأصحاب هذه المقالة في مواضع كثيرة من كتابه، كان منها قوله: "واعلم أن القول الفاسد والرأي المدخول إذا كان صدره "أي صدوره" عن قوم لهم نباهة وصيت وعلو منزلة في أنواع من العلوم غير العلم الذين قالوا ذلك القول فيه، ثم وقع في الألسن، فتداولته ونشرته، وفشا وظهر، وكثر الناقلون له، والمشيدون بذكره، صار ترك النظر فيه سنة والتقليد ديناً"، الإِعجاز ٤٦٤، ٤٦٦، وانظر مقدمة التحقيق. ويسأل الشيخ أبو فهر: من يكون هؤلاء القوم الذين لهم نباهة وصيت ... إلى سائر ما وصفهم به الشيخ عبد القاهر؟ يقول أبو فهر: وفتَّشت ونقبت، فلم أظفر بجواب أطمئن إليه، وتناسيت الأمر كله إلا قليلاً، نحواً من ثلاثين سنة، حتى كانت سنة ١٣٨١ هـ= ١٩٦١ م وطبع كتاب "المغني" للقاضي عبد الجبار الفقيه الشافعي المعتزلي، في تلك السنة صدر الجزء السادس عشر من كتاب "المغني"، فإذا هو يتضمن فصولاً طويلة في الكلام على "ثبوت نبوة محمد ﷺ ، وفي إعجاز القرآن وسائر المعجزات الظاهرة عليه ﷺ ". فلما قرأته ارتفع كل شك وسقط النقاب عن كل مستتر، وإذا التعريض الذي ذكره عبد القاهر حين قال: "واعلم أن القول الفاسد

стр. 469

والرأي المدخول ... لا يعني بهذا التعريض وبهذه الصفة أحداً سوى قاضي القضاة المعتزلي عبد الجبار". وبعد ذلك نقل أبو فهر عبارة القاضي عبد الجبار، من كتابه "المغني"، وهي: "أن الفصاحة لا تظهر في أفراد الكلام، وإنما تظهر بالضم على طريقة مخصوصة". أرأيت أيها القارئ الكريم؟ هذه ثلاثون عاماً تصرَّمت من الزمان، والقضية في بال الرجل، كأنها هَمُّ الليل والنهار، قضية حية في عقله، جارية في دمه، لم تسقط بالتقادم، ولم تنسحب عليها ذيول النسيان! ومثل هذه القضية كثير في كل ما كتب أبو فهر في اللغة والشعر، وسائر علوم الأمة، ولا نفيض في هذا لأن القصد الآن الكشف عن منهج الشيخ في تحقيق التراث، وهو منهج صعب شاق، لأنه مباين لكل ما ألفه الناس الذين اشتغلوا بنشر الكتب من عرب وعجم، إذ كان قائماً على الجد والصرامة والإِتقان، مستنداً إلى قراءة واسعة محيطة، مع الذكاء الشديد اللمح، والحفظ الجامع الذي لا يتفلَّت ولا يخون. الشيخ واللغة: وأول ما يلقانا من منهج أبي فهر: اللغة، حروفاً وأبنية وتراكيب، فقد استولى من ذلك كله على الأمد. واللغة هي الباب الأول في ثقافات الأمم، وإهمالها أو التفريط فيها، أو السخرية منها، هدم لتاريخ الأمم، ومحو لها من الوجود. وعناية أبي فهر باللغة قديمة، ومن أقدم ما كتب فيها ما نشره بالمقتطف عام ١٩٤٠، بعنوان (علم معاني أسرار الحروف - سر من أسرار العربية)، وفي الفترة القليلة التي شارك فيها في إخراج مجلة "المختار" استطاع أن يقدم مستوى عالياً للترجمة الصحفية لم يُعرف من قبل؛ وأدخل جملة من المصطلحات الجديدة في اللغة للتعبير عن وسائل واختراعات حديثة من نوع "الطائرات النفاثة"، وما زال الجيل الذي عاصر "المختار" من الصحفيين المعاصرين يعتبرون عناوين "المختار" التي كان يصوغها نموذجاً يحتذى. وطالما ذكر صديق عمره يحيى حقي، ﵀، فضله عليه في التنبه لأسرار اللغة وفنية استخدامها والتعامل معها.

стр. 470

وإجلال أبي فهر للغة والحذر في استعمالها واضح لائح في كل ما كتب وفي كل ما حقق. ويقول تعليقاً على كلام لأبي جعفر الطبري، في تفسير قوله تعالى ﴿فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾: "حجة أبي جعفر في هذا الفصل، من أحسن البيان عن معاني القرآن، وعن معاني ألفاظه وحروفه، وهي دليل على أن معرفة العربية وحذقها والتوغل في شعرها وبيانها وأساليبها، أصل من الأصول، لا يحل لمن يتكلم في القرآن أن يتكلم فيه حتى يُحسُنه ويحذقه". تفسير الطبري ٤/ ٤١٦. ومعلوم أن من عدة المحقق معرفة غريب اللغة حتى يتمكن من تصحيح ما يصادفه من ذلك التصحيف والتحريف الذي مُنيت به بعض مخطوطاتنا، نتيجة لجهل النساخ، أو عوامل الزمن. ولأبي فهر في ذلك وقفات كثيرة وتصحيحات، منها: جاء في تفسير الطبري ٨/ ٥٢٨، من قول أبي جعفر الطبري، في الآية ٦٥ من سورة النساء: "وإذا قرئ كذلك فلا مَرْزِئَة على قارئه في إعرابه"، ويعلق أبو فهر: "المرزئة - بفتح الميم وسكون الراء وكسر الزاي - مثل الرزء والرزيئة، وهو المصيبة والعناء والضرر والنقص ... وكان في المطبوعة والمخطوطة: "فلا مرد به على قارئه"، وهو شيء لا يفهم ولا يقال". وجاء في طبقات فحول الشعراء لابن سلام ص ١٠٦، قول كعب بن زهير: ألا أبلغا هذا المعرَّض آيةً ... أيقظان قال القول إذ قال أو حَلَمْ ويشير أبو فهر في الحاشية إلى أن الرواية في ديوان كعب، والاستيعاب لابن عبد البر "أنه" مكان "آية" ثم يقول: وهي ضعيفة جداً، والصواب ما في مخطوطة ابن سلاَّم، وقد جاء أبو جعفر الطبري بهذا البيت شاهداً على أن الآية: القصة، وأن كعباً عنى بقوله: "آية" رسالة مني وخبراً عني. قال أبو فهر: والآية بمعنى الرسالة لم تذكره كتب اللغة، ولكن شواهده لا تعد كثرة، ومن ذلك قول حجل بن نضلة: أبلغ معاوية الممزَّق آية ... عني فلست كبعض ما يُتقوَّل وقول أبي العيال الهذلي: أبلغ معاوية بن صخر آية ... يَهْوِي إليك بها البريدُ الأعجلُ

стр. 471

وهذا تفسير واضح في الشعر، وأوضح منه قول القائل: أتتني آية من أم عمرو ... فكدت أغصُّ بالماء القَراح فما أنسى رسالتها ولكن ... ذليل من ينوء بلا جناح لتصحيف (١)، يعد إضافة إلى مواد المعجم العربي. ومن هذا الباب - باب التقاط اللغة من كتب العربية، مما لم تفيده المعاجم المتداولة - ما جاء في تفسير الطبري ١٦/ ٢٤٨، يقول أبو جعفر: "وقوله تعالى: ﴿يأت بصيرا﴾ يقول: يعُد بصيراً"، ويعلق أبو فهر: "هذا معنى يفيد في معاجم اللغة، في باب "أتى" بمعنى "عاد"، وهو معنى عزيز، لم يشر إليه أحد من أصحاب المعاجم التي بين أيدينا". ومن تصحيحاته اللغوية العجيبة ما جاء في تفسير الطبري ٩/ ١٨٢: "فجاء اليهودي إلى نبي الله ﷺ يُهْنِفُ"، ويعلق أبو فهر فيقول: "في المطبوعة والمخطوطة - من تفسير الطبري - "يَهْتِف" بالتاء كأنه أراد يصيح ويدعو رسول الله ﷺ ويناشده، ولكنىِ رجحت قراءتها بالنون، من قولهم: أهنف الصبي إهنافاً: إذا تهيأ للبكاء وأجهش. ويقال للرجل: أهنف الرجل: إذا بكى بكاء الأطفال من شدة التذلل. وهذا هو الموافق لسياق القصة فيما أرجح". ومن ذلك أيضاً ما علق به على قول ابن سلاَّم في الطبقات ص ٥: "وللشعر صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم"، يقول أبو فهر: "كتب في المخطوطة "صِناعة" بكسر الصاد، ثم ضُرب على الكسرة (أي شطب) ووُضع على الصاد فتحة، وكذلك فعل بعد في لفظ "الصناعات"، وقد خلت كتب اللغة من النص على "صَناعة" بفتح الصاد، إلا أني وجدت في كتاب "الكليات" لأبي البقاء ما نصه: "والصَّناعة بالفتح تستعمل في المحسوسات، وبالكسر في المعاني"، ولكن إجماع كتب اللغة على ذكر

стр. 472

"الصِّناعة" بالكسر، وأنها حرفة الصانع وعمله بيديه، دال على أن "الصَّناعة" بالفتح في المعاني دون المحسوسات، وأنها الحذق والدُّربة على الشيء". وتأمل صنيع أبي فهر، لقد أفاد من صاحب "الكليات" ضبط "الصناعة" بفتح الصاد، لكنه خالفه في توجيه معناه! . تصحيح الكلام: على أن من أعجب ما ألقاه الله على قلب هذا الرجل، من تصحيح الكلام الذي شاع خطأه في الكتب، ولم يتنبه له أحد، ما جاء في قصيدة عبد الله بن الزِّبَعْرَى يوم أحد يرثي قتل المشركين (طبقات فحول الشعراء ص ٢٣٨): حين أَلقَتْ بقَناة بركها ... واستحرَّ القتل في عبد الأشَلْ يقول أبو فهر: "في جميع ما وقع في يديّ من الكتب "بقباء" - يعني مكان "بقناة" - وقباء قرية على ميلين أو ثلاثة من المدينة على يسار القاصد إلى مكة، فهي إلى جنوب المدينة. وهذا أمر مشكل كل الإِشكال، فلم أر أحداً ذكر أن القتال يوم أحد نشب في قباء، وجبل أحد في شمال المدينة بينها وبينه ميل أو نحوه، ويقول البكري في معجم ما استعجم ١١٧: "أحد: جبل تلقاء المدينة دون قناة إليها"، وقناة هذه التي ذكرها البكري أحد أودية المدينة، وادٍ يأتي من الطائف حتى يمر في أصل قبور الشهداء بأحد. فأكاد أرجّح أن في رواية هذا الشعر خطأ قديماً جداً، وأن صواب الرواية ما أثبته في الشعر" ... وانظر بقية كلامه فإنه نفيس جداً. وبعد ذلك البيت يقول ابن الزبعرى: فقبلنا النصف من سادتهم ... وعدلنا ميل بدر فاعتدل ويقول أبو فهر: "وهذا أيضاً بيت تكثر روايته في سائر الكتب "فقتلنا النصف" أو "فقتلنا الضعف" وهو خطأ كله؛ فإن المشركين لم يقتلوا يوم أحد نصف المقاتلة، فإن من شهد القتال من المسلمين في يوم أحد سبعمائة، قتل منهم أربعة وسبعون من الشهداء، ولا قتلوا ضعف ما قتل المسلمون يوم بدر من المشركين، فإن عدة قتلى

стр. 473

بدر من المشركين سبعون أو أربعة وسبعون. وإنما أراد ابن الزبعري أنهم قتلوا من المؤمنين في أحد مثل الذي قتله المسلمون منهم يوم بدر، فانتصفوا منهم، أي أخذوا حقهم كاملاً حتى صاروا على النصف سواء ... يقول: قبلنا يومئذ العدل واكتفينا به، فقتلنا من سادتهم في أحد مثل عدة من قتلوا من سادتنا في بدر. ويدل على ذلك قوله: "فعدلنا ميل بدر فاعتدل"، أي صار سواء لم ترجح كفة على كفة". ويتصل باللغة النحو، ولأبي فهر فيه وقفات جياد، تدل على حسن نظر وتمام فقه، ويلقاك هذا في كثير من تعليقاته وحواشيه، وحسبك أن تقرا في مقدمة كتابه: "رسالة في الطريق إلى ثقافتنا" شرحه لعبارة سيبويه التي جاءت في أول كتابه: "وأما الفعل فأمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء، وبنيت لما مضى، ولما يكون ولما يقع، وما هو كائن لم ينقطع"، فقد أدار على هذه العبارة كلاماً عالياً لم يذكره أحد من شراح سيبويه، ولا من غيرهم من النحاة. ويرى النحاة أن جَذِيمة الأبرش الشاعر الجاهلي القديم قد ارتكب ضرورة نحوية في قوله: ربما أوفيت في علم ... تَرْفَعَنْ ثوبي شمالات حيث أكد الفعل "ترفع" بالنون الخفيفة، وليس هذا من مواضع التوكيد؛ لأن الكلام موجب، فأنت لا تقول: "أنا أقومن إليك"، ويعلق أبو فهر: "ويقول النحاة: زاد النون في "ترفعن" ضرورة، وأقول إنها لغة قديمة لم يجلبها اضطرار"، طبقات فحول الشعراء ص ٣٨، وزاد ذلك في كتابه الفذ: أباطيل وأسمار، فقال في ص ٣٨٧: "وقال: "ترفعن ثوبي"، ولم يقل: "ترفع أثوابي"، وارتكب تأكيد الفعل بالنون في غير موضع تأكيده؛ لأنه جعله في حيز كلام مؤكد حذفه، ليدل على معنى ما حذف، كأنه قال: "ترفع ثوبي شمالات، ولترفعنَّه هذه الرياح الهوج، مهما جهدت أضمّ على ثوبي وأجمعه، فلما حذف "ولترفعنه" ارتكب تأكيد الفعل الأول في غير موضع تأكيد".

стр. 474

قلت: وقد دلَّنا شيخنا أبو فهر مشافهة - على موضع آخر لهذه الظاهرة النحوية، في شعر لحسان السعدي، وهو من أقدم ما قيل في الجاهلية، وهو قوله: أرى الموت ممن شارك الماء غاية ... له أثر يجري إليه ومنتهى فلا ذا نعيم يَتْرُكَنْ لنعيمه ... وإن قال فرِّطني وخذ رشوة أبى ولا ذا بؤوس يَتْرُكَنْ لبؤوسه ... فتنفعه الشكوى إذا ما هو اشتكى النوادر في اللغة لأبي زيد الأنصاري ص ٣٥٨. أما البصر بمعاني الشعر، والوقوف عند وقائعه، وترجيح رواياته، فقد أوفى فيه أبو فهر على الغاية، والشعر كان ولا يزال هو مدخله إلى ثقافة هذه الأمة وحضارتها، وكانت قضية انتحاله والشك فيه هي المفجر الأول لطاقاته وإبداعه، ثم كانت هي الدافع له إلى أن يظهر على فروع الثقافة العربية كلها، ولا سبيل إلى ذكر كل تجليات أبي فهر في فهم الشعر وتذوقه، وتخطئة الأقدمين والمحدثين في فهمه، فذلك مما يحتاج إلى سفر خاص، ولنكتف بذكر مثال واحد: أنشد أبو جعفر الطبري في تفسيره ٩/ ٤٧٣ هذا الرجز المشهور لرشيد بن رميض العنزي - وهو الذي أنشده الحجاج بن يوسف الثقفي فيما بعد: قد لفَّها الليل بسوَّاقٍ حُطم ... ليس براعي إبل ولا غنم بات يقاسيها غلام كالزَّلم ... خدلَّج الساقين ممسوح القدم ورواية الشطر الأخير مما استفاضت به كتب العربية، لكن أبا فهر يقول: "خدلَّج الساقين: ممتلئ الساقين، وهذا غير حسن في الرجال؛ وإنما صواب روايته ما رواه ابن الأعرابي: "مهفهف الكشحين خفَّاق القدم"، أي ضامر الخصر". تصحيح رواية الشعر: وتصحيح اللغة وتصحيح رواية الشعر مما يفيض ويتسع في كتابات وتحقيقات أبي فهر كلها، وهو موصول بما كتبه الأوائل في ذلك، مثل التنبيهات على أغاليط الرواة، لعلي بن حمزة البصري (٣٧٥ هـ)، والتنبيه على حدوث التصحيف لحمزة بن

стр. 475

الحسن الأصفهاني (٣٦٠ هـ)، وشرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف، لأبي أحمد العسكري (٣٨٢)، وتصحيح التصحيف وتحرير التحريف، لصلاح الدين الصفدي (٧٦٤ هـ)، ألم أقل لك إن الرجل ماضٍ في طريق الأوائل؟ والذين لا يقرأون محمود محمد شاكر قراءة جيدة، ولا يفهمون فكره حق الفهم، يقولون: إنه غارق في التراث إلى أذنيه، لا يكاد يدير وجهه عنه، وأنه شديد العصبية لآثاره ولرجاله، لا يقبل فيه ولا فيهم نقداً أو معابة، وهذا صحيح من وجه، لكنه باطل من وجه، فوجه صحته أنه شديد التمسك بذلك الإِرث العظيم؟ لأنه قراه وعرف مواضع العزة فيه، ثم إنه رأى أن الذين يعيبونه ويتنقَّصونه لا يصدرون عن علم ولا هدى، وإنما هو الهوى الجامح والمتابعة العمياء، والنظر لثقافات الأمم الأخرى بعين الذليل. ووجه بطلانه انه لا يسلِّم بالتراث كله، ولا يذعن لرجاله كلهم، فهو يعرف وينكر، وينفي ويثبت، وآية ذلك ما تراه من نقده لبعض كتب الأوائل، ثم من نقده لبعض رجال ذلك التراث، على جلالة قدرهم وعظم شأنهم، وهذه بعض أمثلة: ١ - وازن أبو فهر بين شرحين لأبي جعفر الطبري والجاحظ، لبيت من شعر الكميت، ولم يرض تفسير الجاحظ له، وقدم عليه تفسير الطبري، ثم نقد الجاحظ نقداً مراً، فقال: "من شاء أن يعرف فضل ما بين عقلين من عقول أهل الذكاء والفطنة، فلينظر إلى ما بين قول أبي جعفر في حسن تأتّيه، وبين قول الجاحظ في استطالته بذكائه ... والجاحظ تأخذ قلمه أحياناً مثل الحِكَّة، لا تهدأ من ثورانها عليه حتى يشتفي منها ببعض القول، وببعض الاستطالة، وبفرط العقل، ومع ذلك فإن النقاد يتبعون الجاحظ، ثقة بفضله وعقله، فربما هجروا من القول ما هو أولى، فتنة بما يقول"، تفسير الطبري ٢/ ٤٨٦، ٤٨٧. ٢ - أبو الحسن المرزوقي شيخ من شيوخ العربية، وهو شارح حماسة أبي تمام، وصاحب كتاب الأزمنة والأمكنة، وصاحب الأمالي، وقد خطَّأه أبو فهر في مواضع من شرحه لأبيات قصيدة تأبّط شراً "إن بالشِّعب الذي دون سَلع"، ومن تلك

стр. 476

المواضع قول أبي فهر: "وأما ثاني اللفظين الطليقين، وهو "مُدِلّ"، فقد أساء الناس فهمه، وتبعوا في ذلك المرزوقي، حين فسره بأنه: "هو الواثق بنفسه وآلاته وعدته وسلاحه"، فهذا تفسير يذبح الشعر بغير سكين"، وقوله: "وأما "يجدي"، فقد ذهب المرزوقي وسائر الشراح إلى أنه من "الجدوى"، وهي العطية، وهذا لغو وفساد"، وقوله: "وهذا فساد كبير في تناول معاني الشعر، ولا يُعدُّ بياناً عنه، بل هو طرح غشاوة صفيقة من "الإِبهام" ينبغي أن تزال، وإلا فقد الشعر بهاءه بانتقاص دلالات ألفاظه وإهمالها". ويصف بعض شروح المرزوقي بأنه كلام لا تحقيق له "وإنما هو كذب محض، وبذلك أباد المرزوقي معنى القصيدة إبادة من لا يرحم". ويقول: "والمرزوقي إمام جليل من العلماء بالعربية، ولكنه ليس من العلماء بالشعر في شيء، وقد جزر البيت جزراً بسكين علم اللغة، واستصفى دمه بتفسيره الذي أساء فيه من جهتين"، ويصف بعض كلام المرزوقي، فيقول: "وهذا كلام بارد غثٌ سقيم، فاختلسه التبريزي في شرحه، فلم يحس بشيء من برده؛ لأنه نشأ بتبريز من إقليم أذربيجان، وهو إقليم بارد جداً"، وراجع لهذه النصوص: كتاب أبي فهر: " نمط صعب ونمط مخيف" صفحات ١٨٢، ١٩١، ٢١٣، ٢٣٠، ٢٥٦، ٢٥٩، وهذا الكتاب من أوثق الدلائل على بصر أبي فهر بالشعر واللغة والنحو. ٣ - ابن فارس من أئمة العربية، وله في التأليف المعجمي كتابان جليلا القدر: المقاييس والمجمل، وفد نقل أبو فهر بعض شروحه اللغوية التي لم يطمئن إليها، فقال: "ولا أدري هل يصح نقل ابن فارس أو لا يصح ... وأنا لا أطمئن إلى أقوال ابن فارس إلا بحجة مؤيدة"، طبقات فحول الشعراء ص ٢٣٨. ٤ - مما نشره أبو فهر قديماً جزء من كتاب "إمتاع الأسماع" للمقريزي، نشره عام ١٩٤٠ م، يقول المقريزي في مقدمة كتابه: "والله أسأل التوفيق لديمة العمل بالسنة"، ويعلق أبو فهر فيقول: "يريد لدوام العمل، فأخطأ، وشبّه عليه حديث عائشة وذكرت عمل رسول الله ﷺ فقالت: "كان عمله ديمة"، شبَّهته بالديمة من المطر في الدوام والاقتصاد".

стр. 477

وبعد: فهذا منهج محمود محمد شاكر، في نشر التراث، سُقْتُه على سبيل الوجازة والاختصار، وقد أدرته على علمه باللغة والنحو والشعر، وبقي بابان من أبواب العلم، ظهر عليهما أبو فهر ظهوراً بجناً، وامتلك أسباب القول فيهما والحكم عليهما امتلاكاً واضحاً: أعني علم التاريخ، وعلم الجرح والتعديل (قَبول روايات الحديث النبوي وردّها)، ولكن المقام لا يتسع الآن للإِفاضة في الكلام على معرفته بهذين العلمين الكبيرين، فلعلي أفرد لهما مقالة أخرى، استأنف بها كلاماً عن هذا الرجل الذي يعد رمزاً ضخماً من رموز حضارتنا العربية، ولكن أسباباً كثيرة حجزته عن الناس، وحجزت الناس عنه، وكان هو نفسه احد الأسباب المعينة على ذلك، بهذه العزلة التي ضربها على نفسه، ثم بتلك الصرامة التي يعامل بها الأشياء والناس، والبشر منذ أن برأهم خالقهم يحبون الملاينة والملاطفة، ثم المصانعة التي أشار إليها زهير بن أبي سلمى في معلَّقته الشريفة، ولكن أبا فهر اختار الطريق الأعظم، وترك الطرق التي تتشعب منه، وهي التي تسمَّى: "بُنَيَّات الطريق"، فكاشف وصارح فيما بينه وبين نفسه، وفيما بينه وبين الناس، ومنذ أن ظهرت أمامه غواشي الفتن التي أحدقت بأمته العربية؟ فتح عينه، وأرهف سمعه، ثم شد مئزره وأيقظ حواسه كلها، يرصد ويحلل ويستنتج، ثم قال: "فصار حقاً علي واجباً ألا أتلجلج، أو أحجم، أو أجمجم، أو أُداري"، أباطيل وأسمار ص ١٠. وكان أن دخل بيته بعد أن استتب الأمر له: علماً وفكراً، مئات من طوائف الناس، من شرق وغرب جالسوه واستمعوا له، فمنهم من آمن بمنهجه، ومنهم من صد عنه، وكان على الذين آمنوا بمنهجه أن يصبروا على لأواء الطريق، ويحتملوا أعباء المتابعة، على ما قال علي بن أبي طالب ﵁: "من أحبَنا أهل البيت فلْيُعِدَّ للفقر جِلباباً"، ولكن لأنه منهج صعب مكلف، وطريق عسر شائك، فما آمن معه إلا قليل! هذا، وما أحب أن أختم كلمتي هذه قبل أن أؤكد ما بدأت به حديثي: أن أبا فهر إنما دخل ميدان تحقيق التراث خدمة وعوناً على قضيته الكبرى: قضية تاريخ أمته

стр. 478

العربية، ثم إزالة الغبار الذي طمس معالمها، وعلى هذا فلا ينصفه من يذكره في عداد المحققين والناشرين. إن تحقيق التراث بالنسبة له عمل هامشي، ولذلك تراه يكتب على أغلفة كثير من تحقيقاته هذه العبارات: قرأه وشرحه، أو قراه وعلَّق عليه، أو قرأه وخرَّج أحاديثه. سيدي أبا فهر: لئن عرف علمك العارفون، وغفل عن ذكرك الغافلون: لقد عُرِفْتَ وما عُرِفْتَ حقيقةً ... ولقد جُهِلْتَ وما جُهِلْتَ خُمولا كتب الله لك السلامة والعافية، وأطال في النعمة بقاءك، وأمتع أهل العربية بحياتك، ويرحم الله عبداً قال آميناً. * * *

стр. 479

دراسة في مصادر الأدب [١] (١) للدكتور الطاهر أحمد مكي هذا كتاب جليل القدر، غَفَلْتُ عنه طويلاً، وأحسب أيضاً أن كثيراً من الناس قد غفلوا عنه طويلاً، ولعل أحداً كتب عنه أو أشاد به لم يبلغني خبره، لكني لم أجد له صدى عند أهل المذاكرة وأرباب المحاضرة. "وحظوظ الكتب كحظوظ الناس، يصيبها ما يصيبهم من ذيوع أو خمول"، وتلك كلمة كنت قلتها في بعض ما كتبت منذ عشرين عاماً، ولا زلت أجد صدقها إلى يوم الناس هذا، لكن الأمر في هذا الكتاب الجليل القدر لا يعود إلى الحط وحده، وإنما يعود إلى أنَّ مصنفه الفاضل كان قد صرح في خطبته، وهي التي يسميها أهل زماننا: المقدمة، صرح بأنه صنعه لطلبة قسم الدراسات الأدبية بكلية دار العلوم، فقضى على كتابه هذا الجليل بأن يحتويه الناس ويصدوا عنه صدوداً، إذ صار عندهم "كتاباً مدرسيّا"، وقد أصبح هذا الوصف في زماننا علامة على الخفة والسهولة، وصار أيضاً مجلبة للتنقص والمعابة، وآية ذلك أنه لا يحسب في موازين الترقيات العلمية، ولا يقدم إلى الجوائز الأدبية، وقد كتبت في ذلك كلمة، في "الهلال - أكتوبر ١٩٩٤". وانتهيت إلى أن الكتاب الجامعي - أو المدرسي - عمل علمي، جيده جيد، ورديئه رديء.

стр. 480

ومهما يكن من أمر فقد أدار المؤلف كتابه هذا على عشرة كتب، هي: طبقات فحول الشعراء لابن سلَّام الجمحي، والبيان والتبيين للجاحظ، والحيوان له أيضاً، والكامل للمبرد، والشعر والشعراء لابن قتيبة، والأغاني لأبي الفرج الأصبهاني، والعقد الفريد لابن عبد ربه، والفهرست لابن النديم، والذخيرة في محاسن أهل الجزيرة لابن بسام، ونفح الطيب للمقَّري. فهذه عشرة كتب كما ترى: سبعة منها في الأدب العربي بمعناه العام، وقد خرجت من المشرق العربي، وكتابان اثنان خرجا من المغرب العربي، وكتاب واحد، هو أقدم ما عرفنا من علم الببليوجرافيا العربية. على أنه مما ينبغي التنبيه عليه أن المؤلف الفاضل حين جاء إلى كتاب "الحيوان" للجاحظ أنبأنا أن هذه دراسة كتبها المستشرق الإِسباني ميجيل أسين بلاثيوس، ونشرها في مجلة "إيزيس Isis" مايو ١٩٣٠، العدد رقم ٤٣، المجلد الرابع عشر، ثم نشرت بعد وفاته في أعماله المختارة، المجلد الثاني الصفحات ٢٩ - ٧٠، مدريد ١٩٤٨ م. وقد نقل المؤلف دراسة بلاثيوس إلى كتابه، وهذه أمانة العلماء. وقد سلك المؤلف في عرض هذه الكتب سبيلاً راشداً، واتبع منهجاً محكماً، خرج بالكتاب من أن يكون للطالب المبتدئ الشادي، إلى أن ينتفع به كل قارئ للعربية، مبتدئاً كان أو متوسطاً أو منتهياً، وما ظنك بدراسة تعرض للكتاب في مخطوطاته بوصفها والدلالة على أماكن وجودها، ومطبوعاته والفرق بين طبعات الكتاب: التجارية منها والمحققة، ومنهج المؤلف في كتابه، ثم الإِبانة عن مكان الكتاب في الفكر العربي والإِنساني، وذكر الدراسات التي قامت حوله قديماً وحديثاً: شرحاً أو اختصاراً أو نقداً وعرض نماذج كاشفة منه. على أن المؤلف الفاضل قبل أن يدخل إلى موضوعه الذي عقد له الكتاب، وهو الحديث عن تلك الكتب العشرة، قدم بمقدمتين نفيستين جداً، شغلتا "١٥٣" صفحة من الطبعة السابعة للكتاب الصادرة عن دار المعارف ١٩٩٣ م.

стр. 481

وتحدثت المقدمة الأولى عن تراثنا العربي من الرواية الشفوية إلى التدوين، وقد عالج في تلك المقدمة قضايا في غاية الأهمية، واستطاع بذكاء شديد وإحكام بالغ أن يجمع كل ما قيل عن نشأة الخط العربي، والنقوش العربية التي وصلت إلينا، وأقدم الكتابات الإِسلامية وتطور الخط العربي وتاريخ النقط والإِعجام، وترتيب الأبجدية العربية عند المشارقة، وعند الأندلسيين والمغاربة. ثم عرض لعصر المخطوطات العربية، وتلك القصة الطويلة من استخدام البردي إلى صناعة الورق، ونشأة المدارس الإِسلامية والمكتبات العامة والخاصة، والإِملاء والنسخ والوراقة، ثم تطرق إلى قواعد النسخ واختلاف النسخ المخطوطة، ومنازل النسخ، وقواعد تحقيق المخطوطات. ويعد ما ذكره المؤلف الفاضل حول قواعد النسخ والمقابلة ومنازل المخطوطات، يعد ذلك كله إضافة جيدة لما كتب في هذا الفن "فن تحقيق المخطوطات"، يوضع مع ما كتبه شيخنا عبد السلام هارون ﵀؛ وما كتبه غيره في هذا العلم. ومن أنفس ما صنعه المؤلف هنا ما ذكره عن "طرق التدوين وشرائط النسخ"، فقد أورد ما ذكره الخطيب البغدادي وابن جماعة والعَلْموي، وبدر الدين الغزي، عن الضوابط والحدود التي يجب على النسَّاخ التزامها، في تقييد العلم وكتابته، وهي ضوابط وشروط صارمة جدّاً، تؤكد في مجملها الثقة في هذا العلم الذي انتهى إلينا محاطاً بكل هذه الأسوار والحدود. وهذه المقدمة التي شغلت تسعين صفحة من الكتاب، من أنفع ما يقدم لطالب في الدراسات العربية، ولو كان لي من الأمر شيء لجعلتها مقرراً واجباً على كل طالب في جميع كلياتنا ومعاهدنا المعنية بالدراسات العربية والإِسلامية، ليس في الدراسات العليا فقط، ولا في قسم الدراسات الأدبية فقط، ولا في كلية دار العلوم فقط.

стр. 482

وتأتي المقدمة الثانية للكتاب، وقد جعلها المؤلف للحديث عن مصادر الشعر الأولى، وعالج فيها جملة من القضايا حول جمع الشعر وتدوينه، فعرض لدواوين القبائل، ودواوين الشعراء، والمجاميع الشعرية، كالمعلقات وشروحها، والمجاميع المنسوبة لجامعيها، مثل المفضليات والأصمعيات، وجمهرة أشعار العرب للقَرْشي، والحماسات والمختارات والأمالي، كل ذلك ذكره وذكر أصحابه ومخطوطاته ومطبوعاته. والكتاب في جملته: سواء في مقدمتيه أو في حديثه عن الكتب العشرة، من خير ما يقدم لطالب الدراسات العربية والإِسلامية، فهو أولاً قد سلم من تلك الثرثرة التي يخوض فيها بعض أساتذة الجامعة من الكلام في المنهج العلمي، والصعود والهبوط مع العموميات التي لا يعود الطالب منها بشيء، ثم في طعنهم في التراث واستهانتهم بالعقل العربي وسخريتهم من علومه وأعلامه، دون سند أو حجة إلا المتابعة والإِخلاد إلى الراحة، والزعم بالانتصار للموضوعية والذود عن حماها، وما هو إلا "ما أصاب حياتنا الثقافية من داء الطراوة والليونة والترهل والركود" كما قال المؤلف في ص ١٥٨ من الكتاب. والكتاب ثانياً مليء بمواضع الفخر والاعتزاز بذلك التراث الذي انتهى إلينا خلال خمسة عشر قرناً، وهي مواقف ثابتة، لا سبيل إلى الطعن فيها، أو الانتقاص منها، لأنها صحيحة السند، ليست وليدة تنفُّخ كاذب، أو ادعاء ساذج. فأول ما يلقى الطالب من كلام المؤلف هو قوله في مستهل مقدمته: "لا أظن أدباً معاصراً له من العمر ما للأدب العربي. إن أقدم نص أدبي، في أية لغة أوروبية معاصرة - مثلاً - لا يتجاوز القرن الثاني عشر الميلادي بحال، وما قبله فآداب بلغات أخرى، اندثرت أو أصبحت تاريخاً يدرس، وحتى هذه الآداب الأوروبية تطورت لتصبح على ما هي عليه الآن، تطورت في الأصوات وفي الدلالة وفي التركيب، فالإِيطالي العادي، والإِسباني غير

стр. 483

المثقف، والفرنسي غير المتخصص، والألماني الذي لا يهتم بالأدب، سيجد من العسير عليه، إذا عاد إلى أدب قومه في القرن الثالث عشر الميلادي، أن يقراه في سهولة، وأن يفهمه في وضوح. أما الأدب العربي فأقدم نص فيه يعود إلى مطلع النصف الثاني من القرن الخامس الميلادي، أي له من العمر ألف وخمسمائة عام كاملة، ولا يجد القارئ العادي صعوبة في قراءته، أو عسراً في تمثل معناه، فقواعده اللغوية هي التي نسير عليها، وتركيب الجملة فيه هو نفس ما نحتذيه، والغموض الذي يصاحب جانبا منه أحياناً مرده سبب آخر غير اللغة نفسها". ويعبر المؤلف عن حقيقة كنت أزداد اقتناعاً بها كلما توغلت في التعامل مع تراثنا في فنونه المختلفة، يقول في ص ٨: "وعبر ألف ونصف ألف من الأعوام، لم يتوقف العقل العربي عن الإِبداع، حتى في أحلك ساعات الأمة العربية، وكانت حصيلة ذلك تراثاً ثقافياً واسعاً، يعكس حقيقة مجتمعه، في سموه واحتضاره، في صعوده وتوقفه". وكنت قد قلت كلاماً شبيهاً بهذا، في تقدمتي لرسالتي للدكتوراه عام ١٩٧٨، وكان مما قلته: " ... وقد شمل هذا النشاط العالم الإِسلامي كله، مشرقه ومغربه، ولم يفضل عصر أو مصر سواهما إلا ما يكون من بعض الفروق الهينة التي تفرضها طبائع الزمان والمكان. أما حركة العقل العربي من حيث هي، فلم تخمد جذوتها، ولم تسكن حدتها، بتغير الحكام وتبدل الأيام، وإن أردت أن تعرف صدق ما أقول فانظر إلى ما اشتمل عليه القرنان السادس والسابع من كبار المفكرين والعلماء، وأنت تعلم أن هذين القرنين قد شهدا أعنف هجوم تعرضت له الأمة الإِسلامية: الحروب الصليبية والغزوة التترية، وقد كان هذا الهجوم الكاسح كفيلاً بالقضاء على هذه الأمة الإِسلامية لولا دفع الله وصيانته بما أودعه في روح العقيدة الإِسلامية من عوامل النماء والبقاء والازدهار. أما ما تسمعه الآن من ثرثرة حول الحروب، وما تحدثه من إحباط وانكسار،

стр. 484

فهو من التعلات الباطلة، والكذب على النفس، وكل أولئك مما يلجأ إليه الضعفة ويحتمي به الكسالى، وإنما هو فساد الزمان وسقوط الهمم". وينبه المؤلف إلى المغيّب من تراثنا، ويذكر أن ما نشر منه ليس كاشفاً عن حقيقته، وأن ذلك كان سبيلاً إلى الطعن والمنقصة، فيقول في ص ١١: "إن تراثنا العقلي ما زال مطموراً، وما نشر منه ليس بأفضله دواماً، وغياب هذه النفائس شجع بعض النفوس الضعيفة، على أن تتخذ من سب الأدب العربي والقائمين عليه وسيلة لمشاغبات تظهر بها، والهدم أسهل من البناء، والسلبية طريقها معبد، والخلق الفني محفوف دائماً بالمكاره والصعاب". ويقول المؤلف الفاضل - في ص ٥٦ - وهو يتحدث عن حركة التعليم العام والخاص في المجتمع الإِسلامي في الفرن الرابع الهجري: "وإلى جانب التعليم العام كانت الطبقات العالية في المجتمع تحضر لأبنائها معلمين خصوصيين، يفقهونهم في الدين والأدب، وفي الكثير من أجزاء الإِمبراطورية الإِسلامية بلغ التعليم الابتدائي قدراً عالياً من الانتشار، ويقرر المستشرق الهولندي رينهاوت دوزي Dozy بأن "كل واحد تقريباً في الأندلس كان يعرف القراءة والكتابة " بينما كانت اوروبا المسيحية لا تعرف إلا اوليات المعارف، وكان عرفانها، لا يعدو طبقة قليلة معظمها من رجال الدين". الحضارة العربية: وحين يعرض المؤلف للحضارة العربية في قرطبة الأندلسية في أوائل القرن الثامن الميلادي يقول: "كانت الحملة الإِسلامية في شبه جزيرة إيبريا، المدخل الجنوبي الغربي لأوروبا، أروع عمل حربي عرفه تاريخ العصور الوسطى، فما هي إلا سنوات سبع "٧١١ - ٧١٧ م" حتى تم فتح شبه الجزيرة التي تعتبر من أجمل وأوسع الأقاليم في أوروبا، وقدر للحضارة العربية بعد نصر يبدو كأنه أسطورة، أن تستقر هناك زمناً، وأن يصبح لها بعد وقت، طابعها الخاص المميز، على الرغم من أصولها المشرقية، وأن تصبح قرطبة - وقد جعل منها السمج بن مالك الخولاني

стр. 485

عاصمة - أعظم مركز للثقافة في أوروبا، وأن تنال شهرة عالمية تبعث الرهبة والإِعجاب، لقد كان لها واحد وعشرون ضاحية، وفيها سبعون داراً للكتب، مرصوفة الطرق، مضاءة الشوارع، زاخرة بالحمامات العامة، في الوقت الذي كانت فيه جامعة أكسفورد - مثلاً - ترى الاستحمام عادة وثنية ... وكانت وسائل الثقافة متاحة للناس جميعاً، وعلى حين لم يكن في بقية أوروبا من يعرف القراءة والكتابة، باستثناء رجال الكهنوت، كانت معرفتها أمراً عاديّاً وشائعاً في إسبانيا الإِسلامية، وقلّ فيها من كان أمِّيّاً" الكتاب ص ٩٢٧. ويقول عن محمد بن سلَّام صاحب كتاب طبقات فحول الشعراء -ص ١٦٣ - : "كان حديثه المفصل عن الانتحال المعالم الهادية لما قام به المستشرقون في أواخر القرن الماضي، وأوائل هذا القرن، من دراسات عن صحة الشعر الجاهلي، ومن احتذى منهجهم وتبنى أفكارهم في العالم العربي، وكل الذين تحدثوا بعده في هذا الأمر كانوا عالة عليه، والفارق بين ابن سلَّام وبين العرب المعاصرين أن الرجل كان يقدر دور الكلمة فلم يتخفف من المسؤولية، ولم يتخذ الشطط مطية، والشهرة غاية، فجاءت آراؤه، وستبقى تشع جلالاً وتواضعاً وإخلاصاً". فأين هذا الكلام الذي يحمل التوقير كله والإِجلال كله لعلمائنا الأوائل، من قول أستاذ جامعي عن الطبيب العربي الشهير ابن النفيس: "إنه حلاق صحة"، وقوله عن أبي حيان التوحيدي: "إنه رجل صايع ولو رآه عسكري يسير في الشارع بالليل لأخذه تحري"؟ والعجيب أنَّ هذا الأستاذ الجامعي يقول هذا الكلام على مسمع من الناس، وهو عائد من حفلة عشاء فاخرة على ظهر باخرة نيلية، في ليلة من ليالي مهرجان أبي حيان التوحيدي الذي أقامه المجلس الأعلى للثقافة (طيب يا أخي خلّي عندك شوية دم، دانت لسه واكل على حساب الراجل! ولقد كان من حق "جابر عصفور" أن يضع أصبعه في حلقك لتقيء ما أكلته على حساب أبي حيان)، فهذا موضع المثل العربي الصادق "أكلاً وذماً"، أي تأكلون أكلاً وتذمون ذماً، أو كما قال عبد الله بن الزبير في

стр. 486

بعض الحروب لجنده: "أكلتم تمري وعصيتم أمري، سلاحكم رث، وحديثكم غث، عيال في الجدب، أعداء في الخصب". ويتحدث المؤلف الفاضل عن مكتبة الصاحب بن عباد، فيذكر أن ما فيها من الكتب يحمل على أربعمائة جمل أو أكثر، وأن فهرس كتبه يقع في عشرة مجلدات" وهي أكثر من كل ما في مكتبات أوروبا العامة والخاصة مجتمعة في العصر الوسيط "، ثم يعلق على هذه العبارة الأخيرة، فيقول في حواشي ص ٦١: "لكيلا ينزعج السادة المتأوربون، فإن التعبير ليس لي، وإنما هو للمستشرق الفرنسي جاك رسلير، في كتابه "الحضارة العربية" ص ٩٢. ولا يفوت المؤلف أن يضع عيون الطلبة على وجه من وجوه الإِنصاف وحرية الفكر في تاريخنا الثقافي، فيقول في ص ٦٧: "وكانت الدولة تضع في المقام الأول من عنايتها نشر الآداب، والعلوم والفنون، ورعاية الكتاب والأدباء والمفكرين، وكان هؤلاء يتمتعون - بصفة عامة - بحرية فكر غير محدودة، ولقد درس الشهرستاني في كتابه "الملل والنحل" العقائد التي كانت سائدة في عصره، في حياد دقيق لا يمكن أن تجد له مثيلاً عند عالم غربي من علماء عصره. ثم ينقل عن ياقوت الحموي قصة ذات دلالة على حرية الفكر عند بعض العلماء العرب، والقصة كما ذكرها ياقوت في ترجمة شيخه "المبارك بن المبارك بن سعيد ابن الدهان، المعروف بالوجيه النحوي" من معجم الأدباء ص ٢٢٦٦، قال ياقوت: "وحدثني محب الدين محمد بن النجار، قال: حضر الوجيه النحوي بدار الكتب التي برباط المأمونية، وخازنها يومئذ أبو المعاطي أحمد بن هبة الله، فجرى حديث المعري، فذمه الخازن وقال: كان عندي في الخزانة كتاب من تصانيفه، فغسلته، ففال له الوجيه: وأي شيء كان هذا الكتاب؟ قال: كان كتاب نقض القرآن، ففال له: أخطأت في غسله، فعجب الجماعة منه وتغامزوا عليه، واستشاط ابن هبة الله وقال له: مثلك ينهى عن مثل هذا؟ قال: نعم، لا يخلو أن يكون هذا الكتاب مثل القرآن أو خيراً منه أو دونه، فإن كان مثله أو خيراً منه - وحاش لله أن يكون ذلك - فلا

стр. 487

يجب أن يفرط في مثله، وإن كان دونه - وذلك ما لا شك فيه - فتركه معجزة للقرآن فلا يجب التفريط فيه، فاستحسن الجماعة قوله، ووافقه ابن هبة الله على الحق وسكت". فمثل هذا الكلام، وتلك الأخبار التي ملأ بها المؤلف الفاضل كتابه، مما يقوي ثقة أبنائنا بماضيهم وتراثهم، ويبعث فيهم الاعتزاز به، والحرص عليه، والدفاع عنه. مواضع للنقد: أما ما يندفع فيه بعض أساتذتنا وزملائنا الجامعيين، من نقد لعلوم الأمة ومعارفها، مع ما يصحب ذلك أحياناً من السخرية والاستهزاء، فهو مما لا يصح ولا يستقيم، ونعم إن في تراثنا مواضع للنقد والتتبع، وهو منقود من داخله من قديم، فقد اعترض على سيبويه إمام النحاة ونقد واستدرك عليه، وكذلك تعرض البخاري للنقد والتصحيح، وممن نبه على أوهامه الحافظ شرف الدين الدمياطي، عبد المؤمن بن خلف المتوفى بالقاهرة سنة "٧٠٥ هـ"، وليس احد إلا وأنت آخذ من قوله وتارك - على ما قاله يونس بن حبيب - ولكن هذه الأمور ينبغي أن تنحى عن طلبة العلم في أول أيامهم، وتؤجل إلى أن يشتد عودهم ويستحصد زرعهم، حتى يستطيعوا أن يميزوا الخبيث من الطيب. وقد زان هذه المعارف التي امتلأ بها الكتاب أسلوب مشرق، وبيان عذب، ارتفع بها المؤلف عن هذا الجفاف، وذلك العسر اللذين يشيعان في كتابات كثير من الجامعيين الآن. وقد استحيا المؤلف بعض الأبنية والتراكيب الفصيحة التي يتحاشاها كثير من الكتبة الآن، استخفافاً بها، أو غفلة عنها، فمن ذلك استعماله الفعل "كسر" بمعنى قسم وفصَّل، وذلك قوله عن ابن النديم وكتابه الفهرست -ص ٣٠٠ - "وقد كسر محمد بن إسحاق كتابه على عشر مقالات". وقوله عن المقَّري وكتابه نفح الطيب -ص ٣٧٧ - "وكسره على ثمانية أبواب". واستعمل هذا الفعل الفصيح أيضاً في ص ١٤٥، فقال عن دراسة الدكتور حنا جميل حداد "شواهد النحو الشعرية" قال:

стр. 488

وكسرها على قسمين: درس في الأول منهما المناهج والمصادر، وجمع في الثاني كل شواهد النحو". هذا وقد هُدي المؤلف الفاضل إلى تركيب قديم ضارب في التراث بعروقه، وهو ما ذكره في حديثه عن الخط العربي -ص ٢٦ - قال: "ونحن نواجه قضية علمية لا بأس من إسقاط الروايات التي عجز أصحابها عن مواجهة المشكلة، ولم يصبروا على محنة البحث، فلاذوا بالأسطورة يجدون في رحابها التفسير والتعليل والرضا والراحة". فقوله: "ولم يصبروا على محنة البحث" من التراكيب الدقيقة البديعة، وكنت قد علفت شيئاً شبيهاً به، وقع لي في كلام قديم، عمره أكثر من ألف عام، وذلك ما جاء في كلام للإِمام أبي سليمان الخطابي، وهو أحد أعلام العربية في القرن الرابع، ثم هو صاحب غريب الحديث، وإعجاز القرآن، وتوفي سنة "٣٨٨ هـ"، قال في مقدمة كتابه غريب الحديث ١/ ٥٧: "فحق على طالب الحديث أن يرفق في تأمل مواضع الكلام، ويحسن التأتي لمحنة اللفظ". وهكذا تحيا الألفاظ والتراكيب العربية الفصيحة، وتنتقل من جيل إلى جيل، كما تجول النُطَف في الأصلاب الكريمة، وكما تنتقل الخصائص في السلالات الزاكية، ودعك من الذين يقولون بالأساليب التراثية، والأساليب المعاصرة، واستحداث المنافرة والمدابرة بينهما، فإنما هو العجز ولا شيء غير العجز. وبعد: فهذا عرض سريع للكتاب يغري بقراءته، ولا يحيط بمحاسنه، ولم يبق إلا الاستجابة لما قاله المؤلف في خطبة كتابه من أنه سوف يكون سعيدا بأي ملاحظة لتقويم عمله وإصلاح ما قد يكون داخله من نقص أو خطأ. وهو موضوع المقالة التالية إن شاء ربك. * * *

стр. 489

دراسة في مصادر الأدب [٢] (١) للدكتور الطاهر أحمد مكي فرغت في المقال السابق من عرض هذا الكتاب الجليل وبيان فضله وجدواه على ناشئة هذا الجيل. واليوم أستجيب لرجاء المؤلف الفاضل في قبول أي ملاحظة تعين على تقويم عمله هذا، وتصلح ما قد يكون قد داخله من نقص أو خطأ، فأقول وبالله الاستعانة: أول ما يجب مناقشته من قضايا الكتاب ما ذكره المؤلف الفاضل في ص ٤٣ عن تاريخ النَّقْط في الحروف العربية، قال: "وأول محاولة للنقط كان دافعها وهدفها، كبقية العلوم الأخرى: الحفاظ على دقَّة ضبط القرآن الكريم، وكان الناس يقرأون في مصاحف عثمان ﵀ وهي غير منقوطة ولا معجمة فيخطئون القراءة، فكلمة (سلو) قرأها حفص بن سليمان بن المغيرة (نبلو) وقرأها عبد الله بن مسعود (تتلو)، وكلمة (سسا) قرأها حفص (تثبيتا) وقرأها مجاهد بن جبر (تبيينا). والآية (جعل السفيه "السقاية" في رحل أخيه) قرأها رجل: (جعل السفينة في رجل أخيه) وأمثلة أخرى كثيرة، وقف عليها حمزة الأصفهاني مؤلفًا كاملاً هو "التنبيه على حدوث التصحيف". ومؤدى هذا الكلام أن الاختلاف في القراءات القرآنية راجع إلى تجرد المصاحف من نقط الحروف، وأن ذلك جعل كل إنسان يقرأ بما يؤديه إليه اجتهاده.

стр. 490

وهذا خطأ محض، ووهم غليظ - وليغفر لنا الأستاذ الكبير هذه الأوصاف؟ لأن الأمر يتصل بكتاب ربنا ولعل أول من وقع في ذلك في عصرنا هو المستشرق المجري جولدزيهر (١٨٥٠ - ١٩٢١ م) وذكره في كتابه "مذاهب التفسير الإِسلامي" ثم ردده من بعده المستشرق الأسترالي الأصل آرثر جفري، وذكره في مقدمة تحقيقه لكتاب "المصاحف" لابن أبي داود الذي نشره بالمطبعة الرحمانية بمصر ١٣٥٥ هـ- ١٩٣٦ م، وقد خُدع بذلك الرأي بعض الباحثين العرب، ومنهم الدكتور عبد الواحد وافي، ﵀، وذكره في كتابه "فقه اللغة" في طبعته الأولى، ولكنه عدل عنه في الطبعات التالية. وقد رد هذا الرأي ودفعه الدكتور عبد الفتاح شلبي في كتابه "رسم المصحف العثماني" والشيخ عبد الفتاح القاضي، في كتابه "القراءات في نظر المستشرقين والملحدين". السند المتصل: وخلاصة الأمر في هذه الفضية: أن القراءات القرآنية كلها أساسها السند المتصل والرواية المتواترة عن رسول الله ﷺ بما نزل به جبريل ﵇. فالقراءة سنة وإتباع وأثر، ولا دخل لرسم الحروف فيها، ولا دخل كذلك للغة ولا للنحو، وعلماء اللغة والنحو يحتجون للقراءات، أو يحتجون لها بعد ثبوتها بالرواية والسند الصحيح، وقد أشرت إلى شيء من ذلك في مقالة سابقة بالهلال (سبتمبر ١٩٩٥ م) فلا أعيد ما ذكرته هناك. (أنظر ص ٣٩٩). لكني أذكر هنا مثالين لاختلاف القراءات تبعًا لاختلاف الرواية فقط، مع أن الرسم العثماني واحد غير مختلف: المثال الأول: في قوله تعالى في فاتحة الكتاب ﴿مالك يوم الدين﴾ [الفاتحة: ٤]، وقوله عر وجل: ﴿قل اللهم مالك الملك﴾ [آل عمران: ٢٦]، وقوله سبحانه في سورة الناس: ﴿ملك الناس﴾. فلو تأملت المواضع الثلاثة في

стр. 491

المصحف لوجدت الكلمة فيها هكذا ﴿ملك﴾ بالميم واللام والكاف، ولكنَّ حفصًا يقرأ عن عاصم - وهي قراءتنا نحن المصريين - في فاتحة الكتاب ﴿مالك﴾ بالألف بعد الميم، وكذلك يقرأ آية آل عمران، أما في سورة الناس فيقرأ ﴿ملك﴾ بدون الألف، فلو كان حفص يقرأ وفق الرسم والشكل لقرأ الثلاثة ﴿ملك﴾ ولكنه يقرأ بالرواية المتواترة. وانظر تفصيلاً أكثر في كتاب الدكتور عبد الفتاح شلبي: رسم المصحف العثماني ص ٣٣. والمثال الثاني: قوله تعالى: ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال﴾ [البقرة: ١٩٧]، وقوله تباركت أسماؤه: ﴿لا بيع ولا خلة﴾ [البقرة: ٢٥٤]، قرأ ابن كثير وأبو عمرو الآية الأولى ﴿فَلا رَفَث وَلا فُسُوقٌ﴾ بالضم والتنوين، وقرءا الآية الثانية ﴿لا بَيْعَ فِيهِ وَلا خُلَّةَ﴾ بفتحة واحدة خفيفة. ووجه قراءة الضم أن "لا" هنا تعمل عمل "ليس" فيرتفع الاسم بعدها على أنه اسمها، ووجه قراءة الفتح أن "لا" هنا هي النافية للجنس، فالاسم بعدها يبنى على الفتح في محل النصب، ويقال: إنه اسم "لا" النافية للجنس، التي تعمل عمل "إنَّ". فلو كان ابن كثير وأبو عمرو يقرءان وفق الشكل أو الوجه النحوي لقرءا الآيتين قراءة واحدة، إما بالضم في الاثنتين، أو بالفتح فيهما، ولكنها الرواية والتلقي. ولا أحب أن أغادر هذا المكان دون أن أناقش هذه القراءة التي أشار إليها الأستاذ الفاضل (جعل السفينة في رجل أخيه) - وهي تصحيف لقوله تعالى من الآية ٧٠ من سورة يوسف ﴿جعل السقاية فى رحل أخيه﴾. فهذه القرءة مما يتكفه به أهل زماننا، وواضح أنها قراءة مصنوعة، كما صنعت أمثلة أخرى من التصحيف أريد بها التسلي أو الإِضحاك ممن نسبت إليه. وهذه القراءة المصحَّفة تنسب إلى "عثمان بن أبي شيبة" المتوفى سنة ٢٩٣ هـ ويقولون إنه نبه على هذا التصحيف، وأن صواب التلاوة ﴿جعل السقاية فى رحل أخيه﴾ فقال: "أنا وأخي أبو بكر لا نقرأ لعاصم" ويعلق الحافظ الذهبي على ذلك فيقول:

стр. 492

"فكأنه كان صاحب دعابة، ولعله تاب وأناب" ميزان الاعتدال في نقد الرجال ٣/ ٣٨، ويقول الحافظ ابن كثير: "وما ينقله كثير من الناس، عن عثمان بن أبي شيبة، أنه كان يصحف قراءة القرآن، فغريب جدًا؛ لأن له كتابًا في التفسير، وقد نقل عنه أشياء لا تصدر عن صبيان المكاتب". الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث ص ١٧١. ومما يؤكد كلام ابن كثير هذا أن الأئمة اثنوا على "عثمان بن أبي شيبة" الذي تنسب إليه هذه القراءة المنكرة، فقال عنه يحيى بن معين "ثقة مأمون"، وذكر الذهبي أن الإِمام البخاري أكثر من الرواية عنه في "صحيحه" ... انظر: سير أعلام النبلاء ١٥٣، ١١/ ١٥٢، ١٥٣. فقصة التصحيف في الآية مصنوعة مكذوبة إن شاء الله. فهذه أخطر قضية يناقش فيها الأستاذ الكبير، وهو مرجو إن شاء الله أن يبادر إلى طبعة جديدة من الكتاب، يصلح فيها هذا الخطأ الضخم. ومما يناقش فيه المؤلف الفاضل أيضاً ما ذكره في ص ٢٣٠، وهو يتحدث عن خصائص أبي العباس المبرد الأسلوبية في كتابه "الكامل" قال: "ومن لوازم المبرد، في الشرح أن يتبع قوله بكلمة" يا فتى" مما يوحي بأن الكتاب في الأصل أمالي ألقاها على طلابه". وأقول: هذه العبارة "يا فتى" لا صلة لها بالأمالي، وإنما هي كلمة كان المبرد يستعين بها رمزاً للوصل ولبيان وتحقيق حركة الإِعراب لا حركة البناء في الكلمة التي تسبقها، وقد نبه على هذا العلامة الشيخ محمد عبد الخالق عضيمة، في تقدمته لكتاب المبرد "المقتضب" ص ١٠٠، وأشار إلى أن سيبويه قد استعمل ذلك مرتين في كتابه، وكذلك ثعلب في مجالس. قلت: وقد استعمل سيبويه "يا فتى" مرة أخرى في الكتاب ٣/ ٣٢٠. وهذا نمط من التركيب، يلجأ إليه المصنفون قديمًا، يأتون بكلمة، قد تكون

стр. 493

اسماً وقد تكون فعلاً، بعد كلمة، يريدون بيان آخر حرف منها، إعراباً أو بناء، وقد استعمل ذلك سيبويه وثعلب، كما ذكر الشيخ عضيمة. وتختلف صيغة هذا التركيب من مؤلف لآخر، فقد استعمل سيبويه "قبل" فقال - في غير ما ذكره الشيخ عضيمة - "ومررتم بجواري قبل" واستعمل أبو عمرو الشيباني "يا فتى" كما استعملها المبرد. فقال: "وما جئته قط يا فتى" كتاب الجيم ٣/ ٧٤، وكذلك أبو سعيد السيرافي، فقال: "هذه جوار يا فتى" ضرورة الشعر ص ٦٥، واستعمل يعقوب ابن السكيت "يا هذا" فقال: "لعب الصبيان خراج يا هذا" إصلاح المنطق ص ٢٨٧ وفي كتابه حروف الممدود والمقصور ص ٧١، استعمل "فافهم" وذلك قوله: "وتميم وقيس يقولون: القصيا فافهم". واستعمل أبو عمر الزاهد "يا هذا" فقال: "هم النشأ يا هذا" تهذيب اللغة ١١/ ٤١٨، وكذلك ابن دريد، قال "فهو من اللبأ يا هذا" الاشتقاق ص ٣٢٥، وأبو حيان التوحيدي، فقال في جمع حصان "والجمع حصن يا هذا" البصائر والذخائر ١/ ٢٢. واستعمل سيبويه "كما ترى" قال: "وذلك قولك: جاءٍ كما ترى" الكتاب ٤/ ٣٧٦. وكذلك استعملها أبو الحسن علي بن الحسن الهنائي الملقب بكراع النمل، قال: "ويقال: هو شناج كما ترى" المنتخب من غريب كلام العرب ١/ ١٦٠. وقد خفي المراد من هذه الكلمة على مشيخة دار الكتب المصرية الذين قاموا على تصحيح ديوان كعب بن زهير ﵁، فقد قال شارح الديوان أبو سعيد السكري، يشرح عبارة "الأسود الضواري: الضواري اللواتي قد ضرين بأكل لحوم الناس، الواحد: ضار كما ترى" ديوان كعب بن زهير ص ٢٨. قال مصححو دار الكتب المصرية في الحاشية: "هذه الجملة "كما ترى" لا لزوم لها في الكلام".

стр. 494

مناقشات مهمة: وتبقى جملة مناقشات أسوقها بحسب ورودها في الكتاب: ص ١٨: ضبط الفعل "ينميه" بضم الياء وفتح النون وتشديد الميم، وهو ضبط غير صحيح، فضلاً عن أنه يكسر وزن البيت، والصواب "يَنْمِيهِ" بفتح الياء وسكون النون وكسر الميم خفيفة. ويقال: نماه إلى أبيه ينميه نميًا: أي نسبه. ص ٢١: إن بالشعب إلى جنب سلع. والصواب: إن بالشعب الذي دون سلع. ص ٤٢: أبو عمر إسحاق. والصواب: أبو عمرو. وتكرر في ص ٢٥. وفي الصفحة نفسها ذكر من تلاميذ المفضل الضبي: ابن العربي. وهذا من التطبيع، والصحيح: ابن الأعرابي، وسيأتي حديثه مرة أخرى. ص ٤٣: ذكر أن كتاب التنبيه على حدوث التصحيف لحمزة الأصفهاني مخطوط بإيران. وقد طبع الكتاب بمجمع اللغة العربية بدمشق سنة ١٣٨٨ هـ - ١٩٦٨ م بتحقيق محمد أسعد طلس، ومراجعة أسماء الحمصي وعبد المعين الملوحي. هذا ومما يحسن التنبيه عليه هنا أن عبارة المؤلف عن كتاب حمزة في التصحيف توحي بأنه عقد كتابه كله للكلمات المصحفة في القرآن الكريم، فهو يقول بعد ذكر ثلاثة أمثلة من القرآن الكريم، ويرى أنها اختلفت قراءتها للتصحيف بخلوها من النقط - وقد دفعت ذلك بحمد الله - يقول: وأمثلة أخرى كثيرة وقف عليها حمزة الأصفهاني مؤلفًا كاملاً، هو التنبيه على حدوث التصحيف. والحقيقة أن الكتاب يعالج قضية التصحيف بعامة، في الكلام المنثور والمنظوم. ثم إن ما ذكره حمزة من ذلك في القرآن الكريم إنما شغل من الكتاب ست صفحات ليس غير، من ص ١٥٤ إلى ص ١٥٩، وهو الباب الرابع من الكتاب.

стр. 495

ص ٥٨: ذكر أن آخر من أملى من اللغويين أبو القاسم الزجاجي المتوفى (٣٣٩ هـ) لكنا رأينا بعد ذلك ابن الشجري المتوفى (٥٤٢ هـ) يملي "أماليه" الشهيرة، وابن الحاجب المتوفى (٦٦٤ هـ) يملي "أماليه" المعروفة. ص ٩٥: ذكر تاريخ وفاة الخطيب البغدادي (١٠٧١ م)، والأولى ذكر التاريخ الهجري (٤٦٣ هـ) وبعده يذكر التاريخ الميلادي، وتكرر ذلك في غير موضع من الكتاب. ص ٦٧: أشار إلى كتاب أبي العلاء المعري في نقد القرآن، والصواب "نقض" بالضاد، وليس "نقد" بالدال، وقد ذكرت ذلك في المقالة السابقة. ص ٧١: ذكر المؤلف هنا كلاماً جيدًا عن "طرق التدوين وضوابط النسخ والمقابلة" مما يؤكد الثقة الكاملة بهذا التراث الذي وصل إلينا. وقد أورد المؤلف طائفة جيدة من مراجع هذا الموضوع. وأحب أن أضيف إلى ما ذكر هذه المراجع: المحدِّث الفاصل بين الراوي والواعي، للحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي المتوفى (٣٦٠ هـ)؛ والجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، للخطيب البغدادي المتوفى (٤٦٣ هـ)؛ والإِلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع، لعياض بن موسى اليحصبي السبتي المتوفى (٥٤٤ هـ)، وأدب الإِملاء والاستملاء، لعبد الكريم بن محمد بن منصور السمعاني المتوفى (٥٦٢ هـ)، وكنت قد علقت من هذا الكتاب الأخير كلمة عالية عن الأصمعي، تكتب بماء الذهب، وهي قوله في ص ١٤٥: "من لم يحتمل ذُلَّ التعلم ساعة بقي في ذُلِّ الجهل أبدًا". ص ٧٧: نقل عن كتاب "المقايسات" لأبي حيان التوحيدي، قول إبراهيم الصابي: "رفع ما وهى يحتاج إلى تدبير" والصواب "رقع" بالقاف، وليس "رفع" بالفاء، ونقل أيضاً قوله: "من جهة صاحبه الأول ومن كان أولى به، وكان كالأبله"، والصواب: "وكان كالأب له" فهما كلمتان لا كلمة. وهذا النقل في ص ١٥٤ من
следующие страницы →